واقع التدين بالمغرب (3/2) : الأعراض الرئيسية للمرض


اعتلال الأمة

لقد شهد النصف الأخير من هذا القرن موجة هائلة من الوعي الإسلامي عمت المغرب والعالم كله، فضلا عن عديد من الخطوات المهمة اتخذتها أجزاء من هذه الأمة على طريق التحرر الذاتي، ورغم هذه الخطوات الى الأمام، فإن هذا القرن نفسه قد شهد انتكاسة شديدة تمثلت في اندفاع عام عند المغاربة لتقليد الغرب. هذا الاندفاع نجح في تجريد الطبقة العليا من المجتمع المغربي من إسلامها والتوهين من عزيمة الباقين. لقد غُشيت الرؤية الإسلامية برؤية أجنبية وفدت إلينا مع الغزاة المستعمرين، ولما رحل المستعمر بقيت هذه الرؤية الأجنبية. بل أصبحت أشد خطرا، وبدا المغاربة لعدة أجيال غير قادرين على التخلص منها. .. وعندما نتحدث عن تقليد المغاربة للغرب وتبنيهم لقيم الحضارة الغربية لابد أن نرجع الصراع إلى أصله وأساسهالعقدي، ونشير إلى أنه إذا كانت انحرافات الأديان والحضارات السابقة في الشرك بالله وعبادة آلهة أخرى معه، أو في نسبة ما لا يليق له تعالى، أو في الكفر بنبوة محمد ، فإن انحراف الحضارة الغربية المعاصرة أعظم وأخطر، إنه إنكار الألوهية انكاراً تاما، والتنكر للدين أيا كان، واحلال الإنسان محل الرب سبحانه : مصدرا للمعرفة وللنموذج المجتمعي ومشرعا للقوانين وواضعا للقيم.

إنه استغناء الإنسان بنفسه عن الله، واكتفاؤه بعقله عن الوحي.

على الصعيد السياسي

ما نقوله عن المغرب نقوله عن الأمة ككل، لقد نجحت القوى الاستعمارية في تفتيت “الأمة” الى نحو خمسين وحدة سياسية أو أكثر، وجعلت كلا منها عدوا للأخرى.

بحيث تخلق خلافات دائمة بين كل دولة والدول المجاورة لها. أو تغرس كيانات أجنبية كما هو الحال بالنسبة للمغرب من أجل زعزعة الأمن الداخلي، بحيث تنفق الحكومة الجزء الأكبر من مواردها وطاقاتها لتأمين قوتها في الداخل وسلامتها من الخارج. (المغرب والجزائر + السودان ومصر + البحرين قطر + الصراعات العرقية في الجزائر + مشكل المياه في تركيا مع جيرانها + باكستان مع الهند) كل دولة إسلامية إلا ولها ذراع تؤلمها.

أما على صعيد الأحزاب السياسية فإنها لازالت في المغرب تتغنى باديولوجيات تخلى عنها حتى أصحابها الأصليون.

والأسوء من هذا أن الغرب عمل على ادخال بعض أهل البلد بعد تعبيدهم وصبغهم بالصبغة الغربية في صراعات عرقية لا أساس لها من أجل زعزعة الوئام بين عناصر الشعب، فبدأت تطرح مشكل العرب والأمازيغ من جديد بل انشئت هيئات ومؤسسات لذلك، وصل إلى حد نعت الفتوحات الإسلامية بالاستعمار العربي للمغرب وهذا في مجلة تصدر بالمغرب باللهجة الأمازيغية. فالهيآت السياسية بالمغرب توحدت حول أمر واحد هو القضاء على كل ما هو ديني والقضاء على حركة الوعي الإسلامية عند المغاربة. من هناكان إغراق المجتمع في الفساد الخلقي بشتى أنواعه هدفا استراتيجيا لكل القوى المعادية للمد الإسلامي، لأن الوصول بالرأي العام إلى مستوى الرفض الاختياري لكل ما هو نظيف يعني نجاح (تلقيح) المجتمع ضد الصلاح.

وهو ما اشتهر باسم : (سياسة تجفيف منابع التطرف الديني) وقد تواتر من تصريحات مسؤولين في السلطات المغربية للصحافة الغربية في شأن (التطرف الديني) أن هذه الظاهرة لن يعرفها المغرب. ومن بين التعليلات المقدمة في هذا الشأن : التصريح بكون حرية المرأة المغربية تعتبر عائقا أمام أي (تطرف) ديني، بمعنى أن موجة الانحلال الخلقي كفيلة بتقليص دائرة التدين وحصرها في فئة محدودة من الناس!

على الصعيد الاقتصادي

طبعا المغرب من الدول النامية، أغلبيته الساحقة أميون. إنتاجه من السلع والخدمات أقل كثيرا من الاحتياجات التي تشبع دائما عن طريق البضائع الجاهزة المستوردة. ومن الممكن أن يواجه المغرب مجاعة إذا ما قررت القوى الاستعمارية لأي سبب أن توقف هذه التجارة الظالمة معه. ويعمل الغرب على خلق رغبات ومطالب استهلاكية لمنتجاته.. بينما احتياجات المغاربة إلى آلات إنتاجية لا يلقي إليها أحد بالا. وفي ميدان المنافسة مع المنتجات المحلية للمسلمين يُنجح في طردها من السوق عن طريق السلع المهربة أو المستوردة بطرق قانونية. إن الاكتفاء الذاتي للمغاربة في مجال الزراعة هو العدو الأول للغرب لذا نجد في كل مكان الفلاحين يقتلعون من قراهم نتيجة الوعود الزائفة بحياة أفضل في المدن، واغراء الوظائف المؤقتة في مشاريع لا أمان لها. فيهاجر الفلاحون الى المدن ليعيشوا في مدن من الأكواخ تعتمد أساسا على الأطعمة المستوردة. وهم مستعدون للسير وراء أي مهرج يقودهم.

{وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}(هود : 117) ولم يقل وأهلها صالحون.

وهذا قانون اجتماعي من سنن الله في الخلق البشري {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا}(الاسراء : 16).

وسألت زينت رضي الله عنها رسول الله  : أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : نعم، إذا كثر الخبث<(رواه البخاري في كتاب الفتن). لأن الصلاح إذا صار نادرا في الأمة لا يكون له اعتبار في ميزان الله. هكذا نستفيد أن ضياع المجتمع اقتصاديا إنما يقع بضياع التدين.

على الصعيد الاجتماعي

ونخص بالذكر ههنا ثلاثة إشكالات : المرأة، الأسرة، والشارع.

> فأما لمرأة فهي المحور الأول والأساسي الذي يقوم عليه مشروع محاربة التدين، المشروع التفسيقي التمييعي بكل اتجاهاته، وفي هذه القضية بالضبط تلتقي هذه الاتجاهات كلها مع المشروع الصهيوني!

فما سمي مغالطة (بحرية المرأة) لم يكن القصد منه إلا اعتقال المرأة في حدود جسدها. أن لا تتجاوزحدود الديكور أو الموديل الجسدي في الإدارات والمؤسسات العليا والدنيا؟ وهذه أول أداة لتفسيق المجتمع، حتى إن قياس (التطرف الديني) في بلد ما صار يقاس بمدى (حرية المر أة) في ذلك البلد.

> وللحديث عن الأسرة لابد من الحديث عن الإعلام لأنه من أكثر ما يحرك الأسرة المغربية. ولن نتحدث هنا عن الإعلام الدولي الفضائي. وإنما يكفي أن نشير إلى ما نملك كمغاربة توجيهه لو حسنت النيات ألا وهو الإعلام الوطني. فالقناة الثانية لا يشك أحد في عمالتها لفرنسا لغة وصورة وثقافة، و القناة الأولى تنافسها وتحاول اللحاق بها في عرض المنتوج الفرنسي أو المفرنس مما يكفي لتشويه الفطرة المغربية السليمة في ظرف قياسي وبغض النظر عما ترسخه الصورة والكلمة العارية في النفس من انحراف داخل الأسرة المغربية المستسلمة للمخدر الإعلامي، فإن الخطر الأكبر يكمن في هدم مفاهيم الحياء وكرامة الاعراض، مما يهيء الأب لقبول أي سقوط خلقي يراه في زوجته أو أبنائه! وذلك أفظع ما يمكن أن يقع لهذه الأمة في دينها، لأن الأسرة هي المحضن الأساس للتدين في المجتمع. وهدمها هو هدم آخر معاقل الدين في المجتمع!

فدعوى تغيير مدونة الأحوال الشخصية لا يكمن في الطلاق بيد من يكون ولا النفقة ولا القوامة ولا العدل بين الزوجين بل الجبهة العلمانية إذ ترفع شعارات مثل هذه إنما تعمل على هدم المحضن الوحيد الأكثر فعالية، وهو حصن الحركة الإسلامية الممتاز الذي إذا انهدم لا انتظار إلا للسنة القدرية -لا قدر الله-.

إن أخطر ما تفقده (الأسرة) كمفهوم هو تلك العلاقات التي تنبني عليها : طبيعة (الزوجية) القائمة على قداسة شرعية خاصة! قال سبحانه : {وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا}(النساء : 21)، وقال عز وجل : {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}(البقرة : 187)، إلى غير ذلك من الآيات التي تنص على معنى الخصوصيات النفسية التي تصل إلى الارتفاع بالعلاقات الزوجية إلى ما يشبه حال الاتحاد النفسي والتمازج الوجداني العجيب {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها}(النساء : 1). ومن هذا المحضن الجميل تتوزع فروع الأبناء والأحفاد، ليكونوا أشد اخلاصا لتك الرابطة المقدسة التي أنتجتهم أجمعين.

وهذه المفاهيم تتوالد في علاقات جديدة (بر الوالدين) الحب لهما والطاعة المبنية على استشعار (التعبد لله) إلى غير ذلك من مفاهيم افتقدها الغرب اليوم في بيئته.

> وأما الشارع فهو إفراز الفساد من كل العناصر السابقة.. إنه صالة العرض الدائمة، ولذلك فإن إشاعة الفاحشة فيه مقصد سياسي لتعويد العين الاجتماعية على مظاهره المقرفة حتى تصبح من المألوف اليومي فلا تستنكره بعد ذلك. وهو معنى (التطبيع النفسي) مع المنكر! أول مظاهر هذا الفساد هو ما يسمى (بالموضة) وهي سلوك نفسي يدل على حضور (عقدة النقص) في الشعور أو اللاشعور الفردي والجماعي تجاه الآخر، فلذلك تمارس كوسيلة للتعبير عن المماثلة أو المواكبة للآخر (المتقدم) أو (المتحضر). ونفسية الصارخ بالمو ضة في شكله نفسية منهزمة فارغة من أي بديل حضاري يملأ الوجدان.

مظهر آخر من مظاهر الفساد هو ارتباط الجنسين على غير أساس شرعي وهذه الظاهرة الغريبة قد تفشت في المجتمع المغربي مع الأسف بشكل رهيب وهذا هو الدمار بعينه! وخراب ليس بعده خراب، عندما تموت مفاهيم (الرجولة) والعفة والكرامة والغيرة ويحل محها (الديوثية الاجتماعية) وهي فقدان الحس بالغيرة على محارم الله. ومظاهر الفساد وغياب الوازع الديني في الشارع المغربي لا يمكن حصرها بما فيها من لغة فاجرة وعبارات عارية فاضحة. أضف إلى ذلك قاموس الكفر القائم على سب الرب والدين خلال المشاجرات. أما ظاهرة الخمارات والمراقص والملاهي الليلية فقد استفحلت بشكل فضيع بعد تشجيع رسمي ودعوة خبيثة الى الاهتمام بالسياحة! فإذا بها تتناسل مثل الخلايا السرطانية -والعياذ بالله- على طول الشوارع المغربية الفسيحة! أما ما يسمع في الشوارع المغربية من أغاني منعدمة المضمون أقل ما يمكن أن نقول عنها أنها ضرب من الهستيريا التي لا تعبر عن شيء إلا ما يمكن أن نطلق عليه اللامعنى، وهذا مفهوم سياسي بالدرجة الأولى! إنه الرغبة في خلق جيل لا معنى له، جيل لا يفهم شيئا ولا يسأل عن شيء، إنه العبث أو الموت الذي لا حياة بعده. فأي مجتمع يتحمل كل هذا الانزال التفسيقي المدمر، ولا تعصف به ريح الخراب!.

في العدد المقبل :

على للبنية الثقافية والدينية

ج. وفــــــــــــاء

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *