بـارقـة


التسامح مبدأ إسلامي أصيل ، فمطلوب من المؤمن أن يكون متسامحا مع اخوانه ، إذ الرحمة بين المؤمنين امر واجب ، لان اخوة الايمان تفرض ذلك وتوجبه . ان التسامح خلق ممدوح وحميد في كل شيء ، الا فيما يغضب الله ورسوله ، اي التسامح في المنكر واباحة الظلم والفحشاء ، فالغضب هنا يصبح واجبا ، ويصبح التسامح خلقا مذموما لانه يؤدي الى تعطيل فرص الامر بالمعروف والنهي عن المنكر .

ولكي نربي الأجيال المسلمة على التسامح فإن هذا الأمر يشترك فيه البيت والمدرسة والإعلام ومختلف عناصر تكوين المجتمع، فالجميع مسؤول عن تربية الناشئة على خلق كريم، وإن كان للبيت والمدرسة المسؤولية الأولى، لذلك نختصر القول في أن إلتزام الدين وشرائعه وأخلاقه وسلوكه من طرف الأسرة والمدرسة والإعلام جدير أن يشيع في الجو  أنماطا سليمة وجميلة من الأخلاق والسلوك، فليست التربية أن تبث أجهزة الإعلام كلمات وتوجيهات ومحاضرات عن التسامح والخلق الإسلامي الكريم، وهي مع ذلك وقبل ذلك وأثر ذلك تبث ما يناقض هذا الخلق. وتحضرني هنا قصة شاب في الأندلس قبل سقوطها، التزم بالخلق الإسلامي إلتزام الصالحين والعارفين، ولكن والده الذي كان يشتغل وزيرا لم يعجبه ذلك، فمارس عليه ضغوطا مختلفة من أجل أن يتخلى عن ذلك النهج السوي، وضايق الوالد ولده وأغراه لفترة طويلة حتى كان له ما يريد، وأصبح الولد يجالس شعراء  قومه ومغنيهم وكثيرا من سفهائهم، ونخر الإنحراف سلوك ذلك الشاب وطبعه جتى تزوج مغنية، وظهرت عليه صور الإنحراف بشكل مشين جدا ازعجت حتى والده. فنظم الوالد في ولده قصيدا ينعي فيه سابق خلقه وسلوكه، ورد عليه ابنه بقصيد رائع بليغ يذكره فيه أنه كان السبب فيما حصل له، مثل هذا يحدث لناشئتنا اليوم، فوالدهم ليس البيت وحده، وإنما أيضا وسائل الإعلام والمدرسة والشارع.

أما عن التعصب فهو يكون مطلوبا إذا كان للدين والأخلاق الكريمة، وما غلبنا أهل الملل والنحل إلا لتعصبهم لدينهم وعاداتهم، وتخلينا نحن عن ذلك بدعوى التسامح، إن التعصب لديننا وقيمنا وحرية المسلمين وكرامتهم أمر مرغوب، ولكن التعصب المذموم هو الذي يكون للباطل، وللقوميات والقبليات والإنحراف والفجور وكل ما يصادم دين الله وأوامره.

إن الله لا ينهانا عن البر بمن لا يحاربنا ولا يظاهر على محاربتنا، بل يأمرنا أن نبرهم مهما كانوا، وتربية الناشئة على التسامح إنما تكون وفق منهج متكامل حتى لا تنقلب تلك المفاهيم الراقية إلى مدلولات عكسية، أي أن نربي أبناءنا على التسامح المقرون بالعزة والكرامة، نحن الآن في العالم الأسلامي نربي أبناءنا على الذل والهوان والخنوع والتملق والنفاق، نربيهم على السكوت على الباطل وعدم مناصرة أهل الحق والمظلومين خوفا من أذى دنيوي، هكذا أصبح اليوم يرى المنكر ولا يعمل على تغييره، ومواقفنا المتخاذلة مما يجري في البوسنة والهرسك وما يلحق بالمسلمين من مختلف أشكال الأذى في كل مكان، ونحن إحدى وخمسون دولة إسلامية، يشير إلى ذلك، فهل هذا تسامح؟ إنه ليس كذلك، إنه ضعف وانهيار، إن تربية النشء مسؤولية مشتركة بين الحاكم والمحكوم، بين البيت والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام والشارع، ويكون ذلك وفق رؤية مشتركة توضع على أسس سليمة، فتتضافر الجهود وتتكامل من أجل تحقيقها.

أ.د. عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *