المسلم في بلاد الغرب بين طموح الاندماج والمواطنة وسياسة الانصهار والصدام


1- المسلمون في المهجر في عصر العولمة وصراع الحضارات :

يلاحظ المتتبع لشؤون المسلمين في البلدان الغربية أن ثمة منعطفات وتحولات مرت بها الجالية المسلمة في الخارج، خاصة إذا نظرنا إلى واقع هذه الاخيرة بموزاة مع التحولات التي مست الكيان الحضاري للغرب منذ الحرب العالمية الثانية التي كرست من أزمة العلاقة الموجودة بين الغرب وغيره من المجتمعات المنتمية الى حظيرة البلدان المجاهدة من أجل الحرية والاستقلال الشمولي، الشيء الذي جعل من علاقة الغرب بالمسلمين، على وجه الخصوص، علاقة اشكالية تحمل بين ثناياها تركة تاريخية من الصراع والمواجهةالمتعددة الأوجه، ظل الغرب خلالها حريصا على إحداث كل ما من شأنه تعزيز هيمنته وتقوية سلطته السياسية والاقتصادية، مدفوعا في ذلك بما تمليه عليه أدبيات المركزية الغربية التي لازالت تجعله في موقع المركز وباقي الشعوب في موقع المحيط.

من هنا القول بأن العلاقة الموجودة بين الغرب والعالم الاسلامي، ليست فقط مجرد علاقة تاريخية أو جغرافية بين كيانين حضاريين تحدهما حدود عقدية وحضارية متخالفة، بقدرما يتعلق الأمر بعلاقة بين نظامين لكل منهما مرجعيته ونسقه وحدوده وآفاقه، وقد سعى الغرب عبر تاريخ صراعه مع المسلمين على وجه الخصوص الى تكريس ايديولوجيته بما يسمح له بإبقاء المسلمين، جغرافية وانسانا وطبيعة، تحت سلطته؛ ذلك أن من أبرز ما تتميز به السياسة الغربية الدولية كونها دائمة البحث عن عدو وخصم يمنحها المبررات الكافية لمواجهته واخضاعه، بل والعمل على توريطه في نزاعات مشبوهة تمنح الساسة الغربيين فرصة تعزيز مناخ المواجهة على كافة الاصعدة، ومنها على وجه الخصوص المواجهة الثقافية.

تدفعنا الحقائق السابقة إلى القول بأنه لابد من الاقرار، ونحن نحاول مقاربة موضوع الاقليات المسلمة في البلاد الغربية، بأنه لا يمكن البتة الفصل بين مناقشة هذا الموضوع وبين مناقشة العلاقة المكهربة الموجودة بين العالم الاسلامي والعالم الغربي منذ قرون طويلة، سواء باستحضار ثقافة التعايش والحوار أو ثقافة الصدام والصراع، وتزداد أهمية عدم الفصل هاهنا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أننا نناقش الوضعية الحضارية للاقليات المسلمة في البلاد الغربية ذاتها والتي لايخفى على أحد ما تختزنه من معاناة ومشاكل وأزمات تنم في مجموعها عن الرغبة الاكيدة لدى قسم كبير من أبناء هذه الاقليات، في تحقيق مطلب المواطنة دون الوقوع في إسار التذويب الحضاري الذي تسعى لتحقيقه سياسة الاختراق الحضاري، وخاصة لابناء الجيل الثالث من هذه الاقليات الذين فتحوا أعينهم وسط بريق الحضارة الغربية، وعاشوا بين جنبات ماديتها حتي النخاع، الشيء الذي يؤكد بما فيه الكفاية أن من أبرز المعاناةالتي يعيشها أبناء الاقليات المسلمة في البلدان الغربية الازمة النفسية التي تتزايد بفعل عامل الضغط الحضاري الذي تمارسه الثقافة الغربية كل حين على أبناء الامة الاسلامية لدفعهم الى الانسلاخ الكلي عن الهوية الاسلامية والقبول بهوية جديدة تمت صياغتها خصيصا أبناء اقليات الشعوب غير الغربية، خاصة وقد تأكد بما لا يدع مجالا للشك أن أصحاب القرار في السياسة الدولية عازمون كل العزم على توحيد الثقافات في ثقافة كونية واحدة هي ثقافة الغرب تحت مبررات واهية لعل من ابرزها أن هذه الاخيرة هي التي تمتلك كل المواصفات الضرورية لاشباع الحاجات المتعددة للانسان في الالفية الميلادية الثالثة. لكن الحقيقة على غير ذلك، بحيث يحتل الاحساس العميق بالقلق تجاه مستقبل الثقافة الغربية مكانة كبرى في بيئة الوعي الغربي، مما دفع بأصحاب القرار السياسي الغربي الى محاولة تطويع أبناء الشعوب الاسلامية بدءبأبناء الجالية المسلمة في بلاده، تطويعا يمكنهم من اعادة صياغة عقول الاجيال المتعاقبة، وتشكيل وعي يؤمن إيمانا راسخا بغلبة الغرب وتفوقه وقدرته على الاختراق، وأنه لا بد من الوقوف في وجه ما تسميه الادبيات الايديولوجية الغربية بالاسلام الاصولي أو الاسلام السياسي، والمقصود به ابتداء العمل الاسلامي الذي تتبناه الحركات الاسلامية المعاصرة. وأمام حالة الاختناق الحضاري الذي يقلل، في كل حين، من أسطورة الغلبة للغرب من جهة، وبموزاة مع انهيار المنظومة الشيوعية التي كانت تشكل العدو الايديولوجي اللدود للغرب الليبرالي من جهة أخرى، أخذ الغرب على عاتقه محاربة الاسلام عن طريق أبنائه بعد ما فشل في التشكيك في أصوله و قواعده وتاريخه، وقد أسست هذه المرحلة الجديدة من الصدام على خلفية مفادها ضرب بنية الوعي الاسلامي وتحطيم نسقية تفكيرالمسلمين باحداث القطيعة بين الايمان والسلوك، وهي أخطر ضربة يوجهها العدو الى خصومه من اصحاب العقائد المخالفة لعقيدته وفلسفته، مما يحدث نوعا من الإزدواجية في حياة الامة، المؤدية بالتدريج إلى مرض الفصام الحضاري الذي لن يدفع بالانسان إلى حضن التيه فقط، بقدر ما سيجعله مركَّب الشخصية تركيبا يدمر شخصيته، ويقتل هويته، ويزعزع فيه عنصر الثقة تجاه عقيدته وكيانه وتاريخه وحضارته، بل ويسلبه قابلية الدفاع عن نفسه، والقدرة على مغالبة عقبات التمكين الحضاري المطلوب كذلك .

2- الاقليات المسلمة في الغرب بين الحق في المواطنة والرغبة في الممانعة :

إن استصحاب هذا السياق الحضاري يشكل، في اعتقادنا، المدخل الحقيقي لمعالجة قضية الاقليات المسلمة في البلاد الغربية، حيث يعيش المسلمون زمن القوة الغربية،وعصر تطويع المجتمعات، التي يعيشون تحت شقفها، لشعوبهم ومجتمعاتهم، بما يعمق من مركب النقص الذي تولد بداخل قطاع عريض من ابناء هذه الاقليات من جراء تخلف البلاد الاسلامية على كافة المستويات، بالرغم من توفره على الامكانات الطبيعية والبشرية المهمة التي لاتسخر في حقيقة الامر الافي خدمة الغلبة الغربية ودوام نفوذ سياستها.

إن مقاربة قضية الاقليات المسلمة في البلاد الغربية صعب للغاية اذا ما نظرنا إليها من زاوية تعدد القضايا والاشكالات التي يطرحها وجود المسلم في الغرب، عقيدة وثقافة وحضارة وسلوكا، وتزداد صعوبة المقاربة اذا ما اخذنا بعين الاعتبار التعدد الجغرافي والثقافي والسلوكي الذي تتميز به هذه الاقليات، وهو ما يطرح أمام الباحثين صعوبة تناول القضية من زاوية واحدة، ويظل السؤال الموجه لكافة الاسئلة المكونة للمقاربات جميعها يدور حول جدلية الاندماج والممانعة، أو الصراع والمعايشة، خاصة والمؤسسات الاعلامية، على وجه الخصوص، بما لديها من نفوذ وقدرات وتأثير في النفوس والسلوك، تلعب دورا خطيرا في ممارسة سياسة التخويفمن الاسلام، مما أدى بدوره إلى بروز ثقافة غريبة مسكونة بهاجس الخوف من المسلمين الذين يتم النظر الى غالبيتهم كإرهابيين، الشيء الذي يكرس من حين لآخر من ثقافة الصدام التي تؤمن بها مجموعة من الاحزاب والمنظمات والجماعات التي تحكمها ثقافة العنصرية، الى جانب ما تكرسه هذه السياسة من احساس المسلمين في الغرب بالدونية، لما يمارس عليهم من قهر سياسي ومعاناة اجتماعية وتربوية، تجعلهم دائمي العيش بين مطرقة التذويب تحت غطاء الاندماج الحضاري، وسندان المطاردة الحضارية المؤدي إلى الاقصاء من الجتمع الغربي، الشيء الذي يفتح الباب على مصراعيه لقراءة وضعية الاقليات المسلمة في الغرب على ضوء معاناة الاجيال المتعاقبة من سياسة المنع من حق المواطنة مع الاحتفاظ بالحق في امتلاك الهوية الاسلامية وهي معاناة تظهر بوجه خاص اذا ما نظرنا إلى وجود المسلمين، وخاصة العرب منهم، في ظل اتهامهم بالتطرفوالفساد والشر، وما شابه ذلك من النعوت التحقيرية، بما يسمح للبعض من ساسة الغرب الى الدعوة إلى محاصرة الاقليات المسلمة حتى لا يقضي أبناؤها على (جمالية الحضارة الغربية )، بل ويحفظها من الاختلاط العرقي والقيمي لشعوب وأعراق ستتسبب في اعتقادهم، في تدمير القواعد الاساسية للتمييز الحضاري للعرق الغربي الممتد من اليونان إلى اليوم .

3- ثقافة المهاجر المسلم في مجتمع متعدد الثقافات :

تمنحنا السطور الاخيرة إمكانية التأكيد على نقطة اساسية في الموضوع العام لهذا المقال، وهي أن من أبرز عوامل معانات أبناء الاقليات المسلمة في الغرب المعاصر، عامل التمييز العنصري وملاحقة المسلمين العرب على وجه الخصوص ومحاربتهم في عيشهم وارزاقهم، بل وعدم اعتراف الكثير من الانظمة الغربية بحقوقهم، ويضاف الى ذلك حالة الصراع الذي احدثته السياسة الغربية بين الآباء والأبناء، مما فسح المجال لبروز جيل جديد مسلوب الارادة، مشوه الهوية، ولعل من أبرز مخافات هذه السياسة فتح المجال أمام أبناء المهاجرين للدخول في متاهات الزواج من ابناء المجتمعات الغربية قصد احداث جيل من المولدين التابعين، قانونيا للثقافة الغربية، وقد أدى هذا اللون من العيش إلى الشعور بالغربة والاغتراب في نفس الآن، خاصة بين الاحفاد الذين ولدوا ونشأوا في البيئة الغربية، بالرغم من بعض الامتيازات التي يحصل عليها الذين يحملون الجنسيات الغربية كالحقوق السياسية وما يرتبط بهذا الاخيرة من قدرات هائلة للتأثير على مجموعة من الميادين كالتربية والتعليم والاعلام وغيرها.

وعلى الرغم من الصعوبات التي تتلقاها الاقليات المسلمة في البلاد الغربية، وكذا الحملات العنصرية التي تضيق الخناق على الحريات …، فإن أصحاب القرار السياسي دخلوا في مرحلة جديدة للتعامل وضعية مع المسلمين، انتقلوا خلالها من مرحلة التطويق المباشر، الذي يستند إما على أسلوب التذويب في الثقافة الغربية، وإما على أسلوب التطرف في التعامل معهم من وجهة نظر عنصري، الى مرحلة أملتهافلسفة البناء الحضاري الجديد الذي تتزعمه مقولات العولمة والعلاقة بين الحضارات، والمقصود بذلك العمل على اشاعة سلوك التعدد الثقافي، المشروط بشروطه بطبيعة الحال، المؤدي إلى التعايش والقبول بخيار الثقافة الكونية الواحدة.

ومن اللافت للنظر في هذا المقام أن الجيل الجديد من أبناء المهاجرين استطاع الدخول في معركة اكتساب بعض الحقوق التي هي جزء من ذاتيته، وليست منحة تمنحها له المجتمعات الغربية، كامتلاكه للعديد من قنوات الاعلام ومشاركته في الكثير من المنابر السياسية، وتأسيسه للكثير من المنظمات والهيئات الثقافية والاجتماعية التي استطاع من خلالها إسماع رأيه للمسؤولين في بيت القرار السياسي الغربي، والدفاع عن حقه في ممارسة عقيدته، كما هي الشعوب المنتمية إلى كيانات عقدية مخالفة.

إنه حق المواطنة الذي يمنح المسلم الاندماج في تركيبة المجتمع الغربي، دون فقدان هويته وعقيدته، ومن ثم يمسح من كراسة العلاقات بين الشعوب، الصورة المشوهة عن المسلمين التي لعب الاستشراق في التأسيس لها بألوان متعددة ظلت حاضرة بقوة تحت اسم الحرب المقدسة، والتي ازداد بأسها بعد أزمة النفظ عام 1973 إلى أن وصلت اليوم إلى المسار الجديد للصحوة الإسلامية، التي غيرت العديد من ملامح العلاقة بين المسلمن وغيرهم. وعلى الرغم من الأسلوب الأمني الذي تتعامل به السلطات السياسية الغربية مع أبناء هذه الصحوة فإن النخبة المثقفة المسلمة في الغرب استطاعت تحقيق العديد من المطالب، لقدرتها على استيعاب فلسفة الممكن والمستحيل في التعامل مع السياسة الغربية المعاصرة، التي لعب الإعلام دوره الخطير في التأجيج بينها وبين أبناء الصحوة الإسلامية، بحيث قدمهم كأعداء جدد لابد منحصارهم بدل التعايش معهم. ولعل في استحضار قضية الحجاب، بل ومنع كتاب الحلال والحرام للقرضاوي، على سبيل المثال لا الحصر، لدليل ملموس على مدى النظرة المعادية المؤسسة على خلفية أمنية تحكم سياسة العقل الغربي إلى درجة برز معها مرض عضال أصاب الكثيرين من الغربيين، والذي يطلق عليه “االاسلامو فوبيا (الخوف من الإسلام).

إن من أهم الأسئلة التي ينبغي طرحها في هذا المقام السؤال التالي : إلى أي حد يمكن الحديث عن قدرة المهاجرين المسلمين على الإندماج في ثقافة المواطنة دون الانصهار الحضاري الذي يفقدهم الهوية التي بها يتميزون؟ وإلى أي حد كذلك، يمكن القول بقدرة المثاقفة الاسلامية على الاندماج في مجتمع أصبح متعدد الثقافات؟

4- في الحاجة إلى فقه المهاجر المسلم :

إن الحاجة ماسة في هذا الإطار إلى تظافر جهود العلماء والباحثين والمفكرين والدعاة لتقديم كل ما من شأنه تعزيز إحساس المسلم بشخصيته القوية في بلاد المهجر، وشعوره بقوة الانتماء إلى الثقافة الإسلامية التي ينبغي المحافظة عليها مهما كلف الثمن، لأنها دليله في الحفاظ على هويته وعقيدته، في مجتمع متعدد الثقافات، يبتلع الأجناس الثقافية الضعيفة، وغير القادرة على امتلاك القواعد الضرورية لفعل الممانعة بدل المواجهة، أو الذوبان في ثقافة مادية معادية تمام العداء للإسلام. وعليه يكون من اللازم اهتمام الحكومات الإسلامية والعربية بجالياتها اهتمام الأب بأبنائه، لأن المهاجر يحتاج، في جهاده ضد كل عوامل الإغراء الحضاري، إلى حضن يرتمي إليه، يمنحه العزيمة على الممانعة في زمن المواجهة، وقد بينت بعض البحوث والدراسات حاجة المهاجر المسلم إلى مثل هذه المساندة المستمرة، بل وأظهرت أن من أبرز ما تحتاجه الجالية المسلمة بالخارج “فقه الأقليات” أو “فقه المهاجر المسلم” على كافة المستويات، عقديا وتشريعيا وتربويا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، بل وحتى ايديولوجيا، وهذا موضوع آخر نرجو من الله التوفيق للكتابة فيه مستقبلا.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *