<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; كلمات الله</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>كلمات الله في مـعركة السلام</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2011/01/%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%80%d8%b9%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2011/01/%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%80%d8%b9%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 17 Jan 2011 11:12:03 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.فريد الأنصاري]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 351]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[أساس الناطقية والاستخلاف]]></category>
		<category><![CDATA[الكلمة]]></category>
		<category><![CDATA[الكلمة هي الوجود]]></category>
		<category><![CDATA[اللغة وصناعة الحياة]]></category>
		<category><![CDATA[حظ اللسان في الأحكام]]></category>
		<category><![CDATA[د. فــريــد الأنـصـاري رحمه الله تعالى]]></category>
		<category><![CDATA[كلمات الله]]></category>
		<category><![CDATA[كلمات الله في مـعركة السلام]]></category>
		<category><![CDATA[مـعركة السلام]]></category>
		<category><![CDATA[وأول الوزن وزن الكلام]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15079</guid>
		<description><![CDATA[لا تحرير للأمة اليوم في معركة هذا العصر إلا بالقرآن، لأن طبيعة المعركة الجديدة قائمة على &#8220;الكلمة&#8221;، والقرآن العظيم هو الكلام القاهر فوق كل كلام. ولكن بعد أن نفهم السؤال الإشكالي: ما حقيقة &#8220;الكلمة&#8221;، وما دورها في معركة العصر الجديدة؟ إن &#8220;الكلام&#8221; ليس &#8220;قولا&#8221; وحسب؛ إذ &#8220;القول&#8221; دال على كل ملفوظ، سواء أفاد معنى أم [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>لا تحرير للأمة اليوم في معركة هذا العصر إلا بالقرآن، لأن طبيعة المعركة الجديدة قائمة على &#8220;الكلمة&#8221;، والقرآن العظيم هو الكلام القاهر فوق كل كلام. ولكن بعد أن نفهم السؤال الإشكالي: ما حقيقة &#8220;الكلمة&#8221;، وما دورها في معركة العصر الجديدة؟</p>
<p>إن &#8220;الكلام&#8221; ليس &#8220;قولا&#8221; وحسب؛ إذ &#8220;القول&#8221; دال على كل ملفوظ، سواء أفاد معنى أم لم يفده، كما هو معلوم من تعريفات النحاة، بينما &#8220;الكلام&#8221; لا يكون إلا لفظا مفيدا لمقصودٍ مراد للمتكلم، سواء أفاد خيرا أم أفاد شرا، على وزان قول ابن مالك: كلامنا لفظٌ مفيدٌ كاستقمْ.</p>
<p>ومن هنا ننطلق من هذا التقعيد النحوي المدرسي البسيط لنجزم بعد ذلك بأن الكلام -على هذا المعنى المؤصل في قواعد العربية- لا يكون إلا فعلا جاريا في الواقع، وحدثا جالبا لأثرٍ في التاريخ.</p>
<p>إن الكلمة -أيّكلمة- إنما هي فعل من الأفعال، هذا على المستوى الوجودي. وتأمل كيف أن الخطاب مهما يصدر من منتجه فإنه لابد يؤثر في الواقع ولو على المستوى النفسي ابتداء، ثم يكون له بعد ذلك أثر فعلي. وأقل الأثر أن يعود على صاحبه بالخير أو بالشر. ولا يتصور في الواقع والعادة الجارية في الخلق كلام بلا أثر مطلقا البتة. وهذا يبدأ من مستوى الخلق والإنشاء والتكوين، مما ينسب إلى الله جل جلاله من الأفعال والأقدار، إلى مستوى الفعل الإنساني والإنجاز البشري في الواقع والتاريخ.</p>
<p>فمثال الأول: قول الله تعالى فيما عَرَّف به حقيقةَ نبيه عيسى عليه السلام، واصفا إياه بأنه {كَلِمَتُهُ} قال جل جلاله: {إِنَّمَا المسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}(النساء:171). فكان عيسى ههنا هو &#8220;كلمة الله&#8221; جل علاه، أي إنه راجع إلى أمره القدري التكويني. إنهإذن خَلْق الله لأن &#8220;الكلمة&#8221; راجعة إلى فعله تعالى المتعلق بتدبير شؤون الربوبية خلقا وتقديرا وقَـيُّومِيَّةً. وهذا المعنى شامل في كل خلق أو تصرف إلهيّ، وفي كل قضاء وقدر. لا شيء من ذلك كله يخرج عن &#8220;كلمة الله&#8221;.</p>
<p>ومما يدل عليه أيضا أن &#8220;الكلمة&#8221; في القرآن أمرٌ واقعٌ حتما قولُه تعالى: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ}(هود:110)، وقوله سبحانه: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}(هود:119). ومثْلُ هذا في القرآن كثير لمن شاء أن يتتبعه. فكل ذلك ونحوه مما تضمن ضميمة {كَلِمَةُ رَبِّكَ} دال على معاني الخلق والإنشاء والتكوين والتصيير، وسائر أفعال القضاء والقدر الإلهيين. وليست &#8220;الكلمة&#8221; قولا يقال لمجرد القول وكفى، بل هي إنجاز حتمي لا يتخلف توقيعه أبدا. فمتىقيلت &#8220;الكلمة&#8221; -بهذا السياق- كان معناه أنها فُعِلَتْ. ومن هنا لم تخرج &#8220;كلمة الله&#8221; عموما عن معنى فعل الله جل وعلا، وهو سبحانه وتعالى لا يخلف القول ولا الميعاد.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>أساس الناطقية والاستخلاف</strong></span></p>
<p>ومثال الثاني قول الله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}(البقرة:31). فالأسماء -مهما اختُلف في تفسير معناها- فإنه لا اختلاف في أنها &#8220;كلام&#8221; بالمعنى الشرعي والوجودي للكلمة، ولا يمكن أبدا أن تتصور &#8220;الأسماء&#8221; على أنها لغو أو عبث. فهي أساس الناطقية التي فُطِر عليها الإنسان، والتي تُشكل جوهرا أساسيا من ماهيته الوجودية ووظيفته الكونية، والتي كانت -بعد ذلك- أساس الاستخلاف له في الأرض. ومثلها قوله تعالى: {خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}(الرحمن:3-4). ومن هنا كانت مسؤوليته عما يتكلم به كبيرة جدا، وهي مسؤولية لا تخرج عن عموم الأمانة التي أنيطت بالإنسان في قول الله جل وعلا: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَان}(الأحزاب:72). فالكلام البشري كله محصيّ عليه كلمةً كلمةً، يستوي في ذلك إنشاؤه وخبره، لأنه كله يوزن بميزان التحقيق بين الصدق والكذب.</p>
<p>وعليه؛ فتعريف البلاغيين &#8220;الخبر&#8221; في الدرس البلاغي بأنه &#8220;ما احتمل الصدق والكذب&#8221; -بزعمهم- تعريف غير مانع أبدا، بالمعنى الوجودي لكلمة &#8220;خبر&#8221;، لا بالمعنى اللغوي العادي. فتعاريف البلاغيين راجعة إلى موازين المنطق الأرسطي الصوري، وقد عُلِمَ ما فيه من خلل منهجي في تحديد المفاهيم والتصورات، إذ هو قائم على تحديد الماهيات بحدود عقليات خاضعة لمنطق العقل المجرد عن معطيات الوحي، ولا يمكن لمثل تلك الموازين إلا أن تكون &#8220;صورية&#8221; فعلا كما عبروا هم أنفسهم. فإلى أي حد تطابق الصورة الحقيقة؟ تلك هي المشكلة.ومن هنا فحد &#8220;الخبر&#8221; عندهم هو وإن جَمع المقصودَ فإنه لا يمنع دخول غيره فيه، أي معنى &#8220;الإنشاء&#8221;؛ أرأيت لو أن شخصا نادى غيره، أو أمَرَهُ، أو نهاه، وهو لا يقصد ذلك ألا يكون كاذبا؟ بلى والله! فإنما الكذب مخالفة العبارة لمقتضى الواقع، وهذا منه؛ لأن المنادِي، أو الداعي، أو النادب، أو المستغيث، أو الآمر، أو الناهي.. إلى آخر ما صنفوه في معنى الإنشاء؛ كل ذلك إذا لم يصادِف إرادةً في نفس المتكلم وقصداً فهو كذبٌ محض. فالإنشاء إذن -بهذا المعنى الوجودي- يحتمل الصدق والكذب أيضا. وهل يتوجع المتوجع لغير وَجَع؟ وهل يستغيث المستغيث لغير فَزَع؟ فإن قصد به معنى آخر من مجاز وغيره، كان ذلك المعنى الجديد المعدول إليه هو أساس الصدق والكذب بعد ذلك، وإنما العبرة بالخطاب قصدُ المتكلم وإرادتُه.فلا شيء من الإنشاء إلا وهو يحتمل الصدق والكذب أيضا.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>حظ اللسان في الأحكام</strong></span></p>
<p>وأزعم أنه لا شيء من الكلام الطبيعي للإنسان إلا وهو يحتملهما، ومن هنا قول الله تعالى الجامع لكل ذلك: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(ق:18).(1) وقوله تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}(الكهف:49). ويدخل في ذلك قطعا كل ما تلفظوا به من قول. ولذلك فقد نال اللسان الحظ الأوفر في الاعتبار في أحكام الشريعة؛ فكانت العقود كلها سواء كانت عقود الإيمان والإسلام، من بيعة شرعية، أو تعهد ومعاهدة، أو نكاح أو طلاق، أو كانت من المصارفات المالية من بيوع وإجارات وأكرية وغير ذلك مما يمكن أن يتصوره الذهن كلها إنما هي عند التحقيق &#8220;كلام&#8221; وليست مجرد لعب أو لهو من الأقوال، لأنها قائمة على معنى &#8220;مفيد&#8221;، أي مقصود مراد للمتخاطبين؛ بما فيها من إيجاب وقبول وما جرى مجراهما من معاني التراضي والإقرار. ومن هنا قول الله تعالى في محكم كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}(المائدة:1)، وقوله سبحانه في سياق بيان أن الإنسان محاسب على كل ما يصدر منه من الأقوال، مما أوردناه قبل قليل: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(ق:18). وفي الحديث: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات. وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم))(رواه البخاري). ومن ثَمَّ لم يكن جِدُّ رسول الله ولا مزاحه صلى الله عليه وسلم إلا حقا وصدقا، ولم يكن فيه كذب قط، حاشاه، عليه الصلاة والسلام.</p>
<p>إن الكلام مؤثر جدا في إنتاج الفعل الإنساني بل هو عين الفعل الإنساني، ولا شيء من فعله إلا وهو حاصل بالكلام مباشرةً أو نتيجةً أو توجيها أو تفاعلا، وإنما بدء التكليف الإلهي للإنسان كَلِمَةٌ، وآخرُه كَلِمَة، منذ قال له: {كُنْ فَيَكُونُ}(آل عمران:59)، إلى أن علَّمَهُ {الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} إلى أن أنزل عليه &#8220;كلامه&#8221; القرآن الكريم.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>وأول الوزن وزن الكلام</strong></span></p>
<p>فالذي لا يعير للكلام -أي كلام- الخطورةَ التي يستحقها فهو جاهل بحقائق الدين وحقائق الوجود معا. وكثير من العقوبات في الإسلام والحدود والتعازير والآثام.. إلخ إنما ترتبت شرعا عن مجرد &#8220;كلام&#8221; يتكلم به الإنسان باطلا، بدءا بكلمة الكفر إلى كلمة القذف، إلى ما شابه ذلك من كلمات الغيبة والنميمة وعبارات السخرية والتنابز بالألقاب وهلم جرا.</p>
<p>كما أن بدء الخير كله &#8220;كلمة&#8221; انطلاقا من كلمة الإخلاص: &#8220;لا إله إلا الله&#8221;، وما يتممها من &#8220;شهادة أن محمدا رسول الله&#8221;، إلى أبسط كلمات الإيمان والإحسان، كإفشاء السلام، وتشميت العاطس، وإرشاد السائل&#8230; وما بين هذا وذاك من كليات الكلام وجزئياته؛ فإنه جميعا يَؤُول -في النهاية- إلى بناء عمران الحياة الإنسانية، القائمة على العدل والسلام؛ لأن ذلك كله هو الذي ينتج فعل الخير بمعناه المطلق، ويحقق غاية الوجود البشري في الأرض. ومن هنا كانت أول نعمة امتن الله بها على الإنسان بعد نعمة الخلق أنه علمه البيان. ولذلك كان القرآن بين يديه -وهو كلام الله- الأداة الكلامية الفاعلة لإقامة الحياة في الأرض بالقسط والميزان. فتَدبَّرْ قولَه تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}(الرحمن:1-9).وأول الوزن وزن الكلام، الذي هو حقيقة &#8220;البيان&#8221;، فإذا خسر خسرت كل الموازين بعده بدءا بموازين السياسة -بمعناها العام- وما تتضمنه من موازين الإدارة والاقتصاد، إلى موازين التجارة وسائر المصارفات المالية والاجتماعية الجزئية والكلية&#8230; إلى كل طبائع العمران وتجليات الحضارة البشرية، إلى كل ما يمتد إليه ذلك من فقدان توازن الحياة الإنسانية والبيئية والكونية.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>اللغة وصناعة الحياة</strong></span></p>
<p>إن اللغة تصنع الحياة أو تدمرها. ومن هنا كانت مسؤولية الكلمة في الإسلام جسيمة جدا، والإعلام اليوم هذا الذي يسمونه &#8220;السلطة الرابعة&#8221; ليس في واقع الأمر إلا السلطة الأولى، لأن المتسلط على الخلق، الحاكم أمرهم بالحق أو بالباطل، إنما وصل إلى مبتغاه من التسلط والتحكم بالكلمة. فحتى عندما يكون الأسلوب المتبع في التسلط قهريا فإنما صنع الطاغية أدوات قهره وتجبره في البداية بالكلمة، ولا شيء يبدأ قبل الكلمة، فَبَدْءُ الوجود والخَلْقِ والتكوين في القرآن الكريم إنما هو كلمة، إنها كلمتُهُ جل جلاله: {كُنْ فَيَكُونُ} قال جل شأنه: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(يس:81 -83).</p>
<p>إن الكلمة هي التي تصنع الصورة وتنتجها، بل هي جوهرها وحقيقتها؛ فلا يغرنك أن الإعلام اليوم صار يرتكز أساسا على الصورة، فإنما هذه -رغم خطورتها- بنت تلك في نهاية المطاف. ولولا الكلمات لما كانت الصور في الوجود أصلا. أضف إلى ذلك أن الصورة تُعْرَضُ حينما تُعْرَضُ في العادة الغالبة مسبوقةً بالكلمة أو مقرونة بها أو ملحقة بها أو كل ذلك جميعا. فلا تأتي إذن إلامن خلالها. وحينما نتوهم أننا نتلقى صورا بغير كلمات، فإنما هي لعبة الكلمة المتخفية خلف الصورة. إنك لا تسمعها، نعم؛ ولكنها تتدفق إلى خواطرك في صمت، وتسكن اعتقادك بقوة. ومن ذا الذي قال إن الكلمة هي الصوت فقط؟ إنما الكلمة &#8220;مفهوم&#8221; يتواصل به الإنسان عبر اللغة الطبيعية، الصوتية أو الإشارية أو الصورية أو السيميائية، إلى غير ذلك مما في الوجود من رموز وأشكال نُصِبَتْ للدلالة على معنى. كل ذلك كلام.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>الكلمة هي الوجود</strong></span></p>
<p>إن الكلمة هي الوجود وما سواها صُوَر. ومن هنا ترى عمق الآية الكريمة: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}(البقرة:31)؛ فانظر -في ضوء ذلك- إلى هذا الكلام الإلهي العظيم، كم هو فعلا يضرب في عمق الحقيقة، وإلى أي حد هو يوغل في مجاهيل الوجود&#8230;</p>
<p>إن الإعلام اليوم كما كان من قبل في التاريخ -رغم اختلاف الأشكال والتجليات- ليعتبر أخطر وسائل التحكم، وأرهب أدوات الصراع الحضاري، وأقوى آليات التدافع العمراني في الأرض.</p>
<p>إن الذين قهروا الناس في الأرض عبر التاريخ لم يكونوا بشرا فوق البشر في أبدانهم ولا في عقولهم، ولا كانوا &#8220;آلهة&#8221; في واقع الأمر، وإنما هم &#8220;متكلمون&#8221; فقط. أسسوا أسطورة من الكلام في أذهان الناس وسحروهم بها، أو ورثوا رصيدا كلاميا عن آبائهم وأجدادهم واستمروا في إنتاجه وتجديده حتى تعيش الأسطورة في شعوبهم إلى الأبد؛ فكان منهم &#8220;ابن الشمس&#8221; و&#8221;حفيد الرب&#8221;، و&#8221;وكيل الآلهة&#8221;، وغير ذلك من سائر أنواع الكلام مما يدخل في قوله تعالى: {قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}(الأعراف:116).</p>
<p>وما كان طغيان فرعون في الأرض واستذلال أهلها إلا من بعد أن أوهمهم بأنه هو ربهم الأعلى؛ فلم يكن يريهم إلا ما يرى {فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}(النازعات:23-24) ومنهنا لما خالفه قائل الحق من رجاله نطق بقوة فقال، كما حكى الله تعالى عنه: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ}(غافر:29). فكان بذلك مثالا لكل طغيان وتأله وتجبر! {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}(القصص:4).</p>
<p>إنه قهر القوة والسلطان الباطل، الذي يصنعه -فقط- سحر الكلام. وانظر إن شئت إلى هذا البيان السحري الرهيب الذي ألقاه فرعون على قومه من بعد ما زلزلت عرشَه آياتُ موسى عليه السلام؛ قال تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}(الزخرف:51- 54). وتأمل جدا ما أعقب الله به خطاب فرعون: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} فهو إنما استخف في الواقع عقولهم.</p>
<p>ولقد قرأت قصة طريفة مترجمة عن الكتابة الفرعونية القديمة رواها أحد أطباء فرعون. وذلك أنه تسلط ذات يوم على أحد الأغنياء فأراد أن ينتزع منه ضيعته، فلما أبى أن يتنازل عنها نكل به فرعون تنكيلا، فقطع أيديه وأرجله من خلاف، وألقاه على حافة الطريق، فصادف أن كان الطبيب مارا بعربته فوجده يئن في الظلام، فلما عرفه رَقَّ لحاله وحمله إلى بيته، ثم عالجه من آثار جروح البتر. ثم انقطعت صلته به بعد ذلك إلى أن مات فرعون. ولما كان يوم مراسم التحنيط والدفن على -عادة قدماء المصريين- والكاهن يلقي كلماته في رثاء فرعون، بما يصبغه عليه من رداء الربوبية المزيفة والألوهية المدعاة والعظمة المكذوبة، ويذكر من شيمه ما لا قِبَلَ للبشر به، إذا بالطبيب يجد من بين الحاضرين الرجل الغني الذي نكل به فرعون من قبل، وقطع أيديه وأرجله من خلاف، وجده يبكي بحرارة ويقول: ما كنتُ أعلم أن فرعون كان إلها مقدَّسا إلى هذا الحد، وكأنما يبكي ندما على ما فرَّطَ في جنب فرعون، ولم يكن له من الطائعين ومن عباده الصاغرين.</p>
<p>إن الإنسان لمّا يتوهم أنه مغلوب على أمره، أو أنه لا يستحق أن يكون حرا يخضع بصورة تلقائية لمن غلبه بهذه الأكذوبة.</p>
<p>من هنا كانت معجزة هذا العصر هي القرآن، القرآن بما يملكه من قوة خارقة في تحرير الإنسان من عبودية الشهوات التي تـثقله إلى التراب، وتملي عليه تقديس الحياة الفانية، وتخضعه لمن يهدده بالقتل والتشريد فيها. القرآن بما يملكه من سلطان رباني على النفوس يجعلها تبصر حقيقة أنه لا إله إلا الله الواحد القهار حركة حية أبدية في الكون وفي التاريخ، وأن كل استكبار من دونها هو محض افتراء وهراء. القرآن بما له من خاصية التحويل الوجداني العميق لمسار الإنسان؛ من جِرْمٍ جزئي ضئيل يدور في فَلَكٍ قصير من متاع الدنيا الشهواني؛ إلى كائن كوني كبير يدور في فَلَكِ الملكوت الرباني الفسيح، في سيره العظيم إلى الله.. حيث يرى بعين القرآن واستعلاء الإيمان كيف أن كيد الشيطان كان ضعيفا حقَّ ضعيف، وكيف أن المعركةَ كونيةٌ، يقودها الله رب العالمين.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong> &gt; د. فــريــد الأنـصـاري رحمه الله تعالى</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>(1) قوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(ق:18) هو من العام الذي أريد به الخصوص، إذ عُلِمَ في الدين أن القول غير المبني على قصد لا يدخل في دائرة المحصي على ابن آدم، ولذلك فالقول المقصود هنا هو الكلام المفيد قصداً ومعنىً.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2011/01/%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%80%d8%b9%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>الإخلاص بوصلة الطريق..!</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/02/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5-%d8%a8%d9%88%d8%b5%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d9%82/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/02/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5-%d8%a8%d9%88%d8%b5%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d9%82/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 01 Feb 2010 11:21:39 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.فريد الأنصاري]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 333]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الإخلاص]]></category>
		<category><![CDATA[الطريق]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[بوصلة الطريق]]></category>
		<category><![CDATA[جيل القرآن]]></category>
		<category><![CDATA[د. فريد الأنصاري]]></category>
		<category><![CDATA[ربيع القرآن]]></category>
		<category><![CDATA[كلمات الله]]></category>
		<category><![CDATA[مدرسة القرآن الكريم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=17070</guid>
		<description><![CDATA[بسم الله الرحمن الرحيم ألاَ ما أخفى مسارب الشيطان إلى النفس، وما أشقاها! ألا ما أشدها التواءً وما أدهاها! وإن شئت فقل: ألا ما أظهرها وأبينها لمن يراها! وما أضعفها عند من كان لله عبداً، وما أوهاها! وإن حصون الدعوة الإسلامية في الأمة، لهي أول ما يقصده الشيطان بالإغارة والحصار..! وإن قوافل الدعاة وصفوف العاملين [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>بسم الله الرحمن الرحيم</p>
<p>ألاَ ما أخفى مسارب الشيطان إلى النفس، وما أشقاها! ألا ما أشدها التواءً وما أدهاها!</p>
<p>وإن شئت فقل: ألا ما أظهرها وأبينها لمن يراها! وما أضعفها عند من كان لله عبداً، وما أوهاها!</p>
<p>وإن حصون الدعوة الإسلامية في الأمة، لهي أول ما يقصده الشيطان بالإغارة والحصار..! وإن قوافل الدعاة وصفوف العاملين للإسلام، لهي أول ما يرميه إبليس بفتن التشتيت والتفتيت، وعواصف التشريد والتبديد! وإن قطار الصحوة الإسلامية لهو أول ما يرومه اللعين بتضليل الاتجاه، وتحريف المسار..!</p>
<p>وإن مسلما ابتلي بشيء من هذا العمل الإسلامي، لا يجعل هذه الحقيقة الكبرى نصب عينيه؛ لهو مهدد بالخسران المبين والعياذ بالله!</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>أيها الشباب المكابد لحقائق القرآن!</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>أيها الجيل المستسقي من ربيع القرآن!</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>يا أبناء مدرسة القرآن الكريم!</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>يا حُمَّالَ كلمات الله!</strong></span></p>
<p>أيها السائرون على أثر قافلة الأنبياء! تضربون في زمن الظلام، رجاء إيصال بصيص من نور إلى المستضعفين الحائرين!</p>
<p>ألاَ وإنها لنعمة كبرى -أيها الأحباب!- أن يكون المسلم منخرطا في مدرسة القرآن، يتتلمذ على عين الله، يتلقى رسالات القرآن، ويتزكى بكلمات الله!</p>
<p>لكن مدرسة القرآن -أيها الأحبة!- لها شرط إلهي عظيم، به تُنَاطُ كل طلبات الانتساب، ورغبات الانخراط.. وإنما الله -جل جلاله- هو وحده الذي يقضي فيها؛ فيقبل ما يشاء ويرد ما يشاء! هو وحده رب المدرسة، وهو صاحب الأمر فيها. وإن ذلك الشرط القرآني العظيم مسطور في كتاب الله، موضح ببلاغه المبين لجميع الراغبين.. ذلك هو: التحقق بمنـزلة الإخلاص!</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>يا جيل القرآن المجيد!</strong></span></p>
<p>لقد أتى علينا حين من الدهر في خضم العمل الإسلامي، نجري ونلهث، ولكن بلا جدوى!</p>
<p>لقد كنا نسلخ من الأعمار السنوات تلو السنوات، ثم ننظر إلى آثار السير تحت أقدامنا؛ فنجد أنفسنا ما نزال لم نبرح مواقعنا الأولى.. تلك المواقع التي انطلقنا منها قبل أن نشيب! بل لقد وجدنا الأرض تغوص تحت أقدامنا! ووجدنا حصوننا الأولى تساقط أركانها الواحد تلو الآخر.. وكانت الصدمة شديدة؛ عندما تساءلنا عن أربعين عاما أمضتها الحركة الإسلامية في التبشير بشعاراتها؛ فوجدنا أنفسنا قد تأخرنا -بدل أن نتقدم- أربعين خريفا من الزمان! وأدركنا أن شيئا ما في محرك السيارة ليس على ما يرام! والخطر الأكبر أن المحرك كان مشتغلا يملأ الفضاء بالضجيج والعجيج! وأمعنا النظر إلى العجلات، فوجدنا أنها كانت فعلا تسير، ولكن إلى وراء..!</p>
<p>ووجدنا أنفسنا نتلقى الصفعات تلو الصفعات.. ولكننا لا ننتبه إلى رسالاتها ولا نفهم إشاراتها!</p>
<p>والقليل منا من عاد إلى &#8220;كطالوج&#8221; العمل الإسلامي، وبوصلته الدقيقة؛ قصد المراجعة: القرآن المجيد! لقد كان الشيطان -كلما تساءلنا: أين الخلل؟- يبادرنا بإلقاء أسباب منطقية كاذبة -ومن المنطق ما هو كاذب- تعمية عن جواب القرآن الواضح المبين!.. وكنا -مع الأسف الشديد- نصدق الشيطان! لأننا كنا ننسى ونغفل عن وجود شيء اسمه &#8220;الشيطان&#8221;! ولا نكاد نتذكر وجوده إلا عندما نقرأ بعض آيات من القرآن! وما لنا وللشيطان؟ إنه بعيد عنا.. إنه هناك في أعالي البحار النائية! ونحن هنا نشتغل في دعوة الإسلام! فلا يخطر بالبال أنه هو يدير معركة الشر من هناك، ويقود جنده في أوساطنا، بل في أعماق أنفسنا! ولقد انتصبت راية التحذير من هذا الشر الْمُبِيرن في القرآن: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ!}(فاطر: 6)</p>
<p>وننسى أن قرناء السوء من شياطين الجن يعملون لحساب إبليس في كل مكان! وأنهم يلابسون الأنفس ويخالطونها، يزينون لها الشهوات والشبهات! وننسى وننسى! ولا نتذكر إلا قليلاً!.. أم أن الشيطان غير موجود؟ أم أن القرين وهم؟ هل نحن في حاجة إذن إلى إعادة بناء أصول الإيمان في أنفسنا، وتعلم أبجديات الدين من جديد؟ كلا، كلا! نحن مسلمون مؤمنون، ولكن شدة الغفلة تكاد تخلط أحوالنا بأحوال غير المؤمنين والعياذ بالله! وكفى بذلك علامة كبرى على انحراف السير..!</p>
<p>ثم قرأت القرآن، فوجدت أن دعوة الإسلام دين! دينٌ يُعْبَدُ به الله الواحد القهار، وليست شيئا آخر! ما هي بانتماءات ولا شعارات، ولا أحزاب، ولا ألقاب! إنها دعوة للناس كل الناس، دعوة للتعرف إلى الله، وإلى رعاية حقوق الله قبل حقوق الإنسان!</p>
<p>وإن الدين لا يسمى &#8220;دينا&#8221; -على الحقيقة- إلا إذا كان عبادة لله رب العالمين! وإن العبادة لا تكون كذلك إلا إذا كانت خالصة لله!</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>وهنا وجدت جواب القرآن: الإخلاص!</strong></span></p>
<p>وجدت جواب القرآن سيفا صارما يفصل ما بين الحقيقة والتمثال! وأبصرت هذا الفرقان العظيم: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ!}(الزمر: 2- 3) وكذلك: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ!}(الزمر: 11) ومثله قوله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ!}(البينة: 5) ومثل هذا وذاك من الفرقان كثير!</p>
<p>نعم هكذا هو الأمر إذن: (أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ!) وما ليس بخالص فليس له! وإنما هو لمن توجه إليه به صاحبه!.. ومعنى الخالص: النظيف الصافي على أكمل ما يكون الصفاء! كاللبن الصافي إذا لم يخلطه شيء ولو نقطة! كان لبنا خالصا، فإن وقع فيه شيء، ولو مقدار ذرة؛ فَقَدَ معنى كونه خالصاً!</p>
<p>ثم راجعت ما سلخت من عمري فشعرت بمقارض الحسرة والندم تمزق كبدي! فواأسفاه! واأسفاه!</p>
<p>وأبصرت أن قطار العمل الإسلامي كان يسير بنا مائلا منذ زمان.. حتى انحرفت عجلاته أخيراً عن سواء الطريق!..</p>
<p>وأبصرت أننا كنا نقدم دعوتنا وحركتنا ونضالنا، لا لله، ولكن لأنفسنا! لقد كنا نلبي نرجسية ذواتنا في التلميع والتسميع! وبهرتنا شهوة الميكروفون، والصور البطولية الكبيرة! ومضينا في طريقنا نستعرض عضلاتنا تحت شعار العمل الإسلامي، والمشروع الإسلامي! ودبجنا قاموسا من المصطلحات &#8220;النضالية&#8221; و&#8221;الحركية&#8221;، التي ضخمها الشيطان في قلوبنا، واستهوتها النفس المغرورة! وأنشأنا &#8220;علم كلام الحركي&#8221;، كلاماً نضيع به أعمارنا وأعمار الشباب!.. وبدل أن نجعل أنفسنا خادمة للدين؛ جعلنا الدين خادما لأنفسنا! نشاهد فيه انتصاراتنا نحن لا انتصارات الإسلام! وما أعظم الفرق بين شَفَقٍ مُشْرِقٍ وشَفَقٍ غَارِبٍ! ولكنهما يتداخلان ويختلطان على من ضل عنه تحديد بوصلة الزمن!</p>
<p>وأدركنا أننا قد ملأنا عقول أجيال من الشباب بفقاعات &#8220;الكلام&#8221;، وما أسسنا في قلوبهم ولا لبنة واحدة من حقائق القرآن! فتخرج طابور كبير من المتكلمين! وبقيت ساحة الدعوة الإسلامية خالية من العاملين!</p>
<p>لقد كان الصف الإسلامي -وما يزال- ينظر إلى قامته الطويلة العريضة، فيعجب بظله العالي العريض! وينسى أن الله وحده هو الذي يمد الظل ويقبضه! ويستمتع المتكلم منا في الجماهير، بحرارة التصفيق الملتهب بين يديه! وينتشي بتفوقه وبطولته! ثم ينصت جيداً إلى أنغام المديح والشعارات، ويطرب طرباً! فتتضخم في نفسه &#8220;أناه&#8221; الشخصانية والحزبية، أو الجماعية! ثم يلتفت ليرى أثر قدمه في الساحة، وصيت جماعته الكبير، فينتشي ويتلذذ بأناه.. ألاَ ما أشقاه!</p>
<p>ويسب آخرون الظلام بقوة، ويلعنون الطاغوت والطغيان! فينصتون إلى آثار تصريحاتهم على جمهور العوام، حتى إذا سكروا من تلقي كلمات الإعجاب، ومشاعر الانبهار؛ انتفخ الشيطان في نفوسهم فانتفخت عضلاتهم! ثم خرجوا يستعرضون ذواتهم على الناس! وهذا رسول الله سيد ولد آدم \ يفتح الله له مكة، عاصمة الطاغوت الأكبر يومئذ، فيدخلها مطأطئ الرأس فوق ناقته، ساجد القلب؛ تواضعا لله الواحد القهار! كما تذكر كتب السيرة. قال ابن إسحاق في روايته عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، في فتح مكة: (وإن رسول الله  ليضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عُثْنُونَهُ (يعنى طرف لحيته) ليكاد يمس واسطةَ الرَّحْلِ!)(1) لشدة انحنائه فوق ناقته عليه الصلاة والسلام!</p>
<p>إن العمل الإسلامي الخالص لا يمجد الرموز والقيادات، التي تتحول في قلوب الأتباع إلى أوثان معنوية! وإنما يمجد الله الواحد القهار..! وإن المؤمن ليرى ببصيرته النافذة أن الشأن الدعوي، إنما يدبره الله وحده من فوق سبع سماوات، وما العاملون في صف الإسلام إلا عبيد وجنود..! فمن جَرَّدَ قَصْدَهُ لله تولاه الله، ومن خَلَطَ رَدَّ الله عليه عملَه، وفضحه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد والعياذ بالله!</p>
<p>ويكفي المؤمنَ الكَيِّسَ الفَطِنَ -وإنما المؤمنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ- أن يقرأ حديث: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى! فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ!)(2)؛ يكفيه هذا ليمتلئ خوفا وإشفاقا أن تتلوث أعماله الدينية والدعوية بشيء غير قصد الله!</p>
<p>أما حديث حساب المقاصد يوم القيامة، فله قصة أخرى، لا تكاد تطيقها النفس رَهَباً! فعن أبي هريرة ] قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: &gt;إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ! قَالَ: كَذَبْتَ! وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ؛ فَقَدْ قِيلَ! ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ! وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ! وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ! ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ! وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ! وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ! ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ!&lt;(3).</p>
<p>ومن ذا منا يمحص قلبه تمحيصا على ميزان جوابه  لمن سأله : (الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ! فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ!)(4)</p>
<p>ومن منا يصفي أعمالَه وأقوالَه بمصفاة رسول الله  إذ قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ!)(5) ألا ما أشد استسهالنا لمثل هذه النصوص الشديدة! ألا ما أشد استهتارنا بمصيرنا الأخروي!</p>
<p>ولقد رأيت يقينا في كتاب الله، أن الطائفة المحرومة من ولاية الله وسنده العالي لا تصل أبداً! ورأيت يقينا أنه لا سبيل إلى التحقق بولايته تعالى إلا بالإخلاص! (أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ!).. (أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ!)</p>
<p>إنه لا بد قبل أي خطوة &#8211; في طريق الدين والدعوة &#8211; من تمحيص هذا المعنى العظيم في القلب! لا بد من تحقيقٍ دقيق مع الذات، ومحاسبة للنفس صارمة! لا بد من استبطان السؤال: لماذا أفعل ما أفعل؟ ولمن؟ إن المجازفة بالهروب من تمحيص الجواب وتدقيقه، والفرار من تشريح النفس بمبضعه؛ لهو تعريض للعمر كله إلى الدمار والخسار..! ولهو مقامرة بالمصير الأخروي لصاحبه! وأي ندم ينفعه يوم القيامة إذا نُشِرَتْ الصحف، وانكشفت الحقائق على وجهها؟</p>
<p>أما المخلصون في دينهم ودعوتهم، فإنما هم الربانيون الفقراء إلى الله، المتذللون بين يديه تعالى، الذين يتبرؤون من كل أنانية تنظيمية، ومن كل حول حزبي، ومن كل قوة طائفية، أذلة على المؤمنين كل المؤمنين! ولسان حالهم يردد في كل خطوة يخطونها: (أن لا حول ولا قوة إلا بالله!).. وإنني لا أجد أَجَلَّ من وصف الله تعالى لهم في كتابه الحكيم، إذ قال سبحانه: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ!}(المؤمنون: 60).</p>
<p>إن الإخلاص هو الدين، وإن الإخلاص هو الدعوة! وما فقدَ عبدٌ الإخلاص فيهما إلا فقدَ الدين والدعوة جميعاً!</p>
<p>إن الإخلاص أحبتي لا يتحقق لمؤمن إلا إذا كان عبداً أخروياً! ولا يكون المؤمن الحق إلا عبداً أخرويا! وما أشد هذا السؤال الإنكاري الرهيب الرعيب! إذ يطرق جدران القلوب بكلمات الله: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ!}(التوبة: 38) وينتصب البيان الرباني بقوة، يرفع راية النذارة للعالمين: {اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ!}(الحديد: 20).</p>
<p>أم أن هناك عقيدة أخرى غير هذه؟ فما بالنا إذن نتردد ونتلجلج؟ ما بالنا نبحث لأهوائنا عن مسالك غير سالكة؟ ونرضى بالسير في مَحَالِكِ الظلام! كيف؟ وهذا نور الفرقان يتدفق في الآفاق!</p>
<p>إن العاملين المخلصين لا يتحدثون عن أنفسهم، ولا عن أحزابهم وجماعاتهم، ولا يمجدون ألقابهم ولا أنصابهم! وإنما يتحدثون عن دين الله، ويمجدون كتاب الله! عابدون لله في مساجدهم، عابدون لله في سلوكهم، عابدون لله في دعوتهم، عابدون لله في خطاباتهم، عابدون لله في وظائفهم، عابدون لله في معاشهم جميعاً! ما حَلُّوا بمكان إلا اتخذوه محراباً!</p>
<p>إنما المخلصون هم الذين يحضرون في المغارم ويغيبون عند المغانم!.. ولا يتزاحمون -باسم العمل الإسلامي- على المكاسب والمراتب والرواتب! إنهم يعطون ولا يأخذون، وينفقون ولا يُغَرِّمُونَ!.. {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ!}(الأنعام: 90)</p>
<p>ولقد شاهدت يقينا أن لا طريق إلى الله إلا طريق الإخلاص! وأن ليس لشهادة: &#8220;أن لا إله إلا الله&#8221; -لتي هي عنوان الإسلام- من معنى غير الإخلاص!</p>
<p>وشاهدت يقينا أن كل ما وقع في شَرَكِ &#8220;أنا&#8221; و&#8221;نحن&#8221;؛ فَقَدَ حقيقة الإخلاص! وإنَّ طائفةً ارتفعت عنها يد الله ورعايته ما كان لها أن تصل، ولا أن تفوز أبداً!</p>
<p>ولقد رأيت كلمات القرآن الثقيلة، ترتفع فوق قلوبنا المغرورة، منذرة بعاصفة الآخرة الكبرى! العاصفة الكاشفة الناسفة! {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا!}(الفرقان: 23)</p>
<p>فيا قلبي العليل!.. إخلاصَك إخلاصَك! قبل فوات الأوان! إخلاصَك في كل كلمة، إخلاصَك في كل خطوة، إخلاصَك في كل حركة، إخلاصَك في كل سَكَنَةٍ، إخلاصَك في كل فكرة، إخلاصَك في كل خَطْرَةٍ! فالإخلاص هو صمام أمانك، وهو بوصلة سيرك، وميزان عملك، وضمان وصولك! وإنك إن تَعِشْ لحظةً واحدة بغير إخلاص؛ تكن قد وضعت مصيرك على فوهة مدفع الشيطان! فالنجاءَ النجاءَ، والبدارَ البدارَ، والفرارَ والفرارَ إلى الاحتماء بحصن الإخلاص قبل فوات الأوان!</p>
<p>وتسألني يا صاح: كيف السبيل إلى التحقق بالإخلاص؟.. وليس لي إلا أن أجيبك بكلمتين: الإخلاص قَرَارٌ ومُكَابَدَةٌ! أو قل: عزيمةٌ ومجاهَدةٌ! وإنما هذا قَبَسٌ ساطعٌ من نور القرآن، إنه من تجليات قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(البقرة: 218). فكما ترى هذه مراتب ثلاث: الإيمان، والهجرة، والجهاد. فالإيمان أساس لا يصح عمل بدونه. لكن الإيمان لا يرتقي إلى مقام الإخلاص، والولاء الكامل لله إلا بالهجرة! فالهجرة هي القضية! وهي التي تحتاج إلى ذلك القرار وإلى تلك العزيمة!</p>
<p>نعم! إن الهجرة الحسية باعتبارها ضرباً في الأرض واغتراباً، لا يمكن أن تقع إلا بعد تفكير وتقدير، وطول تدبير! وذلك معنى العزم أو القرار. وكذلك هجرة الروح إلى منـزلة الإخلاص! لا بد فيها من قرار مكين متين، تتخذه النفس في خاصة أمرها، وتوثق عليه عهدها مع الله! وإلا فإن كبار القضايا لا تنال بالتمني!</p>
<p>حتى إذا انطلقت النفس في تصفية بواطنها، وتخليص رغائبها ومقاصدها، فَوَحَّدَتْ قِبْلَتَهَا قَصْداً واحداً، لا تخالطه الأغيار ولا تكدره الأكدار، فكان الله -جل جلاله- وحده هو مرادها، لا ترى لها مقصودا سواه، ولا تأذن للسانها بأي كلمة أو خطوة في الدين والدعوة، إلا إذا كانت خالصة لله؛ فإنها حينئذ تصبح في حاجة شديدة إلى الجهاد..! جهاد تقاتل فيه غارات الشيطان المتغيظ من اعتصامها بإخلاصها العظيم! ولا يجد الشيطان راحته حتى يكون له من عمل ابن آم حَظٌّ ونصيب! لكن المجاهد منصور بإذن الله! {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}(الصافات: 173).</p>
<p>ولا يزال عبد الله المخلص في مجاهدة خواطر التحريف والتضليل في نفسه حتى يلقى الله! وبذلك يتلقى المؤمن الخالص فرقان السير إلى الله، في دينه ودعوته، ويُرْزَقُ بوصلة الاتجاه! {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(الأنفال: 29).</p>
<p>تلك إذن هي طريق الإخلاص، وذلك هو مسلكه الفريد. قرارٌ ومجاهدة، فاتخذ يا صاح قرارك، وجهز سلاحك، والله معك!</p>
<p><strong>فيا إلهي الرحيم..!</strong></p>
<p>هذا قلبي الضعيف بين إصبعيك، تُقَلِّبُهُ كما أنت تشاء! ترى ظاهره وباطنه، وتعلم خافيه وجاهره، وتعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور..! فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك! اللهم احفظني بكلمة الإخلاص، واعصمني بحصن الإخلاص، واهدني بنور الإخلاص!</p>
<p>اللهم إني أعوذ بك من عُجْبِ نفسي وهواها، وأعوذ بك من طغيانها وطغواها، وأسألك النجاة من شرها وزيغ رؤاها! اللهم إني أعوذ بك أن ينبت فيها حظ لها، أو لأي أحد سواك! اللهم اجعل عملي خالصا لك وحدك، لا شريك لك! لا تسميع ولا تلميع! ولا تنميق ولا تزويق! اللهم إنما أنا عَبْدٌ، لا حول ولا قوة لي إلا بك؛ فأكرمني بولايتك، واجعلني من أهلك وخاصتك، وأدخلني في رحمتك، مع عبادك المخلَصين!</p>
<p>وصل اللهم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.</p>
<p>سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. فريد الأنصاري</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8211;</p>
<p>(1) سيرة ابن هشام: 2-405، والسيرة النبوية لابن كثير: 3-555. لكن سند الحديث غير متصل. وفي رواية للحاكم عن أنس &#8211; رضي الله عنه &#8211; قال: (دخل رسول الله &#8211; صلى الله عليه وسلم &#8211; مكةَ يومَ الفتحِ، وذَقْنُهُ على رَحْلِهِ متخشعاً!) قال الحاكم: +هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه؛. وأخرجه البيهقي أيضا في دلائل النبوة.</p>
<p>(2) رواه البخاري.</p>
<p>(3) رواه مسلم.</p>
<p>(4) متفق عليه.</p>
<p>(5) رواه النسائي، وأبو داود. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وفي صحيح الترغيب.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/02/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5-%d8%a8%d9%88%d8%b5%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
