<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; ملف العدد</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d9%85%d9%84%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d8%af/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>ملف العدد &#8211; العمل الخيري</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/10/%d9%85%d9%84%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%b1%d9%8a/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/10/%d9%85%d9%84%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%b1%d9%8a/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 24 Oct 2017 11:00:00 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 486]]></category>
		<category><![CDATA[الفقه و المعاملات]]></category>
		<category><![CDATA[العمل الاجتماعي]]></category>
		<category><![CDATA[العمل الخيري]]></category>
		<category><![CDATA[الفقراء]]></category>
		<category><![CDATA[فلاح المجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[محمد طاقي]]></category>
		<category><![CDATA[ملف العدد]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=18114</guid>
		<description><![CDATA[العمل الخيري مفتاح فلاح المجتمع، ومختبر امتحان معادن الناس، ففي ثناياه يقاس مستوى وعي الأفراد وأخلاقهم، كما أنه لا يشمل فئة دون أخرى، أو أناساً دون سواهم، أصحاء كانوا أو مرضى، أغنياء أو معوزين، فليس الغني دوما في غنى عن المساعدة، كما لا يعدم الفقير وسيلة في الانخراط في العمل الاجتماعي. ويحتاج العمل الاجتماعي إلى [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>العمل الخيري مفتاح فلاح المجتمع، ومختبر امتحان معادن الناس، ففي ثناياه يقاس مستوى وعي الأفراد وأخلاقهم، كما أنه لا يشمل فئة دون أخرى، أو أناساً دون سواهم، أصحاء كانوا أو مرضى، أغنياء أو معوزين، فليس الغني دوما في غنى عن المساعدة، كما لا يعدم الفقير وسيلة في الانخراط في العمل الاجتماعي. ويحتاج العمل الاجتماعي إلى دعم مالي كما يحتاج إلى إرادة مفتوحة. إنه عمل إنساني كبير يفيض من القلوب الطاهرة المـُحبة للخير إلى قلوب في حاجة للمساعدة.. فهو يقضي على الفقر المادي والمعنوي بين الفئات الهشة، ويأتي على اللامبالاة بين أفراد المجتمع. فكل مجتمع مستقر اقتصادياً، مشمول بفضائل الأخلاق هو مجتمع  يحمل في طياته مؤشرات التنمية والازدهار وتحقيق العدالة والمساواة، والمُضي قدما على أمل بلوغ أعلى مراتب الرقي وبناء الحضارة. فهو بذلك قادر على أن يحقق مبدأ &#8220;المدينة الفاضلة&#8221; إن لم نبالغ في الحكم فهو قادر للوصول إلى الكمال البشري. وليس المجتمع الياباني عنا بغريب؟ أنتج أمة محبة للعلم، ومتماسكة اجتماعيا، ومتشبعة بقيم الإتقان والإخلاص والالتزام. وهو ما حقق لليابان شروط التمكن والقوة، ولعل السر في معادلة الاستحقاق هو إرادة التنفيذ&#8230; وطبقاً لهذا المبدأ، يمثل التزام المجتمع بكفالة ضِعافه الأهمية الحاسمة في القضية. ولا يساورنا أدنى شك في أن النظام الإسلامي يمثل الرؤية الواضحة للمجتمع السوي القوي، العادل الفاضل.</p>
<p>إن وجود العمل الاجتماعي في المجتمع إنما هو نتيجة للتشبع بأصول الإيمان بالله تعالى واليوم والآخر، وما يقتضيه من روح التضامن والاستجابة لأوامر الله تعالى وأحكامه رعاية المحرومين والضعفاء: زكاة، كفارات، تبرعات، وصايا، أوقاف، ديات، ميراث&#8230; هذه التجربة الإنسانية والزخم التشريعي، توفر المنهاج الاجتماعي الصالح لخدمة الإنسانية.</p>
<p>كما أن للوقف والعمل الخيري عامة أثرا نفسيا طيبا على أفراد المجتمع رغم أنه مناقض لطبيعة المصالح المادية إلا أنه يحققها بشكل أو بآخر، وفي ذات الوقت فهو يؤثر في حياة الناس وتحسين أمزجتهم مثل ما يصحح لهم الظروف النفسية الملائمة.</p>
<p>نخلص إذن إلى أن: العمل الاجتماعي يعد آلية عملية لتجاوز المشاكل النفسية، ولا يختلف عن غيره من أنواع العلاجات النفسية والسلوكية. وقد أرجعت دراسات عديدة أسباب تحصيل مبدأ السعادة ورفع مستوى المناعة الجسدية وعلاج كثير من الاضطرابات النفسية إلى الإدماج الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية الجيدة إضافة إلى مبدأ العطاء وما يفرزه من نشوة أطلق عليها علميا ب&#8221;نشوة العطاء&#8221;. كل هذا يفصل الوظيفة العميقة في الحياة والتغييرات الهائلة في البنية المجتمعية. من هذا المنظور نرى أن العمل الاجتماعي عنصر مادي في شكله وروحي في تفصيلاته، فهو يحقق ثنائية فريدة تدل على ثنائية داخلية وخارجية، بمعنى أنها موجهة للفرد في شخصه وللغير في مجتمعه. اشتملت الطابع الشخصي والطابع الخارجي، بما يخدم الذات والآخر.</p>
<p>ومما ينبغي أن تدركه الإرادات أن الحياة لا تستقيم أساساً إلا بالتضافر والتكافل والتكامل، وأن كل فرد يعمل على العطاء قبل الأخذ، وتأدية الواجب قبل التفكير في الحق، وهذا من شأنه أن يسد فجوة الفاقة، ويغلق ثغرة الظلم، وهكذا تزدهر الحياة ويطيب العيش. ولا يعتقد الأفراد أن الخير الذي يقدمونه للغير هو فضل منهم، بل هو فضل على المعطي قبل أن يكون فضلاً على المعطى إليه. وحين نقوم بالعمل الاجتماعي فنحن لا نساعد الآخرين لكونهم محتاجين.. بل نحن أيضاً محتاجون، غير أن حاجتنا معنوية وليست مادية.</p>
<p>ولقد عملت الأمة في تاريخها بهذه الرؤية، فتحوّلت الحياة إلى حياة اطمئنان واستقرار حل معها الأمن والتعايش والتساكن بين أبناء الأمة ومكوناتها وفئاتها عكس جوا من الأخلاق الجماعية التي قوت لحمة الأمة من الأخوة والتكافل والتناصر والتعاون فأحدث ذلك نقلة نوعية شَهِد بها العدو قبل الصديق، فأنشأ مجتمعاً تجسدت فيه ملامح التكامل الاجتماعي في أبهى حللها؛ مجتمع يعطف فيه الغني على المحتاج، والقوي على الضعيف، والصحيح على السقيم، والعارف على الجاهل، وصاحب الفضل على من لا فضل له، حتى عم كل كائن حي..</p>
<p>غير أنه ولأسباب عديدة بدأن نلاحظ اتساع الهوة بين واقع المساعدات الاجتماعية الضخمة في بلاد الغرب مقارنة مع تلك المتوفرة في بلاد المسلمين، وكأن الآخر معني بأخلاق الإسلام أكثر من المسلمين أنفسهم.</p>
<p>ومنه، أصبح واقعنا ينبئ عن خطر شديد أوشك إن لم يكن هذا الخطر حاصل وبشدة. وهو ما نراه من فردانية غاية في النرجسية والأنانية، كل يعيش في فلك نفسه لا هم له إلا نفسه وأبناءه.. فنجد الغني بجوار جاره الفقير، ورغم علمه بحاجته الشديدة، إلا أنه يأبى أن يقدم له يد المساعدة. مردداً بسلوك حاله: &#8220;نفسي نفسي&#8221;. وقد شاع مثل هذا السلوك الشائن في جميع مجالات الحياة، حتى إن قلة من الموسرين هم من يحرصون على أداء زكاتهم للفقراء. أما الفئة العريضة فهي غير مبالية بأحوال الفقراء. وهذا هو الواقع، فقد باتت قيم كثيرة يفتقدها المجتمع الإسلامي رغم حرص الدين على زرعها في نفوس المسلمين. وقد رحم الله تعالى هذه الأمة بذوي النفوس الراقية التواقة للخير، وبفضلهم لا يعدم الخير في الأمة ولا نجزم بهلاك هذه الأمة، فمن قال بهلاك الناس فهو أهلكم.</p>
<p>لقد تبين فيما مضى حين ترسخت ثقافة العمل الخيري في نفوس الأفراد على بروز تلك العلاقة الوطيدة بين العمل الاجتماعي والازدهار الحضاري، كما تبين دور التطوع والعطاء في رفع مردودية الأفراد في المجتمع، وتحسين علاقاتهم الاجتماعية، ورأينا كيف يغير العطاء طباع الناس، ويصقل مواهبهم وكيف يصنع الإنسان السعيد الآمن المطمئن، وأن الفعل الخيري سلاح سحري له آثار إيجابية عديدة، سواء على الفاعلين والمتطوعين، أو على الحالات الاجتماعية من المستفيدين. وفي النهاية حين تجددت الآليات والأساليب جعلت الناس يبدعون في ابتكار بعض التجليات من مواقف العمل الاجتماعي التي تساعد على الاستقرار الاجتماعي والصحة النفسية للأفراد. وهنا تكمن قوة النظام الإسلامي. حيث يمكن الاستفادة من هذا النظام الفريد لأجل سعادة البشرية؛ ولهذا ظل البناء الاجتماعي للأمة الإسلامية لقرون طوال محافظاً على وحدته وتماسكه وصلابة كيانه، ورغم التقلبات السياسية، وتغيرات الأنظمة الحاكمة، والنكبات التي مرت بها.. بقيَ المجتمع محافظاً على إنسانيته وسمو ثقافته، فكانت نوعية النسيج الاجتماعي التي ربطت العلاقات بين المسلمين هي التي ضمنت للأمة مناعة وسعادة وازدهاراً.</p>
<p>هذه المنظومة العريقة الضاربة في جمالية تكافلها، ورونق شموليتها قد أصبحت إرثاً لكافة الأمم تنهل منه كافة الأنظمة العالمية، فكلما وجدت معيقاً اقتصادياً أو اجتماعياً سارعت للبحث في التشريع الإسلامي عن حلوله البديعة، وهذا بحد ذاته شهادة اعتراف منها على قوة النظام الاجتماعي للإسلام وعجز الأنظمة الرأسمالية والاشتراكية، وبما أن القوة كامنة في هذا النظام، هناك تخوف في مراكز القوة وأصحاب المصالح الكبرى، على أن يكون بديلاً للنظام العالمي.</p>
<p>إن الشعوب الإسلامية شعوب عريقة محسنة محبة للخير وكريمة بطبعها؛ لكن العمل الاجتماعي يحتاج إلى عمل دؤوب لتفجير هذه الخصال الكريمة، ومجهودات حثيثة على تشجيع الطاقات، ولا شيء بمقدوره تفجير طاقات الخير وسواعد العطاء في الأمة مثل ما يفعله سحر الإيمان، وهذا لن يتحقق إلا بمشاركة المجتمع المدني وفرق العمل الاجتماعي والخيري والإحساني، وإشراك المحسنين بتأطير من العلماء والمفكرين، من أجل توجيهه وترشيده وتنظيمه.</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>نتائج هذا المقال:</strong></span></p>
<p>وفي الختام يمكن التأكيد على الأمور الآتية:</p>
<p>عمل الإسلام على تحقيق روح العمل الاجتماعي، وقد جهز لهذا الغرض مرجعية مليئة بالأحكام والمبادئ والقواعد والوسائل والمقاصد حيث وجه الأمة إلى غرسها بكل الطرق، سواء كان: جهداً بدنياً، تبرعاً مالياً، إعمالاً فكرياً، تطوعاً بالوقت.</p>
<p>التكافل الاجتماعي في الإسلام نظام وقائي وعلاجي في ذات الوقت؛ وقائي من حيث أنه يهيئ البناء الاجتماعي القادر على حماية ذاته من المعضلات المتوقعة، وهو علاجي لأنه يساعد في المعالجة الفورية والجماعية قضايا الفقر بجميع أنواعه المادي والعلمي والصحي والخُلُقي.</p>
<p>تجليات العمل الاجتماعي متنوعة ومتعددة، فلا تنضب مواقفها، ولا تنتهي صورها، ولا تحصى نماذجها.. فهي كثيرة بتعدد الظروف والمواقف والمعضلات، حتى لا تكاد تخلو لحظة من نفحة عطاء، أو لحظة إحساس مليئة بمشاعر التراحم والتضامن.</p>
<p>العمل الاجتماعي يحقق فوائد كثيرة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والمعيشي والنفسي، ويعطي حلولاً عملية لهذه المجالات، بحفظ سيرها وتوازنها الحيوي دونما اختلال أو قصور.</p>
<p>العمل الاجتماعي مبدأ أصيل في الأمة، قد ساعدها على حفظ بيضتها من المشاكل النفسية والاضطرابات الباطنية؛ بل أوجد مجتمعاً سليما مطمئنا مستقراً يسوده الخير والصلاح.</p>
<p>العطاء آلية فذة لعلاج كثير من الاختلالات المعاصرة، كما يرفع من جودة الحياة وإنتاجية الأفراد، فينعم كل من المتطوع والمستفيد براحة نفسية، بما يوفره من نشوة العطاء والسعادة لفائدة المتطوع، وإحساس المستفيد بالاطمئنان عبر منحه الدعم والرعاية والخدمة الاجتماعية، حيث يتم تمكين الطرفين بجو سائد يطبعه الاستقرار والتوازن والرخاء.</p>
<p>قيمة الإنسان ليس فيما يملك من أموال بل بما يعطي من عطاء وخدمة للغير، فتكون سعادته مرتبطة بسعادة غيره.</p>
<p>العمل التطوعي وسيلة لعلاج كثير من الاضطرابات النفسية كالاكتئاب وضعف الثقة، فهو أفضل من استعمال العلاج الطبي أحياناً، كما يساعد على علاج بعض الانحرافات السلوكية والنفسية من حقد وأنانية وحسد..</p>
<p>الإنسان الذي يجعل نفسه محور الحياة وجوهرها أكثر عرضة للمشاكل النفسية، وأما الذي يقضي حاجات الناس فهو أقل الناس عرضة لها.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #ff0000;"><em><strong> محمد طاقي</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/10/%d9%85%d9%84%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%b1%d9%8a/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>ملف العدد &#8211; البناء الدعوي في ممهدات الهجرة النبوية</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/10/%d9%85%d9%84%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b9%d9%88%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%85%d9%87%d8%af%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/10/%d9%85%d9%84%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b9%d9%88%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%85%d9%87%d8%af%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 07 Oct 2017 13:46:20 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[السيرة النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 485]]></category>
		<category><![CDATA[البناء الدعوي]]></category>
		<category><![CDATA[التخطيط]]></category>
		<category><![CDATA[التهييء]]></category>
		<category><![CDATA[النبي]]></category>
		<category><![CDATA[الهجرة النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[د. الحسان حالي]]></category>
		<category><![CDATA[قريش]]></category>
		<category><![CDATA[ملف العدد]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=18072</guid>
		<description><![CDATA[لم تكن الهجرة النبوية حدثا عاديا جاء وفق سريان الزمن وانقضاء المدد، بل كان أمرا منضبطا لقواعد التخطيط والتهييء، وبذل الوسع في البناء الدعوي والبحث عن آفاق أرحب للدعوة الإسلامية. ذلك أنه لما اشتد الأمر في البيئة القرشية بالتضييق على الدعوة وأهلها، وانسد أفق هذه الدعوة، ولم تعد البيئة منتجة ولا صالحة لامتداد الدعوة وانتشارها [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>لم تكن الهجرة النبوية حدثا عاديا جاء وفق سريان الزمن وانقضاء المدد، بل كان أمرا منضبطا لقواعد التخطيط والتهييء، وبذل الوسع في البناء الدعوي والبحث عن آفاق أرحب للدعوة الإسلامية.</p>
<p>ذلك أنه لما اشتد الأمر في البيئة القرشية بالتضييق على الدعوة وأهلها، وانسد أفق هذه الدعوة، ولم تعد البيئة منتجة ولا صالحة لامتداد الدعوة وانتشارها وتوسعها، بفعل الحصار والتضييق والترهيب والملاحقة&#8230;</p>
<p>وهذا ما جعل القصد النبوي يتجه لنقل الدعوة الى القبائل المجاورة لمكة، فكثرت تحركات النبي  جهة مضارب الأقوام ومنازلهم ومواسمهم و أسواقهم، يلتمس تبليغ دعوة الإسلام و نشرها بين الناس، رغم ما كان يلقاه من أذى وصدود وإعراض وتعريض. روى غير واحد من أصحاب الحديث والسيرة عن طارق المحاربي : &#8220;&#8230;رأيت رسول الله  بسوق ذي المجاز و لي بيَاعة أبيعها، فمر وعليه جبة حمراء وهو ينادي بأعلى صوته: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، ورجل يتبعه بالحجارة، وقد أدمى كعبيه وعرقوبيه، ويقول: يا أيها الناس لا تطيعوه فإنه كذاب. قلت من هذا؟ قالوا هذا غلام بني عبد المطلب. قلت فمن هذا الذي يتبعه فيرميه؟ قالوا: هذا عمه عبد العزى أبو لهب.&#8221; (انظر البدر المنير لابن الملقن 1/680).</p>
<p>في حمأة هذه الظروف و الأحوال لم ينقطع النبي  عن القيام على أمر الدعوة، ولم يتوان في البحث عن مكان آمن يسند الدعوة ويوفر لها شرط الحرية لضمان نموها وتوسعها.</p>
<p>وما كان ذلك ليتحقق إلا بمزيد تحمل الأعباء، و مضاعفة الجهد، والصبر على البلاء، واستغلال كل ما يسعف في تحقيق المراد.</p>
<p>وفي هذا الصدد كان النبي  يستغل وفود الحجاج من قبائل العرب على موسم الحج بمكة ليعرض نفسه على الناس، وأصبح يلتمس منهم إيواءه ودعوته، بمعنى أنه صار يبحث عن مكان صالح لاحتضان الدعوة، قصد استنبات بذرتها في بيئة جديدة توفر حرية سريان الدعوة ونمائها.. جاء في أخبار السيرة: كان رسول الله  يعرض نفسه في الموسم على الناس في الموقف يقول: «هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي »، فأتاه رجل من همذان فقال: أنا، قال: «وعند قومك لي منعة»؟ قال: آتيهم وأخبرهم و ألقاق من قابل، فانطلق وجاءت وفود الأنصار.(الحديث رواه أصحاب السنن والإمام أحمد وصححه الحاكم).</p>
<p>في هذه الأجواء لم تكن السبل لتنقطع أمام الحركة الدعوية النبوية، مع البحث الدؤوب عن المخرج من الضيق والشدة، لتنفتح أمام هذه الدعوة  آفاق واسعة رحبة في بيئة محتضنة، هيأ الله فيها أسباب الإقبال والقبول. فما جاءت وفود الأنصار إلا بفعالية هذه الحركة المسترسلة المتتابعة الحلقات. ذلك أن رسول الله  دأب على عرض الدعوة على من يذهب لملاقاتهم من وفود حجاج بيت الله بمكة، فكان من أمر ذلك، في حج السنة الحادية عشر للبعثة، أن لحق نفرا من الخزرج فكلمهم وبسط لهم القول ودعاهم&#8230;</p>
<p>وملخص هذا الحدث -على ما جاء في كتب السيرة– أن رسول الله  خرج ذات ليلة ومعه أبوبكر وعلي رضي الله عنهما، فمر على منازل أقوام يكلمهم في الإسلام. الى أن صادف ستة نفر فلحقهم وكلمهم وسألهم ممن هم؟ فقالوا من الخزرج. فالتمس أن يكلمهم، فجلسوا إليه، وشرع يعرض عليهم دعوة الإسلام ويشرح حقيقته، ويدعوهم ويتلو عليهم آيات من القرآن. ثم أشار بعضهم الى بعض أنه النبي الذي تذكره اليهود و تتوعدكم به فلا تسبقنّكم إليه. انظر ما رواه طبراني عن ابن اسحاق، والحاكم والبيهقي.</p>
<p>لقد كان هذا اللقاء -على قصره منطلقا- لفتح مكان إيواء الدعوة و نصرة نبي الإسلام، وتوفير المنعة والنصرة اللازمة للقيام على البلاغ الدعوي في مواجهة المنع والتضييق، وتشديد الخناق وتعطيل سريان الدعوة، ومحاولة القضاء النهائي عليها والإجهاز على أهلها.</p>
<p>هذا وقد أضحى أمر طلب النصرة والمنعة ملحا ألجأت إلية الحاجة الماسة الى نقل بذرة الدعوة الى المكان الأنسب للإنبات والإزهار والإثمار&#8230; وهوما تحقق بتيسير الله  لبيئة جديدة مناسبة وهي بيئة يثرب. وكان من تيسير الله أن أسكن حَيّيّن من العرب، وهما الأوس والخزرج، يثرب، فجاورهما اليهود الذين كانوا يوالون قبيلة على حساب أخرى، ويأججون الصراعات فيما بينهما، ويذكرون خروج نبي لآخر الزمان، وأنهم سيسبقونهم اليه وأنهم سيقاتلونهم معه.</p>
<p>وكان هذا ما استقر في وجدان أفراد القبيلتين و سهل إقبال النفر الستة على سماع كلام رسول الله ، وإصغائهم لدعوته. فكانوا فاتحة خير على أهليهم و قبيلتهم ومدينتهم، بما تأملوه من خير هذه الدعوة، وأنها تكون سببا في جمع شمل القبيلتين المتصارعتين وتحقيق الألفة والوئام بينهما.</p>
<p>ولقد كانت مواعدتهم النبي عليه السلام اللقاء في عام قابل، فتحا عظيما لأفق ممتد أمام الدعوة، انفتحت فيه السبل لسريان هذه الدعوة بكل سلاسة وحيوية، وانتعش فيه الفعل الدعوي التربوي ليشكل قاعدة الانطلاق الجديد للبناء الدعوي العام.</p>
<p>فلما رجع هؤلاء الى قومهم بدأوا يذكرون الخبر لذويهم ومعارفهم وأهل صداقتهم، فبدأت تنتشر أخبار الدعوة وأنباء الإسلام. فلما دار العام وحل موعد الحج، خرج لموعد ملاقاة النبي  اثنا عشر رجلا من الأوس والخزرج، ولاقوا رسول الله  عند العقبة على الموعد، فخاطبهم وحدثهم واستوثق منهم، وأفضى الأمر الى عهد و بيعة. وهي بيعة العقبة الأولى التي تتفرد بميزتها ومكانتها في وضع الأسس واللبنات الأولى لإنشاء النواة السليمة التي تقوم عليها الدعوة والدولة معا.</p>
<p>روى البخاري بسنده عن عبادة بن الصامت أن رسول الله  قال: «تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، و لا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، و لا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم و أرجلكم، و لا تعصوني في معروف، فمن وفى فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهوله كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره الى الله إن شاء عاقبه و إن شاء عفى عنه». (انظرصحيح البخاري كتاب الإيمان باب علامة الإيمان حب الانصار).</p>
<p>هذه مقالة النبي ، على وجازتها، تضمنت قواعد وبنود دستور مرحلي يهدف الى تأطير الحركة الدعوية لإخراج الأمة. وليس من العسير ملاحظة قيام هذه البيعة على بنود مهمة في البناء العقدي والتصحيح التصوري الذي يشكل الأساس الأول والأهم، ويكون محور الأمر كله. ثم تلت ذلك بنود تشريعية أخلاقية بانية، وهي مناداة أساس لبناء الشخصية المسلمة المتفردة بالرفعة في انضباط السلوك وسمو الأخلاق، مما لا يضيع معه هدف إنشاء الكيان الإسلامي في إطار من القيم الحضارية العليا.</p>
<p>ولعله لا تغيب عنا ظلال البند السادس من هذه البيعة، وهو ينطق بما سيكون من أمر هذه الأمة و كيانها، وفيه قوله : «ولا تعصوني في معروف» فلا يفهم منطوقه إلا باعتبار ما سيكون لأن النبي  لا ينطق إلا بمعروف، فالإشارة هنا الى ما سيِؤول اليه الأمر من قيام كيان و دولة قائمة على طاعة  في المعروف.</p>
<p>ولعل هذا ما جاءت ببيعة العقبة الثانية للتنصيص عليه بكل وضوح، ذلك أن البناء بعد الإعداد يقتضي هذا في هذا الظرف المناسب. ففي هذه البيعة بسط رسول الله بنود البيعة فقال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، و على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا لومة لائم، وعل أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة».</p>
<p>لقد كانت هذه البنود في هذه البيعة  معربة عن منتهى ما وصل إليه الإعداد والتمهيد لاستئناف حركية دعوية  قابلة للنمو و التوسع، واستيعاب المقبلين عليها والمنشرحين لها. مما أهل البيئة الجديدة (يثرب) لاستقبال المهاجرين بدينهم ودعوتهم، واحتضانهم تمهيدا لاستقبال نبي الإسلام محمد بن عبد الله ، ونصرته، حيث تم استكمال بناء دعوة الإسلام ودولة الإسلام، ومن ثم إخراج الأمة القائمة على الحق بالحق، الأمة الوسط  الشاهدة على الناس بالناس. فلم يبق بعد ذلك إلا اقتفاء الاثر واتباع النهج القويم لمن أراد أن ينتفع وينفع. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #ff0000;"><em><strong>  د. الحسان حالي</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/10/%d9%85%d9%84%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b9%d9%88%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%85%d9%87%d8%af%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>ملف العدد &#8211; السنن الإلهية في السيرة النبوية من خلال الهجرة النبوية</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2016/10/%d9%85%d9%84%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%84%d9%87%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2016/10/%d9%85%d9%84%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%84%d9%87%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 03 Oct 2016 15:08:16 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. رشيد كهوس]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[السيرة النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 464]]></category>
		<category><![CDATA[الأمة المسلمة]]></category>
		<category><![CDATA[السنن الإلهية في السيرة النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[السيرة النبوية من خلال الهجرة النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[الهجرة سنة من سنن الله تعالى]]></category>
		<category><![CDATA[تاريخ الدعوة الإسلامية]]></category>
		<category><![CDATA[د. رشيد كُهُوس]]></category>
		<category><![CDATA[ملف العدد]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15367</guid>
		<description><![CDATA[إن الوقوف على  السنن الإلهية(1) في الهجرة النبوية له أهمية بالغة إذ إن هذا الحدث العظيم يمثل محطة فاصلة في تاريخ الدعوة الإسلامية؛ حيث برزت من خلاله شعائر الإسلام إلى العلن، وخضعت أحكامه للتطبيق العملي، وذلك من خلال رعاية النبي  للسنن الإلهية، وتسخيره لها، وعمله بمقتضاها. ومن ثمّ لم يغفل سيد الوجود  وهو [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>إن الوقوف على  السنن الإلهية(1) في الهجرة النبوية له أهمية بالغة إذ إن هذا الحدث العظيم يمثل محطة فاصلة في تاريخ الدعوة الإسلامية؛ حيث برزت من خلاله شعائر الإسلام إلى العلن، وخضعت أحكامه للتطبيق العملي، وذلك من خلال رعاية النبي  للسنن الإلهية، وتسخيره لها، وعمله بمقتضاها.</p>
<p>ومن ثمّ لم يغفل سيد الوجود  وهو المؤيد بالوحي في حركاته وسكناته الأخذ بالسنن، وكان يوجه أصحابه الكرام  دائما إلى مراعاتها في كل أمورهم الدنيوية والأخروية، وهذا يتضح جليا في هجرته  إلى المدينة؛ كما يأتي بيانه:</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>أولا &#8211; الهجرة سنة من سنن الله تعالى في دعوة الرسل:</strong></span></p>
<p>قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خلفَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)﴾ (الإسراء)</p>
<p>إن سيد الوجود قد علم من أوَّل يومٍ من بعثته أنَّه سيَخرُج من بلده مُهاجِرًا؛ ففي حديثه مع ورقة بن نَوفَل عندما اصطَحبَتْه زوجُه خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها إلى ابن عمِّها، عندها قال له ورقة: «هذا النامُوسُ الذي نزَّل الله على موسى، يا ليتَنِي فيها جَذَعًا، ليتَنِي أكون حيًّا إذ يُخرِجك قومُك، فقال رسول الله : «أوَمُخرِجِيَّ هم؟!»، قال: نعم، لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثْل ما جئتَ به إلا عُودِي، وإنْ يُدرِكْني يومُك أنصُرْكَ نصرًا مُؤزَّرًا، ثم لم ينشَبْ ورقةُ أنْ تُوفِّي»(2).</p>
<p>ولذلك، فإن الهجرة سنة من سنن الله في أنبيائه ورسله، فهذا نوح  هاجر ومن آمن معه في سفينة حتى استوت على الجُودِيِّ.</p>
<p>وهذا إبراهيم الخليل  كانت دعوته أصلًا بأرض العِراق، إلاَّ أنَّه كانت له هِجرات إلى الشام ومصر وأرض الحِجاز.</p>
<p>وهذا كَلِيمُ الرحمن موسى  كانت له كذلك هِجرات قبل بعثته وبعدها، فقد هاجر قبل بعثته خائفًا يترقَّب، وهاجر بعد بعثته بعد أنْ كذَّبَه فرعون وقومه.</p>
<p>وهذا يعقوب  هاجر من بابل إلى فلسطين، وهذا المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام هاجر من فلسطين إلى مصر.</p>
<p>وكل الأنبياء كانت لهم هجرات وفق سنة الله المطردة.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>ثانيا &#8211; الأسباب والمسببات:</strong></span></p>
<p>إن الإيمان بالله تعالى والاعتماد والتوكل عليه لا ينافي أبدا الاستفادة من سنن الله التي جعلها الله في هذا الكون ناموسا ثابتا ومطردا، ولا يناقض اتخاذُ الأسباب المادية التي أراد الله تعالى أن يجعلها أسبابا في هذا الكون التوكلَ عليه.</p>
<p>ولهذا أخذ النبي بسنة الله في الأسباب ومسبباتها لما جاءه الأمر الإلهي بالهجرة إلى المدينة، فقام بتهييء الأسباب الكاملة  لنجاح الهجرة وهو متوكل على الله تعالى في الأمر كله، متوسدا عتبة الافتقار إلى رب الأرباب..</p>
<p>ذلك بأن نصر الله تعالى لنبيه  في الهجرة النبوية لم يأت من فراغ، وإنما جاء نتيجة لجملة من الأسباب التي يسرها الله تعالى لحبيبه وصفوة خلقه لنجاح هجرته؛ حيث تيقن  من استعداد الأنصار لقبول دعوة الإسلام ونشرها في المدينة حيث لم تبق دار من دور الأنصار إلا ودخلها نور الإسلام، تلاه بيعة العقبة الأولى وبعث مصعب بن عمير  سفيرا للإسلام بالمدينة، ليعلم الناس دينهم، وأمور شريعتهم، ويقرئهم القرآن الكريم ويهيئ التربة الصالحة للدعوة، تلاه بيعة العقبة الثانية التي مهدت الطريق للهجرة بنشر الإسلام في المدينة، وتعهد الأنصار بحماية النبي  مما يحمون به أنفسهم في المنشط والمكره، وموافقتهم على أن تكون المدينة دار هجرته، ثم تلاه هجرة الصحابة  أرسالا وجماعات، وإشراك النساء في إنجاح الهجرة.</p>
<p>تلاه الإذن الإلهي للنبي  بالهجرة إلى المدينة، فاختار  الصديق الحميم المحب الرفيق في الطريق وهو أبو بكر الصديق  واستبقاه إلى جانبه حين أذن لجميع المؤمنين بالهجرة، وأخبره في الوقت المناسب، وأمره بكتمان أمر الهجرة حيث لم يعلم بها إلا آل أبي بكر، وعلي، وأمره بالمبيت في فراشه، واستعان على ذلك بالسر والحيطة والحذر، وخرج من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته في النهار ساعة القيلولة والهاجرة وفي الحر الشديد(3)، وأعد الصديق  راحلتين، واستأجر الدليل الخبير بالطريق (عبد الله بن أُرَيْقِط وكان مشركا)، وبحث عن مكانٍ يستقرّ فيه حتى تخْمُد شدّة البحث عنه، فاختار غار ثَور ومكثا فيه ثلاثة أيام، وسار بِطَريق الساحل معاكسا لِطَريق المدينة، واختارَ رجلاً (عبد الله بن أبي بكر) يكتشف حركة كفار قريش بمكة ويتقصى أخبارها وهو ما يسمى اليوم بجهاز الاستخبارات، وآخر يمحو بِغَنمه آثار أقدامه (عامر بن فُهَيْرة مولى أبي بكر)، ومن يأتيه بالزاد كلّ يوم (أسماء بنت أبي بكر –رضي الله عنهما-)، مع إخفاء شخصية النبي  في طريق الهجرة: فعن أنس  &#8220;أن أبا بكر كان رديف النبي  من مكة إلى المدينة، وكان أبو بكر يختلف إلى الشام، فكان يعرف وكان النبي  لا يعرف، فكانوا يقولون: يا أبا بكر من هذا الغلام بين يديك؟ قال: &#8220;هاد يهديني السبيل&#8221;(4).</p>
<p>واتخذ النبي جميع الخطط الحكيمة والأسباب الموصلة إلى نجاح هجرته وبلوغ هدفه، ثمّ توكَّل على الله تعالى -قبل ذلك وبعده- حق التوكل.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>ثالثا: سنة الله في المكر والماكرين:</strong></span></p>
<p>اتَّعَدَت قريش في دار الندوة على اغتيال النبي ؛ وذلك بأن يأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا، يعطون كل واحد منهم سيفا صارما، ثم يعمدون إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فيتفرق دمه بين القبائل(5).</p>
<p>فأتى جبريل النبي فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى النبي مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي وتسج ببردي هذا الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، وكان رسول الله  ينام في برده ذلك إذا نام.</p>
<p>.. وخرج عليهم النبي ، فأخذ حفنة من تراب في يده&#8230; وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه، فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من يس: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾إلى قوله تعالى﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾(يس:1-9)، حتى فرغ  من هؤلاء الآيات&#8230; فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمدا؛ قال: خيبكم الله! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته..(6).</p>
<p>وفي هذا يقول الحق تعالى:﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين﴾(المائدة:67)، ويقول جل ذكره: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِين﴾(الطور: 30-31).</p>
<p>إنها سنة الله في المكر والماكرين، وسنته في نصر عباده المرسلين.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>رابعا &#8211; سنة التأييد الإلهي:</strong></span></p>
<p>يقول الله تعالى وتقدس:﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(التوبة: 40).</p>
<p>عَنْ أبي  بَكْرٍ الصديق قَالَ: &#8220;كُنْتُ مَعَ النبي  في الْغَارِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِأَقْدَامِ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ بَعْضَهُمْ طَأْطَأَ بَصَرَهُ رَآنَا. قَالَ: «اسْكُتْ يَا أَبَا بَكْرٍ، اثْنَانِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا»&#8221;(7).</p>
<p>كما أن في قصة سراقة الذي عثرت به فرسه في كل مرة يحاول اللحاق برسول الله  والقبض عليه(8) أعظم دليل على تحقق وعد الله بعصمة نبيه من الناس، وعلى التأييد الإلهي والنصر الرباني لنبيه .</p>
<p>لقد كان سراقة في بداية أمره يريد القبض على النبي، ويسلمه لزعماء مكة لينال مائة ناقة، وإذا بالأمور تنقلب رأسًا على عقب –لما رأى المعجزة أمام عينية-، ويصبح يرد الطلب عن رسول الله  فجعل لا يلقى أحدًا من الطلب إلا رده قائلا: كفيتم هذا الوجه(9).</p>
<p>وصدق الله  حيث قال:﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: 21).</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>خامسا &#8211; سنة التغيير الاجتماعي:</strong></span></p>
<p>إن الهجرة النبوية غيرت مجرى التاريخ تغييرًا لم يشهد له التاريخ مثيلًا؛ حيث أعقبها بناء إنسان صالح، ومجتمع مسلم أخوي، ودولة إسلامية قوية، وعمران إسلامي أصيل، عاش الناس في ظلاله كالجسد الواحد إخوة متوادين متراحمين، ومتعاونين متكافلين.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>مسك الختام:</strong></span></p>
<p>إن الأمة المسلمة في أمس الحاجة إلى استحضار معاني الهجرة النبوية، والوقوف عند سنن الله فيها؛ لتكون نِبراسًا يبصرها بواقعها، ويُضيء لها مستقبلها الحضاري، ويعيدها إلى الطريق المستقيم.</p>
<p>وإن الأمة لقادرة بإذن الله تعالى -إذا عادت إلى مصدر عزها- أن تكون رحمة في العالمين وبلسما وشفاء للناس أجمعين.</p>
<p>إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾(آل عمران: 160).</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. رشيد كُهُوس  </strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;-</p>
<p>1 &#8211; &#8220;السنن الإلهية هي: إرادة الله الكونية، وأمره الشرعي، وفعله المطلق، وكلماته التامات، وحكمته في آفاق الكون وتسلسل التاريخ، الجارية بالعباد عبر رحلة الأعمار إلى المعاد&#8221;. انظر كتاب: علم السنن الإلهية من الوعي النظري إلى التأسيس العملي، رشيد كهوس، ص22، منشورات مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، الإمارات العربية المتحدة، ط1: 1436هـ/2015م.</p>
<p>2 &#8211; صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، ح4670.</p>
<p>3 &#8211; انظر: سيرة ابن هشام، 2/354. البداية والنهاية لابن كثير، 2/184-185. تاريخ الطبري، 1/586. سيرة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، سليمان الندوي، ص51. الفصول في سيرة الرسول  لابن كثير، ص33.</p>
<p>4 &#8211; مصنف ابن أبي شيبة، باب ما قالوا في مهاجر النبي ، 7/346.</p>
<p>5 &#8211; انظر: سيرة ابن هشام، 2/350-352. البداية والنهاية، 2/182-183.</p>
<p>6 &#8211; سيرة ابن هشام، 2/352-354. البداية والنهاية، 2/183.</p>
<p>7 &#8211; صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي  وأصحابه إلى المدينة، ح3922.</p>
<p>8 &#8211; انظر: صحيح البخاري، كتاب المناقب، ح3906. سيرة ابن هشام، 2/357-358. البداية والنهاية، 2/191-192.</p>
<p>9 &#8211; انظر: السيرة النبوية، علي محمد الصلابي، ص275.</p>
<p>أستاذ السيرة النبوية وعلومها بكلية أصول الدين بتطوان.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2016/10/%d9%85%d9%84%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%84%d9%87%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>ملف العدد &#8211; الهجرة النبوية:دلالات هاديات ودرر غاليات</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2016/10/%d9%85%d9%84%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d9%8a%d8%a9%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%87%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a7/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2016/10/%d9%85%d9%84%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d9%8a%d8%a9%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%87%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a7/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 03 Oct 2016 14:49:36 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[السيرة النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 464]]></category>
		<category><![CDATA[الهجرة النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[د .كمال الدين رحموني]]></category>
		<category><![CDATA[دلالات هاديات ودرر غاليات]]></category>
		<category><![CDATA[سيرة رسول الله]]></category>
		<category><![CDATA[لهجرة النبوية:دلالات هاديات ودرر غاليات]]></category>
		<category><![CDATA[ملف العدد]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15365</guid>
		<description><![CDATA[سيرة رسول الله  ليست تاريخا وزمنا فحسب، أو احتفالا واحتفاء سرعان ما يمضي، وإنما سيرته رسمٌ لمعالم الواقع الحي في حياة الناس. سيرةُ رسول الله  كتاب مفتوح منذ أكثر من خمسة عشر قرنا، لن تُغلق صفحاته إلى أن يأذن الله بالنهاية، ومن أعظم محطات السيرة النبوية حدث الهجرة. إن حدث الهجرة ليس احتفاء بوقائع مرت [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>سيرة رسول الله  ليست تاريخا وزمنا فحسب، أو احتفالا واحتفاء سرعان ما يمضي، وإنما سيرته رسمٌ لمعالم الواقع الحي في حياة الناس.</p>
<p>سيرةُ رسول الله  كتاب مفتوح منذ أكثر من خمسة عشر قرنا، لن تُغلق صفحاته إلى أن يأذن الله بالنهاية، ومن أعظم محطات السيرة النبوية حدث الهجرة.</p>
<p>إن حدث الهجرة ليس احتفاء بوقائع مرت وانتهت، وإنما هو التزام متجدّد بتجدّد زمن الأمة حاضرا ومستقبلا. وحقيقة ُالاحتفاء تكمن في تفهّم المعاني وتأمل الدلالات وتنزيل الأهداف. هذه المعاني التي قامت على أساسها دولة الإسلام، ومكّن الله بها للأمة في الأرض لقرون من الزمن. إن الهجرة بدلالاتها الكبرى قيمة مستمرة في حياة المسلمين، ومطلب إسلامي حين تدعو الضرورة إليه، للتضحية من أجل الدين والمبدأ والفكرة والمعنى، لا يُعفي منه التعلّلُ بمبررات الدنيا الزاهية، ولا مُثَبّطات الحياة الآسرة، ولذلك كان التهديد الرباني للمتذرعين بالحجج الواهية، لتعطيل ما يسهم في التمكين للرسالة الخاتمة، قال تعالى: إن الذين تَوَفّاهم الملائكةُ ظالمي أنفسِهم قالوا فيمَ كنتُم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرضُ الله واسعةً فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنمُ وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفُوّاً غفورا (النساء: 96-98).</p>
<p>الهجرةُ لم تكن من بلد إلى بلد أفضلَ، أو طلبٍ لحياة عيش أرغد، وإنما هي تركٌ للديار، وبذلٌ للأموال والأرواح حفظا لحسن الاختيار.</p>
<p>الهجرة رحلة شاقة لم يمنع منها التعلّق بالبلد الحرام الأحبُّ إلى قلب الحبيب، ولذلك نظر النبي  إلى مكة مخاطبا إياها بقوله: «إنك أحبُّ البلاد إلى الله، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت».</p>
<p>الهجرةُ لم تكن هروبا من مواجهة واقع آسن، ولا فرارا من مقاومة بيئة شركية موبوءة، ولا نكوصا عن مقارعة مجتمع كفري عنيد، وإنما كانت تمهّد لمرحلةٍ جريئة، وأيامٍ عظيمة حاسمة لمصير الدعوة والدولة، بل ولمصير الإنسانية كلِّها. إن أول كلمات خطّها رسول الله  في مشروع الهجرة المباركة -قبل وقتها بزمن حين جاءته قريش مُساوِمًةً- هي كلمات معدودات، اختصرت عظمة النبي الكريم عقيدة وفكرا وبيانا: «والله يا عمّ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الدين ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه» (سيرة ابن هشام)، فلو قبل محمد  المال والجاه والمنصب لما كان في حاجة إلى أن يهاجر أصلا، لكنه كان يريد ما هو أعظم من الشمس والقمر، ما هو أعظم من المال والجاه، كان يريد عقيدة تنتشر، وفكرة تسود، ومجتمعا يتأسّس، وإسلاما يقوم على وجه الأرض.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>فأي دلالات هاديات، من درر الهجرة الغاليات؟</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>1 &#8211; مقصد النية:</strong></span></p>
<p>إن ظاهرة الهجرة من البلد الأم في العصر الراهن، شكلت عنوانا من عناوين مآسي الإنسان في البنية الاجتماعية المعاصرة، فهل تستوي الهجرة بالدين وللدين، والهجرة بالدنيا ولها؟ يقينا لا يستويان مثلا، ولذلك كانت الهجرة النبوية فعلا محفوفا بمقصد النية الذي يقاس به العمل قبولا ورفضا فـــ «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (البخاري). وشتان بين هجرتين: هجرةٍ إلى امرأة ينكحها أو دنيا يصيبها، وهجرةٍ لبناء أمة، لا يستوي من ترك عزيزَ ما يملك، ابتغاء مرضاة الله، ومن عاش لحياته ودنياه.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong> 2 &#8211; التجرد:</strong></span></p>
<p>لقد حملت مقدمات الهجرة صورا عظيمة للتجرد للدين ولأهداف الإسلام الكبرى، في صنيع أبي بكر بماله كله وترك بيته خاليا إلا من فتيات ربّاهن الإسلام، ومنهن أسماء المجاهدة  ذات النطاقين، يدخل عليها جدُّها وكان أعمى وكان كافرا، فيقول: فَجَعَكُنَّ أبوكن أخذ المال كله، تقول أسماء: فأخذت أحجارا ووضعتها في كيس من جلد، وأخذت بيد جدي الأعمى فوضع يده فظن أنه مال، ثم تقول: &#8220;فوالله ما ترك لنا أبي شيئا ولكن أردت أن أسكت هذا الشيخ&#8221;، هذا نموذج للتجرد من أجل تحقيق الأهداف، فهل نتجرد من الدنيا كما تجرد منها هؤلاء العظام، وهل نبذل أعشار ما بذلوا. إن الانتماء للدين وحده لا يكفي، فزعْمُ التدين بعاطفة خادعة تعطيل لأهداف الدين الكبرى.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>3 &#8211; الهجرة سبيل بعد استنفاذ أبواب العمل:</strong></span></p>
<p>بعد ثلاث سنوات من موت أبي طالب وخديجة رضي الله عنها، ضاقت الأرض بالدعوة، فكانت الحاجة إلى مكان يُنصر فيه الحق، وتُحضن فيه الدعوة، كان من الممكن أن يكون مكانُ الهجرة مختلفًا عن المدينة، ولكن الله أراد أن تكون طيبةُ دارَ الهجرة، فليس المكان هو المهم، ولكن الأهم أن الهجرة لم تكن عملا سلبيا، أو كسلا عن الدعوة في مكة، أو هروبا من تكاليف الدعوة أو استسلاما لضعف النفس مما لاقت من عناء، ولكن ما ترك المسلمون بلدهم إلا بعد أن أُغلقت تماما أبواب الدعوة.</p>
<p>والعبرة، أنه إذا بقيت أبواب العمل مفتوحة فالأوْلى أن يبقى المسلم مرابطا على ثغر من ثغور الإسلام، حتى وإن قلَّت متطلباتُ العيش الرغيد، حتى يستنفذ المسلم طاقاته كلَّها، ويتخذَ الأسباب جميعَها في العمل للإسلام، حتى إذا ضاق المكان، وسُدّت منافذ الخير كان البحث عن مجالات أخرى وإبداع وسائل جديدة، فلكل مرحلة وسائلها وظروفها ومنهج عملها، ولذلك من الخطأ أن يُصرَّ المسلم على الوسائل نفسها، أو يتعصبَ لمنهج بعينه، بل لا بد من تكييف مناهج العمل ووسائله على ضوء الأهداف لأن الدعوةَ أمر ثابت والمناهج والوسائل متغيرات، هذا درس رباني مهم، ومنهج قرآني متكامل في تسديد العاملين، والدليل على أن الهجرة النبوية لم تكن خيارا نبويا محضا، ولا قرارا محمديا خالصا، وإنما كانت أمرا إلهيا حين استنفذ النبي  كل أسباب الدعوة في مكة، فكان عليه أن يجدَ المكان، ويتيحَ للدعوة مجالاتٍ أرحبَ، وفضاءاتٍ أنسبَ، فكانت الهجرة إلى المدينة.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>4 &#8211; الهجرة مطلب إنساني:</strong></span></p>
<p>لقد سبقت الهجرة َالنبوية هجرةُ الصحابة إلى الحبشة، في حين كانت الهجرةُ -الحدثُ والمعنى- إلى المدينة المنورة، وفرق كبير بين الهجرتين: الهجرة الأولى كانت هدفا صغيرا، في ظرف عصيب تطلّب الهجرة بالدين إلى مكان آمن، حفظاً للنفس وفرارا بالدين، فكان المهاجرون إلى الحبشة بمثابة لاجئين -بمصطلح العصر- إلى ملك عادل لا يُظلم عنده أحد، أما هجرته إلى المدينة فكانت إقامة لدولة وتمكينا لأمة، فكانت المدينة مركزا رئيسا لها وحرما آمنا لأهلها، والعبرة، أن الهجرة إلى الحبشة هجرة بالإسلام إلى رجل قد يستطيع حماية المستضعفين وقد لا يدوم على ذلك، لأن مآله الزوال، لكن الهجرة إلى المدينة هجرةٌ إلى شعب أحب الإسلام، والمعنى أن من شروط نجاح المشروع الإصلاحي أن يكون محتضَنا من لدن القواعد الشعبية التي تبذل أقصى ما تستطيع لإنجاح المشروع، ولو كلف ذلك التضحيةً بالدنيا وزينتها، والحياةِ وزخرفها، والنفس ورغباتها، وموقفُ الأنصار في احتضان النبي وأصحابه خير شاهد، فأثنى عليهم ثناء عظيماً وهو يقول: &#8220;لولا الهجرةُ لكنت امرأ من الأنصار، لو سلكت الأنصار وادياً أو شعباً لسلكتُ وادي الأنصار أو شِعْبهم&#8221;.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>5 &#8211; الهجرة تخطيط لقيم إنسانية:</strong> </span></p>
<p>لم تكن الهجرة النبوية أمرا ارتجاليا، ولا عملا عفويا، بل كانت بإعداد محكم وصبر جميل، وحكمة بالغة،  وفقه بصير، فما كانت العشوائية أبدا من أساليب الإصلاح في الإسلام، ومن مظاهرها تغليبُ المنهج الأدنى في الإصلاح على الأوْلى، ومن ذلك الرهانُ على التغيير من منطلق الدولة مقابل الأمة أو الشعب حين تُستوفَى شروط بناء القاعدة الشعبية، عقيدة وفكرا وسلوكا، وهو ما كان قد استكمل بناءه رسول الله  قبل حدث الهجرة، وهو الغائب اليوم في مشاريع التغيير، مع التباين الكبير بين واقع شركي بسيط في زمانه، مقابل واقع الاستكبار والكفر في عالمنا المعاصر. إن شعبًا يُساسُ ببرامج كبرى، وإن اسْتُمدَّ من روح الدين، في غياب البناء السوي لهذا الشعب، وتربيتِه على مفاهيم الدين الصحيحة، ومعايير الأخلاق القويمة، وتنمية حب الدين في نفسه، وما يتطلّبه هذا البناء من استعداد وتجاوب للتضحية من أجل الدين وأحكامه ومشاريع التنمية التي تقوم على أساسه، كلُّ ذلك هو البرنامج الأوْلى، والتحدي الأعلى الذي يواجه العاملين للدين، فهل تتوفر هذه القاعدة الشعبية التي تحب الدين، وتبذل من أجله الغالي والنفيس، في واقع تعددت فيه وسائل المكر باليل والنهار، والتخطيط الرهيب للإيقاع بكل من له صلة بالدين، وداعٍ إلى تنزيل مشاريع الإصلاح النابعة من مرجعية الإسلام؟</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong> 6 &#8211; الهجرة باب مفتوح للعمل المتواصل: </strong></span></p>
<p>ولذلك قال النبي : «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استُنفِرتم فانفروا» (البخاري ومسلم). فالجهاد بأشكاله المختلفة، من جهاد بالنفس، وجهاد بالمال، وجهاد بالكلمة الطيبة، والدعوة بالتي هي أحسن، والبذل والحركة المتوازنة، والعمل الصالح.  والسعيد من انشغل بعمله عن قوله وبنفسه عن غيره وبآخرته عن دنياه.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>7 &#8211; الهجرة وقفة مع الذات لتصحيح الطريق:</strong></span></p>
<p>من معاني الهجرة: القطيعة ونشدان الشيء، ومعنى ذلك أن الهجرة قطيعة مع مسلك منحرف، ومنهج متذبذب وسلوك خاطئ، وبداية لطريق جديد على أسس مسلمات العقيدة السليمة، والفكر النيّر، والخلق القويم، وهو المعنى الواضح في حديث رسول الله : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (صحيح البخاري).</p>
<p>الهجرة عودة إلى الذات، وتقليب لصفحات الحياة، ومحاسبةٌ للنفس على ما فات، وعزمٌ على التوبة من الزلات، والاستقامة على الطاعات والصالحات. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. كمال الدين رحموني  </strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2016/10/%d9%85%d9%84%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d9%8a%d8%a9%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%87%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
