الهزيمة الحضارية وموقع الدفاع


نحن اليوم في موقف دفاع، نقبع داخل ركن من أركان التاريخ ونتولى مهمة تبرير تصرفاتنا ومواثيقنا وتبييض وجه واقعنا أمام الغرب.. هذا باختصار أحد مظاهر الهزيمة الحضارية، ففي الصراعات التاريخية الكبرى يتقدم المنتصر ويبادر ويفرض معادلته وشخصيته بل وطريقته في المأكل والملبس، لذلك لاغرابة ـ مع حالة الاستنزاف الحضاري الذي نعيشه ـ أن نهدر جزءاً كبيراً من طاقتنا لنثبت للآخرين أننا نمتلك “شهادة حسن سيرة وسلوك ” في مختلف المجالات، على أن يكون معيار التقييم ـ بالضرورة ـ من صناعة الغرب الذي يمثل الحضارة الأقوى، إن لم يكن على العموم فعلى الأقل في جانبيها العسكري والسياسي.

وأحد أبرز ملامح الهزيمة التي نعيشها ما يسمى بالردود على انتقادات المستشرقين للإسلام، ومن ذلك  ـ على سبيل المثال ـ أن الإسلام يحمل معه السيف أينما يذهب، ولم يكن الرد بحاجة لعبقرية تثبت أن “المتوالية” البريطانية والفرنسية والروسية وأشكال الاحتلال الغربي كلها وصولاً إلى النموذج الأمريكي الطاغي على عالم اليوم بترسانة السلاح، هذه الأشكال كلها لم تصل إلى أراضي المسلمين حاملة زهور النرجس، ولم نسمع يوماً أن الأرض خلت من قوة أو قوى كبرى تسيطر أو تفرض هيبتها بالسلاح، منذ الإغريق والرومان إلى اليوم، مع ملاحظة أن الإسلام يضمن حرية الاعتقاد.

مثال آخر من انتقادات المستشرقين هو قضية تعدد الزوجات التي كادت أسطوانتها تصاب بالعطب من كثرة ترديدها، ولم يكن الرد أيضاً بحاجة إلى عبقرية لإثبات أن الرجل الغربي في أغلب حالاته يعرف عشيقة أو أكثر إلى جانب زوجته، فيبقى مضمون الحالتين ـ في جزء منه ـ متشابهاً، مع فارق أخلاقي واجتماعي وقانوني وعاطفي يرجح كفة النموذج المسلم.

وهكذا ظل نموذج الإسلام الدموي والمضطهد للمرأة سيفاً غربياً مسلطاً على رقاب المسلمين لتكبيل الأمة وشل فاعليتها وقدرتها على التفاؤل والانطلاق، هذا مع أن الغربيين لديهم حالات أسوأ مما يطرحون وتفتقد لأي أساس أخلاقي، ومع ذلك يصرون على ترديد الحجج نفسها وبترديدات مختلفة، ونحن من جانبنا مصرون على الدفاع والتبرير إلى درجة إلغاء حالات اجتماعية في الواقع المسلم النظري ـ مثل الرق ـ كي نكون عند حسن ظنهم، فما بال دول بأكملها تُخضع رقابها وترهن مصائرها واقتصادياتها وإنتاجها لدى الدائنين الغربيين والبنك والصندوق الدوليين؟! أليست هذه حالة حقيقية من الرق والاسترقاق التي تضم شعوباً بكاملها تفقد استقلالية القرار السياسي وحتى حرية وضع المناهج التعليمية بما يتفق وشخصيتها الذاتية؟!

في عام 1982 وفي العدد الصادر في 16/12 من مجلة ” تايم ” الأمريكية قال مراسلها في القاهرة في تحقيق حول الحجاب : > من الملاحظ أن ظاهرة الحجاب انتشرت في شمال إفريقيا انتشاراً واسعاً فصارت الألوف من النساء يرتدين الزي الإسلامي، ذلك الذي نبذته أمهاتهن وجداتهن من قبل ومن الملاحظ كذلك أن هؤلاء النسوة قد أخذن هذا الأمر بكثير من الجدية والاهتمام، لأن ظاهرة الحجاب صارت تنتشر بين المتعلمات وبصورة مذهلة، بل وغزت أوساط الطالبات والعاملات وربات البيوت وغيرهن على وجه السواء <. كما قال أيضاً : > إن هذا يعني أن سلطة الرجل على المرأة ستعود إلى سابق عهدها في العالم العربي، وستعود المرأة إلى عصر الحريم وتفقد حريتها ويتضاءل دورها في الحياة أمام سلطات الرجل ونفوذه <. وقبل البحث عما نصف به هذا الكاتب أو ما نعلق به على حديثه يجب أن نستحضر في وعينا أنه ابن حضارة أعطت لليهود وعد بلفور وأمدتهم بالمفاعلات النووية وأشركتهم في برنامج حرب الفضاء، ومن ثم يفقد منتمو هذه الحضارة ـ وبشكل مبدئي ـ أي مبرر أخلاقي وسياسي يسمح لإعلامهم بتقويم سير وسلوك أمتنا.

يشهد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في تضريحات له في 12/9/93 الماضي أن الولايات المتحدة ـ وهي عصب المحور الغربي ـ تسيطر عليها فكرة الربط بين الإسلام والإرهاب، واعتبر أن القلق الأمريكي من التوجه العالمي للإسلاميين غير مبرر، حيث قال : > أعتقد أن هناك ميلاً كبيراً في أمريكا للنظر إلى المسلمين باعتبارهم إرهابيين بالفطرة أو ضد الغرب بالفطرة <، وعلى المستوى الثقافي والاجتماعي تسخر فرنسا إمكانياتها للترويج لكتاب ” آيات شيطانية ” ولشخص مؤلفه سلمان رشدي البريطاني الجنسية، في الوقت الذي تحارب البنات المحجبات الفرنسيات ذوي الأصول العربية والفرنسية، فأي توجه مبدئي يحكم حركة المجتمع يمكن أن يفرز هذه العداوة إلى درجة الانحياز للأجنبي ومعاداة المواطن، سوى الوقوف فوق المربع المعادي للإسلام؟

حالة الوهن الحضاري التي نعيشها من أهم سماتها تلقي النصائح والتقييم من خصم يمثل نقيضاً حضارياً لكيان الأمة ذاتها، ففي معرض تعليقه على التقارب بين تل أبيب ومنظمة التحرير الفلسطينية يصف السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة ” جاد يعقوبي ” عملية المقارمة في لبنان التي حملت اسم ” شيحين ” وأسفرت عن مقتل تسعة من جنود الاحتلال، بأنها تأتي في سياق عمل شامل ضمن ” محاولات جديدة للأصوليين بهدف إقامة نظام ترهيب وترغيب “.. مشيراً إلى مساع لإقامة إمبراطورية أصولية مسلمة، وإلى أن الولايات المتحدة وأوروبا ليستا في منأى عن ” الإرهاب الإسلامي “.. والغريب في الأمر أيضاً أنه دعا العالم العربي ـ ضمن من دعا ـ إلى ” تنسيق جهوده ” لإفشال هذه الأعمال، وهكذا يفرز الواقع المأساوي مناخاً ملائماً للمشروع اليهودي المضاد حضارياً للكيان العربي ـ الإسلامي كي يقدم للأخير ملامح خطة مستقبلية في التعامل مع قوى الداخل وكيفية القضاء عليها.. وتظهر أسوأ أعراض المرض فجأة فتدعو قوة محتلة ضحاياها المحتلين كي يعاقبوا أبناءهم الذين يقاومون الاحتلال، فيما يشبه عملاً أدبياً ينتمي للامعقول، خاصة حينما لا يتحرك الجميع للرد عليه بطريقة علنية ورسمية.

واقع الدفاع الحضاري الذي يفقد جسد الأمة الكثير من طاقة جهاز المناعة لديها، يدعونا مرة أخرى للتوقف عند احتفال الحديقة الجنوبية في البيت الأبيض بمناسبة توقيع الاعتراف المتبادل بين المنظمة و(إسرائيل) واتفاق غزة/أريحا.. وسط حمائم السلام المحلقة، وفي أجواء غير صافية يعترف مسؤول أمريكي بأن بلاده تبحث مع (إسرائيل) تقديم مساعدات أمنية تشمل صفقة طائرات حربية تبلغ قيمتها حوالي ملياري دولار.. وفي المقابل تجفف واشنطن منابع التسليح العربية بالتضييق على الصين وكوريا الشمالية، مروراً بسلوفاكيا التي قررت إلغاء صفقة دبابات من طراز “تي  76″ موجهة إلى سوريا، بسبب الضغوط الغربية نفسها، ونلفت النظر خلال هذا أن قائمة الإرهاب التي أعلنتها الولايات المتحدة تضم أربعة شعوب مسلمة من إجمالي ستة في كل أنحاء العالم، وبالقرب من قائمة الدول التي ترعى الإرهاب ـ أو على هامش هذه القائمة ـ توجد أخرى تتعرض للتضييق لأسباب أخرى، مثل باكستان التي تتمثل جريمتها في محاولة تطوير سلاحها النووي والصاروخي.

وهكذا تضع حالة الدفاع الحضاري مجمل الأمة في موقع من ينتظر الضربات ويحسب لها حسابات الموقع والزمان، ليرد كل جزء من الأمة ـ منفرداً ـ الضربة التي تعنيه فقط.

تجميد الشعوب المسلمة في مواقعها الحضارية غاية مطلوبة لذاتها، لإفقادها القدرة على الحركة التي يمكن أن تصل بها إلى تولي أمورها بنفسها في ظل منظومة متكاملة سياسياً وثقافياً وفي إطار لحمة عقدية ـ تاريخية مشتركة ـ وهجوم المستشرقين بالباطل على الإسلام يأتي في هذا السياق، ومحاولات اليهود هدم الإسلام بدعوى مواجهة التطرف تأتي أيضاً في السياق ذاته؛ للعثور على مبرر للتواجد داخل البيت العربي المسلم دون أن يعطي ذلك لأصحاب البيت انطباعاً بأن هذا القادم كيان طفيلي يحاول الالتصاق بالجدران الداخلية أو عضو غريب فاسد لا يمكن زراعته في الجسم العليل، وقد وصل الاجتراء علينا إلى حد أن محامياً أمريكياً هو هنري زابرودر ـ كل مؤهلاته الأساسية أنه يهودي ثري ـ يدعو وسط حالة الصخب والخلط الشديدة إلى ” التصدي لتصاعد الاتجاه الإسلامي المتشدد “، وبعيداً عن الإطار العقدي ينطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين ـ أثناء العرض الدرامي لحفل التوقيع في واشنطن ـ ليقول إن > (إسرائيل) هي البلد الديمقراطي الوحيد في الشرق الأوسط <، دون أن نسمع حتى ولو كلمة عتاب عربية رقيقة لقائد العمليات الحربية الإسرائيلية في حرب حزيران /يونيو.

أحد المخارج المطروحة أمام صانع القرار العربي في مواجهة فلسفة الهجوم الإسرائيلي على الإسلام تحت دعوى محاربة ما يسمى ب “التطرف”، هو الفصل التام بين أحداث البيت العربي الداخلي وبين الرؤية السيادية للوطن في التعامل مع تل أبيب، وقد حاول الصحفي المصري موسى صبري يوماً ما حين كان يرأس تحرير صحيفة الأخبار أن يتوجه بسؤال إلى رئيس حزب العمل الإسرائيلي المعارض شمعون بيريز، حين كان الأول مرافقاً للرئيس المصري أنور السادات والثاني مرافقاً لرئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في لقاء بالنمسا، واشتم بيريز وقتها ـ من سؤال صبري ـ رائحة محاولة للإيقاع بينه وبين بيغن، فما كان منه إلا الاعتذار عن الجواب، ونحن اليوم مطالبون بعدم إعلان العداوة مع الوطن وبتحاشي هذه المأساة في ظل التحريض الإسرائيلي ـ الغربي، فرابين يتهم الدول العربية بعدم الديمقراطية ـ أي بالديكتاتورية ـ بصريح التعبير، وكل رجاله يتهمون الإسلام والمسلمين بالتطرف.. فنحن إذن مقبلون ـ أو ربما دخلنا بالفعل ـ على مرحلة تفسير الإسلام ووضع معايير ما يسمى بالإسلام ” المهذب اللطيف ” وفقاً لضوابط إسرائيلية ـ عربية.

وكل المطلوب أن نعرف موقعنا من الإسلام باعتباره الوقود الثابت والحقيقي لإدارة الصراع مع (إسرائيل)، تحول الأخيرة من التعامل معنا بالسلاح إلى التعامل بالسياسة والفكر والاقتصاد، لا يلغي حالة الصراع، إذ من المتيقن أنه لا صعود مترافق للهلال مع نجمة داوود منذ دولة النبوة في المدينة إلى الخلافة العثمانية في الآستانة، وهنا تبدو عصارة ممارسة تاريخية عمرها أربعة عشر قرناً ممثلة في قانون ” الخيار : فلسطين أو (إسرائيل) “.

      عن مجلة قضايا دولية ع 202                        

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *