الجزائر : جماعة الاستئصال تخوض معركتها الأخيرة


الجزائر : جماعة الاستئصال

تخوض معركتها الأخيرة

ليس من المبالغة في شيء القول أن الجزائر تشهد منذ أول نوفمبر الماضي (الذكرى الأربعون لاندلاع الثورة التحريرية) أحداثاً لم تشهد لها مثيلاً على مدى تاريخها الطويل. فقد أعطى إعلان الجنرال زروال عن فشل الحوار مع الجبهة الإسلامية إشارة الإنطلاق لحملة أمنية جديدة اتسمت بعنف غير مسبوق.

وقد صرح أحد رموز ثورة التحرير >لفلسطين المسلمة< قائلا إن حملات المظليين الفرنسيين ضد جيش التحرير الوطني تظهر وكأنها لعب أطفال أمام ما يقوم به الجيش الجزائري من أعمال وحشية في محاولة أخيرة لاستئصال المعارضة الإسلامية المسلحة -إذ انقسمت الحملة الإستئصالية إلى قسمين : قسم تولته قوات الدرك بقيادة الجنرال >غزيل< بالإشتراك مع القوات الخاصة أو ما يسمى بـ>قوات النينجا< وهي فرقة مركبة من طلائع القوات العسكرية والأمنية والمعروف بعدائها للإسلام والحركة الإسلامية، إذ من الشروط الأولية للإنضمام لهذه القوات هو ترك الصلاة، وقد تولى هذا الفريق مهمة مواجهة المجموعات الإسلامية المسلحة الناشطة في المدن وخاصة الجزائر العاصمة، وقد اعتمد تكتيك هذه القوى على تمشيط أحياء بكاملها واعتقال كل المشتبه بعلاقتهم من قريب أو بعيد بالجبهة الإسلامية للإنقاذ، كما قامت بحملة من الإعدامات الميدانية حيث ينتقى مجموعة من ضمن المعتقلين عشوائياً ويقع إعدامهم رمياً بالرصاص، أو ذبحاً أمام أعين السكان، وقد نقل شاهد عيان من منطقة >واد شايح< في ضواحي العاصمة الجزائركيف قامت القوات الحكومية بانتقاء مجموعة من المعتقلين اعتماداً على طول لحاهم!!وصاح قائد الفرقة العسكرية في مضخم صوت يدوي قائلا :

>ستشاهدون الآن جزاء من يحارب الحكومة< وأمر بهم فأعدموا وقام عناصر >النينجا< الملثمين بقطع رؤوسهم أمام السكان وصاح القائد مرة أخرى >هذه دفعة على الحساب ولن نترككم حتى تتوبوا عن مساندة الإرهابيين< وليست هذه العملية ممارسة معزولة بل تتكرر في كل الأحياء والمدن المعروفة بتعاطفها مع الإسلاميين ووصل الأمر في بعضها إلى تفجير عمارات بأكملها وقد اضطرت هذه الحملة الجماعات الاسلامية إلى تبديل تكتيكها فقلصت من العمليات اليومية البسيطة وأصبحت تعتمد عمليات نوعية استعراضية كان أبرزها اغتيال مسؤول الأمن السياسي بالجزائر العاصمة في مكتبه بمديرية الأمن بواسطة بندقية ذات منظار مكبر من إحدى العمارات المجاورة. كما تم اغتيال رئيس تحرير صحيفة >لومتان< الناطقة باسم التجمع البربري الذ يترأسه سعيد سعدي، ويعتبر سعيد مكبل أهم الصحافيين الفرنكوفونيين على الاطلاق ويقيم عادة بباريس حيث يتم إعداد الصحيفة وإرسالها إلى الجزائر للطباعة.

الجانب الآخر من الحملة تقوم به القوات العسكرية المحمولة جواً وبراً ويشمل الجبال والقرى التي يسيطرعليها المجاهدون من الجيش الإسلامي للإنقاذ.

وتميزت هذه الحملة عن سابقاتها بحجم القوات المشاركة فيها، إذ تم سحب فرق كاملة كانت ترابط على الحدود مع تونس والمغرب للمشاركة في العمليات. أمّا الإضافة النوعية فهي الإستعانة بالخبرة والتجهيزات الفرنسية إذ سلمت فرنسا كاميرات للرؤية الليلية تركب على الطائرات المروحية وأرسلت خمسين خبيراً تقنياً للإشراف على تشغيلها، كما زودت الجيش الجزائري بشحنة كبيرة من القنابل الفراغية وهو نوع من القنابل موجه ضد الأشخاص، حيث يتم إفراغ المنطقة التي يقع فيها الانفجار من الأوكسجين مما يؤدي إلى إختناق كل كائن حي في المنطقة، وقد أدّى استعمال هذه الأسلحة إلى إبادة قرى بأكملها خاصة في الجبال المحيطة بمدينة جيجل حيث دارت أعتى المعارك شارك فيها المظليون بدعم من الطائرات المروحية المتطورة، فيما كانت خمس بوارج حربية تقصف المنطقة بكثافة وترسل القنابل المضيئة.

الحوار السياسي

على المستوى السياسي وبعد تعطل الحوار اتجهت الأزمة الجزائرية إلى مزيد من التدويل.. فانعقدت بالعاصمة الإيطالية ندوة للحوار بين الأحزاب الجزائرية الكبيرة التي التقت لأول مرة على طاولة واحدة وتميزت الندوة بتوافق وجهات النظر بين الجبهات الثلاث الفائزة في الانتخابات ومثلت الندوة هزيمة سياسية كبيرة للطغمة العسكرية إذ تبين للرأي العام الداخلي والخارجي  أنها تمثل العائق الوحيد أمام الحوار وحل الأزمة. وتزامنت الحملة العسكرية الاستئصالية بإجراءات ذات طبيعة سياسية تمثلت في إيقاف كل الصحف المستقلة الناطقة بالعربية وتشديد العمل بقوانين الطوارئ والمرور غير المعلن إلى حالة الاستثناء.

أما بالنسبة للحوار فليست هناك بوادر لاستئنافه في القريب رغم تواصل محاولات الوساطة. وكانت آخرها مقابلة مبعوث وزير الداخلية الفرنسية لمسؤول الجبهة الإسلامية في الخارج الشيخ رابح كبير وقد عرض المبعوث الفرنسي أن تكون فرنسا ضامنة لأي اتفاق بين الحكومة العسكرية والجبهة. وعلى الجانب الآخر قامت شخصيتان إسلاميتان كبيرتان بزيارة الجزائر في محاولة أخرى للوساطة. وقد تقابلت الشخصيتان مع مسؤولي الحكومة ثم مع الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج. وقد نقل عن الوسيطين استعداد شيوخ الجبهة للحوار وتهدئة الأوضاع شرط إعادة الاعتبار للجبهة الإسلامية وإطلاق المعتقلين وعودة الحريات ورفع حالة الطوارئ ولكن هذه المطالب الدنيا قوبلت برفض قاطع من قبل الطغمة العسكرية التي تطالب الشيوخ ابتداء بالتنديد بالعنف والدعوة إلى الهدوء قبل الدخول في أي مفاوضات، ويسود اعتقاد واسع في الجزائر أن مطالب العسكر لا تعدو أن تكون تمهيداً لنزع الشرعية عن المجاهدين تمهيداً لاستئصالهم. وفرض شروطها على الجبهة التي تكون قد جردت من أهم أسباب قوتها. يكاد يجمع الساسة الجزائريون من الطرفين والمهتمون بالشأن الجزائري في الخارج أن المعركة الأخيرة في الجزائر ستكون حاسمة في تحديد مستقبل البلاد. فالطغمة العسكرية وعلى رأسها الجنرال لعماري أوقفت فجأة الحوار مع الجبهة وقررت الدخول في محاولة أخيرة لاستئصال الحركة الإسلامية ثم تنظيم انتخابات رئاسية في جزائر بلا أصوليين. بينما يعتبر المجاهدون والقادة السياسيون للجبهة الإسلامية أن الصمود في هذه المرحلة وإفشال الحملة الإستئصالية كفيل بجعل الطغمة الحاكمة تخضع لشروط الجبهة وتعود إلى المفاوضات من موقع ضعيف، هذا إذا لم تؤد إلى انتفاضة شعبية تعصف بالنظام القائم نهائياً.

التدخل الخارجي

تتميز المعركة الأخيرة عن سابقاتها بحجم التدخل الخارجي فيها. فالحكومة الجزائرية نجحت على الأقل في إقناع >أصدقائها< بإمكانية الحل الأمني الاستئصالي مطالبة بدعمها في ذلك وقد استجابت كل من مصر وتونس بإرسال مجموعة من الخبراء في مقاومة الحركات الإسلامية. كما قامت الحكومة الفرنسية بإرسال شحنات ضخمة من التجهيزات الحربية المتطورة والخاصة بحرب العصابات مصحوبة بأكثر من خمسين فنياً للإشراف على تشغيلها.

وفيما يخص الدعم السياسي نجحت الطغمة العسكرية بدعم من تونس ومصر ومعظم الدول الأخرى في استصدار قرار من القمة الإسلامية المنعقدة في الدار البيضاء بإدانة >الإرهاب< والوقوف إلى جانب الدول التي تعاني منه، أمّا الموقف الفرنسي فقد استمر في دعمه اللامشروط للطغمة وكثفت فرنسا حملات الاعتقال والتنكيل بالمتعاطفين مع الجبهة من المقيمين على أراضيها كما كثفت ضغوطها على شركائها الأوروبيين للوقوف موقفها.

وفي نفس الإطار جاءت تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي لدى زيارته الأخيرة إلى الجزائر والتي نوه فيها بصمود الطغمة العسكرية وقدرتها على حسم الأمور ودعا الدول العربية إلى دعمها ماديا وسياسيا. اما في الجانب الآخر فرغم تحسن الأداء السياسي والإعلامي للجبهة الإسلامية خارج الجزائر خاصة بعد التغلب على الخلافات التي ظهرت في المدة الأخيرة بين بعض فصائلها، ولكن رغم ذلك تشعر قيادات الجبهة في الداخل والخارج بضعف الدعم الخارحي لقضيتها. ولا يخفي أحد قيادات الجبهة الإسلامية في حديِث >لفلسطين المسلمة< خيبة أملهم من >فتور الموقف الإسلامي العائد في تقديرهم إلى تردد التيار الغالب في الحركة الإسلامية العالمية حيال أحداث الجزائر وتغليبه لبعض الاعتبارت الحزبية الضيقة. كما يأخذ على الحركة الإسلامية في العالم عدم وعيها بتداعيات الحدث الجزائري وما سيجره نجاح الطغمة العسكرية في استئصال الجبهة الإسلامية من ويلات إذ سيقع تعميم الحل الأمني في العالم مع الحركات الإسلامية مما سيؤدي إلى إنكماشها بما يفتح الباب واسعاً أمام التطبيع مع الصهاينة وتحويل العالم العربي إلى ملهى لليهود والغربيين. وفي المقابل ما سيسببه انتصار المجاهدين وإقامة نظام إسلامي في الجزائر من روح معنوية في الأمة ودعم لقوى التحرر والصمود وإقناع بقية الحكومات العربية بفشل سياسة الحل الأمني، وكف يدها عن الحركة الإسلامية. ولكن للأسف فقد فهمت القوى والحكومات العلمانية ذلك فهبت لدعم حلفائها في الجزائر. وقعد الفهم بقطاع واسع من الحركة الإسلامية في العالم فتخلفت عن نصرة إخوانها جاعلة من الحدث الأفغاني وتقاتل المجاهدين هناك مبررا وقميص عثمان لقصورها رغم اختلاف الظروف والملابسات بين أفغانستان والجزائر!!<.

“فلسطين المسلمة” ع يناير 1995

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *