<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; نظرات في الهدى المنهاجي</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>نظرات في مفهوم الهجرة في القرآن الكريم</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2015/10/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-2/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2015/10/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-2/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 18 Oct 2015 15:07:54 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[السيرة النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 444]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[تـاريـخ و سير]]></category>
		<category><![CDATA[تربية و تعليم]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[فقه العبادات]]></category>
		<category><![CDATA[لغة و آداب]]></category>
		<category><![CDATA[الدكتور الشاهد البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الرحمة]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[الهجرة بالأرواح]]></category>
		<category><![CDATA[قال تعالى]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات في مفهوم الهجرة]]></category>
		<category><![CDATA[والذين هاجروا]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=10038</guid>
		<description><![CDATA[الرحمة أعلى مراتب الثواب يقول الله تعالى : ‭{‬إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله‭}‬(سورة البقرة) الرحمة هي المنتهى، هي منتهى الطلب بالنسبة لجميع الأنبياء والرسل والصديقين والشهداء والصالحين، الكل يطلب أن يدخله الله في رحمته، كما قال موسى عليه السلام: ‭{‬رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك‭}‬(سورة الأعراف) [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>الرحمة أعلى مراتب الثواب</strong></em></span><br />
يقول الله تعالى : ‭{‬إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله‭}‬(سورة البقرة) الرحمة هي المنتهى، هي منتهى الطلب بالنسبة لجميع الأنبياء والرسل والصديقين والشهداء والصالحين، الكل يطلب أن يدخله الله في رحمته، كما قال موسى عليه السلام: ‭{‬رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك‭}‬(سورة الأعراف) والكل سيظفر بنعمة الله ورضوانه بمحض رحمة الله. لأن الرحمة هي منتهى الأمل، ومنتهى الجزاء.<br />
إذا كان الله عز وجل قد طلب منا أن نؤدي ما خُلقنا له وهو العبادة ‭{‬وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‭}‬ فإنما ذلك لتحصيل درجة التقوى، ‭{‬اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعكم تتقون‭}‬(سورة البقرة)، والتقوى تعتبر وسيلة إلى ما هو أعلى منها وهو الرحمة ‭{‬واتقوا الله لعلكم ترحمون‭}‬(الحجرات) وذلك هو المنتهى. إذن، لا وجود في نص بأننا يجب أن نَرْحَمَ لنظفر بشيء أكثر من الرحمة، إذ ليس فوق الرحمة شيء، فنسأل الله الرحمن الرحيم بفضل منه ورحمة، أن يدخلنا في رحمته برحمته سبحانه وتعالى.<br />
من يرجو رحمة الله؟ الآية التي افتتحنا بها الحديث تضع صفات ثلاثا تَعِدُ أصحابها برجاء هاته الرحمة : الإيمان، والهجرة، والجهاد، ‭{‬إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله‭}‬ فما الهجرة؟ وما رتبتها وموقعها؟ وما الثمرات التي تتحقق نتيجة الاتصاف بها؟<br />
<em><strong>معنى الهجرة</strong></em><br />
الهجرة من أصل المادة الكبير الذي هو الهَجر، ومدار الهجر-بجميع اشتقاقاته- لا يخرج عن الترك أو القطع، واللفظ المستعمل في القرآن الكريم كثيرا في المعنى المقصود لدينا اليوم، ليس هو الثلاثي بل الرباعي، إذ نجد : هاجروا، ويهاجروا، والمهاجر، والمهاجرون، كل ذلك من الرباعي، فالهجر فيه ممتد، والقطيعة فيه كبيرة، والمصارمة كبيرة جدا، والترك والبت فيه كبير، أي لا حلقة وصل بين ما بعده وما قبله، كأن ما قبله وما بعده عالمان منفصلان، عالم ما قبل الهجرة، وعالم ما بعد الهجرة، انفصال كامل بين عالمين وبين مستويين وبين درجتين.<br />
<span style="color: #0000ff;"><em><strong>وجوب الهجرة من مكان الفتنة إلى مكان الأمن والعدل والاطمئنان</strong></em></span><br />
وهذا يقتضي آليا أن بين المهَاجَر منه والمهاجر إليه تناقضا تاما، في الأول الخوف وفي الثاني الأمن ، في الأول الكفر وفي الثاني الإيمان، في الأول الفتنة وفي الثاني التمكين، عالمان منفصلان،<br />
لا مهاجر منه في القرآن الكريم إلا وفيه ما يوجب الهجرة ‭{‬والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا‭}‬ فهناك ظلم قائم في نقطة الانطلاق، لكن هناك وعد قائم في النقطة المنطلق إليها‭{‬لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون‭}‬(سورة العنكبوت) قد يصل هذا الوضع إلى الحد الذي يجب منه الخروج كما في قوله تعالى : ‭{‬إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها‭}‬(سورة النساء) لِمَ إذاً لم تهاجروا؟ لم رضيتم بالاستضعاف؟ وبإمكانكم غير ذلك، هذا في فترة من الفترات حين يوجد المهاجَرُ الآمن الممكّن فيه لأهل الله ولأولياء الله، إذ ذاك لا يبقى معنًى للاستضعاف في نقطة لا يكون فيها هذا التمكين ويكون فيها البلاء، لا يبقى معنى لأن لا يهاجر أولئك، بل إنهم إذا لم يهاجروا تسقط ولايتهم ونصرتهم ‭{‬ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا‭}‬(سورة الأنفال) فالهجرة في المعنى الكبير عبارة عن انتقال أشباح يسبقه ويصاحبه انتقال في الأرواح، ترفعه درجة الإيمان في عباد ربانيين اتصلوا بالله وارتبطوا به، وذكروه، وشكروا له، وتبتلوا إليه، ثم اتخذوه وكيلا، وتعلقت قلوبهم به كل التعلق، فما عادوا يرون سواه، ما عاد لسواه عليهم سلطان أو حظ، صاروا مخلصين مخلَصين لله جل وعلا يتأثرون به وينقلون تأثرهم به إلى غيرهم، فهم يؤثرون في الخلق ولا يتأثرون بالخلق، بل يتأثرون بالخالق.<br />
<span style="color: #0000ff;"><em><strong>الهجرة بالأرواح قبل الهجرة بالأشباح</strong></em></span><br />
هذه النماذج التي ارتفع إيمانها، يبلغ بهم التعلق بالله إلى أن يتجردوا من كل متاع الدنيا، من كل ما يشدهم إلى الأرض، من كل ما يمنعهم من النفير، قال تعالى : ‭{‬مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض‭}‬(سورة التوبة) كأننا نثقل إراديا، نجتهد في أن نكون ثقالا بدل أن نكون خفافا، لمَ يحدث هذا؟ يحدث عندما يكون الارتباط بالأرض كبيرا، ولا يحدث عندما تطلّق الأرض بجميع عناصرها ويرتفع العبد وتخف روحه، وتصعد إلى مولاها عزوجل، متى دعيت هرعت، أسرعت واستجابت، لأنها خفيفة وليست ثقيلة بعناصر الأرض. فالمهاجرون الذين سيعطى لهم هذا الوسام الرباني الرفيع، هؤلاء ما الذي حدث فيهم؟ حدث فيهم انتقال في الأرواح أولا، علا إيمانهم، تخلصوا وتجردوا لله تعالى، فتم الانتقال في الأشباح بعد الانتقال في الأرواح، هذا الانتقال الروحي قبل الجسدي هو الذي يجعل المهاجر يترك ماله، يترك بلده، يترك ما عنده، ويخرج بلا إله إلا الله محمد رسول الله، وحديث الهجرة المشهور يؤكد هذا المعنى حيث يقول : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله&#8230;» أي الهجرة ليست إلى مكان في الحقيقة، ولكن إلى معنى، الهجرة ليست إلى المدينة المنورة، وإن كان الشبح انتقل من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ولكن انتقال الشبح ليس إلا دليلا وبرهانا على انتقال الروح إلى بارئها وخالقها معتصمة به متوكلة عليه متجردة له، معطية الدليل والبرهان على أنها خالصة لله، لاترضى بغير ذلك، واقرؤوا قوله تعالى : ‭{‬للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون‭}‬(سورة الحشر).<br />
لا توجد شهادة في القرآن كله لغير هؤلاء. فالشهادة من الله تعالى لمعنى الصدق، وليست شهادة لبشر يمشي على الأرض، اسمع إلى قول الله تعالى : ‭{‬إنما المومنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون‭}‬(سورة الحجرات) فهذا المعنى -معنى الصدق- نفسه تحقق، أين؟ في هذا الصنف من البشر، فله شُهد بالصدق في هذه الآية في القرآن كله ‭{‬للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون‭}‬.<br />
لقد حُبِّب للإنسان وطنه، والرسول [ كان حنينه إلى مكة شديدا، وكذلك الصحابة، ولكن الله يبتلي، ولا تمكين قبل البلاء، ولا تمكين قبل دفع الثمن، ولا تمكين قبل الوصول إلى حد الخروج من حب النفس والمال والأهل والولد والأرض، لا بد من صفوة يمحصها الله جل جلاله حتى تصبح خالصة له، وعلى أساسها يبدأ ما يبدأ، ويكون ما يكون.<br />
<span style="color: #0000ff;"><em><strong>الهجرة انتقال من بلد الظلم للتمكين للعدل</strong></em></span><br />
الهجرة في حقيقتها هي الانتقال بالأشباح يسبقه ويصحبه الانتقال بالأرواح، أعيدها وألح عليها. وحين ننظر إلى الواقع التاريخي في الهجرة إلى الحبشة، في الهجرة الأولى، أو في الهجرةالثانية، أو في الهجرة إلى المدينة المنورة، أو في هجرة واكبت ذلك؛ بل حتى في الهجرة التي كانت في حياة الأنبياء السابقين، كل ذلك نلاحظ فيه أن المكان الذي تمت منه الهجرة، مكان فيه ظلم، مكان فيه عتو، ومكان فيه حرب وصد عن سبيل الله وفيه علو للكفر وفيه تمكن وسيطرة. والمكان الذي يتم إليه الانتقال، بعكس ذلك، يكون فيه أمان، وقبل أن ينتقل هؤلاء وحتى يمحصوا لا بد من تلك المرحلة.<br />
ولكن المهم، هو أن تثمر ثمارها في تخريج صنف من الناس لم يعد هناك شيء يصرفهم وينافس في قلوبهم حُبَّ الله تعالى كائنا ما كان ‭{‬قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره‭}‬(سورة التوبة)، الله عز وجل لا يقبل أن يزاحمه في قلب العبد سواه؛ وذلك لا بد عليه من برهان، وأكبر برهان هو هذه الهجرة، حيث يخرج الناس ليس معهم شيء من حطام الدنيا، ويتركون كل شيء وراءهم، ماذا معهم؟ معهم دينهم، ومن أجل دينهم يفعلون ذلك، معنى هذا أنهم قدموا دينهم على دنياهم؛ معناه أنهم قدموا الله جل جلاله، على من سواه، يعني أنهم صاروا عبادا لله حقا كما عبرت الآية : ‭{‬أولئك هم المؤمنون حقا‭}‬(سورة التوبة)<br />
فهذا المعنى للهجرة يجب أن نتأمله وأن نفقهه مما تعطيه نصوص القرآن سواء نظرنا إلى أصلها في السيرة؛ أو لم ننظر، لأن الآيات المتحدثة عن الهجرة تجعل أصحابها في رتبة مع%8</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2015/10/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-2/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة العلق</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%82/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%82/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 26 Sep 2010 06:06:25 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 272]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[العلق]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6325</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة العلق د. الشاهد البوشيخي المفروض أن يكون كل قارئ لهذه النظرات قد رجع إلى مختلف التفاسير ليتعرف على معاني السورة حسب الطاقة لأنني ههنا لن أتحدث عن المعاني، وإنما سأتحدث عن شيء آخر زائد عن المعاني، هو هذا الهدى المنهاجي الذي يمكن أن يستفاد من هذه السور في زمننا [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة العلق</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>المفروض أن يكون كل قارئ لهذه النظرات قد رجع إلى مختلف التفاسير ليتعرف على معاني السورة حسب الطاقة لأنني ههنا لن أتحدث عن المعاني، وإنما سأتحدث عن شيء آخر زائد عن المعاني، هو هذا الهدى المنهاجي الذي يمكن أن يستفاد من هذه السور في زمننا هذا في ظرفنا هذا.</p>
<p>وسورة العلق من أول ما نعمل -بحول الله وقوته- على تلمُّس الهدى المنهاجي فيها. ومن الأمور التي يمكن استفادتها من هذه السورة ما يلي :</p>
<p>أولا : أول الطريق القراءة باسم ربنا، فبلا قراءة لا علم، وبغير اسم ربنا لا قدرة ولا انتفاع أي الإبصار بعين الوحي وميزانه :</p>
<p>وذلك مما يستلزم :</p>
<p>- أن التفوق في العلم بلغة اليوم هو الخيار الاستراييجي والطريق المعبد للإمامة الحضارية.</p>
<p>- أن الإصلاح يبدأ من الأفكار قبل الأعمال، ومن الباطن قبل الظاهر، ومن الأصل قبل الفرع، ومن الفرد قبل الجماعة..</p>
<p>- أن التبرؤ من الحول والتوكل على الله الذي ليس إلا منه الحول وهو رأس الحول.</p>
<p>ويستفاد هذا الأمر من مطلع السورة الذي هو أول ما نزل من كتاب الله عز وجل.</p>
<p>فأول الطريق ليكون الإنسان مسلما، مؤمنا، صالحا، مصلحا، هو القراءة باسم الله، باسم ربنا، أي الإبْصَار بعَيْن الوَحْي وميزَانِه. فبلا قراءة لا عِلم، وبغير اسم ربِّنا لا قُدْرة ولا انتفاعَ.</p>
<p>ومعنى هذا الكلام : أني إذا أردت أنا الفرد أن أكون مؤمنا حقا من أين أبدأ؟ هل أبدأ بأن ألبس جلبابا أو أضع حزاماً أو عمامة أو أي شيْء آخر. لا.</p>
<p>البدءُ أولا يكون بالعلم، بالعلم الشرعي، لأنه لا يحل لامرئ مسلم أن يُقْدم على أمر حتى يعْلَم حُكْم الله فيه.</p>
<p>ولكن الآن ونحن في هذه النقطة بالذات نقطة من أين بدأ الله عز وجل بعبده محمد  الذي أراد منه أي يكون معَلِّم البشرية كلها، لقد أراد منه ألاَّ يُعلِّم حتى يتعلم هو، وحتى يعْمَل بما يعْلَم، أي حتى يتحقَّق مما يعلم، ويتخلَّق بما يعلم.</p>
<p>فمن أين يكون البدء إذن؟ البدْءُ من العلم، هذا أوّل الطريق للفرد رجلا كان أو امرأة يجب أن يبدأ التحوُّل فيه بالعلم، أي يجب أن يبدأ بتحويل نفسه انطلاقا من العلم، والعلم المطلوب علم الوحي. هذه هي النقطة التي منها البدء. ينْبغي ألاًّ نتَّجِه أيَّ وِجهة أخرى، ينْبَغي أن لا نعكس الأولويات، أوْ أن نأتي إلى بعض التفاصيل أو إلى بعض الأعمال فنُقدِّمها على العلم الصحيح.</p>
<p>والعلم الخالص الصافي : هو عِلْم الوحْي الذي يجب أن نرتَوِيَ منه إلى أقصى ما نستطيع، إنه هو الأول قبل كُلّ شيء.</p>
<p>هذه نقطة مركزية أساسية في السَّيْر، اختارها الله تعالى لرسوله ، واختارها الرسول  لأصحابه ذكوراً وإناثاً واختارها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لأبنائهم وأحفادهم، واختارتها الأمة على مرِّ التاريخ فلا ينبغي أن يطرأ على هذه الحقيقة أي اختلال، سواء بالنسبة للسيّر الفرْدِيّ، أو السّيْر الجماعي، لأن الخطاب القرآني وإن كان متجهاً إلى فردٍ واحدٍ هو محمد  فالمقصود به أيضا الجماعة، والأمة والدّولة.</p>
<p>ومن مُسْتلزمات هذه النقطة الأولى التي هي أولى الأولويات في حياة الفرد والجماعة والأمة والدولة الإسلامية :</p>
<p>1- أن التفوق في العلم هو الخيار الاستراتيجي ليعود المسلمون إلى التاريخ، وتعود الأمة سائدة قائدة رائدة، أي عندما تريد أن تكون حيث وضعها الله تعالى في الموقع الطبيع يلها الذي هو الشهادة على الناس، وذلك إنّما يكونُ بالعلم. إن التفوق في العلم بلغة اليوم هو الخيار الإستراتيجي، والطريق المُعَبَّدُ للإمَامَة الحضارية.</p>
<p>ومعنى هذا أن أكبر حظ في مِيزانية الدولة ينبغي أن يتجه إلى العلم، وإلى تكْوين الأطر العلمية، فإن ذلك ينبغي أن يُقَدّم على ما سواه في الأمة الإسلامية، كما أن البحث العِلْميّ ينبغي أن تكون له الميزانية الضّخمة التي لا تُعَادِلها ميزانية أخرى لأن العلم له الريادة، فالعلمُ هو الذي يشُقُّ الطريق في الصخر، والعلم هو الذي به يتم الإبتكار، هو الذي به يتم تعبيد الطريق تجاه التفوق، تجاه الإمامة الحضارية، إذ لا يمكن لأمَّةٍ أن تنطلق تجاه المسار الصحيح الذي يؤهلها لأن تدرك ما سواها وتتَفَوَّق عليه، بدون علم. لهذا كان الانطلاق من العلم هو الخيار الإستراتيجي. هذا الخيار لن تندم الأمة إذا دفعت فيه أقصى ما تستطيع، لأنّه الشيء الذي ينْبني عليه ما سواه. وهو لا ينْبني على سواه.</p>
<p>2) النقطة الثانية من مستلزمات الانطلاق من العلم : أن الإصلاح يبتدئ من الفكر وليس من السلوك، السلوك تابعٌ لما في القَلْب، لما في العقل، سَمِّهِ ما شئت، المُهِم البدْءُ من الداخل الذي يسميه بعضُهم : التصوُّر، ويسميه بعضهم بالعقيدة أو ما شاء أن يُسَمِّيه، المُهم تلك الأمور التي تكون في الداخل، نوع الأفكار التي عندك في الداخل هي التي ينبغي أن يطْرأ عليها التّصْحيحُ أولا. لأن السلوك ينبني على ما هُنالك من فكر، فالفكْرُ الأعوجُ يُعْطي السُّلُوك الأعوجَ. والفكر الصحيحُ يعطي السلوك الصحيحَ، والتصَوُّر الصحيحُ ينتُجُ عنه السلوكُ الصحيح، ولذلك فالعملُ تابعٌ للعلم ولا عكس، ولذلك أقول : الباطنُ مقدَّمٌ على الظاهر، وهذا واضح في قول رسول الله  : &gt;ألاَ وَإِنّ في الجَسَدِ مُضْغَة إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّه، ألاَ وَهِي القَلْب&lt; لأن {اقْرَأْ} لا تخاطبُ الأنْفَ، أو الأذْن، أو الرِّجل، ولكنها تخاطب القلب البشري الذي تُحْدِثُ فيه التحوّل، تخاطبُ باطن الإنسان، على حسب ما يقع في هذا الباطن من تحوُّلٍ من الفساد إلى الصلاح، من المرض إلى الصحة يكون التحوُّل بعْدُ في السلوك، وعلى حسب الرُّسوخ الذي يقع في هذه الحقائق الصحيحة يكون الثباتُ في الخارج عند الابتلاء.</p>
<p>3) ومن مستلزمات النقطة الأولى كذلك : البَدْءُ بالأصل قبل الفرع.</p>
<p>فالفردُ أصل، والجماعة فرع، لأن الجماعة مكوّنة من أفراد، والدولة مكونة من أفراد، والأمة مكونة من أفراد، وهكذا، وكذلك الفرد مكوّن من قلب وجوارح، فإذَنْ دائما الأصْل يقدَّم على الفرع لأننا حين نصلح النقطة المركزية تلقائيا ينصلح ما سواها تبعاً لها، فإذن إصلاح الفرد هو الذي يتَّجِه له الأمر أولاً، ثم إصلاح الأُسر والجماعات يأتي تلقائيا، ثم الأسرة الصالحة والجماعة الصالحة تصبح أصلا لما يَتْلُو بعد من كُتَلٍ، وكُلُّ كُتْلَة تكون نواة لغيرها تُعتَبَرُ أصلا لغيرها وفرعاً عن أصلها، فدائما نِظامُ الأولويات يحْكُمه هذا المبدأ : &gt;الأصْلُ قبل الفرع&lt; والأصْلُ الأول قبل الأصل الثاني، والأصل الثاني قبل الثالث، والثالث قبل الرابع وهكذا وهكذا.. ولذلك كان الخطاب لرسول الله  ليقرأ ويُقرئ غيره، ويعْلَم ويُعلِّم غيره.</p>
<p>4) ومن مستلزمات اقرأ باسم ربّك : التبرُّؤ من كل حَوْل وطوْل، هذه نقطة مهمة جدّاً، لأن الأمْر بالقراءة ليس أمراً تكْليفيا بما لا يُسْتطاعُ، فالرسول  لم يكن متعلما القراءة حتى يقرأ شيئا مكتوبا، ولكنه أمرٌ تكوينيٌّ، أي &gt;صِرْ قَارئا&lt; بحول الله وقوته.</p>
<p>لأن المفعول حين يُحْذَف يكون التركيز على الفعل، وهنا حُذِف المقرُوء، فكان التركيز على فعل القراءة، أي &gt;كُنْ قارئاً&lt; باسْم ربّك، لتكون قراءتك باسم ربك -وأنت أُمِّي- من أعظم المعجزات الدّالة على نبوتك، ويكون إقراؤك لأمتك وتزكيتُها بالعلم الرباني لتصبح خير أمة من أعظم معجزات الوحي الصانع لأمة فريدة في التاريخ الحضاري.</p>
<p>وهذا التعبير {اقرأ باسم ربّك} يراد منه أمران كبيران لابد أن نستصحبهما باستمرار، وهما : الاستئذان، واستمداد الحوْل، كأنك تقول : أستأذن الله تعالى وأتوكل عليه، أي لا أمارس فعل القراءة إلا بعد استئذان الله، ولا أمارسه بحولي، ولكن أمارسه بحول الله وقوته وقدرته.</p>
<p>وإذا كان من المعلوم تاريخياً أن الأحكام كانت تصْدُر باسم الكاهن، أو الساحر أو ما أشبه، فإن الواقع أيضا يعرف أحكاما تصدر باسم مجلس الثورة أو باسم رئيس الجمهورية أو ما أشبه. فالتعبير إذن هنا {باسم ربك} يُرادُ منه تصحيح هذا.</p>
<p>وفي مقامنا هذا، ما أمرت به الشريعة يجب أن نُقْدم عليه متوكلين على الله وحده كائنا ما كان، لا عَلى حوْلنا ولا على قوتنا إذ لا حول لنا ولا قوة مهما أعددنا.</p>
<p>وهذه النقطة مركزية، خصوصاً وأن الله تعالى علّم المسلمين درساً من حُنَيْن في ظروف صعبة حيث قال لهم : {ويَوْمَ حُنَيْن إِذْ أعْجبَتكُم كثرتُكُم فلَمْ تُغْنِ عنْكُم شَيْئا}(التوبة  : 25) التفات القلب إلى غير الله يجْلُب الهزيمة. فقلبُ المؤمن لا ينبغي أن يتوكل إلا على الله، وألا يتجه إلا إلى جهة واحدة لا شريك لها هي جهة الله جل جلاله وإنْ أعَدَّ ما أعَدَّ، وإن أعْدَدْنا ما أعْدَدْنا أفراداً، أو جماعة أو دولة أو أمة. قال الله تعالى {وأعِدُّوا لهُم ما اسْتَطَعْتُم من قوّة}(الأنفال : 61) ولكن مع الإعداد لابد من التوكل على الله، لأن التوكل هو القوة التي لا قوة فوقها.</p>
<p>هذا الر سول  لم يكن قارئا {ومَا كُنْت تتْلُو مِن قَبْلِه من كتاب ولا تخُطُّه بَيَمِينك إذاً لارْتَابَ المُبْطِلُون}(العنكبوت : 48) ولكنه صار قارئا بحول الله وقوته.</p>
<p>ثانيا : أول العلم العلم بربنا : خالقًا ومعلِّما لنا ثم العلم بالإنسان (من حيث هو انسان) مخلوقا ومعلّما من ربنا :</p>
<p>وذلك مما يستلزم :</p>
<p>- ذكر نعم الله تعالى طريقا للعلم به والخشية له وعلى رأس تلك النعم نعمتا الخلق والتعليم.</p>
<p>- تركيز الاهتمام بالانسان لتميزه موقعا وتكريما وتعليما.</p>
<p>- التعليم أكبر مظهر للتكريم.</p>
<p>العلمُ مهمُّ، ولكن أيّ عِلْم نطلب أولا؟ هل هو علمُ النحو؟ هل هو علم الفزياء؟ هل هو علم الفلك؟ العلم الأول الذي به تتم الرؤيا ويستطيع البصر أن يبصر الحقيقة، هو العلم بالله جل جلاله، لأن المسألة لها علاقة بشيء مركزي إذا تحدد ذلك الشيء تحددت التوابع، وإذا لم تستقر الحقيقةُ الضخمة كُلُّ الأمور الأخرى لن تأْخُذ مواضعها. فأول نقطة يجب أن تستقر في موضعها استقراراً تاما هي العلم بالله لأننا نجد أن الله جل جلاله في الآيات الخمس الأولى، لم يتحدثْ عن شيء، غير الله سبحانه، قال {اقْرَأْ باسْمِ رَبِّك} بمجرد أن ذكر {ربِّك} ليس بعدها إلا التعريف بهذا الرب، الذي خلق، خلق الإنسان من علق، هذا الرّبُّ الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.</p>
<p>ماذا في هذه الآيات؟ ما هو هذا الشيء الذي له الصدارة في هذه القراءة أو في أمْر العلم، أو في أمْرِ التعلم، أو في أمْر التعليم، إنّه أساساً العلمُ بالله جل جلاله، وبالتحديد العلمُ بربنا الذي لم يَرِد في القرآن إلا مضافاً {ربنا} {ربكم} {رب العالمين} للإشعار دائماً بعظمة الإنعام الرباني على كل شيء في الوجود وبالأخص نعمتي الخلق والتعليم بالنسبة للإنسان. الأولى فيها وجوده، إذ لو لم يُخْلق لم يوجد، والثانية فيها سر قدراته كلها، كل ما يفعله عُلِّمَه من قبل المعلِّم الذي هو الله جل جلاله {الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بالقَلَم علَّم الإنْسَان ما لَمْ يَعْلَم} علّمه بالقلم وبغير القلم. ولكن الله تعالى أبْرَزَ أداةَ التعليم بالقلم، لأن القلم كان وما زال سبب ما اكتسبه الإنسان من علوم ومعارف على مرّ العصور.</p>
<p>ورصيدُ الهدى الذي تفضل الله به علينا من خلال العلم الذي تعلمناه من الوحي بالقلم وبغير القلم، هذا العلم كان هو سر نهوض الأمة سابقا، وكان هو سر سيادة آدم وبنيه على سواه قبل ذلك. {أتَجْعَلُ فِيها منْ يُفْسِد فِيها ويَسْفِك الدّماء ونحْنُ نُسَبِّح بحمْدك ونُقَدِّسُ لك، قَال إنِّيَ أعْلمُ مَالاَ تعْلَمُون، وعَلَّم آدم الأسماء كلّها}(البقرة : 29- 30) فهذا التعليم لآدم هو أسرار الخلافة {إنِّي جاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفة}(البقرة : 29).</p>
<p>وإذا كان الله تعالى أبرز في أول آيات المطلع نعمة الخلق مطلقاً فإن التركيز جاء بعد ذلك على الإنسان بصفته مخلوقاً ومعلّماً من ربِّه الأكرم.</p>
<p>فإذن هناك أمران كبيران لابد من العلم بهما كما ينبغي :</p>
<p>- الأمر الأول هو الله جل جلاله، وهو عنوان هذا المعنى، هو عنوان على جميع العلم الذي جاء من عند الله، فإذن العلم بالملائكة وبالكتب والقدر وبالرسل والآخرة، العلم عموما الذي جاء من عند الله عز وجل داخل في العنوان الأول.</p>
<p>- والأمر الثاني العلم بكل ما له صلة بالإنسان تسخيراً وتيسيراً وتدبيراً كله أيضا داخل في العنوان الثاني، الذي هو العلم بالإنسان، الذي سخر الله تعالى له الكون بأجمعه {ألَمْ تَرَوا أنّ اللّهَ سَخَّر لكُمْ ما فِي السماوات وما في الأرض}(لقمان : 19) فحين نعلم الإنسان، ووظيفة الإنسان، وموقع الإنسان، وما هو الإنسان، تلقائيا يستلزم أن نعرف ما سُخِّرَ لهذا الإنسان ونتجه إلى أن نعرف كيف سُخِّر ما سُخِّر، وكيف نُسَخِّر ما سُخِّر لهذا الإنسان.</p>
<p>فهذه هي النقطة الكبيرة والمهمة، فما أهميتها بالنسبة للفرد؟!، بالنسبة للجماعة، بالنسبة للأمة؟! أو للدولة بصفة عامة؟!، أهميتها بالنسبة للفرد والأمة والدولة هي أن يضع الكل في حسابه أولَويّات العلم، والعلم الشرعي لا سواه، العلم الشرعي هو رأس الأمر، ورأس العلم الشرعي هو الوحي، ورأس الوحي هو كتاب الله تعالى، هذه حقيقة ضخمة، كلية أساسية مهمة، يجب أن تكون في غاية الوضوح ويجب أن ننطلق منها أفراداً وننطلق منها أسراً وجماعات ودولاً وننطلق منها أمة.</p>
<p>داخل هذا الإطار -إطار العلم الشرعي- يأتي العلم بالله جل جلاله كأي معلومة تقدم على سواها، لأنك حين تعرف الله يصغر عندك كل ما سواه ولا يكبر إلا هو وتنتهي أهمِّيةُ ما سواه، بل تبقي أهمية ما سواه بقدر ما أعْطَاه الله تعالى من أهمية، وإذّاك تبتدئ العبديّة، وإذّاك تبتدئ العبودية، وإذّاك تبتدئ العبادة على وجهها الصحيح، وإذّاك يتبدئ الوجود الإيماني الحقيقي للعبد.</p>
<p>قبل أن يتم هذا الاتصال المباشر بالله جل جلاله كما عرف نفسه بنفسه في كتابه، لا إيمان ولا عبديّة ولا عبادة، أي لا عبادة -على الحقيقة- لله قَبْل معرفة الله تعالى على وجْه اليقين.</p>
<p>فإذن عندما نفكر في أن نعرف الناس بالله يجب أن نعرفهم به عن طريق كتابه أي عن طريق الآيات المتعلقة بالتعريف بالله جل جلاله كهذه الآيات نفسها وأشباهها في كتاب الله تعالى وذلك هو التوحيد الحقيقي، التوحيد أو الإيمان يؤخذ من الآيات المتعلقة بالله جل جلاله، ومن الآيات المتعلقة باليوم الآخر، بالملائكة، بالرسل، بالكتب، بالقدَر. ما أشد خَيْبَتَنا وخسراننا حين تركنا القرآن جانبا أو نُزَيّن به الجدران، أو نطبعه، ونوزعه مزينا منمقا والمطلوب أن يسكن القلوب. هذا المطلوب هو الذي فعله الرسول  كتَبَه في القلوب، ورسَّخه في الأعمال، هذا هو المنهاج.</p>
<p>وهذه النقطة الثانية تستلزم :</p>
<p>1) تذكُّر النّعم للوصول للعلم بالله عِلْماً يورّث الخشية منه لأن العلم الذي لا يورث الخشية ليس بعلم أبداً.</p>
<p>2) تركيز الاهتمام بالإنسان لتميزه موقعا وتكريماً وتعليما، لأن الإنسان هو الأساس في النجاح أو في الفشل في أي خطة، أو عمل، أو في أي شيء، وبإصلاح الإنسان اشتغل الرسل، لم يشغلوا بتأليف الكتب عليهم السلام، وإنما اشتغلوا بتأليف الرجال، اهتموا بالبشر، بالتحويل اللازم لبني آدم من الفساد إلى الصلاح لوضع نماذج بشرية صالحة راضية مرضية عند الله تعالى في الواقع العملي وبعد ذلك فليبلغ الشاهد الغائب.</p>
<p>هذا محل التحدي عمليا، فلذلك الإنسان هو المحور، في أي عملية إصلاح، في أي عملية يراد القيام بها ينبغي التركيز أولا على العنصر البشري فيها. فيا خيبتنا ويا خسارتنا يوم نرى أن الثروة البشرية تصير عندنا أهون من الثروة الحيوانية، وأهون من الثروة المعدنية، ونرى البشر يتسكع في الطريق ونراه يقتل الوقت ويقتله الوقت وكائنات بشرية كثيرة لا تعرف ما تصنع ولا تعرف ماذا يصنع بها، مع أن تلك الكائنات نفسها إذا فُعِّلت التفعيل الصحيح وأُوقِد فيها السِّرُّ الذي يفعّل الإنسان، إذا خولطت كينونتها بالوحي فإنها تصير خلقا آخر، وتفعل في التاريخ العجب العجاب كما فعله العرب في الجزيرة العربية، فعلوه في التاريخ في شرق الكرة وجنوبها وغربها، مع أنهم كانوا أعرابا بداة لا يكادون يفقهون شيئا، ومع ذلك صنعوا ما صنعوا بالوحي لا بسواه، فانظر إلى أثر هذا العلم في النفوس، هذا العلم الذي يعتبر أكبر مظهر للتكريم بعد الخلق.</p>
<p>وهَلْ تميَّز آدمُ و بنوه إلا بهذه النقطة؟! نقطة  التعليم الذي علمه الله عز وجل، إن أكبر ما تميَّز به آدم وبنوه، هو العلم والتعليم وما يندرج تحتهما من تفاصيل جزئية لا تخرج عن دائرة العلم والتعليم.</p>
<p>ثالثا : الطغيان أبرز أدواء الإنسان، وفي توهم الشعور بالاستغناء سر الداء، وفي الاستيقان بالرجوع إلى ربنا سر الدواء :</p>
<p>وذلك مما يستلزم :</p>
<p>- ملازمة الشعور بالافتقار إلى الله تعالى.</p>
<p>- ملازمة ذكر الموت والآخرة والرجوع إلى الله تعالى.</p>
<p>- ملازمة الوقوف عند حدود الله تعالى وعدم التعدي.</p>
<p>المقطع الموالي من قوله تعالى : {كلاَّ إنّ الإنسان ليَطْغَى أن رَآهُ اسْتغْنَى} إلى قوله تعالى : {إنّ إلَى ربِّك الرُّجْعَى} يستفاد منه حقيقة أن الطغيان أبْرزٌ أدْواء الإنسان وأن توهُّمِ الشعور بالاستغناء، هو سِرُّ الدّاء. وأن الإستيقان بالرجوع إلى ربنا هو سِرُّ الدّواء.</p>
<p>هذه الآيات فيها ذكر المرض، وفيها سَبَبُ المرض، وفيها الدَّواء لهذا المرض. مع أنها آيات صغيرة {كلاّ إن الإنسان ليطْغى أن رآه استغنى إنّ إلى ربِّك الرّجْعى} ومع ذلك تضمنت هذه المعاني الكبيرة.</p>
<p>{كلاّ إن الإنسان ليطْغى} الدّاءُ الخطير الذي إذا أصاب فرداً أو جماعة سبّبَ البلاء العظيم ومنه يأتي كل بلاءٍ، إنه الطغيان، فما هو الطغيان؟ الطغيان بصفة عامة هو تجاوُزُ الحَدِّ، والله تعالى ضبط الأمور، وحَدّ الحدود ثم قال : {تِلْك حدُودُ اللَّهِ فلا تعتدوها}(البقرة : 227) وقال أيضاً : {فلا تقربوها}(البقرة : 186)، هناك أمور منظمة : لكل جزء فينا حدُود، للسمع حدودٌ، للنظر حدود، للكلام حدودٌ، للفرج حدودٌ، للبطن حدودٌ، إلى غير ذلك.</p>
<p>الحدود حدّها الله في كل مجال فمن تجاوز الحدّ فقد طغى، أيُّ تجاوُزٍ هو طغيان، الإنسان بصفة عامة هِوَايَتُه الطغيان أيْ تجاوز الحدود بالنسبة للآخرين بالدرجة الأولى، وبالنسبة للنفس.</p>
<p>هذا الداء سبَبُه توهُّمُ الاستغناء {أن رآه استغنى} هل الإنسان يستغي؟ مستحيل، لا يوجد المستغني الكل مفتقر بشَكْل من الأشكال. من لديه شيء ليس لديه شيء آخر. ولكن الاستغناء هنا هو الشعور بالاستغناء عن الله فهُوَ مستقلٌّ بنفسه فالذي {قالَ أنَا رَبُّكم الأعْلَى}(النازعات : 24) كان يحتاج إلى الله؟ ولكنه في نظر نفسه لا يحتاج إلى الله جل جلاله فـ{أن رآه استغنى} معناها تخيُّلُ الاستغناء، فالقرآن في غاية الدقة بمعنى أن الاستغناء مستحيل. لا أحد يستطيع الاستغناء، إذن ما الذي يبقى؟ يبقى توهُّم الاستغناء، لأنّ الإنسان يرى نفسه أنه قد استغنى، هذا التوهُّم هو سرُّ البلاء، أما سر الشفاء فهو هذا الدواء {إنّ إلى ربِّك الرّجْعى} إذا تذكّر بأَنّه عائد إلى ربّه حقيقة حصل له اليقين بالضُّعف الذي يمكن أن يُوقظ الضمير الميت.</p>
<p>هذا الكلام يساوي حقيقته الأخروية والدنيوية، حين تقول {إن إلى ربّك الرّجعى} فإن إلى ربك الرجعى. ويجب أن تصير في القلب إلى الحد الذي يحدث لك الزلزال في كيانك، لأنه إذا حدث هذا اليقين قطعا يتم التوقف عن الطغيان.</p>
<p>هذا العلمُ اليقينيُّ هو الذي يحدث السلوك الحقيقي لذلك قــال الـرسول  : &gt;لا يزني الزاني حين يزني وهو مومن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مومن&lt; معناه لا يكون في تلك اللحظة لديه الحضور اليقيني للمعلومة أن الله سيأخذه وأن هذا سيؤدي به إلى عذاب عظيم لا يخطر له على بال، إذا كان الإنسان لا يطيق أن يضَع أصْبعه على شمعة موقدة فكيف يطيق جهنم، وكيف يطيق الخلود فيها؟ وكيف يطيق الاحتراق الدائم؟ {كُلَّما نضِجَتْ جلُودهم بدّلناهم جلوداً غيْرها ليذُوقوا العَذَاب}(النساء : 55) المشكلة أننا نتعامل مع الألفاظ تعاملا عاديا بارداً لا ينتج ثماراً ولا انتهاء عن الطغيان.</p>
<p>فهذه النقطة : أن الطغيان هُو أبْرزُ أدواءِ الإنسان هي التي وُضَعِتْ الآن في البُؤْرة باعتبارها سِرّ الأدْواء التي تُهْلِك النفس، وتهلك الأُسَرَ والمجتمعات، والمطلوب {فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَنْ تَابَ معَكَ ولا تطغوا}(هود : 112) لكيْ لا يكون طُغْيان أبداً {ولا تَطْغَوْا فِيه فَيَحِلَّ عَلَىْكُم غَضَبِي ومَنْ يَحْلل عليهِ غَضَبِي فقد هوَى}(طه : 79) ولا تطغوا، هذه نقطة مركزية {كلاّ إنّ الإنسان ليطْغَى} ومتى يحْدُث ذلك {أنْ رَآه اسْتَغْنَى} بشكل من الأشكال والإستغناء عن الله أخطر الاستغناءات، ورأس البلاءات وهو يحدث للكفار الخُلَّص الذين شُرِحت صُدُورهم للكفر ويتبع الكفار من استغنى بسبب جاهه، أو ماله، أو علمه، أو أي شيء يتوهَّم أنه غير محتاج للآخرين، وليتخلص من ذلك حقا عليه أن يعلم علما يقينيا أنه محاسبٌ ومؤاخذ.</p>
<p>ومما تستلزم هذه الحقيقة ثلاثة أمور :</p>
<p>1) ملازمة الشعور بالإفتقار إلى الله تعالى مع التبرؤ من كل حول وقوة &gt;فلا حول ولا قوة إلا بالله&lt; هذه كلمة جامعة مانعة في بابها مع مصاحبة الاستئذان الدائم من الله تعالى، فإذا لم يأذن لك با لكلام فلا تتكلم، وإذا لم يأذن لك بالنظر فلا تنظر، وإذا لم يأذن لك بالسير فلا، وإذا لم يأذن لك بالتفكير فيما لا يرضاه فلا تفكر فيه.</p>
<p>فملازمة الشعور بالافتقار لله عز وجل هي عين الهدى المنهاجي العاصم من الطغيان.</p>
<p>2) ملازمة ذكر الموت والآخرة وذكر الرجوع إلى  الله تعالى {إنّ إلى ربِّك الرُّجْعى} يجب أن نتذكر ذلك باستمرار لأنك في كل لحظة قد تنتقل، إذا أصْبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، هذا الشعور يجب أن يكون، ليكون المومن مستعداً للقاء ربه في أي وقت.</p>
<p>فملازمة الذكر للآخرة والرجوع لله تعالى ضروري أيضا في ضبط نبض القلب البشري الإيماني، كالأمر الأول الذي هو الشعور بالافتقار.</p>
<p>3) ومن مستلزمات ذكر الرجوع لله الوقوفُ عند حدود الله تعالى وعدم التعدي، هذه نقطة في  غاية الأهمية فلكل شي ء حدٌّ يجب عدَم تخطِّيه وتجاوزه.</p>
<p>رابعا : الله تعالى يتولى الدفاع بنفسه عن عبده إذا استجمع ثلاثة شروط :  إذا صلى، وكان على الهدى، وأمر بالتقوى :</p>
<p>أي إذا كان موصولا به في قلبه/سائرا على هداه في حياته/ داعيا  غيره إلى تقوى ربه.</p>
<p>{أرايْت الذي ينْهى عبداً إذا صلّى، أرايْت إن كان على الهُدَى أوْ أمَرَ بالتٍّقْوى أرَايْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلَّى ألمْ يعْلمْ بأنّ اللّه يرَى} الله تعالى يتولى الدفاع بنفسه عن عبده إذا استوفى ثلاثة شروط :</p>
<p>1) إذا صلَّى صلاة حقيقيّة نطمح إليها، صلاة فيها ارتباط بالله تعالى، يناجي فيها ربه، يغيبُ عن الكون من حوله، يقع له الاتصال المباشر كأنه يتكلم مع الله محققا قول الله تعالى {وأَقِم الصّلاة لذِكْرِي}(طه : 13). فإذا كان أولُ العلم العِلْم بالله تعالى، فإن الصلاة أولُ تطبيق لهذا العلم، عِلم الخشية من الله، علم التضرع لله، علم الاعتماد على الله تعالى وحده إنه العلم الذي به تحول العرب، وبه حولوا العالم، به تعلموا كيف يركعون ويسجدون لله وحده، ولا يلتفتون إلى غيره أبداً، به حَوَّلُوا التاريخ، وحوَّلُوا الناس من الخضوع لغير الله إلى الخضوع لله تعالى وحده.</p>
<p>إن علم الخشوع والاستكانة لله تعالى في الصلاة أشرفُ العلوم على الإطلاق ولذلك كانت عمود الدّين، فإذا سقط العمود سقطت الخيمة، وإذا انهار العمود انهار البناء، فمن الصلاة بدأ المسلمون الأُولُ تعْبيد الطريق للتمكين، ومنها ينبغي أن يَبْدأ الطريق من جديد، ولهذا نحن نحتاج إلى أن نُصَلِّي من جديد. نعم نحتاج إلى أن نصلي لأننا لم نُصَلِّ، فنحن مثل ذلك الصحابي الذي قال له الرسول  : &gt;صَلِّ فإِنَّك لمْ تُصَلِّ&lt; ولأهمية الصلاة نرى في السورة أن الله تعالى جعلها الصفة الحقيقيّة للعبديّة الحقيقيّة المتمثلة في هيأة الصلاة الخاشعة {أرَايْت الذِي ينْهَى عبْداً إذا صلى}.</p>
<p>2) الشرط الثاني أن يكون  مستقيما على أمر الله تعالى في كل شؤون الحياة {أرَايْت إنْ كَان على الهُدَى}.</p>
<p>3) الشرط الثالث أن يكون داعياً غيره إلى الصلاح :  لَيْسَ مُصلحاً لنفسه فقط، وليس مُحوِّلا لنفسه فقط، ولكنه عبد أصلحَ نفسه ودعا غيره إلى الصلاح، فهو صالح مصلح، ومُهتدٍ وهادٍ، ومُصَلٍّ وآمراً غيره بالصلاة {أوَ أمَر بالتّقْوى}، حين يكون العبد مصليا مستقيما على الهدى داعيا غيره إلى الهدى والصلاح يتولاه الله تعالى ويرعاه ويحميه ويدافع عنه سبحانه بنفسه.</p>
<p>فهذا هدى منهاجي واضح.</p>
<p>خامسا : دفــاع الله تعالى عن عبده يكون بأمور :</p>
<p>الهدى الذي يليه نأخذه من هذه الآيات {أرَايت إن كان على الهُدى أو أمر بالتقوى أرايت إن كذّب وتولى ألم يعلم بأن الله يرَى كلاّ لئن لم ينْته لنسفعن بالنّاصية ناصية كاذبة خاطئة، فليدع ناديه سندع الزّبانية}، وذلك يكون بـ :</p>
<p>1- فضْح لطُغْيان الطاغي، بدون ذكر اسمه، لأن القرآن صاغه الله تعالى بصورة نموذجية لا يحدها زمان ولا مكان، حيث هَجَم هذا الطاغي على عبد صالح بدون مبرّرٍ أو ذنب اقترفه العبد الصالح.</p>
<p>2- بيان اتصاف عبده بكل ما يقتضي الاحسان إليه بدل الإساءة إليه.</p>
<p>3 &#8211; تخويف الطاغي عليه برؤية الله تعالى لامحالة :</p>
<p>في الآيات تعجيب من شناعة فعل الطاغية الذي هجم على العبد الصالح حين تلبُّسه بفعل الصلاة، الذي هو أشرف فعل، وأزكى فعل، فبدل الإحسان إليه وإكرامه يُسيء الطاغية إليه.</p>
<p>إنه دفاع يورث الرعب والزلزلة في كيان كل طاغية كافر، ويورث الاطمئنان في نفس كل عبد صالح. هذه مرحلة.</p>
<p>المرحلة الثانية : أن هذا الطاغية إن تمادى ولم يتُب ولم يرتدع تأتي مرحلة أخرى فيها ثلاث مراحل :</p>
<p>1) التهديد بالأخذ المباشر {كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية} والسفع في اللغة العربية هو الضرب بالنار حتى يُحْدِث سواداً يكون من النار أو من حِدّة حرارة الشمس، {لنسفعن بالناصية} لأن تلك الناصية هي مَكْمَنُ التكبُّر، في الطاغية وهي في الأصل ينبغي أن تكون مكمَن الخضوع والسجود والطاعة.</p>
<p>2) ثم بعد ذلك الهُجُوم على الطاغية بالقول المباشر {ناصية كاذبة خاطئة} هذا سبٌّ وقَذْفٌ وهجوم مباشر.</p>
<p>3) وأخيرا التحدي {فليدع ناديَه} فليدع جماعته وأتباعه، فإذا فعل فإن الله سيأخذه أخذاً مباشراً، والأخذ المباشر سيكون على أشكال متعددة لا يعلمها إلا الله تعالى، ولكن المذكور في هذه الآيات شكلان كبيران هما :</p>
<p>أ- السفع بالناصية، وسفعها تلويحُها بالنار، وإحراقها بالنار وتسويدها بالنار مقابل عُلوِّها وتكبرها عن الخضوع لله، ومقابل تهديدها للناصية العابدة الساجدة، ناصية العبد الصالح ومقابل توهّمها الاستغناء عن الله بشيء قليل من المال، والصحة، والأولاد، والأتباع.</p>
<p>فالناصية التي يجتمع فيها كل تلك الاستغناءات المتوهَّمة، هي ناصية كاذبة خاطئة.</p>
<p>ب- دعوة الزبانية خزنة جهنم للإسراع بالطاغية إلى مصيره ومستقره، وبيس المصير والمستقر.</p>
<p>وإذا ائْتَسَيْنا بفعل الله تعالى يجب أن يتدخل الإعلام لصالح أهل الإيمان، فيظهر أن ماهُمْ عليه هو خير ما يكون عليه بشر، وأن ما يُفعل بهم هو أسوأ ما يمكن أن يُفْعل ببشر مستقيم على الهُدَى.</p>
<p>ثم يقع الوعظ والتذكير بالله تعالى، ثم التخويف من عذابه.</p>
<p>سادسا : واجب عبد الله تجاه أي طاغية ينهاه عن فعل ما أمر به الله عز وجل هو :</p>
<p>- عدم الطاعة له</p>
<p>- والسجود لله</p>
<p>- والاقتراب من الله.</p>
<p>وبعد ذلك يأتي الهدى النهائي الموجّه إلى العَبْد الصالح.</p>
<p>أي ماذا ينبغي أن يفعل عَبْدُ الله إذا وُوجه بكل هذه المشاكل ووُوجه بهذا الطغيان، ووقع الهجوم عليه، وبدأ يُمنع من الصلاة، ويُمنع من السير على هدى الله، ويُمنع من أن يكون على التقوى، وآمِراً بالتقوى؟&#8230;</p>
<p>واجب عبد الله أمام هذه الحالات، واجبه شيء واحد هو الفرار إلى الله تعالى بكثرة الطاعات، وكثرة الصلوات والتضرعات، وكثرة الصبر والثبات والعصيان لأوامر الطغاة {كلا لا تُطعه واسجُد واقترب}.</p>
<p>سابعاً : خـــــــلاصة هدى السـورة للعبد المؤمن :</p>
<p>يمكن تلخيصه في نقط ثلاث :</p>
<p>1- تعلُّم الحق كما هو خالصاً من عند الله جل جلاله :</p>
<p>يعني هذه السورة تقول : أول ما ينبغي فعلُه تعلُّم الحق، يجب تعلُّمُ العلم الذي هو الحقُّ كما جاء من عند الله خالصا مصفَّى.</p>
<p>2- العملُ بالحق والثباتُ عليه كما أمر الله جل جلاله اتصالاً به وسيراً على هداه أمراً بتقواه :</p>
<p>ومتى وجد عبدٌ يصلي لربّه على هدى ربّه، آمراً بتقوى ربه، ولا يبالي بسوى ربّه، حين يوجد هذا العبد يوجد هذا الرّب وهو موجود -سبحانه وتعالى- فإذَنْ النقطة الثانية بعد تعلُّم الحق، الذي هو واضح في المطلع يأتي العملُ بالحق الذي هو واضح في الوسَطِ، فالثباتُ عليه كما أمر الله جل جلاله اتصالاً به وسَيْرا على هداه وآمراً بتقواه.</p>
<p>3- الصبر على أذى الطغيان دون طاعة له ولا ردٍّ مادي عليه، إلا رَدُّ البيانِ لحق المحِق وخطر مصير المبطل :</p>
<p>هذا الذي نجده في هذه المرحلة، فحين يكون ظرفٌ كهذا الظرف، يكون وصفٌ كهذا الوصف، وتكون وصفة كهذه الوصْفة، وهذا هو المقصود بالهدى المنهاجي، أن نعُود إلى كتاب ربنا لنَسْتَخْلِص منْه ما ينبغي فعْلُهُ.</p>
<p>فالصبر على أذى الطغيان هو السبيل وهذه نقطة أساسية.</p>
<p>في كتاب &#8220;كيف ندعو الناس&#8221;  نقطة انقدحت في ذهن مؤلفه الأستاذ محمد قطب هي الواردة في سورة الأنعام {ولِتَسْتبِين سبيلَ المُجْرمِين} وفي قراءة حفص {ولتستبين سبيلُ المجرمين} أي تتضح سبيل المجرمين متى تتضح؟ لا تتضح في البداية، تتضح عندما يطبقها عبد أو عباد تطبيقا تاما قويا جدا لا يصرفه ولا يصرفهم عنها صارف، ومع أنهم يتعرضون لبلاء عظيم، مع ذلك لا يتزلزلون ولا يتزحزحون نهائيا، ويتبين أيضا بالمقابل الصورة المظلمة للطغاة، يتضح طغيانهم للجميع فلا يبقى الالتباس فيتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، يتضح الحق من الباطل، يتضح الأمر كل الإتضاح، لا يمكن أن يتم ذلك إلا بعد مرحلة من الصبر على البلاء ، هناك أمران يسيران جنبا إلى جنب : العمل بالحق، والثبات على الحق، ومع العمل بالحق والثبات عليه يأتي البلاء {ألم أحَسِب النّاس أن يُتْركُوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفْتَنُون}(العنكبوت : 1) لابد من الفتْن بأشكال مختلفة فهذا الفَتْن ما الموقف منه : الصبرُ على الأذى، {واصْبِرْ حتَّى يحكُم الله}(يونس : 109) &gt;صَبراً آل يَاسِر فإنّ موْعِدَكم الجنّة&lt;.</p>
<p>ممنوع الرد، لأن الإنسان إذا لم يُرّد.</p>
<p>أولا قضيتُهُ تَرْبحُ أكثر.</p>
<p>والحق يتَبَيَّنُ أكثر.</p>
<p>ويزداد الأنصارُ أكثر عمليًّا.</p>
<p>ثم هو يعظم إيمانه أكثر.</p>
<p>أما عندما يرد كل ذلك ينقص، وأحيانا يَلْتَبس الأمْر تماما ويختلط ولا يعْرف الناس الحقّ من الباطل.</p>
<p>فلذلك الله عز وجل في البداية اختار لرُسله ولأتباع رُسله أن يعرفوا الحَقَّ، ويعملوا بالحق، ويثبتوا على الحق، ويصبروا، حتى يأتي الفرج وبالله التوفيق.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب النزول</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 26 Sep 2010 06:05:08 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 271]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[السور]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[ترتيب النزول]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6323</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب النزول د. الشاهد البوشيخي بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربّنا آتنا من لدنك [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب النزول</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علما، اللهم افتح لنا أبواب الرحمة وأنطقنا بالحكمة واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة.</p>
<p>الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله كما حُمد، وكما يُحمد، وكما سيحمد، وكما يجب أن يحمد، وكما حمده المقربون من الملائكة والرسل عليهم الصلاة والسلام.</p>
<p>1) النظرة للقرآن من زاوية الهدى هي النظرة الكفيلة بإنهاض الأمة من جديد :</p>
<p>كانت أمنية عزيزة أن يأتي يوم ننظر فيه سوية إلى كتاب الله عز وجل من زاوية بعينها، قلما يُهْتم بها، هي زاوية الهدى التي فيها تخصص القرآن.</p>
<p>لا من زاوية أنه بيان عربيٌّ مُعْجز -وهو كذلك- ولا من جهة أن فيه علوماً كثيرة منها أخبار الغابرين في الماضي السحيق أو أخبار من سيأتي بعد -وهو كذلك- ولا من جهة الإعجاز العلمي والتشريعي -وهو كذلك- لا من هذه الزوايا كلها، بل زاوية واحدة هي زاوية الهدى.</p>
<p>كانت أمنية عزيزة أن يأتي يوم ننظر فيه إلى كتاب الله عز وجل من هذه الزاوية مع إخوة وأخوات مهتمين بهذا الأمر، يقدرونه قدره، ويعرفون حق المعرفة أنه لا سبيل إلى أن تعود هذه الأمة إلى التاريخ من جديد إلا إذا استأنفت سيرها من جديد على أساس كتاب ربها كما فعلت أول مرة، إن الذي حوَّل مجرى التاريخ زمن رسول الله  هو القرآن، أربعون سنة ومحمد  يعيش بين الناس بدون قرآن فما تحوَّل هو ولا تحوّل شيء في التاريخ.</p>
<p>ولكن بمجرد أن بدأ نزول القرآن بدأ تحَوُّل التاريخ، تحوُّلُ الإنسان، تحوُّل الجزيرة، تحوُّل الخريطة على الكرة الأرضية، تحوُّل البشرية جملة في توجهها العام، في موازينها، في فُهُومها، في كل شيء، بدأت ذلك أساسا بالقرآن الذي هو أعظم نعمة أنعمها الله تعالى على هذه الأمة {اليَوْم أكْملتُ لكُمْ دينكُم وأتْمَمْتُ علَيْكم نعْمتي ورَضِيتُ لكُم الإسلام دينا}(المائدة : 4). لذلك لابد لمن يفكر في أن يصلح نفسه ويصلح  غيره لابد أن يُوَفِّيَ القرآن حقه، لابد أن يعود إليه عودة صادقة. يستخلص منه الميزان ليزن به أشياءَ مِن حوله وليزن به نَفْسَه، وتفكيره وتعبيره وتدْبِيره بل ليزِن به جميع أموره وجميع أمور الناس، فلهذا نزل الكتاب {لَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلَنا بالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا معَهُم الكتابَ والمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاس بالقِسْط}(الحديد : 24).</p>
<p>أقول كانت أمنيةً عزيزة، أن يأتي هذا اليوم، وكنت أنتظر الرغبة، ورغبتي صادقة وقديمة حيث بدأ الإهتمام بهذا الأمر -تقريبا- منذ أكثر من ثلاثين سنة. ولكن الطلب الصادق أرجو أن يكون قد بدأ اليوم منا جميعا، ولقد سمعت من إخوتي الكرام هذه الرغبة في صحبة القرآن وعِشرتِه تتردد من حين لآخر، بل وسمعت بعْدُ من أخوات كريمات رغْبَةً أصْدَقَ وأشَدَّ في الاستماع لهذا الهدى الرباني.</p>
<p>ما هو هذا الهدى؟</p>
<p>وماذا فيه؟</p>
<p>وفكرت في أشكال من الحديث عن هذا الهدى.</p>
<p>هل يكون درساً جامعاً في مسجد من المساجد يُفْتح فيه كتاب الله تعالى من الفاتحة إلى الناس؟.</p>
<p>لكن متى يتم ذلك؟</p>
<p>إن الأمر طويل إذا صار بهذا الشكل.</p>
<p>لذلك فكرت في أن تكون هذه الأحاديث التي ستبتدئ متسعة المسافة الزمنية -وهي حسب الرغبة- فإن اشتدت الرغبة ضاقت المسافة الزمنية، وإن قلت الرغبة ازدادت اتساعاً أو انقطعت لا قدر الله.</p>
<p>هذا اللقاء سيدور عن موضوع عنونته هكذا : &#8220;نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب نزول&#8221;. وهذا اللقاء المبارك يُعْتبر مقدّمة للعمل الذي سيَبْدأ في الحصة الموالية إن شاء الله تعالى مبتدئين بأول سورة نزل مطلعها أولا هي سورة العلق.</p>
<p>أما النقط التي يشتمل عليها العنوان فهي التالية :</p>
<p>1- لماذا نظرات؟</p>
<p>2- لماذا في الهدى المنهاجي؟</p>
<p>3- لماذا في القرآن الكريم؟</p>
<p>4- لماذا حسب السور؟</p>
<p>5- لماذا حسب النزول؟</p>
<p>هذه النقط سأفصّل فيها بعْضَ التفصيل ليُعْلم على أي شيء نحنُ مُقدمون.</p>
<p>&lt; لماذا نظرات؟</p>
<p>لأنها لم تهتم بكل الجوانب فهناك جوانب كثيرة في كتاب الله عز وجل ليس لنا الوقت للاهتمام بها، وإنما سنهتم بجانب واحد هو جانب الهدى المنهاجي بالتحديد.</p>
<p>&lt; لماذا الهدى المنهاجي؟</p>
<p>- السبب الأول هو أن القرآن الكريم محْضُ هُدَى، ومعنى هذا أن أهم ما في هذا القرآن هو الهُدَى ، هو أنَّه هُدًى. لم يأت القرآن بكل الجزئيات والتفاصيل لأنها تتعلق بتغير الأزمنة والأمكنة حتى تقوم الساعة ولكن جاء بالمنهاج الذي إذا أدرك وتُمِكن منه، فإن العبد يستطيع أن يهتدي إلى ما ينبغي، إلى ما فيه رضوان الله عز وجل في مختلف المجالات، ما نص عليه فقد نص عليه، وما لم ينص عليه يمكن الاهتداء إليه في إطار ما نص عليه، من كليات تضبط الجزئيات، هناك أمور عامة، مقاصد كبرى، قواعد كبرى، قضايا كبرى، تندرج تحتها تلك الجزئيات الصغرى التي تتغير بتغير الزمان والمكان، لكن المسلم إذا تمكن من تلك الأمور الكبرى سهل عليه أن يحل مشاكله في الأمور الصغرى، وأن يهتدي إلى ما ينبغي أن يهتدي إليه في الأمور الصغرى والأمور المتغيرة.</p>
<p>إذن القرآن هدًى كله، من البداية نجد الفاتحة ليس فيها أي طلب، ما عدا طلبا واحدا هو {اهْدِنَا الصراط المستقيم} طلب الهداية فقط، هذا هو الطلب المستمر والمتكرر منذ التكليف بالصلاة إلى أن نلقى الله إنه الطلب الوحيد الذي نطلب، وليس بعد هذا الطلب إلا الجواب، نطلب من الله الهدى مباشرة فيجيء الجواب {ألم ذَلِكَ الكِتَابُ لاَرَيْبَ فِيهِ هُدًى للْمُتَّقِين} طلبتم الهدى،  فها هُو القرآن هُدًى للمتَّقِين الذين يٌؤمِنون بالغَيْب ويُقِيمون الصلاة} إلخ. فكل ما جاء بعده هو بيان لهذا الهدى في مختلف المجالات، فهو :</p>
<p>هدى في علاقة العبد بربه.</p>
<p>هدى في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان.</p>
<p>هدى في علاقة الإنسان بنفسه.</p>
<p>هدى في علاقة الإنسان بأسرته وأبنائه.</p>
<p>هدى في الحياة الإقتصادية.</p>
<p>هدى في الحياة السياسية.</p>
<p>هدى في الحياة الاجتماعية والتربوية، والتعليمية، و الإعلامية&#8230; في كل المجالات. هو هدى.</p>
<p>وهدى للمتقين، هؤلاء فعلا هم الذين ينتفعون بهذا الهدى ويستفيدون منه. وهم الذين حصلوا على الإستجابة إلى ما طلبوا في الفاتحة {اهدنا الصراط المستقيم}.</p>
<p>بل هو هدى لجميع الناس، لمن استجاب ولمن لم يستجب {شَهْرُ رَمَضَان الذي أُنْزِل فيه القرآن هُدًى للِناس وبَيّنات من الْهُدَى والْفُرقان}(البقرة : 184) استجاب لها من استجاب وتركها من تركها. لكنه هو هُدًى. هذه حقيقته.</p>
<p>وهُوَ هُو الهدى {قُل إن هُدى الله هو الهُدَى}(البقرة :119) {وقالوا كونوا هُوداً أو نصارى تهْتدُوا قُل بَل ملَّة ابراهيم حنِيفاً}(البقرة : 134).</p>
<p>هذا هو الهُدى لا سواه.</p>
<p>فإذن الإهتمام بالهدى المتعلق بالمنهاج يأتي في الصدارة، لأنه هو الأهم وهو الُمرَادُ، وهو الهدف من إنزال هذا القرآن {قَد جاءَكُم من اللهِ نُورٌ وكتابٌ مُبينٌ يهْدِي به اللَّهُ من اتّبَعَ رضوانه سُبل السلام}(المائدة : 17). لهذا اعْتُبِر هذا الهدى هو الأسَاسَ والأهَمَّ والآكَدَ في مختلف المجالات، هذا الهدى هو الذي يجب أن يطلب.</p>
<p>هذه النقطة الأولى.</p>
<p>&lt; لماذا في الهدى المنهاجي؟</p>
<p>2) شدة حاجة الأمة اليوم إلى استرجاع روح القرآن :</p>
<p>الأمة اليوم بعدت عن هذا الهدى لأسباب كثيرة بعضها تاريخي نتيجة تراكم المشاكل عبر العصور السابقة، وبعضها عصري نتيجة الهجمة الاستعمارية النكراء التي عرفها المسلمون في العصر الحديث ومازالوا يعرفونها، مصيبة عظمى عرفها المسلمون. ومازالوا تحت وطأتها وتتمثل في أن المسلمين أخرجوا جسد الاستعمار من ديارهم ولم يُخْرجوا روحه. فالحركات الوطنية حررت البلاد من أجساد الاستعمار لكن لم يحدث حتى الساعة تحرير أرْواح الأمة إذْ لَنْ يُخْرِجَ الروحَ إلا الروحُ.</p>
<p>فإذا حلت روح القرآن في الأمة من جديد أخرجت سواها. أما إذا لم تحل الروح القرآنية فإن الروحَ النكِدَة ستبقى -لا قدَّر الله- مستقرة متمكنة. فلذلك حاجة الأمة اليوم شديدة لحلول الروح القرآني، ولا يعرف هذا إلا من يعرف القرآن، بالقرآن وحده نعْرف فعلا مدى شساعة الفرق. بين ما ينبغي أن تكون عليه الأمة إذا استجابت للقرآن وبين ما هي عليه الآن.</p>
<p>لهذا، ولهذه الحاجة الشديدة نحتاج إلى هذا الهدى المنهاجي. نظراً لهذا البعد الذي وقع، ونظراً إلى أن نوعين من التأثير عرَفَتْهُما الأمة، تأثيران كبيران أفْسَدَا الرُّؤْيَةَ، وأفْسَدا المنهاج، وأفسدا بعدُ الحياة، فكان ما كان.</p>
<p>التأثير الأول : تأْثِير الغرب القديم فيما يُسَمَّى بالثقافة اليونانية التي بدأ دخولها للعالم الإسلامي منذ بداية القرن الثاني الهجري حيث بدأ إفسادها للرؤية القرآنية في أدمغة المسلمين، وأدمغة عدد من نخبتهم، واستمر ذلك حتى وصل إلى الأصلَيْن: أصولِ الدين، وأصُولِ الفقه. وهما الأساس في علوم الشرع لدى الأمة، ووصل تأثير المنطق اليوناني وتأثير أريسطو وأفلاطون وغيرهما، فلم يعد أخْذُ المسلمين لدينهم من النبع الصافي الخالص، نبْعِ الوحي، بل صاروا يأخذون دينهم مشُوباً مخْلُوطاً من عَدَدٍ من المصادر للأسف الشديد.</p>
<p>فهذا الواقعُ : تأثير الغرب القديم في تاريخ الأمة العلمي ظهرتْ تأثيراتة بأشكال مختلفة، في علم الكلام، وعلم السلوك، وفي مجالات أخرى.</p>
<p>هذا مؤثر خطير ترك بصمَاتٍ خطيرة على عقل الأمة، وفهم الأمة، وعمل الأمة. ومن نتائجه وُصُولُها إلى ما وصَلَتْ إليه في القرن الماضي من هجوم الاستعمار على أغلب شعوب العالم الإسلامي.</p>
<p>المؤثر الثاني : هو هذا الذي جاء مع هذا الهجوم الاستخرابي على الأمة. فهجوم الغرب الحديث على الأمة أصْبحَ حاضراً في مختلف المجالات في الإعلام، في التعليم، في الاجتماع، في التربية، في مختلف العلوم وفي مختلف المجالات ولا خروج لروح الاستعمار إلا باستعادة روح القرآن، فلهذا السبب نحن بحاجة إلى أن نقف عند هذا الهدى المنهاجي في القرآن لنستعيد أرواحنا وأرواح الأمة، خصوصاً وأن الاهتمام به فعلا قليل،. نجد أشكالا من الإهتمام بالجوانب المتعددة للقرآن، ولكن تخصيص الاهتمام بجانب الهدى وإبرازه أكثر من غيره قليل. لذلك كان لابد من إثارته والاهتمام به.</p>
<p>النقطة الثالثة : لماذا القرآن الكريم؟ : هذا الأمر قد يكون واضحا جداً :</p>
<p>أولا : لأن القرآن هو الوحي الخالص، وهو الحق المطلق : ما بقي حقٌّ في الكون إلا في القرآن، وهو مصدق لما بين يديه من الكتب ومهيمن عليها، فإذا أردنا أن نلْتَمِس الحقّ الذي لَيْسَ مِن رأْي فلان أو علان، أو من رأي المجموعة الفلانية، أو رأْي مكتب الدراسات في كذا، أو مرْكز الدراسات الاستراتيجية.. فإننا نجد هذا الحق في القرآن بدون نقاش. جهة واحدة معينة تنطق بالحق، هي جهة الله جل جلاله، هو الذي خلق وهو الذي أحاط بكل شيء علماً {قُل أنزلَهُ الذي يعْلَمُ السِّرَّ في السموات والأرض}(الفرقان : 6) هل هناك أحدٌ يشارك الله في هذا؟ لا أحد : فالذي أنزل الكتاب هو الخالق لكل شيء وهو المدبر لكل شيء، هو الله جل جلاله، فالقرآن هو الوحي الخالص، وهو الحق المطلق. أما السنة فهي تبيان له، {وأنْزَلْنا إليك الذّكر لتُبيّن للناس ما نزِّل إليهم}(النحل : 44) فالقرآن أولاً والسنة ثانياً ولا عكس.</p>
<p>ثانيا : أن القرآن هو مصدر جميع الكليات في جميع المجالات : إن القواعد الكبرى الضخمة التي تضبط السير في جميع مجالات الحياة، توجد في القرآن، توجد على شكل كليات تندرج عنها جزئيات لا تحصى، مثل {ولا تاكُلُوا أمْوَالَكُمْ بيْنَكُم بالبَاطِل}(البقرة : 187) أشكالُ الباطل كلها منهيٌّ عنها.</p>
<p>أمثال هذا كثير في كتاب الله فلذلك كان هو المصدر  الذي ينبغي أن نعود إليه إذا أردنا أن نحصل على كليات الهدى المنهاجي. لابد من الرجوع إلى كتاب الله، لا إلى كتاب فلان، أو علان، أو المجموعة الفلانية&#8230;</p>
<p>لا يسْتَطِيع أن يمدنا لا الغَرْب  الغربِيُّ ولاالغرب الشرقي بشيء من الهدى الذي نحتاج إليه، ولذلك لابد من العودة إلى المصدر الأساس الذي هو القرآن.</p>
<p>المصيبة التي نحن فيها الآن أننا لا نشعر بالمسؤولية عن انحراف أوربا وعن ضياع الغرب، لأننا لم نَعُدْ نمثل الحق لنكون حجة عليه، ونصبح أعِزَّاء، بل واقعنا صار حاجزا بينه وبين الحق، يريد أن يَرَى الحق فيجدنا في الطريق، نمنع الناس عن الحق بحكم واقعنا الذي يتبرأ من الحق، لأن الأصل أننا شهداء على الناس ولكن الشهادة لها الأهلية، والأهلية تقتضي الصلاح أولاً، قبل أن تقتَضِي الإصلاح وهذا شيء غير موجود من الناحية العملية.</p>
<p>ثالثا : الأمة منصرفة عن تلَمُّس الهدى في القرآن : الهدى يُتَلَمَّسَ الآن في الدراسات والبحوث بصفة عامة فَلَوْ قُمْما بعملية احصائية للنظر كم تساوي نسبة الدراسات المتعلقة بالقرآن في علاقتها بمختلف البحوث في مختلف العلوم، لوَجَدْناها لا تكاد تمثل شيئا فضلا عن قيمة ما يُنْجَزُ. فهذه قضية.</p>
<p>النقطة الرابعة : لماذا حسب السور؟</p>
<p>لا يمكن أن ننسى أن الله عز وجل عندما تحدى الناس بالقرآن جملة، وتحداهم بعشر سو ر، ثم تحداهم بسورة، وهنا وقف. ولم يتحَدَّاهُم بآية، فإذن القرآن مبين بالشكل التالي.</p>
<p>من حيث وحداته الكبرى. أولا هو كتاب، هذه وحدة كبرى {ألم ذلك الكتاب}.</p>
<p>هذا الكتاب مكون من وحدات أصغر منه لها شخصياتها المستقلة هي التي تسمى بـ&gt;السور&lt; من أقصر صورة كسورة الكوثر إلى أكبر سورة كسورة البقرة، كل سورة لها شخصيتها المتميزة، هل يعني ذلك أنها منفصلة عن القرآن؟ أبداً. هي في مكانها في علاقتها بسواها منسجمة مع سواها، لا يمكن زحزحتها من موقعها، ولكنها هي في حد ذاتها لَهَا شخصيتها كحال أي واحد منا لا يمكن خلطه بسواه ولكن من المجموع، من تلك القطع المُتنَاثِرة التي تبدو كأنها منفصلة يتكون مجموع منسجم هو &#8220;جماعَةٌ ما&#8221; أو &#8220;جَمْعِيَّة ما&#8221; أو &#8220;حزّبٌ ما&#8221; أو أي شيء آخر.</p>
<p>فالسور فيها سر وذلك السر هو الذي تمّ به التحدّي، والإعجاز، فإذن إذا أردنا أن نفهم آية أو نستنبط هُدًى فإننا نستنبطه في إطار السياق الخاص داخل كل سورة بدون إغفال إطار السياق العام الذي هو كتاب الله عزوجل ولكِنّ السياق القريب مقدَّمٌ على السياق البعيد، فلذلك السُّور مُهِمَّة جدا وهذا ما كنتُ آمل أن يقع به الاهتمام، أن نهتم بالنظر إلى السور، لا إلى الآيات مُفْرَدَة، بل إلى السُّور مجملة، لأن هذه السُّور بمثابة خلقة سويّة كلُّ سورة بمثابة خِلقة سوية لها شخصيتها المستقلة، لها بداية ولها نهاية، ولها وحْدَةٌ عُضويَّة لا تقْبَلُ أن يُقْتَطَع مِنها شيء أو أن يُفْصل  منها أي شيء فلذلك سنسير إن شاء الله عز وجل على هذا النظام، سورة سورة. هذه واحدة.</p>
<p>ثم لأن الله عز وجل اختارها في البناء العام مكونا بارزاً، لهذا الكتاب لكونها ذات خصوصية خاصة، وبها تحدى الله عز وجل المعاندين، ولكونها اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون هي المكونات الأساسية لكتابه، لذلك نحن نَنْسَجِم مع هذا الواقع فنهتم كذلك بالوقوف عند السور.</p>
<p>&lt; النقطة الخامسة : لماذا حسب النزول؟</p>
<p>هذه نقطة أيضا تشبه الحديث عن الهدى المنهاجي، معنى هذا أنها قضية كبيرة ابتدأت من الشعور بأن المسلمين في حاجة إلى قراءة السيرة على أنها منهاج لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وليس لمُجَرَّد التبرك، ولهذا السبب ظهرت دراسات باسم &#8220;فقه السيرة&#8221;  هذا المصطلح يراد به أساسا النظر الخاص في السيرة النبوية على أساس أنه المنهاج النبوي في إخراج الناس من الظلمات إلى النور في التجربة الأم.</p>
<p>فلماذا ظهر هذا في هذا الظرف؟ وفي العصر الحاضر بالضبط؟ أو لماذا ظهر بعده على استحياء بعْضُ الاهتمام بهذا الجانب التنزيلي في القرآن الكريم؟ ولماذا وصل الاهتمام عند البعض إلى حد إخراج تفسير في هذا الاتجاه، كحال &#8220;محمد عزت دروزة&#8221;؟ الذي رُبَّما كان أول من أقبل على هذه التجربة؟؟ والآن تبعه ناس رُبّما من آخرهم : &#8220;عبد الرحمن حبنكة الميداني&#8221; الذي مات ولم يتم تفسيرة رحمه الله.</p>
<p>لماذا ظهر هذا؟ لماذا ظهر هذا النوع من النظر في السيرة؟!  وظهر هذا النوع من النظر للقرآن؟.</p>
<p>لأن الأمة لَمْ تمر بمرحلة تاريخية يمكن أن نقول أن عمارة الإسلام سقطت إلى الأرض على أنها بنْيانٌ عمَلِيٌّ، لا بنيان نَصِّيٌّ.</p>
<p>النّصِّي لم يقعْ له شيْء لأنه محفوظ بحفظ الله {إنا نحن نزّلنا الذّكر وإنا له لحافظون}(الحجر : 9) لكن ما يجلِّي هذا النص في الواقع في صُورة بنيان واحد يشمل الأمة كلها من أقصى الأرض إلى أقصاها لها رأسٌ واحدة، أرضٌ واحدة نظام واحدٌ يحْكُمُها، هذا الشيء لم يبق.</p>
<p>وآخر عهد الناس بما يشبه هذا ما وقع سنة 1924 حين أنهى مصطفى كمال أتاترك مسألة الخلافة الإسلامية رسميا، وقانونيا، وورقيا.. أما من الناحية العملية فكانت مشلولة قبل ذلك. فهذه الخلافة تشبه الأصل. وحين أنهت أوربا هذه الخلافة دخلت الأمة في مرحلة جديدة هي غرس وترسيخ الحواجز في أعماق ضاربة في الأرض تمنع عودة الخلافة، هي هَذِه القيودُ وهذه الحدود التي توضع بأشكال مختلفة في الأرض. لتجعل من بقايا الأمة شيئاً اسمه &#8220;منظمة المؤتمر الإسلامي&#8221; يضم سبعا وخمسين دولة لكل دولة رايةٌ وحدود وجمارك وجوازات وتأشيرات.. إلى غير ذلك.</p>
<p>هذا من صنع أوربا من صنع الغرب فلهذا أقول : هذا البنيان انهدم وبقيت قطع غيار صالحة &gt;لاتزال طائفة من الأمة&lt; فهذه القطع هي التي تنتظر الرعاية على مقتضى النص المحفوظ. بمعنى أن النص محفوظ، وبعض النماذج البشرية الصالحة لا تزال على وجه الأرض منتشرة في الأمة، و تحاول، لكن البنيان العام سَقَط. سواء وعَتْ الأمة أمْ لَمْ تَعِ، أحَسَّتْ بالحاجة أم لم تحس.</p>
<p>ولسد هذه الحاجة بدأت المحاولة للْعَوْدة من جديد على شكل النموذج الأول، وهذا يحتاج إلى فقه المنهاج الأول. كيف صنع رسول الله  الأمة؟ ماذا صنع لإخراج الناس من الظلمات إلى النور؟! ماذا صنع لإنْتاج المسلم الفرد؟ ماذا صنع لإنتاج الأسرة المسلمة؟ ماذا صنع لإنتاج الأمة المسلمة؟ فلذلك بدأوا يتفَقَّهون في التجربة التاريخية المثلى. &gt;السيرة النبوية&lt; : فسيرة رسول الله  أهم من قصة نوح، وقصة ابراهيم، وقصة موسى، وقصة شعيب، وقصص جميع الأنبياء سواء فَصَّل فيها القرآن أو لمْ يُفَصِّل لأن سيرة محمد  تمثل النموذج الأمثل لإخراج ا لأمة الوارثة والشاهدة.</p>
<p>إذن الظرف التاريخي الذي نجتازه هو الذي يدفعنا دفعا شئنا أم أبينا إلى أن ننظر إلى هذه التجربة الأم، وكيف كانت تلك التجربة الأم؟! وبم صنعت؟!.</p>
<p>فما هي السيرة؟</p>
<p>السيرة ما كان ينز ل من الوحي وكان يتحول إلى واقع، والواقع يؤثر في الواقع، والأمور تسير إلى أن تم تنزُّلُه وتمَّتْ السيرة بتمام تنزُّلِه، وعندما انتهى تنزل الوحي انتهت القصة. هذه هي السِّيرة، فهي عبارة عن ترجمة عملية للوحي المنزل أقساطاً، وعكْسِ ذلك على الأرض سلوكا وضبطا لتصرفات الإنسان.</p>
<p>هل نزل القرآن على الكيفية التي توجد عليها في المصاحف اليوم؟ لا،  أبداً، لم ينزل كذلك نزل بطريقة أخرى، والسنة التي هي صدًى وبيانٌ للكيفية التي نزل بها هي التي نسميها نحن بالسيرة. لو نظرت إلى القرآن وهو يتنزّل بحسب النزول قطعةً قطعة، جُزْءاً جُزْءاً، هذه المرة تنزل آية، وهذه المرة تنزل سورة، كسورة الأنعام دفعة واحدة يُشَيِّعُها سبعون ملكاً..الخ.</p>
<p>هذه الطريقة هي التي مثلت السيرة صَدَاها فإذن سُنَّةٌ مرْبُوطةٌ بالزمان والمكان هي السيرة، ويمكن أن نستخرج من السنة الأخرى التي صُنِّفَتْ حسَبَ أبواب الفقه سيرة مربوطة بالأحوال والكيفيات.</p>
<p>لهذا السبب نحن بحاجة ماسة الآن لأن ننظر هذا النظر ونهتم هذا الإهتمام في عملية الإصلاح.</p>
<p>من يريد أن يُصْلِح ما أفْسَد الناسُ يحْتاج أن ينظر كيف أصْلَح رسُول الله  بوَحْيِ الله، وبِهُدَى الله، كيف أصْلَح ما كان فاسداً في الجزيرة العربية. وكيف أسَّسَ ما أسَّسَ نحن بحاجة إلى ذلك، كما نحتاج أيضا إلى أن نقْترب من تلك الأجواء، لأن القرآن الذي نزل أول مرة اهتم بالقضايا الكلية الكبرى الأساسية التي يتم منها البدء، اهتم بالرؤيا، اهتَمّ بالتصور، اهتم بما يسمى الآن العقيدة، اهتم بالإيمان الذي هو المصطلح القرآني الصحيح، اهتم بالإيمان بجميع أسُسِه وأركانه.</p>
<p>هذه الكليات هي التي تم بها الاهتمام لأن هاته الأمور هي التي ينبغي منها البدء، لا البدء بما كان في نهاية البناء، فرسول الله  حينما قال &gt;بني الإسلام على خمس&lt; ينبغي أن نحس أن الإسلام بناءٌ، فعلا، هو بناء إذا نظرتَ إليه وهُوَ تَامٌّ، وهو بناء إذا نظرت إليه في الزمان، وهو يُبْنى فهو بناء. ولذلك إذا كان ذلك كذلك فلا بد أوّلاً من الأرض، ولابد من حَفْر الأرض ووضْعِ القواعد الكبرى في البدايات، وبعد ذلك وَضْعِ الهيكل العام:</p>
<p>أولا الأمور الكبرى والأساسية تنتهي وبعد ذلك تأتي تلك الأمور التي تعطي الصورة النهائية وتتمُ بها النعمة على الأمة أي الكماليات. البناء أيضاً بصورة طبيعية يتم كذلك، وإذا نظرنا إ لى الوحي سنرى هذا بوضوح في السيرة، وفي القرآن حين تنظر إليه من هذه الزاوية، ترى كذلك ما الذي كان الإهتمام به في البدايات وما الذي جاء الإهتمام به فيما بعد، وما الذي تأخر. لأن الأمر كان يتم بطريقة بناء والبناء تلقائيا يقتضي التقديم والتأخير. هل هذا الكلام يعني أن القرآن الآن لمَّا يتنزل؟! كلا ثم كلا ثم كلا. لكنه ليس مَعْمُولا به في الواقع، ولكي يُعْمَل به في الواقع يحتاج إلى أن يُعمل به بالتدريج.</p>
<p>وإذا كان التدرج في كل شيء سنة ربانية للفهم والتعلم والعمل الميسر، فإن الله عز وجل قال -مشيراً إلى سنة التدرج- {وقُرْآنا فرَقْنَاه لتَقْرَأَهُ على النَّاسِ  على مُكْث ونزّلناه تنزيلا}(الإسراء : 106) هذا واقع الحالة التي كان يتنزل فيها القرآن ليُطبق وهو واقعنا اليوم، ولهذا كان الاختيار للسّير على حسب طريقة النزول، اقتداء بالمرحلة الأولى. لابد أن تعلمه بالتدريج وتعلمه بنظام، كما يقال صغار العلم قبل كباره.</p>
<p>فإذا عدت إلى هذه النقطة لماذا حسب النزول؟! لأن صانع التجربة المثلى الأولى التي نسميها التجربة الأم هو هذا التنزل للقرآن حسب الظرف، وحسب المناسبة، فذلك التقسيط للقرآن هو الذي صنع السيرة، وصنع ما صنع في الجزيرة العربية، وصنع ما صنع للتاريخ، فنحن لابد أن نعرف ذلك، ثم مِن جهة أخرى أنّنا الآن بحاجة إلى أن نعود أفراداً وجماعات، إلى هذا الدين كما يحب الله تعالى غير منفصل عن واقعنا.</p>
<p>ينبغي أن نمارس الإسلام في الواقع الذي نحن فيه، في الظرف الذي نحن فيه، لأن الله أوجدنا في هذا الوقت في الظرف الذي نحن فيه في الوقت الذي نحن منه، فيجب أن نسْتخْلص الهدى المناسب لزماننا هذا انطلاقا من كتاب الله عز وجل، لذلك كان الطريقُ الأنسب لاستنباط المنهج هو النظَر من هذه الزاوية.</p>
<p>لأن كتاب الله عز وجل في الصورة التي تمت بها النعمة هي الصورة التي ينبغي أن يبقى عليها، صورة الإعجاز الكامل وصورة الحفظ التام حتى تقوم الساعة، لكن عمارة الأمة الساقطة تحتاج إلى إعادة البناء على صورة النموذج الأكمل الذي به تمت النعمة، وكمل البناء.</p>
<p>لذلك فالأساس لاستنباط المنهاج هو هذا النظر، ولأنه -كما قلت- به صُنِعَتْ التجربة الأخيرة وأخيراً إعادة البناء يحْتاج إلى القرب من تلك الأجواء، هذا طبيعي لأن العيش مع هذه السور والتي تليها والتي تليها يجعلنا قريبين من تلك الأجواء الأولى التي كان يتم فيها التنزيل ويتم فيها البناء في بدايته ثم بعد ذلك، ثم بعد ذلك، وهذا شيء مهم يعيننا على أنفسنا ويعيننا في السير عموما في عملية الصلاح  والإصلاح جملة وتفصيلا.</p>
<p>هذا النظر إلى كتاب الله عز وجل من هذه الزاوية تقريبي ومعنى تقريبي، إن هذا الترتيب في هذه السور لا يوجد حديث واحد صحيح يدل على أن هذا الترتيب هكذا كان، أهمُّ ما عندنا في الموضوع حديثٌ حسن، وطبعا تعلمون أن العلماء يعملون بالحديث الحسن، لا إشكال في ذلك.</p>
<p>ولكن أن تعلم أن هذه الآية الفلانية أو أوائل السورة الفلانية نزلت في وقت كذا أو في غزوة كذا أو كذا هذا سهل وعندنا فيه الأحاديث الصحيحة، ولكن أن تضبط الأمر من أوله إلى آخره لتعرف كيف كان الترتيب هذا متعذر.</p>
<p>وقد شرحت يوما لماذا لا ينبغي أن يبقى هذا الترتيب، والله عز وجل اختار أن لا يبقى، لأنه لو بقي لفتن الناس، وقالوا : أن هذا هو الطريق الذي ينبغي أن نسير عليه في زمان كذا، وذلك ليس كذلك، والظرف العالمي ليس جامدا ولا ثابتا يمكن أن يبقى حتى قيام الساعة. أبداً التغيير مستمر فإذن المعالم الكبرى بقيت ليُسْتهْدَى بها لكن التنزيل الدقيق الجزئي التفصيلي هذا متغير ويبقى للاجتهاد.</p>
<p>أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
