<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; نظرات</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>في علاقة الرحمة بالتعليم  نظرات في مطلع سورة الرحمن   </title>
		<link>http://almahajjafes.net/2019/01/%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ad%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%85-%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b7%d9%84%d8%b9/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2019/01/%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ad%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%85-%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b7%d9%84%d8%b9/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 05 Jan 2019 10:17:50 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 494]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[التعليم]]></category>
		<category><![CDATA[الرحمة]]></category>
		<category><![CDATA[الرحمن]]></category>
		<category><![CDATA[سورة الرحمن]]></category>
		<category><![CDATA[علاقة الرحمة بالتعليم]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=26435</guid>
		<description><![CDATA[&#160;1 -&#160; في تسمية السورة: تسمى هذه السورة بسورة الرحمن. ولا شك أن السبب في ذلك ذكر هذا الاسم العظيم في مطلع هذه السورة. وهو اسم عظيم من الأسماء الحسنى، دال على صفة من الصفات العليا لله تبارك وتعالى. وعندما نقارن بين هذه السورة وسور أخرى من هذه الزاوية، أي من زاوية ذكر اسم الرحمن؛ [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<h3><span style="color: #800000;"><strong>&nbsp;1 -&nbsp; في تسمية السورة:</strong></span></h3>
<p>تسمى هذه السورة بسورة الرحمن. ولا شك أن السبب في ذلك ذكر هذا الاسم العظيم في مطلع هذه السورة. وهو اسم عظيم من الأسماء الحسنى، دال على صفة من الصفات العليا لله تبارك وتعالى.</p>
<p>وعندما نقارن بين هذه السورة وسور أخرى من هذه الزاوية، أي من زاوية ذكر اسم الرحمن؛ فإن سؤالا كبيرا يمكن أن يرد هنا، وهو أليست سور أخرى هي الأولى بهذه التسمية؟ وخاصة سورة مريم التي ذكر فيها هذا الاسم الكريم ست عشرة (16)&nbsp; مرة. ومن لطائف ورود هذا الاسم الكريم في سورة مريم اقترانه بذكر العذاب في قوله تعالى على لسان إبراهيم : ياأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (مريم: 45). ويستفاد من هذا الاقتران عظم جرم الشرك، لأن كونه مُعَذِّبا وهو الرحمن يدل على أن الجُرْم المعذَّب عليه كبيرٌ جدا.</p>
<p>إن ورود اسم الرحمن في سورة مريم بهذا الشكل –دون سائر سور القرآن الكريم- ينطوي على أسرار عظيمة، وفوائد جمة، ومع ذلك عُدِل عن تسميتها بسورة الرحمن إلى تسميتها بسورة مريم. وهذا الجانب من هذه السورة الكريمة يحتاج إلى بحث مستقل.</p>
<p>لكنْ ما السر في تسمية سورة الرحمن بهذا الاسم مع أنه لم يذكر فيها إلا مرة واحدة؟.</p>
<p>والجواب والله أعلم هو وروده في مطلع السورة تنبيها على الجامعية التي جعلها الله  في عدة أشياء: وأهمها القرآن والإنسان والميزان والزمان والكون. وهذه الأشياء تشكل محاور أساسية في السورة، وهي كما تدل على صفات القدرة والعلم والإرادة وما تنطوي عليه من معاني الكمال والجلال والجمال مما هو مخصوص به تبارك وتعالى؛ تدل أيضا على عظمة رحمته تعالى وسعتها كما قال  في آية أخرى: ورحمتي وسعت كل شيء (الأعراف: 156) وقد جاء ذكر تلك الأشياء بين وصفين لله تبارك وتعالى أحدهما وهو &#8220;الرحمن&#8221; في فاتحة السورة، والآخر وهو &#8220;ذو الجلال والإكرام&#8221; في خاتمتها. قال القرطبي: &#8220;افتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته&#8221;(1).</p>
<p>غير أن السياق يجعل تعليم القرآن على رأس تلك المحاور، ويورده في جملة خبرية مفادها أن تعليم القرآن في علاقته بالإنسان هو أول مظهر من مظاهر هذا الاسم العظيم، أي أنه تجلٍّ شريف من تجليات صفة الرحمة. ولذلك فقد قدم ذكر التعليم على ذكر الخلق مع أن الخلق سابق عليه.</p>
<p>يقول الإمام الشوكاني: &#8220;ولما كانت هذه السورة لتعداد نعمه التي أنعم بها على عباده قَدَّم النعمة التي هي أجلها قدرا وأكثرها نفعا وأتمها فائدة وأعظمها عائدة وهي نعمة تعليم القرآن فإنها مدار سعادة الدارين وقطب رحى الخيرين وعماد الأمرين، ثم امتن بعد هذه النعمة بنعمة الخلق التي هي مناط كل الأمور ومرجع جميع الأشياء فقال خلق الإنسان ثم امتن ثالثا بتعليمه البيان الذي يكون به التفاهم ويدور عليه التخاطب وتتوقف عليه مصالح المعاش والمعاد لأنه لا يمكن إبراز ما في الضمائر ولا إظهار ما يدور في الخلد إلا به&#8221;(2).</p>
<p>ومن هنا يتبين بعض السر في تسمية هذه السورة بهذا الاسم الكريم.</p>
<h3><span style="color: #800000;"><strong>2 &#8211; في مفهوم الرحمة ووصف الله تعالى بـ&#8221;الرحمن&#8221;:</strong></span></h3>
<p>قال الراغب رحمه الله تعالى: &#8220;الرَّحْمَةُ رِقّةٌ تَقْتَضِي الإحْسَانَ إلى المَرْحُومِ، وقد تُسْتَعْمَلُ تارَةً في الرِّقّةِ المُجَرَّدَةِ وتارَةً في الإِحْسَانِ المُجَرَّدِ عَن الرِّقَةِ نحوُ: رَحِمَ اللَّهُ فُلاناً. وإِذَا وُصِفَ به البارِي فليسَ يُرَادُ به إِلاّ الإِحْسَانُ المُجَرَّدُ دونَ الرِّقَةِ، وَعَلَى هذا رُوِيَ أَنَّ الرّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ إنْعَامٌ وإفْضَالٌ، وَمِنَ الآدَمِيّين رِقّةٌ وَتَعَطُّفٌ. وَعَلى هذا قوْلُ النَّبيِّ ذَاكِراً عَنْ رَبِّهِ: «أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ الرَّحِمَ قَالَ لَهُ أَنَا الرّحْمنُ وَأنْتِ الرَّحِمُ، شَقَقْتُ اسْمَك مِن اسْمِي فَمَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَكِ بَتَتُّهُ» فذَلكَ إشارَةٌ إلى مَا تَقَدَّمَ وهو أنّ الرَّحْمَةُ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: الرِّقّةِ وَالإحْسَانِ فَرَكّزَ تعالى في طَبائِعِ الناسِ الرِّقّةَ وتَفَرَّدَ بِالْإِحْسَانِ فصارَ كما أَنّ لفظَ الرَّحِم مِنَ الرَّحْمَةِ، فَمَعْنَاهُ المَوْجُودُ في الناسِ مِنَ المعنَى المَوْجُودِ للَّهِ تعالى فَتَنَاسَبَ مَعْنَاهُمَا تَناسُبَ لَفْظَيْهِمَا. وَالرّحْمنُ وَالرَّحِيمُ نحوُ نَدْمَانَ وَنَدِيمٍ ولا يُطْلَقُ الرّحْمنُ إلاّ عَلَى الله تعالى مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَعْنَاهُ لا يَصِحُّ إلاّ لَهُ إذْ هُو الذي وَسِعَ كُلّ شيءٍ رَحْمَةً، والرَّحِيمُ يُسْتَعْمَلُ في غَيرِهِ وهو الذي كَثُرَتْ رَحْمَتُهُ. قال تعالى؛ إن الله غفور رحيم (الأنفال: 69) وقال في صِفةِ النبيّ : لقد جاءكم&#8230; رحيم (التوبة: 128) وقيلَ إنّ الله تعالى: هُوَ رَحْمنُ الدُّنْيَا وَرَحِيمُ الآخِرَةِ، وذلك أنَّ إِحْسَانَهُ في الدُّنْيَا يَعُمُّ المؤْمِنِينَ وَالكافِرينَ وفي الآخِرَةِ يَخْتَصُّ بالمؤْمِنينَ وَعَلَى هذا قال: ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون (الأعراف: 156)، تَنبيهاً أنَها في الدُّنْيَا عَامّةٌ للمؤْمِنِينَ وَالكافِرِينَ، وَفي الآخِرَةِ مُخْتَصَّةٌ بالمُؤْمِنِينَ&#8221;(3).</p>
<p>والرحمة صفة وُصف بها الله تعالى، وَوُصف بها كتابه: القرآنُ الكريم، وَوُصف بها نبيُّه: محمد ، وَوُصف بها أتباعُ نبيه رضي الله عنهم. فالله تعالى هو &#8220;الرحمن&#8221; وهو &#8220;الرحيم&#8221; وهو أرحم الراحمين (يوسف 64)، والرسول &nbsp;بالمؤمنين رؤوف رحيم (التوبة 128)، وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين (الإسراء 82) و أتباع محمد &nbsp;والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم (الفتح 29)..</p>
<p>وإنما تحقق هذا الوصف للمخلوقين بسبب ما انتقل إليهم من فضل هذا القرآن الذي هو كلام الخالق.</p>
<p>وكما انتقل إليهم ذلك الوصف عبر هذا القرآن فقد انتقلت إليهم باقي الأوصاف الكريمة، وسائر الأخلاق العالية. ألم تسمع إلى السيدة الفقيهة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي تصف خلقه : &#8220;إنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ &nbsp;كَانَ الْقُرْآنَ&#8221;(4)، والقرآن يقول: وإنك لعلى خلق عظيم؟.</p>
<h3><span style="color: #800000;"><strong>3 &#8211; في كون تعليم القرآن من أعظم تجليات رحمة الرحمن:</strong></span></h3>
<p><span style="color: #008080;"><strong>• تقديم اسم الرحمن وتصدير السورة به:</strong></span></p>
<p>ورد في سبب نزول هذه الآية أن المشركين قالوا في النبي &nbsp;إنما يعلمه بشر أي يعلمه القرآن(5)، قال ابن عاشور: &#8220;فكان الاهتمام بذكر الذي يعلم النبيء &nbsp;القرآن أقوى من الاهتمام بالتعليم&#8221;(6).</p>
<p>وقيل أنزلت حين قالوا: وما الرحمن (الفرقان: 60)؛ قال مقاتل: &#8220;لما نزل قوله: اسجدوا للرحمن قال كفار مكة: وما الرحمن فأنكروه وقالوا لا نعرف الرحمن، فقال تعالى: الرحمن الذي أنكروه هو الذي علم القرآن&#8221;(7).</p>
<p>وأيا كان ذلك فالظاهر من الروايتين أن قوله تعالى: علم القرآن وما بعده هو في تعريف الرحمن. فما قاله ابن عاشور يصدق أيضا على السبب الآخر.</p>
<p>فتقديم اسم الرحمن للتنبيه على مقالات المشركين، وذكر ما بعده من تنزيل القرآن وغيره للفت أنظارهم وإيقاظ عقولهم إلى المظاهر والتجليات العظيمة لذلك الوصف.</p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>• مفهوم تعليم القرآن:</strong></span></p>
<p>اختلف في معنى تعليم الله تعالى للقرآن على أقوال منها:</p>
<p>-قول الطبري: &#8220;بصَّركم به ما فيه رضا ربكم وعرَّفكم ما فيه سخطه؛ لتطيعوه باتباعكم ما يرضيه عنكم وعملكم بما أمركم به وبتجنبكم ما يسخطه عليكم فتستوجبوا بذلك جزيل ثوابه وتنجوا من أليم عقابه&#8221;(8).</p>
<p>-وقول الزجاج: &#8220;سهله لأن يذكر ويقرأ؛ كما قال: ولقد يسرنا القرآن للذكر&#8221;(9).</p>
<p>واستعمال لفظ التعليم هنا مفيد في العلاقة بين جهة الرحمة الإلهية التي مكَّنت جهة القدرة البشرية من استيعاب القرآن العظيم. قال الإمام البقاعي: &#8220;ولما كان لا شيء من الرحمة أبلغ ولا أدل على القدرة من إيصال بعض صفات الخالق إلى المخلوق نوع إيصال ليتخلقوا به بحسب ما يمكنهم منه فيحصلوا على الحياة الأبدية والسعادة السرمدية قال: علم القرآن أي المرئي المشهود بالكتابة والمتلو المسموع، الجامع لكل خير، الفارق بين كل لبس، وكان القياس يقتضي أن لا يعلم المسموعَ أحدٌ لأنه صفة من صفاته، وصفاته في العظم كذاته، وذاته غيب محض، لأن الخلق أحقر من أن يحيطوا به علما.. فدل تعليمه القرآن على أنه يقدر أن يعلم ما أراد من أراد، وعلم آدم الأسماء كلها (البقرة: 31)&#8221;(10).</p>
<p>وهذه المسألة قوية العلاقة بالخلق، ولذلك قال تعالى: بعده: خلق الإنسان. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: &#8220;فقوله خلق الإنسان إخبار عن الإيجاد الخارجي العيني.. وقوله علم القرآن إخبار عن إعطاء الوجود العلمي الذهني، فإنما تعلم الإنسان القرآن بتعليمه، كما أنه صار إنسانا بخلقه فهو الذي خلقه وعلمه&#8221;(11).</p>
<p>بل إن ترتيب خلق الإنسان بعد تعليم القرآن ينبه اللبيب على أن وجوده الحقيقي إنما يكون بهذا القرآن؛ فكما أن الله تعالى هيأ له الكون المنظور قبل خلقه لتتم له أسباب المعاش، كذلك وضع له الكتاب المقروء قبل إيجاده لتتم له الهداية إلى أحسن المناهج، كما قال : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم (الإسراء 9).</p>
<p>وفي هذا المقام يقول الراغب رحمه الله تعالى: &#8220;ابتدأ بتعليم القرآن، ثم بخلق الإنسان، ثم بتعليم البيان، ولم يدخل الواو فيما بينها. وكان الوجه على متعارف الناس أن يقول: خلق الإنسان، وعلمه البيان، وعلمه القرآن. فإن إيجاد الإنسان بحسب نظرنا مقدم على تعليمه البيان، وتعليم البيان مقدم على تعليم القرآن، ولكن لما لم يُعَدَّ الإنسانُ إنساناً ما لم يتخصص بالقرآن، ابتدأ بالقرآن، ثم قال: خلق الإنسان تنبيها على أن البيان الحقيقي المختص بالإنسان يحصل بعد معرفة القرآن. فنبه –بهذا الترتيب المخصوص، وترك حرف العطف منه، وجعل كل جملة بدلا مما قبلها لا عطفا- على أن الإنسان ما لم يكن عارفا برسوم العبادة ومتخصصا بها لا يكون إنسانا، وأن كلامه ما لم يكن على مقتضى الشرع لا يكون بيانا(12).</p>
<h3><span style="color: #800000;"><strong>4 &#8211; في ضرورة بناء التعليم على هدى القرآن:</strong></span></h3>
<p>بناء على ما سبق يمكن أن نقول إن هذه الآية أصل عظيم في وجوب تقديم العلم بالقرآن وتعليمه على سائر العلوم، وأن هذا التقديم عنوان على الرحمة في قلوب القائمين على هذا الشأن وأنهم حقا يريدون مصلحة المجتمع، فذلك عنوان إرادة الإصلاح ومقياسه.</p>
<p>والأمر فضلا عن كونه اقتداء بهذا التصنيف الرباني العظيم للعلوم، له دلائل كثيرة دالة على أحقيته وأفضليته.</p>
<p>ومن أعظم الدلائل على ذلك أن هذا القرآن العظيم هو خاتمة الكتب المنزلة أي هو آخر ما أنزل من الوحي على البشرية في تاريخها الطويل. والقرآن الكريم يستعمل لفظ &#8220;الكتاب&#8221; في الدلالة على هذا المصدر العلمي الرباني العظيم. والمقصود به كل ما أنزله الله تعالى إلى الناس على مدى التاريخ البشري بواسطة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. كما قال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.. (البقرة 213).</p>
<p>وقال : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط (الحديد: 25). والشواهد على هذا كثيرة في القرآن الكريم(13).</p>
<p>فالكلام عن الكتاب مُتَوَّجٌ بالكلام عن القرآن باعتباره خاتم الكتب المنزلة قبله ومهيمنا عليها. وباعتباره الكتاب الوحيد الذي بقي متواترا ومحفوظا لفظا ومعنى.</p>
<p>والقرآن العظيم نازل بعلم الله تعالى ومتضمن لعلمه كما قال : فإن لم يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (هود: 14). وقال : وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأعراف: 52). وقال : قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (الفرقان: 6).</p>
<p>فالحاصل من ذلك وغيره أن القرآن عِلْمٌ، بل هو العلم سواء بالنظر إلى ذاته وموضوعه، أم بالنظر إلى مصدره حيث نزله العليم، أم إلى كيفية وملابسات نزوله حيث نزله بعلم، أم إلى كيفية تلقينه حيث علمه شديد القوى، أم إلى ذات المكلَّف بتبليغه إلى الناس جميعا وحالِه –وهو النبي الأمي- حيث صار به مُعَلِّما: ..وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (النساء: 113). فالقرآن العظيم إذن علمٌ عظيم: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (المزمل: 5). وهو فوق طاقة الإنسان لولا أن الله تعالى أقدره على تعلمه؛ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر(14)ٍ (القمر: 17)، وذلك مظهر من مظاهر رحمة الرحمن: الرَّحْمَانُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (الرحمن 4).</p>
<p>وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك بلا شك، فإن تقديم العلم بالقرآن وتقديم تعليم القرآن هو الضمان الوحيد لتحقيق الرحمة لهذا الإنسان.</p>
<p>يقول أستاذنا الشاهد البوشيخي حفظه الله : &#8220;علم الغيب أي الوحي إطار علوم الشهادة، أي علوم الكون والحياة والإنسان، فإذا تحركت هذه داخل الإطار أثمرت ما خلق له الإنسان مما ينفع الناس ويمكث في الأرض، من عبادة الله جل وعلا، وإلا كنت جهلا مركبا قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (الزمر: 64). والعلم بالله جل جلاله هو رأس العلم، من فاته فاته كل شيء، ومن أدركه فقد أدرك كل شيء. ذلك بأن صور الأشياء أسبابا وموانع، وأحجاما ومواقع، وأهدافا ووسائل.. لا تستقيم إلا من بعد العلم بهذا العلم، وهو في التحصيل سابق لكل علم.. وفي الترتيب منطلق لكل علم، وغاية وهدف من كل علم&#8221;(15).</p>
<h4><span style="color: #ff0000;"><em><strong>د. مصطفى فضيل</strong></em></span></h4>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;</p>
<p>1 &#8211; تفسير القرطبي 17/ 159 .</p>
<p>2 &#8211; فتح القدير&nbsp; 5/ 131.</p>
<p>3 &#8211; المفردات/ رحم.</p>
<p>4 &#8211; أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين.</p>
<p>5 &#8211; انظر فتح القدير 5/ 131.</p>
<p>6 &#8211; التحرير 27/ 230.</p>
<p>7 &#8211; زاد المسير 8/ 105. وبنحوه أخرجه ابن أبي حاتم عن حسين الجحفي. انظر الدر المنثور 6/ 268. وهذا السبب هو المذكور أولا عند القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 17/ 152.</p>
<p>8 &#8211; جامع البيان 27/ 114.</p>
<p>9 -&nbsp; الجامع لأحكام القرآن 17/ 152.</p>
<p>10 &#8211; نظم الدرر 19/ 141.</p>
<p>11 &#8211; مفتاح دار السعادة 1/ 279.</p>
<p>12 &#8211; تفصيل النشأتين ص 150- 151.</p>
<p>13 &#8211; انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم مادة (كتب).</p>
<p>14 &#8211; وقد تكرر هذه العبارة أربع مرات في سورة القمر: الآيات: 17، 22، 32، 40.</p>
<p>15 &#8211; ورقات في المسألة العلمية/ مقالة ضمن مجلة الهدى ع 33 ص 31.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2019/01/%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ad%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%85-%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b7%d9%84%d8%b9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في مفهوم الخُلُق في القرآن الكريم</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/10/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8f%d9%84%d9%8f%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/10/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8f%d9%84%d9%8f%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 24 Oct 2017 09:57:01 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 486]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الأخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[الخُلُق]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[دة. كلثومة دخوش]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم الخُلُق]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=18097</guid>
		<description><![CDATA[ورد مصطلح الأخلاق في القرآن الكريم بصيغة المفرد مرتين فقط، وذلك في: - قوله : إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ(الشعراء: 137)، وفي هذا الموضع ورد بمعنى الكذب، كما فسره معظم المفسرين فيكون مأخوذا من الخَلْق والاختلاق. - كما ورد في قوله سبحانه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(القلم: 4)، وهذه الآية هي الوحيدة التي ورد فيها الخلق [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>ورد مصطلح الأخلاق في القرآن الكريم بصيغة المفرد مرتين فقط، وذلك في:</p>
<p>- قوله : إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ(الشعراء: 137)، وفي هذا الموضع ورد بمعنى الكذب، كما فسره معظم المفسرين فيكون مأخوذا من الخَلْق والاختلاق.</p>
<p>- كما ورد في قوله سبحانه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(القلم: 4)، وهذه الآية هي الوحيدة التي ورد فيها الخلق بمعنى مفرد لفظ الأخلاق.</p>
<p>وفي معنى لفظ الخلق قال ابن فارس: &#8220;الخاء واللام والقاف أصلان: أحدهما تقدير الشيء والآخر مَلَاسَةُ الشَّيْءِ&#8221;، ثم قال: &#8220;ومن ذَلكَ الْخُلُقِ، وَهي السَّجِيَّةُ، لأَن صَاحِبَهُ قد قُدِّرُ عَلَيْهِ&#8221;(1).</p>
<p>وقال الزمخشري: &#8220;وله خلق حسن وخليقة وهي ما خلق عليه من طبيعته، وتخلّق بكذا. وخالق الناس ولا تخالفهم. وهو خليق لكذا: كأنما خلق له وطبع عليه&#8221; (2).</p>
<p>وجاء في لسان العرب: &#8220;الخُلُقُ بضم اللام وسكونها وهو الدِّين والطبْع والسجية، وحقيقته أَنه لِصورة الإِنسان الباطنة وهي نفْسه وأَوصافها ومعانيها المختصةُ بِها بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة وأَوصافها ومعانيها ولهما أَوصاف حسَنة وقبيحة والثوابُ والعقاب يتعلّقان بأَوصاف الصورة الباطنة أَكثر مما يتعلقان بأَوصاف الصورة الظاهرة&#8221;(3).</p>
<p>وقال التهانوي عن المعنى الاصطلاحي للخلق: &#8220;الخلق: بضمّتين وسكون الثاني أيضا في اللغة العادة والطبيعة والدين والمروءة والجمع الأخلاق. وفي عرف العلماء: ملكة تصدر بها عن النفس الأفعال بسهولة من غير تقدّم فكر وروية وتكلّف. فغير الراسخ من صفات النفس كغضب الحليم لا يكون خلقا وكذا الراسخ الذي يكون مبدأ للأفعال النفسية بعسر وتأمّل كالبخيل إذا حاول الكرم وكالكريم إذا قصد بإعطائه الشهرة، وكذا ما تكون نسبته إلى الفعل والترك على السواء كالقدرة وهو مغاير للقدرة بوجه آخر أيضا&#8221;(4).</p>
<p>من خلال هذه التعاريف يتضح أن الأصل في الخلق أنه غير مكتسب، وأنه سجية للنفس، وقدر، وأنه صورة الإنسان الباطنة التي توازي وتقابل صورته الظاهرة.</p>
<p>وهذا الاستنتاج يضعنا أمام السؤال الذي كثيرا ما أثير عند القدماء والمحدثين، وهو يتعلق بمصدر الأخلاق، أو مصدر الشعور الأخلاقي، وهذا سؤال تناوله الفلاسفة والأخلاقيون باستمرار، وباختصار أشير إلى الآراء في الأجوبة عن هذا السؤال:</p>
<p>- هناك من رأى بأن مصدر الشعور الأخلاقي هو الغريزة، بمعنى أن الأخلاق من الأمور التي فُطر عليها الإنسان، ومعناه أن الله تعالى زودنا بأداة نحكم بها على الأشياء، ونرى حسنها وقبحها تماما كما زودنا بالعين لنميز بها بين المرئيات المادية.</p>
<p>- وهناك من يرى بأن الأخلاق تكتسب بالتربية، وبالتوجيه (الديني أو الاجتماعي&#8230;)، وربما قال بعض الفلاسفة إن الأخلاق تكتسب بالتجربة والترقي في المدارك والانتقاء من خلال هذه التجربة لما يصلح وتجاوز ما لا يصلح على مستوى الفعل الخلقي.</p>
<p>لقد ذكر مسكويه، وهو من أبرز الأخلاقيين المسلمين، هذه الآراء، في الإجابة عن مصدر الأخلاق،  بعد أن عرف الخلق بأنه حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية، فقال: &#8220;وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب[...]، ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدريب، وربما كان مبدؤه الفكر، ثم يستمر عليه أولا فأولا حتى يصير ملكة وخلقا&#8221;(5).</p>
<p>وخلاصة ما يمكن تقريره هنا ، وبناء على أن الخلق لم يرد في القرآن الكريم إلا مفردا، يمكن القول إن الخلق هو ما طبع عليه كل شخص على وجه العموم، فنقول هذا خلقه حسن، إذا اتصف بلين الجانب مع ما يترجم لين الجانب وحسن الخلق من محبة للآخرين ورحمة بهم وتواضع لهم وتلبية دعواتهم وتلبية حوائجهم، وعكسه سيئ الخلق مع ما يعبر عن ذلك من جفاء وغلظة وخسة وتكبر&#8230;</p>
<p>والأخلاق بصيغة الجمع، هي مجموع ما تعارف عليه الناس واتفقوا على كونه حسنا أو سيئا، إما عقلا أو شرعا، مع تسجيل اتفاق العقل والشرع في كون العقل صنع الشارع، ومن ثم فاعتقاد من لا دين له في خلق أنه حسن وفي آخر أنه سيئ، هو راجع إلى عقله في اعتقاده، أما في الحقيقة فهو راجع إلى الفطرة التي فطره الله عليها، وهي شرع سابق على وجوده كما تقرره آيات القرآن الكريم، منها قوله سبحانه وتعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّياتهمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ(الأعراف: 172).</p>
<p>وهذا فيه دليل لما أكده بعض المفكرين المعاصرين، مثل الدكتور طه عبد الرحمن  من أن مصدر الأخلاق هو الفطرة، والفطرة تلقت هذا الشعور الأخلاقي من الدين، فالدين إذن هو مصدر التوجيه الأخلاقي.</p>
<p>وبناء على ما سبق، فإن في الأخلاق جزءا فطريا وآخر مكتسبا.</p>
<p>فأما الجزء الفطري، فقد جاء الوحي، قرآنا وسنة، بالثناء على الحسن منه، ومعالجة النفس على عدم الخضوع للسيء منه، من ذلك بخصوص النوع الأول قوله  لأشج عبد القيس: «إنَّ فيك خَصلتين يحبهما اللهُ: الحلمُ والأَناة» (أخرجه مسلم).</p>
<p>وبخصوص الثاني، نجد قول الله تعالى قوله سبحانه في الثناء الكاظمين الغيظ: سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(آل عمران 133 &#8211; 134)، وقول الرسول : «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (متفق عليه).</p>
<p>وأما الجزء المكتسب، فقد ورد الأمر  بالتحلي به، من ذلك في القرآن الكريم: ولا تصاعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا(لقمان: 17)، وفي الحديث، قوله : «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ» (متفق عليه).</p>
<p>ولهذه المعاني كلها كان التوجيه ألى التخلق  بالخلق الحسن من أهم مقاصد البعثة النبوية، حسب ما جاء في قول الرسول : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»، فقد يكون من معاني إتمام  مكارم الأخلاق، دعوته  بفعله وقوله إلى تعزيز الجانب الفطري من الأخلاق بالجزء المكتسب منها، وهذا كان من أهم وظائف الرسول  بدليل آيات قرآنية عديدة منها قوله عز من قائل: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (البقرة 150).</p>
<p>والمسلم، ما لم يتخلق بخلق القرآن، يظل بعيدا كل البعد من مقتضيات الإيمان بدليل عدة نصوص شرعية، من بينها أحاديث تنفي الإيمان عمن لا أمانة له، أو لا يحسن الجوار، أو لا يكرم الضيف، أو لا يحب لأخيه مثل ما يحب لنفسه إلى غير ذلك مما اشتملت عليه نصوص حديثية نتداولها بألسنتنا ونعرف معانيها مع غفلة من الكثيرين منا عن التخلق بها وتدبر مكانتها من الدين عقيدة وشريعة.</p>
<p>والله أعلم وأحكم.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #ff0000;"><em><strong>دة.  كلثومة دخوش</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;</p>
<p>1 &#8211; ابن فارس-مقاييس اللغة /خلق.</p>
<p>2 &#8211; أساس البلاغة/خلق.</p>
<p>3 &#8211; ابن منظور-لسان العرب/خلق.</p>
<p>4 &#8211; كشاف اصطلاحات الفنون.</p>
<p>5 &#8211; مسكويه-تهذيب الأخلاق و الأعراق –ص:265.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/10/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8f%d9%84%d9%8f%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في سورة العلق 2/3</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/02/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%82-23/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/02/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%82-23/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 03 Feb 2017 11:20:31 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[الأستاذ عبد العلي حجيج]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 472]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[اقرأ باسم ربك]]></category>
		<category><![CDATA[د. عبد العلي حجيج]]></category>
		<category><![CDATA[ربوبية الله]]></category>
		<category><![CDATA[سورة العلق]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات في سورة العلق]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=16373</guid>
		<description><![CDATA[- دراسة السورة: 1 &#8211; دراسة المضمون: موضوع سورة العلق الأساس هو &#8220;الربوبية&#8221;: ربوبية الله تعالى للإنسان منذ أن خلق الله الخلق إلى أن تكون إليه الرجعى، وتلقى الإنسان لتلك الربوبية إما بالشكر فينصر، وإما بالكفر فيخذل ويذل. ومن ثم يمكن تمييز قسمين كبيرين للسورة: قسم يتحدث عن نعمة الله  على الإنسان. وهو من [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #0000ff;"><strong>- دراسة السورة:</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>1 &#8211; دراسة المضمون:</strong></span><br />
موضوع سورة العلق الأساس هو &#8220;الربوبية&#8221;: ربوبية الله تعالى للإنسان منذ أن خلق الله الخلق إلى أن تكون إليه الرجعى، وتلقى الإنسان لتلك الربوبية إما بالشكر فينصر، وإما بالكفر فيخذل ويذل. ومن ثم يمكن تمييز قسمين كبيرين للسورة: قسم يتحدث عن نعمة الله  على الإنسان. وهو من قوله تعالى: اقرأ باسم ربك إلى قوله علم الإنسان ما لم يعلم ، وقسم يتحدث عن آثار تلك النعمة في الإنسان وتعهد الله لها وهو الباقي.<br />
<span style="color: #800000;"><strong>القسم الأول:</strong></span><br />
فأما القسم الأول فيمكن تقسيمه أيضا تبعا لمضمونه وشكله معا إلى مقطعين المقطع الأول، وهو الآيتان الأوليان ذواتا فاصلة القاف، والمقطع الثاني وهو الآيات الثلاث بعد ذلك بفاصلة الميم.<br />
ومضمون هذا القسم عموما: هو تعريفنا بربنا من هو؟ وفيم تتجلى ربوبيته عموما وربوبيته لنا نحن الإنسان خصوصا، فهو هو الموجد، وهو هو الممد أي هو الخالق والرازق وهاتان الصفتان: الإيجاد والإمداد، أو الخلق والرزق؛ هما خلاصة نعمة الله عز وجل على عباده. جمع فيهما ما افترق في غيرهما. وهما أصل ما سواهما، ولذلك بهما شرح الله تعالى نعمته على الناس في قوله: يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون فربوبيته تعالى تتجلى أول ما تتجلى في تلك الصفتين؛ إذ هو &#8220;الذي خلق&#8221;، وهو &#8220;الأكرم&#8221;. فلولا قدرته ما وجد موجود، ولولا كرمه ما أمد موجود بما يحتاج إليه في هذا الوجود. وربوبيته لنا، نحن الإنسان، خاصة تتجلى -زيادة على ذلك &#8211; في أن نقلنا نقلة بعيدة في الخلق؛ من درجة &#8220;علق&#8221; إلى درجة &#8220;الإنسان&#8221;، وكم بينهما من مسافات، وخصنا بالتكريم فأكرمنا بالتعلم والتعليم بالقلم. وفي ذلك تفضيل أي تفضيل على كثير ممن خلق.<br />
وأظهر شيء في هذا القسم في المقطع الأول هو صفة القدرة، كما أن أظهر شيء في المقطع الثاني صفة الكرم، وهما متكاملتان، فبدون تلك القدرة لا يكون ذلك الكرم، وبدون ذلك الكرم لا تنجز تلك القدرة ما أنجزت من خلق. وهما معا أكبر طريق إلى أن نعرف ربنا حق المعرفة: فكونه &#8220;الذي خلق خلق الإنسان من علق&#8221; يقتضي عدة أسماء حسنى له سبحانه: أنه الخالق البارئ المصور، وأنه الملك المالك المهيمن، وأنه الحكم الحفيظ المدبر، وأنه وأنه.. وكونه &#8220;الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم&#8221; يقتضي أنه العليم الحليم، الرحمن الرحيم، الرؤوف الكريم، الوهاب إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى التي تقتضي إنعاما منه تعالى، ومتى عرفنا ذلك أحببنا ربنا وخشعنا له فعبدناه كما يحب ويرضى. ومتى عرفنا ذلك أيضا عرفنا أنفسنا ومن حولنا، وأننا جميعا مربوبون لله ، مدينون له بوجودنا واستمرارنا، مخلوقون بقدرته، غارقون في بحر كرمه ولاسيما هذا الإنسان المخلوق &#8220;في أحسن تقويم&#8221; المكرم المفضل على كثير ممن خلق تفضيلا. فهل قام الإنسان بحق هذه النعم التي هو غارق فيها؟ هل شكر ربه على نعمة الخلق والرزق، والتكريم والتفضيل إن ذلك ما تقتضيه معرفته بربه، ومعرفته بنفسه، ومعرفته بمن حوله.<br />
ألا وأنه لإعجاز أي إعجاز في تنزيل هذا القرآن الكريم أن تكون هذه الآيات الخمس الأولى من سورة العلق أول نازل من هدى الله إلى عباده.<br />
<span style="color: #800000;"><strong>القسم الثاني</strong></span>:<br />
وأما القسم الثاني فيمكن تقسيمه تبعا لفواصله إلى ثلاثة مقاطع، مقطع الألف المقصورة وهو أكبر مقاطع السورة وأوسطها وآياته تسع، ومقطع الهاء وآياته خمس، ومقطع الباء وهو آية واحدة.<br />
ومضمون هذا القسم عموما: هو كيف تلقينا نحن الإنسان نعمة ربوبية الله لنا، وكيف يعاملنا سبحانه وتعالى تبعا لذلك؟ إن القاعدة العامة لذلك التلقي هي: كفران النعمة قال تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار . والاستثناء هو شكرها. قال أيضا: وقليل من عبادي الشكور وأن القاعدة العامة لتلك المعاملة تبعا لذلك هي نصرة الشاكرين وخذلان الكافرين، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم .<br />
<span style="color: #ff9900;"><strong>والمقطع الأول</strong></span> من هذا القسم يستقل أو يكاد بتقرير قاعدة التلقي، كما أن المقطعين الثاني والأخير يستقلان أو يكادان بتقرير قاعدة المعاملة، ذلكم أن الله  يقرر في بداية المقطع الأول مؤكدا: أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، زاجرا عن هذا السلوك الذي هو عكس ما كان ينبغي من الإنسان، وقد أنعم الله عليه بما أنعم مما تقدم فالإنسان من حيث هو إنسان، والإنسان كل الإنسان، فردا كان أم جماعة، ذكرا كان أم أنثى، صغيرا كان أم كبيرا&#8230; متى شعر بالاستغناء، وعدم الافتقار والاحتياج، طغى وبغى. وبما أن الشعور بالاستغناء حال لا يسلم منها إلا من عاين غنى ربه فأبصر فقره إليه، فإن الأكثرية طاغية أو معرضة للطغيان في وقت ما، وذلك شأن الإنسان -إلا من رحم الله- في تلقيه لنعمة ربه. وهل أظهر في توضيح هذه القاعدة والاستثناء من أن يهيمن جو الطغيان من كفر بالله وصد عن سبيله على المقطع كله؟ ولا يظهر الشكر إلا منهيا عنه من الكفر الطاغي أو في صورة احتمال لكبح جماح الكفر الطاغي: احتمال محاصر بالنهي السابق والتكذيب والتولي اللاحق. وكل ذلك ليس إلا ثلث المقطع: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى .<br />
إن كفر النعمة في هذا المقطع بلغ مداه، وحاصر الشكر حصارا كبيرا في جزأي<br />
المقطع معا: التقريري والتمثيلي، فقول الله : كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى ليس إلا تقريرا<br />
للحقيقة، ولا ذكر فيه لمظهر شكر.<br />
وما بقي من المقطع -وهو الأكثر- ليس إلا تعجيبا من نموذج من نماذج الطغيان قد عتا عتوا كبيرا؛ إذ تجاوز الامتناع عن العبادة إلى منع غيره منها. ولم تذكر فيه مظاهر الشكر إلا في سياق إظهار فظاعة الطغيان الذي يمنع وجود تلك المظاهر. وهذا الشأن بعيد الفجر، أو هذه سنة الله  في الساعات الأولى من ميلاد الشكر، حيث الظلمات تحاصر النور حصارا، والنور يأبى إلا انتشارا، فهل من عزاء للشاكرين في مثل هذه الحال؟ ذلكم أن &#8220;إلى ربك الرجعى&#8221; وأن &#8220;الله يرى&#8221;.<br />
<span style="color: #ff9900;"><strong>وأما المقطعان الثاني والأخير</strong></span> اللذان يستقلان أو يكادان بتقرير قاعدة المعاملة؛ فواضح فيهما معا نصرة الشاكر وخذلان الكافر، بل أن أولهما تهديد صريح بالتدخل المباشر لأخذ الظالم الطاغية أخذا وبيلا، وجعل المعركة إن لم يرتدع هذا الطاغية دائرة بين أنصاره &#8220;نادينه&#8221; من جهة وجند الله &#8220;الزبانية&#8221; من جهة ثانية، بعد تنحية المظلوم -العبد الذي صلى وكان على الهدى وأمر بالتقوى-. نهائيا وإبعاده عن المعركة فقد كفى. &#8220;كلا لئن لم ينته&#8230;الزبانية&#8221; وذلك مصداق الحديث القدسي الصحيح: &#8220;من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب&#8221; وفي المقطع الأخير صرف للنظر نهائيا عن الطاغية، فلم يعد له بعد تدخل الله بقوته وجنده وزن يذكر، مع التأنيس والتقريب، والتلطف والتودد للمظلوم، وفتح الباب أمامه على مصراعيه: باب القرب والدخول في الحمى والحضرة الإلهية فليسجد وليتقرب.<br />
ومن ذلكم يفهم أن ولاية الله لأوليائه تامة ومستمرة، ما داموا أولياء لله حقا، فهو الذي بدأ عليهم النعمة، وهو الذي قال: ألا إن أولياء الله لا خوف عليه ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم . واشتداد الطغيان ومحاصرته للإيمان لا يغير من هذه الحقيقة شيئا؛ لأن تدخل الله لابد واقع عند نهاية احتمال الأولياء ونفاد صبر المؤمنين: حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا . فليسجد العابدون وليقتربوا وحسبهم الله ونعم الوكيل.<br />
وهكذا إذن تبدو السورة جسدا واحدا سوى الخلقة في أحسن تقويم مفتاحها كلمة &#8220;ربك&#8221; منها تفيض السورة برمتها وعلى معناها ومقتضياتها تدور، فهو تعالى لأنه رب الإنسان أنعم على الإنسان، والإنسان تلقى النعمة فكفر أو شكر، ومن كفر عاداه الله ومن شكر تولاه الله. وسيرا مع هذا التدرج يتجلى الله أول السورة ربا منعما، ووسطها ربا ممهلا غير مهمل، وآخرها ربا موعدا واعدا.<br />
والسورة بذلك كأنها ترتسم سنة الله في ربوبيته للإنسان مطلقا: الإنسان الفرد، والإنسان الجماعة، والإنسان النوع: ينعم عليه أولا، ثم يُعطى مهلة لينظر ما ذا يفعل بتلك النعمة ثم يجازى على حسب فعله. بينما الإنسان في السورة يبدو أول ما يبدو مربوبا منعما عليه، ثم مربوبا طاغيا<br />
أو شاكرا، ثم مربوبا موعدا أو موعودا. فالسورة على ذلك تعريف بالله ، من جهة كونه ربا، والإنسان من جهة كونه -طغى أم شكر- مربوبا.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. عبد العلي حجيج </strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/02/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%82-23/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مع كتاب الله &#8211; نظرات في سورة العلق 1/3</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/01/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%82-13/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/01/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%82-13/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 18 Jan 2017 10:44:05 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[الأستاذ عبد العلي حجيج]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 471]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[أول ما نزل]]></category>
		<category><![CDATA[اقرأ باسم ربك]]></category>
		<category><![CDATA[د. عبد العالي حجيج]]></category>
		<category><![CDATA[سورة العلق]]></category>
		<category><![CDATA[سورة مكية]]></category>
		<category><![CDATA[علم الإنسان]]></category>
		<category><![CDATA[مع كتاب الله]]></category>
		<category><![CDATA[معنى السورة الإجمالي]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات في سورة العلق]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=16248</guid>
		<description><![CDATA[مقدمة: السورة مكية بالإجماع، والآيات الخمس الأولى منها من قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك&#8230; إلى علم الإنسان ما لم يعلم هي أول ما نزل من كتاب الله  على الإطلاق. قال الألوسي بعد مناقشة المسألة وبالجملة الصحيح. كما قال البعض وهو الذي اختاره أن صَدْرَ هذه السورة الكريمة هو أول ما نزل من القرآن على [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #0000ff;"><strong>مقدمة:</strong></span></p>
<p>السورة مكية بالإجماع، والآيات الخمس الأولى منها من قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك&#8230; إلى علم الإنسان ما لم يعلم هي أول ما نزل من كتاب الله  على الإطلاق. قال الألوسي بعد مناقشة المسألة وبالجملة الصحيح. كما قال البعض وهو الذي اختاره أن صَدْرَ هذه السورة الكريمة هو أول ما نزل من القرآن على الإطلاق، كيف وقد ورد حديث بدء الوحي المروي عن عائشة من أصح الأحاديث وفيه: &#8220;فجاء الملك فقال: اقرأ فقال: «قلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد الخ»&#8221; والظاهر أن &#8220;ما&#8221; فيه نافية بل قال النووي: هو الصواب، وذلك إنما يتصور أولا، وإلا لكان الامتناع من أشد المعاصي.<br />
وفي موضع آخر قال: &#8220;والمروي في الصحيحين وغيرهما عن عائشة أن ذلك أول ما نزل من القرآن وهو الذي ذهب إليه أكثر الأئمة&#8221;.<br />
ولأهمية حديث السيدة عائشة رضي الله عنها في فهم السورة ودراستها نورده بنصه وهو.<br />
&#8220;أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاء الملك فقال: &#8220;اقرأ. قال ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم&#8230;&#8221;، فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال زملوني زملوني حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة -وأخبرها الخبر- لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن عم خديجة، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: &#8220;يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة يا ابن أخي ما ترى. فأخبره رسول الله خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله : أو مخرجي هم؟ قال: نعم. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي&#8221;. (صحيح البخاري).<br />
وباقي السورة نزل بعد ظهور أمر الرسول واحتدام المجابهة بينه وبين كفار قريش واشتداد أذاهم عليه، فقد وردت آثار تكاد تبلغ حد التواتر تفيد أن نزول القسم الأخير من السورة كان في أبي جهل.<br />
ففي البخاري عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه. فبلغ النبي فقال: لئن فعل لأخذته الملائكة. فنزل قوله تعالى: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى . وروى أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير عن ابن عباس قال: &#8220;كان رسول الله يصلي عند المقام فمر به أبو جهل بن هشام فقال: يا محمد ألم أنهك عن هذا؟ وتوعده فأغلظ له رسول الله وانتهزه فقال يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديا&#8230; فأنزل الله قوله: فليدع ناديه سندع الزبانية (قال الترمذي حسن صحيح).<br />
ولكن تأخر نزول هذا القسم لا أثر له في وحدة جسم السورة لا مضمونا ولا شكلا كما سيتجلى إن شاء الله. وذلك وجه من وجوه إعجاز هذا القرآن الذي وإن كان لم ينزل جملة واحدة فإنه في بنائه وبناء سوره المضموني والفني كالجسد الواحد.<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>ب &#8211; معنى السورة الإجمالي:</strong></span><br />
يقول الله  مخاطبا مصطفاه محمدا :<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>1 &#8211; اقرأ وإن لم تكن قارئا، اقرأ يا محمد بإذن ربك وحوله فستستطيع؛</strong></span> لأن ربك ذاك الذي يأمرك بالقراءة قدير قدرة كبيرة جدا، فهو الذي صدر عنه ذلك الفعل العظيم جدا: فعل &#8220;الخلق&#8221; خلق كل شيء وإبداعه من لا شيء، وهو الذي أوجد ذلك المخلوق العجيب جدا: &#8220;الإنسان&#8221; من شيء بسيط جدا: &#8220;علق&#8221;، دم متجمد رطب يشبه الدود الذي يتعلق بالحلق. فهل من قدر على كل ذلك من &#8220;خلق من لا شيء، ونقل من &#8220;علق بسيط إلى &#8220;إنسان&#8221; عجيب لا يقدر على نقلك من كونك، غير قارئ إلى &#8220;قارئ&#8221;؟<br />
<strong>2 -</strong> <span style="color: #ff00ff;"><strong>اقرأ وتيقن أن ربك الذي يأمرك بالقراءة هو الأكرم على الإطلاق:</strong></span> ينعم بلا سبب ويتفضل بلا حدود، &#8220;فيسير&#8221; عليه أن يفيض عليك هذه النعمة نعمة القراءة من بحر كرمه وهو الذي أنعم بتلك النعمة العظيمة: نعمة التعلم بواسطة آلة جامدة لا حياة فيها (القلم). فالذي جعل من الجماد الميت الصامت آلة للفهم والبيان ألا يجعل منك قارئا مبينا وتاليا معلما وأنت إنسان كامل؟ ثم ما من إنسان إنسان تعلم علما أي علم، بعد أن خرج من بطن أمه لا يعلم شيئا؛ ألا وربك القدير الأكرم، هذا الذي يأمرك بأن تكون قارئا والذي أنعم عليه بذلك. فهل من كانت قدرته كذلك، وكرمه كذلك يعسر عليه الإنعام عليك بأن تصير قارئا وإن لم تكن قارئا بالقلم؟<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>3 &#8211; لقد كان مقتضى علم الإنسان بتلك القدرة وذلك الكرم أن يتواضع لربه،</strong></span> ويشكر نعمته التي لا تعد ولا تحصى، ولكن الإنسان كفور. ألا ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان؛ أن ينعم عليه ربه بتسوية خلقته، وتعليمه ما لم يكن يعلم&#8230;</p>
<p>ثم يكفر بربه الذي فعل به ذلك ويطغى&#8230; إن الإنسان ليتجاوز حده ويستكبر على ربه فيكفر به؛ إذ رأى نفسه &#8220;قد صار &#8211; بما آتاه الله غنيا عن الله، مع أن مرجعه حتما إلى ربه ومصيره في النهاية بعد الموت ليس إلا إليه، &#8220;فذائق من ألم عقابه ما لا قبل له به&#8221;.</p>
<p>انظر إلى هذه الأعجوبة الفريدة، انظر إلى هذا الطاغية الذي لم يكفه طغيانا أنه كفر بربه، وامتنع من الإذعان له بالصلاة له فتجاوز ذلك إلى أن ينهى غيره، لو كان تركه وشأنه؟ ألم يخطر بباله أن يكون من ينهاه هو الذي على الحق، وهو الآمر باتقاء ربه الداعي إلى ما ينجي من عذابه؟ كيف به إذا علم أن الحقيقة هي هاته؟ وكيف به وقد كذب بما جاءه من الحق وأدبر عنه، ونهى من اتبع الحق وأمر به، إذا علم أن الله كان له بالمرصاد، وأن عينه التي لا تأخذها سنة ولا نوم كانت ترى استكباره وطغيانه؟ أفلا يستحي من الله؟ أفلا يخاف غضب الله؟<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>4 &#8211; ألا لئن لم يرتدع هذا الطاغية،</strong> </span>ولئن لم يكف وينته عن نهيه من اتبع الحق وأمر به &#8220;لنأخذن بمقدم رأسه، فلنصمنه ولنذلنه&#8221;، ولنسفعن مأبى السجود منه باللهب: تلك الناصية المتجبرة المتكبرة التي لا يصدر عن صاحبها إلا الكذب والإجرام. فلينتصر منا بأنصاره وأهل مجلسه، إن ظنهم ينصرونه، وليدعهم فسندع آنذاك الملائكة الغلاظ الشداد البطاشين.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>5 &#8211; ألا ليس الأمر كما يزعم هذا المجرم.</strong></span> فإياك إياك أن تطيعه أو تستجيب لنهيه، بل اخضع لربك وحده واخشع، واذكر واشكر، وصل واسجد، وازدد قربا من ربك ما استطعت، فلا أحد سواه يستطيع ضرك وقد حماك. فإليه إليه، وعليه عليه.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: rgb(0, 0, 255);"><em><strong>د. عبد العالي حجيج</strong></em></span></p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/01/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%82-13/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الأعلى</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2012/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d9%84%d9%89/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2012/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d9%84%d9%89/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 27 Sep 2012 09:14:19 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 278]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الأعلى]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6392</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الأعلى د. الشاهد البوشيخي سورة الأعلى من السور الأثيرة عند رسول الله . فقد كان -كما تعلمون- يقرأها في الجمعة والعيدين لما فيها من توجيهات مركزة. وهي في جسمها غير قابلة -تقريبا- للتبعيض والتجزيء، لأن بعضها آخذ برقاب بعض لاكتنازها وكثافة الهدى النازل فيها فهي كالقطعة الواحدة. وقد صيغت [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الأعلى</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>سورة الأعلى من السور الأثيرة عند رسول الله . فقد كان -كما تعلمون- يقرأها في الجمعة والعيدين لما فيها من توجيهات مركزة.</p>
<p>وهي في جسمها غير قابلة -تقريبا- للتبعيض والتجزيء، لأن بعضها آخذ برقاب بعض لاكتنازها وكثافة الهدى النازل فيها فهي كالقطعة الواحدة.</p>
<p>وقد صيغت صياغة شبيهة بسورة العلق.</p>
<p>وإن كان يمكن تمييز مقطعين كبيرين لها، مؤسسين على أمرين كبيرين  أيضا :</p>
<p>-  أمر التسبيح وموجباته ونتائجه.</p>
<p>- وأمر التذكير ونتائجه وقوانينه، والإعراض عنه.</p>
<p>أما النقط الكبرى التي يدور حولها الهدى المنهاجي فيها، فهي خمس :</p>
<p>الهدى الأول : رأس العلم العلم بالركنين : ركن العلم بالله تعالى، وركن العلم بالآخرة</p>
<p>أما الركن الأول : فواضح في أولها وممتد إلى آخرها، ولكنه في أولها أظهر.</p>
<p>وأما الركن الثاني فإليه إشارة خفيفة في أولها عرضا، ثم يظهر بوضوح في آخر السورة.</p>
<p>ومن العلم بالله تعالى المذكور في هذه السورة القصيرة الغنية أن تعلم :</p>
<p>&gt; أولا : أنه ربك ورب كل شيء بمعنى أن هذه السورة ذكرت عدداً مما يجب أن يعلمه عبد الله ممثلا في صورة رسول الله  عن ربه عز وجل ولكن الخطاب يتجه إلى كل مؤمن ومؤمنة من بعده حتى تقوم الساعة، ولا سيما أولئك الذين يتبعون ما أنزل عليه حق الاتباع {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته، أولئك يومنون به}(البقرة : 121) فأكثر المومنين اتباعا لرسول الله  أحقهم وأجدرهم بأن يعلم هذا العلم الذي يجب لرسول الله  عن ربه.</p>
<p>فأول ذلك أنه &#8220;ربك&#8221; ورب كل شيء {سبِّح اسم ربّك} هذا الأصل -كما سبق- نجده في هذه السور الأولى : وجدناه في {اقرأ باسم ربّك} وقد مر الكلام عن هذه السورة، ووجدناه في سورة القلم {ما أنت بنعمة ربّك بمجنون} ووجدناه بعد ذلك في السور الأخرى : في المزمل {واذكر اسم ربّك} وفي المدثر  {وربّك فكبِّر} وهكذا.</p>
<p>هذه السور كلها خطاب مركز لرسول الله  تبني عنده الرؤية بلغة اليوم، تبني عنده التصور الذي ينبغي أن يستقر في قلب المسلم، وأن يحكم حياته، وتبني عنده المنهاج أيضا.</p>
<p>فهذه النقطة : أنه ربه، وأنه ربك، وأنه ربنا ورب كل شيء، هذه الحقيقة، هذا العلم لابد أن يستقر في قلب العبد.</p>
<p>والربوبية كما سبق تتجلى في عدد من الأمور خلاصتها : أن الله عز وجل منه كل شيء، أن ربنا منه كل شيء، وبيده كل شيء، ويدبر أمر كل شيء، وإليه يرجع كل شيء، وهكذا، استمرّ على هذا، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا به. سبق يوما أن عبرت ولخصت هذه الكلمة في &#8220;مُولْ الشِّي&#8221; ربنا رب العالمين ورب الملك، هو &#8220;مُول الشِّي&#8221; بالدارجة، لا شريك له في شيء &#8220;مول الشّي اللِّي بيدُّو كُلْ شِي، كَيْمَشِّي كُلْ شِي&#8221; لِيهْ راجَعْ كلْ شي.. إلخ</p>
<p>لابد أن تستقر هذه الحقيقة في قلب المؤمن. ولاسيما المؤمن الذي يتبع رسول الله  في حمل الأمانة من بعده، وكل مؤمن تابع لرسول الله  هو كذلك.</p>
<p>لأن هذه الأمة، أمة الشهادة على الناس، فلا نبي بعد رسول الله ، وكل مؤمن من هذه الأمة هو حامل وشاهد وشهيد : هو من الشهداء على الناس بالقسط إن تأهل لذلك، إن صلح وأصلح كما تقدم ذلك في بيان المزمل والمدثر.</p>
<p>&gt; ثانيا : أنه الأعلى مطلقا : اسم التفضيل في الأحوال العادية في اللغة العربية لابد أن يذكر بعده المفضل عليه : أفضل من كذا، أكبر من كذا، أحسن من كذا، إلى آخره.</p>
<p>لكن بالنسبة لله تعالى جل وعلا كما يقولون اسم التفضيل ليس على بابه فهو على اطلاقه، فلا حديث عن أعلى ممن؟ أو ممه؟ بل، هو الأعلى مطلقا. هذه الحقيقة ينبغي أن تستقر في قلب العبد أيضا فلا شيء يساوي الله جلّ جلاله، ولا شيء يداني الله جلّ جلاله؛ وعلى قدر قرب العبد منه في سجوده يكون شعوره بعلوه لديه.</p>
<p>هاهنا نقطة لابد أن نلتفت إليها : رسول الله  يقول لنا : &gt;أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء&lt;(رواه مسلم)، والسجود هو حالة الخضوع الكامل، فلا نجد في أعمال الصلاة ما فيه الخضوع أكثر من السجود. الركوع أقل من السجود، والقيام أقل من الركوع، والصورة التي يظهر فيها خضوع العبد لربه على أقصى ما يكون هي صورة السجود، والجبهة التي هي مكان الشموخ في الإنسان، والأنف الذي هو مكان الأنفة، كل ذلك ينبغي أن ينزل إلى التراب، ويلامس التراب، ويخضع للمولى جل وعلا، هذه الصورة من الخضوع ومن الذلة.</p>
<p>هذه الصورة كلها تعبر عن حالة كون العبد أكثر قربا، وبذلك النزول الكبير يكون الرب عاليا جدا، لأن الله جل وعلا هو الأعلى.</p>
<p>وقد شرع لنا رسول الله  أن نسبح بهذا التسبيح في السجود &gt;سبحان ربي الأعلى&lt; نحن في حال الانخفاض الشديد نستحضر عُلُوّ الله الشديد، الذي لا نهاية له، وعلى قدر استحضار العبد علو الله، يكون علو هذا العبد في القرب من الله، ويكون ارتقاؤه إلى الله جل جلاله. ولما كان القرب قربا من الأعلى كان الخضوع له والنزول ارتفاعاً.</p>
<p>فعلى قدر هذا الخضوع وهذا الانخفاض يكون الارتفاع هذه حقيقة أيضا لابد أن يحس العبد المؤمن به.</p>
<p>وإذا استقرت هذه الحقيقة في القلب، انخفض كل شيء، ما بقي ارتفاع لشيء، لا في الكائنات المادية، ولا للكائنات الحية، ولا للكائنات البشرية، كل شيء منخفض ويبقى  الله جل جلاه هو الأعلى.</p>
<p>هذا المعنى إذا استقر في نفس العبد كان مما يُكَوِّن معنى الأكبرية -كما سبق في المدثر- {وربك فكبّر} ومما يكوِّن معنى الشعور بأنه جلّ جلاله الأعلى كما هنا.</p>
<p>&gt; ثالثا : أنه الذي خلق كل شيء {سبح اسم ربّك الأعلى الذي خلق}.</p>
<p>لقد قلت  إن صياغة هذه السورة تشبه صياغة سورة العلق.</p>
<p>وذلك لأن الأفعال فيها، تكاد تكون كلها مطلقة، أي لا توجد لها مفاعيل، وسبق أن قلت إذا لم يذكر مفعول الفعل فمعناه أن النص على الفعل نفسه، لا على ما يقع عليه، ومن ثم فكل ما يقع عليه الفعل هو داخل في الكلام.</p>
<p>فحين تقول {الذي خلق} لا داعي لأن تقول خلق الإنسان، خلق الحيوان، خلق النبات، خلق الأشجار.. خلق الأطيار، خلق الجبال، خلق البحار، خلق الشمس، هذا كله داخل، ما نعلمه وما لا نعلمه، كل مخلوق داخل ضمن الفعل {الذي خلق} فالخلْقُ أصلا له، صَدق على ما صَدَق، وعلى من صدق، فالخلق كله له جل جلاله.</p>
<p>فإذن : {الذي خلق} هو الذي خلق كل شيء سبحانه من الذرة إلى المجرة. من أصْغر شيء إلى أكبر شيء، من الفوتون -كما يقول الفيزيائيون- إلى الكون.</p>
<p>هذا الفوتون الذي هو ثلث الإلكترون الذي هو جزء من الذرة هذه الأشياء الدقيقة هي مما نعلمه الآن، ولكن ما لا نعلم لا حد له، ما لا نعلمه لا نهائي الوجود، فالشعور واليقين بأن الله جل جلاله خلق كل شيء،  مما يجب أن يستقر في قلب العبد.</p>
<p>&gt; رابعا: هو الذي سَوَّى خِلْقَة كل شيء سبحانه : {خلق فسوّى} سوَّى الخِلْقَة، الخلقة هي الكيفية التي خلقت عليها الأشياء فكل حيوان له خِلْقَة، كل أنواع الحيوان بل كل فرد من أفراد الحيوان، وكل فرد من أفراد النبات، وكل فرد من أفراد الإنسان، وكل فرد من أفراد الكائنات له تميز إذ خَلْقُ الله خلاف صُنْع البشر، صنع البشر يكون على نمط واحد، الكأس التي خرجت من المصنع تشبه بقية الكؤوس التي خرجت على منوالها، لكن نحن جميعا بشر، خرجنا وخلقنا خلقا سويا لكن لا أحد يشبه الآخر، لا أحد، لا أحد!!</p>
<p>ما أعظم الله!!</p>
<p>كيف؟</p>
<p>كم من ملايير البشر؟ كم  من ملايير الحيوانات؟ من الأسماك.. من الكائنات.</p>
<p>سبحانه،  سبحانه، سبحانه..</p>
<p>لا يستطيع الإنسان أن يتصور هذه القدرة هذه العظمة لا يملك الإنسان  إلا أن يقف مشدوها مدهوشا حائراً أمام عظمة الله سبحانه وتعالى.</p>
<p>&#8220;البنان&#8221; الآن آية من آيات الله سبحانه في خصوصية كل فرد في زماننا هذا، أصبح العلماء يستعملون البصمة للتأكد من هوية الأفراد لأنها خاصة في كل فرد، وفي بعض الدول يستعملون البصمة في تسجيل الشروع في العمل، فعندما يكون العامل داخلا يضع أصبعه في الماسوح -أُسَمِّيه ماسوح Scanner-  فيلتقط الصورة  قال الله تعالى {بلى قادرين على أن نسوّي بنانه}(القيامة : 4).</p>
<p>كم من أنواع هذا البنان خلق الله؟ كل بشر له بنانه الخاص إلى الحد الذي عندما كشف الإنسان هذا بدل أن يضع كثيرا من الضوابط، اقتصر على هذا الضابط.وكذلك بصمة العين الآن، لأنهم اكشتفوا أيضا خصوصية في العين وربما الأيام ستكشف عن أن لكل شيء خصوصيته، في الفرد تدل على عظمة الله في الخلق والتسوية.</p>
<p>هذا الذي سَوَّى  سوَّى هذه الخلقة على أساس أن هذا الكائن، وفق كيفية معينة لوظيفة معينة {ربّنا ما خلقت هذا باطلا سُبحانك}(آل عمران : 191)ما خُلِق خلْقٌ عبثا!! أي إن كل مخلوق خلق لغرض، خلق لهدف، خلق لوظيفة محددة عند الله سبحانه وتعالى، عرفناها أم لم نعرفها، اهتدينا إليها أم لم نهتد إليها، هي موجودة وكائنة وقائمة.. فيما نعلم وفيما لا نعلم.. من مختلف الكائنات،  كل كائن إنما خلقه الله عز وجل لهدف، خلقه لوظيفة وتلك الوظيفة أساسية عند الله سبحانه وتعالى في مجموع الكون، في توازنه العام، سبحانه سوَّى كل شيء {ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور}(الملك : 3).</p>
<p>&gt; خامسا : أنه الذي قدر كل شيء سبحانه : لا نملك إلا التسبيح له كما قال عز وجل : {سبِّح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى} كلٌّ من هذه الأفعال يستوجب التسبيح،  سبحان من فعل هذا.. إنه قدر كل شيء سبحانه، محدداً الكم والكيف بالنسبة لكل ما كان وما هو كائن وما سيكون بالنسبة لكل كائن  جميع الكائنات في حاضرها، في مستقبلها، وعلى أي صورة..  كل شيء عند الله مقدر، فقد أعد الخلق إعداداً وتسوية، حسب الهدف، وحدد كل الأمور ثم هدى ، حدد الأشياء كلها، حدد المقادير كلها قدرها تقديرا  في جميع الأمور.</p>
<p>هذه حقيقة أيضا يجب أن تستقر في قلب العبد.</p>
<p>&gt; سادسا : أنه الذي هدى : هدى أي شيء  سبحانه، جميع الكائنات مهدية إلى ماخُلقت له.</p>
<p>مهدية بمهْ؟</p>
<p>إما بالتسخير.</p>
<p>وإما بالتيسير، هدى أي شيء سبحانه مرشدا له بالتسخير أو بالتيسير اضطراراً أو اختياراً إلى ما فيه صلاحه حسب ما قدره واقتضته حكمته.</p>
<p>وهذا الكلام يحتاج إلى كلام.</p>
<p>لأننا إذا تأملنا قليلا الكائنات وجدنا فيها المسخر وغير المسخر، وغير المسخر هو الذي يُسِّرت له الأشياء.</p>
<p>فعلى رأس الكائنات التي يسرت لها الأمور هذا الإنسان. وعبر الله بتيسير الذِّكْر له فقال {ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر}(القمر : 18).</p>
<p>يسر لنا الأمور فعلا، بمعنى وضع الأمارات والنُّصُبَ على الأشياء، ويسر الوصول إليها عن طريق التفكير بما آتانا من أجهزة التلقي، ووسائل الحس أو مركز التحليل الداخلي الذي يقال له اليوم العقل،  سواء بإرشاد الكون أو بإرشاد الوحي، وهو يفهم بهذه الطاقة التي هي العقل أيضا.</p>
<p>أما الكائنات الأخرى فهي مسخرة لما خلقت له، دون أن تفكِّر بل تتجه اتجاها إلى المطلوب، هي كذلك خُلِقَتْ لذلك، وتقوم بذلك {وكُلٌّ في فلَكٍ يسبحون}(يس : 40).</p>
<p>فمن أعد لشغل، فهو قائم به، مهدي إليه في الكون  كله.. من جماد، ونبات، وحيوان.</p>
<p>والإنس والجن هما اللذان حُمِّلاَ الأمانة بالاختيار، فلذلك قلت : مرشدا له بالتسخير أو التيسير اضطراراً أو اختياراً، ونحن فينا القسمان معا :</p>
<p>القسم الاختياري والقسم الاضطراري.</p>
<p>اشتغال معدتنا الآن ونحن جلوس، اشتغال قلبنا واشتغال جهازنا الدموي وغير ذلك من الأجهزة الكثيرة مما فينا لا يستشيرنا، ولا يستأذننا، ولا نتحكم فيه، هو مسخر ويعمل بأمر الله اضطرارا.</p>
<p>وذلك الذي يمثل ما يسمى اليوم بالبنية التحتية في كياننا.</p>
<p>بمعنى أن القسم الاختياري عندنا قليل، إنه فرصة للابتلاء.</p>
<p>ولكن القسم المهم اللازم للحياة وللبقاء، كله رتبه الله جل جلاله وأخرجه من أيدينا نهائيا.</p>
<p>فالتجهيزات الضرورية في الكون، وفي الإنسان نفسه في علاقته بهذا الكون، كلها رتبها ا لله جل جلاله وفرغ منها. فهو &#8220;الذي هدى&#8221;..</p>
<p>&gt; سابعا : أنه الذي أخرج نبات كل شيء سبحانه، قوتا ورزقا ومتاعا للحيوان والإنسان.</p>
<p>الحياة قيامها في الأساس على النبات، لأن النبات منه يقتات الحيوان، والإنسان يقتات من النبات ومن الحيوان.</p>
<p>والأصل هو هذا الماء الذي أنزله الله عز وجل فأخرج به نبَاتَ كُلِّ شيء.</p>
<p>فهو الذي أخرج ما يُرْعَى (المرعى) أخرج ذلك النبات ونماه حتى وصل إلى درجة يصلح فيها أن يُرْعى ليكون قوتا، وليكون رزقا وليكون متاعا أيضا.. {انظرُوا إلى ثمره إذا أثمر ويَنْعِه}(الأنعام : 99) وينْعه أيضا ليس إلى الثمر فقط، فالجمال من المقاصد الكبرى في هذا الكون أيضا.</p>
<p>&gt; ثامنا : أنه الذي أيبس خضرة كل شيء سبحانه.  {فجعله غُثاءً أحوى} هذه الكائنات التي فيها طراوة الحياة وفيها خضرة الحياة  في النبات، وفي غير النبات. كلها ستصير غثاء، ومثل سبحانه بالنبات لننتقل من النبات إلى غير النبات، لنعلم أننا صائرون إلى نهاية مثل النبات. نحن أيضا سنيبس كما ييبس النبات الذي كا ن خَضِرا، سنصير غثاءً -نحن كذلك- أحوى.</p>
<p>والحُوَّة لون داكن يقترب من السواد. ومعنى الحوَّة عند العرب يتجه إلى معنيين. أحيانا ذهبوا به إلى الخضرة، وأحيانا ذهبوا به إلى جهة اليُبُوسة عندما يطول الأمد، ويبلى الكائن، ويصبح لونه يكاد يقترب من التراب. لقد صار {غثاءً أحْوى} ذهب ينعه، ذهب ما كان فيه من جمال.</p>
<p>الذي نقل تلك الكائنات من حال الاخضرار إلى حال اليُبْسِ، حتى صارت غثاء قد اسود من البلى هو الله جل جلاه.</p>
<p>لم ذلك؟ عبرة لأولي الألباب.</p>
<p>&gt; تاسعا : أنه الذي يعلم كل شيء  سبحانه ما جهر وظهر، وما خفي واستتر {إنه يعلم الجهر وما يخفى}.</p>
<p>هذه كما ترون عدة حقائق كلها مما يدخل ضمن العلم بالله جلّ جلاله، لابد أن تستقر في قلب العبد ليستطيع أن ينهض بالحمل الذي نهض به رسول الله .</p>
<p>هذا من جهة العلم بالله تعالى.</p>
<p>&lt; ومن جهة العلم بالآخرة في السورة أن تعلم  :</p>
<p>أولا : أن حرّ النار الكبرى لا يطاق {سيذّكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النّار الكُبْرى}.</p>
<p>يَصلى النار الكبرى بمعنى يقاسي حَرَّها الشديد جداً، الذي لا مثيل له ولا قبل لأحد به. و هذا الوصف للنار الشديدة الحر ورد في آيات أخرى كثيرة؛ والذي يعنينا هنا : أنه مما ذكر في  العلم بالآخرة  للتخويف.. لدفع العبد ليفر إلى ربه، ليتوب إلى الله عز وجل.</p>
<p>ثانيا : أن يعلم أن داخِلَها من الأشقياء  لا يذوقون فيها الموتَ فيستريحون، ولا يذوقون فيها الحياة فينعمون وينتفعون.</p>
<p>وضع لا نستطيع أن نتصوره بتاتا، ولكن العبارة القرآنية تشخصه تشخيصا.</p>
<p>الموت  صار نعمة.. صار حلا لكن، لا سبيل إليه {لا يذوقون فيها الموت}(الدخان : 56) فالموت صار شيئا يذاق، صار محبوباً مطلوبا مرغوبا فيه.. لكن لا سبيل إلى الوصول إليه {لا يموت فيها ولا يحيى}(طه : 74)، وإنما هو عذاب أليم، وشقاء مقيم.</p>
<p>ثالثا : أن نعلم أن حياة الآخرة أفضل من الحياة الدنيا لفناء هذه وبقاء تلك {بل توثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى}.</p>
<p>هذا العلم بالله جلّ جلاله، وهذا العلم بالآخرة هو الذي يتوسع فيه القرآن، وتتسع دائرته، ويُلَح عليه ويُلَخّص تلخيصا، إلى حدّ أنه قد يقتصر في الإيمان على الإيمان بالله واليوم الآخر.</p>
<p>كما في سورة البقرة  {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين}(البقرة : 8) فقط ذُكِر من أركان الإيمان هذان الركنان، لأنهما الأساس في ضبط حركة الإنسان في هذه الحياة.</p>
<p>الهدى الثاني : رأس العمل العمل بالواجبين : تسبيح ربنا الأعلى، وتذكير خلقه به جل وعلا.</p>
<p>أمران في هذه السورة لرسول الله  ولكل مؤمن ومؤمنة من بعده هما : {سبِّح اسم ربك} {فذكِّر إن نفعت الذكرى}.</p>
<p>{سبح اسم ربك} لماذا؟ لأنه {الذي خلق فسوى} إلخ إلخ</p>
<p>ثم {فذكر إن نفعت الذكرى} فهما أمران مطلوبان واجبان على العبد، مطلوب منه أن يقوم بهما : تسبيح ربه الأعلى، وتذكير الناس بالله جل وعلا.</p>
<p>التسبيح هو تنزيه الله جل وعلا عن النقص مطلقا&#8230; في الأسماء والصفات والأفعال.. بالجنان واللسان والجوارح.</p>
<p>وإذا حاولت أن أذوق التسبيح، قلت : كل ما يتصل بالله جل وعلا يجب علينا ألا نتصور -بوجه من الوجوه- أن به نقصا أو عيبا أو خللا، لأن الله سوَّى كل شيء، {خلق فسوى} كل شيء في الحياة فيه إتقان {صُنْع الله الذي أتقن كل شيء}(النمل : 88).</p>
<p>كل شيء مرده إلى الله. يجب أن نعتقد ألا خلل فيه، لأن هذا هو الواقع، ومعنى هذا أن الإشكال إنما جاء  منا، لا منه جل جلاله، الإشكال الذي وقع لإبليس -نعوذ بالله منه- هو أنه طَعَن في الحكمة، طعن في التدبير، قال {أرايتك هذا الذي كرّمْت عليّ}(الإسراء : 62) وما ينبغي {أأسجد لمن خلقت طينا}(الإسراء : 61) {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}(الأعراف : 12).</p>
<p>كأنه يقول : ما هذا؟ لماذا أسجد لهذا المخلوق؟ كيف وأنا خير منه؟!</p>
<p>هذا خلل!! هو الذي يجب أن يسجُدَ لي! فطعن في أصل المسألة، لذلك كانت معصيته ليست كمعصية آدم، الذي لم يطعن في أصل الأمر، قال تعالى {وكُلاَ مِنْها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة}(البقرة : 35) فقال آدم  : سمعا وطاعة، ولكنه غُلب {فوسوس إليه الشيطان}(طه : 12) فأزله {وعصَى آدم ربه فغَوى ثم اجْتَبَاه ربّه فتاب عليه وهدى}(طه : 121- 122).</p>
<p>أما إبليس فلم يعص الله وكفى وإنما &#8220;أبى&#8221; أي رفض، وفَرْق بينهما في المعنى إبليس أبَى أن يسمع للأمر ورفضه، وآدم استمع إلى الأمر وقبِلَهُ، ولكنه عند التنفيد ضعف {وخُلق الإنسان ضعيفا}(النساء : 28).</p>
<p>إبليس رفَضَ الأمر جملةً، وطعن في حكمته أصلاً، ولذلك أُبعِد إلى الأبد كليا.. {فاخرُجْ منها فإنَّكَ رجيمٌ وإن عليك اللعنة إلى يوم الدّين}الحجر : 34- 35).</p>
<p>إذن، هذه النقطة : كيف نذوقها؟ أقول : عندما أضع نفسي في الحياة، كل ما جاءني فيها من عند الله عز وجل : نزل قدَر، حدث أمر، نزلت نازلة، لا أتهم الله عز وجل بالظُّلم، أو أقول إنه أخْطَأ، أو ظلَمَ، ولا أقول ما هكذا تكون الأمور يا ربّ!! لا أفعل أبدا. بل أنزه الله جل  وعلا على قاعدة {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليْها قلتم أنَّى هذا قل هو من عند أنفسكم}(ال عمران : 165).</p>
<p>الإشكال دائما ليس في جهة الله تعالى، الإشكال في جهتنا نحن المخلوقين {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}(الأنبياء : 87).</p>
<p>التسبيح ينزه الله تعالى ويجعله بعيدا.. بعيدا جدا.. لا سبيل إلى أن يلصق به عيبٌ أو ينسب إليه نقص أو يضاف إليه خلل  سبحانه جل جلاله.</p>
<p>فما جاء من عند الله عز وجل مثلا من شرع لا سبيل إلى أن نقول عنه هذا شرع ناقص، وغير صالح، ولا نقارنه بأي دستور أو قانون أو بالشرعية الدولية مثلا هذا كلام لا معنى له. ما جاء من عند الله هو عينُ الحق، هو عينُ الصواب، ولا سبيل إلى وجود الخلل لا في الحكم ولا في الحكمة، ولا في التشريع، ولا في القضاء والقدر، ولا في غير ذلك، هذه نقطة في غاية الأهمية.</p>
<p>ولذلك فحين نسمع : &gt;سبحان الله تملأ الميزان&lt; بماذا تملأ الميزان؟ تملأ الميزان لأنها عمليًّا تنفي وتثبت، عندما نزهتُ الله عن كل نقص، تلقائيا أَثْبِتْتُ إليه كل كمال وكُلّ جمال وكُلَّ جلال، ولكن ذلك حين يقوله كيانك، ويقوله جنانُـك، ويقوله لسانُك في التعبير، ويقوله فعلك في التدبير والتسيير، حين يحدث هذا فآنذاك يكون التسبيح الحق، لأن اللفظ في القرآن يساوي معناه في الخارج.</p>
<p>فعملُ التسبيح هو العمل المؤسس في الأصل، وينبني على هذا العمل ألا تبقى حيث أنت بل تنطلق بكيانك تُجاه تذكير الآخر بهذا العمل&#8230; {فذكِّر إن نفعك الذكرى}.</p>
<p>وسبق الكلام قبل في سورة المدثر بأن هذا التذكير، تذكير بكل شيء ولكنّ جِماعَه أنه تذكير بهذا القرآن نفسه، لأنه ذكر {فذَكِّر بالقرآن من يخاف وعيد}(ق : 45).</p>
<p>لأن الذكرى هي أساس الذكر، والذكرى لا تحصل إلا بالذكر، والذكر هو القرآن لأنه هو الذكر نفسه {وقالوا يا أيها الذي نُزِّل عليه الذكر}(الحجر : 6).</p>
<p>فالذكر هو القرآن، والتذكير يكون بإيصال هذا القرآن إلى الناس&#8230; لأن فيه ما يذكِّر الناس بربهم، ما يذكِّرهم بالعهد الأول لربهم، ما يذكِّرهم بفطرتهم، ما يذكرهم بأصلهم، ما يذكرهم بمآلهم، ما يذكرهم بالغيب والشهادة، ما يذكرهم بكل شيء من الحقائق الضرورية، والأوامر والنواهي الضرورية.</p>
<p>فكل ما يذكرهم بأي شيء موجود في هذا الذكر الذي هو القرآن، {فذَكِّر} على الإطلاق &gt;ذكر&lt; من؟ مفتوح &gt;فذكر&lt; وهذا مبني على القاعدة التي سبقت : &gt;خلق&lt; &gt;سوَّى&lt; &gt;قدَّر&lt; &gt;هدَى&lt; ماذا هدى؟ ماذا قدَّر؟ ماذا سوَّى؟ كل هذا مسكوت عنه، لأن المقصود هو الفعل.</p>
<p>إذن عمل التذكير يتجلى أساساً في إيصال هذا الدين للناس، ويتجلى في تبليغ هذا القرآن إلى العالم&#8230; والناس بعد ذلك صنفان : فمن خَشي تذكّر، ومن شقِي نأى وابتعد، وجعل هذا الأمر على جنبه، وما اهتمّ به {ويتجنبها الأشقى}.</p>
<p>الهدى الثالث : رأس التزكي التطهّر من رجسين : رجس الشرك بالله تعالى، ورجس إيثار الدنيا على الآخرة.</p>
<p>الجهل بالله تعالى ذُكِر في الآية كأَنَّ أصْل الهوى نفسه، والشُّبَه والشهوات التي منها يُؤْتى العبد&#8230; مردهما إلى الجَهْل في الحقيقة. لأن الجهل يناقضه العلم، والعلم يقين، يفيد القطع في أصله اللغوي العربي وفي القرآن الكريم، بمعنى أن الأشياء التي تُعْلم على حقيقتها لابد أن تؤدي إلى نتائجها.</p>
<p>أذكر مثالا للشيخ أبي الأعلى المودودي رحمه الله في مسألة توضيح اليقين وأن العلم لا ينتج طاعة حتى يكونَ يقينا : طفل لم يرَ النار قط، ولما أوقدت نار، رآها جميلة  في الشكل ولا علم له بألمها وحريقها، فوضع أصبعه فيها فتألم فأزال أصبعه فورا، بعد ذلك تقول له : ضع أصبعك فيها فيقول : لا أبداً . لماذا؟ لأن الحادثة الأولى أورثته علما بخطورة هذا الكائن الذي اسمه النار، ذلك العلم لم يكن عنده في مستوى الوهم أو في مستوى الظن أو الرجحان بل كان عنده في مستوى اليقين القطعي الكامل.</p>
<p>فحين وصل العلم  إلى هذه الدرجة، أي صار علما، أنتج طاعة، أنتج ائتماراً وانتهاء، فالذي يحدث للإنسان أنه لا يصحب الآيات القرآنية : أوامرها ونواهيها الصحبة التي تورثه اليقين، فيصل إلى حال ذلك العبد الصالح، ذلك العبد المؤمن الذي قال له رسول الله  : &gt;كيف أصبحت يا حارثة؟ قال : أصبحت مؤمنا حقّاً..&lt;الحديث الذي تعرفونه.</p>
<p>ومثل ما ورد في حديث حنظلة : &gt;نكون عندك يا رسول الله وكأننا نرى الجنة والنار رأي العين&lt; كأننا نشاهدهما، &gt;فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا..&lt;(رواه مسلم) أي نسينا وغابت عنا الحقائق وماعُدْنا نتذكر، فقال له  : &gt;ساعة، وساعة يا حنظلة &gt;لو تبقون كما تكونون عندي وفي الذكر&lt;، و&gt;في الذكر&lt; : أي وفي تلك الحال التي تكونون وكأنكم تشاهدون الحقائق وترونها عيانا &gt;لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظة ساعة وساعة&#8230;&lt;(رواه مسلم) أو كما قال  ، لأننا بتلك الحال نرتقي ارتقاءاً نبتعد به عن الشهوات، ونقترب من الملائكة فتأتي الملائكة وقد رأت أشباها لها تأتي لتصافحهم.</p>
<p>وبعكس ذلك حين يتمكن الجهل والنسيان يقع الابتعاد عن الله والاقتراب من الشياطين نعوذ بالله منهم.</p>
<p>فلا رجز ولا رجس أعظم من عبادة غير الله.</p>
<p>قال الله عز وجل : {قُل أفغير الله تامروني أعبد أيها الجاهلون}(الزمر : 64) أيها الجاهلون الجهل الحقيقي وهو جهل الكفر، فالذي يعبدُ غَيْر الله جاهلٌ حقا، لأنه ما ذاق حقيقة وجود الله على وضوحها في هذا الكون {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون}(الطور : 35) {أم خلقوا السماوات والأرض}(الطور : 36)</p>
<p>ثم ليس بعد ذلك من رجس أعظم من تقديم العاجلة على الباقية.</p>
<p>نحن لا نقدر هذه الحقيقة حق قدرها للأسف!! ونعيش حياة أشبه ما تكون بحال الكفار : إيثار الدنيا على الآخرة لنفكر في أحوالنا عمليا، مثلا : لنأخذ أولادنا على سبيل المثال ما هو الشيء الذي نهتم به في حياتهم؟ نهتم بأكلهم، نهتم بشربهم، نهتم بلباسهم، نهتم بلهوهم ولعبهم، أي نهتم بتغليظ أجسامهم!، نهتم بتكثير شحومهم ولحومهم! نهتم بالجانب المادي فيهم، وقلما نهتم بالجانب المعنوي، بالجانب الروحي، وهو أخطر، لأن هذا الأكل الذي نهتم به أكثر من اللازم لم يوجبه الله علينا ولم يفرض علينا أن نمارس الأكل في اليوم ولو مرة واحدة. ولم يفرضه علينا حتى في اليومين أو الثلاثة أو الأربعة إلا عندما نصل إلى حال الإشراف على الهلاك، عند ذلك يجب أن نأكل،</p>
<p>لكن غذاء الروح واجبٌ خَمْس مرّات في اليوم لابد أن تتناول الروح خمس وجبات غذائية في اليوم -على الأقل-، لأن قوت الأرواح هو الروح نفسه أي هو القرآن الذي هو الوحي {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا}(الشورى : 52) {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربّي}(الإسراء : 85) {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان}(الشورى : 52).</p>
<p>الأرواح تتغذى من عالم الروح، من ذلك العالم نفسه الذي جاء منه القرآن. الروح تتغذى بالقرآن، تتغذى بالوحي.</p>
<p>الصلاة  مثلا : ماذا فيها؟ فيها هذا أساسا. سواء ما مضى -كما تعلمون- في الفاتحة التي لابد منها في كل ركعة من ركعات الصلاة، أو الألفاظ التي نكررها في كل حركة من حركات الصلاة : نركع فنقول : سبحان ربي العظيم، وهو من ألفاظ القرآن {فسبح باسم ربّك العظيم}(الواقعة : 74) وتقول في السجود : سبحان ربي الأعلى {سبّح اسم ربّك الأعلى} ونقول الله أكبر في القيام، ونقولها في الهُوِيِّ إلى الركوع وإلى السجود  كل هذه من ألفاظ القرآن ولا نقول ذلك ألفاظا بل نقولها معاني ينبغي أن نستحضر في التسبيح التنزيه، وينبغي أن نستحضر في التكبير تصغير ما سوى الله، من شأن الدنيا وما فيها وهكذا، وهكذا.</p>
<p>فإذن هذا الأمر أخطر والاهتمام به أقل&#8230; هو أخطر على الإنسان والاهتمام به أقل، وأطفالنا وأولادنا بين الميلاد والبلوغ في مرحلة انتقالية تحضيرية لما بعد البلوغ؛ فإذا اجتهدنا في ترسيخ معان بعينها إيمانية تذكروا بسرعة عند البلوغ، تذكروا الفطرة الأولى بسرعة بعد البلوغ لأنهم نشأوا في عبادة الله عز وجل، لكن إذا نشِّئُوا بالمعصية يصعب التذكر، وكما قال القائل : من شَبَّ على خُلُق شاب عليه إلا أن يشاء الله شيئا سبحانه، فهذا هكذا.</p>
<p>ثم عندما أيضا نأتي إلى أمر الحياة.</p>
<p>وعندما نحاول أن نتحدث عن المستقبل، ماذا تريد أن يكون ابنك؟ فالجواب العام والغالب هو أريده طبيبا، مهندساً، محاميا، ونعود أطفالنا على هذه الاختيارات الدنيوية! وقَلّ من يختار أن يكون إماما داعياً إلى الله عز وجل، مجاهداً، شاهدا على الناس&#8230;</p>
<p>يعني قلّ من تأتيه المعاني الشرعية، المعاني التي اختار الله لها خيرة خلقه : معنى الشهادة على الناس، معنى العلم بالله. هذه المعاني التي لها امتداد فيما بعد هذه الدنيا، المعاني الخالدة. هذه المعاني ذات الآثار الخالدة. هذه المعاني قلَّما تُذْكر وإذا ذُكِرَتْ أحيانا يُهَوَّنُ من شأنها.</p>
<p>فنحن بهذا شعرنا أم لم نشعر كأننا نحطم أبناءنا، كأننا نحضر أبناءنا للحياة الدنيا ونجعلهم يوثرونها على الآخرة وكأننا بذلك نغرس فيهم قيمة هذه الدنياونقول لهم يجب أن نستمتع بها، يجب أن نحياها، عندنا مال كثير، عندنا صحة كبيرة، عندنا جاه عندنا كذا عندنا كذا.</p>
<p>نهتم بهذه الأشياء في حين أن تلك مجرد وسائل.. تلك وسائل تستعمل لشيء آخر أهم، وهو تعمير الدنيا من أجل الآخرة، وعبادة الله عز وجل، كل هذه الأشياء التي أوتيناها ما هي إلا وسائل لعبادة الله عز وجل، وليست مطلوبة لذاتها.</p>
<p>هكذا الأمر في العلم، وهكذا الأمر في المال وهكذا الأمر في غير ذلك من الأمور التي نسأل عنْها &gt;لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه&lt;(رواه الترمذي).</p>
<p>فهذه النقطة وقفت عندها لخطورتها، وهي في حقيقتها رجس من الرجس، استعملت هذا التعبير لنشعر بخطورة هذه الخطيئة، هذا المنكر منكر كُبّار : إيثار الدنيا على الآخرة، هذا هو منهج الكفار. أما منهج المؤمنين فهو إيثار الآخرة على الدنيا إيثار الآجلة على العاجلة&#8230; الكفار يقال لهم {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها}(الأحقاف : 20) {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نُوَفِّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يُبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}(هود : 15- 16).</p>
<p>الهدى الرابع : رأس العطايا التنعم بعطيتين : إقراؤك القرآن بلا نسيان، وتيسيرك لليسرى في كل شأن&#8230;</p>
<p>هذه السورة فيها عطيتان : هديتان لرسول الله  من ربه، وهدية لكل تابع لرسول الله  من ذكر أو أنثى. طلب منه أمرين : {سبِّح اسم ربّك الأعلى} {فذكِّر إن  نفعت الذّكرى} وأعطاه عطيتين : {سنُقْرِئُكَ فلا تنْسى} {ونيَسِّرك لليُسْرى}.</p>
<p>هاتان الهديتان العطيتان، والمنتان العظيمتان، هما أعظم ما يمكن أن يُمَنّ به على العبد : أن يُقْرَأ القرآن، يعني أن يُدْخَل هذا العلم القلب، وأن يستضيء به الكيان&#8230;. وأن تتأثر به جميع الجوارح.</p>
<p>تجد القرآن في العين، وتجد القرآن  في الأذن، تجد القرآن في العين وهي تبصر ماذا تبصر؟ وكيف تُبصر؟ والأذن كذلك ماذا تسمع؟ والفم ماذا يأكل؟ وبأي شيء ينطق؟ والفرج ماذا؟&#8230;. والظهر ماذا يلبس؟.. إلخ</p>
<p>هذا هو إقراء العبد القرآن، هذا هو القرآن الذي &gt;يقال لصاحبه  اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدّنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها&lt;(رواه الترمذي).</p>
<p>هذا القرآن ليس هو القرآن الذي يجري على اللسان ولا يستقر في الجنان ولا يؤثر في جميع الجوارح.</p>
<p>&gt;إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين&lt;(رواه مسلم).</p>
<p>أهل القران هم الذين يعملون به في الدنيا، وهم الذين يكون القرآن حجة لهم لا عليهم نسأل الله أن يجعلنا كذلك. إقراء للعبد للقرآن {سنقرئك فلا تنسى} هو العلم الذي وهبه الله سبحانه وتعالى لرسوله  {ولا تعجل بالقرآن قبل أن يقضى إليك وحيه، وقل ربّي زدني علما}(طه : 114) زدني.. يمتلئ علما، ويمتلئ فهما لذلك العلم.</p>
<p>فهذه النعمة الأولى التي أشار إليها الرسول  : &gt;لا حسد إلا في اثنتين : رجل علّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار فسمعه جاره فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل  ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل&lt;(رواه البخاري).</p>
<p>ولا يمكن أن يفعل هذا وهو طالب دنيا.</p>
<p>فالقيام بالقرآن من أجل تدبره، من أجل الامتلاء به، من أجل أن يستضيء الكيان، هذا هو الأصل، والإقراء هو النعمة التي ينتج عنها كل خير.</p>
<p>ثم العطية الثانية هي التيسير لليسرى في كل شأن،  التيسير الذي ينتهي بالحُسنى في الدنيا والآخرة.</p>
<p>الله عز وجل يوضح هذه العطية بأنه يريد بعبده ا لذي يسبحه ويحمده، ويسبح باسم ربه الأعلى أن ييسر له السبل الموصلة إلى خيري الدنيا والآخرة.</p>
<p>فالتيسير هو عون من الله جلّ وعلا، تيسير في الهداية وتيسير في الممارسة، وتيسير في الكلفة، وتيسير في كل شيء.</p>
<p>فهاتان النعمتان العظيمتان، هديتان من الله عز وجل لعبده الذي يسبح باسمه. يقرئه وييسر له السبل الموصلة لخيري الدنيا والآخرة، فمن اتقى وسار على نهج التسبيح الحقّ أقرأه الله برحمة منه، ويسر له كل شيء، وهذا منطقي فحين قال سيدنا موسى \ لله عز وجل {قال ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عُقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أُشْدد به أزري وأشركه في أمري&#8230;.}(طه : 25- 31). أجابه الله تعالى جوابا فتح به الباب عن جميع النعم التي أنعم بها على موسى \، منذ ولد حتى أرسل {قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ولقد مننا عليك مرّة أخرى إذ أوحينا إلى أمّك ما يوحى أن اقذفيه في التّابوت فاقذفيه في اليمّ فلْيلقه اليمّ بالسّاحل يأخُذه عدوّ لّي وعدوٌّ له، وألقيت عليك محبّة منّي ولتُصنع على عيْنِي إذ تمشي أختك فتقول هل أدُلُّكم على من يكْفُله، فرجعناك إلى أمّك كي تقرّ عينُها ولا تحزَن، وقتلت نفساً فنجّيْناك من الغمِّ وفتنّاك فتُونا، فلبثْت سنِين في أهْل مدْين ثم جِئت على قدرٍ يا مُوسى واصطنعتك لنفسي}(طه : 36- 41). بمعنى أن الله عزوجل حين تقتضي حكمته اختيار عبد، فإنه يمُنُّ على ذلك العبد بما يسهل له القيام بتلك الوظيفة، على أساس ذلك الاختيار.</p>
<p>الهدى الخامس : رأس الفلاح أو الخسران : التذكر والاتباع لما في القرآن أو التجنب والإعراض عما في القرآن :</p>
<p>إذن المدار على القرآن.</p>
<p>{قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربّه فصلى} هذا طريق الفلاح، {ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكُبرى، ثم لا يموت فيها ولا يحيى} هذا طريق الخسران.</p>
<p>لذلك رأس الفلاح التذكر واتباع ما في القرآن {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربّه فصلى}.</p>
<p>ورأس الخسران التجنب : إلقاء القرآن على الجنب، والابتعاد عنه والنأي عنه والاعراض عما فيه.</p>
<p>ولا يتبع ما في القرآن إلا السعداء، ولا ينأى عما في القرآن إلا الأشقياء&#8230; جعلنا الله وإياكم من السعداء.</p>
<p>خـــلاصة</p>
<p>هدى السورة</p>
<p>هدى السورة باختصار شديد هو :</p>
<p>الخلاصة الأولى : عليك التسبيح والتذكير وعلى الله الإقراء والتيسير :</p>
<p>عليك بالتسبيح يا عبد الله، والتذكير {سبّح اسم ربك الأعلى}، {فذكّر إن نفعت الذِّكْرى}.</p>
<p>وعليه الإقراء والتيسير {سنقرئك فلا تنسى} {ونيسّرك لليسرى}.</p>
<p>الخلاصة الثانية : عبارة من ابن عاشر -رحمه الله- : &gt;رأس الخطايا هو حب العاجلة&lt; :</p>
<p>حب الدنيا هو رأس ا لبلاء، ورأس المصائب، لأن رسول الله  حينما شخص حال الأمة في فترة الضعف شخصها بهذا : &gt;يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها&#8230;.&lt;(رواه أبو داود) إلى أن قال  : &gt;بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله الرهبة منكم في قلوب عدوكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا : وما الوهن يا رسول الله؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت&lt;.</p>
<p>كراهية الموت نفسها بسبب حب الدنيا. لذلك حب الدنيا هو رأس البلاء، هو الخطر الشديد.</p>
<p>بمعنى آخر : لماذا نحن فيما نحن فيه الآن؟ وعلى الحال التي نحن عليها مغضوبا علينا من الله عز وجل؟</p>
<p>لماذا؟</p>
<p>لماذا سُلِّط علينا المغضوب عليهم؟</p>
<p>إنما ذلك بسبب حبنا للدنيا.</p>
<p>هذا الوهن الذي هو مسلط علينا في الكرة الأرضية، هذا الضعف، هذا الفشل، هذا الخور، هذا الجبن الذي نحن فيه ، بسبب ماذا؟ بسبب حب الدنيا وكراهية الموت&#8230;</p>
<p>لننظر عمليا كم ننفق في سبيل الله؟ كم ننفق من الوقت في سبيل الله؟ كم ننفق من المال في سبيل الله؟ كم ننفق من الطاعة في سبيل الله؟</p>
<p>بالنسبة المئوية : ما الذي نصرفه إلى الدنيا، وإلى الزيادة من زينة الحياة الدنيا وما الذي نصرفه إلى الآخرة، وإلى نصرة دين الله عز وجل؟ كل واحد يسائل نفسه ويُحاسبها لو أعطينا ما ينبغي أن نعطيه كما أمر الله عز وجل لرأينا النتائج كما ينبغي أن تُرى لذلك صدق الناظم فعلا حين قال :</p>
<p>رأس الخطايا هو حب العاجلة</p>
<p>الخلاصة الثالثة :</p>
<p>ليس الدوا إلا في الاضطرار له :</p>
<p>المخرج إذن هو العودة إلى الله عز وجل، والتوبة والإنابة إلى الله عز وجل  إنابة الاضطرار، إنابة الافتقار التام  إليه سبحانه عز وجل، هذا هو، المخرج.</p>
<p>فالله عز وجل يجيب المضطر إذا دعاه، فنسأله جلا وعلا أن يعيذنا من شر كل ذي شر ويكفينا ما أهمنا وما لا نهتم له، ويجعلنا من أهل القرآن الكريم الذين يعملون به في الدنيا.</p>
<p>اللهم أكرمنا بتسبيحك وأكرمنا بتذكير عبادك بك بجودك وكرمك، اللهم أقرئنا القرآن، ويسرنا لليسرى ويسر لنا اليسرى بفضلك وكرمك يا ربنا.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2012/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d9%84%d9%89/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الفاتحة</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%aa%d8%ad/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%aa%d8%ad/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 27 Sep 2010 09:09:26 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 276]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الفاتحة]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6388</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الفاتحة د. الشاهد البوشيخي هذه السورة القصيرة العظيمة التي تعلمون الأحاديث الصحيحة التي وردت فيها، نحاول اليوم أن نلتمس ما يسر الله من الهدى المنهاجي فيها مما تحتمله هذه الحصة وأول ذلك : الهدى الأولى : رأس الأدب مع الله البدء باسم الله : وتحت هذه النقطة ثلاث نقط [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الفاتحة</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>هذه السورة القصيرة العظيمة التي تعلمون الأحاديث الصحيحة التي وردت فيها، نحاول اليوم أن نلتمس ما يسر الله من الهدى المنهاجي فيها مما تحتمله هذه الحصة وأول ذلك :</p>
<p>الهدى الأولى : رأس الأدب مع الله البدء باسم الله :</p>
<p>وتحت هذه النقطة ثلاث نقط :</p>
<p>&gt; أولا : لا مسَّ لشيء في ملك الله إلا باسم الله : أي باستئذان الله.</p>
<p>&gt; وثانيا لا شروع في أي قول أو فعل إلا باسم الله، أي باستئذان الله، وحوْلِ اللّه.</p>
<p>&gt; وثالثا لا دخول إلى محراب القرآن وعالم القرآن إلا باسم الله، أي بإذن الله وحول الله.</p>
<p>فرأسُ الأدب مع الله إذَنْ البدْءُ باسم الله.</p>
<p>تعلمون ما هو معروف من الخلاف : هل باسم الله الرحمان الرحيم آية من الفاتحة أم لا؟</p>
<p>خلاف بين أئمة المذاهب  معلوم مشهور.</p>
<p>ولكن مراعاةً للخلاف الذي هو أصل من أصول المذهب. نتعامل معها على أنها آية من هذه السورة العظيمة ونعتبرها مدخل المدخل.</p>
<p>فإذا كانت الفاتحة هي المدخل لكتاب الله عز وجل وهي المقدمة فهذه الآية مقدِّمة المقدِّمة.</p>
<p>وإذن فـ &#8220;رأْسُ الأدَبِ مع الله : البدء باسم الله&#8221;  لأن أول ما يقرأ القارئ من كتاب الله عز وجل بعد &#8220;أعوذ بالله من الشيطان الرجيم&#8221; : {باسم الله الرحمان الرحيم}.</p>
<p>وذلك يعني أن الأدب الواجب مع الله عز وجل، ومع كل ما يتصل بالله عز وجل هو أن لا يُقْرَب إلا بباسم الله.</p>
<p>فملك الله تعالى على ما هو عليه لا ينبغي أن يُمَسَّ شيءٌ منه إلا باسم الله، أي باستئذان الله جل وعلا، وهو أدب عظيم جدا جداً، الملك لله جل وعلا فأي تصرف فيه، وأي مَسٍّ لشيء فيه لا يمكن أن يكون إلا بعد استئذان مالكه.</p>
<p>وهذا الاستئذان يصل في بعض الأحيان -إذا ربطنا الكلام ببقية القرآن- يصل إلى حدّ أن يصير الشيء حراما إذا لم يُذْكَر عليه اسم الله {ولا تاكُلُوا مِمَّا لم يُذكر اسْم اللّه عليه}(الأنعام : 121) لأن نزع حياة بغير استئذان واهِب الحياة هو شيء عظيم عند الله تعالى، ولكن إذا أُخذ منه الإذن فإنه يصير جائزا، ويصير حلالا، و في ذلك إشارة إلى أن هذا الاستئذان أمرٌ أساسي في الأمر كله، في الملك على عظمته، على كِبَرِه، على تنوع ما فيه، لا ينبغي أن يُقرب إلا بإذن الله.</p>
<p>وهذا الإذن مما يقتضيه : يقتضي المشروعية، لأنه لا يحل لامرئ مسلم أن يُقْدم على أمر حتى يعلم حُكم الله فيه، فلا يجوز أن يقال باسم الله ويشرب الخمر، أو يفعل منكراً ويقول : باسم الله.</p>
<p>هذا لا يمكن، لأنه مخالف للمقصود من هذا الأدب الواجب، فأن نشعر هذا الشعور شيءٌ مهم جدا، نحن أمام مُلك له مالكه، وله صاحبه، ونحن بعضُ ملكه، فأي مس لأي جزئية في هذا الكون ينبغي أن تكون باسم الله، أي باستئذان الله عز وجل، أي داخل دائرة ما أذن فيه، وأمر به.</p>
<p>&gt; ثانيا : لا شروع في أي قول أو فعل إلا باسم الله أيضا :</p>
<p>يعني كما أن أي تصرف في الكون لا يجوز إلا بعد الاستئذان بباسم الله، فكذلك لا ينبغي أن يُـشرع في شيء إلا باسم الله : فكأنك تقول : إني أُمَارسه مستئذنًا الله عز وجل، وأمارسه بحول الله عز وجل لا بحولي، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، فكون الأمر مشروعا لا يعني أنه يُقْدَر عليه بغير حول الله لا يمكن. ولذلك على الإنسان أن يستشعر وهو يشرع في أمر ما أنه يَشْرع فيه بإذن الله أولا، وبحول الله وقوته ثانيا. و سبق الكلام في {اقرأ باسْم ربّك} أن رسول الله  لم يكن قارئاً، فقيل له اقرأ {باسم ربّك} أي كُن قارئا بإذنٍ من الله عز وجل، وحول من الله عز وجل، وإن لم تكن قارئا فإنك ستصير قارئا بإذن الله تعالى وحوله، فهو الذي جعل القارئ قارئا، وهو الذي أقْرَأ بالقلم وبغير القلم، وهو وهو..</p>
<p>هذه النقطة أيضا لابد من الشعور بها في البدء. وهي أيضا مهمة في أي ممارسة؛ لأن عددا من الأعمال قد تظهر للإنسان  شاقة صعبة ولكن هي مما أمر الله به أو كلفنا به فينبغي أن يُقْدَم عليها باسم الله،  لأنها إذا أقدم عليها العبد باسم الله فإنه يستطيعها بإذن الله، ولكن إذا نظر إلى حوله ولا حول له فإنه لا يقدر.</p>
<p>وهذه  شبهةٌ قد تعرض لكثير من الناس، فقد يظن ظان أنه لا يستطيع أن يفعل شيئا ما. لكن إذا أدخل هذه النقطة في الحساب فإنه يُرْزق قوةً خاصةً، ما دام مُقدما على مشروع، أي على شيء أذن الله فيه إمَّا في صورة الوجوب، أو في صورة الندب، أي في صورة الجواز.</p>
<p>&gt; ثالثا : لا دخول إلى محراب القرآن وعالم القرآن بصفة عامة إلا باسم الله أيضا، أي إلا بإذن الله وحوله :</p>
<p>معناه : أن هذا العالم الذي هو عالم القرآن وما فيه من أسرار، ومن خيرات وبركات ومواهب ربانية، هذا العالَمُ القرآنيُّ لا يمكن الدخول إليه، ولن يفتح كنوزه وأبوابه، ولن يُعطى العبد أسرارَه إلا إذا دخله أيضا بهذا المعنى، دَخَلَه باسم الله مستئذنا له ومتوكلا عليه.</p>
<p>ذلك بأن هذا القرآن -كما سنرى- بعد قليل رحمة مهداة، ومن ثم فلا استفادة من هذه الرحمة، ولا دخول لهذه الرحمة، ولا تمتُّع بما في هذه الرحمة إلا إذا دخل العبد مستشعراً هذا المعنى في &#8220;باسم الله&#8221;.</p>
<p>الهدي الثانية : رأس الرحمة من الله : القرآن الكريمُ كتابُ الله :</p>
<p>نزولا، وقراءة، وإنصاتاً، وعملا، وتعلما، وتعليما، وغير ذلك، فهو في كل الأحوال رأس الرحمة من الله التي نزلت للعباد.</p>
<p>نحن نعلم جميعا أن الله عز وجل قسم رحمته مائة قسمة، وأنزل منها قسمة واحدة إلى الحياة الدنيا، وادّخر تسعا وتسعين قسمة إلى الآخرة ليتمتع بها المؤمنون جعلنا الله وإياكم من الصادقين ومع الصادقين.</p>
<p>تلك القسمة الواحدة بها يتراحم جميع الخلائق وتلك القسمة حظها الأكبر مركز في هدى الله تعالى، وهدى الله مركزٌ في القرآن الكريم.</p>
<p>وها هنا ثلاث نقط فرعية تابعة لهذه الحقيقة الضخمة :</p>
<p>- برحمة القرآن الكريم صار محمد  رحمةً للعالمين.</p>
<p>- وبرحمة القرآن صار أصحابه رحماء بينهم.</p>
<p>- وبرحمة القرآن تصير الأمة في تراحمها أيضا متى تراحمت كالجسد الواحد.</p>
<p>وقد أخبرنا الله عز وجل عن رسول الله  بقوله جل وعلا {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(الأنيباء : 107).</p>
<p>فرسول الله  قبل نزول القرآن كان هو محمد بن عبد الله، وبعد نزول القرآن صار نبي الله ورسول الله، أي تحوّل إلى الخيرية والرحمة ببدء نزول هذه الرحمة.</p>
<p>وكُلّ خير أكرم الله به هذه الأمة منذ رسول الله  فأصحابه من بعده، فالتابعين، فالراسخين في العلم عبر التاريخ حتى اليوم، فالذين سيأتون بعدنا من أهل العلم والفضل، كُل أولئك وما وفقت إليه الأمة قديما وما تُوفَّق إليه  الآن، وما ستوفق إليه غداً، كلُّ ذلك داخلٌ ضمن الرحمة التي جاءت من رحمة القرآن الكريم.</p>
<p>لأن القرآن رحمة من رحمة الله، ولأن الصفة العظمى من صفات الله جل وعلا هي صفة الرحمة ولذلك سمى نفسه تعالى في آيات متعددة بـ&#8221;الرحمان&#8221; فقط فلم يقل {الله الرحمان} بل قال {الرّحمن فاسْأَل به خبيراً}(الفرقان : 59) وقال : {الرَّحْمن علّم القُرآن}(الرحمن : 1- 2) وقال : {وإذَا قِيل لهُم اسْجُدُوا للرحمن قالُوا وما الرَّحْمن}(الفرقان : 60) &#8220;الرحمان&#8221; هكذا.</p>
<p>فالرحمة هي الصفة العظمى التي تدخل ضمنها تقريبا جميع الصفات الأخرى؛</p>
<p>وللإشارة فقط إقرأوا سورة الكهف، وبالضبط قصة موسى والعبد الصالح : ففيها كل فعل من الأفعال التي قام بها ذلك العبد الصالح، والتي تظهر في ظاهرها أنها شيء فظيع، وذلك ما جعل سيدنا موسى عليه السلام يستنكرها، تلك الأعمال كلّها في النهاية ختمت بقوله تعالى : {رحْمَةً من ربّك وما فعَلْته عن أَمْرى}(الكهف : 82).</p>
<p>في النهاية رحمة من ربك.</p>
<p>قتل الغلام : رحمة من ربك،.</p>
<p>خرق السفينة رحمة من ربك.</p>
<p>إقامة الجدار رحمة من ربك.</p>
<p>لذلك ينبغي أن نفهم أن الأسماء والصفات الأخرى تندرج تحت هذه الصفة، ولذلك كان افتتاح القرآن بعد اسم الله الأعظم بصفة الرحمة، لأن القرآن نفسه صدر عن هذه الرحمة، لأنه هو محْضُ رحمة، وإذا حل في عبد صار ذلك العبد رحْمَةً على قَدْرِ حلول رحمة القرآن فيه، أي على قدر صيرورة القرآن خُلُقًا له.</p>
<p>فحين صار رسول الله  خلقه القرآن صار يساوي القرآن، وأصْبَح مَحْض رحمة مهداة {وما أرْسلْناك إلاّ رحْمةً للعالمِين}(الأنبياء : 107).</p>
<p>ثم الناس بعد ذلك على حسب درجاتهم في التخلُّق بالقرآن يصيرون  كذلك درجاتٍ في رحمانِيَّتهم.</p>
<p>فبهذا القرآن الذي هو رأس الرحمة من الله  عز وجل  صار محمد  رحمة للعالمين لا بسواه، وبه صار أصحابه أيضا على قدر حلول القرآن فيهم رحماء بينهم، وشهد الله لهم بذلك، وبه تصير الأمة في تراحمها كالجسد الواحد كما جاء في الحديث الصحيح المشهور المعروف &gt;مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطفهم مثلُ الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى&lt;(رواه مسلم).</p>
<p>فالأمة إذا أقبلت على كتاب الله عز وجل وأخذته بقوة كما طلب الله عز وجل من يحيى عليه السلام : {يا يَحيى خُذِ الكِتابَ بقُوّة}(مريم :  12) وكما طلب من بني إسرائيل {خُذُوا ما آتَيْناكُم بِقُوَّةٍ}(البقرة : 63)، هذا الأخذ للكتاب بقوة يسهِّل الأمر كله ويؤدِّي إلى حلول صفة الرحمة في العبد على قدر تمثله للقرآن، وتخلّقه بالقرآن، فليس بين الأمة وبين أن تصير أمة مؤسسة على التراحم  إلا أن تعود إلى كتاب ربّها، وأن تعود إلى هذه الرحمة المهداة من الله جل وعلا.</p>
<p>الهدى  الثالثة : رأس الثناء على الله : الحمد لله في كل الأحوال</p>
<p>وتحتها ثلاث نقط أيضا :</p>
<p>- لأنه تعالى يرُبُّ كُلّ الكائنات في الدنيا إيجاداً وإمداداً.</p>
<p>- ولأنه يقيم العدل الحقَّ في الآخرة حسابا وثوابا.</p>
<p>- ولأن رِبَابَتَهُ في الدنيا وعدله في الآخرة يقومان على الرحمة عموما وخصوصاً.</p>
<p>وهذا مستفاد من الجملة الاسمية التي هي ثلاث آيات : {الحَمْدُ لله ربّ العالمين الرحْمان الرّحيم مَلِك يوم الدِّين}.</p>
<p>رأسُ الثناء على الله الحمد لله في كل الأحوال.</p>
<p>فالله عز وجل أهْلٌ للحمد بحكم ما هو عليه سبحانه في ذاته وصفاته.</p>
<p>وأهل للحمد بسبب النعم التي لا نستطيع حتى إحصاءها {وإنْ تَعُدُّوا نِعْمت اللَّهِ لا تُحْصُوهاً}(إبراهيم : 34).</p>
<p>فهو أهل للحمد وأهل للشكر، قال العلماء إن كل  شكر حمد، وليس كُلُّ حمد شكراً، هذا الحمد ينبغي أن يكون لله عز وجل في كل الأحوال، في السراء وفي الضراء، في جميع الأحوال، لأن الله عز وجل -كما سبقت الإشارة في قصة موسى والعبد الصالح- كل ما يفعله بعبده الصالح ليس إلا خيراً &gt;عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كُلَّه خَير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سرَّاء  شَكَر فكان خيراً له، وإن أصابتْه ضراءُ  صَبَر فكان ذلك خيرا له&lt;(رواه مسلم).</p>
<p>لِمَ الله جل جلاله له الحمد في كل الأحوال؟</p>
<p>&gt; أولا : لأن الله جل جلاله يرُبّ كُلّ الكائنات مطلقا في الدنيا، وهي التي يشير إليها {رب العالمين} .</p>
<p>لماذا نحمد الله؟</p>
<p>لأنه رَبُّ العالمين، ولأنه الرحمان الرحيم، ولأنه ملك يوم الدين.</p>
<p>فرب العالمين تتجه لهذه الكائنات الموجودة في الحياة الدنيا، لكل العوالم بصفة عامة، في أي زمان، في أي ظرف، ما قبلنا، ما بعدنا، قبل ظهور آدم، بعد خلق آدم، كُلّ الكائنات مطلقا ربُّها الله.</p>
<p>والربوبيةُ كلمةٌ كبيرة ضخمة. تختصرها صفتان كبيرتان : صفة الإيجاد وصفة الإمداد.</p>
<p>صفةُ الخلق وصفة الرزق، فالله هو الخالق والرازق، هو الموجد وهو المُمِد بكل ما تحتاجه هذه الموجودات، فهذا المعنى العظيم يعني وجودنا أصلا، خروجنا للحياة، ثم ما رزقنا الله، وما يرزقنا وغيرنا من هذه الكائنات، وما أعد لنا في هذا ا لملك العظيم، هذا الإعداد الكوني لِمَجِيء آدم وبنيه، هو في حد ذاته قضية لايستطيع الإنسان تصوُّرَها، لا يستطيع الإنسان أن يتحمل تصورها، هذا الإعداد الضخم للفضاء الكوني، إعدادٌ للملك جملة ليستقبل آدم وبنيه، ويكون خادما لهم {ألَمْ تَرَوْا أنّ اللَّه سخَّر لكُم ما فِي السّماواتِ وما في الأرْض وأسْبغ عليكُم نِعمه ظاهِرة وبَاطِنة}(لقمان : 20).</p>
<p>هذا الإعداد للأرض كيف بارك فيها، وقدر فيها أقواتها، وكيف أعَدّ لها هذه الشمس، وأعد لها هذا القمر، فكم من نعمة نحن غارقون فيها، وعليها تتوقف حياتنا ولكن لا نشعر بها، ولا نلتفت إليها، مثلا نعمة الهواء، نحن لا نلتفت إلى هذه النعمة مع أننا لا نستطيع الاستغناء عنها ولو لمدة  وجيزة، وقِسْ على ذلك نعَمًا أُخْرى ضخمة وعديدة.</p>
<p>فهذه الربوبية المطلقة والشاملة للعالمين إذا تفكر فيها الإنسان وجد نفسه أنه مهما حمد وأكثر الحمد ما وفّى  حق المنعم بها، ولا يسعه إلا أن يقول مثل ما قال الرسول  &gt;سبحانك اللهم وبحمدك عدد خلقك ورِضى نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك&lt; فهو سبحانه أعلم بذلك.</p>
<p>&gt; ثانيا : لأنه يقيم العدل الحَقّ في الآخرة  حسابا وثوابا.</p>
<p>فله الربوبيةُ هنا في الدنيا وله أيضا إقامة العدل الحق في الآخرة، وإلى ذلك العدل تشير {ملك يوم الدّين} يوم الخضوع، ويوم الحساب.</p>
<p>وفي الحقيقة لفظة {الدين} مدارُها في العربية على الخضوع في جميع استعمالاتها سواء كانت من دان به، أو دان له، أو دانه، وفي أي شكل من أشكالها هو يوم الخضوع الكامل {لا يتَكَلَّمُون إلاّ مَنْ أذِنَ لَهُ الرّحْمن وقَالَ صوَاباً ذلك اليَوْم الحَقّ}(النبأ : 38- 39) هذا هو الوضع الذي يكون عليه الناس في يوم الدين.</p>
<p>الناس اليوم يتكلمون ويتجرؤون على الله ويقولون العجائب والله يسمع ويبصر ويمهل، ولكن لا يهمل، أما هناك فلا مجال نهائيا لهذا المستوى من الحرية، لا مجال له، ولذلك يقال {والوَزْن يوَمئذ الحق}(الأعراف : 8) حسابا وثوابا {فَمَنْ يعْمل مثْقَال ذَرّة خَيْراً يَرَه ومن يعْمل مثْقَال ذرّة شَرّا يَرَه}(سورة الزلزلة).</p>
<p>هذا اليوم الآخِرُ هو مظهر كبير لرحمة الله جل وعلا على ما فيه من عذاب أليم لمن يستحقون ذلك {كَتَب عَلَى نَفْسِه الرَّحمة ليَجْمَعَنَّكُم إلى يَوْمِ القيامة لاَرَيْب فيه}(الأنعام : 12).</p>
<p>كم من المظلومين في الحياة الدنيا ماتوا ولم ينصفوا فمتى يُنْصَفون؟!</p>
<p>في ذلك اليوم ينصفون.</p>
<p>وكم من الظلمة يذهبون ولم يلقوا جزاءاً، فمتى يعاقبون ومتى يحاسبون؟!</p>
<p>في ذلك اليوم يعاقبون.</p>
<p>إذا لم يكن اليوم الآخر فستكون مشكلة عُظْمى، لابدَّ من هذا اليوم، ليعتدل النظامُ بكامله.</p>
<p>ولأن الله جل جلاله يقيم هذا اليوم، ويقيم العدل فيه إقامة كاملة مطلقة فهذه أيضا من موجبات حمده.</p>
<p>&gt; ثالثا : لأن ربابته في الدنيا وعدله في الآخرة يقومان على الرحمة عموما وخصوصا :</p>
<p>وهذا ما تشير إليه آية : {الرحمان الرحيم} الموجودة بين الرِّبابَة في الدنيا والعدل في الآخرة، لأن الرِّبابة هي مصدر &gt;ربَّ يرُب ربّاً وربابة&lt; يقول علقمة الفحْل :</p>
<p>وكُنْتَ امرءاً أفْضتْ إليْك رِبَابتي</p>
<p>وقبْلك رَبّتْني فَضِِْعُت رُبُوب</p>
<p>عدَدٌ من الناس سَبَق أن كانوا سادة له، وكانوا يُربّونه، ولكن ما أحْسَنوا مثل هذا الأخير، فقد أضاعوه في تلك الرِّبَابة حيث لم يحسنوا تربيته، والربوب  = جمع رب.</p>
<p>فربابة الله في الدنيا وعدلُه في الآخرة المشار إليهما في النقطتين السابقتين يقومان على الرحمة عموما في الدنيا وخصوصا في الآخرة، وما أروع هذا البناء للرحمان الرحيم في توسطها بين الصفتين بين الدنيا والآخرة، فالرحمان اتجهت إلى جهة الدنيا، لأن الرحمان يفيد السعة سعة الرحمة وشمولها {وَرَحْمتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْء}(الأعراف : 156) الرحيم يُفيد الكثرة كثرة الرحمة. الرحيم تتجه  إلى تِسْعٍ وتسعين قِسْمة، والرحمان تتجه إلى القسمة الواحدة التي نزلت في الدنيا، فالرحمن في الدنيا، والرحيم في الآخرة.</p>
<p>{رب العالمين  الرحمن الرحيم  ملك يوم الدين}</p>
<p>الرحمان في الدنيا يستفيد من رحمته الكفار، والفجار، والفساق، والمجرمون، وكل شيء. يستفيدون من رحمة الهواء، ورحمة الماء، ورحمة النور، و رحمة الضياء ومما لا يُحْصى من النعم. ولكن في الآخرة لا يستفيد من رحمة الله إلا المؤمنون {إنّ اللَّه لا يغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ به ويَغْفِر ما دون ذلك لمَن يَشَاء}(النساء : 48) {ورحمتي وسِعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون..}(الأعراف : 156).</p>
<p>الهدى الرابعة : رأس التقرب إلى الله تعالى : عبادة الله والاستعانة بالله، وتحتها أيضا ثلاث نقط :</p>
<p>- فلا طاعة بغاية الذلة والمحبة إلا لله.</p>
<p>- ولا حول ولا قوة في ذلك وعلى ذلك إلا بالله.</p>
<p>- ولا تقرُّب بعمل صحيح إلى الله إلا بعد القُرْب بعلْم صحيح للَّه من الله.</p>
<p>&gt; أولا : لا طاعة بغاية الذلة والمحبة إلا لله :</p>
<p>ماذا أقصد بهذا الكلام؟</p>
<p>ومداره على الآية : {إيّاك نَعْبد وإِيّاك نَسْتعين}.</p>
<p>رأس التقرب إلى الله عبادته، والاستعانةُ به  سبحانه على تلك العبادة أيضا، لأنه ليس لنا شغل آخر، إلا أن نعبد الله {وما خَلَقْتُ الجِنّ والإنْس إلا لِيَعْبُدون}(الذاريات).</p>
<p>ولذلك كانت العبادةُ بمفهومها القرآني العام تشمل كُلّ فعل من أفعال العباد، لا يخرج منها فعل، فجميع أعمالنا هو عبادة، إما للرحمان وإمّا للشيطان، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده المخلِِصين المخلَصِين.</p>
<p>ذلك بأن الإنسان حين خُلق خُلق عابداً، خلق مجهَّزا، معداً و ميسّراً ليعبد الله تعالى، ولكن جاءت الشياطين فاجتالت العباد فأضلهم  &gt;خلقتُ عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين فأضلتهم&lt; خلقت عبادي حنفاء يعني عابدين لي بإخلاص، متجهين لي، لأن الحَنَفَ نوعٌ من الميل، فالله عندما خلقهم خلقهم متجهين إلى جهته سبحانه وتعالى، لا إلى جهة الشيطان، لكن الشيطان قَعَدَ لهم في الصراط المستقيم، ففتن عددا منهم، نعوذ بالله منه.</p>
<p>فإذن رأس التقرب إلى الله هو عبادة الله تعالى، والاستعانة به.</p>
<p>ماذا يقصد بالعبادة؟!</p>
<p>أفضل ما فسرت به العبادة هي الطاعة بغاية الذلة، وغاية الخضوع، وغاية المحبة. وهي ببساطة، أن تجعل من نفسك عبداً لله تعالى، عبْداً بالاختيار، لأن من مادة عبد : العبدية، فالله ربٌّ والعبد عبدٌ.</p>
<p>لكن هذه العبدية نوعان : عبدية بالإضطرار، وهذه هي حالة الكفار، وحالة بقية الكائنات، وهي أقلُّ مراتب العبدية، وهناك عبديّة أفضلُ هي العبدية بالاختيار، وهذه حال العبّاد لله حقا وصدقا عن محبَّةٍ واختيار.</p>
<p>كُلُّنا عبيد لله بالاضطرار ، لكن بعضنا فقط هم العبيد بالاختيار.</p>
<p>ذلك أن الله جعل فينا أقساما أساسية كلها تشتغل بالاضطرار وليس لنا اختيار في تشغيلها أو تعطيلها : مثل الجهاز الهضمي، والعصبي، والقلب وغير ذلك كثير.</p>
<p>هذه الأشياء الأساسية المهمة هي التي تكفِّل الله بها وجعلها تشتغل بشكل طبيعي لا دخل لنا فيه.</p>
<p>العبْدِية الاضطرارية التي نحن وسوانا فيها سواء، لا تترتب عليها مسؤولية.</p>
<p>لكن المسؤولية تبتدئ عند الأمر الاختياري، عندما يقْبَلُ العبدُ أن يكون عبداً لله بمحض إرادته واختياره في جميع أعماله وأقواله وأحواله، ونواياه، طاعة منه لربه عند ذلك يكون متدرجا في الانتقال من هذه العبدية بالاضطرار إلى العبدية بالاختيار، وإذَّاكَ يكونُ في وضْع العابد، خاصةً إذا وصل العبد  -تقريبا- إلي حدّ أن أصبح قسم العبدية الاختيارية فيه مساويا، أو مشابها، ومعادلا لقسم العبدية الاضطرارية، وصار في وضعه الاختياري يسير وفْق أمر الله كما هو يسير في وضعه الاضطراري وفق سنن الله، فإنّه يُـصْبح عبداً لله حقا وصدقا، وتلك أعلى درجات العبدية، وبذلك ينال العبدُ أعلى وسام، وهو وسام العبدية الاختيارية، وهو وسام لا يناله إلا المصطفَوْن الأخيار من عباد الله الصالحين رسلا وأنبياء وورثة للرسل والأنبياء قال تعالى : {سُبْحان الذي أسْرَى بعبده}(الإسراء : 1).</p>
<p>فالعابد هو صفة لذلك الذي يشتغل في عبادة الله عز وجل بَيْن مرحلة العبديّة الاضطرارية والعبدية الاختيارية، فإذا وصل درجةَ الكمال صار عبدا ً لله عز وجل بغير المعنى الأول للعَبْد.</p>
<p>هذا عبدٌ آخر، عبدٌ اختياريٌّ فيكون في درجة عليا جداً، وهي القمة.</p>
<p>هذه الطاعة التي تكون بغاية الذل والخضوع هي قمة العبديّة.</p>
<p>لابد أن نستحضر هذا المعنى للعبد، نستحضره بين يدي الله عز وجل، نستحضر أننا لا نَمْلِك من أمر أنفسنا شيئاً، وأنه يملكنا مِلْكية تامّة، وينبغي أن نكون رهن الإشارة في كل شيء، وينبغي أن نفعل كُلّ ما يُطلبُ منا بالذلة الكاملة، والمحبة الكاملة، والشوق الكامل كذلك ليصير فعلنا عبادة له تعالى.</p>
<p>هذه الطاعة من هذا النوع لا تكون إلا لله تعالى.</p>
<p>فمن صرفها لغير الله بشكل من أشكال الصرف سواء كان شجراً أو حجراً أو شيخاً أو إنساناً فقد هلك، وأشرك بالله عز وجل.</p>
<p>لأن الذي طُلِب منا هو الاخلاص في العبادة {وما أُمروا إلا لِيعبُدوا الله مُخلِصين له الدّىن}(البيّنة : 5) أي لا شائبة فيه، مخلصين له الدين مخلصين له الخضوع {إذْ قال له ربّه أسْلم قال أسْلمت لربّ العالمين}(البقرة : 130)  سرعة في الطاعة، وسرعة في الاستجابة والامتثال الاختياري.</p>
<p>&gt; ثانيا : لا حول ولا قوة في ذلك وعلى ذلك إلا بالله : أي على العبادة، وممارسة تلك العبادة بصفة عامة، لا حول ولا قوة إلا بالله.</p>
<p>بمعنى أنه قد يحصل للعبد غرور، والشيطان يلبِّسُ عليه فيحس كأنه قد فعل شيئا حين عبد، وحين صلى، وحين صام، مع العلم أن  كل ذلك ما أقْدَره عليه إلا الله، فينبغي أن لا يمارسه إلا مستعينا بالله لا بسواه، متبرئاً من الحوْل والطوْل، مستعيناً بالله على كل فعل.</p>
<p>&gt;  ثالثا : لا تقرُّب بعمل صحيح إلى الله إلا بعد القُرْب بعلم صحيح لله من الله.</p>
<p>لنتأمل متى جاء هذا القِسْم {إياك نعبد}؟</p>
<p>لم يجيء  إلا بعد الآيات الأربع السابقة، وكلها تعرف بالله جل وعلا، كلها تجعل العبد يذكر الله عز وجل في قلبه، ويستحضر الله سبحانه وتعالى كما عَرَّف اللهُ نفسه بنفسه، لأنه لا أحد يعرف الله إلا اللهُ، فالذي يُعرّفنا بالله هو الله جل جلاله، وما من ملك مقرّب، أو رسول مرسل يعرف شيئا عن الله إلا ما أطلعه الله عليه سبحانه وتعالى.</p>
<p>فإذن أصل العلم كله من الله تعالى، وعلى هذا العلم يُبْني ُكلّ تقرب، لأن هذا التقرب لا يكون تقربا صحيحا إلا بعد علم بالله صحيح، ذلك العلمُ هو من الله، هو علم بالله أخذَه من الله جل وعلا، إذَّاك يكون ذلك التقرُّب في مكانه.</p>
<p>أما إذا كانت الصورة فاسدةً  وكان العلم غير صحيح عن الله تعالى فإن ذلك التقرب نفسَه يفسد، ولذلك جاءت {إيّاك نعبد} بعد &gt;الله  رب العالمين/ الرحمان الرحيم/ ملك يوم الدين&lt; وهي محطات إذا تأملها  الإنسان وجدها محطاتٍ كبرى جداً في العلم بالله وصفاته (وهو علم من الله)، فالتقرب بالعمل الصحيح يكون بعد العلم الصحيح من الله تعالى.</p>
<p>الهدى الخامسة : رأس السؤال من الله سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم صراط الله :</p>
<p>وتحتها ثلاث نقط :</p>
<p>- المهتدون وحدهم المنعم عليهم حقا؛ من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.</p>
<p>- والمحرومون من عرفو الحق ورفضوا اتباعه فهم المغضوب عليهم وعلى رأسهم اليهود.</p>
<p>- ومن لم يعرفوا الحق أصلا هم الضالون وعلى رأسهم النصارى.</p>
<p>أين المسألة التي تعنينا هاهنا؟</p>
<p>ما هو أهم سؤال نسأله من الله؟</p>
<p>ما هو رأس الطلبات كلها؟</p>
<p>إن أهم سؤال يمكن أن يُطْلب من الله جل وعلا، هو الطلب الذي يدْخُل فيه ويندرج تحته كُلُّ طلب، وهو : سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم، أي صراط الله.</p>
<p>هذا هو السؤال الأعظم الذي إذا أكرم الله العبد بالاستجابة له فيه بلغ كل مأرب، وتحقق كلُّ طلب، لأن جميع الأمور الأخرى تدخل ضمن ذلك.</p>
<p>هذا السؤال هو سؤال المنهج، كأن الشخص فيه يطلب معرفة الطريقة التي بها يصل إلى مقصده بسلام، فإذا هُدِي لتلك الطريقة هداية توفيق فقد هدي حقا،  وصار مهتديا.</p>
<p>فـ&#8221;اهدنا&#8221; معناه اجعلنا نتوفَّق فعلاً، أي وفِّقْنا للسَّير على الصراط المستقيم فعلا، هذا هو المقصود، وليس أرشِدْنَا فقط، لأن الإرشاد موجود حتى للكفار {هُدًى للنَّاس} فالهداية المتحدثُ عليها هنا معناها هداية التوفيق بدليل ما جاء بعدها مفسرا لها {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.</p>
<p>إن الفاتحة لو تأملتها لما وجدت فيها أكثر من أربع جمل :</p>
<p>جملة اسمية في الأول تتعلق بالله جل وعلا فهي مجردة عن الزمان والمكان نظراً للموضوع {الحمد لله رب العالمين الرحمان الرحيم ملك يوم الدين}.</p>
<p>وجملة فعلية في الأخير هي طلب الهداية {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.</p>
<p>وجملتان في الوسط {إياك نعبد وإياك نستعين}.</p>
<p>وكل ما سبق الجملة ا لرابعة يمهد لها.</p>
<p>كل ما سبق يمهد لمسألة الهداية، وسؤال الهداية.</p>
<p>هذا هو السؤال المركزي الأساسي الذي يُطْلب في كل حين والذي هو طلبُ الطلبات. إنه  سؤال الهداية.</p>
<p>هذه النقطة ينبغي أن ترسَخ في قلب العبد وينبغي أن تكون وُكْدَهُ في حياته، فينبغي له أن يطلب الهداية في كل آن وحين، لأن هداية التوفيق، فيها الهداية التوفيقية العامة، وفيها الهداية اللحظية في كل جزئية من الجزئيات، ولذلك كان هذا الطلب واجباً في كل صلاة، لأن جميع ما نمارس نحتاج فيه إلى أن نكون مهديّين، وأن نكون مهتدين، ولا يخرج جميع ما نمارس من ذلك؛ لا سياسة، ولا اقتصاد، ولا تربية، ولا تدريس، ولا تجارة، ولا فلاحة، ولا أي شيء، إذ في أي شيء ينبغي أن نكون مهديين راشدين فلذلك كان هذا هو رأس السؤال من الله تعالى، سؤال الهداية ألى الصراط المستقيم.</p>
<p>خلاصة هدى السورة</p>
<p>السورة خلاصتها في ثلاث كلمات، ولكن هذه الكلمات نظرا لطبيعة هذه  السورة وخطورتها ليست كالكلمات الماضيات في السور الأخرى، هذه الكلمات هي :</p>
<p>أولا : الفاتحة أم الكتاب.</p>
<p>ثانيا : الفاتحة أم الأدب.</p>
<p>ثالثا : الفاتحة أم الدعاء والطلب.</p>
<p>الخلاصة الأولى  : الفاتحة أم الكتاب :  لأن تدبُّرَها والتحقق من مضامينها تدبُّرٌ لكليات الدين وتحقُّقٌ من رؤوس مسائل الكتاب، إذ مدارها على رؤوس وكليات ثـــلاث :</p>
<p>الكلية الأولى : كلية الإيمان بالله جل جلاله واليوم الآخر.</p>
<p>الكلية الثانية : كلية العبادة لله جل جلاله والاستعانة به.</p>
<p>الكلية الثالثة : كلية منهاج الله جل جلاله، ومَن اتبعه فاز، ومن أعرض عنه هلك مغضوبا عليه أو ضالا.</p>
<p>هذه الكليات الثلاث : كلية الإيمان وكلية العبادة وكلية المنهاج، القرآن كله يدور عليها، ومن هاهنا كانت هذه الفاتحة في مضمونها هي أُمّ الكتاب، كأن الكتاب منها توالد، ومن بطْنِها خرج {ولقد آتَينَاك سَبْعاً من المثانِي والقُرْآن العظيم} جُعِلَتِ السبعُ المثاني مستقلةً عن القرآن رغم أنها من هذا القرآن العظيم، ولكن لعظمتها أفردت ووُضعت بجانب القرآن العظيم، لأنها في حقيقتها تتضمن ما يتضمنه القرآن كله.</p>
<p>ذلك بأن القرآن إما أنه يتضمن حقائق الإيمان، وإما يتضمن حقائق العبادة، وإما يتضمن هذا المنهاج ممثلا في الأنواع الثلاثة : في المهديين الذين أنعم الله عليهم وفي المغضوب عليهم وفي الضالين.</p>
<p>واليوم الآخر ذكر هنا ضمن الحديث عن الله جل جلاله {ملك يوم الدين}.</p>
<p>والقرآن أحيانا يختصر الكلامَ عن الإيمان في الإيمان بالله جل جلاله وحده، وأحيانا في الإيمان بالله واليوم الآخر، كما قال في سورة البقرة {ومن النّاس من يقُول آمَنَّا بالله واليوم الآخر وما هم بمومنين}(البقرة : 8) لأنه ضمن أركان الإيمان بالغيب، والغيبُ المؤثر في قلب العبد وفي توجيهه هو الله جل جلاله أولا، ثم اليوم الآخر، هذان هما الركنان الأساسيان أما بقية الأركان فمنضوية تحت هذين الركنين.</p>
<p>فالرسل جاءوا بخبر، والكتب تضمنت الأخبار  والأوامر والنواهي، والملائكة نقلت ذلك إلى الرسل، وتقوم بوظائف في هذا الكون، والقدر يجري بما قُدِر، لكن الذي يراقب ويحاسب، والذي يرى العبد ماذا يصنع ويأخذه أخذ عزيز مقتدر والذي يحاسب هو الله، ويوم الحساب هو يوم العقاب ويوم الثواب، هذان الأمران مؤثران في قلب العبد جدا، فلذلك ذكرا هنا معاً. وبالخصوص الله جل جلاله.</p>
<p>وكلية المنهاج بالأخص نقطة مهمة، لأن الفوز والخسران منوطان به، فمن اتبعه فاز، ومن أعرض عنه هلك مغضوبا عليه أو ضالا.</p>
<p>من هاهنا كانت الفاتحة أم الكتاب فعلا وكان القصص القرآني يأخذ حظا كبيراً من القرآن الكريم سواء قصص النبيئين أو قصص الظلمة أو غير ذلك، وهذا الحظ الكبير  كله شارح للمنهاج في صورة أمثلة.</p>
<p>الخلاصة الثانية : الفاتحة أم الأدب لأن تدبُّرَها والتخلُّق بها تخلُّقٌ بأمهات الآداب، إذ مدارها على آداب ثلاثة :</p>
<p>&lt;أولا : أدب البدء والشروع {باسم الله}. وهو مفتاح الدخول إلى الملك، وإذن التصرف فيه وزر الاستفادة من الطاقة لتسخيره وتعميره.</p>
<p>&lt; ثانيا : أدب الانتهاء والختم : {الحمد لله} وهو ربط للنعم كلها بالمنعم، وأداء لحق التمتع بالنعم، وضامن استمرار النعم وصرف النقم.</p>
<p>&lt; ثالثا : أدب ما بين ذلك : ذكر الله؛ بالثناء عليه، والانطراح عبيدا بالاختيار بين يديه، وطلب التوفيق الدائم منه.</p>
<p>ولننظر إليها من هذه الزوايا الثلاث :</p>
<p>&gt; أولا : أدب البدء والشـروع &gt;بـاسم الله&lt; : فمفتاح الدخول إلى الملك باسم الله فإذا أردت أن تدخل إلى الملك فادْخُلْ إليه باسم مالكه وهو الله جل جلاله، وخذْ منه إذْنَ التصرف فيه، واضغط على زِرّ الاستفادة من الطاقة لتسخيره وتعميره.</p>
<p>ومن ها هنا يمكن القول إن الأمة حين أعرضت عن كتاب ربّها، وحين أعرضت عن الله ما كان يمكنها أن تُهْدى إلى شيء حتى في أمور الدنيا، الأمورُ التي إذا طلبها الكفار أُعطيت لهم، لكن إذا طلَبَها مَن كان ينبغي أن يكونوا مؤمنين حقا لا تُعْطَى لَهُم بل يعاقبون ويُحْرمون، لأن الطريقة التي هُدُوا إليْها ليطلُبُوا بها ذلك رفضُوها، وهي وحدها الطريق للتمكين والاستخلاف.</p>
<p>مراراً كنت أمثِّل بشخص  كلفناه بالحراسة في الباب، وقلنا له : لا يدخلن أحدٌ، فإن دخل أحدٌ ستُحَاسَبُ، ثم بعد ذلك دخل شخص. فهل يمكن أن يحاسبَ الناسُ الآخرون الذين لم يكلَّفُوا، هل يعقل؟!</p>
<p>هل يأتي أحد ليقول لهؤلاء لماذا دخل ذلك الشخص؟!</p>
<p>الأصل في الحساب أن يكون للمكلف.</p>
<p>والأمة الإسلامية هي المكلفة بعد محمد  بإقامة القسط في الأرض {لقد أرْسلنا رُسلنا بالبَيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}(الحديد : 25) أقام محمد  القسط بين الناس قبل أن يلتحق بربه وقال : &gt;فليبلْغ الشاهد الغائب&lt;(رواه البخاري) أي انحوا على هذا النحو، وكان ينبغي أن يستمر ذلك لكن الحقيقة الصارخة حسب مقاييس القرآن الكريم أن جميع أشكال الخلل الموجودة اليوم في الكرة الأرضية نحن المسؤولون عنها وليس اليهود ولا النصارى لأن المفروض في اليهود والنصارى أن يكونوا تبعا لنا وتحت ولايتنا، إما أن يكونوا قد أسلموا من زمان، أو يكونوا داخلين -أهل ذمّة- تحت الولاية العامة.</p>
<p>أما هذا الوضع المتردي فهو بسبب حالنا نحن، وهذا الفساد العظيم الواقع في الكرة الأرضية هو بسبب تخلِّينا عن وظيفتنا، لأننا نحن لم نقم بواجبنا في التكليف الرسمي الذي كُلِّفت به هذه الأمة، وهو الشهادة على الناس.</p>
<p>هذا هو الإشكال العظيم ولذلك أقول : زِرُّ الاستفادة من الطاقة بالنسبة لهذه الأمة تسخيراً وتعميراً لا يكون إلا بباسم الله، فأدب البدء والشروع هو {باسم الله} ويجب أن نذوقها ذوقا خاصّاً عميقا.</p>
<p>&gt; ثانيا أدب الانتهاء والختم الحمد لله : &gt;إن الله لَيَرْضَى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها&lt;(رواه مسلم).</p>
<p>{فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين}(الأنعام : 45) دائما عندما تنتهي الأمور تنتهي بالحمد لله، وإذا ذُكِرَت الحمد لله في البداية تُذْكر على أنّ العبد ينبغي له أن يُقِرَّ، وأن يصرّح بهذا الحمد، ويشعر بهذا الحمد، ويمارس هذا الحمد، لأن الله عز وجل في ذاته وصفاته أهلٌ لذلك، ولأن النعم التي هو غارق فيها هو وغيره هي من الله جل وعلا، فعمليا يقولها، أولا يُقر بأن الله تعالى أهلٌ للحمد، ويقولها في الأخير ليختم بها ما سبق، يختم بها شيئا موجوداً فهي أساسا للختم، هكذا الحال كذلك في آخر سورة الزمر {وترَى المَلائِكة حافِّين مِن حوْل العَرش يُسَبِّحون بحَمْدِ ربِّهم  وقُضي بيْنهُم بالحقِّ وقِيل الحَمْدُ للّهِ ربِّ العَالِمِين}(الزمر : 75) الكل يقولها.</p>
<p>بصفة عامة {الحمد لله} هي أدب الإنتهاء والختم من أي عمل، وتكون للشروع أيضا تصديقا على ما مضى فلا إشكال، ولكن حين نقابلُها بأدب البدء، يكون أدب البدء هو &gt;باسم الله&lt; وأدب الختم هو &gt;الحمد لله&lt; وهي ربط للنعم كلها بالمنعم.</p>
<p>لهذا وجب النظر في تدريس العلوم، وفي النظرة الإنسانية إلى الكون، فتدريس العلوم بصفة عامة، والنظر إلى الأشياء من حولنا كالنظر إلى النباتات وإلى الحيوانات وإلى الإنسان وإلى الجبال وإلى البحار وإلى الأنهار، وإلى أي شيء يجب أن يكون نظراً مرْبُوطاً بخالق ذلك الشيء الذي ينظر إليه، ننظر إلى الله من خلال خلق الله {إنّ في خَلٍْق السماوَاتِ والأرْض واخْتِلاف اللّيل والنّهار لآيات لأولِى الأَلْباب الذِين يذكُرون اللّه قياماً وقعوداً وعلى جُنوبِهم ويتفكّرُون في خلق السّماواتِ والأرْض}(آل عمران : 190- 191).</p>
<p>هذا التفكر في الخلق هو النقطة المركزية لأن فيه ربطاً للخلق بالخالق ومن ثمَّ لا يُقْبل النظر للخلق معزولاً عن الخالق، ولذلك كان هذا التدريس الذي يقع الآن في المؤسسات التعليمية لدى الغرب أو عندنا هو تدريسٌ ليس باسم الله، هو تدريسٌ معزول عن اسم الله، هو تدريس للأشياء معزولةٌ عن خالقها، وهذا فساد عظيم.</p>
<p>لذلك قلت الحمد لله ربْط للنعم كلها بالمنعم، وأداءٌ لحق التمتع بالنعم، وضمان لاستمرار النعم، وصَرْف النقم {لئنْ شَكَرْتُم لأزِيدَنَّكُم}(إبراهيم : 7).</p>
<p>فإذا كان هذا الحمد حقيقة، وإذا فعل العبد ما ينبغي ثم حمد الله على ذلك. يكون قد أدى حق المنعم عليه، وضمن استمرار النعم عليه وهذا شيءٌ عظيم.</p>
<p>&gt; ثالثا : أدب ما بَيْن ذلك، وهو : ذكرُ الله بالثناء عليه، والانطراح عبيداً بالاختيار بين يديه وطلبُ التوفيق الدائم منه.</p>
<p>هذا موجود في الفاتحة وهذا جسم الفاتحة.</p>
<p>هذا أدب ما بين البدء والختام : أن نذكر الله جل وعلا باستمرار؛ بالثناء عليه، والانطراح عبيدا بالاختيار بين يديه سبحانه، طالبين التوفيق الدائم، الطلب الدائم منه.</p>
<p>الخلاصة الثالثة : الفاتحة أمٌّ الدعاء والطلب، لأن تدبُّرَها والتمعُّن في أسلوبها ارتقاءٌ بالدعاء إلى أعلى الآفاق.</p>
<p>يجب أن نُحِسّ أن الفاتحة بكاملها عبارةٌ عن سؤال وعبارة عن طلب.</p>
<p>الفاتحة بكاملها دعاءٌ لكن هذا الدعاء لهُ أدبٌ، كيف يقدم؟ ها هي الطريقة موضوعة في شكل آفاق.</p>
<p>1- أفُق الاستحضار هو الأفُقٌ الأول : استحضارُ عظمة المولى جل وعلا في القلب جمالا وجلالاً، ربوبيةً ودينونةً ورحمة للعالمين، دنيا وأخرى، كل هذا في القسم الأول من {بسم الله الرحمان الرحيم.. إلى يوم الدين} واضحٌ وضُوح الشمس، أفُق الاستحضار، استحضار عظمة المولى.</p>
<p>فالأدب الأول في الدعاء هو الثناءُ على الله عز وجل أولا، ثم الصلاة على رسول الله  ثانيا ثم بعد ذلك تقول ما تريد، وتطلب ما تشاء.</p>
<p>لِم الثناء على الله عز وجل؟ لأن بذلك الكلام الذي تنطق به ثناء تستحضر الله جل جلاله في قلْبِك، وتستحضر عظمته سبحانه وتعالى، فيحضر الله عز وجل في قلبك فتَقرب وتُصْبح مهيّئاً لأن تنطق نطقا خالصا، لأن تقدم حاجتك وأنت في غاية التهيؤ.</p>
<p>هذه الأولى أفق الاستحضار، بمعنى أن العبد إذا جاء يطلب ويدعو وهو غافل عمَّا يقول، والله جل جلاله مازال لم يحضر في قلبه فإنه يكون بعيداً عن الإجابة.</p>
<p>ينبغي إذن أن يثني على الله عز وجل بكلام حتى يُحِس أنه صار بين يدي الله عز وجل، وأنه أصبح قريبًا منه. هذا المعنى لابد أن يُذاق وهذا الأفق  لابد أن يُرْتَقى.</p>
<p>يجب أن تذوق معنى {رب العالمين} ويجب أن تذوق {الرحمان الرحيم} ويجب أن تذوُّق {ملك يوم الدّين} يجب أن تذوقها تذوقا صحيحا وبذلك التَّتَابع ليحصل لك هذا الذكر الخاص الذي يهيء قلبك عمليا لأن يَطْلُب من ربه. إنه استحضار عظمة المولى في القلب جمالا وجلالا.</p>
<p>2- أفق الإقرار : إقرار العبيد كفاحا أي مواجهة، بذلتهم طائعين بين يدي العظيم، وضعفهم عاجزين بين يدي القدير، هذا العظيم القدير الذي استحضروه قبل، في الأفق الأول.</p>
<p>ويتجلى هذا الأفق في {إياك نعبد وإياك نستعين} لماذا جاء هذا الخطاب الآن لماذا جاءت إياك؟ لماذا وقع هذا الالتفات؟ من الغيبة إلى الحضور؟ لأن العبد ما بقي في غفلة، وما بقي في المرحلة التي يتحدث فيها عن شيء غائب، بل أصبح الآن في مو اجهة ربّه، قلبه أصبح الآن في مواجهة ربه ويمكنه مباشرة أن يتكلم معه {إياك} أفق الإقرار : إقرار العبيد مباشرة، مواجهة كفاحا بذلتهم، طائعين بين يدي العظيم، واقراراً بضعفهم عاجزين بين يدي القدير.</p>
<p>هذا المقطع يعني واقعًا، أن الأمر يتطور  : أفق الاستحضار هو ا لأفق الأول وهو أطول، والأفق الثاني : أفق الإقرار وهو أقصر من الأول، ولكن فيه التفاتٌ واضح إلى أنه الآن أصبح في البؤرة.</p>
<p>إذن ماذا بعد الآن، فليقدِّمْ طلبَهُ، وهو الأفق الثالث.</p>
<p>3-  أفق الاهتداء إلى منهاج المنعم عليهم من المصطفين الأخيار وذلك هو الفوز المبين طريقا ورفيقا، حالا ومآلا، وذلك يعني أنه لم يبق إلا تقديم الطلب الخاص الذي فيه : طلب الاهتداء إلى المنهاج، منهاج المنعم عليهم من الصفوة، منهاج الصفوة {ومَنْ يُطِع اللّه والرَّسُول فأُولَئِك مع الذِينَ أنْعم اللّه عليْهم مِن النَّبِيين والصّدِّيقين والشّهداء والصالحين وحسُنَ أولَئِك رفيقاً}(النساء : 69) منهاج المنعم عليهم من المُصْطفين الأخيار، وذلك هو الفوز المبين طريقا ورفيقا {وحَسُنَ أُولَئِك رفيقاً} وهو صراط الذين أنعم الله عليهم حالا في الدنيا ومآلا في الآخرة بالاهتداء إلى الصراط المستقيم الموصل إلى كل نعمة. والحمد لله رب العالمين.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%aa%d8%ad/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المدثر</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%ab%d8%b1/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%ab%d8%b1/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 27 Sep 2010 09:07:34 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 275]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[المدثر]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي ف]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6386</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المدثر د. الشاهد البوشيخي الهدى المنهاجي في سورة المدثر يمكن تبيينه في النقط التالية  : النقطة الأولى : إذا تحقق عبد الله من ما باسم ربه قرأ، وتخلّق متبتِّلاً إلى ربّه بما منه تحقق، لم يبق له إلا توديع الإدّثار للقيام بالإنذار : واضح أن هذه النقطة مترتبة على [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المدثر</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>الهدى المنهاجي في سورة المدثر يمكن تبيينه في النقط التالية  :</p>
<p>النقطة الأولى : إذا تحقق عبد الله من ما باسم ربه قرأ، وتخلّق متبتِّلاً إلى ربّه بما منه تحقق، لم يبق له إلا توديع الإدّثار للقيام بالإنذار :</p>
<p>واضح أن هذه النقطة مترتبة على آية المطلع، وعلى ما سبق في مطلع سورة العلق، ومطلع سورة المزمل؛ كأننا بهذه الآية نبتدئ مرحلة جديدة بعد مرحلة القراءة باسم ربنا، وبعد مرحلة قيام الليل، واستيعاب العمل بتلك القراءة في خاصة النفس، للتخُّلق بمقتضى تلك القراءة.</p>
<p>فإذا حدث ذلك وجب أن ينتقل العبد إلى مرحلة الإنذار.</p>
<p>ومعلوم أن الإنذار في كتاب الله عز وجل سار، كما سنرى، حسب ترتيب معين :</p>
<p>جاء الأمر عاما أولا كما في هذه السورة.</p>
<p>ثم بعد ذلك جاء {وأنذر عشيرتك الأَقْرَبين}(الشعراء : 24).</p>
<p>ثم بعد ذلك جاء {لتُنْذر أُمَّ القُرَى ومن حولها}(الشورى : 7).</p>
<p>ثم بعد ذلك جاء {لتُنْذر قوماً ماأتاهم من نذير من قَبْلك}.</p>
<p>ثم بعد ذلك جاء {ليَكُون للعالمين نذيرا}(الفرقان : 1) وهذا يجلِّي خاصية التدرج في تنزيل هذا الدين وتطبيقه والعمل به ولَهُ.</p>
<p>النقطة الثانية : صفات المنذر  خمسٌ عزائم، هُنَّ الزَّاد العاصم من القواصم :</p>
<p>&gt; الصفة الأولى : التكبير : تكبير ربه في قلبه على كل ما سواه. وهذه رأس الزاد، وعيْنُ المدد. فالله جل وعلا بعد أن قال : &gt;{يا أيها المدثر قم فأنذر} قال : {وربّك فكبّر وثيابك فطهِّرْ والزجز فاهْجُر، ولا تَمْنُن تستكثر، ولرَبِّك فاصبر} هذه الآيات/الصفات بمثابة زاد الداعية، زاد المصلح، زاد المنذر، زاد العبد الذي ينهض للقيام بما قام به رسول الله  أول مرة. هذه هي الزاد، وأول هذا الزاد هو تكبير الله جلّ وعلا في القلب، هذا التكبير يعني : ألا يبقى في قلب العبد شيء يكون أكبر من الله، ولا شيء ينافس الله، ويشاركه سبحانه في الأكبريّة في قلب العبد.</p>
<p>فقلب العبد يجب أن يخْلُص لله عز وجل في استيقانه بأن الله جل جلاله هو الأكبر مطلقا، فلا كبير أكبر منه، ولا كبير معه.</p>
<p>ومعنى ذلك أن تصير هذه الأكبرية يقينا عند العبد، ولابد لهذا اليقين من مقتضيات في الواقع، يصبح معها ما جاء من عند الله هو الأكبر دوما. هذه التشريعات هي أكبر من سواها من تشريعات بني آدم، والأخلاق التي هدى الله عز وجل هي أكبر وأحسن من جميع الأخلاق&#8230;، أي أن  كل ما جاء من عند الله، هو دائما أكبر وأفضل وأحسن مما سواه، وينبغي أن يُقَدَّم عند التعارض على ما سواه.</p>
<p>ومتى استقرت هذه الحقيقة، فإن العبد لا يحتاج إلى أن يُحْدِث هذه المعادلات، وهذه الترجيحات، بل إذا حدث شيء فإنه يتجه جهة الأكبر : جهة الله جلّ جلاله تلقائيا. وهذا الأمر في التفكير، وفي التعبير، وفي التدبير، أي في جميع جوانب تصرفات العبد على جميع المستويات، لأنه  لا شيء أكبر من الله، كل شيء صغيرٌ أمام الله عز وجل، والله وحدهُ المتفرِّد بالأكبرية.</p>
<p>وهذه الحقيقة لا تستقر بسرعة في قلب العبد، فلا بد من التدرُّج.</p>
<p>ومما يدل على ذلك كوْن شعيرة الصلاة -التي هي عمود الدين- تتردَّدُ فيها باستمرار، كلمة &#8220;الله أكبر&#8221;؛ الله أكبر في القيام، وفي الركوع، وفي السجود، وهكذا، والصلاة بطبيعتها متكررة، كأن العبد يغفُل كثيرا عن هذه الحقيقة، ولا يستيقنها في قلبه كما ينبغي، ولا يطبّقها في حياته كما ينبغي، فينبغي أن يُذكَّر بها كثيرا وفي كل حين. هذا الذي يفهم من هذا التكرير الكثير ثم إنها هي رأس الزاد، وعين المدد، وهي المنطلق وكل ما سواها تبعٌ لها، من تطهير الثياب، أو هجر الرجز، أو العطاء بلا عد ولا حد، أو الصبر ابتغاء مرضاة الله، كل ذلك سبَبُه أن هذه  الحقيقة قد استقرت في القلب، حقيقة أن الله أكْبَر، ولذلك يهون  كُلّ  شيء، ويسهُل كل شيء، لأنه يُفْعَل بإذن رب كل شيء، وبحوْل ربِّ كل شيء، سبحانه.</p>
<p>&gt; الصفة الثانية : التطهير: تطهير ذات المنذر، تطهير ذاته قلْبًا وقالبا؛ بالتحلي بالخُُلق الحسن، وهذه هي الدرع الواقية للداعية، والحصنُ الحصين الذي يقطع الطريق على كل الشياطين.</p>
<p>التطهير الذاتي قلباً وقالبا بالتحلي بالخلق الحسن؛ ذلك بأن الإسلام يصنع النموذج، النموذج المحمي بالسنة. والعبدُ حين يعيش في إطار السنة، أي يعيش في إطار ما شرع الله جلّ وعلا يكون محْمِيًّا، يكون محفوظا، ولا يتسرب إليه البلاء والخطر إلا إذا خرِقت الجُنّة  أي إذا حدث ثُقْب في هذا الدرع الواقي الذي هو حياة السنة، أي الحياة وفق الشرع، وفق شرع الله عز وجل، إذا حدث ذلك كانت الحياة كلها أجرا -مأجوراً عليها- حتى النوم، وحتى إتيان الشهوات الحلال كما قال  : &gt;وفي بضع أحدكم صدقة قالوا : أيأتي أحدنا شهوته يا رسول الله ويكون له أجر قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إن وضعها في الحلال كان له أجراً&lt;(رواه مسلم). وإن اجتهد في إطار الشرع يكون مأجوراً أيضا، ويكون محفوظا من الشياطين، محفوظا بالملائكة الذين سخرهم الله تعالى للمؤمنين، يستغفرون لهم ويحمونهم ويحفظونهم.</p>
<p>إذن هذا السلاح : سلاح تطهير الذات قلبا وقالبا بالتحلي بالخلق الحسن هو التحدي، فإذا وُجد الخلق الحسن فإنه يصعب اختراقُ العبد، ويصعب بيعه أو شراؤه، لأنه لا يباع ولا يشترى، ولا يمكن أن يُتخذ مطية لأخذ أسرار المسلمين، ولا يمكن أن يُرتشى أو يُغرى، فكل الوسائل لا تنفع فيه لأنه بناء من طراز خاص، لا يُبنى بغير الإسلام، ويعْسُر ويتعذر أن يُبنى بغير شرع الله، فكأنه قيل : إذا كَبّرْت الله، فتطهّر مما لا يرضي الله عز وجل، أي تخَلّق بالخلق الحسن الذي يرضي الله.</p>
<p>وتطهير الثياب كناية عن هذا تعبير عربي مشهور. جاء في بيْت عنترة المشهور :</p>
<p>فشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأصم ثِيَابَهُ</p>
<p>ليْسَ الكَرِيمُ على القَنا بمحرم</p>
<p>الثياب هي تعبير لغوي يعبر عن الكيان جملة {وثيابك فطهر} يعني طهر نفسك مطلقاً وبصفة عامة، وتخلَّق بالأخلاق الحسنة، وابتعد عن الرذائل، هذا التطهير هو الدرع الواقية للداعية، والحصن الحصين الذي يقطع الطريق على كل الشياطين، وهو في غاية الأهمية لأنه قبل أن يتم هذا التخلُّق يكون العبد مفتوحا مفضوحا يمكن النفاذ إليه من كل جهة.</p>
<p>&gt; الصفة الثالثة : هجر الرجز : أي اجتناب كل ما هو رجس من الأوثان إلى كل ما يضطرب ويحيكُ في الصدر من الآثام وهذه التي تمنع من خرق الجُنَّة، وتحفظ الداعية إلى الله عز وجل من التلطخ بأوساخ البيئة والتلوث بها بصفة عامة. فإذا أنت تحليت بالخلق الحسن فينبغي أيضا أن تهجر كل ما يوجد في البيئة مما لا تطمئن إليه النفس فـ&gt;البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك&lt;(رواه أحمد) أي اضطرب وتردَّد &gt;وكرهت أن يطلع عليه الناس&lt;، أو كما قال .</p>
<p>الرجز فُسّر بالأوثان والأصنام،  وفسر بالعذاب، وفُسر بالأوثان والأصنام لأنها تؤدي إلى العذاب. ولكن بالتتبع للَّفظة في الاستعمالات اللغوية بصفة عامة يظهر بجلاء أن محورها الذي تدور عليه هو الاضطراب. يقال : شيء رجز بمعنى يضطرب ولا يستقر، وكأن الأشياء التي لا يطمئن قلب المؤمن إليها، فيها شيء، فيها إثم لا ينبغي أن تُجارى وإن فعلها الناس في البيئة، فكل ما لا ترتاح إليه نفس المؤمن، ولا تسكن ولا تطمئن إليه يبنغي أن يُهْجُر.</p>
<p>وهكذا فإذا ذهبنا مع اللفظة العربية، وفهمنا هذه الآية على مقتضى الاستعمال العربي للفظة الرجز في القرآن الكريم نفسه فإنّا نجد أن الرجز دائما يدور على معنى الاضطراب، حتى في العذاب الذي ينزل بالناس ينزل بهذا المعنى {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السّماء بما كانوا يفسقون}(البقرة : 59) يعني شيء فيه اضطراب.</p>
<p>والرجز يستعمل في الرعد أيضا، ويستعمل في ما يشبه ذلك فيما فيه تردد واضطراب وزلزلة، فكأن هذه الصفة أعلى من سابقتها.</p>
<p>فإذا كانت  صفة التطهير تتجه إلى أنه ينبغي أن يكون خلق المؤمن &#8211; أي خلق الداعية إلى الله- حسنا صالحا، فإن هذه الصيغة (صيغة هجران الرجز) التي تْتلو بعدُ تتّجه ليس إلى النفس في ذاتها -كما في صفة التطهير- بل في علاقة الداعية بما تفعله البيئة من الأشياء غير الصالحة التي يجب أن يهجرها.</p>
<p>إذا كانت صفة التطهير عليه أن يفعلها، فهذه عليه أن يهجُرها ويترُكها. ولذلك قلت : هذه تمنع من خرق الجُنة التي اكتسبها العبد بالصفة الثانية، وتحفظ الداعية إلى الله عز وجل من التلوث بأوساخ البيئة، وهذا كله يعطيه تميزا، ويعطيه صفاء.</p>
<p>&gt; الصفة الرابعة : العطاء بلا عَدٍّ ولا حَدٍّ : أي لا يمكن عدُّ هذا العطاء ولا يمكن حدُّه أيضا، فهو عطاء لا يقف.</p>
<p>هذه الصفة هي التي تجعل من الداعية إلى الله عز وجل نبْعاً دائم الجريان، ونجْما شديدَ اللمعان، لا يعروه فتور، ولا يقربه قصور،  لأن هذا الإشكال  كثيرا ما يحدث في حال الذي يسير إلى ربه، هذا التوجيه الإلهي في الصفة الرابعة للمنذر يدفعه إلى أن يحافظ على السرعة الممتازة باستمرار في السير. بل يدفعه إلى أقصى ما يستطيع، وهي قوله تعالى : {ولا تَمْنُن تستكثر}.</p>
<p>وقد فسرت، لا تمنن تفسيرات أهمها فيما راجعت : لا تمُنّ بما فعلت تسْتَكْثر بذلك على الناس.</p>
<p>فُسِّرت بـ&#8221;لا تعط رجاء أن تأخذ من الآخرين أكثر مما أعطيت&#8221;.</p>
<p>ولكن المن في اللغة العربية -سواء عند العالم اللغوي المشهور الذي اهتم بأصول الدلالات العربية وهو ابن فارس في المقاييس، أو في معجم الراغب الأصفهاني الذي لا أملُّ من التنويه به لأنه اهتم بالدلالة القرآنية خاصة- يرشد إلى غير هذا.</p>
<p>جاء عند الراغب أن المنة هي النعمة الثقيلة، وليست النعمة العادية : وانطلق أساساً من أن المن هو ما يوزن ويثنى، وغير ممنون :  غير موزون، بمعنى أن الأشياء التي يوزن بها، والتي توزن هي الأشياءُ الثقيلة في أصلها.</p>
<p>هذا شيء نربطه مع شيء آخر هو معنى القطع، إذ المَنُّ هو القطع أيضا، وسبق الكلام قبل في {وإن لك لأجْرًا غير ممنون}(القلم : 3) معناه : وإن لك لأجرا مستمرا، غير مقطوع.</p>
<p>{لا تَمْنُن} يعني لا تقطع، واصِل باستمرار، لا تقطع ترى أنك قد فعلت الكثير، بل استمر باذلا إلى أقصى ما تستطيع، امْنُن {هذا عطاؤُنا فامْنُن أو أمْسِك بغَيْر حساب}(ص : 39) لذلك قلت إن هذه الصفة مهمة جدا، فينبغي أن يجتهد عبد الله في التحَلِّي بها ليستطيع الوفاء، ليستطيع أن يُنْذر حقا كما أنذر رسول الله ، يبذل بلا حساب ويُعطي بلا حساب، ولا يرى يوما أنه قد فعل شيئا، أو أنه قد فعل الكثير فيكفي. إذ لاتوجد لفظة &#8220;يكفي&#8221; في السير إلى الله عز وجل والدعوة إلى الله عزو جل. بل إياك إياك أن تمنن مستكثرا لفعلك. وهي الصفة التي تجعل من الداعية نبْعًا دائم الجريان، دائم العمل باذلا باستمرار لا ينقطع ولا يعرف الانقطاع {واعبد ربك حتى ياتيك اليقين}(الحجر : 99) مستمرا على البذل حتى الموت.</p>
<p>&gt; الصفة الخامسة : الصبر لربه :</p>
<p>وهاته هي الضامنة لاستمرار السوابق، فلا يحافظ على استمرار الصفات السابقة إلا بالصبر، والصبر عادة في القرآن الكريم يأتي في الأخير بدءا من سورة الصبر {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} تتبعوا الآيات التي فيها صفات تجدون في الأخير {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}(الرعد : 24) أيضا في عباد الرحمان تجدوا الصبر في الأخير {أولائك يجزون الغرفة بما صبروا}(الفرقان :75) لأن الصبر هو الصفة التي تضمن استمرار الصفات الأخرى، ولذلك تأتي في الخواتم، فهي ضامنة استمرار السوابق، ومانعة نزول الصواعق.</p>
<p>هذه الصفة تمنع من أن تنزل البلايا الماحقة، قد تأتي فتن التّنْقية، أو فتن التّرقية، أو فتن التّقوية، لكنّ فتن الهلاك لا تأتي مع هذه الصفة بإذن الله تعالى.</p>
<p>فهذه الصفات الخمس ضرورية كلها على ترتُّبها، ضروريةٌ للعبد الذي هيأه الله عز وجل ووفقه للانذار، والاستجابة لهذا النداء الرباني {يا أيها المدّثر قم فأنذر}.</p>
<p>وهذه الآيات السبع  هي التي على أساسها رُتبت السورة في النزول، فكانت من أوائل ما نزل على رسول الله ، وفيها الحديث المشهور الذي فيه، فإذا الملك الذي جاءني بحرّاء لأن بعض العلماء جعلوا هذه السورة أول ما نزل على رسول الله  أخذا من حديث في صحيح الإمام البخاري لكن نفس الحديث في صحيح الإمام مسلم فيه هذه الزيادة التي توضِّحُ المقصود فضلا عن الحديث الخاص بنزول سورة العلق المتفق عليه.</p>
<p>بعد هذا اتجهت السورة وجهة كاملة منسجمة مع بعضها صيغت نقطها على الشكل التالي :</p>
<p>النقطة الثالثة :  إذا بدأ الإنذار بدأ الاستكبار، وهذا في  غاية المنطقية، ولا يفتر أصحابه عن المكر حتى يأتيهم اليقين فيكون منتهاهم النار :</p>
<p>أقول إذا بدأ الإنذار بدأ الاستكبار بمعنى أنه عندما يظهر في بيئة ما من يدعو إلى الله بصدق، وينذر الناس من الخطر الذي يتَهَدَّدُهم في الدنيا، والخطر الأعظم الذي يتهددهم في الآخرة. فإنه تلقائيا ردًّا لهذا الفعل يظْهَرُ ناسٌ أو أفراد، ثم بعْدُ مجموعات بشرية ترفض هذه الدعوة، وترفض أن يقال لها هذا نهائيا، وتستكبر، ترى نفسها أكبر من أن يقال لها هذا أو أن تُذعنُ له، ولذلك أسباب ستأتي بعد.</p>
<p>ومما يستفاد من هذه النقطة أن الدعوة تشتغل بالفعل وغيْرُها هو الذي يشتغل برَدِّ الفعل، فهذه نقطة تحتاج إلى التأمل.</p>
<p>النقطة الرابعة : من مظاهر الاستكبار التي ذكــرت فـــــي هذه السورة :</p>
<p>&gt; أولا  : من مظاهر الاستكبار :</p>
<p>- المظهر الأول : الكفر بالدين، وهو أول ما تشير إليه الآيات بطريقة مباشرة بعد هذه السبع آيات من {فإذا نُقِر في النَّاقُور فذلك يومئذ يومٌ عسِيرٌ على الكافرين غيرُ يسِير}.</p>
<p>وهو لا يتجه إلى أن يحدثنا عن رد الفعل لتلك النذارة بالشكل المباشر، ولكن يتجه إلى تخوِّيف هولاء الذين كان لهم هذا النوع من الردِّ، تخوّفهم من يوم القيامة.</p>
<p>- المظهر الثاني : التشغيل المركَّزُ للفِكر من أجل اختلاق مطْعَنٍ في ربانية القرآن الكريم.</p>
<p>وذلك واضح في هذا المشهد الذي تصوره هذه السورة  : مشهد الوليد بن المغيرة وهو يفكر ويقدر، ويتقدم ويتأخر، وينظر، ويعبس، ويبسر، إلى غير ذلك مما يدل على جهد كبير قد بذله هذا الرجل ليخرج بنتيجة هي : {إنْ هذا إلا سحرٌ يُوثر إن هذا إلا قَوْلُ البشر} بعد معاناة فكرية كبيرة.</p>
<p>فالوليد عندما سمع من رسول الله  القرآن، بدَا له أنه ليس بشعر، وليس بكهانة، وأنه يخالف الكلام الذي ألفه العرب، بجميع أشكاله، ولكن قومه أحرجوه، عندما اتهموه بالصَّبأ أي الخروج من الدين : هل صبأت؟</p>
<p>ولينفي عن نفسه هذه التهمة ظل يفكر ويقدِّر، وبدل أن يتَّجه الوجهة الصالحة اتجه الوجهة السيئة للأسف، وبدأ يشغل فكره بأقصى طاقة ليصل إلى النتيجة السيئة التي تسستخدمها البيئة بكاملها في حرب دعوة رسول الله  {إن هذا إلاَّ سحْرٌ يوثر}.</p>
<p>هذا أيضا من مظاهر الاستكبار في زماننا : فكم من دُور نشْر تشتغل؟! وكم من قنوات تشتغل؟! وكم من مراكز البحوث والدراسات تشتغل؟! وكم من عقول تذوب من أجل البحث عن وسائل لوقف هذا المد الإسلامي الناهض؟!، ووقف هذا الدين الصاعد؟!. ما القصة؟ كيف؟</p>
<p>إنها تشتغل ليل نهار، ولكن تبقى دائما قاعدة : &#8220;الله أكبر&#8221;. &#8220;الله أكبر&#8221;.</p>
<p>فهذا من المظاهر {إنه كان لآياتنا عنيدا، سأرهقه صعودا، إنه فكر و قدر، فقتل كيف قدّر، ثم قتل كيف قدّر، ثم نَظَر، ثم عبس وبسَر، ثم أدْبر واسْتَكبر} فوَلَد هذا الموْلُود {فقال إن هذا إلاَّ سحرٌ يوثر، إن هذا إلاَّ قَوْلُ البشر}.</p>
<p>فأقول : هذه الصورة الناطقة المشخّصة لحال هذا المستكبر الذي أدبر واستكبر، تدل على أنه قد عانى معاناة كبيرة ليخرج بهذه النتيجة التي يطعن بها في ربانية القرآن الكريم وأنه ليس من عند الله بل هو كلام البشر {إن هذا إلا قَوْلُ البشر}.</p>
<p>وهذا الأمر نعرف جميعا أنه من مجهود الاستشراق الغربي الليبرالي والاستشراق الماركسي، والاستغراب الماركسي، والاستغراب الليبرالي، كل أولئك بذلوا ويبذلون مجهودات جبارة للطَّعْن في ربانية القرآن الكريم، ولكن عبثا يحاولون {إنا نحن نزَّلْنا الذِّكر وإنّـا له لحَافظون}(الحجر : 9).</p>
<p>- المظهر الثالث  : عدم الصلاة لرب العالمين.</p>
<p>في آخر السورة {ما سلككم في سقر قالوا لم نكُ من الـمُـصلين} الصلاة لرب العالمين، أكبر مظهر لذِّلة الخضوع، والإذعان لرب الملك الصلاة، بمظهر الركوع، مظهر السجود &gt;أقرب ما يكونُ العبد من ربه وهُو ساجد فأكثروا الدعاء&lt;(رواه مسلم) مظهر الذلة، ومظهر الخضوع لرب الملك.</p>
<p>المستكبرون يرفضون الصلاة، وهي من أشق ما يشق عليهم، فلذلك كان رفضهم للصلاة مظهراً من مظاهر الاستكبار. والسورة تذكر هذه المظاهر تباعا، وأنها المظاهر التي أدْخَلتهم وورثتهم سقر.</p>
<p>ولكن ماذا يعني هذا؟ يعني من زاوية أخرى أن الصلاة فيها السِّرُّ كله في الربط بين العبد وربه، وفي النجاة، لأن عن طريقها يمر الخير، يكون الاتصال بالله جل وعلا، فالذي يرفض الاتصال ينقطع، ينْبَتُّ، فينتهي إلى جهنم.</p>
<p>- المظهر الرابع : عدم إطعام المسكين : أتى مباشرة بعد عدم الصلاة {لم نك من المُصَلِّين، ولم نك نُطْعِم المسكين} يعني من استكبارهم أيضا عدم الالتفات للمساكين، وعدم إطعامهم.</p>
<p>وسنرى مشهدا من المشاهد في سورة &#8220;عبس&#8221; {عبس وتولَّى أن جاءه الأَعْمَى وما يُدْرِيك لعله يزَّكَى أو يذكر فتنفعه الذِّكْرى، أمّا من اسْتغنى فأنْت له تصَّدَّى وما عليك ألاَّ يَزّكّى}.</p>
<p>الكبراء والوجهاء لا يريدون أن ينزلوا إلى مُستَوى الفقراء ومستوى البسطاء، وهذه الحالة تمنع من إطعام الطعام للفقراء، وتجعل في القلب قسوة، لأن إطعام المساكين هو نتيجة رقَّةٍ في القلب تُشعر الإنسان بحال هذا المسكين، وهي رقة يُنشئُها الإيمان، ويقَوِّيها، ويرَسِّخها، حين يقول  : &gt;والله لا يومن، والله لا يومن، والله لا يومن، من بات شبعان وجارُه جوعانُ&lt; أو كما قال . عدم إطعام المسكين يُـدخل إلى النا ر {أرأيت الذي يكذب بالدين فذَلك الذي يدُعُّ اليتيم ولا يحُضُّ على طعام المسْكين}.</p>
<p>هذه من الكليات في هذا الدين، الفقراء المستضعفون المحتاجون، المحرومون، هؤلاء جميعا رحمهم هذا الدين وألَحَّتْ السورة على حل مشكلتهم في البدايات واهتمت بهم في البدايات  وجعلت هذا الفرض في المال، يأتي بعد الفرض في البدن، الزكاة تأتي بعد الصلاة، وفي البدايات هذه الصلاة يأتي بعدها الإطعام، أو الحض على المسكين، أو إطعام المسكين {والذين في أموالهم حق معْلُوم للسَّائٍل والمحروم}(المعارج : 23 &#8211; 25)  فعدم إطعامُ المسكين من مظاهر الاستكبار أيضا.</p>
<p>ومن أشكال الانحراف المعاصر على سبيل المثال، حفاظا على السوق لتبقى في مستوى بعينه، خيراتٌ كثيرة تُـلْقى في البحر. المساكين في إفريقيا، في آسيا، كان يمكن أن يعطى  لهم ذلك فيستفيدوا منه، فيشبعوا ويتمتعوا، ولكن حفاظا على السوق، وعلى مستوى الكبراء، كل ذلك يُحْرق أو يُغَرّق، فينتهي، ولا يعطى للمساكين!!!.</p>
<p>- المظهر الخامس : الخوض مع الخائضين في غير ما يرضي رب العالمين -بصفة عامة- لفظة الخوض في كتاب الله عز وجل تعني الشروع في أمْرٍ ليس بحميد، أمْرٍ غير حسن، ولكن هنا المقصود أساسا {وكنا نخوض مع الخائضين} معناه : نخُوض مع الخائضين في أمُور الباطل، أمُور الضلال، أمور الكفر، والأشياء التي لا ترضي الله عز وجل، الأمور التي نهى عنها الله عز وجل. أمور الرجس، فهذا هو المعنى.</p>
<p>وأيضا : مصاحبةُ الفاسدين المفسدين {ويوم يعضّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذتُ مع الرَّسول سبيلا ياويْلََتَى ليتني لم أتَّخِذْ فُلانا خَليلاً لقد أضلّني عن الذِّكر بعد إذ جاءني}(الفرقان : 29)، مشكل الخُلطة، مشكل المجموعة التي يخالطها العبد، فهذا الخوض مع الخائضين منهيٌّ عنه طبعا، وهو من مظاهر الاستكبار، لأنه يقوي تلك الجبهة، ويكثر سوادها.</p>
<p>- المظهر السادس : التكذيب بيوم الدين {وما يكذب به إلا كل معتد أثيم} لأن الذي يصدِّقُ بيوم الدين يحسب له الحساب عمليا، إذا حدث هذا التصديق فإن العبد ينْتَصِفُ من نفسه، لأنه يضع في حسابه بيقين أنه ملاقي الله عز وجل، سيلقى الله تعالى، وسيحاسبه على النقير والقطمير، فلذلك هؤلاء المستكبرون يُلْغون من حسابهم وجود يوم آخر، وأنهم سيحاسبُون، وأن هناك يوم دين، ويوم حساب، ويوم الخضوع، يوم الدينونة للملك الديان سبحانه وتعالى {وكُنّا نكذِّبُ بيَوْم الدين} ظلوا على هذه الحالة حتى أتاهم اليقين.</p>
<p>- المظهر السابع : الإعراض بشدة، والفرار بقوة من المذكِّرين. وهذا أيضا من المظاهر التي نراها عيانا {وإذا ذُكِر اللَّه وحْدَه اشْمأزّت قُلوب الذين لا يومنون بالآخرة}(الزمر : 42) إذا جاء مذكِّرٌ ليذكر مستكبرا أو جماعة من المستكبرين ما الذي يحدث؟ يقع الإعراض بشدة {فما لَهُم عن التَّذِْكرة مُعرضين} ويقع الفرارُ بقوة من هذا المذكّر {كأنهم حُمُر مُستنفرةٌ فرَّت من قسورة} كأنهم الحُمر الوحْشيّة التي نُفِّرت من أسَدٍ هصُور، عندما رأت الأسد فرَّت في كل الاتجاهات، يُـشَبِّهُهم الله جل وعلا بأنهم يفرُّون ممّن يذكِّـرهم {فما لهم عن التَّذْكرة مُعْرضين} مع أن هذا لمصْلَحتِهم، ولنفعهم، ليس فيه شيء فيه مضرةٌ لهم، ومع ذلك {استكباراً في الأرض ومَكْر السيء}(فاطر : 43). يقع هذا الإعراض بشدة، والفرار بقوة من المذكرين.</p>
<p>هذه مظاهر الاستكبار التي ذكرت في هذه السورة.</p>
<p>النقطة الخامسة : من أسباب الاستكبار التي ذكرت في هذه السورة :</p>
<p>- السبب الأول : المال الممدود والبنون الشهود. أي : الاعتزاز بالمال والولد والجاه :{وجعلت له مالاً ممدودا} مال كثيرٌ {وبنين شهودا} أي جعلْتُ له كذلك قوَّةً بشرية حاضرة جاهزة يتقوى بها فعنده فتنتان خطيرتان : المال والجاه.</p>
<p>- السبب الثاني : الأنانية الطاغية : ويظهر ذلك في قوله تعالى : {بلْ يُرِيد كلُّ امرئٍ مِنْهُم أن يُوتى صُحُفا منشّرة}.</p>
<p>ها هنا أيضا سببٌ من أسباب الاستكبار : الأنانية الطاغية التي ظهرت، {بل يُريد كل امْرِئ منهُمْ أن يُوتى صُحُفاً مُنَشّّرة} فكل واحد من المستكبرين يريد أن يكون مِثْلَ الرسول؟! ويجب على الله أن ينزل عليه الصحف والرسالة!!.</p>
<p>هذه الأنانية الطاغية من مظاهر الاستكبار بصفة عامة.</p>
<p>- السبب الثالث : عدَمُ الخوف من الآخرة : {كلاَّ بَل لاَّ يخَافُون الآخرة}  لأنهم لا يومنون بها أصلا، فلذلك لا يخافون منها فينتج عن ذلك استكبار في الأرض.</p>
<p>النقطة السادسة : ما يعالج به الاستكبار مما ذكر في هذه السورة :</p>
<p>- العلاج الأول : التخويف بأهوال يوم القيامة عسى أن يتأثر المستكبرون فيرتدعون ويتوبون، لأن الله جل وعلا خوّف الكافرين من ذلك اليوم {فإذا نُقِر في الناقور فذلك يومئذ يومٌ عسير على الكافرين غيرُ يسير} وهذا الأمر موجود في سور أخرى بتوسع، ولكن الآن بدأت الإشارة إليه بهذا الشكل.</p>
<p>- العلاج الثاني : التخويف بسَلْب النعم، وتعويضها بالنقم، وهي المذكورة في أول المشهد الذي يصوِّر حالة الوليد بن المغيرة {ذرني ومنْ خَلَقْتُ وحيدا} خلقته وحده، ولم يكن معه  مَالٌ، ولا ولَدٌ، ولا أيُّ شَيْء، خرج من بطن أمه وحيدا {ذرْنِي ومن خلقْتُ وحيدا، وجعلت له} أنا الذي جعلت {وجعلت له مالاً ممدودا، وبنين شهودا} حضورا دائما معه {ومهَّدتُّ له تمهيدًا} يسرت له كل الأمور {ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان  لآياتنا عنيدا سأُرْهِقه صعُودًا}.</p>
<p>كان المطلوب أن يشكر هذه النعم فيؤمن بالحق الذي جاء من عند الله عز وجل ولا يستكبر، ولكنه لم يفعل ذلك، فيجب إذن أن يُؤاخد، وهذا هو التوجه، فالتخويف بسلْبِ النِّعم، وتعويضِها بالنِّقَم، هذا مّما يعالج به الاستكبار في مَنْ نفَعَ فيه العلاج، لأن العلاج قد ينفع وقد لا ينفع ولكن الله جل جلاله يُبَيّن لنا السبل.</p>
<p>- العلاج الثالث : التخويف بجهنم -وهذه التي وقع عليها إلحاح كبير في السورة- التخويف بجهنم من ثلاث جهات : جهنمَّ وهي سعيرٌ يستعر، وجهنم وهي إحدى الكُبَر نذيرا للبشر، وجهنَّمُ وهي مستقرٌّ للذين سلكوا في سقر {سأُصليه سقر، وما أدراك ما سقر، لا تُبْقي ولا تذَرُ لوّاحة للبَشَر عليها تسعة عشر} إلى أن قال : {كلاَّ والقمر والليل إذا أدْبَر والصُّبْح إذا أسْفَرَ إنها لإحدى الكُبَر نذيرا للبشر}.</p>
<p>الصورة الأولى تصوِّرها وهي تستعر {لا تُبقي ولا تذَرُ لوّاحة للبشر} يعني كثيرة الْحرْق لأن المعتمد في فهم هذه الآية هو أنها ليست كما فهمها بعضُ العلماء : أنها تلُوح للناس، وإنما القصدُ هنا والذي عليه الجمهور هو أنَّ البَشَر هنا بمعنى البشْرَة، ولوّاحة لها تجعلها لائحة يعني مُسودَّة بسبب النار. هذا هو المعنى : يعني كثيرة الحَرْق {لا تُبْقي ولا تذر لوّاحةٌ للبشر} وهذا الوصف هو للنار في حالها هي.</p>
<p>ثم بعد ذلك يشير القرآن إلى أن سبب ذكر هذه النار، هو أنها تذكر نذيرا للبشر {إنها لإحدى الكُبر نذيرًا للبشر لمن شاء منكُمْ أن يتقَدَّم أَوْ يتأَخَّر}.</p>
<p>ثم تُذْكَرُ من جهة أخرى -وهم فيها- للدّلالة على أنها جزاء المستكبرين، {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنّات يتساءلون عن المجرمين}.</p>
<p>وسبق أن لفظ &#8220;المجرمين&#8221; في سورة القلم يُـقابل لفظ &#8220;المسملين&#8221; {أفنجعل المسلمين كالـمُجرمين ما لكُمْ كَيْف تحْكُمُون} يتَسَاءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر، هم الآن مستقرون فيها {قالوا لمْ نك من المصلّين&#8230;}.</p>
<p>فالتخويف بجهنم بهذه المشاهد الثلاثة : كيف هي جهنم؟، وأنها نذير للبشر، وأن المستقرين فيها هذه هي حالهم : ماذا يقولون؟ وماذا يقال لهم؟ التخويف بها، وقد أخذت حيزا من السورة أضخم وأكبر من الأنواع الأخرى، هو نوع من العلاج.</p>
<p>- العلاج الرابع : ضرب الأمثال المنفِّرة من سوء الحال، وهو الوارد بوضوح في هذه الآية {فما لهم عن التَّذْكِرة معرضين كأَنَّهُم حمر مُسْتَنْفرة، فرَّت من قَسْوَرة} هذا المشهد ينفِّـر من حال هؤلاء الناس، فضرب المثال في القرآن الكريم يقصد منه أن الذي يعيش تلك الحال يجب عليه أن يراجع نفسه، إذا كان لا يريد أن يكون في هذا الشكل.</p>
<p>- العلاج الخامس : كشف حقائق النفسيات المريضة، وهذا واضح في {بل يريد كل امرئ منهم أن يوتى صُحفا منشرة، كلاَّ بل لاَ يخَافُون الآخرة} فليس الأمر أمر إعراض في حد ذاته، أو أمْر خطأ في الشيء الذي يُدعَوْن إليه، لا! المسألة ترجع إلى مرض النفس في كل واحد منهم {بلْ يُـريد كُلُّ امرئ منهم} كل واحد يريد أن يوتى صُحفا منشرة، فنفسُه قد تضخَّمَتْ، ويريد أن يتلقى هو الرسالة، ويخاطبه الله هو وحده، ويتلقى الوحي هو الآخر كذلك. أيضا.</p>
<p>{كلا بل لا يخَافُون الآخرة} فهذا هو سرُّ هذا الاستكبار بالدرجة الأولى. وإذا كشفت للإنسان حقائق نفْسِه فقد يراجع نفْسَه أيضا.</p>
<p>- العلاج السادس : تقرير هيمنة المشيئة الإلهية على كل المشيئات : عندما تنتهي السورة وينتهي الكلام نجد هذه النهاية {كلاَّ إنه تذْكِرةٌ فمن شاء ذكره وما تذكُرون إلا أن يشاء الله} لماذا تعرضون عن التذكرة؟ الخطاب للكفار المستكبرين لماذا تعرضون عن التذكرة؟</p>
<p>تعرضون عنها لأنكم ولأنكم ولأنكم&#8230; ليس الأمْر باستقلال تام منكم كما تزعمون، لو أردتم أن تتذكروا فإن ذلك لا يخرج عن مشيئة الله جل وعلا، وإذا لم تتذكروا فأنتم داخل المشيئة أيضاً، فلا يمكن أن تشاؤوا شيئا لم يشأه الله عز وجل، وهذه الهيمنة تجعل هذا المتلقِّي في القَبْضَة في جميع الأحوال. افْعَلْ ما بدا لك، فالله من ورائك محيطٌ.</p>
<p>تقرير هيمنة المشيئة الإلهية على كل المشيئات تجعل المستكبر يُرَاجِعُ نفسه، إلى أين يتجه؟.</p>
<p>- العلاج السابع : فتح الباب على مصراعيه للتوبة. والذي يشير إلى ذلك أمران :</p>
<p>أولا : التعبير بالتذكرة الذي أُلِحَّ عليه في الأخير {كلاّ إنه تذكرة فمن شاء ذكره}.</p>
<p>ثانيا : كون الله جل وعلا {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} بمعنى : هلاَّ تذكرتم واتقيتم الله فيغفر لكم، هلاَّ عُـدُّتم فيغفر الله جل وعلا لكم؟.</p>
<p>ففتح الباب على مصراعيه للتوبة هذا من طرق علاج حال الاستكبار أيضا عسى أن يراجع المستبكر نفسه، أو جماعة من المستكبرين، ليتوبوا إلى الله عز وجل.</p>
<p>النقطة السابعة : وظيفة المنذر التذكير، وبالقرآن أساسا يكون التذكير، فمن شاء ذكر وشكر. ومن شاء أعرض وكفر :</p>
<p>وذلـك مما يُستفاد من الآيات الأخيرة : {كلاّ إنه تذكرةٌ فمن شاء ذكرَه وماتذكرون إلا أن يشاء الله} هذا نفس  ما يقرره الله عز وجل في أماكن أخرى {إن عَلَيْك إلا البلاغ}(الشورى : 48) {فذِّكر إنَّما أَنت مُذَكر لسْتَ عَلَيْهِم بمُسيْطر}(الغاشية : 22) {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى}(الأنعام : 35).</p>
<p>مسألة الاهتداء إذن مرجعها إلى الله، {ليس عليك هُداهم ولكنَّ اللَّه يهدي من يشاء}(البقرة : 272).</p>
<p>مالذي علينا نحن؟ علينا أن نبذل أقصى الجهد للبيان، للبلاغ، للإنذار، للتبشير، إلى  غير ذلك، أي للتَّذكرة، هذه اللفظة. &gt;التذكرة&lt; تشمل كُلَّ تلك المعاني : معنى الإنذار،  ومعنى التبشير ومعني البيان إلى غير ذلك.. كل تلك المعاني تدخل ضمن إطار التذكرة التي هي وظيفة الرسول  ووظيفة من يتبع رسول الله  ووظيفة من يقوم لينذر.</p>
<p>خلاصة هدى السورة</p>
<p>عندما ننظر إلى السورة جملة نجد أن التوجيهات الأساسية التي تلخص لنا الهدى المنهاجي فـي السورة هــي هذه  :</p>
<p>أولا : وجوب القيام للإنذار، وترك الادثار، على كل من قرأ باسم ربه فتبتتل إليه .</p>
<p>فوجوب القيام للإنذار وترك الإدثار هو التوجيه الأول الكبير في السورة وهو الذي يوجد في المطلع {يا أيها المدثر قم فأنذر} فكونها جاءت بعد فواتح المزمل، وبعد فواتح العلق، تجعل هذا المعنى في غاية الوضوح : &#8220;وجوب القيام للإنذار&#8221; {يا أيها المدثر قم فأنذر} لم يبق مجال للادثار الآن، لم يبق مجال للراحة، لم يبق مجال للتأفف، أو حب الفراش بل {قم فأنذر} الآن. هذا الأمر يصير واجبا خاصة على كل من قرأ باسم ربه : أي استجاب لما طلب الله منه في سورة العلق. ثم استجاب لما طلب الله منه في سورة المزمل،</p>
<p>وعلى فرض أن عبدًا انطلق للإنذار دون أن يمُرَّ بالمرحلتين السابقتين : مرحلة العلق ومرحلة المزمل، فلن يُفْلِحَ، ولن يعرف كيف ينذر؟.</p>
<p>لابد من العلم الرباني الضروري الأساسي، لابد من العلم بالكليات الشرعية، هذا الذي تشير إليه فواتح سورة العلق، العلم بالله جل جلاله، والعلم بالإنسان كما تقدم.</p>
<p>ولابد من سير إلى الله عز وجل، ولا  بُد من صحبة لهذا القرآن كما ينبغي في جوف الليل، وفي  غير جوف الليل، استعدادا لحمل القول الثقيل، كما تشير إليه فواتح المزمل.</p>
<p>الآن في فواتح المدثر نجد شرح {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} هذا القول الثقيل هو {قم فأنذر} من قبلُ ما كان مطلوبا منه أن ينذر.</p>
<p>طُلِبَ منه أن يقْرَأُ فَقَرَأ.</p>
<p>ثم طُلِب منه أن يقوم الليل فقام الليل، وذكر ربه إلى آخر الخمس العزائم التي سبق الكلام عنها ففعل، وحصل التبتل، وحصل التوكل.</p>
<p>أماالآن فقم فأنذر بمعني أن النموذج صار صالحًا للتَّعْميم.</p>
<p>ثانيا : من نهض للإنذار فعليه بالتسلح بالزاد الذي هُدِي إليه خَيْـرُ العباد : وهو الآيات الخمس (من الآية الثالثة إلى الآية السابعة) التي تبتدئ بتكبير ربنا سبحانه وتعالى وتنتهي بالصَّبْر لربِّنَا سبحانه وتعالى، بمعنى أن ذلك الزاد وتلك الصفات  ضرورية، والهدى المنهاجي مركّز بكثافة بالغة في فواتح السورة فمن نهض للإنذار فعليه بالتسلح بهذا الزاد الذي هُدي إليه خيْرُ العباد.</p>
<p>ثالثا : المنذر مذكر : ومَتَى بَدَأ الإنْذَار بدأ الاسْتِكْبَار.</p>
<p>وخير علاج للاستكبار إبلاغ التخويف بسقر {وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر} فمن شاء تذَكَّر، ومن شاء تَأَخَّر {وما تذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة}.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%ab%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المزمل</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b2%d9%85%d9%84/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b2%d9%85%d9%84/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 26 Sep 2010 06:11:19 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 274]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[المزمل]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6329</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المزمل د. الشاهد البوشيخي سورة المزمل من أول ما نزل على الرسول  والمقصود أوائلُها أما أواخرُها أو الآية الأخيرة فنزلت في المدينة المنورة بعد الإذن بالقتال. وهي ثلاثة مقاطع : 1- مقطع فيه خطابٌ للرسول  ولكل مؤمن ومؤمنة من بعده. ماذا عليه أن يفعل مع ربه. 2- ومقطع فيه [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المزمل</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>سورة المزمل من أول ما نزل على الرسول  والمقصود أوائلُها أما أواخرُها أو الآية الأخيرة فنزلت في المدينة المنورة بعد الإذن بالقتال.</p>
<p>وهي ثلاثة مقاطع :</p>
<p>1- مقطع فيه خطابٌ للرسول  ولكل مؤمن ومؤمنة من بعده. ماذا عليه أن يفعل مع ربه.</p>
<p>2- ومقطع فيه خطاب أيضا للرسول ، ولكن من جهة خاصة، هي كيف يعامِلُ أعداءَ الله في تلك الفترة، وهُمْ المكذبون بالدين.</p>
<p>3- ومقطع به تختم السورة وهو آية مدنية طويلة فيها خطابٌ للرسول  والمؤمنين يتناسبُ مع المرحلة المدنية التي نزل فيها.</p>
<p>إذن كالعادة لا أقف عند معاني السورة، ولكن أذهب مباشرة إلى ما نسميه بالهدى المنهاجي.</p>
<p>النقطة الأولى : لابدّ لحَمْل الأمانة والقول الثقيل من الاستعدَاد اللازم.</p>
<p>ومن اختير لذلك فليودِّع الركون إلى الراحة والإخلاد إلى النوم. لا تزمُّل بعد الحمل، وإنما هو قيامٌ وتشميرٌ.</p>
<p>هذا واضح في مطلع السورة حيث جاء الأمر لرسول الله  بقيام الليل : {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا} استعداداً لِمَا ينتظِره من القول الثقيل {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} سنلقي عليك، هذا شيء قادم، فإذن الذي سيحمل أمانة من جنس أمانة رسول الله  لابد أن يستعد لها بالزاد المناسب، وكذلك كل مسلم -في الحقيقة- ومسلمة من أمة محمد  هو حامل لأمانة الشهادة على الناس بحكم اتباعه لرسول الله ، حامل لأمانة التبليغ لهذا الدين، ولو آية كما جاء  في حديث الإمام البخاري : &gt;بلغوا عني ولو آية&lt;.</p>
<p>ليس المقصود أن تعرف كل شيء لتبلِّغ، لا، ولكن ما علمته من كتاب الله عز وجل فاعمل به أولا، ثم اجتهد في أن تبلغه إلى غيرك ثانيا.</p>
<p>فحمل الأمانة يقتضي استعدادا خاصا، والله جل جلاله هو الذي يَختار من يُختار لحمل الأمانة، وهو الذي اختار رسله عليهم السلام، {اللّه يصْطفي من الملائكة رُسلاً ومن النّاس}(الحج : 75) وكما يصطفي الرسل كذلك يصطفي أتباع الرسل أيضا. {وجاهِدُوا في الله حَقّ جهادِه هو اجتباكم}(الحج : 78) لذلك فمطلع السورة يعطيك توجيها واضحا في الآيات الثمانية الأولى، وهو أنك ينبغي حين تشْعُر بأنك مسلم من أمة سيدنا محمد ، وتُحسُّ بقيمة موقعك، وقيمة مكانتك عند الله تعالى، وأنك نائب عن الرسول  بصورة من الصور، إذاك ينبغي أن تحْمِل الأمانة إلى الناس كما حملها الرسول  لأنه أرسل إلى الناس كافة وقبضه الله عز وجل إليه في وقت مبكر بعد 23 سنة تقريبا من بداية نزول هذا الدين، والإسلام لم يجاوز الجزيرة العربية. فمن يبلغه إلى الآفاق والأجيال؟ لقد كلّف الأمة بذلك بقوله في حجة الوداع : &gt;ألا هل بلّغت اللهم فاشهد، فليبلغ الشاهد منكم الغائب&lt; فهي أمانة باقية.</p>
<p>وهكذا فهمها أصحاب رسول الله ، وفهمتها الأجيال اللاحقة، بدليل الفتوحات التي تلت بعد، وبدليل الانتشار السريع الهائل للنور الإلاهي في الكرة الأرضية في القرن الهجري الأول، إذ أكبر انتشار للنور من الجزيرة العرية كان في القرن الهجري الأول.</p>
<p>هذا الأمر الأول، وإذن فلِيستعد عبد الله وأمةُ الله لتوديع الراحة، وتوديع النوم، للاستعداد لما هو آتٍ.</p>
<p>النقطة الثانية : طريق الاستعداد الفردي اللازم هو خمس عزائم متتالية متكاملة.</p>
<p>هي بالنسبة لجيل التأسيس عزائم يجب أن يعزموها فهي أمور كالفرائض :</p>
<p>أولا : قيام الليل : وفي جوفه يبدأ الإسراء والمعراج إلى الدرجات العلى.</p>
<p>ثانيا : ترتيل القرآن : وهو وقُودُ الرواحل أولي العزم إلى التي هي أقوم.</p>
<p>ثالثا : ذكر الله جل جلاله : وهو قوت القلوب، الواقي من الذنوب المانعة من دَرَكِ المطلوب.</p>
<p>رابعا : التبتل إلى الله جل جلاله : وهو دخول عالم الحرية بتمام العبدية والخدمة المولويّة للمولى جل وعلا.</p>
<p>خامسا : التوكل على الله جل جلاله : وهو ثمرةُ الوصول ومقتضى مشاهدة الربوبية والألوهية في قلوب أهل التبتُّل.</p>
<p>هذه الخمس كلها داخلة في قوله تعالى : {قُمِ اللَّيْل إلا قَلِيلاً نصفَهُ أو انْقُصْ منه قليلاً أو زِدْ عليْه ورتِّل القرآنَ ترْتِيلا، إنّا سنُلْقِي عليك قوْلاً ثقيلاً، إنّ ناشِئة اللّيْل هي أشدُّ وطْئاً وأقْوَمُ قِيلاً. إنّ لك في النّهارِ سَبْحا طَويلاً، واذْكُر اسمَ ربِّك وتَبَتَّلْ إِليه تبْتِيلاً، ربُّ المشرق والمغْرب لا إلَه إلاّ هو فاتّخِذْهُ وكِيلاً}.</p>
<p>قبل أن يأمر الله عز وجل عبده ورسوله محمدا  باتخاذه وكيلا وهي الرتبة الخامسة من العزائم، ذكر مسألة الربوبية ومسألة الألوهية، {ربُّ المشرق والمغْرب لا إله إلا  هو} لأن الألوهية مترتبة على الربوبية.</p>
<p>والإشكال عند كفار قريش لم يكن في مسألة الربوبية وقلما يكون الإشكال في جانب الربوبية لأنهم يعرفون أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي خلقهم وهو الذي يحيي ويميت&#8230; مسألة الربوبية تتجه إلى النعم الآتية من عند الله، وإلى الأفعال القادمة من عند الله إلى عباده، سواء أكانت نعماً أو نقماً، ولكن الألوهية بالعكس تتجلى فيما يصدر من العبد تجاه مولاه، تتجه إلى القلوب، ماذا تأْلَه القلوب؟ بم تتعلق؟ هل تتعلق بالله عز وجل أم تتعلق بسواه؟ {لا إله إلا هو} يعني لا مُتَعَلَّق للقلوب إلا به تعالى رغبة ورهبة. هنا كان الإشكال، لأن القلوب كانت تتعلق بالكثير من الآلهة، سواء بشكل سحرة، أو كهنة، أو أصنام، أو أشكال متعددة، ولذلك كان عنوان الدخول في الإسلام &gt;لا إ له إلا الله&lt;. هي كلمة الدخول في هذا الدين. بمعنى أنه يجب عليك بمقتضى هذه الكلمة أن تجعل جميع أعمالك خالصة لله عز وجل لا تشُوبُها شائبة.</p>
<p>أعود إلى النقط الخمس أو العزائم الخمس :</p>
<p>&gt; أولها : قيام الليل، وفي جوفه يبدأ الإسراء والمعراج إلى الدّرجات العلى {قم الليل}.</p>
<p>هذه النقطة، أو هذا الأمر الإلاهي كان في البداية عزيمة بالنسبة لرسول الله  وللمجموعة التي آمنت به في أول مرة، رجالا ونساءاً، لأن هذا القيام كان إطاراً للشّحْن بتعبير اليوم، فداخل هذا القيام سيأتي ترتيل القرآن {ورتّل القرآن} ليس خارج الصلاة وإن كان ترتيله خارج الصلاة أيضا مطلوبٌ، لكن الكلام هنا مترتب بعضه على بعض، قم الليل ورتل القرآن في هذا القيام، لأنه بذلك الترتيل يصبح مُيسّراً للدخول إلى قلب ابن آدم، خصوصاً في هذا الظرف الذي هو جوف الليل، وأحسنه الثُّلُثُ الأخير من الليل، الذي ينزل فيه الله عز وجل إلى السماء الدنيا فيقول : &gt;هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟&#8230;&lt;(مسند الإمام أحمد.</p>
<p>ذلك الوقت يكون فيه الإنسان عادة قد استراح {إن لك في النهار سبحاً طويلاً} في النهار نَغُوصُ في كثير من الأعمال المتصلة بكل شؤوننا في الحياة، ونأتي تعِبِين، فننام لنستريح، وعندما يستريح قلب ابن آدم يصبح مؤهلا كل التأهيل لكي يستقبل، فحين يكون القلبُ في هذا الوَضْع، الله عز وجل كلف ابن آدم أن يقوم الليل ويرتل القرآن، هذا القيام أقول يكون فيه القلب متفرغا مستريحا مستعدا كل الاستعداد لتقبل النور الإلاهي فتأتي معه معانٍ كثيرة، ويكون فيه الشحن، والتغذية لروح المؤمن، لإدخال كل المعاني التي في القرآن إلى قلب المؤمن، والترتيل يزيدها ويسهِّل دخولها وخصوصاً في الليل حيث يكون الهدوء والسكينة، ولا حركة، ولا كلام إلا المناجاة التي هي أبعد ما تكون عن الرياء، العبد مع ربه فقط.</p>
<p>فلذلك هذا الظرف من أحسن الظروف لتنشيط الخميرة الإيمانية التي ستتفاعل بعد وتنْمُو لتُحْدث ما تُحْدِث بعدُ في قلب ابن آدم، وفي جوارحه وفي مَن حوله، وفي الكون كله بعد.</p>
<p>&gt; الثانية : ترتيل القرآن هو وقود الرواحل أولي العزم إلى التي هي أقوم :</p>
<p>بنو آدم قبل أن يمسَّهم القرآن عاديُّون، يعني طاقاتهم موجودة، لكنها ليست عالية، لكن بمجرد أن يُشْحَنُوا بطاقة القرآن يتحولون تحوُّلاً جذريّاً، يولَدون ولادةً جديدة، يصبحون قادرين على أعمال كثيرة جدا.</p>
<p>والله عز وجل ذكر لنا ذلك فقال : {إن يكن منكُم عشرُون صابرُون يغلبُوا مائتيْن}(الأنفال : 65) عشرون من الصابرين يغلبون مائتين، لكن عشرون من طراز خاص، من هذه الطبقة المتزودة بزاد القيام الليلي والترتيل القرآني، عبادُ الله الذين لا يستقبلُون من غير الله عز وجل، عباد الله المنقطعون إلى الله تعالى، هؤلاء مفعَّلون بالقرآن، مخَصَّبُون بالقرآن، مشحونون بالقرآن، إنّه وقود الرواحل الذين أشار إليهم رسول الله  بقوله : &gt;النّاسُ كإِبِل مائةٍ لا تَكَادُ تجد فيها راحلة&lt;(رواه الإمام البخاري). والراحلة الناقة التي تصلح للأسفار الطويلة، والناقة الراحِلة لها أوصاف خاصة تُميزها عن غيرها من النوق، أن تكون ذَلُولاً، صبورة، قوية على الحمل إلى غير ذلك..</p>
<p>فهؤلاء الرواحل هم الذين يخْتارهم الله تعالى للبدايات لعلمه بهم {واللّه أعْلَم حيثُ يجْعَل رسالاَتِه}(الأنعام : 124).</p>
<p>فهذه النقطة الثانية : ترتيل القرآن في غاية الأهمية الآن، ترتيل القرآن له تأثير كبير، بأي شكل كان، ترتيل القرآن مطلقا له تأثير، وقراءة القرآن مطلقا لها تأثير وفيها أجر عظيم قال  :&gt;مَن قرأَ حرْفاً من كتاب الله فله حسَنَةٌ والحسنة بعَشْر أمْثالِها لا أقُولُ ألم حرْفٌ ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف&lt;(حديث حسن صحيح رواه الترمذي) يعني إذا قلت ألم أُجِرْتَ ثلاثين حسنة، وهي تُذْهِبُ ثلاثين سيئة، لأن الحسنات يُذْهبن السّيئات.</p>
<p>فالرجوع إلى ترتيل القرآن طريق، بل هو الطّريق لمن له بصيرة.</p>
<p>&gt; الثالثة : ذكر الله جل جلاله : يعني الطريق الثالث أو العزيمة الثالثة ذكر الله، وهو &gt;قُوتُ القُلُوب، الوَاقِي من الذّنُوبِ، المَانِعَةِ مِنْ دَرَكِ المَطْلُوب&lt;.</p>
<p>والمقصود بالذكر ليس الذكْر اللفظيّ، إذا ذكر الذكر فإنه أساسا ينصرفُ إلى ضد النسيان. هذا أصلُه اللغويُّ، وهو في مثل هذه المقامات يقصد به المثلُ المجَسِّم للذاكر والناسي، في هذا التشبيه الرائع : &gt;مثل الذي يذكُر ربّه والذي لا يذْكُر ربّه مثل الحيِّ والمَيِّت&lt; الذاكرُ حيٌّ، والناسي ميّت، ولهذا نهى الله تعالى عن نسيانه، فقال : {ولا تَكُونُوا كالذينَ نَسُوا الله فأنسَاهُم أنْفُسَهُم أولئِك هم الفاسِقُون}(الحشر : 19) أو تكون الحياة بالغفلة؟!.</p>
<p>يمكن أن يذكر الإنسان ما شاء الله من الأذكار وقلبه غافل، يعني غير حاضر، فهو في وضع النّسيان، في وضع الغفلة، وليس في وضْع الذكر.</p>
<p>فإذن المقصود أساساً بالذكر سواء أصاحَبَه ذكْرُ اللسان يعني النطق بالألفاظ أو كان بالقلب، فالمقصود حضور القلب، الله عز وجل حاضرٌ فيه، والعبدُ يفعلُ ما يفعلُ أو يقول ما يقولُ أو يأتي ما يأتي أو يذَرُ ما يذَرُ، في كل تلك الأحوال هو مع الله جل جلاله.</p>
<p>وهذا الأمر ليس بالعسير بإذن الله، يمكن للعبد أن يكون في مهنته وهو مستحضر الله، غير غائب عن الله، في شغله في طريقه، في سياقته، في أي شيء هو مستحضِرٌ للّه جلّ جلاله وما جُعلت الصلاةُ إلا لهذا الغرض {وأَقِم الصّلاةَ لذِكْرِي}(طه : 14) ولذلك لا يُكْتب للعبد من صلاته إلا ما عقَل منْها، أي إلا ما ذكر منها -عَقَلَ = أمْسَكَ- أما ما لم يُمسِك، وكان غائبا، فهذا لا يُكْتَبُ.</p>
<p>ومعنى ذلك أنه يوم تُبْلى السرائر وتُكْشَفُ الأمور -نسأل الله التوفيق والسلامة- ستأتي كثير من الصلوات ناقصة تجد فقط الملائكة سجلت نقطة بعينها، في ثانية في دقيقة والباقي كُلّه ضاع، يعني تجِدُ صلاة لم تُكتَبْ منها إلا ركعة، أو سجدة، والباقي ضاع، أو ضاع نصفها أو ثلثها أو ربعها، لأن الصلاة في أصلها ذكرٌ خالصٌ للّه بدون أي إشراك، فعلى الإنسان بمجرد الإحرام أن يغيب عن الدنيا، حين يكبر وحين يقرأ، وحين يركع، وحين يسجد، وحين يدعو.. إن الصلاة -كما ترون- قائمة على لفظ واحد يتردَّدُ أكثر من سواه، هو &#8220;الله أكبر&#8221; هذا التكبيرُ هو السِّر.</p>
<p>لأن ابن آدم قد يُكَبّر مع الله سواه، أو يُكبِّرُ سوى الله في قلبه من حيث لا يشعر، يكبِّر الدنيا، يكبِّر المال، يكبِّر الجاه، يكبِّر السلطة، يكبِّر أشياء كثيرة، ولكن الله لا يقْبَلُ منه أي تكْبِير لغَيْره أبداً.</p>
<p>لذلك يتكرر هذا اللفظ كأنه يقيم علينا الحجة أيْ يجبُ أن تُكبِّروا الله فقط ولذلك التكبير يقتضي الذكر، إذا كبرت فعلا، وأعلنت التكبير ينبغي أن تغادر سواه، وتنقطع له في صلاتك حتى تُسلِّم، كأنك تقول للناس : أنا أتيتُ &#8220;السلام عليكم&#8221;، فهذا الذكر لله جل جلاله هو المقصودُ، وهذا الذكر يُعينُ عليه القرآن لأن القرآن هو الذّكر، وهو طريق الذّكر، وهو الذكر الأعظم {وقَالُوا يا أَيُّهَ الذِي نُزِّلَ علَيْه الذِّكْرُ إنَّكَ لمجْنُون..}(الحجر : 6) فهو الذكر، وبه تتم عملية التذكُّر الحقيقية التي يريدها الله عز وجل منا، فذكر الله مترتب على ما سبق، وإذا حضر هذا الذكر في القلب كان هو القُوتُ، الواقِيَ من الذُّنوب، المانعة من دَرَك المطلوب.</p>
<p>- لماذا الذكر هو الواقي من الذنوب؟</p>
<p>الحديث صريح صحيح معروف هو قوله  : &gt;الشّيطان جاثمٌ على قلب ابن  آدم إذا ذَكر الله خَنسَ وإذا غَفَل وسْوَس&lt; فلا تحْدُث معصيةٌ في حال الذكر، وإنما تحْدُث في حال الغفلة &gt;لا يَزْنِى الزّاني حِين يَزْنِي وهو مُومِنٌ ولا يشربُ الخمر حينَ يشرَبُها وهو مُومِن&lt;(رواه البخاري) في تلك اللحظة يغيب، ويشتغل بباطله، أما إذا كان حاضرًا كما حدث لأحد السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظله يوم لا ظِلّ إلا ظِلُّه قال  : &gt;ورَجُلٌ دعتْه امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله&lt;(رواه مسلم) أو كما حدث لأحد الثلاثة الذين انسَدّ عليهم الغار حين قالت له ابنة عمه اتّقِ اللّه ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فتذكّر وقامَ، ولم تحْدُث الخطيئة، فارتفع بذلك الفعل الذي فعل إلى أحد السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، في حديث السبعة، وارتفع في حديث الثلاثة الذين كانوا في الغار إلى درجة التخليص من أعظم أزمة.</p>
<p>لماذا؟</p>
<p>لأن مقاومة الشهوة في عنفوانها، وإمكانها، وشدّة الرغبة فيها، لا يفعله إلا أولياءُ الله، وعبادُ الله المقربون، الذين يخشون الله حق الخشية.</p>
<p>&gt; الرابعة : التبتل إلى الله والتبتل يأتي بعد الذكر، بمعنى أنك إذا أكثرتَ من قيام الليل، وأكثرت من قراءة القرآن، وأكْثرت من الذِّكْر حدَثَ التّبتّل أي الانقطاع لله تعالى، فما عاد المتبتِّل يأْبَه إلا بالله جل جلاله، ما عاد يشعُر بسوى الله، ماذا يسْوى غيرُ الله؟ لا شيء، فلذلك يتبتّل إلى الله جل وعلا، ينقطع له، حيثما كان وأينما كان، هو بالجسد مع الناس، ولكنه في الحقيقة وبالقلب مع الله جل جلاله، بأمره كله مع الله، أتى ما أتى، وترك ما ترك، لا يُحِبُّ  إلا الله، ولا يتلقَّى إلا من اللّه، ولا يذل إلا لله.</p>
<p>فهذه الرتبة الرابعة {واذْكُرْ اسم ربّك وتبتّل إليه} ارْق إلى هذا المستوى، وهذا المستوى يُبْلغُ بناءً على الإكْثار ممّا قبله، فهو مُنْبَنٍ على ما سبق من القيام والترتيل والذكر، بعد ذلك كله جاء {وتَبَتَّلْ إليه تبْتِيلا}.</p>
<p>لنَنْتبِه إلى التعبير القرآني فالله تعالى لم يقل {تبتّل إليه} فقط بل أكّد الفعل بالمفعول المطلق المؤكد {وتبتّل إليه تبْتِيلا} أي انقطِعْ لَهُ انقطاعاً تاما كليا.</p>
<p>لأنه إذا بقي في العبد شوائب، أي جهاتٌ، وجوانبٌ، يحْكُم فيها غير الله فَسَدَ أمره، وتتسع تِلْك الدائرة مع الأيام بالشّبهات، والشهوات، فتحْدُث المصائب.</p>
<p>ويؤتى العبْدُ من تلك الجهات غير المصفاة.</p>
<p>لذلك جاءت الرتبة الخامسة : اتخاذُ الله تعالى وكِيلا : كأنها نتيجة التبتُّل والانقطاع إلى الله بيقين وعلى بصيرة وحضور لشهود الربوبية وشهود الألوهية في قلوب أهل التبتّل، بل كانت الرتبة الخامسة هي ثمرة الوصول، أي هؤلاء المتبتلون الذين انقطعوا إلى الله بقلوبهم، ما الذي ينبغي لهم؟! أن يتخذوا الله عز وجل وكيلا لهم في أمرهم كله، عليه يتوكلون وإليه يفوضون.</p>
<p>لماذَا يُتّخَذ الله وكيلا؟!.</p>
<p>لأن كل شيء بيده {ربَّ المشْرق والمغرب لا إله إلا هو فاتّخِذْه وكيلا}.</p>
<p>اتّخِذْه أنت، مطلُوب منك أن يصْدُر منك هذا الفعل : &#8220;الاتخاذ&#8221; يعني أن تجعله أنت وكيلك. ولا وصول لهذه الرتبة إلا بعد تصحيح وإنجاز العزائم الأربع التي سبقتها : قيام بالسَّحَر، وترتيل خاشع، وذكر متضرع، وتبتل منقطع لله.</p>
<p>فهذه الأمور الخمسة هي طريق الاستعداد اللازم لكل فرد مسلم ومسلمة أراد أن يتحمل أمانة الدعوة، وأمانة الشهادة على الناس، كما تحملهما رسول الله .</p>
<p>ولا يمكن طبعا أن يقوم المسلم بذلك دفعة واحدة، ولكن عليه أن ينطلق بالتدريج مقتحما كل العقبات لتحقيق العزائم الضرورية لنجاح الدّعوة الإسلامية :</p>
<p>إنْ كُنْتَ ذَا رَأْيٍ فكُنْ دا عَزِيمَةٍ</p>
<p>فإنّ فَسَادَ الرَّأْي أنْ تَتَرَدَّدَا</p>
<p>النقطة الثالثة : لابد للداعية إلى الله من أعداء، يهاجمونه ودعوته بكل الوسائل، قولاً وفعلا، كيداً ومكْراً. وذلك فتنة وابتلاءاً من الله تعالى له ولمن معه.</p>
<p>هذه سنة الله الماضية يعني من أول الكلام الذي سمعه الرسول  من ورقة بن نوفل &gt;لمْ يأْتِ أحد قَطُّ بمثل ما جِئْت بِهِ إلا عُودِي&lt; وقال : &gt;سَيُخْرجك قومك&lt; فقال الرسول  متعجبا : &gt;أوَمُخْرِجي هُمْ؟&lt; هلْ هذا سيحْدُث؟ تعجّبَ رسول الله  من هذا.</p>
<p>فالذي يعرف النواميس، ويعرف الدعوات، وعنده شيء من أخبار الكتب سابقا هو الذي قال له هذا الكلام &gt;لم يأتِ أحد قَطُّ بمثل ما جِئت به إلا عُودِيَ وإنْ يُدْرِكْنِي يومُكَ أنْصُرك نَصْراً مُؤزّراً&lt; فهذه العداوة  طبيعية لأنها تدافُعٌ بين الحق والباطل.</p>
<p>ولذلك جاء مباشرة بعد المقطع الأول قول الله تعالى {واصْبِر على ما يقُولُون واهْجُرْهم هجْراً جَمِيلا وذرْني والمُكَذِّبين أولي النّعمة ومهِّلْهُم قليلا إنّ لَدَيْنا أنْكالاً وجحِيماً وطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وعَذَابًا ألِيما، يوم ترْجُفُ الأرضُ والجبالُ وكانتِ الجِبَالُ كَثِيباً مهِيلاَ.. إلى قوله تعالى إنّ هذِه تذْكِرة فمَنْ شاءَ اتّخَذَ إلى ربِّه سَبِيلا}.</p>
<p>إنّ هذا المقطع الذي جاء بعد مطلع هذه السورة يشبه المقطع الذي جاء بعد مطلع سورة العلق، فبعد الآيات الخمس هناك جاء مباشرة {كلا إن الإنسان ليطغى} ومثل ذلك أيضا في سورة القلم، فبعد المطلع جاء مباشرة {فستبصر ويبصرون} الأعداء حاضرون، الصادّون حاضرون، المُعرضون حاضرون، المتهِمون حاضرون، المستهزئون حاضرون.</p>
<p>لكن هناك دائما موقف محدد متشابه تقريبا مُسْتمرٌّ وهو كيفية الرّدّ.</p>
<p>النقطة الرابعة إذن هي : أصُولُ الرّدِّ على المعادين خمسةُ أساليب أيضا متتالية متكاملة.</p>
<p>الدعوة إلى الله عز وجل كما كانت زمن رسول الله  في بدايتها، ورسول الله  يَعْرض الحق على الناس. في تلك المرحلة، ماذا عليه أن يصنع؟! والمخالفون يهاجمونه بالقول، والكيد، وكل شيء.</p>
<p>هاهنا كان الإرشاد يتلخص في خمسة أمور هي أصول الرد على المعادين، متتالية ومتكاملة.</p>
<p>أولُها : الصبر على ما يقولون ويفعلون من أذى، الصبرَ. الصبرَ&#8230;</p>
<p>وهو يتطور مع الزمن ففي البداية على الأذى، وفي مرحلة الجهاد يكون الصبر على البذل، بذل النفس {ولنبْلُونّكُم حتى نعْلم المجاهدين منْكُم والصابِرين ونبْلُو أخْباركم}(محمد : 31) الصبر في جميع المراحل، وفي جميع الأحوال، وبجميع أنواعه هو ضامِنُ الخيْر.</p>
<p>ولكن الصبر المطلوب هو الصبر الشرعي، وليس الصبر الشائع بين الناس الذي فيه إدْهان، وفيه التسليم بالباطل، وفيه الرجوع عن الحق، لا. لا.</p>
<p>ولكن عليك أن تعرف الحق وتعمل به وتسْكُتَ، مهما جاءت زعازع، ورياح هوجاء، وعواصف، أُثْبت، فإن النّصر مع الصبر، إذا كان الصّبْرُ كان النصر، وإذا لم يكن صبرٌ ضاع كل شيء : {فاصْبِرْ على ما يَقُولُون}.</p>
<p>ولا يكون الصبر إلا على قول مؤلم، فقد اتُّهم  بالجنون وغيره، فاصبر على القول، ومِثْله إذا فعَلُوا فِعْلاً.</p>
<p>الثاني هو الهجْرُ الجميل {واهْجُرْهُم هجراً جَمِيلا} هجرانهم بالإعراض عنهم وعدم أذاهم، هم يؤذونك وأنت لا تُؤْذهم {ولا تُطِعْ الكافِرين والمنافِقين ودَعْ أذَاهُم}(الأحزاب : 48) تحمَّلْ الأذى ولا تؤذهم.</p>
<p>انظر إلى هذه الدرجة الرفيعة التي يريد الله عز وجل أن يرقى إليها المؤمنون بدءا من رسول الله ، فالمسلم يتحمل أذى الخلْق، ولا يؤذي الخَلْق، وهذه درجة عالية، يفعَلُ الحق يعَلِّم الحق، يقول الحق، يتصف بالحق، ويقف عند ذلك الحدِّ فيصبر ويحتسب إذا أوذي، ثم لا يؤذيهم، الهجْرُ الجميل، {أعْرِض عنْهُم وقُل سلام}.</p>
<p>هذا كيف يُعَامَلُ من يعادي من أعداء الله، يعني في المرحلة التي يكون الدِّين فيها يتأسَّسُ، مازال لمْ يعُمّ، مازال لم يصل إلى مرحلة الأمة القائمة بدين الله عز وجل، تلك مرحلة ستأتينا في آخر السورة إن شاء الله.</p>
<p>فإذن أول الرّدِّ الصبرُ، والثاني الهَجْرُ الجميل.</p>
<p>وثالث وسائل الرّدِّ التخويف بالله تعالى الذي يتولى أمرهُم بكَيْدِه المتين، كما تقدم، الذي يُمهل في الدنيا ولا يُهْمل {ومهِّلْهُم قليلا}. يمكن أن نمهلهم ولكن الحساب قادمٌ في الدنيا، بكيده المتين {وأُمْلي لهُم إن كَيْدِي مَتِين} في سورة القلم. وفي الآخرة عذابه المهين الذي منه الجحيم والهول العظيم كما ذكر هنا.</p>
<p>هذا التخويف هو الذي كان الله عز وجل يزوِّد رسوله  به، به كان يتمّ الرّدُ بشكل من الأشكال، {وذَرْني والمكذِّبين أولي النّعمة ومهّلْهم قليلا إنّ لَدينا أنكالاً وجحِيماً وطعاماً ذا غُصّةٍ وعذَاباً أليما يوم ترْجُف الأرض والجبال} التخويف بأهوال يوم القيامة، يوم الحساب.</p>
<p>الأسلوب الآخر الرابع هو قصُّ القصَصِ عليهم، المشابهة لحالهم للاعتبار والاتعاظ {إنّا أرسلنا إليكم رسولا شاهداً عليكم كما أرْسلنا إلى فرعون رسولا، فعصى فرعونُ الرّسُول فأخَذْناه أخذاً وبيلا} وهذا الأخذ الوبيل يمكن أن يقع لكم أيضا، فتجنبوا هذا، احْذَرُوا هذا الأمر.</p>
<p>هذا الأسلوب أيضا من الأساليب التي كان يردُّ بها على الكفار والمشركين والمكذبين بالدّين إلى غير ذلك.</p>
<p>وخامس أساليب الرّدّ : ترغيبُهم في التوبة إلى ربهم قبل فوات الأوان.</p>
<p>وهذا مما يستفاد من قوله تعالى : {إن هذه تذكرةٌ فمن شاء اتّخَذَ إلى ربّهِ سَبِيلاَ} هذه تذكرة لكم، تُذَكِّركم بالعهد الأول، فإن تذكرتُم فمن شاء مِنْكُم اتخذ إلى ربّه سبيلا.</p>
<p>ولم يقل ومن شاء لم يتّخِذ. لا.</p>
<p>يعني بذلك أنه يقول لهم : اذْهَبُوا في هذا الاتجاه، هذا هو الطريق، هذه مجرد تذكرة فاتجهوا فسارعوا، اتخذوا سبيلا إلى ربكم.</p>
<p>النقطة الخامسة : التطور فـي الأحوال يقتضي التطور في الأعمال، دون مسٍّ بالأصْلِ الثّابِت في كل الأحوال :</p>
<p>من أين هذا الكلام؟!</p>
<p>هذا الكلام من بداية الآية الأخيرة وهي آية طويلة {إن ربّك يعْلم أنك&#8230;&#8230; أن الله غفور رحيم} آية واحدة ماذا فيها؟!</p>
<p>فيها هذا المعنى الذي أتحدث عنه وهو أن الظرف تغَيَّر الآن.</p>
<p>هذه الآية مدنية تعالج قضايا في مستوى وصول المسلمين إلى مرحلة الأمة حيث تظهر أمور أخرى فتكون طائفة من الناس مرضى؛ ويكون صنف من الناس يشتغلون بأشكال من الشغل؛ تقتضيها الحياة بصفة عامة؛ وصنف من الناس يجاهد في سبيل الله ويقاتل في سبيل الله، إذن هناك أمور جَدَّتْ لا في التطور العام لجسم الأمة، ولا في الواجبات الجديدة.</p>
<p>في مرحلة {قم الليل} لم يكن قتال، ولم يكن أشْكالٌ من طلب الضّرب في الأرض وابتغاء من فضل الله، وهو تعبير في القرآن الكريم يطلق على وجوهِ النشاط العامة، وأشْكال الشغل التي يحتاجها الإنسان لتدبير أمر معاشه.</p>
<p>في أول السورة حديثٌ في صورة فرد هو الرسول  يدعو إلى الله عز وجل ويجدُ مقاومة ثم إرشاد وتوجيه إلى ما ينبغي أن يُفْعل تجاه الطغيان والعدوان. لكن الآية الأخيرة ظرف آخر، تغيَّر الأمر، ما بقيت الدعوة في تلك المرحلة، تطورت الأحوال، وهذا التطور يقتضي تطوراً آخر في الأعمال. كان القيام قبْلُ واجباً والآن خَفَّفَه الله تعالى {عَلِم أن لن تُحْصُوهُ فَتَاب عليْكُم} النتيجة {فاقْرأُوا ما تَيَسَّر من القرآن} كررها الله مرتين.</p>
<p>الآن صار الكلام للأمة، لجميع المؤمنين، لم يعد الكلام في {قم الليل}، {ورتل}، لم يعُدْ الخطاب خطاباً فرديا، لا.</p>
<p>الكلام الآن للأمة جمعاء، لأن الوضع تغير.</p>
<p>فاقتضى التطورُ في الأحوال التطور في الأعمال دون مسٍّ بالأصل الثابت في كل الأحوال.</p>
<p>بمعنى أن هناك أشياء تتغيَّرُ، وأشياء لا تقبل التغيير.</p>
<p>النقطة السادسة : تكليف الأمة بأعمال تناسب مستواها المرحلي :</p>
<p>الناس في الأمة من حيث الشغل أصناف ثلاثة :</p>
<p>&gt; عاجزون عن الشغل بعُذْر شرعي، كالمرضى ومن في حكمهم من شيوخ وأطفال وغير ذلك وهو الذي تشير إليه الآية {علم أن سيكون منكم مرضى}.</p>
<p>&gt; مشتغلون منتجون وهم الذين عبر عنهم القرآن {يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} فضل الله في جميع أنواع الشغل، جميع أنواع الوظائف، جميع أنواع الأعمال التي تتعلق بالمعاش، فهذا الصنف هو صنف الطبقة التي تنتج، يعني تشتغل.</p>
<p>&gt; منشغلون بالجهاد في سبيل الله، ولم أقل مشغولون، يعني منشغلون عن الشغل الذي يتعلق بالمعاش، هم منشغلون بالجهاد.</p>
<p>كيف صار الأمر؟</p>
<p>الطبقة الوسطى إذن هي العمود الفقري الذي يحْمِل العجزة، ويموِّلُ المجاهدين، بتعبير آخر : كيف تصير الأمة في النهاية؟!</p>
<p>الأمة معظمها هو الطبقة التي تنتج، تشتغل، تكسب.</p>
<p>ويوجد في الأمة طبقة لا تقدر على الإنتاج. لا نقول لا تنتج، الذي يقدر على الإنتاج ولا ينتج يُجْبر على أن يشتغل، أو المطلوب أن نُوجِد لديه الرغبة الداخلية، ولكن لا نعطيه الزكاة.</p>
<p>هذا النوع القادر على الكسب ولا يكسب، الرسول  يقول فيه &gt;فو الله لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب فيحمله على ظهره فيأكل أو يتصدق&lt;(رواه الإمام أحمد).</p>
<p>انتبهوا إلى يتصدق، قاعدة قرآنية عظيمة هي {ليُنْفق ذو سعة من سعته ومن قُدِر عليه رزقه فليُنْفق مما آتاه الله}(الطلاق : 7).</p>
<p>الذي لديه الكثير ينفق من الكثير، وصاحب القليل ينفق من القليل، ولكن صاحب القليل يقول كيف أنفق وما عندي ما يكفيني؟</p>
<p>أنْفِق، والأمة عليها أن تكفيك الطوارئ.</p>
<p>إذن ههنا نقطة مهمة فيها توجيه لوضع الأمة. هو أن الطبقة العاجزة عن الكسب مكفولة حقوقها عمليا، الطبقة القادرة على الكسب هي التي تتكفل بها لذلك قال  : &gt;أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه&lt;(رواه البخاري) أي أنا أتكفل. يقول هذا بصفته ممثلا للمسلمين.</p>
<p>هذا الوضع الطبيعي لذلك قال أيضا  : &gt;والله لا يومن، والله لا يومن، والله لا يومن، من بات شبعان وجاره جوعان&lt;، &gt;لا يومن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبُّ لنفسه&lt;(رواه البخاري) لا يحبُّ أحدٌ أن يبيت جوعان، إذن حتى الآخرون يجب أن لا يبيتوا جوعى.</p>
<p>الآن وضعنا سيء للأسف. وها هنا استطراد فاس المدينة القديمة مثلا فيها الدور الكبيرة والمتوسطة والصغيرة وفيها &#8220;المصريات&#8221; معنى ذلك أن يتساكن الغني مع الفقير مع المتوسط وإذاك بسرعة تحس بهذا &gt;من بات شبعان وجاره جوعان&lt; والآن التجزيئات على الطريقة الغربية التي تُعَلِّب بني آدم حسب دخولهم المادية فتجزئة فيها كما يقال الفراعنة وتجزئة فيها &#8220;القوارنة&#8221; وتجزئة فيها &#8220;الهوامنة&#8221; يعني كل تجزئة من نوع، لا توجد أي تجزئة يسمونها مدن القصدير، هذا الوضع شاذ وينبغي على الذين يشتغلون بالتعمير أو بالهندسة المعمارية أو بالتصاميم المديرية وغيرها ينبغي أن يفهموا هذا الكلام وأن يؤسسوا البنيان على أساس إسلامي على أساس التساكن بين الطبقات الاجتماعية بين الغني والفقير والضعيف والقوي وغير ذلك. كما يحدث في الصلاة. وضع الصلاة أكبر مظهر للحياة الإسلامية في جميع مجالاتها، في العلاقة بين الرئيس والمرؤوس، بين الناس وبين القانون لا أحد يستطيع أن يقول إن عنده مكاناً في المسجد، لا أحد، الذي حضر أولاً هو صاحب المكان وهكذا وهكذا، الناس يصطفون اصطفافاً حسب وصولهم {السابقون السابقون أولئك المقرّبون..}(الواقعة : 10- 11).</p>
<p>هذا الوضع في التساكن أقول شاذ ورثناه عن الغرب ويحتاج إلى تصحيح، ولن يصححه إلا من صُنِعُوا على عين الله، الذين لهم أعْين الوحي، الذين ليست لهم الأعْيُن الزرقاء ولا الأعين الحمراء كما نسميها، ولكن الذين لهم أعين فطرية طبيعية يبصرون بدون نظارات ملونة.</p>
<p>فالأمة المسلمة إذن على ثلاث طبقات :</p>
<p>- طبقة عاجزة عن الكسب عجزاً حقيقيا. فهذه تُكْفل، وهي المرضى ومن في حكمهم من العجزة.</p>
<p>- وطبقة منتجة وهذه هي التي تتولى التكفل، هذه التي تؤخذ منها الزكاة، ومنها تؤخذ الأقوات، ومنها تؤخذ كل الأشياء التي تحتاجها الأمة، لسد حاجة العجزة، وسد حاجة المجاهدين.</p>
<p>- وطبقة حامية للأمة {وآخرون يقالتون في سبيل الله} فلا أمة بدون جيش يدافع عن كيانها، ولا جيش بدون تمويل وتجهيز وإعداد.</p>
<p>النقطة السابعة : أصول صيانة المكتسبات :</p>
<p>حين تصير الأمة بتلك الأصناف الثلاثة تأتي خمسة تكاليف متتالية متكاملة.</p>
<p>لماذا قلت صيانة المكتسبات؟</p>
<p>لأننا عندما وصلنا إلى هذه الدرجة كأنه وقع انتقالٌ من المرحلة التي كان فيها، الإسلام مازال عند فرد أو مجموعة أفراد، بل عند قلة، وهم محاصرون بالقول قبل العمل، مغلوبون، ضعاف، إلى أن صارت الأمةُ أمَّةً لا سيادة لأحَدٍ على أرضها، ولا سيادة لأحد على نفسها، وتضرب في الأرض ابتغاء مرضاة الله ، وتكفل المحتاجين، وتموِّل المجاهدين.</p>
<p>حين وصلنا إلى هذه الدرجة كيف نصون المكتسبات؟</p>
<p>معنى هذا أن القرآن المدني يتجه إلى الصورة التي ينبغي أن تستقر أمور الأمة عليها في الأخير.</p>
<p>وأولها : قراءة ما تيسر من القرآن، سواء في الصلاة أو في غير الصلاة، لاستمرار التزود بالوقود.</p>
<p>وقبلُ كان القيام فرضاً، كان قياما فيه من الثلث إلى الثلثين، أما الآن فاقرأوا ما تيسر منه، {علم أن لن تحصوه} {وعلم أن سيكون منكم مرضى} وعلم أن ستكون لكم أشغال جديدة {وآخرون يضربون في الأرض} لذا ليس لازماً عليكم الآن أن تقوموا الثلث أو النصف أو الثلثين، لا. الآن اقرأوا ما تيسر من القرآن، وقوموا ما تيسر من الليل، حفاظا على قيام الليل الذي كان في الأصل.</p>
<p>هذه هي الأولى قراءة ما تيسر من القرآن يعني في القيام وفي  غيره بصفة عامة بمعنى أن القرآن لا يمكن الإنقطاع عنه.</p>
<p>هذه نقطة جوهرية جداً، ولا ننسى ولا ينبغي أن ننسى بحال أن الصلاة فيها قرآن وتبطل إذا لم يقرأ فيها قرآن &gt;لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب&lt;(üü) لابد من الفاتحة، هذا الحدُّ الأدنى والفاتحة خلاصة القرآن {ولقَدْ آتيْناك سَبْعا من المثَاني والقُرْآن العظيم}(الحجر : 87).</p>
<p>فرض علينا قراءة ما تيسر من القرآن فرضا، أن نقرأ هذه الفاتحة سبع عشرة مرة في اليوم، اثنتين في الصبح، وأربعاً في الظهر، وأربعاً في العصر وثلاثاً في المغرب وأربعاً في العشاء.</p>
<p>ومعنى هذا أن هذا هو الحد الأدنى للقرآن الذي يجب أن يقرأ في اليوم.</p>
<p>ومعناه أيضا أن الروح، روح البشر لا تستطيع الاستغناء عن القرآن ولو يوما واحدا أو نصف يوم، فهو قُوتُها، ووقُودُها، وطاقتُها.</p>
<p>ثانيها : إقامة الصلاة لاستمرار الاتصال القوي، واستمرار لوازمه، وعلى رأسها ولاية الله تعالى للمؤمنين، الصلاة صلة بين العبد وربه، وإقامتها وأداؤها على حقيقتها هو جعلها قائمة، وهذا القيام يعني الاستواء الكامل، أي تكون في أحسن صورة، أقيموا الصلاة معناه صَلُّوا على أحسن صورة؛ في الوقت، في الطهارة، في كل شيء، في الركوع تعطيه حقه، في السجود باطمئنان أي الغَيْبة التامة عما سوى الله تعالى {وأقِم الصّلاة لذِكْرِي}(طه : 14) لا إقامة للصلاة، وقد خرج وقتها. لا إقامة للصلاة وليس فيها ذِكْرٌ، ليس فيها حضور. لا إقامة للصلاة وليس فيها طهارة كما تعلمون أو استقبال  أو.. ينبغي أن تؤدى على حقها، هذه إقامتها. والصلاة صلة وعن طريق هذه الصلة يأتي تأثُّرُ العبد بربه، تأتي النعم من الله إلى القلب البشري، تأتي الأنوار الإلاهية، تأتي عن طريق هذه الصلة التي في الصلاة لذلك يجب إقامة الصلاة لإقامة واستمرار الاتصال القوي، واستمرار لوازمه، وعلى رأسها ولاية الله تعالى للمؤمنين.</p>
<p>ثالثها : إيتاء الزكاة، لاستمرار صحة الجسد الإيماني كله وقوته وتكافله، لأنه بالزكاة نقضي على تلك المشاكل التي عند الليبراليين أو الاشتراكيين ويتلاحم المجتمع.</p>
<p>وإيتاء الزكاة لا ينبغي أن نفهم منه أن يأتي الفقير إلى الزكاة لا، إن المُزكِّي هو الذي يخرجها ويذهب بها إلى الفقير، أو تتكفل الأمة بإيصالها للفقير، لأن القرآن ما قال &gt;إذا جاؤوكم فأعطوهم الزكاة&lt;، ولكن قال {آتوا الزّكاة}. أنت عليك أن تأتي للفقير بالزكاة، لأن ذلك الحق حق الله، والله قد ملَّكَه للفقير، وليس ذلك من مالك أيها المزكِّي، فحذَارِ حَذَارِ من أكْلِ فلْسٍ أو فلْسَيْن من الزكاة لأنه مال الله ومال الغير.</p>
<p>رابعها الإنفاق في سبيل الله{وأقْرضُوا الله قرْضاً حسناً} وانظروا إلى الترغيب الكبير في الإنفاق بالمال. معناه أن المال أُعْطِي درجتين، كما أعطيت الصلاةُ درجتين في الحقيقة، لأن {اقْرأوا ما تيسّر من القرآن} ترتبط بقيام الليل في أصلها، وإقامة الصلاةِ : الصلوات الخمس.</p>
<p>وهنا الجانب المالي أيضا أخذَ الزكاة، وأخذَ ما بعد الزكاة {وأقرضُوا الله قرضا حسنا} ثم يرغب {وما تقدّموا لأنفسكم} من أنفقَ ما أنْفق لغيْره، إنما أعْطَى نفسه، {وما تقدِّموا لأنفسكم من خير تجدون عند الله هو خيراً وأعظم أجراً} تجدوه عند الله قد تضاعف أضعافاً مضاعفة.</p>
<p>ترغيب في الإنفاق في سبيل الله : الإنفاق طهارة وتزكية، الإنفاق في سبيل الله عز وجل يحُلُّ المشاكل بجميع أنواعها زيادة على أنه بالنسبة للمنفق تزكية له {خُذ من أموالهم صدقة تطَهِّرُهم وتزكِّيهم بها}(التوبة : 103) الإنفاق في سبيل الله لسد الحاجات الطارئة والإضافية أقصد، الحاجات الأساسية تحُلُّها الزكاة، ولكن ما زاد عن الحاجات الأساسية من الطوارئ أو من الأمور التكميلية يحلها الإنفاق.</p>
<p>خامسها وآخرها الاستغفار لمحو آثار الخطايا والأخطاء بعد الانتهاء من كل عمل، وهذه سنة الله أرشدنا إليها وأكرمنا بها، أنه ينبغي أن نستغفر الله في آخر الأعمال ولذلك شرع لنا عندما ننهي الصلاة أن نستغفر الله ثلاثا وهو  بعد أن ختم رسالته أخبره الله عز وجل أنه سيقبض وأمره بالاستغفار {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت النّاس يدخُلون في دين اللّه أفواجاً فسبّح بحمد ربّك واستغفره} لأننا مهما أتقنا، ومهما أحسنا، ومهما اجتهدنا، تقع أخطاء &gt;كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون&lt;(رواه ابن ماجة) فنستغفر الله تعالى.</p>
<p>خلاصة هدى الصورة</p>
<p>&gt;1) القرآن هو مصدر الطاقة كلها للصف الإيماني أفراداً وأمة (أفراداً : الآيات الثمانية الأولى) و(أمة : الآية الأخيرة) : بمعنى أن القرآن هو كل شيء. الطاقة الحقيقية التي تملكها الأمة الإسلامية هي القرآن، بشرط تفعيلها وتخصيبها أي العمل بها. إذا عملت الأمة بالقرآن فإن الطاقات الأخرى ستنتظم، ولن نهملها وسنستطيع تفعيلها فالقرآن مصدر الطاقة : والطاقة لا توجد في كلام البشر بل توجد في كلام الله وإذن فالطاقة لها مصدر وحيد بالنسبة للصف الإيماني فبالنسبة للمؤمنين لا يمكن للمؤمنين أن يأتوا بالطاقة من مكان آخر غير القرآن والصلاة إنما كانت كذلك لكونها تتضمن القرآن.</p>
<p>&gt;2) الحاجة إلى الطاقة عند الإقلاع أكثر بكثير من الحاجة إليها بعد الاستواء في السير :</p>
<p>والثماني آيات الأولى تشرح هذا لقد كان فيها تركيز على مسألة الشحن والوقود فقيام الليل كان إجباريا وفرضا وبعدد كبير يعني بثلث أقل شيء وبثلثين أكثر شيء {نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتّل القرآن ترتيلا} {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه} لكن بعد ذلك علم أنه سيكون منكم مرضى علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن ما بقي ذلك التكليف غليظا كما كان أول مرة ما بقيت الحاجة إلى التزود بالوقود والطاقة العالية كما كانت أول مرة فاللحظات الأولى لحظات إقلاع وانطلاق فرسول الله  في البداية مؤسس الخير ومن معه في البداية يؤسسونه ولذلك كما عبَّر بعضهم جيل التأسيس يكون دائما محتاجا إلى طاقة عالية وهذه الطاقة تكون عمليا نتائجها واضحة أيضا وذلك واضح في الآية الكريمة {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} بعد ذلك {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} لماذا اختلفت نسبة الطاقة؟ لأن المسلمين الأوائل كانوا يؤسسون فكان شحنهم بالطاقة عاليا. أما المتأخرون فقد صاروا أمة، وصارت لهم أشغال، وكثروا بحمد الله عز وجل فأصبح يكفيهم أن يقرؤوا شيئا من القرآن مع المحافظة على الصلوات الخمس وذلك ما سميته صيانة المكتسبات السابقة.</p>
<p>&gt;3) حسن معاملة أعداء الدين وترك الباب مفتوحا أمامهم يقوي الرجاء في توبتهم</p>
<p>ودائما الكلام في البدايات.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b2%d9%85%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة القلم</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%84%d9%85/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%84%d9%85/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 26 Sep 2010 06:08:54 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 273]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[القلم]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6327</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة القلم د. الشاهد البوشيخي الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، هذا اللقاء الثالث هو مع الهدى المنهاجي في سورة القلم، وكالعادة أقول في كل سورة إن كتاب الله عز وجل لا يمكن -بحال- لأحد أيّاً كان أن يستخرج منه كل ما ينبغي أن [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة القلم</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، هذا اللقاء الثالث هو مع الهدى المنهاجي في سورة القلم، وكالعادة أقول في كل سورة إن كتاب الله عز وجل لا يمكن -بحال- لأحد أيّاً كان أن يستخرج منه كل ما ينبغي أن يُسْتخرَج، ولذلك فهذا ماتيسر بفضل الله سبحانه عز وجل وهو مما في هذه السورة من الهدى المنهاجي نسأل الله سبحانه عز وجل أن ينفعنا به، وينفعنا بكتابه وسنة نبيه.</p>
<p>ثم بعد ذلك أقول : أوّلُ مستفاد :</p>
<p>1) من سُننِ الدّعواتِ اتِّهامُ الرّأْسِ بما يصْرِف الناس عن دعْوته في البدايات. وأفضل سلاح للرّدِّ : الثّبات، والتخلُّق بأحْسن الأخلاق :</p>
<p>فالله تعالى يُبْرزُ في الآيات الأربع الأولى حُسْن خــــــــلق رســول الله  {ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربّك بمجنون وإن لك لأجراً غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم}.</p>
<p>وقبلُ في سورة العلق كان الله عز وجل يدافع عن رسوله  تجاه طاغِية بعَيْنِه، فالسورة دفاعٌ عن عبد الله حين يُخْلِصُ عبادتَه لله عز وجل، فيكُون على الهدى، آمراً بالتقوى. ومتى كان عبد لله تعالى. كذلك فالله عز وجل يتولاَّهُ ويُدافِع عنه.</p>
<p>أما هنا فالسورة متصدية للدفاع عن رسول الله  تجاه جمْعٍ من الطُّغاة، وليس تجاه واحد بعينه، بل العبارة شاملة للجميع من أول السورة إلى آخر السورة تقريبا لأن الذي يغلِب عليها ويطغى عليها هو التعبير بصيغة الجمع فيمن يُواجه رسول الله .</p>
<p>وذلك يرشد إلى أن الله تعالى كما يكفي عبْدَهُ المؤمن شرَّ الطاغية الفرد يكفيه كذلك شرَّ الطغاة الجماعة، كُلُّ ذلك الله عز وجل يتولاه.</p>
<p>هذا إطار كبير للسورة يشملها بكاملها.</p>
<p>أما النقطة الأولى وهي الاتجاه للرأس</p>
<p>فهو أنه فعلا في النظام العام لسَيْر الدعوات -والأسوة والقدوة هم الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم مَنْ حمل أمانتَهم عبر التاريخ مقتديا بسيرتهم- دائما يكون التوجُّه إلى الرَّأسِ، وهذا الذي يُجَلِّي : لِم يَهتم نماذج من الطغاة في هذا العصر بالنُّشَطاء؟! لِمَ يهتمون بالرؤوس؟! لِمَ يهتمون بالذين يأمرون بالقسط من الناس؟! لأن قطْع الرأس يقضي على الدّعوة من جذورها، كما يُقال في المثل الدارجي &#8220;اقْطَع الرأس تنْقطِع الخصومة&#8221;.</p>
<p>لكن التوجيه الذي يجب التزامه أمام هذه الظروف، وأمام هذا الحال هو الثَّبَاتُ على الحق أولاً، هذه نقطة أساسية، حَذَارِ حَذَارِ من التولِّي، الثباتُ على الحق أقوى سلاح يتحَدَّى به الرُّسُلُ وأتباعُهم خُصومَ الدّعوة.</p>
<p>ثم بعد ذلك التخلُّق بأحسن الأخلاق، لمَهْ؟! لأن رسالة الدّعوة تزكيةُ الإنسان وتحسينُ أخلاقه، فإذا وجد الشيطان مدخلاً، أو ثقْباً ينْفُذُ منه فإنه سيوسع الفَتْق لتشويه الدّعوة، ولذلك كان الخُلُق الحسن بالنسبة للداعي إلى الله عز وجل هو السلاح الحقيقي الذي به يُواجِه كل هجوم، وكل تهمة كيفما كان نوعها، ولا يُسْتَطاعُ أن يُنْفَذَ إليه مهما أُلْصِق به من الأكاذيب ومن الإفتراءات ومن الترهات، لأن كيانَهُ له مناعَةٌ خُلُقية تحميه تلقائيا من كل ذلك.</p>
<p>والله عز وجل يختارُ من عباده -ولاسيما من الأنبياء والرسل- من البداية ذوي الخُلُق الحسن المؤهلين لحمل أمانة الدِّين.</p>
<p>فاختيار النماذج الرفيعة خلقاً للدّعوة هو من أول الهدى الذي يواجهنا في السورة؛</p>
<p>إذ فواتح سورة القلم من أول ما نزل، وحسب الحديث الحسن هي ثاني ما نزل على رسول الله ، وهذا منسجم فعلا، إذا تأملنا العلاقة بين مضمون هذه الآيات الأربع، ومضمون الآيات الخمس الأولى في سورة العلق، معنى هذا الكلام : أن رسول الله  وهو يُشْهد له هنا بأنه على خلق عظيم معناه أنه كان على خُلُقٍ عظيم في بداية الدعوة، وهذا يوجِّه إلى أن هذه النماذج البشرية الرفيعة ذات الخلق الحسن هي التي يجب أن تُختَار وأن تُصطفى لأنها تكون -في الوسط الذي تعيش فيه- في وضع المحبوب، في وضع المطلوب، في وضع الشَّامَة، في وضع النموذج حتى قبل أن تحمل أمانة الدين. هذه النقطة مهمة جدا.</p>
<p>ثم إن المفسرين -عادة- يتجهون في فهم هذه الآية إلى الحديث المشهور : سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله  فقالت : &gt;كان خلقه القرآن&lt; هذا الحديث ورد متأخراً، وهذه الآية نزلت قبل أن ينزل القرآن بكامله، بل نزلت قبل أن ينزل أغلبُه. آيات قليلة فقط، ومع ذلك شَهِدَ الله عز وجل لرسوله بهذا الخُلُق.</p>
<p>واستعمل لفظة {على} للدلالة على التمكن كما استعملها قبل في {على الهُدى} {أرأيت إن كان على الهُدَى} {وإنك لعلى خلق عظيم} فهو هناك في سورة العلق متمكنٌ من الهدى، وهُو ها هنا أيضا متمكنٌ من الخلق، وليس خلقا كريما عاديا، بل خلقٌ عظيمٌ، إشارة إلى عدم محْدُودية هذا الخلق، وتحجيمه في جانب كذا أو جانب كذا. ونظير هذا على بصيرة في قول الله تعالى : {قل هذه سبيلي أدعُو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتّبَعَن}(يوسف : 108).</p>
<p>فالرسول  كان على الهدى، وعلى خلق عظيم، وعلى بصيرة من أمر الدين، وأمر الدّعوة، وأمر التربية للأتباع، فعلى ورثة الرسول  أن يكونوا متمكنين أيضا من كل ذلك، وأن يتسلحوا بما تسلح به رسول الله .</p>
<p>فجميع من اتبع رسول الله  لهم طريق واحد هو الدعوة إلى الله عز وجل على بصيرة والمنتظر ولاسيما في البدايات أن يصيبهم ما أصاب رسول الله ، فعليهم أن يتسلحوا بما تسلح به رسول الله  حتى يتحصنوا من منافذ الشيطان.</p>
<p>2) الحلُّ في المستقبل والله تعالى الأعلم بالأهدى والأضل :</p>
<p>{فستبْصِر ويُبْصرون بأيّكم المفتون إن ربّك هو أعْلم بمن ضلَّ عن سبيله وهُو أعْلم بالهتدِين} في الآيات إشارة توجيهية إلى تكفل المستقبل بالحلِّ أي الزمن جزء من العلاج.</p>
<p>فستبصر ويبصرون. متى؟ يوم القيامة؟! الكلام أساسا في هذه الدنيا، سيقع هذا الأمر في الدنيا سيتجَلّى للناس كما يقول الله تعالى في آية أخرى {ولتَسْتَبِين سبيلَ المُجْرِمين} سيتّضِح الأمر بجلاء، سيُبْصِر النّاس جميعا الذين يكذبون بالدين، والذين يعارضون الدعوة إلى الله عز وجل، إذا ثَبَتَ رِجَالُها، إذا صبرَ أهْلُها، سيأتي الوقت الذي  يميِّز الله فيه الحق من الباطل، ويتميز الخبيث من الطيب، ويتضح كل شيء. آنذاك {فستبصر ويبصرون} لستَ وحْدك تبصر، ولكن : فستُبصر أنت، وسَيُبْصرُون هم كذلك {بأَيِّكُم المَفْتُون} بِأيّكم تكون الفِتنة للنّاسِ؟! من هو الذي يَفْتنُ الناس عمليّاً؟ من؟</p>
<p>لفظ المفتون جاء على صيغة اسم (مفعول) ولكنّ معْناه معْنَى المصْدَر كما قال بعض المفسرين، وهو الأفضل في المعْنى، كأنه بمَعْنَى (بأَيِّكُم الفِتْنة) (بأيِّكم تكون الفتنة للناس). وإذا تركنا اللفظ على ما هو عليه يقْبَلُ أن يُفْهم منه المراد على ما هو عليه. {بأيّكم المفتون} المفتونُ بأيكم هو؟! المفتون الذي سيُفْتَن، الذي تصيبُه الفتنة، الذي يصبح مفتوناً، بأيكم سيكون؟! هل هو بهذا أم بغيره؟! فسيُبْصَر هذا، سيُصْبح واضحاً، مَنِ الفتّانُ حقيقة؟!.</p>
<p>فخلاصة هذه النقطة :</p>
<p>هي أن المستقبل فيه الحل.</p>
<p>فيجب الثباتُ والانتظار.</p>
<p>هذا معنى الكلام.</p>
<p>الزمن كما قيل جزء من العلاج.</p>
<p>فقط ينبغي الصبر والاستمرار. الثبات والاستمرار، هذه هي النقطة كل الأمور تُبْني على هذه النقطة التي جَلَّتْها الآيات في جهة أخرى {وجَعَلْنا مِنْهم أَئمّة يَهْدُون بأمْرِنا لمّا صَبَرُوا وكانُوا بآياتِنا يُوقِنُون}(السجدة : 24).</p>
<p>إذا كان اليقين بما جاء من عند الله عز وجل ثم كان الصبر عليه، والثبات عليه كل النتائج بعد ذلك تأتي في إبّانها.</p>
<p>لكن إذا وقع اضطراب، إذا وقع اهتزاز، إذا وقع نكوص، إذا وقع، إذا وقع، إذ ذاك تتخَلَّف النتائج وتأتي العقوبات، بدَلَ أن تَأتي البشائر والنتائج السارة.</p>
<p>فإذن المقصود هُنا هو أن الزَّمَن له تأثير، والمسقبلُ كشّافُ، والحلُّ يأتي مع الزمن، فيجب الصبر. والصبر أنواعٌ منها : انتظار الفرج، بعد تحمُّل جميع ما يمكن أن يأتي في الطريق، سواء كان ذلك اختيارا أو اضطراراً، فهذه نقطة مهمة جداً أنّ في المستقبل الحل، وأن الزَّمن جُزْءٌ من العلاج.</p>
<p>3) لا طَاعَة لمكذِّبٍ بالدِّين ولا قبول لمساومته، ولا طاعة لمن كان ذا خُلُقٍ لئيم أثيم :</p>
<p>هذا القسم هو الذي يقول الله تعالى فيه : {فلاَ تُطع المكذبين ودُّوا لو تُدْهِنُ فَيُدْهِنون ولا تُطِع كل حلاف مهِين همّازٍ مشّاءٍ بنَمِيمٍ منَّاعٍ للخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بعْدَ ذلك زَنِيم}.</p>
<p>في السورة السابقة (العلق) كان الختم {كلاّ لاَ تُطِعْهُ} وها هنا {فلاَ تُطع المكذبين ولا تُطِع كل حلاف مهِين}.</p>
<p>إذن الذين يكذِّون بالدين، الذين يكذّبون بما جاء به الرسول ، الذين يُكذِّبون بالقرآن، الذين يكذِّبون بما صحَّ عن رسول الله ، الذِين يُكَذِّون باليوم الآخر، الذين يصُدُّون عن طريق الله، هؤلاء جميعاً وأمثالهم لا طاعَةَ لهُم من أهْلِ اللّه وأوْلِياء الله، ولا قبول لمساومتهم.</p>
<p>وهذه نقطة مهمة جداً.</p>
<p>إذ حقيقة الدعوة : أنّها تقوم على مبادئ ثابتة راسخة لا تقبل المساومة.</p>
<p>فلا مجال لمثل هذ الاقتراح : نعْبُد إلهك شهراً وتعْبُد إلهنَا شهراً. لا مجَالَ البتَّة.</p>
<p>ما جاء من عند الله هو الحق، ولا مجال للمساومة عليه، {فاسْتَمْسِك بالذِي أُوحِي إِلَىْك}(الزخرف : 43) ما جاء من عند الله عز وجل يجب الاستمساك به، يجب العَضّ عليه بالنواجذ، يجب قبضُه كالجَمْرِ وإن كان مُحْرقاً، وإن كان مؤلماً، وإن كان صعباً، وإن كان شَاقّاً، كيفما كان نوعه يجب الثبات عليه.</p>
<p>هذه نقطةٌ لا تقبل الكلام، في السيرة، ولا في القرآن. وطبعاً السيرةُ هي صَدًى لكتاب الله عز وجل في الواقع.</p>
<p>المؤمن كما نقول اليوم صاحب مبْدإ، والداعية مبدئي أيضاً، أيْ هناك أشياء لا مفاوضة فيها، ولا مساومة عليها، ولهذا كانت هذه السورة {قُلْ يا أيُّها الكافرُون لا أعْبُد ما تعْبُدُون ولا أنْتُم عابِدُون ما أعْبُدُ ولا أنَا عابِد ما عَبَدتُّم ولا أنْتُم عابِدون ما أعْبد لكُم دينُكُم ولِي دِين}.</p>
<p>طريقان منفصلان غير قابليْن للالتقاء، بمعنى : نعم للحوار وعلى الرَّحْبِ والسَّعَة، لكن لا تنازُلَ أثْناء الحوار عن أيِّ مبدإ من مبادئ الدِّين الأساسِيَّة القَطْعِيّة الصحِيحَة المفْرُوغِ مِنها، لا تنازل عن شيء من ذلك.</p>
<p>فهذه نقطة مهِمّة جدا، لا قبول للمساومة، ولا طاعة لمكذب بالدين، ولا لمن كان ذا خُلُق لئيم، ولا لمعتد أثيم.</p>
<p>الطاعة فقط لمن له الأهلية للطاعة، أي لمن أمر الله تعالى بطاعته، لأن الطاعة في أصلها لله، وإنما أطيع محمد بن عبد الله  لأنه رسول الله واللّه أمر بطاعته {ومَا ءاتَاكُم الرّسُول فخُذُوه، وما نهاكم عنْه فانْتَهُوا}(الحشر : 7) {يا أيُّها الذِين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}(النساء : 59) وأمراء رسول الله  يطاعون بأمر الرسول، وأولوا الأمر، إنما تجب طاعتهم بأمر الله، ماداموا آمرين بطاعة الله عز وجل؛ إذْ القَاعِدة الكُلّىة الضخمة في هذا الدين هي أنْ &gt;لا طَاعَة لمخلوق في معْصية الخالق&lt; فلذلك كان هذا الأمر من أوائل ما رُتِّب وسُطِّر ليسْتَقِرّ {فلاَ تُطع المكذبين ودُّوا لو تُدْهِنُ فَيُدْهِنون ولا تُطِع كل حلاف مهِين همّازٍ مشّاءٍ بنَمِيمٍ } يعني ذا الأخلاق السيئة المنافية للشريعة وللدِّين لا يُطاع بوجهٍ هذا ليس أهلاً للطاعة وليس صالحا للطاعة.</p>
<p>4) من أسباب التّكذيب القوة المالية والبشرية :</p>
<p>لماذا يكذِّب المكذبون؟ :</p>
<p>القوة المالية والعسكرية -بتعبير اليوم- هي السبب، الله عز وجل قال {أنْ كان ذَا مالٍ وبنين } لأَنْ كان ذا مال وبنين إذا تُتلى عليه ءايتنا قال : {أساطِيرُ الأولين} أي خرافات الناس السابقين.</p>
<p>المال قوته معروفة، فهو يرمز اليوم للقوة الاقتصادية أما البنون فهم رمز للقوة البشرية، وهم رمز للقوة العسكرية اليوم، ومن اجتمعت عنده القوة الاقتصادية والعسكرية توفرت له أسباب الطغيان، يَظْلِم ولا يُظلَم، ويُذل ولا يُذل يخْضع الناس لحُكمه، ولا يخضع لحكم أحدٍ، بل لا يخضع لحُكم الله {المالُ والبَنُون زينةُ الحياةِ الدّنيا} {أن كان ذا مَالٍ وبنين إذا تُتْلى عليه ءاياتُنا قال أساطير الأولين}.</p>
<p>سبق في السورة السابقة {إن الإنسان ليَطْغى أن رآه استَغْنى} حين يُوجَدُ المال، وتوجد القوة العسكرية فإن الإنسان يَطْغى مباشرةً، ولا يبالي، بما جاء من عند الله عز وجل.</p>
<p>فرعون من هاهُنا أتِي، فراعِنَة العصْر من هاهنا أُتُوا. الجميع في كل زمان وفي كل مكان يطغى بسبب القوة الاقتصادية والعسكرية العمياء {أن كان ذا مَالٍ وبنين إذا تُتْلى عليه ءاياتُنا قال أساطير الأولين}.</p>
<p>5) نعمة الدّين -وهي أعظم النعم- بلاء؛ فمن كفَرَها فقد ظلم وطغى وعرَّضَ نفسه للعذاب الأصغر في الدنيا والأكبر في الآخرة :</p>
<p>هذا خلاصة هذا القسم الخاص بأصحاب الجنة، لماذا جيء بهذه الآية هنا {إنّا بلوْناهُم} أي بلوْنا هؤلاء المكذبين من قريش وغيرها كما بلونا أصحاب الجنة.</p>
<p>إذا تأملنا في قصة أصحاب الجنة، وربطناها بما سبق، ورأينا أولئك الذين سبقوا، وجدنا أن الإشكال هو : كفران نعمة الوحي، ونعمة الإيمان، ونعمة القرآن بالتحديد.</p>
<p>لأن لفظة النعمة في البدايات، في بداية نزول القرآن الكريم، كانت تنصرف بالدرجة الأولى إلى القرآن.</p>
<p>هذه النعمة {وأما بنعمة ربك فحدّث} {ما أنت بنعمة ربّك بمجنون} وهي التي تمَّت بعْدُ {اليوم أكملت لكم دينكُم وأتممت عليكُم نعمتي}(المائدة : 3) نعمة القرآن تمت وانتهت، وانتهى نزُول القرآن وهي في الحقيقة تستلزم النبوة بالنسبة لرسول الله  والرسالة والإيمان وكُل شيء.</p>
<p>هذا القرآن، هو الذي به كان كُلُّ ما كان، كل ما كان حتى في رسول الله  كان بالقرآن.</p>
<p>الذي حوله مما كان عليه إلى ما صار إليه هو القرآن، أربعون سنة وهو يَعِيشُ كَبقية الناس من خير الناس، ولكن بنزول القرآن لم يبق ذلك الإنسان الذي كان يعْرفُه الناس، ولذلك اتّهِم بالجنون، واتهم بالكهانة، واتهم بالسحر، واتُّهِم بالشعر، أي اتُّهِم بالعجائب والغرائب، لأنه جاء الناس بشيء لم يأْلَفُوه ولم يعْهَدُوه، جاء بشيء ليس في طاقة البشر.</p>
<p>فنعمة الدين هي النعمة الحقيقية التي تستحق لفظ النعمة. أكْثر من سواها.</p>
<p>هذه النعمة نفسها بلاء من الله، والله يبتلي بالخير وبالشر {ونَبْلُوكُم بالشّرِّ والخَيْرِ فِتْنة}(الأنبياء : 35) والله ابتلى قريشا إذ ذاك بنمعة القرآن، بنعمة الدين، ولكنهم كفروا، والله عز وجل يهدِّدُهم ويخوِّفُهم من جهة، ويتألَّفُهم أيضاً من جهة أخرى ليعودُوا كما عادَ أصْحابُ الجنة في الأخير. ليتُوبُوا، حتى إذا أخْطَأُوا فلْيتُوبُوا، فلْيعْترفُوا بالحقّ، ولْيَعُودوا إلى الله عز وجل.</p>
<p>نحن -المسلمين اليوم- عنْدَنا هذه النعمة موجودة، هي بين أيدينا، نعمة القرآن ليْست إلا عندنا، وهي بلاءُ من الله عز وجل لنا، فإذا شكرناها وأدينا حقها فإن النعم الأخرى ستتوالى تتْرى، ولكن إذا لم نؤد شكرها، ولا يكون أداء الشكر إلا بالإيمان والعمل بها، فسيصيبنا ما أصابهم أو شرٌّ من ذلك.</p>
<p>{قَال أوسَطُهُم ألمْ أَقُلْ لكُم لَوْلاَ تسبِّحون قالوا سُبحان ربّنا إنّا كُنّا ظالمين، فأقبل بعضُهم على بعض يتلاومون قالُوا يا وَيْلنَا إنّا كنّا طاغِينَ عَسَى ربُّنا أنّ يُبدِّلنا خَيْرا منْها إنّا  إلى ربِّنا راغِبُون كذلك العذاب ولعذابُ الآخرة أكبر لو كانُوا يعْلمون}.</p>
<p>فهذه النقطة لابُدّ من وضْعِها في الاعتبار لابُدّ أن نُحسَّ بقيمة هذه النعمة وأهميتها.</p>
<p>6) المساكِينُ محْمِيُّون من قبل اللّه عز وجل، فمن حرَمَهُم من حقِّهم فِيما عِنْدَه، حرمَه الله من كُلِّ ما عِنْده :</p>
<p>ورد في الأثر (اتّقُوا مجَانِيق الضّعفاء) المنجنيق كأنه المدفع بالنسبة للعصر الماضي، يأخذ الحجر الضخم ويرمي به فيكسر الحائط والجدران والبيوت وغير ذلك، المنجنيق  : جمعه مجانيق، ومجانيق الضعفاء الدعوات؛ لأنهم لا يستطيعون الرد العملي، ولكن يتوجهون إلى الله عز وجل واللّه معهُم، وكلُّ مسْلُوب الحق هو ضعيف، والضعيف لا سند له إلا الله تعالى. أصحاب الجنة اجتهدوا بكل طاقتهم أن يمنعوا وصول أي قدر من حصيلتهم إلى المساكين، اجتهدوا بكل سبيل، ولكن الله عز وجل كان من ورائهم محيطاً فعاقبهم، لأنهم أرادوا حرمان المساكين من حقوقهم في مال الأغنياء ، فالله عز وجل عاقبهم بحرمانهم من جميع مالهم {فَأصْبَحَتْ كالصّرِيم}.</p>
<p>{إنّا بَلَوْناهم كما بَلَوْنا أصحاب الجنة إذْ أقْسَمُوا ليَصْرِمُنَّها أي ليَقْطِفُنّ ثِمَارَها مُصْبِحين &#8211; أي في الصباح الباكر- ولا يستثْنُون} أي لا يُبقون شيْئاً من حصيلتها وثمارها يُمْكن أن يُعْطوه للمساكين، وذلك مع غَيْظٍ، لأن الحرْدَ هو المنْعُ مع الغَضَب {وغَدَوْا عَلَى حرْدٍ قادِرِين}.</p>
<p>هكذا تآمَرُوا، هكذا اتَّفقُوا وتواطأُوا {ليَصْرمُنَّها مُصْبِحين ولا يَسْتَثْنون}.</p>
<p>ما الذي حدث؟!</p>
<p>{فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ من ربِّك وهمْ نائمون فأصبحتْ كالصّريم، فتنادوْا مُصْبحين -لا علم لهم بما وقع- أن اغْدُوا على حرثِكُم إنْ كُنْتُم صارِمِين فانْطَلَقُوا وهُم يتخَافَتُون ألاّ يَدْخُلَنَّها اليوم عَلَيْكُم مِسْكِين -يتكلمون بالهَمْس ويتخافتون ألاّ يدخلَنَّ اليوم عليكم مسكين- وغَدَوْا على حرْدٍ قادِرين} هكذا ظنّوا {فلَمّا رأوْهَا قاَلُوا إنّا لَضَالُّون بَلْ نحْن مَحْرُومُون} عندما رأوْها على الشكل الذي رأوا ظنوا أنهم قد أخطؤوا الطريق ثم فهِمُوا ما حَدَث، فهِمُوا وعلِمُوا أنهم قد حُرمُوا من جميع ثمار الجنة، بسَبَب إصْرارهم على أن يحْرموا المساكين من حقوقهم.</p>
<p>إنّ حُقُوق المساكين هي حُقوق اللّه {كلاّ بل لا تُكْرِمُون اليَتِيم ولا تَحُضُّون على طَعَام المسْكين} مسألة المسكين في ميزان الله تعالى شيء عظيم، المساكين باختصار محميُّون من قِبل الله تعالى ومَن حرَمهم من حقِّهم فيما عنده حرمه الله تعالى من كل ما عنده.</p>
<p>والمصائب التي نعيشها ونحياها الآن في الأمة جمعاء من أسبابها الكبرى ضياع حقوق المساكين.</p>
<p>انهَدَم ركن الزكاة على صعيد الفرد والمجتمع، وعلى صعيد الجمع والصّرْف، فضاعت حقوق المساكين، وحدثت المشاكل، ورأينا العجائب من أشكال البطالة، وأشكال البلاء، مع أن هذا الركن وحْده إذا أقيم في بلد من بلاد المسلمين فسيُصْبح البلدُ غنيا في سنوات، لأن ملايير ستتوفَّرُ بسرعة مذهلة، يمكن أن تؤسس مؤسسات إنتاجيه ضخمة، ستنشأ معامل تشغل آلاف العمال، ستنشأ مؤسسات استثمارية، ومشاريع تنمويّة بأموال الزكاة تُمَلَّك للفقراء، ويشغَّل فيها الفقراء، وبذلك تدُورُ عجَلة الاقتصاد. إذا نُظِّم أمرُ الزكاة، ولاسيما إذا أدخلنا أيضاً الأبناك نفسَها على أنها مؤسسات مالية يجب أن تؤدي الزكاة على الأموال المودعَة عندها حسب اجتهاد بعض العلماء.</p>
<p>إذا حدث ذلك وغيرُه، كم نأخُذ من أموال الزكاة؟! وكم نؤسس من مشروع؟! وكم ننفع من مسكين؟! وكم نُنْقِد من أُسَر؟!</p>
<p>7) التّسْبِيح والتوبةُ النّصُوحُ هما طوق النجاة عند تيقن الغرق :</p>
<p>إذا وقعْنا في خطأ فالتسبيح والتوبة النصوح هما طوق النجاة، وأصحاب الجنة تيقّنوا الآن أنهم قد حُرِمُوا فما المخرج؟ إذا استمروا على ما هم عليه، فإن هذا الحرمان سيتوَالى {قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبّحون} سبِّحوا الله.</p>
<p>وأول أدب كان من الملائكة مع الله عز وجل حين قَالُوا له : {أتجعلُ فِيها من يُفْسِد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدِّس لك قال إنِّي أعْلَمُ ما لا تعْلمُون وعلّم آدم الأسماء كُلّها ثم عرضَهُم على الملائكة فقال أنْبِئوني بأسمَاء هؤلاء إن كُنْتم صادقين قالوا سبحانك لا عِلْم لنا إلا ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم}(البقرة : 30- 31).</p>
<p>فأولا التسبيح : تنزيه الله تعالى عن الخطأ، تنزيه الله عن النقص، تنزيه الله عن أن يكون هذا مِنْه فيه ظُلْم بشكْلٍ من الأشكال، أو خَطإ.</p>
<p>ثم التوبة النصوح : العوْد والرجوع إلى الصراط المستقيم إلى الوضع الصحيح، معنى : أنهم قالوا : {عسى ربُّنا أن يُبدِّلَنا خَيْراً منها} ندِمُوا وتابُوا، شعَرُوا بالمشكلة وقالوا : {إنّا كُنّا ظالمين} {يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِين} بعد ذلك {عَسى ربُّنا أن يُبَدِّلنا خَيْرا منها إنّا إلى ربّنا راغِبون} رجعوا إلى الله، ، سبّحُوا الله، واعْترفُوا بخطئهم وتابوا. فالتّسبِيح والتوبَة النّصُوح هما طَوْق النجاة عند تيقُّنِ الغرق.</p>
<p>بمعنى أنه حتى ولو تبيّن أن الغرق قد وصل، فإن الإنسان إذا سبح فإن النجاة مرْجُوّةٌ كما حدث لسيدنا يونس عليه السلام، إذ أخرجه الله عز وجل من بَطْن الحوت عندما سبّح {فَلَوْلا أنّه كانَ من المُسَبِّحِين للَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلَى يَوْم يُبْعَثُون}(الصافات : 144) معنى هذا أن التسبيح طوق النجاة.</p>
<p>8) الإسلامُ سلامٌ والكُفْرُ إجْرامٌ ولا   مساوة بين المسلمين والمجرمين في ميزان الله تعالى (لا في الدنيا ولا في الآخرة) :</p>
<p>هذا المصطلح  مصطلح المجرمين في غاية الأهمية ولا نلتفت إليه، والقرآن يستعمله كثيرا، وسيأتينا في القرآن المكي كثيراً {أفنَجْعَلُ المسلمين كالمُجْرِمين} مُقَابَلةُ المسلمين بالمجرمين يصحح أكبر اعوجاج في الفهم اليوم. المسلم لا يكون مجرما بحال، المسلم مشتق من السِّلْم، ولذلك قال  : &gt;المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده&lt; وفي رواية أخرى : &gt;المسلم من سلم الناس من لسانه ويده&lt; وهذه هي التي تنْسَجِم مع الخط العام للإسلام، ولا تضاد بين الروايتن بل بينهما تكامل.</p>
<p>المسلم مصدرٌ للخير مصدرٌ لما يُحقِّقُ السِّلم في الأرض، وفي الكَوْن. هو مصدر لكل أنواع الخير لأنّه أسس حياته من أول مرَّة على الحق، على السير على هدى الله عز وجل، والله عز وجل ضمن حقُوق الجميع؛ حقوق بني آدم، حقوق الحيوانات، حقوق النباتات، حقوق ما نرَى، وحُقوق ما لا نرى، ضمِن حقوق الملائكة، وضمِن حقُوق الجن، كُلُّ ذلك مضمون عند الله عز وجل، وإذا سار الإنسان في حياته وفْقَ هُدَى الله فإنه يُسدَّدُ بإذن الله عز وجل ويُكْفى همَّه كُلّه في هذه الدنيا.</p>
<p>فالإسلام سلامٌ والكُفْر إجرام.</p>
<p>لم كان الكُفْر إجراماً؟!</p>
<p>لأن أوّل جريمة ضخمة لا مثيل لها هي أن تجعل لله نِداً وهو خلقك كما قال .</p>
<p>يعني ببساطة : أن الله أعطاهُ الوجود، وهو تلقائيا يتصور أن الله غير موجود، لا يعترف به نهائيا، لا يتصور أنه كائِنٌ مطلقاً.</p>
<p>أو يتصَوَّرُ أنّ له شريكا شارَك الله في هذا الأمر.</p>
<p>أو يتصوَّرُ بدلاً منه سبحانه وتعالى {ثـــم الذين كفروا بربّهم يعدلون}(الأنعام : 1).</p>
<p>لذلك فـ{إن الشــرك لظُلْم عظيم}(لقمان : 13).</p>
<p>الحقيقة الجلية في هذا المُلك التي ما مِثلُها حقيقة جلية، هي : &gt;لا إله إلا الله&lt; هذه الحقيقة جلية إلى حد : أن الشمس تدل عليها، والقمر يدلّ عليها، والأرض تدل عليها، والأشجار تدل عليها، والأنهار تدل عليها، والجبال تدل عليها، والأسماك والأطيار والحيوات، ما نرى وما لا نرى كل ذلك يدل على أن : &gt;لا إله إلا الله&lt; هي الحقيقة.</p>
<p>يوجد خالقٌ واحدٌ، رازقُ واحد، مُدَبِّر للملك واحد، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}(الأنبياء : 22) {ألا له الخَلْق والأمْر تبارَك الله ربّ العالمين}(الأعراف : 52).</p>
<p>الكفر إجرام لأنه يُفْسِدُ كل شيء.</p>
<p>لأنه من البداية حين يضيع منه المفتاح الأصْلُ الذي : هو لا إله إلا الله، يضيع منه كل تصرُّف صحيح في هذا الملك، ولذلك كان {والذين كفروا بربهم أعمالُهُم كرمَادٍ اشتدت به الرّيح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء}(ابراهيم : 18) {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه}(النور : 39).</p>
<p>لاشيء،  جمِيع ما يصْنَعُ مُصيبةٌ {يحْسِبُون أنّهُم يُحْسِنُون صُنعاً} {قُل هل ننبِّئُكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعْيُهُم بالحياة الدنيا وهم يحْسِبون أنَّهُم يُحْسِنُون صُنعا}(الكهف : 99).</p>
<p>لا إحسان في الصنع إلا بميزان الله، ولا سعادة ولا حياة، إلا بهُدَى الله، ولا يستطيع الكفار أن يحسنوا التصرُّف في نعْمة من نّعم الله. لا يستطيعون.</p>
<p>والذي نراه الآن ونظن أنه إحسانٌ، لَىْس بإحسان، العالم لن يستقِر على هذا الوضع أبداً. إنهم يفسدون بإحسان : نعمة العلم يُفسدون بها، نعمة القوة يُفسدون بها، أيُّ نعمة يُفسدون بها في الأرض.</p>
<p>نحن نقول : هُمْ خيرٌ منَّا في عدد من الأشياء.</p>
<p>لماذا هم خير منا؟!.</p>
<p>لأننا نحن أيضا لا نمثِّلُ الإسلام، نحن لا نمثل الآن الإسلام. أقصد  &gt;بنَحْنُ&lt; : نحن المسلمين في العالم، لا نمثل الإسلام؛ لأننا لو مثلناه حقيقة لاستحال أن يكون الكفار أعلى درجَةٍ منا في الأرض أبدا {ولنْ يجْعل اللّه للكافرِين على المُومِنين سبِيلا}(النساء : 141) والآن لهم علينا السبيل، فإذاً لا يخلو :</p>
<p>إما أن الله يقول الحق أوْ لا يقول الحق {ومَنْ أصْدَق من الله حَدِيثاً} {ومنْ أصْدَقُ من اللَّهِ قِيلا}.</p>
<p>إذن هناك إشكال؛ من أراد أن يعرف المنْكر ودركات المنكر الذي نحن فيه في العالم الإسلامي فلْيَقْرأ القرآن، ولْيَزن واقعنا بالقرآن.</p>
<p>لينظره فقط من خلال ما وصف الله به المومنين، وما وعد به المومينن.</p>
<p>حين لا يجد ذلك واقعا ويَجِدُ عكسه يتيقّن أن الله عز وجل لا يظلم أحداً {وما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ للعَبِيد} فما دامت هذه الأمور ليست موجودة فسببها الذي كان ينبغي أن تترتّبَ عليه غَيْر موجُود.</p>
<p>كيف يُتَصَوّر أن الذين ضرب الله عليهم الذّلّة والمسكنة وباءوا بغضب من الله لهم الكلِمَة العُلْيا على المسلمين.</p>
<p>كيف يُتصوّر هذا؟!</p>
<p>لا يُتَصوّر إلاّ بغَضّب من الله عز وجل على المسلمين أعْظم، فابْتلاهُم بالمغضوب عليهم منه. على قاعدة أن الأحقر هو الذي حقر بأحقر منه.</p>
<p>فهذا تأديب من الله عز وجل لنا إذا نظرْنا إلى المآل نرى أن هذا فيه خير إن شاء الله عز وجل، في هذا خيرٌ عظيم للمسلمين، بمعني أن الذي سيثبت على الحق سيأخذ أجرا عظيما. إذا حَيِيَ فسَيَحْيى في خير، وإذا مات فيسموت في خير.</p>
<p>فإذاً الإسلام سلام والكُفْر إجرام&#8221; ولا مساواة بين المسلمين والمجرمين في ميزان الله تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة.</p>
<p>9) ظنون المجرمين بربهم سَــرابٌ ستنكشف بعد فوات الأوان يوم الحِساب :</p>
<p>{يوم يُكْشَف عن ساقٍ ويُدْعون إلى السجود فلا يسْتَطِيعون خاشعة أبصارُهم ترهقُهم ذلَّة، وقد كانوا يُدْعون إلى السّجُود وهم سالِمُون}.</p>
<p>10) لاداعي لبخع النّفس على المكذبين فالله يتولاهم بكيده المتين :</p>
<p>بمعنى لا داعي للحسرة الشديدة ولا داعي للأسف الشديد على من كذّب بالدين؟! لا داعي لذلك كله، فالله يتولاّهم بكيْده المتين إستدراجا وإملاء {فَذَرْنِي ومن يُكَذِّب بهذا الحديث سنسْتَدْرِجهم من حيث لا يعْلمُون وأمْلِي لهُم} الله عز وجل يتولى ذلك بنفسه استدراجاً وإملاءً.</p>
<p>11) الدُّعـاة هُـداةٌ لا جباة ولذلك لا يجوز طلب أجر من مدْعوٍّ قبل إسلامه (فإن أسلم طولب بحق الإسلام) :</p>
<p>الدعاة هداة لا جباة، الدعوة إلى الله عز وجل ليس عليها أجْرٌ إلا مِن الله {قُل لا أسْألُكم عليه أجراً إنْ أجْرِيَ إلاَّ علَى الذِي فَطَرَنِي} هكذا جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام {أم تسْألُهُم أجراً فهُم من مغْرَمٍ مُثْقَلُون} أهذا هو السبب؟! لماذا يكذبون؟!</p>
<p>يكذبون لأنك تطالبهم بأجر على ما تصنع وهم يصْعُب عليهم هذا الأجر، فهو غليظ، وهُم مُثْقلون بالذي تطلب منهم.</p>
<p>هل هذا هو السبب؟! لا أبداً.</p>
<p>هذا استفهام إنكاري. لا شيء من هذا هو السبب.</p>
<p>فالدعاة هُداةٌ لا جُباة ولذلك لا يجوزُ طلب أجْرٍ من مدعُوٍّ قبل إسلامه.</p>
<p>لأنه بعد الإسلام أصْبح يُطالَبُ بحقٍّ الإسلام من زكاة وغيرها، لكن قبل ذلك يُعطى المال، ليُتألَّف قلبُه. لا يُطْلب منه المال، بل يُعْطَى المال، وقد أعطى رسول الله  بعض رؤساء العرب في أوقات بعينها نحو ألفٍ ناقة تألّفاً له لأنه إذا أسلم أسلمت معه قبِيلَتُهُ.</p>
<p>12) من اختاره الله تعالى لهداية خَلْقِه فــلاَ يُجُوزُ له مُغَـادَرَةُ موْقِعِه ويجب عليه الصّبْر لحكم ربه :</p>
<p>من اختاره الله عز وجل لموقع من مواقع الخير، فليعْلم أن الله تعالى اختاره، وليس بجهده كان في الخير، وذلك بدْءاً من الرّسل عليهم الصلاة والسلام، فالله عز وجل، هو الذي اختارهم للرسالة، وهو الذي اختار أتباعهم {وجاهِدُوا في الله حقّ جهاده، هو اجْتباكُم} هو اجتباكم واختاركم، اختارنا بفضله سبحانه عز وجل لنكون من أمة محمد  ونكُون من الأمة التي كُلِّفت بالشهادة على غيرها، وكُلّفت بتبليغ ما كان يبلغه رسول الله ، هذا في حد ذاته اختيارٌ من الله عظيم لا حول لنا فيه ولا طَوْل، هو محض فضل من الله سبحانه عز وجل.</p>
<p>كُلُّ عَبْدٍ وجدَ نفْسَهُ في الخير، فليعلم أن الله قد اختاره، المومنون اختارهم الله جل جلاله ومنحهم الإيمان، لكن إذا اختارهم فلا ينبغي، ولا يجوز، ولا يصح منهم، ولا يصح لهم أن يغادروا ذلك الموْقِع، مهما كانت الصعوبات فعليهم أن يصْبِروا {فاصْبِر لحُكْم ربِّك}.</p>
<p>هذا التوجيه في قصة سيدنا يونس عليه السلام {فاصبر لحكم ربّك ولا تكن كصاحب الحوت} لأنه ما صبَر لحُكْم ربّه، كلَّفَهُ الله بأن يبلغ لقومه، فما استجابوا، فتعِب منهم وضَجِر : دعا إلى الله، ثم دعا، ثم دعا، فما استجابوا فقنط وركِب السفينة كما تعلمون {فسَاهِم فكان من المُدْحضين فالتَقَمَه الحُوت وهو مُلِيم} أي أتى ما يُلامُ عليه.</p>
<p>ماهو هذا الذي يُلام عليه؟!</p>
<p>إنه مُغادرتُه موقع الدّعوة في قومه.</p>
<p>الله أرسله إلى هؤلاء فلْيقف عند هؤلاء. لا مُغادَرَة للموْقع.</p>
<p>ويجِبُ الصّبْرُ على حُكم الله، وذاك من حُكْم الله، كما قال عز وجل لموسى {فخُذْ ما آتَىْتُك وكُن من الشّاكِرِين}(الأعراف : 144).</p>
<p>13) لا تَضِقْ أيّها الدّاعي إلى الله تعالى بنظرة الكُفّار إليك : ولا تضِق بتهمتهم إليك، واعلم أن رسالتك عالمّيّةٌ :</p>
<p>هذه السورة خُتمت بقوله تعالى {وإنْ يَكادُ الذِين كَفَرُوا ليَزْلِقُونَك بأبْصَارِهِم لمّا سَمِعُوا الذّكر ويقُولُون إنَّه لمَجْنُون}.</p>
<p>في البداية كان {ما أنتَ بنعمة ربّك بمجنون} وفي الختْم كان {ويَقُولون إنّه لمجْنون، وما هُو إلاّ ذِكْر للعالَمِين}.</p>
<p>تصوّرْ رسول الله في هذه المرحلة، والقرآن في البداية، والدعوة في البداية، ومع ذلك الأفق يُفْتحُ على المُسْتوى العالمي {وما هو إلا ذِكْر للعالمين}!!!</p>
<p>أقول : عادة الإنسان عندما يرى نظرة الكفار إليه، أو نظرة الصادِّين، المحادين لله عز وجل، إليه يصيبه ضيق عظيم. والمقصود هنا بالنظرة : الموقِف كما يقولون اليوم أي من خلال موقفهم العنيد قد يُشهِّرون، قد يكتُبُون، قد يقُومون بأفعالٍ، قد يكيدون قد يتآمرون، أي لا يرْضون عنه، لا يُعْجبهم أمْرُه، يقولون فيه قولا، ينظرون إليه نظراً شَزراً، يحاصِرُونه&#8230;</p>
<p>كل هذا لا يَلْتفِت إليه، لا يضِيق به، ومهما اتّهَمُوا فلا تضق بالتّهم.</p>
<p>هذا التوجيه الذي يعطى لرسول الله  هو التوجيه الذي يعطى لكل مُبلِّغ عن الله عز وجل في أي زمان وفي أي مكان.</p>
<p>لا تضِق من نظرة الكفار إليك، مهْما كانت النظرة شديدة الحنق والحِقد، فالكفار كما صوّرهم الله تعالى من شدة غيظهم يكادُون يسقطون رسول الله  إلى الأرض بنظرهم الذي يتطاير منه الشرر {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبْصارِهم لما سمعوا الذكر}.</p>
<p>خلاصة هدى السورة</p>
<p>خـــلاصة الهدى في السورة ثلاثة أمور :</p>
<p>&gt; أولا : دين الله تعالى لمن أوتيه نعمة ربانية عظمى يجب شُكْرُها بالتحقق والتخلق بها والثبات عليها.</p>
<p>هذا الهدى الواضح من أول السورة إلى آخرها ولاسيما في القسم الأول من السورة، إذ يجليه أكثر من سواه. لكنه ممتد إلى نهاية السورة {فاصبر لحكم ربّك ولا تكن كصاحب الحوت &#8230;}.</p>
<p>الآن مع رسول الله، وبعده مَعَ أي مسلم، أو جماعة مسلمة، المهم الدين لابد من الدين، الدين خُلُق، الدين لباس يجب أن يُلْبس {ولباس التّقوى ذلك خير}(الأعراف : 26) الدين ليس كلاما، الدين فعل، الدين خلُق حسن يتخلق به العبد، وما لم يظهر الدين خُلقا فلن تكون دعوة، ولن يكون شكر، ولن يكون نصر، ولن، ولن&#8230;</p>
<p>&gt; ثانيا : الله جل جلاله يتولى أمر المجرمين المكذبين بالدين بكيده المتين، وعذابه المهين، دفاعا عن عباده المسلمين {أفنجعل المسلمين كالمجرمين}(القلم : 35).</p>
<p>بمعنى أن الجبهة المعارضة المخالفة للدين اللهُ يتولى أمرها حين يكون المسلمون قليلين ضعافا، كأن الله عز وجل يقول لرسوله  ولكل مؤمن ومؤمنة من بعده : أنا أكفيك همّ سواك، أنت عليك شيء واحدٌ هو ما قلتُ لك : فافْعَلْه وانتهى الموضوع.</p>
<p>إن العبد في بداية اتجاهه إلى الله عز وجل يأتيه الشيطان، ويزين له أشياء، ويخوفه من أشياء، ثم بعد ذلك تأتيه المشاكل من كل نوع، ولكن إذا صبر واحتسب وثبت، فإن الله عز وجل يكفيه كلّ ذلك {أليس الله بكاف عبده، ويخوفونك بالذين من دونه}(الزمر : 36) هذه النقطة مهمة جدا، أن يحسَّ المؤمن ويحسَّ المؤمنون بأن الله عز وجل معهم كما قال عز وجل لسيدنا موسى عليه السلام وسيدنا هارون {إذهبا إلى فرعون إنه طغى، قالا ربّنا إنّا نخاف أن يفْرُط علينا أو أن يطغى، قال لا تخافا إني معكما أسمع وأرى}(طه : 45)، نسأل الله عز وجل التوفيق.</p>
<p>&gt; ثالثا : الصبْرَ الصبْرَ لحكم الله، يامن اختاره الله لتبليغ دعوة الله.</p>
<p>والحمد لله رب العالمين</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%84%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات ومقترحات في قضايا التعريب</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d9%85%d9%82%d8%aa%d8%b1%d8%ad%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%82%d8%b6%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d8%a8/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d9%85%d9%82%d8%aa%d8%b1%d8%ad%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%82%d8%b6%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d8%a8/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 25 Sep 2010 06:42:50 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 178]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[التعريب]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[قضايا]]></category>
		<category><![CDATA[مقترحات]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6238</guid>
		<description><![CDATA[عقدت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم المؤتمر العاشر للتعريب في الفترة 11- 16 جمادى  الأولى 1423هـ/ 20- 25 يوليوز 2002م بدمشق تحت شعار :   قضايا تعريب التعليم العالي في الوطن العربي ونقدم للقراء فيما يلي : بيان المؤتمر وكلمة د. الشاهد البوشيخي مدير معهد الدراسات المصطلحية بفاس نظرات ومقترحات في قضايا التعريب أ.د. الشاهد البوشيخي [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>عقدت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم المؤتمر العاشر للتعريب في الفترة 11- 16 جمادى  الأولى 1423هـ/ 20- 25 يوليوز 2002م بدمشق تحت شعار :   قضايا تعريب التعليم العالي في الوطن العربي</p>
<p>ونقدم للقراء فيما يلي : بيان المؤتمر وكلمة د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>مدير معهد الدراسات المصطلحية بفاس</p>
<p>نظرات ومقترحات في قضايا التعريب</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>أ.د. الشاهد البوشيخي</strong></em></span></p>
<p>بسم الله الرحمن الرحيم</p>
<p>وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله</p>
<p>ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم</p>
<p>أول ما أبدأ به : الشكر أجزل الشكر لسورية الشقيقة التي طبقت التعريب، ونادت بالتعريب، واستضافت مؤتمر التعريب، رئيساً وحكومة وشعباً، وزارةً للتربية ولجنة.</p>
<p>ثم الشكر أجزل الشكر للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وجهازها المختص : مكتب تنسيق التعريب التي صبرت وصابرت ورابطت في ثغر التعريب سنين عددا.</p>
<p>أما بعد، فهذه رؤوس أقلام أقدمها بين أيديكم في شكل نظرات ومقترحات باسم معهد الدراسات المصطلحية بفاس &#8211; وهو معهد للبحث شبه متخصص في المصطلحات التراثية في مختلف أصناف العلوم : الشرعية و الإنسانية والمادية &#8211; أقدمها بعد الاستماع طيلة المؤتمر لطيب الكلام، إسهاماً في المعهد في محاولة تجاوز الكلام :</p>
<p>أ- النظرات :</p>
<p>1- التعريب بالنسبة لأمتنا اليوم شرط وجود، بدونه لا يكون لنا وجود، وبوجوده قد يكون لنا وجود وقد لا يكون لنا وجود، إذ ليس هو وحده فقط الذي به يكون لنا الوجود.</p>
<p>2- التعريب بالنسبة لأمتنا اليوم فريضة شرعية، وضرورة حضارية وحتمية تاريخية،لا تحصيل للأمة لرضى الله جل وعلا بدونه، ولا دخول لها إلى التاريخ من جديد من غير بابه،ولا مفر لها &#8211; ولو ازورت ما ازورت من اقتحام عقبته &#8211; من حلول قدره : أينما يكن العرب يدركهم يوماً التعريب، ولو كانوا في نوم عميق أو شك مريب.</p>
<p>3- التعريب مفهوم شامل أهونه هذا اللغوي الذي جاوز الخوض فيه بغير حسم مدة تيه بني إسرائيل ولو أرادوا الحسم لأعدوا له عدة، ولكنه هزل المسؤولين ونوم السائلين :</p>
<p>نامت نواطير &#8221; عرب &#8221; عن ثعالبها   فقد بشمن وما تفنى العناقيد</p>
<p>4- التعريب مرحلة تمهيدية، كان ينبغي أن يفرغ منها من زمان، لينتقل منها إلى التحدي الحضاري، فالشهود الحضاري، فالشهادة على الناس التي هي حاق موقع الأمة، والأفق المنتهى لكل واقع في الأمة.</p>
<p>5- التعريب حاجة مداره على أمرين :</p>
<p>- ترجمة ما حقه الترجمة من معارف أولا،</p>
<p>- وإيجاد المقابل العربي للمصطلحات الأجنبية ثانياً.</p>
<p>وهما متكاملان، يستفيد بعضهما من بعض، ولا يتوقف وجود بعضهما على بعض. وما أحسن أن يتفرغ المركز العربي للتعريب لهم الترجمة، ولاسيما في المجالات التي تشتد فيها الحاجة، منسقاً وناشراً ومعمماً!</p>
<p>وما أحسن أن يتفرغ &#8220;مكتب تنسيق التعريب&#8221; لمعاجم المصطلحات، مزيلة للعجمة بشروحها، ولا سيما في المجالات التي تشتد فيها الحاجة، منسقاً ونـاشراً ومعـمـماً !</p>
<p>فهل نطمع في قرار قريب بهذا أو توجه مركز إلى شيء من هذا ؟</p>
<p>6- التعريب إنجازا في التعليم العالي وغير العالي مداره على محورين :</p>
<p>أولاً -الأستاذ : ولابد من إعداده الشامل نفسياً، ولغوياً، وعلمياً حتى نصل إلى استعداده. ومن ذلك الإعداد ما يسبق وما يلحق، وفي الجاهز منه ما يكفي للانطلاق، وفي التكوين الموازي والإنجاز التدريجي ما يسد الحاجة فيما هو باق، ومن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة.وللمدلج الساري صفاء المناهل.</p>
<p>ثانياً- الكتاب : ولابد من إيجاده مؤلفاً أو مترجما، وفق شروط الجودة بلغة أهل الاقتصاد، منشوراً معمما،ً وذلك واجب &#8220;المركز العربي للتعريب&#8221; منسقاً، وناشراً، ومعمماً.</p>
<p>7- التعريب تنزيلاً مداره على ثلاثة أمور :</p>
<p>أ-عزم أهل الحل والعقد في الأمة حكاما مقررين كانوا، أم ناصرين للقضية مبادرين ضاغطين. وما ضاع حق وراءه طالب، ومن طلب الحسناء لم يغله المهر.</p>
<p>ب-السرعة في تلبية الحاجة من جهات الإنتاج والتنسيق والنشر والتعميم. ولم تكد وسائل الاتصال والتواصل الحديثة تترك عذرا لمعتذر. فهل نطمع في تعميم الموجود بأسرع ما يمكن، والإعداد للمنتظر المفقود بأسرع ما يمكن، ياليت قومي يفعلون.</p>
<p>جـ-منهجية صارمة حازمة في المتابعة للقرارات والتوصيات، والتقويم المستمر للإنجازات تبعاً للمخططات، بإنشاء جهاز للحسبة بلغة الفقهاء في قضية التعريب،  يحفظها من شهوات  شر التخريب، وكيد شبهات التغريب، لتستوي بسلام على جودي الواقع في وقت قريب.</p>
<p>ب- المقترحات :</p>
<p>1- إعطاء المركز العربي للتعريب ومكتب تنسيق التعريب الدعم اللازم لهما للنهوض برسالتهما الضخمة.</p>
<p>2- حصر جهود المركز العربي للتعريب مؤقتاً استجابة للأولويات، في إعداد كتب المواد المقررة اللازمة للتعليم في مجال العلوم المادية تأليفا وترجمة. على أن يكون هو المكلف بالتنسيق بين المؤسسات المهمة بذلك، والمسؤول عن النشر والتعميم لكل ما أنجز من ذلك.</p>
<p>3- حصر جهود مكتب تنسيق التعريب مؤقتا استجابة للأولويات كذلك في إعداد المعاجم الخاصة اللازمة في مجال العلوم المادية، على أن يكون هو المكلف بالتنسيق بين جميع المؤسسات المهتمة بذلك، والمسؤول عن النشر والتعميم لكل ما أنجز من ذلك.</p>
<p>4- تعميم جميع التجارب  وعلى رأسها تجربة سورية وتعريب التعليم العالي على جميع الجامعات والمدارس والمعاهد العليا بالوطن العربي تيسيراٍ للانتفاع بها والانطلاق منها في أي تجربة جديدة.</p>
<p>5- توزيع المسؤوليات في إعداد ما يلزم من كتب المواد المقررة ومعاجم المصطلحات على جميع الهيآت والمؤسسات، كل حسب اختصاصه وقدرته ورغبته، لتتحقق السرعة والجودة في الإنتاج. وبهذه المناسبة، فإن معهد الدراسات المصطلحية يضع كل إمكاناته في حدود اختصاصه وقدرته رهن إشارة المنظمة فيما يوكل من ذلك إليه. ومتى أسسنا أعمالنا على العلمية، وسرنا في التخطيط العام والخاص لها وفق ما تقتضيه المنهجية، و أنجزنا كل ما ننجز بتنسيق وتكاملية فسنحصل بإذن الله تعالى على أفضل مردود بأقل مجهود. {ويقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا}. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. والسلام عليكم ورحمة الله.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d9%85%d9%82%d8%aa%d8%b1%d8%ad%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%82%d8%b6%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d8%a8/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
