إن شابّاً مثلك خير لدولته من جيش


إن شابّاً مثلك خير لدولته من جيش

كان موظفاً صغيراً لا تتجاوز أجرته ألفي درهم في مدينة غالية المعيشة باهظة التكاليف… لذلك كان يسكن في غرفة منفردة  بسيطة ويمتطي دراجة نارية ينتابها العطب بين الفينة والأخرى لإضطراره إليها رغم اضطراب سيرها لأن دراجته الجديدة سطا عليها اللصوص وليس في وسعه أن يشتري أخرى إلا بعد سنتين أو ثلاث… ولم يكن يعتني بهندامه كثيراً، يكفيه الضروري من الثياب، وكان عليه مع ذلك أن يساعد أسرته، فأمثاله المتخرجون في الجامعات يقومون بأعباء أسرهم ويساعدون المعوزين من أقاربهم ولا سيما في العيدين وفي الطوارئ.

وكان يتولى مهمة لها علاقة بالمال ومن حسن حظ هذه المسؤولية أن أسندت إلى هذا الشاب، فقد كان عفيفاً نزيهاً، وهو يحمد الله أنه لم يتعرض قط إلى مساومة أو إغراء لأن من كان حوله عرفوا استقامته وقناعته وزهده في المال الحرام..

لكنَّه لم يسلم من المساومة وإن كانت قد جاءته من باب مشروع في عُرف من يحرم الرشوة ولا يرفض “الهدية”، ففي إحدى المناسبات الدينية أو بمناسبة رأس السنة الميلادية طرق عليه الباب “مقاول” ذمي، فاستقبله الشاب على عادته بما يجب من رد التحية ببشاشة يصحبها خجل وتواضع عُرف بهما دائماً. وجلس الزائر “المقاول” وبعد السؤال عن الأحوال والأعمال فتح حقيبته وأخرج منها ظرفاً منتفخاً بالأوراق ذات المائة درهم وقدمه إلى الشاب قائلاً : أرجو أن تقبل مني هذه الهدية بمناسبة “كذا” فاقشعر بدن الفتى وانتفض واضطرب إذ لم يتعود هذه المواقف، وكان مسبَّقاً مصراً ألاَّ يفتح عليه العلاقات التي تؤدي به إلى هذه المحرمات بل إنه ارتضى لنفسه أن يعيش مقتصراً على الكفاف والعفاف والغنى عن الناس، فقد رباه والداه على أن يكسب رزقه بالحلال وبالجد والكلال فهو قد غُذِّّّّّيَ بالحلال وكُسي بالحلال وعاش في جو النظافة والإستقامة بل إنه شاهد ويشاهد والده يؤتي الفقراء والمحتاجين حقوقهم في الزكاة كلما كان العام مباركاً والحصاد وافراً بل كان كريماً جواداً بل إن أسرته المنحدرة من جبال الريف عُرفت في القبيلة التي انتقلت إلى سكناها منذ عقود بالدين والجد والعمل والإستقامة…

لم يكد المقاول يمد يده إليه>بالهدية< حتى أرجع الفتى إليه هديته شاكراً.. فلما ألح المقاول الكريم.. قال له الفتى : إن دولتي تكفلت لي بأجرة تكفيني وأساعد منها المحتاج من أسرتي فلست مضطراً لشيء فوق ذلك… ثم إن ما تقدمه إلي بهذه المناسبة أو بأخرى نسميه في ديننا “رشوة” فقال المقاول : “إن الرشوة تكون عندما تقدم لي خدمات غير قانونية ولا مشروعة، فهل وجدت في ملفي وأوراقي ولو مرة واحدة ما يخالف القانون؟ هل طالبتك ولو مرة واحدة أن تمرر لي معاملة غير قانونية؟ فأجابه الفتى : إن أوراقك التي تصل إلي عبر سلسلة من الإجراءات السابقة تصلني دائما سليمة محبوكة ولذلك فإني أؤشر عليها حالاً وبسرعة، لكن أسائلك هل كنت تقدم لي هدية لو لم أكن في هذا المركز الحساس؟ فأجابه : لا، قال الفتى : إذا فالهدية هنا للمركز لا لي، ثم أي علاقة بيني وبينك حتى تتكرم عليَّ بالهدية. قال المقاول : “لقد قدمت الهدايا لجميع من هنا من رؤسائك وزملائك ولم تبق إلا أنت، ورأيتك شاباً مهذباً قائماً بواجباتك وتتقاضى أجرة صغيرة فأحببت أن أوسع عليك وأن أسعدك بمناسبة هذا العيد.. فأجابه الفتى : “إنني غني والحمد لله أما حياتي فأمر يخصني وحدي ولست في حاجة إلى من يوسع عليّ، ثم إن هديتك هذه ستفتح عليّ باب الطمع وتجعلني مفتقراً إليك وإلى غيرك وربما ستؤثر عليّ في القيام بالواجب نحوك حتى تدفع… وما دمت تأخذ حقك دون هدية فالأحسن أن تظل علاقتنا كما كانت سابقاً وخذ هديتك يا مسيو فلان فإن هذا الذي أمامك غني عنك بالقناعة وأرجو أن تحترم ضميري وديني وأكون لك شاكراً..

فاسترد المقاول الذمي ظرفه المليئ بمئات الدراهم التي ربما وصلت إلى عشرة آلاف أو أكثر وانتصب واقفا ومد يده إلى هذا الفتى العملاق أمامه وقال له :

“أهنئك من صميم قلبي : إن شابا مثلك خير وأنفع لدولته من جيش”

فاللهم ارزقنا القناعة وانشلنا من أوحال الرشوة وألبسنا لباس التقوى ذلك خير، وأكثر فينا أمثال هذا الشاب الذي هو لدولته خير وأنفع من جيش واحمهم من كيد المرتشين ومكر الغالّين وخبث المتآمرين على إدارتهم ودولتهم من أهل الطمع والجشع آمين.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *