المغاربة المهاجرون بالخارج : سفراء أم منفيُّون؟


عرف المغرب الهجرة نحو الخارج، منذ الخمسينات، وبالضبط في اتجاه أوربا الغربية، لما أرادت هذه الأخيرة إعادة بناء مادمرته الحرب العالمية الثانية، التي فقدت فيها الملايين من سواعدها الوطنية. فكان أول ما اشتغل فيه المهاجرون عموما هو قطاع البناء وقطاع المناجم، وبعد ذلك اشتغلوا في الصناعة والفلاحة، إلى أن جاء الجيل الثاني الذي ولج قطاع السياحة والتجارة، ثم بعد ذلك الخدمات العليا والبحث العلمي..

وهكذا لم يخل أي قطاع من القطاعات الاقتصادية ولا أية منطقة من مناطق الغرب الأوربي، بل حتى بلدان العالم الجديد، أمريكا واستراليا، من المهاجرين العرب والمسلمين، ومن ضمنهم المغاربة، وذلك على جميع المستويات : مستثمرون، إداريون؛ وعمال..

وفي السنوات الأخيرة، بدأ الحديث عن مسألة الإندماج، نظرا لما أصبح لهؤلاء المهاجرين من وزن ديمغرافيواقتصادي واجتماعي، ونظرا للحاجة الماسة إليهم، بحيث أصبحوا عاملا ضروريا لكي تحافظ هذه البلدان على مستواها الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي، وهناك دراسات تتحدث عن حاجة أوربا الغربية إلى عشرات الملايين من المهاجرين الجدد خلال الـ25 سنة القادمة حتى تلحق بركب الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الأخيرة أيضا بحاجة إلى نفس العدد لتحافظ على ريادتها وتفوقها في كل الميادين. ولكن، حتى تحافظ هذه البلدان على سيادتها وهويتها، فإنها تريد هؤلاء المهاجرين جميعا بأجسادهم وعقولهم التقنية بدون أرواحهم ومعتقداتهم وانتماءاتهم الحضارية، أي أنها تريدهم رُوبُووَات (الإنسان الآلي) لا غير. لذلك فاستراتيجيتهم هي تنويع مصادر المهاجرين، حتى لا تطغى أية جالية على السكان الأصليين، وحتى يسهل إدماجهم في الأوساط المحلية. وهكذا بدأ العمل بنظام الحصص (الكوطا)، سواء تم الإعلان عنه كما هو الحال في أمريكا، أو التحكم في تيارات الهجرة كما هو الأمر في أوربا.

والجالية المغربية في الخارج من الجاليات المهمة، إذ تقدر أعدادها الرسمية اليوم بحوالي مليون و 700 ألف نسمة، وإذا أضفنا إليها الذين تخلوا عن الجنسية المغربية والمهاجرين السريين، سيرتفع العدد إلى أكثر من مليونين، بدون احتساب الجالية اليهودية التي هاجرت منذ نهاية الأربعينات، إلى فلسطين خاصة، وإلى البلدان الغربية خصوصا انجلترا وفرنسا وكندا.

ويكفي أن نعلم بأن أول جالية يهودية في فلسطين هي الجالية اليهودية المغربية إذ يتجاوز تعدادها 600 ألف نسمة.

والنظر إلى توزيع المهاجرين المغاربة (انظر الجدول) يمكن التوصل إلى الملاحظات الآتية :

< تركز كبير في أوربا نسبة 81,4% وبالضبط في فرنسا التي يوجد بها 42,1% من المهاجرين المغاربة عموما، و51,7% من المهاجرين المغاربة في أوربا. كما أنهم يستقرون بكثرة في خمس دول أخرى هي : هولندا، بلجيكا، إيطاليا، إسبانبا، وألمانيا. بينما في باقي الدول الأوربية هناك وجود ضعيف لا يتجاوز 3,2% من مجموع المغاربة الموجودين بأوربا، بالرغم من وجود دول أوربية أخرى لها وزن اقتصادي كبير كبريطانيا والنمسا والدول السكندنافية.

< وجود ضعيف جدا في البلدان العربية، بحيث لا تتعدى النسبة 13,2% من مجموع المغاربة المستقرين بالخارج. ونصف هؤلاء المهاجرين يوجدون في ليبيا، والتي يبلغ أعداد العائدين منها أضعاف ما هو موجود فيها الآن نظرا لعدة عوامل منها ضعف الأجور فيها ومنع القوانين الليبية تحويل النقود إلى الخارج. وتأتي الجزائر في الرتبة الثانية، بحوالي 50 ألف مهاجر، ولكن العدد الحقيقي أكثر من ذلك بعشرة أضعاف تقريبا، بحيث حصلت غالبيتهم على الجنسية الجزائرية، ثم تأتي تونس في الرتبة الثالثة بعدد مهم يتناسب وحجم هذا البلد الديمغرافي والاقتصادي. وهكذا، نجد 78% من المهاجرين المغاربة في العالم العربي يستقرون بدول المغرب العربي، و22% يتوزعون على باقي الدول العربية، خصوصا في دول الخليج العربي، ولكن أعدادهم تراجعت بسبب الأوضاع المزرية التي يعيشها العراق الذي كان يستوعب أعدادا لا بأس بها من المهاجرين المغاربة، وبسبب ضعف الأجور وعزوف الدول الخليجية على تشغيل العمالة العربية، بالرغم من أن أغلب هذه الدول يوجد بها الأجانب بنسبة تصل إلى 70% من مجموع السكان أحيانا، بحيث هناك ما لا يقل عن 9 ملايين أجنبي في المنطقة أغلبهم من الجاليات غير العربية، ولو تم الاستغناء عنهم كليا أو جزئيا لكان نصيب المغاربة لا يقل عن نصف مليون مهاجر.

< غياب شبه تام في إفريقيا، بحيث إذا قمنا بقسمة العدد الإجمالي للمغاربة الموجودين فيها على عدد الدول الإفريقية غير العربية (حوالي 45 دولة)، سنحصل على متوسط يقل عن 80 نسمة في كل دولة، بمعنى آخر أن الوجود المغربي في أغلب هذه الدول يقتصر فقط على البعثة الدبلوماسية. وكان من المفروض أن يكون العدد أكثر من ذلك بكثير، نظرا للارتباط الوثيق لأغلب دول القارة خصوصا في شطرها الغربي، تاريخيا وثقافيا بالمغرب. كما أن هذا الأخير ساهم وما يزال في تكوين أغلب الأطر الإفريقية العليا والمتوسطة، وفي جل الميادين. هذا بالإضافة إلى موقعه المتميز فهو بوابة إفريقيا نحو أوربا، ونحو العالم العربي كذلك.

< ازدياد أهمية المهجر الجديد، المتمثل في القارة الأمريكية، وخصوصا أمريكا الشمالية، وأهمية هذه المنطقة تكمن في نوعية المهاجرين إليها والتي تتمثل في الغالب في الأطر العليا والمتوسطة، مما سيحل نسبيا مشكل بطالة هذه الفئة، خصوصا بعدما ارتفعت حصة المغرب، التي تتجاوز 5 آلاف مهاجر بالنسبة للولايات المتحدة، بدون احتساب المهاجرين عن طريق القرعة.

على العموم، ومن خلال هذه الملاحظات، يمكن القول إن المهاجرين المغاربة استوطنوا كل مناطق العالم، ولكن بنسب متباينة، بحيث مازال المهجَر التقليدي المتمثل في أوربا الغربية يهيمن على النسبة الكبيرة. كما أن هذه الهجرة هي هجرة عفوية بدون أي توجيه من الحكومة، بالرغم من أهمية تدخل هذه الأخيرة في تقوية الروابط والعلاقات بين الدولة المغربية ومختلف دول العالم. بل إن موقها السلبي هذا يستمر حتى بعد استقرار هؤلاء المهاجرين في هذه البلدان، بحيث لا توليهم أهمية كبيرة على مستوى تنظيهم وتلبية حاجاتهم، سواء في المهجر أو في الداخل، ففي المهجر، لا توفر لهم المدارس والمراكز الدينية والثقافية.. ولا تعمل على حفظ أمنهم ومصالحهم عبر تدخلاتها الدبلوماسية، وفي الداخل، لا تساعدهم على إنجاز مشاريعهم واستثماراتهم..

لهذا، فالمهاجر المغربي أصبح يشعر بأنه منفيّ، وغير مرغوب فيه، وكل ما يهم حكومته هو تحويلاته الهامة التي أضحت أهم مصدر للمداخيل العمومية للدولة.

الجالية المغربية بالخارج سنة 1997

المصدر : مؤسسة  الحسن  الثاني للمغاربة  المقيمين  بالخارج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *