توسمات جارحة: إلى متى هذا الضياع يا ابنة الشرف والإباء؟!


لعل المتأمل في ظاهر حال المرأة العربية اليوم وما حققته من انتصار، ولو جزئي، على الأمية وما جرته من تخلف، وعلى التهميش وما نتج عنه من شلل لنصف فاعلية الأمة، قد يشعر بالزهو والافتخار، ويعمل على بذل الجهد للقضاء على الأمية في الأمة -بالنسبة للنساء والرجال على السواء- وعلى التهميش في اتخاذ القرار في كل مجالات الحياة. لكن أي محاولة للغوص في عمق هذه الحال يكشف عن فسادها، بل وعن الخلل المتغلغل فيها، الأمر الذي يسهل عمليات اختراق قناعات المرأة نفسها وما تجدَّر في تلك القناعات من أصالة مستقاة من تشريع إلهي قدم مفهوما متكاملا لمايمكن أن تشكله المرأة في الحضارات الإنسانية، كما نظم علاقات المرأة مع كل ما يتعلق بمحيطها. وعمليات الاختراق بدأت منذ وعت المرأة وجودها وكينونتها، وعلاقتها أيضا، وقد يطولالأمر إن حاولنا بسطها، بل ربما كان ذلك تكرارا لما نشاهده حولنا كل لحظة من هذه العمليات التي وجدت مرتعا خصبا في نفس المرأة كلما ابتعدت عن فطرتها وعن أصالتها وعن هويتها. وربما كان أبرز مظهر من مظاهر الاختراق الذي لا يجد أي مناعة تذكر ما تبثه الفضائيات العربية دون استثناء من دروس العهر والفسق المنظمة، والتي تلقتها بدورها ممن يخطط لهذه الأمة مسارها حين تخلت عن مقودها. ومن أعجب الدروس التي تبثها خصيصا للمرأة ما يسمى بـ”فضاء المرأة”، حيث تحصر هذا الفضاء في بطنها وفي طرق تلوين جسدها بمختلف الأصباغ التي تنبه غريزة الحيوان الكامنة في الرجل. وإذا استطاعت المرأة بتلك الدروس أن تنبه هذه الغريزة وتبني بها علاقاتها مع من حولها، تكون قد استحقت بجدارة لقب المرأة العصرية التقدمية، لكن هذا التقدم لن يكون مع الأسف الشديد إلا إلى جهنم ومزيد من الضياع والتشرذم والتخلف وتربية أطفال يتعقبهم الظلام والقهر من كل جانب. أما إذا حاولت هذه الفضائيات أن تغذي الجفاف الروحي الذي لا محالة يحاصر هذه المرأة فإنها تلقي إليها بأخطبوط الأغاني الماجنة، تتلقفها الأسماع وتغيب الأجساد في نشوة الانهيار.. الأمر الذي يحجب أي صرخة يطلقها رضيع فقد والده الشهيد، أو تكبيرات أم دفنت لتوها فلذة كبدها في فلسطين، أو تهليل عروس تخضب فراشها بدماء عريسها الجريح، وهذا ليس سوى غيض من فيض بل من طوفان يتسلق سراديب حياتنا علانية وبإصرار عجيب. والمرأة سادرة في الغي تجري وراء سراب يوهن من ذاكرتها الحية التي ما زالت تحمل مشاعل الخصوبة والشموخ.. وراء سراب كيفما كان نوعه، فهو يسلمها نحو ريح صرصر عاتية تشد رجالها نحو الأرض وتسلم رقابهم إلى من يقودهم وهم قابعون في الذيل يجترّون أوهامهم وأحزانهم.. فإلى متى هذا الضياع يا ابنة الشرف والإباء والعطاء؟؟؟.

<  ذ. أم سلمى

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *