مفهوم النظام الدولي الجديد


 معنى النظام الدولي :

يقصد بالنظام الدولي، الإطار الذي يحكم العلاقات بين الدول خلال حقبة محددة، والآليات التي تقوم عليها هذه العلاقات، من منطلق وجود مصالح متعارضة بين قطبين أو أكثر من الممثلين الفاعلين على الساحة العالمية، بحيث تسعى الأطراف من أجل ضمان مصالحها، وحماية نفوذها إلى تقوية ذاتها، وتحصين كيانها، الشيء الذي يؤدي حتماً إلى تصادمها مع الغير من المنافسين بالضرورة وإلى المواجهة والصراع في أجواء ساخنة عن طريق التفجير الأمني المسلح، أو في أجواء باردة عن طريق التدافع عبر أدوات سلمية. والتاريخ البشري عرف منذ عصوره العابرة صوراً كثيرة من الأنظمة العالمية، كانت تتجلى ملامحها بشكل أكثر وضوحا مع بروز قوى جديدة غالباما تكون امبراطورية قوية تعيش مرحلة الإنتشار والتوسع الأفقي، بحيث يكون همها الأساس هو بسط سيادتها على الآفاق الجغرافية الممتدة حولها والقضاء على المحاور السياسية المنافسة لها.

هذا مايذكره التاريخ منذ الحضارات الأولى على عهد الفراعنة والاشوريين والبابليين والساسانيين والإغريق، وفي الدول الأقرب عهداً سواءً مع قيام الدولة الرومانية أو الدولة الإسلامية، كما أن النظام الدولي قد يكون مَحْصَلة لعمل فاتح عسكري طموح، مثل ماهو الحال بالنسبة للأسكندر الأكبر المقدوني أو حنبعل القرطاجني، أو جنكيزخان المغولي.

مرتكزات النظام الدولي القديم والحديث :

وقد كان النظام الدولي في الماضي يتسم بهيمنة طرف أو أطراف غالبة على طرف أو أطراف مهزومة أو مُحَيَّدة، وجعل سلطة الجهة المنتصرة هي السائدة، كما وقع عندما كانت الدولة الرومانية هي المتفوقة سياسيا وعسكريا، فساد في العالم ما عرف آنذاك “بالسلام الروماني”.

أما في العصر الحديث فإن النظام الدولي يهدف بالأساس إلى إحقاق الاستقرار في العلاقات الدولية بين الدول الكبرى، وإبعاد نشوب حروب شاملة…ولتأمين ذلك هناك شرطان رئيسيان هما :

1- أن تكون علاقات القوة بين الدول الكبرى متصفة بالتوازن.

2- أن يكون هناك اتفاق وتراضٍ بين هذه الدول، حول النظام المذكور.

مفاهيم غير واضحة :

فإلى أي حد يتوفر الوضع العالمي الجديد على هذه الشروط؟ وبالتالي إلى أي حد يمكن وصف هذا الوضع باعتباره نظاما دوليا جديداً؟

تكفي للاقتراب من حدود الإجابة معرفة أن النظام الدولي كيفما كانت محدداته لابد وأن يتألف من دول تسعى عمليا إلى تقوية مصالحها وقوتها، الشيء الذي يجعل بذور الصراع كامنة في هذا النظام، خاصة بين الفاعلين الرئيسيين فيه، لأن تزايد المصالح بين الدول الرئيسية يؤدي بشكل حتمي إلى تصادم تلك المصالح، من دون أن يكون هذا التصادم مؤديا بالضرورة إلى تفجير النزاعات المسلحة، فقد تكون المواجهات باردة وصامتة.

لذلك يمكن القول ومن دون تسرع أن الوضع الراهن الذي يعيشه العالم لا يشكل نظاما دوليا، لأنه إذا كان المقصود بالنظام هو الاستقرار والاحترام العادل للقانون فإن الحالة الراهنة ليست مطبوعة لا بالاستقرار، ولا باحترام المواثيق والعهود الدولية.

أما إذا كان المقصود بالنظام الدولي هو فرض خيارات معينة بالاكراه، وبسط استقرار موهوم ومزيف عن طريق القوة فهذا شيء آخر، وبذلك يمكن تجاوز القواعد اللغوية المتعارف عليها، مادام قد تم تجاوز القواعد القانونية المتفق عليها، وآنذاك فلا ضير من استعمال الصفات والمصطلحات كيفما اتفق.

في رأي لِمورتُور كابلان ” Morton Kaplan ” صدر سنة 1972 يصور من خلاله المفهوم العام للنظام الدولي بأنه : (مجموعة النماذج والقواعد المترابطة التي تحكم عمل العلاقات بين الدول وتحدد مظاهر ومصادر الانتظام والخلل فيها خلال فترة زمنية معروفة) (1).

هذا الرأي غير متأثر بالوضعية الحالية لأنه سابق عنها، ولذلك يمكن نعته بالموضوعية، فيما يخص تمحيص الهوية الحقيقية لما يسمى بالنظام الدولي الجديد، فكابلان يتحدث عن مواعد مترابطة تحكم العلاقات الدولية، وتحدد مصادر الانتظام والخلل، والملاحظ حاليا هو غياب مثل هذه القواعد في جانبها الايجابي، أي تطبيقها تطبيقاً عادلاً، والتطبيق العادل يتمثل في اتصافها بالعمومية والتجريد أي أن تطبق على الجميع وبشكل غير منحاز، بينما الوقائع اليومية لتجليات (النظام الدولي الجديد) تضرب هذه المعايير في الصميم.

يقول الدكتور عبدالله عبد الدائم : (…إننا لسنا أمام نظام عالمي جديد.. وكل مافي الأمر، أن العالم، بعد انتهاء الحرب الباردة بوجه خاص، بل قبلها…تائه في سفينة لاقرار لها، يتلمس في زعمه طريق الخلاص، طريق بناء نظام عالمي جديد، فلا يفلح، لأنه يريد أن يفعل ذلك دون أن يغير منطلقاته التقليدية الأنانية والعدوانية، والدولةُ القويةُ التي تود قيادة العالم لا تملك حتى مايسمح لها بالسيطرة عليه، إذ تملك القوة ولا تملك المال، فضلا عن أن تملك الأسس والقواعد والأنظمة والمعايير، والقيم السليمة، التي تتيح لها أن تجعل تلك القيادة قيادة إنسانية حقا، بل إن هذه الدولة تبدو عاجزة حتى عن بعض الضبط للفوضى المستشرية في شتى بلدان العالم، لإصرارها على مداواة الداء بالداء) (2).

فالنظام الدولي إذن يتطلب إمكانيات غير عادية للتغلب على أوضاع ومشاكل غيرعادية، إن العالم قد يستقر في ظل تنازع المصالح وفق القاعدة القرآنية المعروفة ب”التدافع” أومايُصطلح عليه حديثا بالتوازن، فعندما يدفع الله الناس بعضهم ببعض، تهدأ الأوضاع بعد الصراع المسلح، وتركن الدول إلى التنافس السلمي الذي فيه خدمة الإنسان والرفع من شأنه وتأهيله لإعمار الأرض.

أما إذا استفردت قوة واحدة بالعالم كما هو حادث الآن، فإن سنن الله في الناس تؤكد أن هذه القوة  لابد أن تطغى وتتجبر، فتظلم، ثم تسقط. هذه قاعدة عامة لا يمكن تفاديها إلا بلجوء هذه ” القوة الأحادية القطب” إلى الله والتزامها بإحقاق العدل الإلهي في الأرض، وهذا أمر صعب الوقوع، لأن فتنة العظمة والاستكبار باب شرعه الشيطان لمنع عبادة الله في الأرض.

وما يشهده العالم حاليا إن هو إلا تمظهر لسلوك التجبر والاستكبار الممارس من طرف قوة عظمى استفردت بالعالم، وهي ماضية في بسط عظمتها إلى النهاية (نهايتها!).

وحتى لانحيد عن مسار بحثنا لابد من إيراد تصور ولو موجز عن مفهوم القوة العظمى مادام النظام الدولي لا يمكنه القيام من دون وجود مثل هذه القوة.

يقول الأستاذ ماجد حمدان في هذا السياق : (…فالدولة العظيمة هي تلك >التي تملك سيادة قرارها السياسي وتكون صاحبة تأثير ونفوذ على القرار السياسي لسواها من الدول<، بالإضافة إلى بعض الشروط اللازمة ومنها المساحة الجغرافية الواسعة، والتعداد السكاني المنظور، والاقتصاد القوي، والقوة العسكرية الضاربة والرادعة). ويضيف الاستاذ حمدان : (…يمكننا أن نضيف هنا أن القوة العظمى، إذا لم تستطع أن تحافظ على مناطق نفوذها في أمكنة كثيرة فهذا يعني السقوط، وتاريخ بريطانيا العظمى خير شاهد على هذا المدعى)(3).

من خلال هذه التوطئة المركزة، يمكن القول أن النظام الدولي لا يتوفر من الناحية القانونية على القواعد الموضوعية التي يلزم توفرها في أي نظام قانوني دولي، أما من الناحية الواقعية، فإن العالم يشهد بالفعل تحولات جوهرية، ويعيش مرحلة يتم فيها إقرار أجواء استثنائية غير معهودة، أهم مميزاتها بقاء قطب واحد على قمة الهرم العالمي، بعد سقوط وانهيار القطب الآخر المنافس، وهذه الحالة الواقعية هي التي شجعت المهتمين على طرح مصطلح جديد لنعت هذا الوضع الجديد.

جذور مصطلح النظام العالمي الجديد :

فما هي جذور هذا المفهوم الذي أصبح يترسخ أكثر على مستوى الكتابات والتصريحات؟ .

الأصل في ظهور مصطلح “النظام الدولي الجديد”

أولا، لا بد من الإشارة إلى وجود عبارتين للتعبير عن نفس المفهوم ويتعلق الأمر ب” النظام الدولي الحديد” و”النظام العالمي الجديد”.

وقد اقترن هذا المصطلح بالرئيس الأمريكي السابق بوش الذي دأب على طرحه منذ انتهاء حرب الخليج، وكان قد تحدث يوم 16يناير 1991، وهو يعلن بدء العمليات القتالية ضد العراق عن “نظام عالمي جديد “، تبدو الفرصة سانحة لإقامته، وكان قد أشار إلى فكرة النظام العالمي الجديد حين أعلن إدانته للإجتياح العراقي للكويت. وقال : >إن مايتعرض للخطر ليس بلداً صغيراً فحسب، بل فكرة كبيرة حيوية هي فكرة النظام العالمي الجديد< ويومها أكد أن >أمريكا والعالم يجب أن يدعموا حكم القانون…ونحن سنفعل <، وقد أوضح الرئيس الأمريكي بجلاء أن خطابه الذي أعلن فيه بدء الهجوم على العراق >أن الولايات المتحدة وحدها من بين أمم العالم هي التي تتوافرلها على حد سواء المكانة المعنوية، والوسائل اللازمة لحماية النظام العالمي الجديد<.

والجذير بالذكر أن هذه الفكرة التي طرحها الرئيس السابق بوش أثارت جدالا واسعا سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، وقد تساءل بعض السياسيين الأمريكيين عن مدلول هذه الحالة بقوله : >هل الحديث عن القانون الدولي يرد فقط حين يكون مناسبا لنا نحن الأمريكيين؟ <، ويذكر أصحاب هذا الموقف أن مبدأ ريغان كان رفضا واضحاً للقانون الدولي، وأن فكرة ” النظام “كقيمة  عليا تمثل ساحة من الفكر في قلب القانون الدولي، غير أن الولايات المتحدة لم تولها أي اعتبار طيلة عقد الثمانينات، بل أن السياسة الأمريكية كانت تحديا لهذه المبادئ في كل من جرينالدا ، نيكاراغوا وبنما، واستشهد “مايكل ماكينزي” وهو يعرض هذه الآراء في مقالة بالواشنطن بوست يوم 3-9-1990.بما كتب “دانييل مونيهان ” في كتابه الجديد “حول قانون الأمم” من ” أن لا شيء يمكن أن يقارن بتلاشي فكرة قانون الأمم من العقل الأمريكي” و> أن الدول الحليفة لأمريكا وغير الحليفة على السواء تستطيع دعم السياسات الأمريكية أو قبولها على الأقل إذا كانت تصرفاتنا مرئية على أنها تستند إلى قانون يلزمنا كمايلزمهم <.

وظهر في هذا الخضم تحذير من طرف بعض أتباع “المدرسة الواقعية” للرئيس بوش من أنه > سيندم على سيره في طريق القانون الدولي والالتزام بالنظام العالمي الجديد الذي تحدث عنه< -على حد قول جورج ويل- > لأن هذا الإلتزام سيعني أن نسلم بالتخلي عن حرياتنا في العمل في مناسبات…كما سيعني احترام سيادة حكومات نحن لا نرغب فيها..<، ويصف هؤلاء مظاهر النظام العالمي الجديد بأنها زائفة…

المفهوم الأمريكي للنظام الدولي الجديد:

غير أن المعنى الحقيقي لما أراده الرئيس بوش من مصطلح “النظام العالمي الجديد” هو نظام تنفرد به الولايات المتحدة بالقيادة، وتعمل فيه باسم >الشرعية الدولية< عن طريق استغلال منظمة الأمم المتحدة، وقد استدل “إيريل كويل” رئيس تحرير صحيفة كريستيان ساينس مونيتور في مقال نشره في مارس 1991بتصريح صدر عن البيت الأبيض أشار إلى أن(جورج بوش يريد جعل عام1991 مفرقا تاريخيا مثل عام 1945 في إطار تغيير العالم، وقال كويل إن استخدام مصطلح “النظام العالمي الجديد ” ليس مجرد شعار حماسي أثناء الحرب، بل هو جواز يريد بوش أن يدخل به سجل التاريخ، وهو يعتقد بإمكانية اللجوء لاستخدام الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية لوقف النزاعات وفرض السلام، لأنه يشعر بأن الوقت سيطول إلى أن يؤيد الرأي العام الأمريكي مرة أخرى انتشار قوات أمريكية ضخمة مثل تلك التي أرسلت لتقاتل العراق، أيا كانت تكلفة تلك الحرب، ولهذا فهو يريد إيجاد مخرج لاستخدام الأمم المتحدة والآليات الدولية الأخرى لحل الأزمات، وتجميع تحالفات متوازية لتسوس العالم، وتقوم بدور الشرطي العالمي، والمشكلة التي تواجه هذا التصور هي نفسها التي واجهت النظام العالمي في سان فرانسيسكو عام 1945، فالأمم المتحدة تؤدي دورها كما يريد أقوى أعضائها، ووفق مايحقق أغراضهم ولكن كان من الصعب الحفاظ على هذا التوازن طويلا).

ومن جهة أخرى يلاحظ جيري ساندوز من جامعة كاليفورنيافي مقاله “التراجع عن النظام العالمي” الذي نشره في مجلة السياسة العالمية في ربيع 1991، >أن رؤية الرئيس بوش للنظام العالمي الجديد مكونة من النزعة العاطفية القومية المتطرفة< وهي >رؤية مكونة من أجزاء متساوية من الوهم والاسطورة، ويتمثل الوهم في الاعتقاد بأن المكانة المعنوية الفريدة لأمريكا صالحة على المستوى الكوني، وتتمثل الأسطورة في أن الولايات المتحدة لديها وسائل ليس لها نظير لحماية هذه المكانة، والوهم الكوني، وأسطورة القطب الواحد سيقتضيان ثمنا فادحا من النظام العالمي، ومن موارد الولايات المتحدة لو أصبحا حقا دَعَامَتَيْ  المفاهيم التي تحكم السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عصر ما بعد الحرب الباردة< (4).

بقلم : سرحان الشاهدي

——————

الهوامش :

1- مستقبل العالم الاسلامي : ع 3 صيف 91 ص9.

2- د. عبد الله عبد الدائم : “القومية العربية ومستقبل النظام العالمي” شؤون عربية ع74 يونيو93.

3-  ماجد حمدان “مستقبل العالم الجديد، قطب، قطبان، ثلاثة” بحوث استراتيجية ع0، شتاء91.

4- د. احمد صدقي الدجاني “وجهة نظر عربية في النظام العالمي الجديد” شؤون عربية ع74 يونيو93.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *