المسلمون والمسألة الخلقية 3/3 2


هذا هو الجزء الثالث والأخير من المحاضرة التي ألقاها الأستاذ الدكتور الشاهد البوشيخي تحت عنوان : المسلمون والمسألة الخلقية : “أسباب الانهيار الخلقي، والعلاج”.

14ـ أسباب هذا الواقع المتردي :

هذه هي حالنا نسأله عز وجل العافية. فما هي الأسباب العميقة لهذا الواقع العام : الفردي والجماعي، الداخلي والخارجي؟

يمكن إرجاعها إلى الأمور التالية :

 الأمر الأول : هو نقصان العلم بالله جل جلاله، وهو وراء كل صور السوء الخلقي، والجهل بالله تعالى هو سر البلاء، فالعرب كانوا يعرفون الله، ولكنهم ما حرروا كل صفات الله لله، ما خلصوا كل صفات الله لله، فإما أنهم جعلوا بعض صفات الله لغير الله، فإما أنهم جعلوا بعض صفات الله لغير الله، {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله}(سورة البقرة)، وإما أنهم أشركوا مع الله سواه، في الشيء الواحد، في العمل الواحد، وهذا نوع من إفساد الصورة والتصور عن الله عز وجل، فالشرك القليل يفسد العمل، إذ القطرة الواحدة من الدم تغير لون الحليب وتفسده نهائيا، قال تعالى : {لئن أشركت ليحبطن عملك}(سورة الزمر)، فالله يطلب خلص العمل له، وإذا أخلصنا خلص العمل، نحن لا نعلم ما الله لنحقق صفة الإخلاص فينا، المسلمون في العالم الآن لا يعلمون ما الله؟ بمعنى لا يقفون عند أسمائه الحسنى وكيف تجلت في كتاب الله عز وجل، لا يصل التدبر إلى القلب لإحداث التأثير المطلوب فيه، فيجب المجاهدة لتحصيل العلم بالله عز وجل انطلاقا من كتابه ومن ملكه، ينبغي التدبر في صفات الله عز وجل وفي أفعاله {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}(سورة سبأ)، {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} من زاوية معينة فيقولون  {ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك}(سورة آل عمران).

وبعد التدبر يمضون إلى الهدف “فقنا عذاب النار”. رحم الله ابن عطاء الله في حكمة من حكمه المنهجية التي تلخص المنهج الإيماني في النظر والتدبر، وهي : “ارحل من الأكوان إلى المكون” أي لا تقف عندها بنظرك، بل ارحل منها إلى خالقها، إلى مكونها. بهذا المستوى ن النظر ينفصل المسلم عن الكافر {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم}(سورة النجم) ـ نهاية ما بلغوا ووصلوا إليه  من العلم هو سطوح الدنيا، سطوح الأكوان. أما ما وراء هذه الأكوان من مكون سبحانه وتعالى، وما وراءها من عظمة أفعال الله وعظمة أسمائه، فذلك لا سبيل لهم إلى رؤيته، وذلك يجعل الإدراك ناقصا قاصرا كل القصور بالنسبة للكافر. والخطر الكبير أن يقلد المسلمون الكفار في هذا الجهل بالله تعالى. فلذلك لا بد من التفكر في الله، وفي خلق الله، وفي أفعال الله، وفي أسماء الله عز وجل لتحصيل العلم بالله أي  لا بد من ذكر الله. وهذا لذكر هو الذي تحصل به الخشبة،{إنما يخشى الله من عباده العلماء}(سورة فاطر). أما الذين لا يعلمون الله هذا العلم : فلن تحصل لهم تلك الخشبة {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}(سورة الزمر).

والعلم الذي نتكلم عنه يناقض الظن، ويطابق اليقين، الذي ينتج الطاعة التامة في المجال العملي، وذلك مثل : إذا أيقنت بحفرة تراها أمامك رأي العين فإنك لن تضع رجلك فيها. وهذا الذي يحدث للمسلم تجاه حفر المنهيات، والواجبات، فمن فعل الواجبات وترك المنهيات تجنب الوقوع في حفر جهنم التي هو هوة سحيقة عميقة، نهايتها النار التي لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى، وفيها يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم.

إذن فالسبب الأول والرئيسي هو نقصان العلم بالله عز وجل كما وصف سبحانه وتعالى نفسه في كتابه وكما يتجلى في ملكه، الذي لا يقرأ بغير كتابه. وهذا النقصان يؤدي تلقائيا إلى عدم الخشية، وإلى عدم التقوى، يؤدي إلى سوء الخلق مع الله وسوء الخلق مع رسول الله، وسوء الخلق مع النفس، وسوء الخلق مع الناس القريبين والبعيدين، وهو راء كل بلاء.

السبب الثاني : نقصان العلم بالحياة. والحياة حياتان، حياة هي الحياة، وهي : الآخرة، وحياة تشبه الحياة ومقدمة للحياة هي : الدنيا، فنقصان العلم بالحياة سبب أيضا من أسباب سوء الخلق. لأن الانسان لو كان يتيقن فعلا بكل ما ذكره الله في كتابه وما وضحه الرسول (ص) في سنته عن أهوال ما بعد الموت، وأهوال النار وأهوال الحياة البرزخية، إذا وضع ذلك كله أمامه، فإنه قطعا ما أعده الله تعالى لعباده من نعم الخلود في جناته، فإنه سيحسن خلقه، ويحاسب نفسه قبل أن تُحاسب، وهذا هو العاقل الذي قال فيه(ص) : “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني”.

السبب الثالث : هو نقصان العلم ببنية الدين ونظامه، وهو وراء كل التشوهات تقريبا في المناهج والتصورات الدين في نصوص القرآن وفي نصوص السنة، وفيما استنبط منهما. توجد فيه سلمية، توجد فيه رتب، توجد له كيفية عليها يبنى، هناك ما هو الأساس وهناك ما فوقه، وهذه السلمية تشعر بها عبارات الرسول(ص) مثل : عبارة بني الإسلام على خمس، وعبارة ألا أدلك على رأس الامر، وعموده، وذروة سنامه، ألا أدلك على أبواب الخير، عبارة أي الأعمال أحب إلى الله يا رسول الله، عبارة الحديث القدسي فيها السلمية : “ما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه” عبارة “فضل الله المجاهدين على القاعدين” (سورة النساء)، {يرفع الله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات}(سورة المجادلة) هذه الرتبية، هذه السلمية موجودة في هذا الدين ينبغي أن تفقهه، وعليها بني العلماء، وخصوصا في علم الأصول، بنوا أمورا كثيرة، مثل استخلاص المقاصد العامة، وأحوال الفروض، فروض العين، وفروض الكفاية والثابت والمتحرك إلى غير ذلك.. هذه الرتبية ينبغي أن تفقه، وليس صعبا أن تفقه، فصحبة كتاب الله عز وجل بالتدبر وبتحويل ما يعلم منه إلى عمل كل ذلك يورث نورا خاصا، ويورث فقها خاصا، وحقا عليه عز وجل أن ينور من تنور بنوره، وينور من تغذى بنوره، وينور من أقبل على نوره {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون}(سورة الأعراف).

لهذا الدين كيفية عليها بني، له نظام فيه شيء في الرأس، وفي شيء في الوسط، وفيه شيء في الجانب، وشيء في الطابق السفلي، وشيء في الطابق العلوي، والجهل بذلك يحدث تشوها في الفكر، تشوهان في الفهم، تشوها في العمل، في الخلق.

ونوع الضلال الذي كان لقريش، وكان لليهود والنصارى هو من هذا التشوه، حيث لم يأخذوا الدين كله على  حسب مراتب مبادئه، بل آمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض، فكانوا من الذين نسوا حظا مما ذكروا به،{إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نومن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا}(سورة النساء)، وأكبر مشوه عزل العلم عن العمل، هذا علم حماري لا نعرفه، ولا تعرفه حضارتنا.

اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا وزدنا علما.

ومن التشوهات : الإلحاح في جانب أكثر مما له في أصل الشريعة، وتضعيف لجانب أكثر مما له في الشريعة، وهذا أيضا من نوع الإيمان بالبعض، والكفر بالبعض، قال الله تعالى  لنبيه(ص) “واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك”، أي أن الدين ينبغي أن يؤخذ كله بحسب الرتب والسلالم الموضوع فيها كل جزء من أجزاء الدين، وإلا حدث التشوه الذي يرى أثره في حياة المسلمين اليوم. الدين نظامه في بنائه كله، في علاقة بعضه ببعض، لا سبيل لفصل بعضه عن بعض، ولا إلى إحداث ترتيب له على غير ما رتب هو به نفسه، فنظام الدين يؤخذ من الدين نفسه، ففيه سلمه وأولوياته. وله كيفية بنائه، وله رتبه، وله نظام الترقي فيه، فهذا الجانب، النقص فيه هو وراء الكثير من التشوهات في القديم والحديث ولا سيما في المناهج التي هي المسؤولة عن التشوهات العملية الخارجية.

السبب الرابع : نقصان المجاهدة، والرياضة الفردية والجماعية، وهو وراءه التشوه والانفصام في بناء الشخصية الفردية والجماعية، لا يمكن أن تصبح المعاني حالة في الجسد إلا بمجاهدة ورياضة، والمتروك لا ينترك وحده، لا بد من مجاهدة لتيرك، والمفعول لا يفعل إلا بالمجاهدة كذلك. فالنقصان، في هذه المجاهدة وفي هذه الرياضة، يعني هذا أننا نتلقى الأحاديث ونتلقى الآيات باسترخاء كامل، أو باسترخاء نسبي لا يحدث الأثر المطلوب. لا بد من بذل المجهود لإحلال معاني الكتاب والسنة في القلب، وفي الجوارح، لجعل ذلك خلقا للجسم. وهذا لا يكون إلا بالمجاهدة المستمرة، التي يشير إليها الحديث القدسي : “وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه” تقرب مستمر إلى أن يلقى العبد ربه.

خامسا وأخيرا : اضمحلال الشعور بالذات العامة، التي هي الأمة، ويعني هذا التفرق والتمزق الذي بلغ مبلغه في الأمة قديما وحديثا، حيث تحولت الأخلاق في عموميتها وشموليتها إلى التخصيص والتبعيض مع أن الأخلاق في أصلها، عامة، خلق المسلم عام يستفيد منه البار والفاجر، ويستفيد منه المؤمن والكافر، ويستفيد منه الإنسان وغير الانسان، وكما قلت من قبل فأتباع محمد كمحمد(ص) أيضا هم رحمة مهداة للعالمين جميعا، ولذلك فرحمتهم عامة لا تكون محدودة بعرق أو بوطن أو بقبيلة أو بطائفة أو بحزب أو ما أشبه ذلك، لا، الخلق عام يتجه إلى المسلم من حيث هو مسلم، يتجه إلى ابن آدم من حيث هو ابن آدم، ويتجه إلى الحيوان من حيث هو حيوان، يستفيد منه الجميع بحسب نظام الإسلام.

هذا الجانب كذلك اضمحلال هذا الشعور فيه، فوت على الأمة الكثير من الخير وجعل خلقها قد يحسن في جانب، ويسوء في جانب، ويحسن مع أقوام ويسوء مع آخرين. والخلق ليس فيه حمية أي اختصاص بنوع معين بل هو لجميع الناس وهكذا ينبغي أن يكون.

ما المخرج أيها الأحبة؟

المخرج يتلخص في أن نجتهد أفرادا وجماعات، لتخليص أنفسنا من النقائص التي مر ذكرها، والتخليص منها يتم عبر النقط التالية :

ـ تربية المسلم وترويضه على حب الله عز وجل : على حب الله والخوف منه، وعلى حب الجنة والخوف من النار.

ب ـ تربية المسلم وترويضه على اعتبار دين الله، ودعوة الله عز وجل هي رأس الأمر في حياته : يضحي بكل شيء من أجل الدين والدعوة، ولا يضحي  بالدين من أجل أي شيء.

ـ تربية المسلم وترويضه على عدم الفصل بين العلم والعمل : فلا علم إلا من أجل العمل، ولا عمل إلا بعلم، ولا دليل على الإيمان غير الخلق الحسن.

ـ تربية المسلم وترويضه على آدمية خلق الإسلام : أنا أفضل لفظ الآدمية على الإنسانية، لفظ الانسان في القرآن أعلب وروده في سياق الذم، والآدمية نسبة إلى آدم عليه السلام، والخطاب يا بني آدم… هو نوع من الاشعار بأنكم أبناء نبي، أبناء رسول، أبناء عبد صالح، بأنكم… {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم  من الجنة}(سورة الأعراف)، فالآدمية إشعار بمعان بعينها، بينما الإنسانية تشعر بمعان أخرى، فليختاروا هم الإنسانية إن شاءوا في منهجهم، ولنختر نحن الآدمية، وتربية المسلم وترويضه لا ينبغي أن يكون على آدمية خلق الإسلام فقط، بل على عالميته أيضا، أي يحمل معنى أكثر من الآدمية، حتى مع الحيوانات، ومع الكائنات، ومع النبات. “يمشون على الأرض هونا”(سورة الفرقان) على الأرض، وهي كما تعلمون جماد.

هـ ـ تربية المسلم وترويضه على الإحسان في كل شيء : قال (ص) : “إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم ـ وهو أبعد ما يكون عن الإحسان ـ فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة فليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته”، إن الله أحسن في كل شيء، وأحسن كل شيء، وكتب الإحسان على كل شيء نسأل الله بفضله وكرمه أن يجعلنا من المحسنين كذلك في كل شيء.

إن المطلوب أيها الأحبة أن نحسن في كل شيء، إذا سكتنا نحسن السكوت وإذا نطقنا نحسن النطق، وإذا جلسنا نحسن الجلوس، وإذا قمنا نحسن القيام، وإذا جاهدنا نحسن الجهاد، وإذا كتبنا نحسن الكتابة، وإذا استأجرنا أحسنا الاستئجار وإذا كنا أجراء أحسنا الإجارة، وما أشبه.

والحمد لله رب العالمين.

أ.د.الشاهد البوشيخي


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 thoughts on “المسلمون والمسألة الخلقية 3/3