التخلق قبل التخليق : الدرجة الصفر للأخلاق


الأخلاق هي مجموع المنظومة القيمية في بعدها العلمي كمعارف تستقر في العقل والوجدان، وكسلوكات تمس الجوارح والتصرفات، ولا يمكننا الحديث عن الخلُق حقيقة إلا إذا استجاب لشروط :

– الخيرية : وهي استجابة هذه الأخلاق للفطرة الانسانية والبعد الاجتماعي للانسان.

– الاطراد : وهو أن تكون هذه القيم والأخلاق سلوكا متكررا، متواترا، دائما وليس استثنائيا.

– العموم : فالأخلاق سلوك اجتماعي، جمعي يلتزم به الغالب وإن زاغ عنه القليل، يعتقد به الأعم وإن طبقه البعض.

ويصل مجتمع ما أعلى درجات نضجه الأخلاقي وتوازنه القيمي إذا تحققت هذه الشروط الثلاثة كاملة متكاملة بحيث تصبح نمط عيش المجتمع ونزوعه نحو المستقبل، معاييره موحدة، سلوكاته منسجمة.

لهذا شددت الشرائع السماوية على أن تكون الرسالة الأخلاقية واضحة موضِّحة، ومساحتها مهيمنة ومكارمها متممة بنص الخطاب الإلاهي، حتى ولو كانت الأخلاق ممكنة الإدراك عقليا، فلا مجال للانتظار في مسألة بأهمية الأخلاق، ولا مجال للتداول في مسألة ثبوت الأخلاق.

فحتى جماعة اللصوص تحرص على خلق الأمانة والثقة والانضباط بين أعضائها وإلا فقدت توازنها وكذلك المؤسسة العسكرية الأمريكية (البانتاغون) رغم مضمونها الشيطاني الاستكباري، الهيمني فهي تتحرك وفق أخلاق الأمانة والضبط والمسؤولية والصدق بين أعضائها، حتى وهي تخطط لقتل آلاف البشر والأطفال ومصادرة الحقوق.

إن فقدان الأخلاق، وبالأحرى محاربتها ليس إلا ارتباكا حضاريا وضعفا في الأداء الانساني وانحرافا عن خط الاستخلاف.

– فليس التحضر مهما كانت مدنيته وتقنيته، إلا تتميما لمكارم الأخلاق سيرا على ميراث النبوة.

– وليست التنمية الا استجابة لمصلحة الانسان في بعده الأخلاقي القيمي والمعرفي التقني.

– وليس الصدق إلا صدقا فلا يقبل إلىجانبه الكذب والرذيلة والاعلام الكاذب.

– وليست المسؤولية إلا مسؤولية لا تقبل إلى جانبها الغش والرشوة والتسويف والتوافق على مصالح الشعب والتراضي على الباطل والمتاجرة في حقوق الناس ومصالحهم.

-وليس الاجتهاد إلا اجتهادا لا يقبل إلى جانبه مشاريع مبتورة وأعمالا ارتجالية واعتمادا على الآخر وتعطيلا لجهود آلاف الشباب والأطر.

– وليس العدل إلا عدلا لا يقبل أمامه مثقال ذرة من الظلم والسيطرة الإدارية وتكميم الأفواه وسلب الحريات وتبدير الثروات والتفريط في السيادة.

– وليست العبدية إلا خضوعا كاملا خالصا لله لا تقبل استسلاما لبشر مهما كان، ولا رضوخا لمواثيق غربية مهما تجبرت ولا استقبالا لحداثة عبثية مهما زِينت، فلا مجال للشريعة وغير الشريعة بدعوى التوافق والاجتهاد أو المقصدية. فالحاكمية لله جميعا، والاجتهاد يكون منها وإليها.

إن هذه الجولة السريعة في عالم الأخلاق تؤكد لنا أن بلدنا الحبيب المغرب يعيش الدرجة الصفر للأخلاق رغم رسوخه العميق في التاريخ والحضارة، وأن حكومتنا المسؤولة تسعى للدرجة الصفر للأخلاق رغم ادعائها ورفعها شعار التخليق عوض التخلق. وأن مؤسساتنا التعليمية والاعلامية والإدارية تتعامل بالدرجة الصفر للأخلاق مهما افتتحت صفحاتها بالبسملة أو قنواتها بالقرآن الكريم، أو علقت على جدران مكاتبها آيات العدل والرحمة والتوكل على الله.

فأين هي الأخلاق في جهاز حاكم لا ينفعل لكرامة المواطن ومصيره وهو يراه يعيش الدرجة الصفر للفقر والحرية ويفضل الارتماء في ظلام البحر أو الغربة والرذيلة دون أدنى مبادرة عملية اتجاهه أو صدق في الحديث إليه؟!.

وأين هي الأخلاق في حكومة تسمح بكل أنواع الرذيلة تدخل المغرب وتنبث فيه من خمر ومخدرات ودعارة وجريمة وعناصر شاذة من هامش الحضارة الغربية تدعي الفن والتعبير الفني، ومجلات خليعة وأفلام هدامة وغيرها. إننا لا نطلب من الحكومة أن تنمي الأخلاق فالمجتمع كفيل بتجديد جهازه الأخلاقي، لكن نلزم الحكومة من موقع الهوية الإسلامية للوطن أن تقوم فقط بدور الوقاية والمنع الصحيح المشروع.

وأين هي الأخلاق في إعلام يعرض العنف والرذيلة، أغلب مواده غناء ورقص وأفلام خليعة، وأغلب أخباره كذب على الشعب  وتمليل له، وأغلب أفكاره هدم للأسرة واستفزاز وتفسيق للمراهقين والشباب. اعلام من مال الشعب لكن لا يخدم الشعب، لا يستجيب لهمومه ولا لهويته؟!.

بل أين الأخلاق في تعليم يُفترض فيه أن يؤكد عقيدة الأمة ومذهبيتها في نفوس الناشئة، ويقوي كفاءة الإبداع والبحث العلمي لدى الطلاب، أما إعلامنا فإنه بعيد عن هذه الرسالة الوحدوية التنموية، فهو مشغول بالتجارب الفاشلة والتوصيات الدولية والاعلامات الشكلية واغراق مكتبات المدارس بموسوعات الجنس وحرم الجامعة بالسهرات الماجنة والاهتمامات الهامشية؟!.

وأين الأخلاق في نخبتنا السياسية والحزبية والفكرية، أين هي أخلاق الحق والقوة والانتماء والكرامة، بيع في مزاد السلطة والإدارة، وتمثيلية للشعب تقصي الشعب. وحديث باسم الشعب يتجاوز إرادة الشعب. أحزاب ونقابات لا تعدل حتى فيما بين أعضائها، وتدعي تمثيل المواطنين. وجمعيات تدعي تمثيل المرأة المغربية وتقرر باسمها وتتراضى على مصالحها دون أدنى حياء من المساهمة في اللعبة القذرة، لعبة التربية التمثيلية الفارغة.

فحتى الحركة الإسلامية التي رفعت شعار تخليق الحياة العامة نخشى أن تكون مهددة بفقدان رصيدها الأخلاقي لا قدر الله.

إن التنمية المنشودة للمجتمع المغربي في حاجة الى تنمية أخلاقية على أساس العقيدة الإسلامية، والنخبة الحية الشريفة واجب عليها أن تفتح الجبهة الأخلاقية وتؤجل كل الجبهات، بحيث تسعى نحو الأغلبية الأخلاقية لتتوسع على حساب الأقلية الانحلالية. فتشجع مؤسسة الأخلاق وأدب الأخلاقوفن الأخلاق وسينما الأخلاق وإعلام الأخلاق..

بل ما المانع من رفع دعاوى قضائية ضد كل المسؤولين عن مظاهر الفساد الأخلاقي سواء كان المدعى عليه مؤسسة رسمية أو وزير أو مدعيا للفن أو مدعية للشعر أو مدعيا للسلطة، وتكون المحاكمة اجتماعية قبل أن تكون قضائية.

إن مجتمع الأخلاق هو المدخل الآمن للخروج من استخفافنا وإعادة وعينا السوي.

ذ. مصطفى مدني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *