<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; سورة</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الأعلى</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2012/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d9%84%d9%89/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2012/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d9%84%d9%89/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 27 Sep 2012 09:14:19 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 278]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الأعلى]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6392</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الأعلى د. الشاهد البوشيخي سورة الأعلى من السور الأثيرة عند رسول الله . فقد كان -كما تعلمون- يقرأها في الجمعة والعيدين لما فيها من توجيهات مركزة. وهي في جسمها غير قابلة -تقريبا- للتبعيض والتجزيء، لأن بعضها آخذ برقاب بعض لاكتنازها وكثافة الهدى النازل فيها فهي كالقطعة الواحدة. وقد صيغت [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الأعلى</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>سورة الأعلى من السور الأثيرة عند رسول الله . فقد كان -كما تعلمون- يقرأها في الجمعة والعيدين لما فيها من توجيهات مركزة.</p>
<p>وهي في جسمها غير قابلة -تقريبا- للتبعيض والتجزيء، لأن بعضها آخذ برقاب بعض لاكتنازها وكثافة الهدى النازل فيها فهي كالقطعة الواحدة.</p>
<p>وقد صيغت صياغة شبيهة بسورة العلق.</p>
<p>وإن كان يمكن تمييز مقطعين كبيرين لها، مؤسسين على أمرين كبيرين  أيضا :</p>
<p>-  أمر التسبيح وموجباته ونتائجه.</p>
<p>- وأمر التذكير ونتائجه وقوانينه، والإعراض عنه.</p>
<p>أما النقط الكبرى التي يدور حولها الهدى المنهاجي فيها، فهي خمس :</p>
<p>الهدى الأول : رأس العلم العلم بالركنين : ركن العلم بالله تعالى، وركن العلم بالآخرة</p>
<p>أما الركن الأول : فواضح في أولها وممتد إلى آخرها، ولكنه في أولها أظهر.</p>
<p>وأما الركن الثاني فإليه إشارة خفيفة في أولها عرضا، ثم يظهر بوضوح في آخر السورة.</p>
<p>ومن العلم بالله تعالى المذكور في هذه السورة القصيرة الغنية أن تعلم :</p>
<p>&gt; أولا : أنه ربك ورب كل شيء بمعنى أن هذه السورة ذكرت عدداً مما يجب أن يعلمه عبد الله ممثلا في صورة رسول الله  عن ربه عز وجل ولكن الخطاب يتجه إلى كل مؤمن ومؤمنة من بعده حتى تقوم الساعة، ولا سيما أولئك الذين يتبعون ما أنزل عليه حق الاتباع {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته، أولئك يومنون به}(البقرة : 121) فأكثر المومنين اتباعا لرسول الله  أحقهم وأجدرهم بأن يعلم هذا العلم الذي يجب لرسول الله  عن ربه.</p>
<p>فأول ذلك أنه &#8220;ربك&#8221; ورب كل شيء {سبِّح اسم ربّك} هذا الأصل -كما سبق- نجده في هذه السور الأولى : وجدناه في {اقرأ باسم ربّك} وقد مر الكلام عن هذه السورة، ووجدناه في سورة القلم {ما أنت بنعمة ربّك بمجنون} ووجدناه بعد ذلك في السور الأخرى : في المزمل {واذكر اسم ربّك} وفي المدثر  {وربّك فكبِّر} وهكذا.</p>
<p>هذه السور كلها خطاب مركز لرسول الله  تبني عنده الرؤية بلغة اليوم، تبني عنده التصور الذي ينبغي أن يستقر في قلب المسلم، وأن يحكم حياته، وتبني عنده المنهاج أيضا.</p>
<p>فهذه النقطة : أنه ربه، وأنه ربك، وأنه ربنا ورب كل شيء، هذه الحقيقة، هذا العلم لابد أن يستقر في قلب العبد.</p>
<p>والربوبية كما سبق تتجلى في عدد من الأمور خلاصتها : أن الله عز وجل منه كل شيء، أن ربنا منه كل شيء، وبيده كل شيء، ويدبر أمر كل شيء، وإليه يرجع كل شيء، وهكذا، استمرّ على هذا، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا به. سبق يوما أن عبرت ولخصت هذه الكلمة في &#8220;مُولْ الشِّي&#8221; ربنا رب العالمين ورب الملك، هو &#8220;مُول الشِّي&#8221; بالدارجة، لا شريك له في شيء &#8220;مول الشّي اللِّي بيدُّو كُلْ شِي، كَيْمَشِّي كُلْ شِي&#8221; لِيهْ راجَعْ كلْ شي.. إلخ</p>
<p>لابد أن تستقر هذه الحقيقة في قلب المؤمن. ولاسيما المؤمن الذي يتبع رسول الله  في حمل الأمانة من بعده، وكل مؤمن تابع لرسول الله  هو كذلك.</p>
<p>لأن هذه الأمة، أمة الشهادة على الناس، فلا نبي بعد رسول الله ، وكل مؤمن من هذه الأمة هو حامل وشاهد وشهيد : هو من الشهداء على الناس بالقسط إن تأهل لذلك، إن صلح وأصلح كما تقدم ذلك في بيان المزمل والمدثر.</p>
<p>&gt; ثانيا : أنه الأعلى مطلقا : اسم التفضيل في الأحوال العادية في اللغة العربية لابد أن يذكر بعده المفضل عليه : أفضل من كذا، أكبر من كذا، أحسن من كذا، إلى آخره.</p>
<p>لكن بالنسبة لله تعالى جل وعلا كما يقولون اسم التفضيل ليس على بابه فهو على اطلاقه، فلا حديث عن أعلى ممن؟ أو ممه؟ بل، هو الأعلى مطلقا. هذه الحقيقة ينبغي أن تستقر في قلب العبد أيضا فلا شيء يساوي الله جلّ جلاله، ولا شيء يداني الله جلّ جلاله؛ وعلى قدر قرب العبد منه في سجوده يكون شعوره بعلوه لديه.</p>
<p>هاهنا نقطة لابد أن نلتفت إليها : رسول الله  يقول لنا : &gt;أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء&lt;(رواه مسلم)، والسجود هو حالة الخضوع الكامل، فلا نجد في أعمال الصلاة ما فيه الخضوع أكثر من السجود. الركوع أقل من السجود، والقيام أقل من الركوع، والصورة التي يظهر فيها خضوع العبد لربه على أقصى ما يكون هي صورة السجود، والجبهة التي هي مكان الشموخ في الإنسان، والأنف الذي هو مكان الأنفة، كل ذلك ينبغي أن ينزل إلى التراب، ويلامس التراب، ويخضع للمولى جل وعلا، هذه الصورة من الخضوع ومن الذلة.</p>
<p>هذه الصورة كلها تعبر عن حالة كون العبد أكثر قربا، وبذلك النزول الكبير يكون الرب عاليا جدا، لأن الله جل وعلا هو الأعلى.</p>
<p>وقد شرع لنا رسول الله  أن نسبح بهذا التسبيح في السجود &gt;سبحان ربي الأعلى&lt; نحن في حال الانخفاض الشديد نستحضر عُلُوّ الله الشديد، الذي لا نهاية له، وعلى قدر استحضار العبد علو الله، يكون علو هذا العبد في القرب من الله، ويكون ارتقاؤه إلى الله جل جلاله. ولما كان القرب قربا من الأعلى كان الخضوع له والنزول ارتفاعاً.</p>
<p>فعلى قدر هذا الخضوع وهذا الانخفاض يكون الارتفاع هذه حقيقة أيضا لابد أن يحس العبد المؤمن به.</p>
<p>وإذا استقرت هذه الحقيقة في القلب، انخفض كل شيء، ما بقي ارتفاع لشيء، لا في الكائنات المادية، ولا للكائنات الحية، ولا للكائنات البشرية، كل شيء منخفض ويبقى  الله جل جلاه هو الأعلى.</p>
<p>هذا المعنى إذا استقر في نفس العبد كان مما يُكَوِّن معنى الأكبرية -كما سبق في المدثر- {وربك فكبّر} ومما يكوِّن معنى الشعور بأنه جلّ جلاله الأعلى كما هنا.</p>
<p>&gt; ثالثا : أنه الذي خلق كل شيء {سبح اسم ربّك الأعلى الذي خلق}.</p>
<p>لقد قلت  إن صياغة هذه السورة تشبه صياغة سورة العلق.</p>
<p>وذلك لأن الأفعال فيها، تكاد تكون كلها مطلقة، أي لا توجد لها مفاعيل، وسبق أن قلت إذا لم يذكر مفعول الفعل فمعناه أن النص على الفعل نفسه، لا على ما يقع عليه، ومن ثم فكل ما يقع عليه الفعل هو داخل في الكلام.</p>
<p>فحين تقول {الذي خلق} لا داعي لأن تقول خلق الإنسان، خلق الحيوان، خلق النبات، خلق الأشجار.. خلق الأطيار، خلق الجبال، خلق البحار، خلق الشمس، هذا كله داخل، ما نعلمه وما لا نعلمه، كل مخلوق داخل ضمن الفعل {الذي خلق} فالخلْقُ أصلا له، صَدق على ما صَدَق، وعلى من صدق، فالخلق كله له جل جلاله.</p>
<p>فإذن : {الذي خلق} هو الذي خلق كل شيء سبحانه من الذرة إلى المجرة. من أصْغر شيء إلى أكبر شيء، من الفوتون -كما يقول الفيزيائيون- إلى الكون.</p>
<p>هذا الفوتون الذي هو ثلث الإلكترون الذي هو جزء من الذرة هذه الأشياء الدقيقة هي مما نعلمه الآن، ولكن ما لا نعلم لا حد له، ما لا نعلمه لا نهائي الوجود، فالشعور واليقين بأن الله جل جلاله خلق كل شيء،  مما يجب أن يستقر في قلب العبد.</p>
<p>&gt; رابعا: هو الذي سَوَّى خِلْقَة كل شيء سبحانه : {خلق فسوّى} سوَّى الخِلْقَة، الخلقة هي الكيفية التي خلقت عليها الأشياء فكل حيوان له خِلْقَة، كل أنواع الحيوان بل كل فرد من أفراد الحيوان، وكل فرد من أفراد النبات، وكل فرد من أفراد الإنسان، وكل فرد من أفراد الكائنات له تميز إذ خَلْقُ الله خلاف صُنْع البشر، صنع البشر يكون على نمط واحد، الكأس التي خرجت من المصنع تشبه بقية الكؤوس التي خرجت على منوالها، لكن نحن جميعا بشر، خرجنا وخلقنا خلقا سويا لكن لا أحد يشبه الآخر، لا أحد، لا أحد!!</p>
<p>ما أعظم الله!!</p>
<p>كيف؟</p>
<p>كم من ملايير البشر؟ كم  من ملايير الحيوانات؟ من الأسماك.. من الكائنات.</p>
<p>سبحانه،  سبحانه، سبحانه..</p>
<p>لا يستطيع الإنسان أن يتصور هذه القدرة هذه العظمة لا يملك الإنسان  إلا أن يقف مشدوها مدهوشا حائراً أمام عظمة الله سبحانه وتعالى.</p>
<p>&#8220;البنان&#8221; الآن آية من آيات الله سبحانه في خصوصية كل فرد في زماننا هذا، أصبح العلماء يستعملون البصمة للتأكد من هوية الأفراد لأنها خاصة في كل فرد، وفي بعض الدول يستعملون البصمة في تسجيل الشروع في العمل، فعندما يكون العامل داخلا يضع أصبعه في الماسوح -أُسَمِّيه ماسوح Scanner-  فيلتقط الصورة  قال الله تعالى {بلى قادرين على أن نسوّي بنانه}(القيامة : 4).</p>
<p>كم من أنواع هذا البنان خلق الله؟ كل بشر له بنانه الخاص إلى الحد الذي عندما كشف الإنسان هذا بدل أن يضع كثيرا من الضوابط، اقتصر على هذا الضابط.وكذلك بصمة العين الآن، لأنهم اكشتفوا أيضا خصوصية في العين وربما الأيام ستكشف عن أن لكل شيء خصوصيته، في الفرد تدل على عظمة الله في الخلق والتسوية.</p>
<p>هذا الذي سَوَّى  سوَّى هذه الخلقة على أساس أن هذا الكائن، وفق كيفية معينة لوظيفة معينة {ربّنا ما خلقت هذا باطلا سُبحانك}(آل عمران : 191)ما خُلِق خلْقٌ عبثا!! أي إن كل مخلوق خلق لغرض، خلق لهدف، خلق لوظيفة محددة عند الله سبحانه وتعالى، عرفناها أم لم نعرفها، اهتدينا إليها أم لم نهتد إليها، هي موجودة وكائنة وقائمة.. فيما نعلم وفيما لا نعلم.. من مختلف الكائنات،  كل كائن إنما خلقه الله عز وجل لهدف، خلقه لوظيفة وتلك الوظيفة أساسية عند الله سبحانه وتعالى في مجموع الكون، في توازنه العام، سبحانه سوَّى كل شيء {ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور}(الملك : 3).</p>
<p>&gt; خامسا : أنه الذي قدر كل شيء سبحانه : لا نملك إلا التسبيح له كما قال عز وجل : {سبِّح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى} كلٌّ من هذه الأفعال يستوجب التسبيح،  سبحان من فعل هذا.. إنه قدر كل شيء سبحانه، محدداً الكم والكيف بالنسبة لكل ما كان وما هو كائن وما سيكون بالنسبة لكل كائن  جميع الكائنات في حاضرها، في مستقبلها، وعلى أي صورة..  كل شيء عند الله مقدر، فقد أعد الخلق إعداداً وتسوية، حسب الهدف، وحدد كل الأمور ثم هدى ، حدد الأشياء كلها، حدد المقادير كلها قدرها تقديرا  في جميع الأمور.</p>
<p>هذه حقيقة أيضا يجب أن تستقر في قلب العبد.</p>
<p>&gt; سادسا : أنه الذي هدى : هدى أي شيء  سبحانه، جميع الكائنات مهدية إلى ماخُلقت له.</p>
<p>مهدية بمهْ؟</p>
<p>إما بالتسخير.</p>
<p>وإما بالتيسير، هدى أي شيء سبحانه مرشدا له بالتسخير أو بالتيسير اضطراراً أو اختياراً إلى ما فيه صلاحه حسب ما قدره واقتضته حكمته.</p>
<p>وهذا الكلام يحتاج إلى كلام.</p>
<p>لأننا إذا تأملنا قليلا الكائنات وجدنا فيها المسخر وغير المسخر، وغير المسخر هو الذي يُسِّرت له الأشياء.</p>
<p>فعلى رأس الكائنات التي يسرت لها الأمور هذا الإنسان. وعبر الله بتيسير الذِّكْر له فقال {ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر}(القمر : 18).</p>
<p>يسر لنا الأمور فعلا، بمعنى وضع الأمارات والنُّصُبَ على الأشياء، ويسر الوصول إليها عن طريق التفكير بما آتانا من أجهزة التلقي، ووسائل الحس أو مركز التحليل الداخلي الذي يقال له اليوم العقل،  سواء بإرشاد الكون أو بإرشاد الوحي، وهو يفهم بهذه الطاقة التي هي العقل أيضا.</p>
<p>أما الكائنات الأخرى فهي مسخرة لما خلقت له، دون أن تفكِّر بل تتجه اتجاها إلى المطلوب، هي كذلك خُلِقَتْ لذلك، وتقوم بذلك {وكُلٌّ في فلَكٍ يسبحون}(يس : 40).</p>
<p>فمن أعد لشغل، فهو قائم به، مهدي إليه في الكون  كله.. من جماد، ونبات، وحيوان.</p>
<p>والإنس والجن هما اللذان حُمِّلاَ الأمانة بالاختيار، فلذلك قلت : مرشدا له بالتسخير أو التيسير اضطراراً أو اختياراً، ونحن فينا القسمان معا :</p>
<p>القسم الاختياري والقسم الاضطراري.</p>
<p>اشتغال معدتنا الآن ونحن جلوس، اشتغال قلبنا واشتغال جهازنا الدموي وغير ذلك من الأجهزة الكثيرة مما فينا لا يستشيرنا، ولا يستأذننا، ولا نتحكم فيه، هو مسخر ويعمل بأمر الله اضطرارا.</p>
<p>وذلك الذي يمثل ما يسمى اليوم بالبنية التحتية في كياننا.</p>
<p>بمعنى أن القسم الاختياري عندنا قليل، إنه فرصة للابتلاء.</p>
<p>ولكن القسم المهم اللازم للحياة وللبقاء، كله رتبه الله جل جلاله وأخرجه من أيدينا نهائيا.</p>
<p>فالتجهيزات الضرورية في الكون، وفي الإنسان نفسه في علاقته بهذا الكون، كلها رتبها ا لله جل جلاله وفرغ منها. فهو &#8220;الذي هدى&#8221;..</p>
<p>&gt; سابعا : أنه الذي أخرج نبات كل شيء سبحانه، قوتا ورزقا ومتاعا للحيوان والإنسان.</p>
<p>الحياة قيامها في الأساس على النبات، لأن النبات منه يقتات الحيوان، والإنسان يقتات من النبات ومن الحيوان.</p>
<p>والأصل هو هذا الماء الذي أنزله الله عز وجل فأخرج به نبَاتَ كُلِّ شيء.</p>
<p>فهو الذي أخرج ما يُرْعَى (المرعى) أخرج ذلك النبات ونماه حتى وصل إلى درجة يصلح فيها أن يُرْعى ليكون قوتا، وليكون رزقا وليكون متاعا أيضا.. {انظرُوا إلى ثمره إذا أثمر ويَنْعِه}(الأنعام : 99) وينْعه أيضا ليس إلى الثمر فقط، فالجمال من المقاصد الكبرى في هذا الكون أيضا.</p>
<p>&gt; ثامنا : أنه الذي أيبس خضرة كل شيء سبحانه.  {فجعله غُثاءً أحوى} هذه الكائنات التي فيها طراوة الحياة وفيها خضرة الحياة  في النبات، وفي غير النبات. كلها ستصير غثاء، ومثل سبحانه بالنبات لننتقل من النبات إلى غير النبات، لنعلم أننا صائرون إلى نهاية مثل النبات. نحن أيضا سنيبس كما ييبس النبات الذي كا ن خَضِرا، سنصير غثاءً -نحن كذلك- أحوى.</p>
<p>والحُوَّة لون داكن يقترب من السواد. ومعنى الحوَّة عند العرب يتجه إلى معنيين. أحيانا ذهبوا به إلى الخضرة، وأحيانا ذهبوا به إلى جهة اليُبُوسة عندما يطول الأمد، ويبلى الكائن، ويصبح لونه يكاد يقترب من التراب. لقد صار {غثاءً أحْوى} ذهب ينعه، ذهب ما كان فيه من جمال.</p>
<p>الذي نقل تلك الكائنات من حال الاخضرار إلى حال اليُبْسِ، حتى صارت غثاء قد اسود من البلى هو الله جل جلاه.</p>
<p>لم ذلك؟ عبرة لأولي الألباب.</p>
<p>&gt; تاسعا : أنه الذي يعلم كل شيء  سبحانه ما جهر وظهر، وما خفي واستتر {إنه يعلم الجهر وما يخفى}.</p>
<p>هذه كما ترون عدة حقائق كلها مما يدخل ضمن العلم بالله جلّ جلاله، لابد أن تستقر في قلب العبد ليستطيع أن ينهض بالحمل الذي نهض به رسول الله .</p>
<p>هذا من جهة العلم بالله تعالى.</p>
<p>&lt; ومن جهة العلم بالآخرة في السورة أن تعلم  :</p>
<p>أولا : أن حرّ النار الكبرى لا يطاق {سيذّكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النّار الكُبْرى}.</p>
<p>يَصلى النار الكبرى بمعنى يقاسي حَرَّها الشديد جداً، الذي لا مثيل له ولا قبل لأحد به. و هذا الوصف للنار الشديدة الحر ورد في آيات أخرى كثيرة؛ والذي يعنينا هنا : أنه مما ذكر في  العلم بالآخرة  للتخويف.. لدفع العبد ليفر إلى ربه، ليتوب إلى الله عز وجل.</p>
<p>ثانيا : أن يعلم أن داخِلَها من الأشقياء  لا يذوقون فيها الموتَ فيستريحون، ولا يذوقون فيها الحياة فينعمون وينتفعون.</p>
<p>وضع لا نستطيع أن نتصوره بتاتا، ولكن العبارة القرآنية تشخصه تشخيصا.</p>
<p>الموت  صار نعمة.. صار حلا لكن، لا سبيل إليه {لا يذوقون فيها الموت}(الدخان : 56) فالموت صار شيئا يذاق، صار محبوباً مطلوبا مرغوبا فيه.. لكن لا سبيل إلى الوصول إليه {لا يموت فيها ولا يحيى}(طه : 74)، وإنما هو عذاب أليم، وشقاء مقيم.</p>
<p>ثالثا : أن نعلم أن حياة الآخرة أفضل من الحياة الدنيا لفناء هذه وبقاء تلك {بل توثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى}.</p>
<p>هذا العلم بالله جلّ جلاله، وهذا العلم بالآخرة هو الذي يتوسع فيه القرآن، وتتسع دائرته، ويُلَح عليه ويُلَخّص تلخيصا، إلى حدّ أنه قد يقتصر في الإيمان على الإيمان بالله واليوم الآخر.</p>
<p>كما في سورة البقرة  {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين}(البقرة : 8) فقط ذُكِر من أركان الإيمان هذان الركنان، لأنهما الأساس في ضبط حركة الإنسان في هذه الحياة.</p>
<p>الهدى الثاني : رأس العمل العمل بالواجبين : تسبيح ربنا الأعلى، وتذكير خلقه به جل وعلا.</p>
<p>أمران في هذه السورة لرسول الله  ولكل مؤمن ومؤمنة من بعده هما : {سبِّح اسم ربك} {فذكِّر إن نفعت الذكرى}.</p>
<p>{سبح اسم ربك} لماذا؟ لأنه {الذي خلق فسوى} إلخ إلخ</p>
<p>ثم {فذكر إن نفعت الذكرى} فهما أمران مطلوبان واجبان على العبد، مطلوب منه أن يقوم بهما : تسبيح ربه الأعلى، وتذكير الناس بالله جل وعلا.</p>
<p>التسبيح هو تنزيه الله جل وعلا عن النقص مطلقا&#8230; في الأسماء والصفات والأفعال.. بالجنان واللسان والجوارح.</p>
<p>وإذا حاولت أن أذوق التسبيح، قلت : كل ما يتصل بالله جل وعلا يجب علينا ألا نتصور -بوجه من الوجوه- أن به نقصا أو عيبا أو خللا، لأن الله سوَّى كل شيء، {خلق فسوى} كل شيء في الحياة فيه إتقان {صُنْع الله الذي أتقن كل شيء}(النمل : 88).</p>
<p>كل شيء مرده إلى الله. يجب أن نعتقد ألا خلل فيه، لأن هذا هو الواقع، ومعنى هذا أن الإشكال إنما جاء  منا، لا منه جل جلاله، الإشكال الذي وقع لإبليس -نعوذ بالله منه- هو أنه طَعَن في الحكمة، طعن في التدبير، قال {أرايتك هذا الذي كرّمْت عليّ}(الإسراء : 62) وما ينبغي {أأسجد لمن خلقت طينا}(الإسراء : 61) {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}(الأعراف : 12).</p>
<p>كأنه يقول : ما هذا؟ لماذا أسجد لهذا المخلوق؟ كيف وأنا خير منه؟!</p>
<p>هذا خلل!! هو الذي يجب أن يسجُدَ لي! فطعن في أصل المسألة، لذلك كانت معصيته ليست كمعصية آدم، الذي لم يطعن في أصل الأمر، قال تعالى {وكُلاَ مِنْها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة}(البقرة : 35) فقال آدم  : سمعا وطاعة، ولكنه غُلب {فوسوس إليه الشيطان}(طه : 12) فأزله {وعصَى آدم ربه فغَوى ثم اجْتَبَاه ربّه فتاب عليه وهدى}(طه : 121- 122).</p>
<p>أما إبليس فلم يعص الله وكفى وإنما &#8220;أبى&#8221; أي رفض، وفَرْق بينهما في المعنى إبليس أبَى أن يسمع للأمر ورفضه، وآدم استمع إلى الأمر وقبِلَهُ، ولكنه عند التنفيد ضعف {وخُلق الإنسان ضعيفا}(النساء : 28).</p>
<p>إبليس رفَضَ الأمر جملةً، وطعن في حكمته أصلاً، ولذلك أُبعِد إلى الأبد كليا.. {فاخرُجْ منها فإنَّكَ رجيمٌ وإن عليك اللعنة إلى يوم الدّين}الحجر : 34- 35).</p>
<p>إذن، هذه النقطة : كيف نذوقها؟ أقول : عندما أضع نفسي في الحياة، كل ما جاءني فيها من عند الله عز وجل : نزل قدَر، حدث أمر، نزلت نازلة، لا أتهم الله عز وجل بالظُّلم، أو أقول إنه أخْطَأ، أو ظلَمَ، ولا أقول ما هكذا تكون الأمور يا ربّ!! لا أفعل أبدا. بل أنزه الله جل  وعلا على قاعدة {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليْها قلتم أنَّى هذا قل هو من عند أنفسكم}(ال عمران : 165).</p>
<p>الإشكال دائما ليس في جهة الله تعالى، الإشكال في جهتنا نحن المخلوقين {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}(الأنبياء : 87).</p>
<p>التسبيح ينزه الله تعالى ويجعله بعيدا.. بعيدا جدا.. لا سبيل إلى أن يلصق به عيبٌ أو ينسب إليه نقص أو يضاف إليه خلل  سبحانه جل جلاله.</p>
<p>فما جاء من عند الله عز وجل مثلا من شرع لا سبيل إلى أن نقول عنه هذا شرع ناقص، وغير صالح، ولا نقارنه بأي دستور أو قانون أو بالشرعية الدولية مثلا هذا كلام لا معنى له. ما جاء من عند الله هو عينُ الحق، هو عينُ الصواب، ولا سبيل إلى وجود الخلل لا في الحكم ولا في الحكمة، ولا في التشريع، ولا في القضاء والقدر، ولا في غير ذلك، هذه نقطة في غاية الأهمية.</p>
<p>ولذلك فحين نسمع : &gt;سبحان الله تملأ الميزان&lt; بماذا تملأ الميزان؟ تملأ الميزان لأنها عمليًّا تنفي وتثبت، عندما نزهتُ الله عن كل نقص، تلقائيا أَثْبِتْتُ إليه كل كمال وكُلّ جمال وكُلَّ جلال، ولكن ذلك حين يقوله كيانك، ويقوله جنانُـك، ويقوله لسانُك في التعبير، ويقوله فعلك في التدبير والتسيير، حين يحدث هذا فآنذاك يكون التسبيح الحق، لأن اللفظ في القرآن يساوي معناه في الخارج.</p>
<p>فعملُ التسبيح هو العمل المؤسس في الأصل، وينبني على هذا العمل ألا تبقى حيث أنت بل تنطلق بكيانك تُجاه تذكير الآخر بهذا العمل&#8230; {فذكِّر إن نفعك الذكرى}.</p>
<p>وسبق الكلام قبل في سورة المدثر بأن هذا التذكير، تذكير بكل شيء ولكنّ جِماعَه أنه تذكير بهذا القرآن نفسه، لأنه ذكر {فذَكِّر بالقرآن من يخاف وعيد}(ق : 45).</p>
<p>لأن الذكرى هي أساس الذكر، والذكرى لا تحصل إلا بالذكر، والذكر هو القرآن لأنه هو الذكر نفسه {وقالوا يا أيها الذي نُزِّل عليه الذكر}(الحجر : 6).</p>
<p>فالذكر هو القرآن، والتذكير يكون بإيصال هذا القرآن إلى الناس&#8230; لأن فيه ما يذكِّر الناس بربهم، ما يذكِّرهم بالعهد الأول لربهم، ما يذكِّرهم بفطرتهم، ما يذكرهم بأصلهم، ما يذكرهم بمآلهم، ما يذكرهم بالغيب والشهادة، ما يذكرهم بكل شيء من الحقائق الضرورية، والأوامر والنواهي الضرورية.</p>
<p>فكل ما يذكرهم بأي شيء موجود في هذا الذكر الذي هو القرآن، {فذَكِّر} على الإطلاق &gt;ذكر&lt; من؟ مفتوح &gt;فذكر&lt; وهذا مبني على القاعدة التي سبقت : &gt;خلق&lt; &gt;سوَّى&lt; &gt;قدَّر&lt; &gt;هدَى&lt; ماذا هدى؟ ماذا قدَّر؟ ماذا سوَّى؟ كل هذا مسكوت عنه، لأن المقصود هو الفعل.</p>
<p>إذن عمل التذكير يتجلى أساساً في إيصال هذا الدين للناس، ويتجلى في تبليغ هذا القرآن إلى العالم&#8230; والناس بعد ذلك صنفان : فمن خَشي تذكّر، ومن شقِي نأى وابتعد، وجعل هذا الأمر على جنبه، وما اهتمّ به {ويتجنبها الأشقى}.</p>
<p>الهدى الثالث : رأس التزكي التطهّر من رجسين : رجس الشرك بالله تعالى، ورجس إيثار الدنيا على الآخرة.</p>
<p>الجهل بالله تعالى ذُكِر في الآية كأَنَّ أصْل الهوى نفسه، والشُّبَه والشهوات التي منها يُؤْتى العبد&#8230; مردهما إلى الجَهْل في الحقيقة. لأن الجهل يناقضه العلم، والعلم يقين، يفيد القطع في أصله اللغوي العربي وفي القرآن الكريم، بمعنى أن الأشياء التي تُعْلم على حقيقتها لابد أن تؤدي إلى نتائجها.</p>
<p>أذكر مثالا للشيخ أبي الأعلى المودودي رحمه الله في مسألة توضيح اليقين وأن العلم لا ينتج طاعة حتى يكونَ يقينا : طفل لم يرَ النار قط، ولما أوقدت نار، رآها جميلة  في الشكل ولا علم له بألمها وحريقها، فوضع أصبعه فيها فتألم فأزال أصبعه فورا، بعد ذلك تقول له : ضع أصبعك فيها فيقول : لا أبداً . لماذا؟ لأن الحادثة الأولى أورثته علما بخطورة هذا الكائن الذي اسمه النار، ذلك العلم لم يكن عنده في مستوى الوهم أو في مستوى الظن أو الرجحان بل كان عنده في مستوى اليقين القطعي الكامل.</p>
<p>فحين وصل العلم  إلى هذه الدرجة، أي صار علما، أنتج طاعة، أنتج ائتماراً وانتهاء، فالذي يحدث للإنسان أنه لا يصحب الآيات القرآنية : أوامرها ونواهيها الصحبة التي تورثه اليقين، فيصل إلى حال ذلك العبد الصالح، ذلك العبد المؤمن الذي قال له رسول الله  : &gt;كيف أصبحت يا حارثة؟ قال : أصبحت مؤمنا حقّاً..&lt;الحديث الذي تعرفونه.</p>
<p>ومثل ما ورد في حديث حنظلة : &gt;نكون عندك يا رسول الله وكأننا نرى الجنة والنار رأي العين&lt; كأننا نشاهدهما، &gt;فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا..&lt;(رواه مسلم) أي نسينا وغابت عنا الحقائق وماعُدْنا نتذكر، فقال له  : &gt;ساعة، وساعة يا حنظلة &gt;لو تبقون كما تكونون عندي وفي الذكر&lt;، و&gt;في الذكر&lt; : أي وفي تلك الحال التي تكونون وكأنكم تشاهدون الحقائق وترونها عيانا &gt;لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظة ساعة وساعة&#8230;&lt;(رواه مسلم) أو كما قال  ، لأننا بتلك الحال نرتقي ارتقاءاً نبتعد به عن الشهوات، ونقترب من الملائكة فتأتي الملائكة وقد رأت أشباها لها تأتي لتصافحهم.</p>
<p>وبعكس ذلك حين يتمكن الجهل والنسيان يقع الابتعاد عن الله والاقتراب من الشياطين نعوذ بالله منهم.</p>
<p>فلا رجز ولا رجس أعظم من عبادة غير الله.</p>
<p>قال الله عز وجل : {قُل أفغير الله تامروني أعبد أيها الجاهلون}(الزمر : 64) أيها الجاهلون الجهل الحقيقي وهو جهل الكفر، فالذي يعبدُ غَيْر الله جاهلٌ حقا، لأنه ما ذاق حقيقة وجود الله على وضوحها في هذا الكون {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون}(الطور : 35) {أم خلقوا السماوات والأرض}(الطور : 36)</p>
<p>ثم ليس بعد ذلك من رجس أعظم من تقديم العاجلة على الباقية.</p>
<p>نحن لا نقدر هذه الحقيقة حق قدرها للأسف!! ونعيش حياة أشبه ما تكون بحال الكفار : إيثار الدنيا على الآخرة لنفكر في أحوالنا عمليا، مثلا : لنأخذ أولادنا على سبيل المثال ما هو الشيء الذي نهتم به في حياتهم؟ نهتم بأكلهم، نهتم بشربهم، نهتم بلباسهم، نهتم بلهوهم ولعبهم، أي نهتم بتغليظ أجسامهم!، نهتم بتكثير شحومهم ولحومهم! نهتم بالجانب المادي فيهم، وقلما نهتم بالجانب المعنوي، بالجانب الروحي، وهو أخطر، لأن هذا الأكل الذي نهتم به أكثر من اللازم لم يوجبه الله علينا ولم يفرض علينا أن نمارس الأكل في اليوم ولو مرة واحدة. ولم يفرضه علينا حتى في اليومين أو الثلاثة أو الأربعة إلا عندما نصل إلى حال الإشراف على الهلاك، عند ذلك يجب أن نأكل،</p>
<p>لكن غذاء الروح واجبٌ خَمْس مرّات في اليوم لابد أن تتناول الروح خمس وجبات غذائية في اليوم -على الأقل-، لأن قوت الأرواح هو الروح نفسه أي هو القرآن الذي هو الوحي {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا}(الشورى : 52) {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربّي}(الإسراء : 85) {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان}(الشورى : 52).</p>
<p>الأرواح تتغذى من عالم الروح، من ذلك العالم نفسه الذي جاء منه القرآن. الروح تتغذى بالقرآن، تتغذى بالوحي.</p>
<p>الصلاة  مثلا : ماذا فيها؟ فيها هذا أساسا. سواء ما مضى -كما تعلمون- في الفاتحة التي لابد منها في كل ركعة من ركعات الصلاة، أو الألفاظ التي نكررها في كل حركة من حركات الصلاة : نركع فنقول : سبحان ربي العظيم، وهو من ألفاظ القرآن {فسبح باسم ربّك العظيم}(الواقعة : 74) وتقول في السجود : سبحان ربي الأعلى {سبّح اسم ربّك الأعلى} ونقول الله أكبر في القيام، ونقولها في الهُوِيِّ إلى الركوع وإلى السجود  كل هذه من ألفاظ القرآن ولا نقول ذلك ألفاظا بل نقولها معاني ينبغي أن نستحضر في التسبيح التنزيه، وينبغي أن نستحضر في التكبير تصغير ما سوى الله، من شأن الدنيا وما فيها وهكذا، وهكذا.</p>
<p>فإذن هذا الأمر أخطر والاهتمام به أقل&#8230; هو أخطر على الإنسان والاهتمام به أقل، وأطفالنا وأولادنا بين الميلاد والبلوغ في مرحلة انتقالية تحضيرية لما بعد البلوغ؛ فإذا اجتهدنا في ترسيخ معان بعينها إيمانية تذكروا بسرعة عند البلوغ، تذكروا الفطرة الأولى بسرعة بعد البلوغ لأنهم نشأوا في عبادة الله عز وجل، لكن إذا نشِّئُوا بالمعصية يصعب التذكر، وكما قال القائل : من شَبَّ على خُلُق شاب عليه إلا أن يشاء الله شيئا سبحانه، فهذا هكذا.</p>
<p>ثم عندما أيضا نأتي إلى أمر الحياة.</p>
<p>وعندما نحاول أن نتحدث عن المستقبل، ماذا تريد أن يكون ابنك؟ فالجواب العام والغالب هو أريده طبيبا، مهندساً، محاميا، ونعود أطفالنا على هذه الاختيارات الدنيوية! وقَلّ من يختار أن يكون إماما داعياً إلى الله عز وجل، مجاهداً، شاهدا على الناس&#8230;</p>
<p>يعني قلّ من تأتيه المعاني الشرعية، المعاني التي اختار الله لها خيرة خلقه : معنى الشهادة على الناس، معنى العلم بالله. هذه المعاني التي لها امتداد فيما بعد هذه الدنيا، المعاني الخالدة. هذه المعاني ذات الآثار الخالدة. هذه المعاني قلَّما تُذْكر وإذا ذُكِرَتْ أحيانا يُهَوَّنُ من شأنها.</p>
<p>فنحن بهذا شعرنا أم لم نشعر كأننا نحطم أبناءنا، كأننا نحضر أبناءنا للحياة الدنيا ونجعلهم يوثرونها على الآخرة وكأننا بذلك نغرس فيهم قيمة هذه الدنياونقول لهم يجب أن نستمتع بها، يجب أن نحياها، عندنا مال كثير، عندنا صحة كبيرة، عندنا جاه عندنا كذا عندنا كذا.</p>
<p>نهتم بهذه الأشياء في حين أن تلك مجرد وسائل.. تلك وسائل تستعمل لشيء آخر أهم، وهو تعمير الدنيا من أجل الآخرة، وعبادة الله عز وجل، كل هذه الأشياء التي أوتيناها ما هي إلا وسائل لعبادة الله عز وجل، وليست مطلوبة لذاتها.</p>
<p>هكذا الأمر في العلم، وهكذا الأمر في المال وهكذا الأمر في غير ذلك من الأمور التي نسأل عنْها &gt;لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه&lt;(رواه الترمذي).</p>
<p>فهذه النقطة وقفت عندها لخطورتها، وهي في حقيقتها رجس من الرجس، استعملت هذا التعبير لنشعر بخطورة هذه الخطيئة، هذا المنكر منكر كُبّار : إيثار الدنيا على الآخرة، هذا هو منهج الكفار. أما منهج المؤمنين فهو إيثار الآخرة على الدنيا إيثار الآجلة على العاجلة&#8230; الكفار يقال لهم {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها}(الأحقاف : 20) {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نُوَفِّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يُبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}(هود : 15- 16).</p>
<p>الهدى الرابع : رأس العطايا التنعم بعطيتين : إقراؤك القرآن بلا نسيان، وتيسيرك لليسرى في كل شأن&#8230;</p>
<p>هذه السورة فيها عطيتان : هديتان لرسول الله  من ربه، وهدية لكل تابع لرسول الله  من ذكر أو أنثى. طلب منه أمرين : {سبِّح اسم ربّك الأعلى} {فذكِّر إن  نفعت الذّكرى} وأعطاه عطيتين : {سنُقْرِئُكَ فلا تنْسى} {ونيَسِّرك لليُسْرى}.</p>
<p>هاتان الهديتان العطيتان، والمنتان العظيمتان، هما أعظم ما يمكن أن يُمَنّ به على العبد : أن يُقْرَأ القرآن، يعني أن يُدْخَل هذا العلم القلب، وأن يستضيء به الكيان&#8230;. وأن تتأثر به جميع الجوارح.</p>
<p>تجد القرآن في العين، وتجد القرآن  في الأذن، تجد القرآن في العين وهي تبصر ماذا تبصر؟ وكيف تُبصر؟ والأذن كذلك ماذا تسمع؟ والفم ماذا يأكل؟ وبأي شيء ينطق؟ والفرج ماذا؟&#8230;. والظهر ماذا يلبس؟.. إلخ</p>
<p>هذا هو إقراء العبد القرآن، هذا هو القرآن الذي &gt;يقال لصاحبه  اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدّنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها&lt;(رواه الترمذي).</p>
<p>هذا القرآن ليس هو القرآن الذي يجري على اللسان ولا يستقر في الجنان ولا يؤثر في جميع الجوارح.</p>
<p>&gt;إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين&lt;(رواه مسلم).</p>
<p>أهل القران هم الذين يعملون به في الدنيا، وهم الذين يكون القرآن حجة لهم لا عليهم نسأل الله أن يجعلنا كذلك. إقراء للعبد للقرآن {سنقرئك فلا تنسى} هو العلم الذي وهبه الله سبحانه وتعالى لرسوله  {ولا تعجل بالقرآن قبل أن يقضى إليك وحيه، وقل ربّي زدني علما}(طه : 114) زدني.. يمتلئ علما، ويمتلئ فهما لذلك العلم.</p>
<p>فهذه النعمة الأولى التي أشار إليها الرسول  : &gt;لا حسد إلا في اثنتين : رجل علّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار فسمعه جاره فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل  ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل&lt;(رواه البخاري).</p>
<p>ولا يمكن أن يفعل هذا وهو طالب دنيا.</p>
<p>فالقيام بالقرآن من أجل تدبره، من أجل الامتلاء به، من أجل أن يستضيء الكيان، هذا هو الأصل، والإقراء هو النعمة التي ينتج عنها كل خير.</p>
<p>ثم العطية الثانية هي التيسير لليسرى في كل شأن،  التيسير الذي ينتهي بالحُسنى في الدنيا والآخرة.</p>
<p>الله عز وجل يوضح هذه العطية بأنه يريد بعبده ا لذي يسبحه ويحمده، ويسبح باسم ربه الأعلى أن ييسر له السبل الموصلة إلى خيري الدنيا والآخرة.</p>
<p>فالتيسير هو عون من الله جلّ وعلا، تيسير في الهداية وتيسير في الممارسة، وتيسير في الكلفة، وتيسير في كل شيء.</p>
<p>فهاتان النعمتان العظيمتان، هديتان من الله عز وجل لعبده الذي يسبح باسمه. يقرئه وييسر له السبل الموصلة لخيري الدنيا والآخرة، فمن اتقى وسار على نهج التسبيح الحقّ أقرأه الله برحمة منه، ويسر له كل شيء، وهذا منطقي فحين قال سيدنا موسى \ لله عز وجل {قال ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عُقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أُشْدد به أزري وأشركه في أمري&#8230;.}(طه : 25- 31). أجابه الله تعالى جوابا فتح به الباب عن جميع النعم التي أنعم بها على موسى \، منذ ولد حتى أرسل {قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ولقد مننا عليك مرّة أخرى إذ أوحينا إلى أمّك ما يوحى أن اقذفيه في التّابوت فاقذفيه في اليمّ فلْيلقه اليمّ بالسّاحل يأخُذه عدوّ لّي وعدوٌّ له، وألقيت عليك محبّة منّي ولتُصنع على عيْنِي إذ تمشي أختك فتقول هل أدُلُّكم على من يكْفُله، فرجعناك إلى أمّك كي تقرّ عينُها ولا تحزَن، وقتلت نفساً فنجّيْناك من الغمِّ وفتنّاك فتُونا، فلبثْت سنِين في أهْل مدْين ثم جِئت على قدرٍ يا مُوسى واصطنعتك لنفسي}(طه : 36- 41). بمعنى أن الله عزوجل حين تقتضي حكمته اختيار عبد، فإنه يمُنُّ على ذلك العبد بما يسهل له القيام بتلك الوظيفة، على أساس ذلك الاختيار.</p>
<p>الهدى الخامس : رأس الفلاح أو الخسران : التذكر والاتباع لما في القرآن أو التجنب والإعراض عما في القرآن :</p>
<p>إذن المدار على القرآن.</p>
<p>{قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربّه فصلى} هذا طريق الفلاح، {ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكُبرى، ثم لا يموت فيها ولا يحيى} هذا طريق الخسران.</p>
<p>لذلك رأس الفلاح التذكر واتباع ما في القرآن {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربّه فصلى}.</p>
<p>ورأس الخسران التجنب : إلقاء القرآن على الجنب، والابتعاد عنه والنأي عنه والاعراض عما فيه.</p>
<p>ولا يتبع ما في القرآن إلا السعداء، ولا ينأى عما في القرآن إلا الأشقياء&#8230; جعلنا الله وإياكم من السعداء.</p>
<p>خـــلاصة</p>
<p>هدى السورة</p>
<p>هدى السورة باختصار شديد هو :</p>
<p>الخلاصة الأولى : عليك التسبيح والتذكير وعلى الله الإقراء والتيسير :</p>
<p>عليك بالتسبيح يا عبد الله، والتذكير {سبّح اسم ربك الأعلى}، {فذكّر إن نفعت الذِّكْرى}.</p>
<p>وعليه الإقراء والتيسير {سنقرئك فلا تنسى} {ونيسّرك لليسرى}.</p>
<p>الخلاصة الثانية : عبارة من ابن عاشر -رحمه الله- : &gt;رأس الخطايا هو حب العاجلة&lt; :</p>
<p>حب الدنيا هو رأس ا لبلاء، ورأس المصائب، لأن رسول الله  حينما شخص حال الأمة في فترة الضعف شخصها بهذا : &gt;يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها&#8230;.&lt;(رواه أبو داود) إلى أن قال  : &gt;بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله الرهبة منكم في قلوب عدوكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا : وما الوهن يا رسول الله؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت&lt;.</p>
<p>كراهية الموت نفسها بسبب حب الدنيا. لذلك حب الدنيا هو رأس البلاء، هو الخطر الشديد.</p>
<p>بمعنى آخر : لماذا نحن فيما نحن فيه الآن؟ وعلى الحال التي نحن عليها مغضوبا علينا من الله عز وجل؟</p>
<p>لماذا؟</p>
<p>لماذا سُلِّط علينا المغضوب عليهم؟</p>
<p>إنما ذلك بسبب حبنا للدنيا.</p>
<p>هذا الوهن الذي هو مسلط علينا في الكرة الأرضية، هذا الضعف، هذا الفشل، هذا الخور، هذا الجبن الذي نحن فيه ، بسبب ماذا؟ بسبب حب الدنيا وكراهية الموت&#8230;</p>
<p>لننظر عمليا كم ننفق في سبيل الله؟ كم ننفق من الوقت في سبيل الله؟ كم ننفق من المال في سبيل الله؟ كم ننفق من الطاعة في سبيل الله؟</p>
<p>بالنسبة المئوية : ما الذي نصرفه إلى الدنيا، وإلى الزيادة من زينة الحياة الدنيا وما الذي نصرفه إلى الآخرة، وإلى نصرة دين الله عز وجل؟ كل واحد يسائل نفسه ويُحاسبها لو أعطينا ما ينبغي أن نعطيه كما أمر الله عز وجل لرأينا النتائج كما ينبغي أن تُرى لذلك صدق الناظم فعلا حين قال :</p>
<p>رأس الخطايا هو حب العاجلة</p>
<p>الخلاصة الثالثة :</p>
<p>ليس الدوا إلا في الاضطرار له :</p>
<p>المخرج إذن هو العودة إلى الله عز وجل، والتوبة والإنابة إلى الله عز وجل  إنابة الاضطرار، إنابة الافتقار التام  إليه سبحانه عز وجل، هذا هو، المخرج.</p>
<p>فالله عز وجل يجيب المضطر إذا دعاه، فنسأله جلا وعلا أن يعيذنا من شر كل ذي شر ويكفينا ما أهمنا وما لا نهتم له، ويجعلنا من أهل القرآن الكريم الذين يعملون به في الدنيا.</p>
<p>اللهم أكرمنا بتسبيحك وأكرمنا بتذكير عبادك بك بجودك وكرمك، اللهم أقرئنا القرآن، ويسرنا لليسرى ويسر لنا اليسرى بفضلك وكرمك يا ربنا.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2012/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d9%84%d9%89/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>الهدى المنهاجي في سورة المسد</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2011/09/%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%af/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2011/09/%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%af/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 27 Sep 2011 09:12:44 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 277]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[المسد]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6390</guid>
		<description><![CDATA[الهدى المنهاجي في سورة المسد ورد حديث صحيح في سبب نزولها مؤداه أن رسول الله  لما نزل عليه قول الله تعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين}(الشعراء : 214) خرج ووقف على الصفا ونادى : يا بني كذا، يابني كذا.. إذا أخبرتكم أن خيلا تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا ما جربنا عليك كذبا قط فقال : إني نذير [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>الهدى المنهاجي في سورة المسد</p>
<p>ورد حديث صحيح في سبب نزولها مؤداه أن رسول الله  لما نزل عليه قول الله تعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين}(الشعراء : 214) خرج ووقف على الصفا ونادى : يا بني كذا، يابني كذا.. إذا أخبرتكم أن خيلا تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا ما جربنا عليك كذبا قط فقال : إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال عمه أبو لهب، عبارته المشهورة : &gt;تبا لك ألهذا جمعتنا؟!&lt;، فنزل قول الله عز وجل هذا {تبّت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى ناراً ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد}.</p>
<p>الهدى الأول : من عادى وليا لله عز وجل وآذاه، فقد عرض نفسه لأخطر عقوبة من الله، وهي الحَيْلُولة بينه وبين التوبة إلى الله، رجلا كان أو امرأة :</p>
<p>&gt; من هو ولي الله المحمي من الله تعالى؟</p>
<p>اصطلاح &gt;ولي الله&lt; نستعمله الآن حسب ما مضى في سورة العلق.</p>
<p>{أرأيت الذي ينْهَى عبدًا إذا صلّى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى}.   (عبداً صلى).  عبداً (على الهدى).</p>
<p>عبداً (أمر بالتقوى).</p>
<p>متى وجدت هذه الشروط الثلاثة وُجدت ولاية الله تعالى للعبد، ومن عادى وليا لله فقد عرَّض نفسه لمحاربة الله للحديث المشهور : &gt;من عَادَى لِي وليّا فقد آذنْتُه بالحرْب&#8230;&lt;(رواه  البخاري).</p>
<p>ورسولُ الله  في هذا الوضع هو أولُ الأولياء لأن ولايته تامةٌ عند الله عز وجل، لذلك حين تجرَّأ عمُّه هذا عليه، وتجرأت زوجه عليه كما هو ثابت في السيرة النبوية وآذياه كثيراً بأشكال مختلفة، وبالَغَا في الإيذاء عاقبهما الله عز وجل بأخطر عقوبة يمكن أن تُتَصور، إذ ليست العقوبة الخطيرة هي الضرب، وليست هي التعذيب. إنما العقوبة الخطيرة هي أن يُحرم من التوبة مطلقاً، لا مجال له إلى الإيمان، لا يمكن له أن يؤمن، لا يمكن أن يتوب، حتى ولو أراد التوبة لا يستطيع، فقد حيل بينه وبين أن يعود إلى الله. فتمحَّضَ للنار هو وزوجُه.</p>
<p>هذه أخطر عقوبة تتهدد من بالغ في إيذاء أولياء الله، وتتهدد كل من بالغ في إيذاء الدعاة إلى الله، فليحذَرْ كُل الحذر من يبالغ في هذا أن يُحال بينه وبين التوبة إلى الله عز وجل. وهي عند من يذوق هذا الأمر أخطر عقوبة يُمْكن أن تحل بعبد. فقد خُلِّد في النار. وانتهى أمره، وذلك الذي كان.</p>
<p>واعْتُبِر هذا من معجزات الرسول  لأن أبا لهب لم يستطع هو أو زوجه أم جميل -أخت أبي سفيان- لم يستطيعا أن يتحديا رسول الله  فيقولا مثلا : إنا نتوب إلى الله عز وجل وقد أسْلَمْنا.</p>
<p>أنت تقول : {تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه&#8230; سيصلى نارا ذات لهب} كيف ندخل النار ونحْن مسلمون؟!</p>
<p>قد أسلمنا ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.</p>
<p>لقد حيل بينهما وبين هذا، ولا سبيل إليه، وماتا كافرين، وانتهى أمرهما، فهذه نقطة خطِرة جدا يجب أن يذوقها أعداءُ الله، قَبْل أولياء الله.</p>
<p>كما يجب أن يذوق أولياء الله، أن الله عز وجل حين يتولاهم فهو يحول بينهم وبين إذاية هؤلاء، ويصْرِفُهم عنهم، وفي الآن ذاته قد يعاقبهم بهذا النوع من العقوبة الخطرة جدا.</p>
<p>الهدى الثاني : ما أعظم الخُسران إذا تعاون الزوجان على الإثم والعدوان :</p>
<p>هذه أسرة نكِدة، أسرة تعسة : الزوج والز وجة معا تواطآ واتفقا وتعاونا على الاثم والعدوان، ما تعاونا على البر والتقوى ولكن تعاونا على الإثم والعدوان، فهلكا معا.</p>
<p>وهذا النوع في الحقيقة هو أخطر أنواع التواطؤ، الموجب لأخطر أنواع العقاب لأننا قد نجد في أسرة رجلا يحارب، أو نجد امرأة تعادي، ولا يوجب الله عليها مثل هذا العقاب، ولكن هنا وجدنا أسرة تواطأت كلها على الشر، وتعاونت على الاثم والعدوان، فالله عز وجل دمّرها تدميراً، وحال بينهما وبين التوبة، وهذا هو الخُسران وما أعظمه من خسران!!</p>
<p>الهدى الثالث : ضرورة تدخل الأدب والإعلام للتشهير بالإجرام :</p>
<p>ذلك لأن القرآن الكريم إذ ذاك، كان هو الذي يقوم بكل الوظائف في حياة المسلمين، أي يصحّح الصورة، ويرسّخ المنهاج، ويدافع عن عباد الله وأوليائه، ويهاجم أعداء الله، كل شيء كان يفعله القرآن.</p>
<p>القرآن كان يواجه في جميع الجبهات، وفي جميع الواجهات، ومنها هذه الواجهة الإعلامية؛ لأن هذه السورة مثلا بمجرد نزولها سرت في مكة بين المسلمين وبين المجرمين يقرأها المسلمون فتسليهم، ويسمعها المجرمون فتهزم نفسيتهم.</p>
<p>قال الله عز وجل مبيناً الفرق بين طريق المسلمين وطريق المجرمين : {أفنجعل المسلمين كالمجرمين..}(القلم : 35) لأن الله عز وجل يسمي الكفار مجرمين، فلماذا يقابل الله عز وجل بين المسلمين والمجرمين؟ ذلك لفضح ما عليه الكفار من إجرام {يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين..}(المدثر : 41- 43)  فاصطلاح المجرم كان إذ ذاك سائدا وكانوا يعرفون : من هو المجرم؟ ورأينا كيف أن الله تعالى عَدّ أكبر جريمة على الإطلاق هي الشرك بالله، أكبر جريمة في الكون هي الشرك بالله، ما مثلها شيء : لا قتل النفس ، ولا شهادة الزور، ولا أي شيء، {إن الشرك لظلم عظيم..}(لقمان : 13) جدا.</p>
<p>فتدخل الأدب والإعلام اليوم بقصد التعريف بالدعوة والدفاع عنها والهجوم على المخالفين ضروريٌّ لأن المجرمين ينبغي أن يشهر بأعمالهم بمختلف أنواع التشهير الإعلامية كما حدث لأبي لهب، وزوجته.</p>
<p>شُهر بهما في القرآن الكريم، وذُكرا، ذُكر أبو لهب بكنيته، واستمر هذا عبر التاريخ نموذجاً للشر.</p>
<p>وهكذا بالنسبة لكل النماذج التي أصرّت على الشر، وبالغت فيه، وتعدت الحدود، وبالغت في الطغيان، وقد أعطى القرآن الكريم أمثلة كثيرة في تثبيت التشهير بمثل هذه النماذج الطاغوتية عبر التاريخ حتى تقوم الساعة.</p>
<p>وبعد أن انقطع الوحي ينبغي أن يبقى الشِّعر والقِصص والمسرحيات وكل شيء يمكن أن يتدخل بمختلف الأشكال للتشهير بجميع أشكال الشر، ونماذج الشر.</p>
<p>خلاصة هدى السورة</p>
<p>من حارب الدين فلن يضر إلا نفسه ولن يضر الدين شيئا :</p>
<p>هذه الخلاصة  واضحة جدا، فقد أصَرَّ أبو لهب وأم جميل زوجة أبي لهب أصرّا على محاربة رسول الله  ومحاربة الدين الجديد بكل سبيل، هلْ ضَرَّاه؟ هل ضرَّا المسلمين؟ هل ضرَّا الدين؟ أبدا، وإنما ضرَّا أنفسهما فوقعا فيما وقعا فيه فكان الخسران المبين، كذلك حال كل محارب لله عز وجل ومحارب لدين الله، لن يضُرّ الدين {إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً}(الطلاق : 3).</p>
<p>هذه حقيقة في  غاية الوضوح {إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} فالذي يحارب دين الله وأولياءه إنما يجعل وظيفته التاريخية ووظيفته الكونية أن يشحذ إيمان المؤمنين فقط ويقوي إيمانهم.</p>
<p>هذه وظيفته الأساسية الكونية أما أنه سيضُرّ الدّين أو سيغيّر التاريخ أو سيوجّه التاريخ وجها آخر فهذا لن يحدُث أبدا، أبدا. لأن ما هو كائن لابد أن يكون، ما هو قادم لابد أن يُقْدم لن يؤخره إجرام مجرم، ولن يقدمه كذلك. بل سيأتي في إبّانِه {قد جعل الله لكل شيء قدرا} وكما قال كعب بن مالك ] :</p>
<p>زَعَمَتْ  سَخِينةُ أن ستَغْلِب ربّها              وليُغْلبنَّ مُغَالِب الغَلاَّب</p>
<p>الغلاّب مقصود به هنا الله جل جلاله، من يغلِبُ الغلاَّب؟؟ أبدا لا أحد.</p>
<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة التكوير</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>إذا دخلنا إلى سورة &#8220;التكوير&#8221; دخلنا إلى عالم جديد، عالم جديد أبْتدئه هكذا بشيء أسميتُه بالهدى الإجمالي للسورة، لم أفعله قبل ولكن تيسَّر هكذا فاقبلوه :</p>
<p>أولا : الهدى الإجمالي للسورة :</p>
<p>لا يستقيم سَيْرُ البدايات حتى يسْتقيم تصَوُّرُ النهايات، ولا استقامة لسَيْر الإنسان بغير هدى القرآن.</p>
<p>هذا فعلا هو الهدى الإجمالي للسورة.</p>
<p>السورة إذا تشَرَّبَها عبد، وصحبها صحبة عميقة -نسأل الله التوفيق لنا ولكم ولجميع المسلمين- فإنه يخرج بهذه النتيجة.</p>
<p>لماذا ابتدأ الله عز وجل بهذه المشاهد الأولى المتعلقة بأهوال يوم القيامة؟! لمَهْ؟</p>
<p>لأنها البداية، والعبد لا ينطلق ولا يتضح لديه الاتجاه إلا إذا اتضحت النهاية.</p>
<p>آنذاك يسهل عليه السير في الاتجاه الصحيح نحوها. إذا لم تتضح القِبْلة/النهاية فإنه يظل ضاربا في غير اتجاه.</p>
<p>ولتحقيق هذا الوضوح للعبيد ها هنا، رُسم الطريق بكامله إلى العالم الآخر، إلى النهاية. من ها هنا بدأ ثم جاء بعد ذلك رسْمُ الطريق إلى هذه النهاية، وهو طريق القرآن.</p>
<p>هذه الخلا صة : لا يستقيم سير البدايات -بصفة عامة- حتى يستقيم التصور للنهايات.</p>
<p>ولا استقامة لسير الإنسان وهو يتجه إلى النهايات بغير هدى القرآن الذي هو السبيل وهو الهدى {قُل إن هُدى اللّه هو الهدى}(الأنعام : 71).</p>
<p>ثانيا : الهدى التفصيلي :</p>
<p>ويمكن تفصيله إلى ثلاث :</p>
<p>- الهدى الأول : بداية اليقظة استحضار أهوال اليوم الآخر، وكأنها تشاهد متلاحقة.</p>
<p>- الهدى الثاني : بداية الوعي القويم، التفسير الصحيح للظاهرة القرآنية، والقول القرآني</p>
<p>- الهدى الثالث : بدايةُ الاستقامة في السير العلْم بوظيفة القرآن الكريم</p>
<p>هذه هي المحطات الكبرى في السورة.</p>
<p>وقد جاء الهدى فيها ملخصا مفصّلا أيضا وتحت كل نقطة نقط فرعية، صغيرة.</p>
<p>الهدى الأول : بدايةُ اليقظة : يقظة العبد. ليخرج من عالم الغفلة، ويخرج من عالم النسيان، ويخرج من عالم سكْرَة الحياة ومن نومة الحياة.</p>
<p>فالحياة نوْمة والناس فيها نيام، فإذا ماتوا استيقظوا {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون}(الحجر : 72).</p>
<p>وليخرج العبد منها عليه أن يبتدئ في اليقظة، وليبتدئ في هذه اليقظة يحتاج إلى استحضار أهوال اليوم الآخر وكأنها تُشَاهَد.</p>
<p>فقبل أن يقول الله جل جلاله أيَّ كلمة عن هذا القرآن، وعن الرسول، بدأ في عرض هذه المشاهد متتابعات، وصورها تصويراً حيا وكأنها تُشَاهَد، معتبرا لها كأن قد مضت وكأن قد حدثت.</p>
<p>وهي خمس مراحل :</p>
<p>&gt; المرحلة الأولى : مشاهد السماء و ما يجري فيها .</p>
<p>وهذه نقطة سنجدها في عدة سور. بداية الانقلاب الكوني، بداية تبدل الأرض والسماوات، الكل يبتدئ من السماء ثم ينزل إلى الأرض، ثم يعْقبه ما يعقُبه.</p>
<p>المرحلة الأولى مرحلة السماء وما يجري فيها من لَفِّ وانطفاء للشمس، وظلمة وتناثر للنجوم والكواكب، في الآيتين {إذا الشمسُ كُوّرت وإذا النجوم انكدَرَتْ}.</p>
<p>هذا في السماء {إذا الشمس كوّرت} لُفّتْ، ودخل بعضها في بعض وانطوت، أي انتهت لأنها هي الأهم، وهي في وضع قرص كبير جداً تمتد منه ألسنة اللهب عبر آلاف الأميال. وإنما يراها العلماء الآن عند الكسوف الكلي إذ تظهر بوضوح هذه الألسنة اللهبية الممتدة بآلاف الأميال، فالشمس تظهر لنا في شكل كرة في الأحوال العادية، ولكنها جحيم، جحيم لهب كبير جدا جدا جدا، لا نستطيع تصور مقدار الحرارة والالتهاب الموجودين في الشمس، ولا هذه الألسنة &#8220;الألسنة اللهبية&#8221; التي تمتد منها آلاف الأميال.</p>
<p>أقول هذه الشمس الممتدة بهذا الحجم الضخم ستَلْتَفُّ من جديد ويدخل بعضها في بعض وتنطفئ وتنتهي.</p>
<p>والعلماء أخذوا من كوْرِ العمامة ومن أمثلة أخرى هذا المعنى الذي فيه اللَّفّ، ودخولُ البعض في البعض، وذلك للتقريب لأنه لا أحد يعرف الحالة بالضبط إلا الذي أوحى إلينا هذا القرآن، هو الذي يعْرِف بالضبط ماذا يقصد بتكوير الشمس، ولكن التكوير تقريبٌ للمعنى إلينا بلغتنا وبفهمنا، وهذا من عظمة هذا القرآن الكريم، وعظمة الله جلّ جلاله الذي أوحى به، لأنه بفضله عز وجل يسّر لنا، وقرّب إلينا فهم القرآن رغم البعد الشديد الذي لا حدّ له بين المخلوق والخالق، ومع ذلك يسّر لنا الذّكر، يسر لنا القرآن باللغة المستعملة العادية لتقريب هذه المعاني الضخمة.</p>
<p>فأولا مرحلة السماء وما يجري فيها من لَفِّ وانطفاء للشمس، وظلمة وتناثر للنجوم والكواكب لأن الانكدار والكُدْرة بصفة عامة ضد الصفاء. والانكدار فيه معنى هذه الكُدرة كأنه عمل طوعي نتيجة علاقة بغيره، ومن جهة أخرى فيه معنى التناثر أيضا والتساقط، فكأنه سيحدث أيضا في ذلك الوقت انطفاء لهذه النجوم أي انكدار.</p>
<p>خصوصا إذا فهمنا أنه كان يطلق على الكواكب أيضا النجوم في ذلك الزمان أي الكواكب التي تأخذ نورها، وتسطع في السماء نتيجة انعكاس ضوء الشمس عليها، كما هو حال القمر الآن.</p>
<p>فالقمر ليس له ضوء ذاتي، والكواكب -بصفة عامة- في الاصطلاح الجغرافي الفلكي ليس لها ضوء ذاتي، بل هي تعكس ضوء غيرها من النجوم، فهي تنطفئ تلقائيا بانطفاء المصدر الضوئي الذي يعطيها الأشعة.</p>
<p>ولكن  من جانب آخر هناك معنى الانتثار والتساقط كأن خللا في النظام العام الكوني يحدث أيضا، وتزول هذه الأشياء التي ظلت تحفظ الكون إلى الآن وتجعله محفوظاً في نظام تام لا يتقدم ولا يتأخر، نحن نرى الآن على سبيل المثال الأرض في دورتها حول الشمس، أو في دورتها حول نفسها، أو في سيرها في المجرة التي تنتمي إليها، كل ذلك لا يتقدم ولا يتأخر.</p>
<p>فأمور الكون وأحواله في غاية الضبط والحفظ كما قال الله عز وجل : {ولا يؤُودُه حِفْظُهُما وهو العليُّ العظيم}(البقرة : 255).</p>
<p>هذه مرحلة السماء.</p>
<p>&gt; المرحلة الثانية : مرحلة الأرض وما يجري عليها من تسيير الجبال ونسفها، ووضع العِشَار أحمالَها، وحشر الوُحوش ذاهلةً عن فرائسها، وتفجير البحار مضطرمة نيرانها، هذه مشاهد أرضية ستحدث بعد المشاهد السماوية.</p>
<p>مشهدان للسماء كبيران : في الشمس أولا ثم في النجوم ثانيا.</p>
<p>وأربعة مشاهد في الأرض يذكرها الله عز وجل :</p>
<p>- أولا : الجبال {ويسْألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا..}(طه : 105) فهناك عُبِّر بالنسف وهنا عُبِّر بالتسيير، وقد يكون هذا التسيير بداية النسف.</p>
<p>على كل حال فالمقصود هو أن الجبال ستتزحزح عن مواقعها رغم أن الله عز وجل جعلها أوتاد الأرض، ورواسي الأرض، فهي النقط المستقرة أكثر من غيرها في الكرة الأرضية. تلك النقط المستقرة ستُسَيَّر من أماكنها، بل ستُنْسف نسفا، هذا في هذا المشهد.</p>
<p>- ثانيا : العِشار {وإذا العشار عطّلت} وضْعُ العِشار أحْمَالها، العِشار جمع عُشَراء : والعُشراء هي الناقة التي وصلت الشهر العاشر من حملها، وهي كرائم مال العرب الذين خوطبوا أول مرة بهذا الكلام.</p>
<p>خير ما يملكون هي العشار، وزينتها وحُلِيُّها ما هو؟ هو كونها عُشْرة، هو كونها حاملاً فهي في ذلك الوقت محبوبة لديهم، وأحسن منظراً وأغلى ثمنا، وأكرم عنصراً الخ هذه العشار العزيزة على النفس ستُعَطَّل من زينتها كما قال تعالى في الآية الأخرى {يَوْم تَرَونها تَذْهَل كُل مُرْضِعة عمّا أرضَعَت، وتضَعُ كلُّ ذاتِ حملٍ حمْلَها}(الحج : 2) ومنها العِشار.</p>
<p>هذا بالنسبة لمشهد العشار.</p>
<p>- ثالثاً :  الوحوش {وإذا الوحوش حُشرت}.</p>
<p>معروف أن السباع تفر من بعضها خوفا، ولكن أمام الهول لا تعرف أين تتجه، هي الآن تجتمع مع بعضها، فيجتمع الأسد مع الظبية ولا إشكال، كما قال الله عز وجل في آية أخرى بالنسبة إلى الناس كيف يُبعَثُون، وذلك حين سألته السيدة عائشة رضي الله عنها عن حال الناس في البعث فقال : الأمْرُ أدهى من ذلك أو كما قال  لا يستطيع أحدٌ أن ينظر إلى أحد.</p>
<p>فكذلك الوحوش حشرت.</p>
<p>رابعا : البحار وهي في أصلها مياه، ومع ذلك فجِّرَت، في آية أخرى {وإذا البحار فجّرت} يعني سُجِّرت : هُيِّجت. التسجير : تهييج النار، سُجِّرت النار : سُجِرت، وسجِّرت مبالغة، وتهييجُ النار إضرامُها وجعلُها مضطرمة جدا.</p>
<p>هذا الضّرم للنار، أو التضريم للنار، كيف يُتصور في البحر؟!</p>
<p>البحر الذي هو ماء يصير ناراً، يتفجر ناراً كأن الأرض قد أخرجت أثقالها.</p>
<p>وقد أصبح الآن معروفاً على مستوى الجغرافيا وعلى مستوى الجيولوجيا &#8220;علم طبقات الأرض&#8221; أن باطن الأرض نارٌ، وهذه البراكين إنما هي تنفسات لهذه النيران، تنفسات فقط لهذه النيران الموجودة في باطن الأرض، فتفجير البحار، وتسجيرها معناه أن تختلَّ الموازين، تختلّ الأنظمةُ القائمة الموجودة الآن لأن الكون سيتبدل حتما، حين سيصدر الأمر له بالتبدّل {يوم تبدل الأرضُ غيْر الأرضِ والسَّمَاوات..}(إبراهيم : 48) فهذه أربعة من المشاهد الأرضية.</p>
<p>المرحلة الثالثة : مرحلة الإنسان وما يجري له، ولأنواعه من تحضير للحساب، وتعجيل بسؤال الوائدين لبناتهم بغير ذنب، ونشر الكتب والصحف المحصية لكل كسب أو اكتساب.</p>
<p>هذه المرحلة بدايتها {وإذا النفوس زُوِّجت} التزويج : جمع شيء مع زوجه  ذكر العلماء معنيين مهمين من معاني التزويج :</p>
<p>الأول عوْدة الأرواح إلى أجسادها استعدادا للحساب ومعناه : البعث والنشور. فهذا التزويج متعلق إذن بتزويج الروح والجسد، فهما زوجان متكاملان.</p>
<p>الثاني هو : تصنيفهم أصنافا وأنواعا استعداداً لما بعد، الأنواع التي ستذهب إلى النار، والأنواع التي ستذهب إلى الجنة.</p>
<p>فهي استعدادات في مجال الإنسان : تحضير تزويج النفوس في هذا الاتجاه، هو التحضير ليوم الحساب.</p>
<p>ومن التحضير للحساب التعجيلُ بسؤال الوائدين بغير ذنب.</p>
<p>كأنه من شدة فظاعة هذا الجرم، الذي كان يفعل بالإناث من النساء بوأدهن ظلما يعجُّل النظر فيه، فقبل الحساب يُسْأل أصحابُه عنه لخطورة هذا الجرم {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قُتلت}.</p>
<p>وطبعا لا نتجه إلى تفسير، كيف كان حال الأوضاع المزرية التي وجد الإسلام عليها المرأة في الجزيرة العربية وأين رفعها في حُدودِ ثلاث وعشرين سنة، أين كانت؟ وأين صارت؟ كلام طويل في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله  والسيرة النبوية، لا سبيل إلى الحديث عنه الآن.</p>
<p>&gt; المرحلة الربعة : مرحلة نشر الكتب والصحف المحصية لكل كسب أو اكتساب {وإذا الصحف نشرت} أي : الصُّحف التي كان يكتب فيها كل شيء {وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون}(الانفطار : 10- 11).</p>
<p>كل ما نفعله يحصيه ملكان ملك عن اليمين، وعن الشمال.</p>
<p>هذا الذي يُفعل سيُنْشر إذ ذاك، هذه لحظة آتية بعد الأخرى : أُعِدَّ الناس، زوِّجوا، صُنِّفوا أصنافا استعدادا لما هو قادم، سئل من سُئل، نظرا لفظاعة هذا الجرم، بعد ذلك نُشِرت الصحُف، مباشرة استعداداً للحساب بعد {اقْرَأْ كتَابَك كفى بنفسك اليَوْم عليك حسيبا}(الإسراء : 14).</p>
<p>&gt; المرحلة الخامسة : مرحلة العالم الآخر الذي سننتهي إليه، العالم الآخر وما يجري به من إعداد لاستقبال أنواع الإنسان.</p>
<p>مِنْ كشف للغطاء عن عالم الخلود، وتضريم لطبقات الجحيم، وتقريب لجنات النعيم.</p>
<p>المشهد الأول :</p>
<p>{وإذا السماء كُشِطت} هذه السماء التي كُشِطَتْ ليست هي السماء الأولى التي كورت فيها الشمس، فبعد زوال الشمس وبعد زوال النجوم سيأتي أخيراً كشط السماء والكشط في العربية هو السَّلْخُ للإبل.</p>
<p>إذ السلخ يقال في اللسان العربي للبقر والغنم، ولا يقال كشط البقر والغنم، كما لا يقال سلخ الإبل، كل لفظ يستعمل له ما يخصه فالسلْخُ للبقر والغنم ويقابلُه الكشطُ للإبل. ومعنى كشط السماء إزالة هذا الجلد الذي لها ومعناه أيضا عملية إزالة غطاء، لتنكشف المشاهد التي ستأتي بعد ذلك مباشرة {وإذا السماء كُشِطت} فماذا نتج؟</p>
<p>المشهد الثاني والثالث :</p>
<p>{وإذا الجحيم سُعِّرَت، وإذ الجنة أزلفت} ومن الطرائف أن الجحيم في اللسان العربي هي النارُ ذات الطبقات في الوقود. هذه من الطرائف&#8230;</p>
<p>فلفظ الجحيم بحد ذاته، كان عند العرب يطلق ليس على أي نار، بل يطلق على النار المكوّنة من طبقات في الوقود، فلهبها شديد جدا، هذه الطبقات تُضَرَّم {وإذا الجحيم سُعِّرت} صارت مُسْتعرة. وجُحِّمَتْ يعني صارت جحيما أشد.</p>
<p>{وإذا الجحيم سعِّرت} {وإذا الجنة أزلفت} هاذان المشهدان الأخيران اللذان يتم الاستقبال الذي تحدثت عنْه فيهما، طبعا زُوِّجت النفوس لتصبح فريقين {فريق في الجنة وفريق في السعير}.</p>
<p>ولكن هل حدث الحساب؟!.</p>
<p>في هذه المشاهد؟ لا.</p>
<p>ما هي النتيجة إذن؟</p>
<p>الحصيلة : {علمت نفس ما أحْضَرت} وصلنا إلى الحصيلة التي هي المرحلة الأخيرة.</p>
<p>مرحلة الحصيلة الحاضرة أمام العين التي هي نتيجة مرحلة الاختبار في الدنيا، وأساس دار القرار في النار، أو في الجنة إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.</p>
<p>هذه المشاهد قُصِد بها أن تحضر في قلب المؤمن، أن تحضر في قلب المتلقي لهذا القرآن لينتقل مباشرة من مشهد إلى مشهد ليواجه في الأخير النهاية التي هي حصيلة جهده وعمره {علمت نفسٌ ما أحْضَرَتْ} ماذا أحضرت؟ خيراً كثيراً، خيراً قليلاً، شراً، ماذا؟ {يوم تجد كُلُّ نفس ما عملت من خير مُحضراً وما عملت من سوء تودُّ لو أنّ بيْنَها وبينه أمداً بعيداً}(آل عمران : 30).</p>
<p>هذا هو المشهد الذي كنت أقصد في البداية : أن بداية اليقظة استحضارُ أهوال اليوم الآخر، وكأنها تُشَاهد.</p>
<p>قبل أن يتحدث القرآن عن القرآن، ومن أين جاء هذا القرآن؟! وما وظيفة هذا القرآن؟.</p>
<p>أولا : حَضَّرَ الإنسان لاستقبال القرآن، أيقظ الإنسان، أيقظ المتلقِّي، هزَّه هزا عنيفا عبر هذه المشاهد المتتالية التي تضعه أمام المصير بصراحة ووضوح {علِمَت نفس ما أحضرت} إنها النهاية.</p>
<p>{علمت نفس}.</p>
<p>كلُّ نفْس.</p>
<p>{علِمَت نفس ما أحْضَرَت}.</p>
<p>إنها إذن خلاصة كسب الدنيا : خلاصة كسب مرحلة الاختبار {خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}(الملك : 2).</p>
<p>إذن تلقائيا : الحياة الدنيا تختصر في النهاية في نتيجة، في حصيلة، هذه الحصيلة إما النار المسعّرة، وإما الجنة المُزْلَفَةُ، هذه تنتظر الداخلين، وهذه تنتظر الداخلين، نسأل الله أن نكون من خَلْقِ الجنة بفضله وكرمه، فهذه المشاهد ذكرت مقدمة لأمر آخر هو هذا الذي سيبدأ بعد في الهدى الثاني.</p>
<p>الهدى الثاني : بداية الوعي القويم التفسير الصحيح للظاهرة القرآنية والقول القرآني، لأنه هنا سمي ب&#8221;القول&#8221;. {إنه لقول رسولٍ كريم، وما هو بقول شيطان رحيم}.</p>
<p>القول القرآني أو الظاهرة القرآنية بصفة عامة ما تفسيرها؟</p>
<p>نجد في الآيات تفسيراً بأنها نتيجة السحر والجنون، وأنها قول شيطان رجيم، وعدة أشياء ذكرها القرآن في هذه السورة، نافيا معناها.</p>
<p>إذن هناك تفسيرات كثيرة وخاطئة للظاهرة القرآنية، سواء التي ذكرت قبل، أو التي تُذكر اليوم أو غدا.</p>
<p>كلها لا تستقيم مع طبيعة هذا القرآن.</p>
<p>والتفسير الصحيح هو هذا الذي يذكره منزله سبحانه وتعالى، مُنَزِّلُ القرآن يفسر الظاهرة القرآنية عَبْر مراحل أيضا على الشكل التالي :</p>
<p>من قوله تعالى {فلا أقسم بالخنس الجوار الكُنّس، والليل إذا عسعس، والصّبح إذا تنفّس إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثَمَّ أمين وما صاحبكم بمجنون، ولقد رآه بالأفق المبين، وما هو على الغيب بضنين، وما هو بقول شيطان رجيم، فأين تذهبون}.</p>
<p>أين تذهبون يابني آدم بتفسيراتكم العجيبة الغريبة؟!</p>
<p>إذن : ما هو ذلك التفسير الصحيح؟ التفسير الصحيح جاء على الشكل التالي :</p>
<p>&gt; أولا : إن هذه الظاهرة القرآنية ظاهرة محكومة بالنظام العام لتعاقب الأزواج، لنتذكر أن الله عز وجل قال في آ ية أخرى {ومن كل شيء خلقنا زوجين} وأن نظام الزوجية نظام كوني شامل كامل عام.</p>
<p>والزوجية لها أشكال : هي نوع من الثنائية كالتي بين الرجل والمرأة والليل والنهار، والشمس والقمر.. وهناك أشياء تكون الزوجية فيها بالنسبة لغيرها، تتكامل معها، وتمثل زوجية.</p>
<p>هذه الزوجية نظامها نظام عام شامل وهذا يعني أن الظاهرة القرآنية لا تخرج عن هذا النظام أيضا  إذ القرآن هو الروح للإنسان الحي.</p>
<p>لذلك فلا عجب أن يُرى صبح قد تنفس بعد ليل قد عسعس {فلا أقسم بالخنس الجوار الكُنَّس، واللّيل إذا عسعس والصّبح إذا تنفس} وهذا القسم مقدمة تأتي بظواهر كونية، ولكن قد لا نلتفت إليها، كأنها تدفعنا دفعا لتأملها، واكتشاف النظام، أو الأنظمة التي تحكمها. يجب أن تُعرف لأنها أساس، وهذا شيء سيواجهنا في عدد من السور {والليل إذا يغشى والنّهار إذا تجلى} هو قادم إن شاء الله عز وجل، أشكال من القسم التي يبتدئ بها القرآن هي مقدمات ترسخ النظام العام الذي يتأسس عليه ما بعده، فينبغي أن يُلْتَفَتَ إليها جيدا.</p>
<p>{فلا أقسم بالخُنَّس} الذي عليه  الجمهور في {الخنس الجوار الكُنّس} أنها النجوم، هناك من قال غير هذا، ولكن الواقع أنه حسب السياق فعلا، وخصوصا في ما بعدها {والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفّس&#8230;} فعلا هذا الذي عليه الجمهور هو الذي نسير عليه باختصار.</p>
<p>والخنّس والخُنوس بصفة عامة هو الظهور ثم التواري، كما يحدث للظبية مثلا عندما تحس بخطر الصياد تخْنِس بسرعة وتتوارى عن النظر، ولكن لا تذهب إلى مخْدَعِها الأساسي، الذي يُسمى عند العرب بالكِناس كَنَسَ الظّبيُ يكْنِسُ : دخل في كِنَاسه أي بيته الذي ينام فيه.</p>
<p>والصورة هنا رائعة فعلا، الصورة هنا يحق لأهل الجمال، ومتذوقي الجمال أن يحسوا بها في هذه الآيات، كأنها تُمهد لجمال القرآن القادم {فلا أقسم بالخُنّس الجوارِ الكُنّس}.</p>
<p>وإذا تأملنا في علاقة هذا الأمر بالواقع الكوني، متى تكون النجوم خُنّساً؟ فالنجوم لها أوضاع : ذكرت بالخنس، وذكرت بالجواري، وذكرت بالكنس، طبعا إذا دخل الظبي كناسه لم يعد يُرَى : فكناسه معناه أنه كان موجودا ثم اختفى، ولم يعد يُرى، لكن حين يكون خانسا فإنه سيظهر بسرعة أو سيأتي وقت يظهر فيه، ولا يكون غائبا، فكذلك الحال في النجوم فحين تطلع الشمس تكون موجودة، لكنها مختفية وحين يأتي الليل تظهر بوضوح وتجري، وحين تأتي نهاية الليل تظهر لنا كأنها غابت بالمرة، فهذا وضع أو ظاهرة بهذا الشكل، وظاهرة أخرى كونية، هي ليل يقبل ويصبح ليلا في بدايته يتمكن من ليليته (مصدر صناعي من الليل أي يصبح ليلا) : عسعس الليل أقبل وهو ليل حقيقة عكسه في النهار : {والصبح إذا تنفّس} كأنه الصبح خرج منه نفس يشعرك بأن النهار قد بدأ بانتشار الضوء فعبر عنه ب&#8221;تنفس الصبح&#8221; وهي صورة معاكسة لعَسْعَسَةِ الليل {واللّيل إذا عسعس # والصّبح إذا تنفس}.</p>
<p>فإذن : تعاقب هذين الزوجين، ووجود النور بعد الظلمة شيء طبيعي، أن تكون مرحلة لم يكن فيها هدى، لم ينزل فيها هدى، مرحلة فترة، عرفتها البشرية لم يكن فيها نور، كانت الرسالات قد انتهت وجاءت فترة، والآن جاء النور من جديد، لاعجب في هذا، هو إشعار بأن هذا الأمر سنة كونية.</p>
<p>وهذه الظاهرة القرآنية المشابهة للظاهرة الكونية قاعدتها الكبيرة قوله تعالى : {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيئين مبشّرين ومُنْذرين}(البقرة : 213) ثم صار الأمر بعد ذلك كلما انطمس أمر الدين، كلما ضعف تدين الناس، وضَعُفَ النور في الأرض، أمد الله الأرض بنور جديد من جديد حتى جاء النور الخاتم الذي لا ينطفئ هو هذا الذي تنفس به الصبح، مباشرة {فلا أقسم بالخنّس، الجوارِ الكُنّس، والليْل إذا عسْعس، والصبح إذا تنفّس إنه لقول رسول كريم} إنه لقول.</p>
<p>&gt; ثانيا : إنها مَنَزّلة من الله جل جلاله في صو رة قول عَبْر ملك رسول {إنّه لقول رسول كريم} ملك رسول مؤهل تأهيلا خاصا لتأدية الوحي إلى رسل الله تعالى من البشر هو جبريل عليه السلام، ومؤهلاته؛ كما هي مذكورة في السورة كلها تعطيه الأهلية الكاملة لحمل هذه الأمانة من الله جلّ وعلا وآدائها إلى من وُجِّهت إليه؛ إنها خمس صفات :</p>
<p>- الصفة الأولى : أنه كريم : والكرم في كلام العرب جماع الصفات الحسنة، فهو ضد اللؤم، الكرم ليس هو الجود، الجود ضد البخل، والكرم ضد اللؤم، قال المتنبي رحمه الله تعالى :</p>
<p>إن أنت أكْرمت الكريم مَلَكْته</p>
<p>وإن أنت أكرمت الكريم تمردا</p>
<p>اللؤم جماع الأخلاق القبيحة والكرم جماع الأخلاق الحسنة. ولذلك توصف الملائكة بالكرم كما في آية أخرى {كِرام بررة}(عبس : 16) إلى غير ذلك، فهو قول رسول كريم معناه أنه يتصف بكل ما يمكن أن يخطر على بالك من الصفات الحميدة.</p>
<p>- الصفة الثانية : أنه ذو قوة : فهو مؤهل لأنه لا يستطيع حمل الأمانة إلا الأقوياء، هذه سنة الله في خلقه لا في الملائكة ولا في الرسل، ولا في البشر العادي، ما وضعت أمانة، وما وكّل الله أمانة لضعيف، فإذا وجد الضعيف كما قال رسول الله  لأبي ذر : &gt;يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها&lt;(رواه مسلم).</p>
<p>فسياق الحديث يشير إلى أن أبا ذر طلب أن يُوَلَّى ولاية فقال له رسول الله  : &gt;يا أبا ذر إنها أمانة وإنك ضعيف لا تولَّيَنَّ على اثنين&lt; معناه ليست له مؤهلات الولاية، وهو فيه ضعف من هذه الناحية، وفيه قوة من جوانب أخرى، لكن في هذا الجانب فيه ضعف، لا يصلح، وليس معنى أن الشخص ضعيف في جهة، لا قوة له في جهة أخرى، الله عز وجل جعل لكل واحد جوانب قوة وجوانب ضعف. إذن فالولاية يولاها الأقوى، ولذلك وصف الله جبريل بأنه {ذي قوة} بمعنى القوة على حمل هذه الرسالة من الله جل جلاله إلى رسول الله من البشر.</p>
<p>- الصفة الثالثة : عند ذي العرش مكين : له مكانة خاصة عالية جدا في الرتبة يقال مكُن الشخص مكانة صار متمكنا في رتبة عالية عند من مَكُن عنده فهنا عند ذي العرش : عند رب العزة، عند الله جل جلاله هو مكين، بخلاف بقية الملائكة.</p>
<p>- الصفة الرابعة : مطاع : أيضا في الملأ الأعلى، نافذ أمره عند الملائكة ولذلك فهو مطاع.</p>
<p>- الصفة الخامسة : ثم أمين : أيضا في الحمل وفي الأداء معا.</p>
<p>هذه الصفات كلها ذكرها الله جل جلاله ليبين هذه النقطة، مازلنا في الظاهرة القرآنية كيف تكونت، هذا القول القرآني، هذا القرآن، هذا الوحي، التفسير الصحيح له ما هو؟ هو أولا داخل النظام العام، ثانيا: أنه منزل من الله جل جلاله عبر ملك رسول مؤهل تأهيلات خاصة لأداء هذه الوظيفة بمعنى أنه : لا يزيد ولا ينقص عن الله عز وجل فهو ملك مختص بالوحي لذلك قال ورقة بن نوفل : &gt;هذا الناموس الذي أنزل على موسى&lt; أو كما قال.</p>
<p>&gt; ثالثا : أن الرسول من البشر الذي أوحي إليه هذا القول القرآني في غاية الأهلية أيضا للحمل والأداء (بألفاظ المحدثين واصطلاحاتهم).</p>
<p>فالرسول من الملائكة في غاية الأهلية، والرسول من البشر كذلك في غاية الأهلية للحمل والأداء.</p>
<p>كأن الله عز وجل يوثق سند القرآن بتعبير علماء أهل الحديث، فمن البشر أيضا اختار رسولا غاية في الأهلية ولذلك وصفه بأوصاف منها :</p>
<p>&lt; أولها : أنه &#8220;صاحبكم&#8221; هذا التعبير بصاحبكم مقصود، وله أهمية كبيرة فهو صاحبكم معروفة خصائص القوة والأمانة فيه لديكم حين قال {وما صاحبكم} يعني رسول الله  بمعنى : أنتم تعرفونه جيدا، {فقد لبثت فيكم عمراً من قبله}(يونس : 161) يعني مدة طويلة : أربعين سنة، وهم يعرفونه جيدا يعرفون خصائصه، يعرفون أمانته، يعرفون صدقه، يعرفون قوته ويعرفون كل شيء عنه، هو صاحبهم فعلا، هنا لابأس أن أقول : أعجبتني لفظة عند أحدهم، قال : الصُّحْبة هي الملازمة في أحوال التجمع والانفراد للمؤانسة أو الموافقة، فالصحبة هي الملازمة، في التجمع والانفراد معا وصاحب الشخص معناه : من كان يلازمه في الأحوال العامة والأحوال الخاصة، ذاك معنى صاحبكم : رأيتموه في أحوال مختلفة وتعرفونه جيدا.</p>
<p>&lt; ثانيها : أنه في تمام العقل، وليس بمجنون كما تدّعون {وما صاحبكم بمجنون} ليس فيه مرض الجنون لأن مسألة الجنون واضحة.</p>
<p>&lt; ثالثها : أنه قد أخذ عن جبريل ورآه رأي العين بالأفق المبين {ولقد رآه بالأفق المبين} فأخذ عنه، أوحى إليه ما أوحى ورآه رأي العين.</p>
<p>&lt; رابعها : أنه أمين في أداء ما حُمِّل من أمر الغيب غيرُ &#8220;ظنين&#8221; -في قراءة- وغير &#8220;ضنين&#8221; في قراءة أخرى- ولذلك نجمعهما معا : هو أمين في أداء ما حمل من أمر الغيب، غير متهم في أمانته وأدائه لما حُمِّل، وغير ضنين أي غير بخيل أو طالب لأجر أو ما أشبه، في تبليغ هذا الخير. هذا العلم الذي هو الوحي طبعا.</p>
<p>&gt; رابعا : أنها قولٌ كريمٌ يتبرأ شكلا ومضمونا من أن يكون قول شيطان رجيم، حين قال الله عز وجل {وما هو بقول شيطان رجيم} هذا النفي بهذه الطريقة ركّز فيه على القول لا على مصدره، معناه : أنه هو القولُ نفسُه إذا قرأت هذا القول وتلقيته وتلقيت مضامينه : تلقيت الشكل الذي صدر به وعليه والصورة الأدبية التي خرج عليها المبنوية والمعنوية، الشكل الذي خرج عليه هذا القرآن ليس كلام شيطان، لأن الشيطان يفسد في الأرض، يأمر بالمنكر والشيطان كلامه كله خبيث أما هذا الكلام فهو كلام طيب كلام يُرشد إلى الخير وفيه كل الخير وهو كلام حسن.. {وما هو بقول شيطان رجيم}(التكوير : 25) كيف يكون كذلك؟! لذلك قال {فأين تذهبون} كأنه يشير إلى ضرورة نفي أي تفسير آخر لهذا القول وصدوره ولهذه الظاهرة القرآنية غير ما تقدم لا يستقيم ولا ينسجم معها، لا يستقيم ولو حاول من حاول، هذه حقيقة  هذه حقيقة صدور القرآن، وإذن فمصدرية القرآن وتوثيقه، وتفسيره هنا ضبطت في هذه السورة.</p>
<p>الهدى الثالث : بداية الاستقامة في السير العلم بوظيفة القرآن الكريم أنه ذكر للعالمين، هذا هو القسم الأخير {إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ربّ العالمين}.</p>
<p>هذا المعنى الذي يوضح وظيفة القرآن. هذه الوظيفة القرآنية حُدِّدت في عدة آيات وبعدة صور، بعضها يشرح بعضا، وتظهر أيضا في الأسماء التي سمي بها القرآن.</p>
<p>ومن هذه الأسماء التي سمي بها القرآن أنه : &#8220;الذكر&#8221;، وقد مضى في سورة القلم، {وقالوا يا أيها الذي نزّل عليه الذّكر إنك لمجنون}(الحجر : 6).</p>
<p>وسبب هذه التسمية هو أن وظيفة القرآن الأساسية أن يُذَكِّر الإنسان بالحقائق الضخمة في مبتدئه، والحقائق الضخمة في مصيره، والحقائق الضخمة في سيره من مبتدئه إلى منتهاه، إلى مصيره.</p>
<p>هذه الأمور الكبيرة التي هي موضوع التذكير هي : رسم المنهاج، جواب على الأسئلة الصخمة، تذكيره بحقائق الفطرة، تذكيره بالعهد الأول، تذكيره بالله جلّ جلاله، من أين جاء؟ وإلى أين يسير؟ لأن هذا المجموع بكامله في مسيرتنا الخالدة سيحضر يوما، سيقول قائلون يوما {ربنا أمتّنا اثنتين وأحيْتنا اثنتين فاعترفْنا بذنوبِنا فهَل إلى خروج من سبيل}(غافر : 11).</p>
<p>هناك استمرار للروح، كانت قبل هذه الحياة، وكانت في هذه الحياة، وستكون بعد هذه الحياة، ثم تُبعثُ بعد ذلك في الحياة الأخرى، موتتان : موتة قبل هذه الحياة، وموتة بعد هذه الحياة، وحياة هي هذه الحياة، وحياة بعد الموتة الثانية {أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} لكن هذه حياة قصيرة صغيرة، حياة اختبار، وفرصة للعمل، أما الحياة التي هي الحياة فهي الأخرى، والتي {يوم يتذكر الانسان ما سعى} سيقول {ياليتني قدمت لحياتي} كأن هذه الحياة الدنيا لم تعد تعتبر، فهي ليست بحياة، وهذا منطقي جدا؛ لأن هذه الحياة يعقبها موت، أما الحياة الأخرى فلا يعقبها موت، {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى}(الدخان : 56) التي مضت.</p>
<p>إذن هذه هي التي تستحق أن تسمى حياة فهذا التذكير هنا لخص وظيفة القرآن، وهو يُشْعِر بأن هذه الآية، وهذه الآيات، وهذه السّورة من السور المبكّرة فلا تحدد الوظيفة بالتفصيل، ولكن تحددها بإجمال كبير. {ذكر للعالمين} في أي شيء؟ في كل شيء، ولكن كيف؟ سيأتي بعد {وكل شيء فصّلناه تفصيلا} هذا أمر سيأتي بعد، لكن المهم في البداية هو السير باستقامة إلى تلك النهاية التي رُسمت في أول السورة لجعل الـمُحْضَر خيرا لا شرا.</p>
<p>ولأن الدخول إلى الجنة التي أزلفت يحتاج إلى معرفةِ حقيقةِ القرآن : {إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم} وفق هذا الذكر ليَسِير إلى ربه {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربّه سبيلا} هذا الاتخاذ  هو تذكرة بكل شيء، لكن بالمعاني الغليظة التي من بينها التذكير بمنطلق هذا الإنسان، بمبتدأ هذا الإنسان بصفة عامة، ليعرف الإنسان من أين جاء، ليس كالشاعر أبي ماضى الذي قال :</p>
<p>جئت لا أعلم من أين، ولكني أتيت</p>
<p>ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت</p>
<p>وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت</p>
<p>كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري!</p>
<p>هذا تمام الضياع، وهذه النقطة مهمة جدا؛ إذا تأملناها؛ هذه التي ترتبط بمقدمة السورة.</p>
<p>إن الفلسفات بصفة عامة التي تسحق الإنسان وتجعله عدميا، متشائما، متوتراً هي نفسها فلسفات عدمية لا تفتح أمامه الأفق الحقيقي ليرى الحق في الأفق المبين، لا يرى النهايات السعيدة بهذا الوُضوح الذي يشرحه ويُجلِّيه القرآن، فيرسُمُ الطريق في المعاش، وفي المعاد، الطريق بكامله، في مرحلة هذه الحياة الصغيرة، وفي الحياة البرزخية، وفي ما بعد ذلك في الحياة التي لا نهاية لها. إذا أخذنا على سبيل المثال الفلسفة الوُجودية التي تحصر معنى الإنسان وحياة الإنسان في هذه الحياة الدنيا، إلى حد أنها تتصور -نظرا لانطلاقها من الإلحاد ونفي وجود الله- أن الإنسان يصنع ماهيته، ليست هناك فكرة سابقة على أساسها رسم الإنسان وخطط الإنسان، وخلق الإنسان وقدر له ما قدر كما نؤمن نحن &gt;يكتب رزقه وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد&lt; كل شيء رُتِّب {اعملوا فكل ميسر لما خُلق له، نحن نتصور الحياة منظمة مركَّزة، كل شيء مرتب في هذه الدنيا، وكل شيء مرتب فيما بعد الدنيا، وعلاقة هذه الدنيا بالآخرى أيضا في ترتيب تام وتنسيق تام، هذا الترتيب يفتح أملا كبيرا، لكن الآخر ما الذي يحدث له؟ وجوده ينتهي بالموت ومعناه هو الذي يرسمه في السير لا معنى له قبل، هو يحاول رسم معناه، في النهاية نجد حالة ألْبِير كامو وأمثاله في أسطورة سيزيفْ، أن يصْعَد بالصخرة إلى نهاية الجبل ثم تنزل، ثم يعود من جديد ليصعد بها إنه العبث كما قال الله عز وجل {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار}(ص : 27) يظنون أن الأمر عبث، هذه الدنيا!! ما هذه الدنيا؟! لماذا يعيش؟! فيحدث الضياع فعلا فيضيعون ويُضيّعون لأنه لا يوجد معنى، لماذا يعيش؟ إلى أين؟ فيقع الضياع، وتحصل العدمية، ويحدث الانتحار، ويحدث ما أشبه ذلك من الظواهر الغريبة.</p>
<p>لكن المؤمن عكس هذا تماما، بسبب هذا الأمر الذي يتعلق بالتصور الصحيح الدقيق للنهاية، بل للنهايات كلها : النهاية الأولى، والنهايات الأخرى التي تأتي بعد، في أهوال يوم القيامة وغيرها، وما تنتهي إليه، فالقرآن الكريم تذكرة بالمبتدأ، وتذكرة بالمنتهى، وتذكرة بالسبيل بين ذلك، بالسبيل إلى الله بصفة عامة بالمنهاج. كل ذلك في القرآن، هذا هو الذي جعل الكلام الأول يصاغ : في العبارة &gt;لا يستقيم سير البدايات حتى يستقيم تصور النهايات&lt; ثم جاءت بعدها عبارة : &gt;ولا استقامة لسير الإنسان بغير هدى القرآن&lt;.</p>
<p>خـــلاصــة هـــدى الســــورة</p>
<p>يمكن أن نحصره في ثلاثة أمور :</p>
<p>أولا : ضرورة الذكر والتذكُّر والتذْكير باليوم الآخر : أن نذكر نحن أولاً اليوم الآخر وما فيه، ونتذكر ثانيا، ونُذَكِّر به ثالثا، ضرورة الذكر والتذكر والتذكير باليوم الآخر لمحاربة السَّكْرة والغفلة، وتكثير حالات الصحو واليقظة في بني آدم، لأنه مع الغفلة، ومع السكرة، تأتي الخطايا &gt;لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن&lt;(رواه البخاري) لأن  &gt;الشيطان جاثم على قلب ابن آدم إذا ذكر الله خنَس وإذا غَفَل وسْوس&lt; فإذن الوسوسة لا تكون إلا في حال الغفلة، فكأنا بالغفلة نفتح بابا ونقول للشيطان تفضل ادخل فيوسوس والنفس تستجيب له {ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها}(الشمس : 7- 8) فتستجيب فيقع ما يقع، من المعصية التي بسببها ينزل الغضب.</p>
<p>بصفة عامة ينبغي الإكثار من فعل الحسنات لأنه إذا كثرت الحسنات نزلت الرحمة، وهنا نأخذ المنطق الدقيق لرسول الله  : &gt;لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق&lt;(رواه مسلم) أيعجز أحدنا أن يبتسم في وجه أخيه، تلك الابتسامة يا أحبتنا، وهي عزيزة عند عدد عديد ويعِزُّ عليه أن يبتسم في وجه أخيه، يلقاه بوجه جهم، لا!! إذا لقيت أخاك فالْقَه بوجه مبتسم، نسأل الله أن نكون ممن يتصدقون بهذه الصدقة البسيطة، وهي صدقة ابتسامتك في وجه أخيك كما في الحديث الصحيح : &gt;تبسمك في وجه أخيك لك صدقة&lt;(رواه الترمذي) هذه البسمة لا يمكن احتقارها لأنها حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وبكل حسنة تنزل رحمات، فتصور، وبكل رحمة تمحى سيئات {إن الحسنات يُذهبن السّيئات} فإذن يزداد الخير في الكون كله، وتزداد الرحمة بالبَسْمة، نعم بالبَسْمة!!.</p>
<p>والميزان يوم القيامة قد يثقل بسبب تلك البَسمة، قد نحتاج في الميزان، لكي ننجح ونفوز بالجنة، لأجر تلك البَسمة، فإذن : &gt;لا تحقرن من المعروف شيئا&lt; بمعنى : افعل ما استطعت من الخير بكل سبيل، افعله بعينك، افعله بيدك، افعله بأذنك، افعله بلسانك، افعله برجلك، افعله بكل شيء، بجَيْبِك بأي شيء، افعل الخير كما قال تعالى {يا أيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلكم تُفلحون}(الحج : 77) افعلوا الخير، افعلوا الخير! هذا مهم جدا.</p>
<p>ولذلك فمحاربة الغفلة سد لِلْبَابِ في وجه الشيطان وهي طريقه في محاربة الشيطان، هي إغلاق للباب الذي يدخل منه الشيطان، ولذلك قال الله عز وجل {يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا}(الأحزاب : 41) اذكرو الله ذكرا كثيرا، ليس بالصلاة فقط والتي هي محض ذـكْر، بل حتى خارج ذلك {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون}(الجمعة : 10).</p>
<p>والذكر حال سبق أن كان الكلام عنها في سورة المزمل&#8221;، وأنها ينبغي أن ترتقى، وترتقى.. إلى أن يصل فيها العبد إلى درجة التبتل إلى الله، أي الانقطاع إليه. {واذكر اسم ربّك وتبتّل إليه تبتيلا}(المزمل : 8).</p>
<p>هذه النقطة الأولى : ضرورة الذكر والتذكر والتذكير باليوم الآخر لمحاربة السّكرة والغفلة.</p>
<p>وتكثير حالات الصحو واليقظة&#8221; مطلوب القوة لأننا الآن كأننا سكارى، فالناس سُكارى وما هم بسكارى ولكن غضب الله شديد، نسأل الله السلامة.</p>
<p>ثانيا : ضرورة الاستيقان بأن هذا القرآن من الرحمان، وما هو بقول شيطان ولا جان :</p>
<p>تحرير هذه النقطة، وعدم الارتياب فيها بأي شكل من الأشكال، والاستيقان بحقيقتها لأنها إذا استقرت لا يمكن أن نتعامل مع القرآن على أنه نص من النصوص، نتعامل معه باستقلال تام عن الله جل جلاله، كما تدعي البنيوية، وأنه كلام من الكلام، كبقية الكلام، نستخلص منه الكلام، هذا خطأ جليل في الأفهام، هذا كلام الله جل جلاله. ولا يفهم القولُ إلا في علاقته بقائله، وكل فصل للقول عن قائله، وكل نظر فيه بمعزل عن صاحبه، فيه ضلال مبين بيّن، وهو من العبث المنهجي، إذ لا يعقل أن نعزل القول عن القائل، لابد أن ندخل إلى عالم القرآن، ونستمع إلى القرآن على أننا نُخَاطَب من الرحمان، خطاب من خالقنا لنا، إذا تلقيناه على هذا الأساس فإن حالنا سيصلح وستنالنا الرحمة {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}(الأعراف : 204) إذا تم هذا بهذا الشكل، فعلا تكون الرحمة من الله وتتنزل في القلب، وتسري في الجسد وفي العروق، ويكون كل خير، وتظهر آثارها في الخارج، أما إذا كان الأمر الآخر، أو وقع هذا الهراء، وحصل هذا الكلام الغريب فسيكون الخسران المبين.</p>
<p>فلذلك هذه النقطة أساسية أيضا &gt;ضرورة الاستيقان بأن القرآن من الرحمان وما هو بقول شيطان ولا جان&lt;.</p>
<p>ثالثا : ضرورة الاستقامة على هدى القرآن لمن شاء الفوز في الدارين :</p>
<p>{لمن شاء منكم أن يستقيم} ضرورة الاستقامة على هدى القرآن، هذه الأمة، بل البشرية مطلقاً لا سبيل إلى سعادتها في الدارين إلا بالاستقامة على منهاج القرآن {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}(الإسراء : 9) على الإطلاق، في الوصول إلى المقاصد الحسنة في الدنيا والآخرة. فسعادة الدارين ليس بالمعنى الخُرافي، بل بمعنى أن السيادة والريادة والقيادة لهذه الأمة، وسيرورتها شاهدةً بحق على هذا، ويشهد لها العالم بذلك، عن طواعية واختيار، يشهد لها بذلك لأنها تتفوق،  التفوق الآن في عددمن الدول، فاليابان مثلا في صناعة الحديد، وصناعة السيارات، هل هناك من يكابر في تفوقها في هذ المجال؟!</p>
<p>كذلك الأمر يوم يعود الناس إلى هدى القرآن، ستظهر الآثار والبراهين الساطعة الواضحة للعالم كله، ويشهد الجميع أن أهل هذا القرآن هم الأجدر بإمامة العالم، فأين هم!!؟</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2011/09/%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%af/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الفاتحة</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%aa%d8%ad/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%aa%d8%ad/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 27 Sep 2010 09:09:26 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 276]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الفاتحة]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6388</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الفاتحة د. الشاهد البوشيخي هذه السورة القصيرة العظيمة التي تعلمون الأحاديث الصحيحة التي وردت فيها، نحاول اليوم أن نلتمس ما يسر الله من الهدى المنهاجي فيها مما تحتمله هذه الحصة وأول ذلك : الهدى الأولى : رأس الأدب مع الله البدء باسم الله : وتحت هذه النقطة ثلاث نقط [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الفاتحة</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>هذه السورة القصيرة العظيمة التي تعلمون الأحاديث الصحيحة التي وردت فيها، نحاول اليوم أن نلتمس ما يسر الله من الهدى المنهاجي فيها مما تحتمله هذه الحصة وأول ذلك :</p>
<p>الهدى الأولى : رأس الأدب مع الله البدء باسم الله :</p>
<p>وتحت هذه النقطة ثلاث نقط :</p>
<p>&gt; أولا : لا مسَّ لشيء في ملك الله إلا باسم الله : أي باستئذان الله.</p>
<p>&gt; وثانيا لا شروع في أي قول أو فعل إلا باسم الله، أي باستئذان الله، وحوْلِ اللّه.</p>
<p>&gt; وثالثا لا دخول إلى محراب القرآن وعالم القرآن إلا باسم الله، أي بإذن الله وحول الله.</p>
<p>فرأسُ الأدب مع الله إذَنْ البدْءُ باسم الله.</p>
<p>تعلمون ما هو معروف من الخلاف : هل باسم الله الرحمان الرحيم آية من الفاتحة أم لا؟</p>
<p>خلاف بين أئمة المذاهب  معلوم مشهور.</p>
<p>ولكن مراعاةً للخلاف الذي هو أصل من أصول المذهب. نتعامل معها على أنها آية من هذه السورة العظيمة ونعتبرها مدخل المدخل.</p>
<p>فإذا كانت الفاتحة هي المدخل لكتاب الله عز وجل وهي المقدمة فهذه الآية مقدِّمة المقدِّمة.</p>
<p>وإذن فـ &#8220;رأْسُ الأدَبِ مع الله : البدء باسم الله&#8221;  لأن أول ما يقرأ القارئ من كتاب الله عز وجل بعد &#8220;أعوذ بالله من الشيطان الرجيم&#8221; : {باسم الله الرحمان الرحيم}.</p>
<p>وذلك يعني أن الأدب الواجب مع الله عز وجل، ومع كل ما يتصل بالله عز وجل هو أن لا يُقْرَب إلا بباسم الله.</p>
<p>فملك الله تعالى على ما هو عليه لا ينبغي أن يُمَسَّ شيءٌ منه إلا باسم الله، أي باستئذان الله جل وعلا، وهو أدب عظيم جدا جداً، الملك لله جل وعلا فأي تصرف فيه، وأي مَسٍّ لشيء فيه لا يمكن أن يكون إلا بعد استئذان مالكه.</p>
<p>وهذا الاستئذان يصل في بعض الأحيان -إذا ربطنا الكلام ببقية القرآن- يصل إلى حدّ أن يصير الشيء حراما إذا لم يُذْكَر عليه اسم الله {ولا تاكُلُوا مِمَّا لم يُذكر اسْم اللّه عليه}(الأنعام : 121) لأن نزع حياة بغير استئذان واهِب الحياة هو شيء عظيم عند الله تعالى، ولكن إذا أُخذ منه الإذن فإنه يصير جائزا، ويصير حلالا، و في ذلك إشارة إلى أن هذا الاستئذان أمرٌ أساسي في الأمر كله، في الملك على عظمته، على كِبَرِه، على تنوع ما فيه، لا ينبغي أن يُقرب إلا بإذن الله.</p>
<p>وهذا الإذن مما يقتضيه : يقتضي المشروعية، لأنه لا يحل لامرئ مسلم أن يُقْدم على أمر حتى يعلم حُكم الله فيه، فلا يجوز أن يقال باسم الله ويشرب الخمر، أو يفعل منكراً ويقول : باسم الله.</p>
<p>هذا لا يمكن، لأنه مخالف للمقصود من هذا الأدب الواجب، فأن نشعر هذا الشعور شيءٌ مهم جدا، نحن أمام مُلك له مالكه، وله صاحبه، ونحن بعضُ ملكه، فأي مس لأي جزئية في هذا الكون ينبغي أن تكون باسم الله، أي باستئذان الله عز وجل، أي داخل دائرة ما أذن فيه، وأمر به.</p>
<p>&gt; ثانيا : لا شروع في أي قول أو فعل إلا باسم الله أيضا :</p>
<p>يعني كما أن أي تصرف في الكون لا يجوز إلا بعد الاستئذان بباسم الله، فكذلك لا ينبغي أن يُـشرع في شيء إلا باسم الله : فكأنك تقول : إني أُمَارسه مستئذنًا الله عز وجل، وأمارسه بحول الله عز وجل لا بحولي، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، فكون الأمر مشروعا لا يعني أنه يُقْدَر عليه بغير حول الله لا يمكن. ولذلك على الإنسان أن يستشعر وهو يشرع في أمر ما أنه يَشْرع فيه بإذن الله أولا، وبحول الله وقوته ثانيا. و سبق الكلام في {اقرأ باسْم ربّك} أن رسول الله  لم يكن قارئاً، فقيل له اقرأ {باسم ربّك} أي كُن قارئا بإذنٍ من الله عز وجل، وحول من الله عز وجل، وإن لم تكن قارئا فإنك ستصير قارئا بإذن الله تعالى وحوله، فهو الذي جعل القارئ قارئا، وهو الذي أقْرَأ بالقلم وبغير القلم، وهو وهو..</p>
<p>هذه النقطة أيضا لابد من الشعور بها في البدء. وهي أيضا مهمة في أي ممارسة؛ لأن عددا من الأعمال قد تظهر للإنسان  شاقة صعبة ولكن هي مما أمر الله به أو كلفنا به فينبغي أن يُقْدَم عليها باسم الله،  لأنها إذا أقدم عليها العبد باسم الله فإنه يستطيعها بإذن الله، ولكن إذا نظر إلى حوله ولا حول له فإنه لا يقدر.</p>
<p>وهذه  شبهةٌ قد تعرض لكثير من الناس، فقد يظن ظان أنه لا يستطيع أن يفعل شيئا ما. لكن إذا أدخل هذه النقطة في الحساب فإنه يُرْزق قوةً خاصةً، ما دام مُقدما على مشروع، أي على شيء أذن الله فيه إمَّا في صورة الوجوب، أو في صورة الندب، أي في صورة الجواز.</p>
<p>&gt; ثالثا : لا دخول إلى محراب القرآن وعالم القرآن بصفة عامة إلا باسم الله أيضا، أي إلا بإذن الله وحوله :</p>
<p>معناه : أن هذا العالم الذي هو عالم القرآن وما فيه من أسرار، ومن خيرات وبركات ومواهب ربانية، هذا العالَمُ القرآنيُّ لا يمكن الدخول إليه، ولن يفتح كنوزه وأبوابه، ولن يُعطى العبد أسرارَه إلا إذا دخله أيضا بهذا المعنى، دَخَلَه باسم الله مستئذنا له ومتوكلا عليه.</p>
<p>ذلك بأن هذا القرآن -كما سنرى- بعد قليل رحمة مهداة، ومن ثم فلا استفادة من هذه الرحمة، ولا دخول لهذه الرحمة، ولا تمتُّع بما في هذه الرحمة إلا إذا دخل العبد مستشعراً هذا المعنى في &#8220;باسم الله&#8221;.</p>
<p>الهدي الثانية : رأس الرحمة من الله : القرآن الكريمُ كتابُ الله :</p>
<p>نزولا، وقراءة، وإنصاتاً، وعملا، وتعلما، وتعليما، وغير ذلك، فهو في كل الأحوال رأس الرحمة من الله التي نزلت للعباد.</p>
<p>نحن نعلم جميعا أن الله عز وجل قسم رحمته مائة قسمة، وأنزل منها قسمة واحدة إلى الحياة الدنيا، وادّخر تسعا وتسعين قسمة إلى الآخرة ليتمتع بها المؤمنون جعلنا الله وإياكم من الصادقين ومع الصادقين.</p>
<p>تلك القسمة الواحدة بها يتراحم جميع الخلائق وتلك القسمة حظها الأكبر مركز في هدى الله تعالى، وهدى الله مركزٌ في القرآن الكريم.</p>
<p>وها هنا ثلاث نقط فرعية تابعة لهذه الحقيقة الضخمة :</p>
<p>- برحمة القرآن الكريم صار محمد  رحمةً للعالمين.</p>
<p>- وبرحمة القرآن صار أصحابه رحماء بينهم.</p>
<p>- وبرحمة القرآن تصير الأمة في تراحمها أيضا متى تراحمت كالجسد الواحد.</p>
<p>وقد أخبرنا الله عز وجل عن رسول الله  بقوله جل وعلا {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(الأنيباء : 107).</p>
<p>فرسول الله  قبل نزول القرآن كان هو محمد بن عبد الله، وبعد نزول القرآن صار نبي الله ورسول الله، أي تحوّل إلى الخيرية والرحمة ببدء نزول هذه الرحمة.</p>
<p>وكُلّ خير أكرم الله به هذه الأمة منذ رسول الله  فأصحابه من بعده، فالتابعين، فالراسخين في العلم عبر التاريخ حتى اليوم، فالذين سيأتون بعدنا من أهل العلم والفضل، كُل أولئك وما وفقت إليه الأمة قديما وما تُوفَّق إليه  الآن، وما ستوفق إليه غداً، كلُّ ذلك داخلٌ ضمن الرحمة التي جاءت من رحمة القرآن الكريم.</p>
<p>لأن القرآن رحمة من رحمة الله، ولأن الصفة العظمى من صفات الله جل وعلا هي صفة الرحمة ولذلك سمى نفسه تعالى في آيات متعددة بـ&#8221;الرحمان&#8221; فقط فلم يقل {الله الرحمان} بل قال {الرّحمن فاسْأَل به خبيراً}(الفرقان : 59) وقال : {الرَّحْمن علّم القُرآن}(الرحمن : 1- 2) وقال : {وإذَا قِيل لهُم اسْجُدُوا للرحمن قالُوا وما الرَّحْمن}(الفرقان : 60) &#8220;الرحمان&#8221; هكذا.</p>
<p>فالرحمة هي الصفة العظمى التي تدخل ضمنها تقريبا جميع الصفات الأخرى؛</p>
<p>وللإشارة فقط إقرأوا سورة الكهف، وبالضبط قصة موسى والعبد الصالح : ففيها كل فعل من الأفعال التي قام بها ذلك العبد الصالح، والتي تظهر في ظاهرها أنها شيء فظيع، وذلك ما جعل سيدنا موسى عليه السلام يستنكرها، تلك الأعمال كلّها في النهاية ختمت بقوله تعالى : {رحْمَةً من ربّك وما فعَلْته عن أَمْرى}(الكهف : 82).</p>
<p>في النهاية رحمة من ربك.</p>
<p>قتل الغلام : رحمة من ربك،.</p>
<p>خرق السفينة رحمة من ربك.</p>
<p>إقامة الجدار رحمة من ربك.</p>
<p>لذلك ينبغي أن نفهم أن الأسماء والصفات الأخرى تندرج تحت هذه الصفة، ولذلك كان افتتاح القرآن بعد اسم الله الأعظم بصفة الرحمة، لأن القرآن نفسه صدر عن هذه الرحمة، لأنه هو محْضُ رحمة، وإذا حل في عبد صار ذلك العبد رحْمَةً على قَدْرِ حلول رحمة القرآن فيه، أي على قدر صيرورة القرآن خُلُقًا له.</p>
<p>فحين صار رسول الله  خلقه القرآن صار يساوي القرآن، وأصْبَح مَحْض رحمة مهداة {وما أرْسلْناك إلاّ رحْمةً للعالمِين}(الأنبياء : 107).</p>
<p>ثم الناس بعد ذلك على حسب درجاتهم في التخلُّق بالقرآن يصيرون  كذلك درجاتٍ في رحمانِيَّتهم.</p>
<p>فبهذا القرآن الذي هو رأس الرحمة من الله  عز وجل  صار محمد  رحمة للعالمين لا بسواه، وبه صار أصحابه أيضا على قدر حلول القرآن فيهم رحماء بينهم، وشهد الله لهم بذلك، وبه تصير الأمة في تراحمها كالجسد الواحد كما جاء في الحديث الصحيح المشهور المعروف &gt;مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطفهم مثلُ الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى&lt;(رواه مسلم).</p>
<p>فالأمة إذا أقبلت على كتاب الله عز وجل وأخذته بقوة كما طلب الله عز وجل من يحيى عليه السلام : {يا يَحيى خُذِ الكِتابَ بقُوّة}(مريم :  12) وكما طلب من بني إسرائيل {خُذُوا ما آتَيْناكُم بِقُوَّةٍ}(البقرة : 63)، هذا الأخذ للكتاب بقوة يسهِّل الأمر كله ويؤدِّي إلى حلول صفة الرحمة في العبد على قدر تمثله للقرآن، وتخلّقه بالقرآن، فليس بين الأمة وبين أن تصير أمة مؤسسة على التراحم  إلا أن تعود إلى كتاب ربّها، وأن تعود إلى هذه الرحمة المهداة من الله جل وعلا.</p>
<p>الهدى  الثالثة : رأس الثناء على الله : الحمد لله في كل الأحوال</p>
<p>وتحتها ثلاث نقط أيضا :</p>
<p>- لأنه تعالى يرُبُّ كُلّ الكائنات في الدنيا إيجاداً وإمداداً.</p>
<p>- ولأنه يقيم العدل الحقَّ في الآخرة حسابا وثوابا.</p>
<p>- ولأن رِبَابَتَهُ في الدنيا وعدله في الآخرة يقومان على الرحمة عموما وخصوصاً.</p>
<p>وهذا مستفاد من الجملة الاسمية التي هي ثلاث آيات : {الحَمْدُ لله ربّ العالمين الرحْمان الرّحيم مَلِك يوم الدِّين}.</p>
<p>رأسُ الثناء على الله الحمد لله في كل الأحوال.</p>
<p>فالله عز وجل أهْلٌ للحمد بحكم ما هو عليه سبحانه في ذاته وصفاته.</p>
<p>وأهل للحمد بسبب النعم التي لا نستطيع حتى إحصاءها {وإنْ تَعُدُّوا نِعْمت اللَّهِ لا تُحْصُوهاً}(إبراهيم : 34).</p>
<p>فهو أهل للحمد وأهل للشكر، قال العلماء إن كل  شكر حمد، وليس كُلُّ حمد شكراً، هذا الحمد ينبغي أن يكون لله عز وجل في كل الأحوال، في السراء وفي الضراء، في جميع الأحوال، لأن الله عز وجل -كما سبقت الإشارة في قصة موسى والعبد الصالح- كل ما يفعله بعبده الصالح ليس إلا خيراً &gt;عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كُلَّه خَير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سرَّاء  شَكَر فكان خيراً له، وإن أصابتْه ضراءُ  صَبَر فكان ذلك خيرا له&lt;(رواه مسلم).</p>
<p>لِمَ الله جل جلاله له الحمد في كل الأحوال؟</p>
<p>&gt; أولا : لأن الله جل جلاله يرُبّ كُلّ الكائنات مطلقا في الدنيا، وهي التي يشير إليها {رب العالمين} .</p>
<p>لماذا نحمد الله؟</p>
<p>لأنه رَبُّ العالمين، ولأنه الرحمان الرحيم، ولأنه ملك يوم الدين.</p>
<p>فرب العالمين تتجه لهذه الكائنات الموجودة في الحياة الدنيا، لكل العوالم بصفة عامة، في أي زمان، في أي ظرف، ما قبلنا، ما بعدنا، قبل ظهور آدم، بعد خلق آدم، كُلّ الكائنات مطلقا ربُّها الله.</p>
<p>والربوبيةُ كلمةٌ كبيرة ضخمة. تختصرها صفتان كبيرتان : صفة الإيجاد وصفة الإمداد.</p>
<p>صفةُ الخلق وصفة الرزق، فالله هو الخالق والرازق، هو الموجد وهو المُمِد بكل ما تحتاجه هذه الموجودات، فهذا المعنى العظيم يعني وجودنا أصلا، خروجنا للحياة، ثم ما رزقنا الله، وما يرزقنا وغيرنا من هذه الكائنات، وما أعد لنا في هذا ا لملك العظيم، هذا الإعداد الكوني لِمَجِيء آدم وبنيه، هو في حد ذاته قضية لايستطيع الإنسان تصوُّرَها، لا يستطيع الإنسان أن يتحمل تصورها، هذا الإعداد الضخم للفضاء الكوني، إعدادٌ للملك جملة ليستقبل آدم وبنيه، ويكون خادما لهم {ألَمْ تَرَوْا أنّ اللَّه سخَّر لكُم ما فِي السّماواتِ وما في الأرْض وأسْبغ عليكُم نِعمه ظاهِرة وبَاطِنة}(لقمان : 20).</p>
<p>هذا الإعداد للأرض كيف بارك فيها، وقدر فيها أقواتها، وكيف أعَدّ لها هذه الشمس، وأعد لها هذا القمر، فكم من نعمة نحن غارقون فيها، وعليها تتوقف حياتنا ولكن لا نشعر بها، ولا نلتفت إليها، مثلا نعمة الهواء، نحن لا نلتفت إلى هذه النعمة مع أننا لا نستطيع الاستغناء عنها ولو لمدة  وجيزة، وقِسْ على ذلك نعَمًا أُخْرى ضخمة وعديدة.</p>
<p>فهذه الربوبية المطلقة والشاملة للعالمين إذا تفكر فيها الإنسان وجد نفسه أنه مهما حمد وأكثر الحمد ما وفّى  حق المنعم بها، ولا يسعه إلا أن يقول مثل ما قال الرسول  &gt;سبحانك اللهم وبحمدك عدد خلقك ورِضى نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك&lt; فهو سبحانه أعلم بذلك.</p>
<p>&gt; ثانيا : لأنه يقيم العدل الحَقّ في الآخرة  حسابا وثوابا.</p>
<p>فله الربوبيةُ هنا في الدنيا وله أيضا إقامة العدل الحق في الآخرة، وإلى ذلك العدل تشير {ملك يوم الدّين} يوم الخضوع، ويوم الحساب.</p>
<p>وفي الحقيقة لفظة {الدين} مدارُها في العربية على الخضوع في جميع استعمالاتها سواء كانت من دان به، أو دان له، أو دانه، وفي أي شكل من أشكالها هو يوم الخضوع الكامل {لا يتَكَلَّمُون إلاّ مَنْ أذِنَ لَهُ الرّحْمن وقَالَ صوَاباً ذلك اليَوْم الحَقّ}(النبأ : 38- 39) هذا هو الوضع الذي يكون عليه الناس في يوم الدين.</p>
<p>الناس اليوم يتكلمون ويتجرؤون على الله ويقولون العجائب والله يسمع ويبصر ويمهل، ولكن لا يهمل، أما هناك فلا مجال نهائيا لهذا المستوى من الحرية، لا مجال له، ولذلك يقال {والوَزْن يوَمئذ الحق}(الأعراف : 8) حسابا وثوابا {فَمَنْ يعْمل مثْقَال ذَرّة خَيْراً يَرَه ومن يعْمل مثْقَال ذرّة شَرّا يَرَه}(سورة الزلزلة).</p>
<p>هذا اليوم الآخِرُ هو مظهر كبير لرحمة الله جل وعلا على ما فيه من عذاب أليم لمن يستحقون ذلك {كَتَب عَلَى نَفْسِه الرَّحمة ليَجْمَعَنَّكُم إلى يَوْمِ القيامة لاَرَيْب فيه}(الأنعام : 12).</p>
<p>كم من المظلومين في الحياة الدنيا ماتوا ولم ينصفوا فمتى يُنْصَفون؟!</p>
<p>في ذلك اليوم ينصفون.</p>
<p>وكم من الظلمة يذهبون ولم يلقوا جزاءاً، فمتى يعاقبون ومتى يحاسبون؟!</p>
<p>في ذلك اليوم يعاقبون.</p>
<p>إذا لم يكن اليوم الآخر فستكون مشكلة عُظْمى، لابدَّ من هذا اليوم، ليعتدل النظامُ بكامله.</p>
<p>ولأن الله جل جلاله يقيم هذا اليوم، ويقيم العدل فيه إقامة كاملة مطلقة فهذه أيضا من موجبات حمده.</p>
<p>&gt; ثالثا : لأن ربابته في الدنيا وعدله في الآخرة يقومان على الرحمة عموما وخصوصا :</p>
<p>وهذا ما تشير إليه آية : {الرحمان الرحيم} الموجودة بين الرِّبابَة في الدنيا والعدل في الآخرة، لأن الرِّبابة هي مصدر &gt;ربَّ يرُب ربّاً وربابة&lt; يقول علقمة الفحْل :</p>
<p>وكُنْتَ امرءاً أفْضتْ إليْك رِبَابتي</p>
<p>وقبْلك رَبّتْني فَضِِْعُت رُبُوب</p>
<p>عدَدٌ من الناس سَبَق أن كانوا سادة له، وكانوا يُربّونه، ولكن ما أحْسَنوا مثل هذا الأخير، فقد أضاعوه في تلك الرِّبَابة حيث لم يحسنوا تربيته، والربوب  = جمع رب.</p>
<p>فربابة الله في الدنيا وعدلُه في الآخرة المشار إليهما في النقطتين السابقتين يقومان على الرحمة عموما في الدنيا وخصوصا في الآخرة، وما أروع هذا البناء للرحمان الرحيم في توسطها بين الصفتين بين الدنيا والآخرة، فالرحمان اتجهت إلى جهة الدنيا، لأن الرحمان يفيد السعة سعة الرحمة وشمولها {وَرَحْمتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْء}(الأعراف : 156) الرحيم يُفيد الكثرة كثرة الرحمة. الرحيم تتجه  إلى تِسْعٍ وتسعين قِسْمة، والرحمان تتجه إلى القسمة الواحدة التي نزلت في الدنيا، فالرحمن في الدنيا، والرحيم في الآخرة.</p>
<p>{رب العالمين  الرحمن الرحيم  ملك يوم الدين}</p>
<p>الرحمان في الدنيا يستفيد من رحمته الكفار، والفجار، والفساق، والمجرمون، وكل شيء. يستفيدون من رحمة الهواء، ورحمة الماء، ورحمة النور، و رحمة الضياء ومما لا يُحْصى من النعم. ولكن في الآخرة لا يستفيد من رحمة الله إلا المؤمنون {إنّ اللَّه لا يغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ به ويَغْفِر ما دون ذلك لمَن يَشَاء}(النساء : 48) {ورحمتي وسِعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون..}(الأعراف : 156).</p>
<p>الهدى الرابعة : رأس التقرب إلى الله تعالى : عبادة الله والاستعانة بالله، وتحتها أيضا ثلاث نقط :</p>
<p>- فلا طاعة بغاية الذلة والمحبة إلا لله.</p>
<p>- ولا حول ولا قوة في ذلك وعلى ذلك إلا بالله.</p>
<p>- ولا تقرُّب بعمل صحيح إلى الله إلا بعد القُرْب بعلْم صحيح للَّه من الله.</p>
<p>&gt; أولا : لا طاعة بغاية الذلة والمحبة إلا لله :</p>
<p>ماذا أقصد بهذا الكلام؟</p>
<p>ومداره على الآية : {إيّاك نَعْبد وإِيّاك نَسْتعين}.</p>
<p>رأس التقرب إلى الله عبادته، والاستعانةُ به  سبحانه على تلك العبادة أيضا، لأنه ليس لنا شغل آخر، إلا أن نعبد الله {وما خَلَقْتُ الجِنّ والإنْس إلا لِيَعْبُدون}(الذاريات).</p>
<p>ولذلك كانت العبادةُ بمفهومها القرآني العام تشمل كُلّ فعل من أفعال العباد، لا يخرج منها فعل، فجميع أعمالنا هو عبادة، إما للرحمان وإمّا للشيطان، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده المخلِِصين المخلَصِين.</p>
<p>ذلك بأن الإنسان حين خُلق خُلق عابداً، خلق مجهَّزا، معداً و ميسّراً ليعبد الله تعالى، ولكن جاءت الشياطين فاجتالت العباد فأضلهم  &gt;خلقتُ عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين فأضلتهم&lt; خلقت عبادي حنفاء يعني عابدين لي بإخلاص، متجهين لي، لأن الحَنَفَ نوعٌ من الميل، فالله عندما خلقهم خلقهم متجهين إلى جهته سبحانه وتعالى، لا إلى جهة الشيطان، لكن الشيطان قَعَدَ لهم في الصراط المستقيم، ففتن عددا منهم، نعوذ بالله منه.</p>
<p>فإذن رأس التقرب إلى الله هو عبادة الله تعالى، والاستعانة به.</p>
<p>ماذا يقصد بالعبادة؟!</p>
<p>أفضل ما فسرت به العبادة هي الطاعة بغاية الذلة، وغاية الخضوع، وغاية المحبة. وهي ببساطة، أن تجعل من نفسك عبداً لله تعالى، عبْداً بالاختيار، لأن من مادة عبد : العبدية، فالله ربٌّ والعبد عبدٌ.</p>
<p>لكن هذه العبدية نوعان : عبدية بالإضطرار، وهذه هي حالة الكفار، وحالة بقية الكائنات، وهي أقلُّ مراتب العبدية، وهناك عبديّة أفضلُ هي العبدية بالاختيار، وهذه حال العبّاد لله حقا وصدقا عن محبَّةٍ واختيار.</p>
<p>كُلُّنا عبيد لله بالاضطرار ، لكن بعضنا فقط هم العبيد بالاختيار.</p>
<p>ذلك أن الله جعل فينا أقساما أساسية كلها تشتغل بالاضطرار وليس لنا اختيار في تشغيلها أو تعطيلها : مثل الجهاز الهضمي، والعصبي، والقلب وغير ذلك كثير.</p>
<p>هذه الأشياء الأساسية المهمة هي التي تكفِّل الله بها وجعلها تشتغل بشكل طبيعي لا دخل لنا فيه.</p>
<p>العبْدِية الاضطرارية التي نحن وسوانا فيها سواء، لا تترتب عليها مسؤولية.</p>
<p>لكن المسؤولية تبتدئ عند الأمر الاختياري، عندما يقْبَلُ العبدُ أن يكون عبداً لله بمحض إرادته واختياره في جميع أعماله وأقواله وأحواله، ونواياه، طاعة منه لربه عند ذلك يكون متدرجا في الانتقال من هذه العبدية بالاضطرار إلى العبدية بالاختيار، وإذَّاكَ يكونُ في وضْع العابد، خاصةً إذا وصل العبد  -تقريبا- إلي حدّ أن أصبح قسم العبدية الاختيارية فيه مساويا، أو مشابها، ومعادلا لقسم العبدية الاضطرارية، وصار في وضعه الاختياري يسير وفْق أمر الله كما هو يسير في وضعه الاضطراري وفق سنن الله، فإنّه يُـصْبح عبداً لله حقا وصدقا، وتلك أعلى درجات العبدية، وبذلك ينال العبدُ أعلى وسام، وهو وسام العبدية الاختيارية، وهو وسام لا يناله إلا المصطفَوْن الأخيار من عباد الله الصالحين رسلا وأنبياء وورثة للرسل والأنبياء قال تعالى : {سُبْحان الذي أسْرَى بعبده}(الإسراء : 1).</p>
<p>فالعابد هو صفة لذلك الذي يشتغل في عبادة الله عز وجل بَيْن مرحلة العبديّة الاضطرارية والعبدية الاختيارية، فإذا وصل درجةَ الكمال صار عبدا ً لله عز وجل بغير المعنى الأول للعَبْد.</p>
<p>هذا عبدٌ آخر، عبدٌ اختياريٌّ فيكون في درجة عليا جداً، وهي القمة.</p>
<p>هذه الطاعة التي تكون بغاية الذل والخضوع هي قمة العبديّة.</p>
<p>لابد أن نستحضر هذا المعنى للعبد، نستحضره بين يدي الله عز وجل، نستحضر أننا لا نَمْلِك من أمر أنفسنا شيئاً، وأنه يملكنا مِلْكية تامّة، وينبغي أن نكون رهن الإشارة في كل شيء، وينبغي أن نفعل كُلّ ما يُطلبُ منا بالذلة الكاملة، والمحبة الكاملة، والشوق الكامل كذلك ليصير فعلنا عبادة له تعالى.</p>
<p>هذه الطاعة من هذا النوع لا تكون إلا لله تعالى.</p>
<p>فمن صرفها لغير الله بشكل من أشكال الصرف سواء كان شجراً أو حجراً أو شيخاً أو إنساناً فقد هلك، وأشرك بالله عز وجل.</p>
<p>لأن الذي طُلِب منا هو الاخلاص في العبادة {وما أُمروا إلا لِيعبُدوا الله مُخلِصين له الدّىن}(البيّنة : 5) أي لا شائبة فيه، مخلصين له الدين مخلصين له الخضوع {إذْ قال له ربّه أسْلم قال أسْلمت لربّ العالمين}(البقرة : 130)  سرعة في الطاعة، وسرعة في الاستجابة والامتثال الاختياري.</p>
<p>&gt; ثانيا : لا حول ولا قوة في ذلك وعلى ذلك إلا بالله : أي على العبادة، وممارسة تلك العبادة بصفة عامة، لا حول ولا قوة إلا بالله.</p>
<p>بمعنى أنه قد يحصل للعبد غرور، والشيطان يلبِّسُ عليه فيحس كأنه قد فعل شيئا حين عبد، وحين صلى، وحين صام، مع العلم أن  كل ذلك ما أقْدَره عليه إلا الله، فينبغي أن لا يمارسه إلا مستعينا بالله لا بسواه، متبرئاً من الحوْل والطوْل، مستعيناً بالله على كل فعل.</p>
<p>&gt;  ثالثا : لا تقرُّب بعمل صحيح إلى الله إلا بعد القُرْب بعلم صحيح لله من الله.</p>
<p>لنتأمل متى جاء هذا القِسْم {إياك نعبد}؟</p>
<p>لم يجيء  إلا بعد الآيات الأربع السابقة، وكلها تعرف بالله جل وعلا، كلها تجعل العبد يذكر الله عز وجل في قلبه، ويستحضر الله سبحانه وتعالى كما عَرَّف اللهُ نفسه بنفسه، لأنه لا أحد يعرف الله إلا اللهُ، فالذي يُعرّفنا بالله هو الله جل جلاله، وما من ملك مقرّب، أو رسول مرسل يعرف شيئا عن الله إلا ما أطلعه الله عليه سبحانه وتعالى.</p>
<p>فإذن أصل العلم كله من الله تعالى، وعلى هذا العلم يُبْني ُكلّ تقرب، لأن هذا التقرب لا يكون تقربا صحيحا إلا بعد علم بالله صحيح، ذلك العلمُ هو من الله، هو علم بالله أخذَه من الله جل وعلا، إذَّاك يكون ذلك التقرُّب في مكانه.</p>
<p>أما إذا كانت الصورة فاسدةً  وكان العلم غير صحيح عن الله تعالى فإن ذلك التقرب نفسَه يفسد، ولذلك جاءت {إيّاك نعبد} بعد &gt;الله  رب العالمين/ الرحمان الرحيم/ ملك يوم الدين&lt; وهي محطات إذا تأملها  الإنسان وجدها محطاتٍ كبرى جداً في العلم بالله وصفاته (وهو علم من الله)، فالتقرب بالعمل الصحيح يكون بعد العلم الصحيح من الله تعالى.</p>
<p>الهدى الخامسة : رأس السؤال من الله سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم صراط الله :</p>
<p>وتحتها ثلاث نقط :</p>
<p>- المهتدون وحدهم المنعم عليهم حقا؛ من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.</p>
<p>- والمحرومون من عرفو الحق ورفضوا اتباعه فهم المغضوب عليهم وعلى رأسهم اليهود.</p>
<p>- ومن لم يعرفوا الحق أصلا هم الضالون وعلى رأسهم النصارى.</p>
<p>أين المسألة التي تعنينا هاهنا؟</p>
<p>ما هو أهم سؤال نسأله من الله؟</p>
<p>ما هو رأس الطلبات كلها؟</p>
<p>إن أهم سؤال يمكن أن يُطْلب من الله جل وعلا، هو الطلب الذي يدْخُل فيه ويندرج تحته كُلُّ طلب، وهو : سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم، أي صراط الله.</p>
<p>هذا هو السؤال الأعظم الذي إذا أكرم الله العبد بالاستجابة له فيه بلغ كل مأرب، وتحقق كلُّ طلب، لأن جميع الأمور الأخرى تدخل ضمن ذلك.</p>
<p>هذا السؤال هو سؤال المنهج، كأن الشخص فيه يطلب معرفة الطريقة التي بها يصل إلى مقصده بسلام، فإذا هُدِي لتلك الطريقة هداية توفيق فقد هدي حقا،  وصار مهتديا.</p>
<p>فـ&#8221;اهدنا&#8221; معناه اجعلنا نتوفَّق فعلاً، أي وفِّقْنا للسَّير على الصراط المستقيم فعلا، هذا هو المقصود، وليس أرشِدْنَا فقط، لأن الإرشاد موجود حتى للكفار {هُدًى للنَّاس} فالهداية المتحدثُ عليها هنا معناها هداية التوفيق بدليل ما جاء بعدها مفسرا لها {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.</p>
<p>إن الفاتحة لو تأملتها لما وجدت فيها أكثر من أربع جمل :</p>
<p>جملة اسمية في الأول تتعلق بالله جل وعلا فهي مجردة عن الزمان والمكان نظراً للموضوع {الحمد لله رب العالمين الرحمان الرحيم ملك يوم الدين}.</p>
<p>وجملة فعلية في الأخير هي طلب الهداية {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.</p>
<p>وجملتان في الوسط {إياك نعبد وإياك نستعين}.</p>
<p>وكل ما سبق الجملة ا لرابعة يمهد لها.</p>
<p>كل ما سبق يمهد لمسألة الهداية، وسؤال الهداية.</p>
<p>هذا هو السؤال المركزي الأساسي الذي يُطْلب في كل حين والذي هو طلبُ الطلبات. إنه  سؤال الهداية.</p>
<p>هذه النقطة ينبغي أن ترسَخ في قلب العبد وينبغي أن تكون وُكْدَهُ في حياته، فينبغي له أن يطلب الهداية في كل آن وحين، لأن هداية التوفيق، فيها الهداية التوفيقية العامة، وفيها الهداية اللحظية في كل جزئية من الجزئيات، ولذلك كان هذا الطلب واجباً في كل صلاة، لأن جميع ما نمارس نحتاج فيه إلى أن نكون مهديّين، وأن نكون مهتدين، ولا يخرج جميع ما نمارس من ذلك؛ لا سياسة، ولا اقتصاد، ولا تربية، ولا تدريس، ولا تجارة، ولا فلاحة، ولا أي شيء، إذ في أي شيء ينبغي أن نكون مهديين راشدين فلذلك كان هذا هو رأس السؤال من الله تعالى، سؤال الهداية ألى الصراط المستقيم.</p>
<p>خلاصة هدى السورة</p>
<p>السورة خلاصتها في ثلاث كلمات، ولكن هذه الكلمات نظرا لطبيعة هذه  السورة وخطورتها ليست كالكلمات الماضيات في السور الأخرى، هذه الكلمات هي :</p>
<p>أولا : الفاتحة أم الكتاب.</p>
<p>ثانيا : الفاتحة أم الأدب.</p>
<p>ثالثا : الفاتحة أم الدعاء والطلب.</p>
<p>الخلاصة الأولى  : الفاتحة أم الكتاب :  لأن تدبُّرَها والتحقق من مضامينها تدبُّرٌ لكليات الدين وتحقُّقٌ من رؤوس مسائل الكتاب، إذ مدارها على رؤوس وكليات ثـــلاث :</p>
<p>الكلية الأولى : كلية الإيمان بالله جل جلاله واليوم الآخر.</p>
<p>الكلية الثانية : كلية العبادة لله جل جلاله والاستعانة به.</p>
<p>الكلية الثالثة : كلية منهاج الله جل جلاله، ومَن اتبعه فاز، ومن أعرض عنه هلك مغضوبا عليه أو ضالا.</p>
<p>هذه الكليات الثلاث : كلية الإيمان وكلية العبادة وكلية المنهاج، القرآن كله يدور عليها، ومن هاهنا كانت هذه الفاتحة في مضمونها هي أُمّ الكتاب، كأن الكتاب منها توالد، ومن بطْنِها خرج {ولقد آتَينَاك سَبْعاً من المثانِي والقُرْآن العظيم} جُعِلَتِ السبعُ المثاني مستقلةً عن القرآن رغم أنها من هذا القرآن العظيم، ولكن لعظمتها أفردت ووُضعت بجانب القرآن العظيم، لأنها في حقيقتها تتضمن ما يتضمنه القرآن كله.</p>
<p>ذلك بأن القرآن إما أنه يتضمن حقائق الإيمان، وإما يتضمن حقائق العبادة، وإما يتضمن هذا المنهاج ممثلا في الأنواع الثلاثة : في المهديين الذين أنعم الله عليهم وفي المغضوب عليهم وفي الضالين.</p>
<p>واليوم الآخر ذكر هنا ضمن الحديث عن الله جل جلاله {ملك يوم الدين}.</p>
<p>والقرآن أحيانا يختصر الكلامَ عن الإيمان في الإيمان بالله جل جلاله وحده، وأحيانا في الإيمان بالله واليوم الآخر، كما قال في سورة البقرة {ومن النّاس من يقُول آمَنَّا بالله واليوم الآخر وما هم بمومنين}(البقرة : 8) لأنه ضمن أركان الإيمان بالغيب، والغيبُ المؤثر في قلب العبد وفي توجيهه هو الله جل جلاله أولا، ثم اليوم الآخر، هذان هما الركنان الأساسيان أما بقية الأركان فمنضوية تحت هذين الركنين.</p>
<p>فالرسل جاءوا بخبر، والكتب تضمنت الأخبار  والأوامر والنواهي، والملائكة نقلت ذلك إلى الرسل، وتقوم بوظائف في هذا الكون، والقدر يجري بما قُدِر، لكن الذي يراقب ويحاسب، والذي يرى العبد ماذا يصنع ويأخذه أخذ عزيز مقتدر والذي يحاسب هو الله، ويوم الحساب هو يوم العقاب ويوم الثواب، هذان الأمران مؤثران في قلب العبد جدا، فلذلك ذكرا هنا معاً. وبالخصوص الله جل جلاله.</p>
<p>وكلية المنهاج بالأخص نقطة مهمة، لأن الفوز والخسران منوطان به، فمن اتبعه فاز، ومن أعرض عنه هلك مغضوبا عليه أو ضالا.</p>
<p>من هاهنا كانت الفاتحة أم الكتاب فعلا وكان القصص القرآني يأخذ حظا كبيراً من القرآن الكريم سواء قصص النبيئين أو قصص الظلمة أو غير ذلك، وهذا الحظ الكبير  كله شارح للمنهاج في صورة أمثلة.</p>
<p>الخلاصة الثانية : الفاتحة أم الأدب لأن تدبُّرَها والتخلُّق بها تخلُّقٌ بأمهات الآداب، إذ مدارها على آداب ثلاثة :</p>
<p>&lt;أولا : أدب البدء والشروع {باسم الله}. وهو مفتاح الدخول إلى الملك، وإذن التصرف فيه وزر الاستفادة من الطاقة لتسخيره وتعميره.</p>
<p>&lt; ثانيا : أدب الانتهاء والختم : {الحمد لله} وهو ربط للنعم كلها بالمنعم، وأداء لحق التمتع بالنعم، وضامن استمرار النعم وصرف النقم.</p>
<p>&lt; ثالثا : أدب ما بين ذلك : ذكر الله؛ بالثناء عليه، والانطراح عبيدا بالاختيار بين يديه، وطلب التوفيق الدائم منه.</p>
<p>ولننظر إليها من هذه الزوايا الثلاث :</p>
<p>&gt; أولا : أدب البدء والشـروع &gt;بـاسم الله&lt; : فمفتاح الدخول إلى الملك باسم الله فإذا أردت أن تدخل إلى الملك فادْخُلْ إليه باسم مالكه وهو الله جل جلاله، وخذْ منه إذْنَ التصرف فيه، واضغط على زِرّ الاستفادة من الطاقة لتسخيره وتعميره.</p>
<p>ومن ها هنا يمكن القول إن الأمة حين أعرضت عن كتاب ربّها، وحين أعرضت عن الله ما كان يمكنها أن تُهْدى إلى شيء حتى في أمور الدنيا، الأمورُ التي إذا طلبها الكفار أُعطيت لهم، لكن إذا طلَبَها مَن كان ينبغي أن يكونوا مؤمنين حقا لا تُعْطَى لَهُم بل يعاقبون ويُحْرمون، لأن الطريقة التي هُدُوا إليْها ليطلُبُوا بها ذلك رفضُوها، وهي وحدها الطريق للتمكين والاستخلاف.</p>
<p>مراراً كنت أمثِّل بشخص  كلفناه بالحراسة في الباب، وقلنا له : لا يدخلن أحدٌ، فإن دخل أحدٌ ستُحَاسَبُ، ثم بعد ذلك دخل شخص. فهل يمكن أن يحاسبَ الناسُ الآخرون الذين لم يكلَّفُوا، هل يعقل؟!</p>
<p>هل يأتي أحد ليقول لهؤلاء لماذا دخل ذلك الشخص؟!</p>
<p>الأصل في الحساب أن يكون للمكلف.</p>
<p>والأمة الإسلامية هي المكلفة بعد محمد  بإقامة القسط في الأرض {لقد أرْسلنا رُسلنا بالبَيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}(الحديد : 25) أقام محمد  القسط بين الناس قبل أن يلتحق بربه وقال : &gt;فليبلْغ الشاهد الغائب&lt;(رواه البخاري) أي انحوا على هذا النحو، وكان ينبغي أن يستمر ذلك لكن الحقيقة الصارخة حسب مقاييس القرآن الكريم أن جميع أشكال الخلل الموجودة اليوم في الكرة الأرضية نحن المسؤولون عنها وليس اليهود ولا النصارى لأن المفروض في اليهود والنصارى أن يكونوا تبعا لنا وتحت ولايتنا، إما أن يكونوا قد أسلموا من زمان، أو يكونوا داخلين -أهل ذمّة- تحت الولاية العامة.</p>
<p>أما هذا الوضع المتردي فهو بسبب حالنا نحن، وهذا الفساد العظيم الواقع في الكرة الأرضية هو بسبب تخلِّينا عن وظيفتنا، لأننا نحن لم نقم بواجبنا في التكليف الرسمي الذي كُلِّفت به هذه الأمة، وهو الشهادة على الناس.</p>
<p>هذا هو الإشكال العظيم ولذلك أقول : زِرُّ الاستفادة من الطاقة بالنسبة لهذه الأمة تسخيراً وتعميراً لا يكون إلا بباسم الله، فأدب البدء والشروع هو {باسم الله} ويجب أن نذوقها ذوقا خاصّاً عميقا.</p>
<p>&gt; ثانيا أدب الانتهاء والختم الحمد لله : &gt;إن الله لَيَرْضَى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها&lt;(رواه مسلم).</p>
<p>{فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين}(الأنعام : 45) دائما عندما تنتهي الأمور تنتهي بالحمد لله، وإذا ذُكِرَت الحمد لله في البداية تُذْكر على أنّ العبد ينبغي له أن يُقِرَّ، وأن يصرّح بهذا الحمد، ويشعر بهذا الحمد، ويمارس هذا الحمد، لأن الله عز وجل في ذاته وصفاته أهلٌ لذلك، ولأن النعم التي هو غارق فيها هو وغيره هي من الله جل وعلا، فعمليا يقولها، أولا يُقر بأن الله تعالى أهلٌ للحمد، ويقولها في الأخير ليختم بها ما سبق، يختم بها شيئا موجوداً فهي أساسا للختم، هكذا الحال كذلك في آخر سورة الزمر {وترَى المَلائِكة حافِّين مِن حوْل العَرش يُسَبِّحون بحَمْدِ ربِّهم  وقُضي بيْنهُم بالحقِّ وقِيل الحَمْدُ للّهِ ربِّ العَالِمِين}(الزمر : 75) الكل يقولها.</p>
<p>بصفة عامة {الحمد لله} هي أدب الإنتهاء والختم من أي عمل، وتكون للشروع أيضا تصديقا على ما مضى فلا إشكال، ولكن حين نقابلُها بأدب البدء، يكون أدب البدء هو &gt;باسم الله&lt; وأدب الختم هو &gt;الحمد لله&lt; وهي ربط للنعم كلها بالمنعم.</p>
<p>لهذا وجب النظر في تدريس العلوم، وفي النظرة الإنسانية إلى الكون، فتدريس العلوم بصفة عامة، والنظر إلى الأشياء من حولنا كالنظر إلى النباتات وإلى الحيوانات وإلى الإنسان وإلى الجبال وإلى البحار وإلى الأنهار، وإلى أي شيء يجب أن يكون نظراً مرْبُوطاً بخالق ذلك الشيء الذي ينظر إليه، ننظر إلى الله من خلال خلق الله {إنّ في خَلٍْق السماوَاتِ والأرْض واخْتِلاف اللّيل والنّهار لآيات لأولِى الأَلْباب الذِين يذكُرون اللّه قياماً وقعوداً وعلى جُنوبِهم ويتفكّرُون في خلق السّماواتِ والأرْض}(آل عمران : 190- 191).</p>
<p>هذا التفكر في الخلق هو النقطة المركزية لأن فيه ربطاً للخلق بالخالق ومن ثمَّ لا يُقْبل النظر للخلق معزولاً عن الخالق، ولذلك كان هذا التدريس الذي يقع الآن في المؤسسات التعليمية لدى الغرب أو عندنا هو تدريسٌ ليس باسم الله، هو تدريسٌ معزول عن اسم الله، هو تدريس للأشياء معزولةٌ عن خالقها، وهذا فساد عظيم.</p>
<p>لذلك قلت الحمد لله ربْط للنعم كلها بالمنعم، وأداءٌ لحق التمتع بالنعم، وضمان لاستمرار النعم، وصَرْف النقم {لئنْ شَكَرْتُم لأزِيدَنَّكُم}(إبراهيم : 7).</p>
<p>فإذا كان هذا الحمد حقيقة، وإذا فعل العبد ما ينبغي ثم حمد الله على ذلك. يكون قد أدى حق المنعم عليه، وضمن استمرار النعم عليه وهذا شيءٌ عظيم.</p>
<p>&gt; ثالثا : أدب ما بَيْن ذلك، وهو : ذكرُ الله بالثناء عليه، والانطراح عبيداً بالاختيار بين يديه وطلبُ التوفيق الدائم منه.</p>
<p>هذا موجود في الفاتحة وهذا جسم الفاتحة.</p>
<p>هذا أدب ما بين البدء والختام : أن نذكر الله جل وعلا باستمرار؛ بالثناء عليه، والانطراح عبيدا بالاختيار بين يديه سبحانه، طالبين التوفيق الدائم، الطلب الدائم منه.</p>
<p>الخلاصة الثالثة : الفاتحة أمٌّ الدعاء والطلب، لأن تدبُّرَها والتمعُّن في أسلوبها ارتقاءٌ بالدعاء إلى أعلى الآفاق.</p>
<p>يجب أن نُحِسّ أن الفاتحة بكاملها عبارةٌ عن سؤال وعبارة عن طلب.</p>
<p>الفاتحة بكاملها دعاءٌ لكن هذا الدعاء لهُ أدبٌ، كيف يقدم؟ ها هي الطريقة موضوعة في شكل آفاق.</p>
<p>1- أفُق الاستحضار هو الأفُقٌ الأول : استحضارُ عظمة المولى جل وعلا في القلب جمالا وجلالاً، ربوبيةً ودينونةً ورحمة للعالمين، دنيا وأخرى، كل هذا في القسم الأول من {بسم الله الرحمان الرحيم.. إلى يوم الدين} واضحٌ وضُوح الشمس، أفُق الاستحضار، استحضار عظمة المولى.</p>
<p>فالأدب الأول في الدعاء هو الثناءُ على الله عز وجل أولا، ثم الصلاة على رسول الله  ثانيا ثم بعد ذلك تقول ما تريد، وتطلب ما تشاء.</p>
<p>لِم الثناء على الله عز وجل؟ لأن بذلك الكلام الذي تنطق به ثناء تستحضر الله جل جلاله في قلْبِك، وتستحضر عظمته سبحانه وتعالى، فيحضر الله عز وجل في قلبك فتَقرب وتُصْبح مهيّئاً لأن تنطق نطقا خالصا، لأن تقدم حاجتك وأنت في غاية التهيؤ.</p>
<p>هذه الأولى أفق الاستحضار، بمعنى أن العبد إذا جاء يطلب ويدعو وهو غافل عمَّا يقول، والله جل جلاله مازال لم يحضر في قلبه فإنه يكون بعيداً عن الإجابة.</p>
<p>ينبغي إذن أن يثني على الله عز وجل بكلام حتى يُحِس أنه صار بين يدي الله عز وجل، وأنه أصبح قريبًا منه. هذا المعنى لابد أن يُذاق وهذا الأفق  لابد أن يُرْتَقى.</p>
<p>يجب أن تذوق معنى {رب العالمين} ويجب أن تذوق {الرحمان الرحيم} ويجب أن تذوُّق {ملك يوم الدّين} يجب أن تذوقها تذوقا صحيحا وبذلك التَّتَابع ليحصل لك هذا الذكر الخاص الذي يهيء قلبك عمليا لأن يَطْلُب من ربه. إنه استحضار عظمة المولى في القلب جمالا وجلالا.</p>
<p>2- أفق الإقرار : إقرار العبيد كفاحا أي مواجهة، بذلتهم طائعين بين يدي العظيم، وضعفهم عاجزين بين يدي القدير، هذا العظيم القدير الذي استحضروه قبل، في الأفق الأول.</p>
<p>ويتجلى هذا الأفق في {إياك نعبد وإياك نستعين} لماذا جاء هذا الخطاب الآن لماذا جاءت إياك؟ لماذا وقع هذا الالتفات؟ من الغيبة إلى الحضور؟ لأن العبد ما بقي في غفلة، وما بقي في المرحلة التي يتحدث فيها عن شيء غائب، بل أصبح الآن في مو اجهة ربّه، قلبه أصبح الآن في مواجهة ربه ويمكنه مباشرة أن يتكلم معه {إياك} أفق الإقرار : إقرار العبيد مباشرة، مواجهة كفاحا بذلتهم، طائعين بين يدي العظيم، واقراراً بضعفهم عاجزين بين يدي القدير.</p>
<p>هذا المقطع يعني واقعًا، أن الأمر يتطور  : أفق الاستحضار هو ا لأفق الأول وهو أطول، والأفق الثاني : أفق الإقرار وهو أقصر من الأول، ولكن فيه التفاتٌ واضح إلى أنه الآن أصبح في البؤرة.</p>
<p>إذن ماذا بعد الآن، فليقدِّمْ طلبَهُ، وهو الأفق الثالث.</p>
<p>3-  أفق الاهتداء إلى منهاج المنعم عليهم من المصطفين الأخيار وذلك هو الفوز المبين طريقا ورفيقا، حالا ومآلا، وذلك يعني أنه لم يبق إلا تقديم الطلب الخاص الذي فيه : طلب الاهتداء إلى المنهاج، منهاج المنعم عليهم من الصفوة، منهاج الصفوة {ومَنْ يُطِع اللّه والرَّسُول فأُولَئِك مع الذِينَ أنْعم اللّه عليْهم مِن النَّبِيين والصّدِّيقين والشّهداء والصالحين وحسُنَ أولَئِك رفيقاً}(النساء : 69) منهاج المنعم عليهم من المُصْطفين الأخيار، وذلك هو الفوز المبين طريقا ورفيقا {وحَسُنَ أُولَئِك رفيقاً} وهو صراط الذين أنعم الله عليهم حالا في الدنيا ومآلا في الآخرة بالاهتداء إلى الصراط المستقيم الموصل إلى كل نعمة. والحمد لله رب العالمين.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%aa%d8%ad/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المدثر</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%ab%d8%b1/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%ab%d8%b1/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 27 Sep 2010 09:07:34 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 275]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[المدثر]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي ف]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6386</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المدثر د. الشاهد البوشيخي الهدى المنهاجي في سورة المدثر يمكن تبيينه في النقط التالية  : النقطة الأولى : إذا تحقق عبد الله من ما باسم ربه قرأ، وتخلّق متبتِّلاً إلى ربّه بما منه تحقق، لم يبق له إلا توديع الإدّثار للقيام بالإنذار : واضح أن هذه النقطة مترتبة على [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المدثر</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>الهدى المنهاجي في سورة المدثر يمكن تبيينه في النقط التالية  :</p>
<p>النقطة الأولى : إذا تحقق عبد الله من ما باسم ربه قرأ، وتخلّق متبتِّلاً إلى ربّه بما منه تحقق، لم يبق له إلا توديع الإدّثار للقيام بالإنذار :</p>
<p>واضح أن هذه النقطة مترتبة على آية المطلع، وعلى ما سبق في مطلع سورة العلق، ومطلع سورة المزمل؛ كأننا بهذه الآية نبتدئ مرحلة جديدة بعد مرحلة القراءة باسم ربنا، وبعد مرحلة قيام الليل، واستيعاب العمل بتلك القراءة في خاصة النفس، للتخُّلق بمقتضى تلك القراءة.</p>
<p>فإذا حدث ذلك وجب أن ينتقل العبد إلى مرحلة الإنذار.</p>
<p>ومعلوم أن الإنذار في كتاب الله عز وجل سار، كما سنرى، حسب ترتيب معين :</p>
<p>جاء الأمر عاما أولا كما في هذه السورة.</p>
<p>ثم بعد ذلك جاء {وأنذر عشيرتك الأَقْرَبين}(الشعراء : 24).</p>
<p>ثم بعد ذلك جاء {لتُنْذر أُمَّ القُرَى ومن حولها}(الشورى : 7).</p>
<p>ثم بعد ذلك جاء {لتُنْذر قوماً ماأتاهم من نذير من قَبْلك}.</p>
<p>ثم بعد ذلك جاء {ليَكُون للعالمين نذيرا}(الفرقان : 1) وهذا يجلِّي خاصية التدرج في تنزيل هذا الدين وتطبيقه والعمل به ولَهُ.</p>
<p>النقطة الثانية : صفات المنذر  خمسٌ عزائم، هُنَّ الزَّاد العاصم من القواصم :</p>
<p>&gt; الصفة الأولى : التكبير : تكبير ربه في قلبه على كل ما سواه. وهذه رأس الزاد، وعيْنُ المدد. فالله جل وعلا بعد أن قال : &gt;{يا أيها المدثر قم فأنذر} قال : {وربّك فكبّر وثيابك فطهِّرْ والزجز فاهْجُر، ولا تَمْنُن تستكثر، ولرَبِّك فاصبر} هذه الآيات/الصفات بمثابة زاد الداعية، زاد المصلح، زاد المنذر، زاد العبد الذي ينهض للقيام بما قام به رسول الله  أول مرة. هذه هي الزاد، وأول هذا الزاد هو تكبير الله جلّ وعلا في القلب، هذا التكبير يعني : ألا يبقى في قلب العبد شيء يكون أكبر من الله، ولا شيء ينافس الله، ويشاركه سبحانه في الأكبريّة في قلب العبد.</p>
<p>فقلب العبد يجب أن يخْلُص لله عز وجل في استيقانه بأن الله جل جلاله هو الأكبر مطلقا، فلا كبير أكبر منه، ولا كبير معه.</p>
<p>ومعنى ذلك أن تصير هذه الأكبرية يقينا عند العبد، ولابد لهذا اليقين من مقتضيات في الواقع، يصبح معها ما جاء من عند الله هو الأكبر دوما. هذه التشريعات هي أكبر من سواها من تشريعات بني آدم، والأخلاق التي هدى الله عز وجل هي أكبر وأحسن من جميع الأخلاق&#8230;، أي أن  كل ما جاء من عند الله، هو دائما أكبر وأفضل وأحسن مما سواه، وينبغي أن يُقَدَّم عند التعارض على ما سواه.</p>
<p>ومتى استقرت هذه الحقيقة، فإن العبد لا يحتاج إلى أن يُحْدِث هذه المعادلات، وهذه الترجيحات، بل إذا حدث شيء فإنه يتجه جهة الأكبر : جهة الله جلّ جلاله تلقائيا. وهذا الأمر في التفكير، وفي التعبير، وفي التدبير، أي في جميع جوانب تصرفات العبد على جميع المستويات، لأنه  لا شيء أكبر من الله، كل شيء صغيرٌ أمام الله عز وجل، والله وحدهُ المتفرِّد بالأكبرية.</p>
<p>وهذه الحقيقة لا تستقر بسرعة في قلب العبد، فلا بد من التدرُّج.</p>
<p>ومما يدل على ذلك كوْن شعيرة الصلاة -التي هي عمود الدين- تتردَّدُ فيها باستمرار، كلمة &#8220;الله أكبر&#8221;؛ الله أكبر في القيام، وفي الركوع، وفي السجود، وهكذا، والصلاة بطبيعتها متكررة، كأن العبد يغفُل كثيرا عن هذه الحقيقة، ولا يستيقنها في قلبه كما ينبغي، ولا يطبّقها في حياته كما ينبغي، فينبغي أن يُذكَّر بها كثيرا وفي كل حين. هذا الذي يفهم من هذا التكرير الكثير ثم إنها هي رأس الزاد، وعين المدد، وهي المنطلق وكل ما سواها تبعٌ لها، من تطهير الثياب، أو هجر الرجز، أو العطاء بلا عد ولا حد، أو الصبر ابتغاء مرضاة الله، كل ذلك سبَبُه أن هذه  الحقيقة قد استقرت في القلب، حقيقة أن الله أكْبَر، ولذلك يهون  كُلّ  شيء، ويسهُل كل شيء، لأنه يُفْعَل بإذن رب كل شيء، وبحوْل ربِّ كل شيء، سبحانه.</p>
<p>&gt; الصفة الثانية : التطهير: تطهير ذات المنذر، تطهير ذاته قلْبًا وقالبا؛ بالتحلي بالخُُلق الحسن، وهذه هي الدرع الواقية للداعية، والحصنُ الحصين الذي يقطع الطريق على كل الشياطين.</p>
<p>التطهير الذاتي قلباً وقالبا بالتحلي بالخلق الحسن؛ ذلك بأن الإسلام يصنع النموذج، النموذج المحمي بالسنة. والعبدُ حين يعيش في إطار السنة، أي يعيش في إطار ما شرع الله جلّ وعلا يكون محْمِيًّا، يكون محفوظا، ولا يتسرب إليه البلاء والخطر إلا إذا خرِقت الجُنّة  أي إذا حدث ثُقْب في هذا الدرع الواقي الذي هو حياة السنة، أي الحياة وفق الشرع، وفق شرع الله عز وجل، إذا حدث ذلك كانت الحياة كلها أجرا -مأجوراً عليها- حتى النوم، وحتى إتيان الشهوات الحلال كما قال  : &gt;وفي بضع أحدكم صدقة قالوا : أيأتي أحدنا شهوته يا رسول الله ويكون له أجر قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إن وضعها في الحلال كان له أجراً&lt;(رواه مسلم). وإن اجتهد في إطار الشرع يكون مأجوراً أيضا، ويكون محفوظا من الشياطين، محفوظا بالملائكة الذين سخرهم الله تعالى للمؤمنين، يستغفرون لهم ويحمونهم ويحفظونهم.</p>
<p>إذن هذا السلاح : سلاح تطهير الذات قلبا وقالبا بالتحلي بالخلق الحسن هو التحدي، فإذا وُجد الخلق الحسن فإنه يصعب اختراقُ العبد، ويصعب بيعه أو شراؤه، لأنه لا يباع ولا يشترى، ولا يمكن أن يُتخذ مطية لأخذ أسرار المسلمين، ولا يمكن أن يُرتشى أو يُغرى، فكل الوسائل لا تنفع فيه لأنه بناء من طراز خاص، لا يُبنى بغير الإسلام، ويعْسُر ويتعذر أن يُبنى بغير شرع الله، فكأنه قيل : إذا كَبّرْت الله، فتطهّر مما لا يرضي الله عز وجل، أي تخَلّق بالخلق الحسن الذي يرضي الله.</p>
<p>وتطهير الثياب كناية عن هذا تعبير عربي مشهور. جاء في بيْت عنترة المشهور :</p>
<p>فشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأصم ثِيَابَهُ</p>
<p>ليْسَ الكَرِيمُ على القَنا بمحرم</p>
<p>الثياب هي تعبير لغوي يعبر عن الكيان جملة {وثيابك فطهر} يعني طهر نفسك مطلقاً وبصفة عامة، وتخلَّق بالأخلاق الحسنة، وابتعد عن الرذائل، هذا التطهير هو الدرع الواقية للداعية، والحصن الحصين الذي يقطع الطريق على كل الشياطين، وهو في غاية الأهمية لأنه قبل أن يتم هذا التخلُّق يكون العبد مفتوحا مفضوحا يمكن النفاذ إليه من كل جهة.</p>
<p>&gt; الصفة الثالثة : هجر الرجز : أي اجتناب كل ما هو رجس من الأوثان إلى كل ما يضطرب ويحيكُ في الصدر من الآثام وهذه التي تمنع من خرق الجُنَّة، وتحفظ الداعية إلى الله عز وجل من التلطخ بأوساخ البيئة والتلوث بها بصفة عامة. فإذا أنت تحليت بالخلق الحسن فينبغي أيضا أن تهجر كل ما يوجد في البيئة مما لا تطمئن إليه النفس فـ&gt;البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك&lt;(رواه أحمد) أي اضطرب وتردَّد &gt;وكرهت أن يطلع عليه الناس&lt;، أو كما قال .</p>
<p>الرجز فُسّر بالأوثان والأصنام،  وفسر بالعذاب، وفُسر بالأوثان والأصنام لأنها تؤدي إلى العذاب. ولكن بالتتبع للَّفظة في الاستعمالات اللغوية بصفة عامة يظهر بجلاء أن محورها الذي تدور عليه هو الاضطراب. يقال : شيء رجز بمعنى يضطرب ولا يستقر، وكأن الأشياء التي لا يطمئن قلب المؤمن إليها، فيها شيء، فيها إثم لا ينبغي أن تُجارى وإن فعلها الناس في البيئة، فكل ما لا ترتاح إليه نفس المؤمن، ولا تسكن ولا تطمئن إليه يبنغي أن يُهْجُر.</p>
<p>وهكذا فإذا ذهبنا مع اللفظة العربية، وفهمنا هذه الآية على مقتضى الاستعمال العربي للفظة الرجز في القرآن الكريم نفسه فإنّا نجد أن الرجز دائما يدور على معنى الاضطراب، حتى في العذاب الذي ينزل بالناس ينزل بهذا المعنى {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السّماء بما كانوا يفسقون}(البقرة : 59) يعني شيء فيه اضطراب.</p>
<p>والرجز يستعمل في الرعد أيضا، ويستعمل في ما يشبه ذلك فيما فيه تردد واضطراب وزلزلة، فكأن هذه الصفة أعلى من سابقتها.</p>
<p>فإذا كانت  صفة التطهير تتجه إلى أنه ينبغي أن يكون خلق المؤمن &#8211; أي خلق الداعية إلى الله- حسنا صالحا، فإن هذه الصيغة (صيغة هجران الرجز) التي تْتلو بعدُ تتّجه ليس إلى النفس في ذاتها -كما في صفة التطهير- بل في علاقة الداعية بما تفعله البيئة من الأشياء غير الصالحة التي يجب أن يهجرها.</p>
<p>إذا كانت صفة التطهير عليه أن يفعلها، فهذه عليه أن يهجُرها ويترُكها. ولذلك قلت : هذه تمنع من خرق الجُنة التي اكتسبها العبد بالصفة الثانية، وتحفظ الداعية إلى الله عز وجل من التلوث بأوساخ البيئة، وهذا كله يعطيه تميزا، ويعطيه صفاء.</p>
<p>&gt; الصفة الرابعة : العطاء بلا عَدٍّ ولا حَدٍّ : أي لا يمكن عدُّ هذا العطاء ولا يمكن حدُّه أيضا، فهو عطاء لا يقف.</p>
<p>هذه الصفة هي التي تجعل من الداعية إلى الله عز وجل نبْعاً دائم الجريان، ونجْما شديدَ اللمعان، لا يعروه فتور، ولا يقربه قصور،  لأن هذا الإشكال  كثيرا ما يحدث في حال الذي يسير إلى ربه، هذا التوجيه الإلهي في الصفة الرابعة للمنذر يدفعه إلى أن يحافظ على السرعة الممتازة باستمرار في السير. بل يدفعه إلى أقصى ما يستطيع، وهي قوله تعالى : {ولا تَمْنُن تستكثر}.</p>
<p>وقد فسرت، لا تمنن تفسيرات أهمها فيما راجعت : لا تمُنّ بما فعلت تسْتَكْثر بذلك على الناس.</p>
<p>فُسِّرت بـ&#8221;لا تعط رجاء أن تأخذ من الآخرين أكثر مما أعطيت&#8221;.</p>
<p>ولكن المن في اللغة العربية -سواء عند العالم اللغوي المشهور الذي اهتم بأصول الدلالات العربية وهو ابن فارس في المقاييس، أو في معجم الراغب الأصفهاني الذي لا أملُّ من التنويه به لأنه اهتم بالدلالة القرآنية خاصة- يرشد إلى غير هذا.</p>
<p>جاء عند الراغب أن المنة هي النعمة الثقيلة، وليست النعمة العادية : وانطلق أساساً من أن المن هو ما يوزن ويثنى، وغير ممنون :  غير موزون، بمعنى أن الأشياء التي يوزن بها، والتي توزن هي الأشياءُ الثقيلة في أصلها.</p>
<p>هذا شيء نربطه مع شيء آخر هو معنى القطع، إذ المَنُّ هو القطع أيضا، وسبق الكلام قبل في {وإن لك لأجْرًا غير ممنون}(القلم : 3) معناه : وإن لك لأجرا مستمرا، غير مقطوع.</p>
<p>{لا تَمْنُن} يعني لا تقطع، واصِل باستمرار، لا تقطع ترى أنك قد فعلت الكثير، بل استمر باذلا إلى أقصى ما تستطيع، امْنُن {هذا عطاؤُنا فامْنُن أو أمْسِك بغَيْر حساب}(ص : 39) لذلك قلت إن هذه الصفة مهمة جدا، فينبغي أن يجتهد عبد الله في التحَلِّي بها ليستطيع الوفاء، ليستطيع أن يُنْذر حقا كما أنذر رسول الله ، يبذل بلا حساب ويُعطي بلا حساب، ولا يرى يوما أنه قد فعل شيئا، أو أنه قد فعل الكثير فيكفي. إذ لاتوجد لفظة &#8220;يكفي&#8221; في السير إلى الله عز وجل والدعوة إلى الله عزو جل. بل إياك إياك أن تمنن مستكثرا لفعلك. وهي الصفة التي تجعل من الداعية نبْعًا دائم الجريان، دائم العمل باذلا باستمرار لا ينقطع ولا يعرف الانقطاع {واعبد ربك حتى ياتيك اليقين}(الحجر : 99) مستمرا على البذل حتى الموت.</p>
<p>&gt; الصفة الخامسة : الصبر لربه :</p>
<p>وهاته هي الضامنة لاستمرار السوابق، فلا يحافظ على استمرار الصفات السابقة إلا بالصبر، والصبر عادة في القرآن الكريم يأتي في الأخير بدءا من سورة الصبر {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} تتبعوا الآيات التي فيها صفات تجدون في الأخير {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}(الرعد : 24) أيضا في عباد الرحمان تجدوا الصبر في الأخير {أولائك يجزون الغرفة بما صبروا}(الفرقان :75) لأن الصبر هو الصفة التي تضمن استمرار الصفات الأخرى، ولذلك تأتي في الخواتم، فهي ضامنة استمرار السوابق، ومانعة نزول الصواعق.</p>
<p>هذه الصفة تمنع من أن تنزل البلايا الماحقة، قد تأتي فتن التّنْقية، أو فتن التّرقية، أو فتن التّقوية، لكنّ فتن الهلاك لا تأتي مع هذه الصفة بإذن الله تعالى.</p>
<p>فهذه الصفات الخمس ضرورية كلها على ترتُّبها، ضروريةٌ للعبد الذي هيأه الله عز وجل ووفقه للانذار، والاستجابة لهذا النداء الرباني {يا أيها المدّثر قم فأنذر}.</p>
<p>وهذه الآيات السبع  هي التي على أساسها رُتبت السورة في النزول، فكانت من أوائل ما نزل على رسول الله ، وفيها الحديث المشهور الذي فيه، فإذا الملك الذي جاءني بحرّاء لأن بعض العلماء جعلوا هذه السورة أول ما نزل على رسول الله  أخذا من حديث في صحيح الإمام البخاري لكن نفس الحديث في صحيح الإمام مسلم فيه هذه الزيادة التي توضِّحُ المقصود فضلا عن الحديث الخاص بنزول سورة العلق المتفق عليه.</p>
<p>بعد هذا اتجهت السورة وجهة كاملة منسجمة مع بعضها صيغت نقطها على الشكل التالي :</p>
<p>النقطة الثالثة :  إذا بدأ الإنذار بدأ الاستكبار، وهذا في  غاية المنطقية، ولا يفتر أصحابه عن المكر حتى يأتيهم اليقين فيكون منتهاهم النار :</p>
<p>أقول إذا بدأ الإنذار بدأ الاستكبار بمعنى أنه عندما يظهر في بيئة ما من يدعو إلى الله بصدق، وينذر الناس من الخطر الذي يتَهَدَّدُهم في الدنيا، والخطر الأعظم الذي يتهددهم في الآخرة. فإنه تلقائيا ردًّا لهذا الفعل يظْهَرُ ناسٌ أو أفراد، ثم بعْدُ مجموعات بشرية ترفض هذه الدعوة، وترفض أن يقال لها هذا نهائيا، وتستكبر، ترى نفسها أكبر من أن يقال لها هذا أو أن تُذعنُ له، ولذلك أسباب ستأتي بعد.</p>
<p>ومما يستفاد من هذه النقطة أن الدعوة تشتغل بالفعل وغيْرُها هو الذي يشتغل برَدِّ الفعل، فهذه نقطة تحتاج إلى التأمل.</p>
<p>النقطة الرابعة : من مظاهر الاستكبار التي ذكــرت فـــــي هذه السورة :</p>
<p>&gt; أولا  : من مظاهر الاستكبار :</p>
<p>- المظهر الأول : الكفر بالدين، وهو أول ما تشير إليه الآيات بطريقة مباشرة بعد هذه السبع آيات من {فإذا نُقِر في النَّاقُور فذلك يومئذ يومٌ عسِيرٌ على الكافرين غيرُ يسِير}.</p>
<p>وهو لا يتجه إلى أن يحدثنا عن رد الفعل لتلك النذارة بالشكل المباشر، ولكن يتجه إلى تخوِّيف هولاء الذين كان لهم هذا النوع من الردِّ، تخوّفهم من يوم القيامة.</p>
<p>- المظهر الثاني : التشغيل المركَّزُ للفِكر من أجل اختلاق مطْعَنٍ في ربانية القرآن الكريم.</p>
<p>وذلك واضح في هذا المشهد الذي تصوره هذه السورة  : مشهد الوليد بن المغيرة وهو يفكر ويقدر، ويتقدم ويتأخر، وينظر، ويعبس، ويبسر، إلى غير ذلك مما يدل على جهد كبير قد بذله هذا الرجل ليخرج بنتيجة هي : {إنْ هذا إلا سحرٌ يُوثر إن هذا إلا قَوْلُ البشر} بعد معاناة فكرية كبيرة.</p>
<p>فالوليد عندما سمع من رسول الله  القرآن، بدَا له أنه ليس بشعر، وليس بكهانة، وأنه يخالف الكلام الذي ألفه العرب، بجميع أشكاله، ولكن قومه أحرجوه، عندما اتهموه بالصَّبأ أي الخروج من الدين : هل صبأت؟</p>
<p>ولينفي عن نفسه هذه التهمة ظل يفكر ويقدِّر، وبدل أن يتَّجه الوجهة الصالحة اتجه الوجهة السيئة للأسف، وبدأ يشغل فكره بأقصى طاقة ليصل إلى النتيجة السيئة التي تسستخدمها البيئة بكاملها في حرب دعوة رسول الله  {إن هذا إلاَّ سحْرٌ يوثر}.</p>
<p>هذا أيضا من مظاهر الاستكبار في زماننا : فكم من دُور نشْر تشتغل؟! وكم من قنوات تشتغل؟! وكم من مراكز البحوث والدراسات تشتغل؟! وكم من عقول تذوب من أجل البحث عن وسائل لوقف هذا المد الإسلامي الناهض؟!، ووقف هذا الدين الصاعد؟!. ما القصة؟ كيف؟</p>
<p>إنها تشتغل ليل نهار، ولكن تبقى دائما قاعدة : &#8220;الله أكبر&#8221;. &#8220;الله أكبر&#8221;.</p>
<p>فهذا من المظاهر {إنه كان لآياتنا عنيدا، سأرهقه صعودا، إنه فكر و قدر، فقتل كيف قدّر، ثم قتل كيف قدّر، ثم نَظَر، ثم عبس وبسَر، ثم أدْبر واسْتَكبر} فوَلَد هذا الموْلُود {فقال إن هذا إلاَّ سحرٌ يوثر، إن هذا إلاَّ قَوْلُ البشر}.</p>
<p>فأقول : هذه الصورة الناطقة المشخّصة لحال هذا المستكبر الذي أدبر واستكبر، تدل على أنه قد عانى معاناة كبيرة ليخرج بهذه النتيجة التي يطعن بها في ربانية القرآن الكريم وأنه ليس من عند الله بل هو كلام البشر {إن هذا إلا قَوْلُ البشر}.</p>
<p>وهذا الأمر نعرف جميعا أنه من مجهود الاستشراق الغربي الليبرالي والاستشراق الماركسي، والاستغراب الماركسي، والاستغراب الليبرالي، كل أولئك بذلوا ويبذلون مجهودات جبارة للطَّعْن في ربانية القرآن الكريم، ولكن عبثا يحاولون {إنا نحن نزَّلْنا الذِّكر وإنّـا له لحَافظون}(الحجر : 9).</p>
<p>- المظهر الثالث  : عدم الصلاة لرب العالمين.</p>
<p>في آخر السورة {ما سلككم في سقر قالوا لم نكُ من الـمُـصلين} الصلاة لرب العالمين، أكبر مظهر لذِّلة الخضوع، والإذعان لرب الملك الصلاة، بمظهر الركوع، مظهر السجود &gt;أقرب ما يكونُ العبد من ربه وهُو ساجد فأكثروا الدعاء&lt;(رواه مسلم) مظهر الذلة، ومظهر الخضوع لرب الملك.</p>
<p>المستكبرون يرفضون الصلاة، وهي من أشق ما يشق عليهم، فلذلك كان رفضهم للصلاة مظهراً من مظاهر الاستكبار. والسورة تذكر هذه المظاهر تباعا، وأنها المظاهر التي أدْخَلتهم وورثتهم سقر.</p>
<p>ولكن ماذا يعني هذا؟ يعني من زاوية أخرى أن الصلاة فيها السِّرُّ كله في الربط بين العبد وربه، وفي النجاة، لأن عن طريقها يمر الخير، يكون الاتصال بالله جل وعلا، فالذي يرفض الاتصال ينقطع، ينْبَتُّ، فينتهي إلى جهنم.</p>
<p>- المظهر الرابع : عدم إطعام المسكين : أتى مباشرة بعد عدم الصلاة {لم نك من المُصَلِّين، ولم نك نُطْعِم المسكين} يعني من استكبارهم أيضا عدم الالتفات للمساكين، وعدم إطعامهم.</p>
<p>وسنرى مشهدا من المشاهد في سورة &#8220;عبس&#8221; {عبس وتولَّى أن جاءه الأَعْمَى وما يُدْرِيك لعله يزَّكَى أو يذكر فتنفعه الذِّكْرى، أمّا من اسْتغنى فأنْت له تصَّدَّى وما عليك ألاَّ يَزّكّى}.</p>
<p>الكبراء والوجهاء لا يريدون أن ينزلوا إلى مُستَوى الفقراء ومستوى البسطاء، وهذه الحالة تمنع من إطعام الطعام للفقراء، وتجعل في القلب قسوة، لأن إطعام المساكين هو نتيجة رقَّةٍ في القلب تُشعر الإنسان بحال هذا المسكين، وهي رقة يُنشئُها الإيمان، ويقَوِّيها، ويرَسِّخها، حين يقول  : &gt;والله لا يومن، والله لا يومن، والله لا يومن، من بات شبعان وجارُه جوعانُ&lt; أو كما قال . عدم إطعام المسكين يُـدخل إلى النا ر {أرأيت الذي يكذب بالدين فذَلك الذي يدُعُّ اليتيم ولا يحُضُّ على طعام المسْكين}.</p>
<p>هذه من الكليات في هذا الدين، الفقراء المستضعفون المحتاجون، المحرومون، هؤلاء جميعا رحمهم هذا الدين وألَحَّتْ السورة على حل مشكلتهم في البدايات واهتمت بهم في البدايات  وجعلت هذا الفرض في المال، يأتي بعد الفرض في البدن، الزكاة تأتي بعد الصلاة، وفي البدايات هذه الصلاة يأتي بعدها الإطعام، أو الحض على المسكين، أو إطعام المسكين {والذين في أموالهم حق معْلُوم للسَّائٍل والمحروم}(المعارج : 23 &#8211; 25)  فعدم إطعامُ المسكين من مظاهر الاستكبار أيضا.</p>
<p>ومن أشكال الانحراف المعاصر على سبيل المثال، حفاظا على السوق لتبقى في مستوى بعينه، خيراتٌ كثيرة تُـلْقى في البحر. المساكين في إفريقيا، في آسيا، كان يمكن أن يعطى  لهم ذلك فيستفيدوا منه، فيشبعوا ويتمتعوا، ولكن حفاظا على السوق، وعلى مستوى الكبراء، كل ذلك يُحْرق أو يُغَرّق، فينتهي، ولا يعطى للمساكين!!!.</p>
<p>- المظهر الخامس : الخوض مع الخائضين في غير ما يرضي رب العالمين -بصفة عامة- لفظة الخوض في كتاب الله عز وجل تعني الشروع في أمْرٍ ليس بحميد، أمْرٍ غير حسن، ولكن هنا المقصود أساسا {وكنا نخوض مع الخائضين} معناه : نخُوض مع الخائضين في أمُور الباطل، أمُور الضلال، أمور الكفر، والأشياء التي لا ترضي الله عز وجل، الأمور التي نهى عنها الله عز وجل. أمور الرجس، فهذا هو المعنى.</p>
<p>وأيضا : مصاحبةُ الفاسدين المفسدين {ويوم يعضّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذتُ مع الرَّسول سبيلا ياويْلََتَى ليتني لم أتَّخِذْ فُلانا خَليلاً لقد أضلّني عن الذِّكر بعد إذ جاءني}(الفرقان : 29)، مشكل الخُلطة، مشكل المجموعة التي يخالطها العبد، فهذا الخوض مع الخائضين منهيٌّ عنه طبعا، وهو من مظاهر الاستكبار، لأنه يقوي تلك الجبهة، ويكثر سوادها.</p>
<p>- المظهر السادس : التكذيب بيوم الدين {وما يكذب به إلا كل معتد أثيم} لأن الذي يصدِّقُ بيوم الدين يحسب له الحساب عمليا، إذا حدث هذا التصديق فإن العبد ينْتَصِفُ من نفسه، لأنه يضع في حسابه بيقين أنه ملاقي الله عز وجل، سيلقى الله تعالى، وسيحاسبه على النقير والقطمير، فلذلك هؤلاء المستكبرون يُلْغون من حسابهم وجود يوم آخر، وأنهم سيحاسبُون، وأن هناك يوم دين، ويوم حساب، ويوم الخضوع، يوم الدينونة للملك الديان سبحانه وتعالى {وكُنّا نكذِّبُ بيَوْم الدين} ظلوا على هذه الحالة حتى أتاهم اليقين.</p>
<p>- المظهر السابع : الإعراض بشدة، والفرار بقوة من المذكِّرين. وهذا أيضا من المظاهر التي نراها عيانا {وإذا ذُكِر اللَّه وحْدَه اشْمأزّت قُلوب الذين لا يومنون بالآخرة}(الزمر : 42) إذا جاء مذكِّرٌ ليذكر مستكبرا أو جماعة من المستكبرين ما الذي يحدث؟ يقع الإعراض بشدة {فما لَهُم عن التَّذِْكرة مُعرضين} ويقع الفرارُ بقوة من هذا المذكّر {كأنهم حُمُر مُستنفرةٌ فرَّت من قسورة} كأنهم الحُمر الوحْشيّة التي نُفِّرت من أسَدٍ هصُور، عندما رأت الأسد فرَّت في كل الاتجاهات، يُـشَبِّهُهم الله جل وعلا بأنهم يفرُّون ممّن يذكِّـرهم {فما لهم عن التَّذْكرة مُعْرضين} مع أن هذا لمصْلَحتِهم، ولنفعهم، ليس فيه شيء فيه مضرةٌ لهم، ومع ذلك {استكباراً في الأرض ومَكْر السيء}(فاطر : 43). يقع هذا الإعراض بشدة، والفرار بقوة من المذكرين.</p>
<p>هذه مظاهر الاستكبار التي ذكرت في هذه السورة.</p>
<p>النقطة الخامسة : من أسباب الاستكبار التي ذكرت في هذه السورة :</p>
<p>- السبب الأول : المال الممدود والبنون الشهود. أي : الاعتزاز بالمال والولد والجاه :{وجعلت له مالاً ممدودا} مال كثيرٌ {وبنين شهودا} أي جعلْتُ له كذلك قوَّةً بشرية حاضرة جاهزة يتقوى بها فعنده فتنتان خطيرتان : المال والجاه.</p>
<p>- السبب الثاني : الأنانية الطاغية : ويظهر ذلك في قوله تعالى : {بلْ يُرِيد كلُّ امرئٍ مِنْهُم أن يُوتى صُحُفا منشّرة}.</p>
<p>ها هنا أيضا سببٌ من أسباب الاستكبار : الأنانية الطاغية التي ظهرت، {بل يُريد كل امْرِئ منهُمْ أن يُوتى صُحُفاً مُنَشّّرة} فكل واحد من المستكبرين يريد أن يكون مِثْلَ الرسول؟! ويجب على الله أن ينزل عليه الصحف والرسالة!!.</p>
<p>هذه الأنانية الطاغية من مظاهر الاستكبار بصفة عامة.</p>
<p>- السبب الثالث : عدَمُ الخوف من الآخرة : {كلاَّ بَل لاَّ يخَافُون الآخرة}  لأنهم لا يومنون بها أصلا، فلذلك لا يخافون منها فينتج عن ذلك استكبار في الأرض.</p>
<p>النقطة السادسة : ما يعالج به الاستكبار مما ذكر في هذه السورة :</p>
<p>- العلاج الأول : التخويف بأهوال يوم القيامة عسى أن يتأثر المستكبرون فيرتدعون ويتوبون، لأن الله جل وعلا خوّف الكافرين من ذلك اليوم {فإذا نُقِر في الناقور فذلك يومئذ يومٌ عسير على الكافرين غيرُ يسير} وهذا الأمر موجود في سور أخرى بتوسع، ولكن الآن بدأت الإشارة إليه بهذا الشكل.</p>
<p>- العلاج الثاني : التخويف بسَلْب النعم، وتعويضها بالنقم، وهي المذكورة في أول المشهد الذي يصوِّر حالة الوليد بن المغيرة {ذرني ومنْ خَلَقْتُ وحيدا} خلقته وحده، ولم يكن معه  مَالٌ، ولا ولَدٌ، ولا أيُّ شَيْء، خرج من بطن أمه وحيدا {ذرْنِي ومن خلقْتُ وحيدا، وجعلت له} أنا الذي جعلت {وجعلت له مالاً ممدودا، وبنين شهودا} حضورا دائما معه {ومهَّدتُّ له تمهيدًا} يسرت له كل الأمور {ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان  لآياتنا عنيدا سأُرْهِقه صعُودًا}.</p>
<p>كان المطلوب أن يشكر هذه النعم فيؤمن بالحق الذي جاء من عند الله عز وجل ولا يستكبر، ولكنه لم يفعل ذلك، فيجب إذن أن يُؤاخد، وهذا هو التوجه، فالتخويف بسلْبِ النِّعم، وتعويضِها بالنِّقَم، هذا مّما يعالج به الاستكبار في مَنْ نفَعَ فيه العلاج، لأن العلاج قد ينفع وقد لا ينفع ولكن الله جل جلاله يُبَيّن لنا السبل.</p>
<p>- العلاج الثالث : التخويف بجهنم -وهذه التي وقع عليها إلحاح كبير في السورة- التخويف بجهنم من ثلاث جهات : جهنمَّ وهي سعيرٌ يستعر، وجهنم وهي إحدى الكُبَر نذيرا للبشر، وجهنَّمُ وهي مستقرٌّ للذين سلكوا في سقر {سأُصليه سقر، وما أدراك ما سقر، لا تُبْقي ولا تذَرُ لوّاحة للبَشَر عليها تسعة عشر} إلى أن قال : {كلاَّ والقمر والليل إذا أدْبَر والصُّبْح إذا أسْفَرَ إنها لإحدى الكُبَر نذيرا للبشر}.</p>
<p>الصورة الأولى تصوِّرها وهي تستعر {لا تُبقي ولا تذَرُ لوّاحة للبشر} يعني كثيرة الْحرْق لأن المعتمد في فهم هذه الآية هو أنها ليست كما فهمها بعضُ العلماء : أنها تلُوح للناس، وإنما القصدُ هنا والذي عليه الجمهور هو أنَّ البَشَر هنا بمعنى البشْرَة، ولوّاحة لها تجعلها لائحة يعني مُسودَّة بسبب النار. هذا هو المعنى : يعني كثيرة الحَرْق {لا تُبْقي ولا تذر لوّاحةٌ للبشر} وهذا الوصف هو للنار في حالها هي.</p>
<p>ثم بعد ذلك يشير القرآن إلى أن سبب ذكر هذه النار، هو أنها تذكر نذيرا للبشر {إنها لإحدى الكُبر نذيرًا للبشر لمن شاء منكُمْ أن يتقَدَّم أَوْ يتأَخَّر}.</p>
<p>ثم تُذْكَرُ من جهة أخرى -وهم فيها- للدّلالة على أنها جزاء المستكبرين، {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنّات يتساءلون عن المجرمين}.</p>
<p>وسبق أن لفظ &#8220;المجرمين&#8221; في سورة القلم يُـقابل لفظ &#8220;المسملين&#8221; {أفنجعل المسلمين كالـمُجرمين ما لكُمْ كَيْف تحْكُمُون} يتَسَاءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر، هم الآن مستقرون فيها {قالوا لمْ نك من المصلّين&#8230;}.</p>
<p>فالتخويف بجهنم بهذه المشاهد الثلاثة : كيف هي جهنم؟، وأنها نذير للبشر، وأن المستقرين فيها هذه هي حالهم : ماذا يقولون؟ وماذا يقال لهم؟ التخويف بها، وقد أخذت حيزا من السورة أضخم وأكبر من الأنواع الأخرى، هو نوع من العلاج.</p>
<p>- العلاج الرابع : ضرب الأمثال المنفِّرة من سوء الحال، وهو الوارد بوضوح في هذه الآية {فما لهم عن التَّذْكِرة معرضين كأَنَّهُم حمر مُسْتَنْفرة، فرَّت من قَسْوَرة} هذا المشهد ينفِّـر من حال هؤلاء الناس، فضرب المثال في القرآن الكريم يقصد منه أن الذي يعيش تلك الحال يجب عليه أن يراجع نفسه، إذا كان لا يريد أن يكون في هذا الشكل.</p>
<p>- العلاج الخامس : كشف حقائق النفسيات المريضة، وهذا واضح في {بل يريد كل امرئ منهم أن يوتى صُحفا منشرة، كلاَّ بل لاَ يخَافُون الآخرة} فليس الأمر أمر إعراض في حد ذاته، أو أمْر خطأ في الشيء الذي يُدعَوْن إليه، لا! المسألة ترجع إلى مرض النفس في كل واحد منهم {بلْ يُـريد كُلُّ امرئ منهم} كل واحد يريد أن يوتى صُحفا منشرة، فنفسُه قد تضخَّمَتْ، ويريد أن يتلقى هو الرسالة، ويخاطبه الله هو وحده، ويتلقى الوحي هو الآخر كذلك. أيضا.</p>
<p>{كلا بل لا يخَافُون الآخرة} فهذا هو سرُّ هذا الاستكبار بالدرجة الأولى. وإذا كشفت للإنسان حقائق نفْسِه فقد يراجع نفْسَه أيضا.</p>
<p>- العلاج السادس : تقرير هيمنة المشيئة الإلهية على كل المشيئات : عندما تنتهي السورة وينتهي الكلام نجد هذه النهاية {كلاَّ إنه تذْكِرةٌ فمن شاء ذكره وما تذكُرون إلا أن يشاء الله} لماذا تعرضون عن التذكرة؟ الخطاب للكفار المستكبرين لماذا تعرضون عن التذكرة؟</p>
<p>تعرضون عنها لأنكم ولأنكم ولأنكم&#8230; ليس الأمْر باستقلال تام منكم كما تزعمون، لو أردتم أن تتذكروا فإن ذلك لا يخرج عن مشيئة الله جل وعلا، وإذا لم تتذكروا فأنتم داخل المشيئة أيضاً، فلا يمكن أن تشاؤوا شيئا لم يشأه الله عز وجل، وهذه الهيمنة تجعل هذا المتلقِّي في القَبْضَة في جميع الأحوال. افْعَلْ ما بدا لك، فالله من ورائك محيطٌ.</p>
<p>تقرير هيمنة المشيئة الإلهية على كل المشيئات تجعل المستكبر يُرَاجِعُ نفسه، إلى أين يتجه؟.</p>
<p>- العلاج السابع : فتح الباب على مصراعيه للتوبة. والذي يشير إلى ذلك أمران :</p>
<p>أولا : التعبير بالتذكرة الذي أُلِحَّ عليه في الأخير {كلاّ إنه تذكرة فمن شاء ذكره}.</p>
<p>ثانيا : كون الله جل وعلا {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} بمعنى : هلاَّ تذكرتم واتقيتم الله فيغفر لكم، هلاَّ عُـدُّتم فيغفر الله جل وعلا لكم؟.</p>
<p>ففتح الباب على مصراعيه للتوبة هذا من طرق علاج حال الاستكبار أيضا عسى أن يراجع المستبكر نفسه، أو جماعة من المستكبرين، ليتوبوا إلى الله عز وجل.</p>
<p>النقطة السابعة : وظيفة المنذر التذكير، وبالقرآن أساسا يكون التذكير، فمن شاء ذكر وشكر. ومن شاء أعرض وكفر :</p>
<p>وذلـك مما يُستفاد من الآيات الأخيرة : {كلاّ إنه تذكرةٌ فمن شاء ذكرَه وماتذكرون إلا أن يشاء الله} هذا نفس  ما يقرره الله عز وجل في أماكن أخرى {إن عَلَيْك إلا البلاغ}(الشورى : 48) {فذِّكر إنَّما أَنت مُذَكر لسْتَ عَلَيْهِم بمُسيْطر}(الغاشية : 22) {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى}(الأنعام : 35).</p>
<p>مسألة الاهتداء إذن مرجعها إلى الله، {ليس عليك هُداهم ولكنَّ اللَّه يهدي من يشاء}(البقرة : 272).</p>
<p>مالذي علينا نحن؟ علينا أن نبذل أقصى الجهد للبيان، للبلاغ، للإنذار، للتبشير، إلى  غير ذلك، أي للتَّذكرة، هذه اللفظة. &gt;التذكرة&lt; تشمل كُلَّ تلك المعاني : معنى الإنذار،  ومعنى التبشير ومعني البيان إلى غير ذلك.. كل تلك المعاني تدخل ضمن إطار التذكرة التي هي وظيفة الرسول  ووظيفة من يتبع رسول الله  ووظيفة من يقوم لينذر.</p>
<p>خلاصة هدى السورة</p>
<p>عندما ننظر إلى السورة جملة نجد أن التوجيهات الأساسية التي تلخص لنا الهدى المنهاجي فـي السورة هــي هذه  :</p>
<p>أولا : وجوب القيام للإنذار، وترك الادثار، على كل من قرأ باسم ربه فتبتتل إليه .</p>
<p>فوجوب القيام للإنذار وترك الإدثار هو التوجيه الأول الكبير في السورة وهو الذي يوجد في المطلع {يا أيها المدثر قم فأنذر} فكونها جاءت بعد فواتح المزمل، وبعد فواتح العلق، تجعل هذا المعنى في غاية الوضوح : &#8220;وجوب القيام للإنذار&#8221; {يا أيها المدثر قم فأنذر} لم يبق مجال للادثار الآن، لم يبق مجال للراحة، لم يبق مجال للتأفف، أو حب الفراش بل {قم فأنذر} الآن. هذا الأمر يصير واجبا خاصة على كل من قرأ باسم ربه : أي استجاب لما طلب الله منه في سورة العلق. ثم استجاب لما طلب الله منه في سورة المزمل،</p>
<p>وعلى فرض أن عبدًا انطلق للإنذار دون أن يمُرَّ بالمرحلتين السابقتين : مرحلة العلق ومرحلة المزمل، فلن يُفْلِحَ، ولن يعرف كيف ينذر؟.</p>
<p>لابد من العلم الرباني الضروري الأساسي، لابد من العلم بالكليات الشرعية، هذا الذي تشير إليه فواتح سورة العلق، العلم بالله جل جلاله، والعلم بالإنسان كما تقدم.</p>
<p>ولابد من سير إلى الله عز وجل، ولا  بُد من صحبة لهذا القرآن كما ينبغي في جوف الليل، وفي  غير جوف الليل، استعدادا لحمل القول الثقيل، كما تشير إليه فواتح المزمل.</p>
<p>الآن في فواتح المدثر نجد شرح {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} هذا القول الثقيل هو {قم فأنذر} من قبلُ ما كان مطلوبا منه أن ينذر.</p>
<p>طُلِبَ منه أن يقْرَأُ فَقَرَأ.</p>
<p>ثم طُلِب منه أن يقوم الليل فقام الليل، وذكر ربه إلى آخر الخمس العزائم التي سبق الكلام عنها ففعل، وحصل التبتل، وحصل التوكل.</p>
<p>أماالآن فقم فأنذر بمعني أن النموذج صار صالحًا للتَّعْميم.</p>
<p>ثانيا : من نهض للإنذار فعليه بالتسلح بالزاد الذي هُدِي إليه خَيْـرُ العباد : وهو الآيات الخمس (من الآية الثالثة إلى الآية السابعة) التي تبتدئ بتكبير ربنا سبحانه وتعالى وتنتهي بالصَّبْر لربِّنَا سبحانه وتعالى، بمعنى أن ذلك الزاد وتلك الصفات  ضرورية، والهدى المنهاجي مركّز بكثافة بالغة في فواتح السورة فمن نهض للإنذار فعليه بالتسلح بهذا الزاد الذي هُدي إليه خيْرُ العباد.</p>
<p>ثالثا : المنذر مذكر : ومَتَى بَدَأ الإنْذَار بدأ الاسْتِكْبَار.</p>
<p>وخير علاج للاستكبار إبلاغ التخويف بسقر {وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر} فمن شاء تذَكَّر، ومن شاء تَأَخَّر {وما تذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة}.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%ab%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المزمل</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b2%d9%85%d9%84/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b2%d9%85%d9%84/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 26 Sep 2010 06:11:19 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 274]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[المزمل]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6329</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المزمل د. الشاهد البوشيخي سورة المزمل من أول ما نزل على الرسول  والمقصود أوائلُها أما أواخرُها أو الآية الأخيرة فنزلت في المدينة المنورة بعد الإذن بالقتال. وهي ثلاثة مقاطع : 1- مقطع فيه خطابٌ للرسول  ولكل مؤمن ومؤمنة من بعده. ماذا عليه أن يفعل مع ربه. 2- ومقطع فيه [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المزمل</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>سورة المزمل من أول ما نزل على الرسول  والمقصود أوائلُها أما أواخرُها أو الآية الأخيرة فنزلت في المدينة المنورة بعد الإذن بالقتال.</p>
<p>وهي ثلاثة مقاطع :</p>
<p>1- مقطع فيه خطابٌ للرسول  ولكل مؤمن ومؤمنة من بعده. ماذا عليه أن يفعل مع ربه.</p>
<p>2- ومقطع فيه خطاب أيضا للرسول ، ولكن من جهة خاصة، هي كيف يعامِلُ أعداءَ الله في تلك الفترة، وهُمْ المكذبون بالدين.</p>
<p>3- ومقطع به تختم السورة وهو آية مدنية طويلة فيها خطابٌ للرسول  والمؤمنين يتناسبُ مع المرحلة المدنية التي نزل فيها.</p>
<p>إذن كالعادة لا أقف عند معاني السورة، ولكن أذهب مباشرة إلى ما نسميه بالهدى المنهاجي.</p>
<p>النقطة الأولى : لابدّ لحَمْل الأمانة والقول الثقيل من الاستعدَاد اللازم.</p>
<p>ومن اختير لذلك فليودِّع الركون إلى الراحة والإخلاد إلى النوم. لا تزمُّل بعد الحمل، وإنما هو قيامٌ وتشميرٌ.</p>
<p>هذا واضح في مطلع السورة حيث جاء الأمر لرسول الله  بقيام الليل : {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا} استعداداً لِمَا ينتظِره من القول الثقيل {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} سنلقي عليك، هذا شيء قادم، فإذن الذي سيحمل أمانة من جنس أمانة رسول الله  لابد أن يستعد لها بالزاد المناسب، وكذلك كل مسلم -في الحقيقة- ومسلمة من أمة محمد  هو حامل لأمانة الشهادة على الناس بحكم اتباعه لرسول الله ، حامل لأمانة التبليغ لهذا الدين، ولو آية كما جاء  في حديث الإمام البخاري : &gt;بلغوا عني ولو آية&lt;.</p>
<p>ليس المقصود أن تعرف كل شيء لتبلِّغ، لا، ولكن ما علمته من كتاب الله عز وجل فاعمل به أولا، ثم اجتهد في أن تبلغه إلى غيرك ثانيا.</p>
<p>فحمل الأمانة يقتضي استعدادا خاصا، والله جل جلاله هو الذي يَختار من يُختار لحمل الأمانة، وهو الذي اختار رسله عليهم السلام، {اللّه يصْطفي من الملائكة رُسلاً ومن النّاس}(الحج : 75) وكما يصطفي الرسل كذلك يصطفي أتباع الرسل أيضا. {وجاهِدُوا في الله حَقّ جهادِه هو اجتباكم}(الحج : 78) لذلك فمطلع السورة يعطيك توجيها واضحا في الآيات الثمانية الأولى، وهو أنك ينبغي حين تشْعُر بأنك مسلم من أمة سيدنا محمد ، وتُحسُّ بقيمة موقعك، وقيمة مكانتك عند الله تعالى، وأنك نائب عن الرسول  بصورة من الصور، إذاك ينبغي أن تحْمِل الأمانة إلى الناس كما حملها الرسول  لأنه أرسل إلى الناس كافة وقبضه الله عز وجل إليه في وقت مبكر بعد 23 سنة تقريبا من بداية نزول هذا الدين، والإسلام لم يجاوز الجزيرة العربية. فمن يبلغه إلى الآفاق والأجيال؟ لقد كلّف الأمة بذلك بقوله في حجة الوداع : &gt;ألا هل بلّغت اللهم فاشهد، فليبلغ الشاهد منكم الغائب&lt; فهي أمانة باقية.</p>
<p>وهكذا فهمها أصحاب رسول الله ، وفهمتها الأجيال اللاحقة، بدليل الفتوحات التي تلت بعد، وبدليل الانتشار السريع الهائل للنور الإلاهي في الكرة الأرضية في القرن الهجري الأول، إذ أكبر انتشار للنور من الجزيرة العرية كان في القرن الهجري الأول.</p>
<p>هذا الأمر الأول، وإذن فلِيستعد عبد الله وأمةُ الله لتوديع الراحة، وتوديع النوم، للاستعداد لما هو آتٍ.</p>
<p>النقطة الثانية : طريق الاستعداد الفردي اللازم هو خمس عزائم متتالية متكاملة.</p>
<p>هي بالنسبة لجيل التأسيس عزائم يجب أن يعزموها فهي أمور كالفرائض :</p>
<p>أولا : قيام الليل : وفي جوفه يبدأ الإسراء والمعراج إلى الدرجات العلى.</p>
<p>ثانيا : ترتيل القرآن : وهو وقُودُ الرواحل أولي العزم إلى التي هي أقوم.</p>
<p>ثالثا : ذكر الله جل جلاله : وهو قوت القلوب، الواقي من الذنوب المانعة من دَرَكِ المطلوب.</p>
<p>رابعا : التبتل إلى الله جل جلاله : وهو دخول عالم الحرية بتمام العبدية والخدمة المولويّة للمولى جل وعلا.</p>
<p>خامسا : التوكل على الله جل جلاله : وهو ثمرةُ الوصول ومقتضى مشاهدة الربوبية والألوهية في قلوب أهل التبتُّل.</p>
<p>هذه الخمس كلها داخلة في قوله تعالى : {قُمِ اللَّيْل إلا قَلِيلاً نصفَهُ أو انْقُصْ منه قليلاً أو زِدْ عليْه ورتِّل القرآنَ ترْتِيلا، إنّا سنُلْقِي عليك قوْلاً ثقيلاً، إنّ ناشِئة اللّيْل هي أشدُّ وطْئاً وأقْوَمُ قِيلاً. إنّ لك في النّهارِ سَبْحا طَويلاً، واذْكُر اسمَ ربِّك وتَبَتَّلْ إِليه تبْتِيلاً، ربُّ المشرق والمغْرب لا إلَه إلاّ هو فاتّخِذْهُ وكِيلاً}.</p>
<p>قبل أن يأمر الله عز وجل عبده ورسوله محمدا  باتخاذه وكيلا وهي الرتبة الخامسة من العزائم، ذكر مسألة الربوبية ومسألة الألوهية، {ربُّ المشرق والمغْرب لا إله إلا  هو} لأن الألوهية مترتبة على الربوبية.</p>
<p>والإشكال عند كفار قريش لم يكن في مسألة الربوبية وقلما يكون الإشكال في جانب الربوبية لأنهم يعرفون أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي خلقهم وهو الذي يحيي ويميت&#8230; مسألة الربوبية تتجه إلى النعم الآتية من عند الله، وإلى الأفعال القادمة من عند الله إلى عباده، سواء أكانت نعماً أو نقماً، ولكن الألوهية بالعكس تتجلى فيما يصدر من العبد تجاه مولاه، تتجه إلى القلوب، ماذا تأْلَه القلوب؟ بم تتعلق؟ هل تتعلق بالله عز وجل أم تتعلق بسواه؟ {لا إله إلا هو} يعني لا مُتَعَلَّق للقلوب إلا به تعالى رغبة ورهبة. هنا كان الإشكال، لأن القلوب كانت تتعلق بالكثير من الآلهة، سواء بشكل سحرة، أو كهنة، أو أصنام، أو أشكال متعددة، ولذلك كان عنوان الدخول في الإسلام &gt;لا إ له إلا الله&lt;. هي كلمة الدخول في هذا الدين. بمعنى أنه يجب عليك بمقتضى هذه الكلمة أن تجعل جميع أعمالك خالصة لله عز وجل لا تشُوبُها شائبة.</p>
<p>أعود إلى النقط الخمس أو العزائم الخمس :</p>
<p>&gt; أولها : قيام الليل، وفي جوفه يبدأ الإسراء والمعراج إلى الدّرجات العلى {قم الليل}.</p>
<p>هذه النقطة، أو هذا الأمر الإلاهي كان في البداية عزيمة بالنسبة لرسول الله  وللمجموعة التي آمنت به في أول مرة، رجالا ونساءاً، لأن هذا القيام كان إطاراً للشّحْن بتعبير اليوم، فداخل هذا القيام سيأتي ترتيل القرآن {ورتّل القرآن} ليس خارج الصلاة وإن كان ترتيله خارج الصلاة أيضا مطلوبٌ، لكن الكلام هنا مترتب بعضه على بعض، قم الليل ورتل القرآن في هذا القيام، لأنه بذلك الترتيل يصبح مُيسّراً للدخول إلى قلب ابن آدم، خصوصاً في هذا الظرف الذي هو جوف الليل، وأحسنه الثُّلُثُ الأخير من الليل، الذي ينزل فيه الله عز وجل إلى السماء الدنيا فيقول : &gt;هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟&#8230;&lt;(مسند الإمام أحمد.</p>
<p>ذلك الوقت يكون فيه الإنسان عادة قد استراح {إن لك في النهار سبحاً طويلاً} في النهار نَغُوصُ في كثير من الأعمال المتصلة بكل شؤوننا في الحياة، ونأتي تعِبِين، فننام لنستريح، وعندما يستريح قلب ابن آدم يصبح مؤهلا كل التأهيل لكي يستقبل، فحين يكون القلبُ في هذا الوَضْع، الله عز وجل كلف ابن آدم أن يقوم الليل ويرتل القرآن، هذا القيام أقول يكون فيه القلب متفرغا مستريحا مستعدا كل الاستعداد لتقبل النور الإلاهي فتأتي معه معانٍ كثيرة، ويكون فيه الشحن، والتغذية لروح المؤمن، لإدخال كل المعاني التي في القرآن إلى قلب المؤمن، والترتيل يزيدها ويسهِّل دخولها وخصوصاً في الليل حيث يكون الهدوء والسكينة، ولا حركة، ولا كلام إلا المناجاة التي هي أبعد ما تكون عن الرياء، العبد مع ربه فقط.</p>
<p>فلذلك هذا الظرف من أحسن الظروف لتنشيط الخميرة الإيمانية التي ستتفاعل بعد وتنْمُو لتُحْدث ما تُحْدِث بعدُ في قلب ابن آدم، وفي جوارحه وفي مَن حوله، وفي الكون كله بعد.</p>
<p>&gt; الثانية : ترتيل القرآن هو وقود الرواحل أولي العزم إلى التي هي أقوم :</p>
<p>بنو آدم قبل أن يمسَّهم القرآن عاديُّون، يعني طاقاتهم موجودة، لكنها ليست عالية، لكن بمجرد أن يُشْحَنُوا بطاقة القرآن يتحولون تحوُّلاً جذريّاً، يولَدون ولادةً جديدة، يصبحون قادرين على أعمال كثيرة جدا.</p>
<p>والله عز وجل ذكر لنا ذلك فقال : {إن يكن منكُم عشرُون صابرُون يغلبُوا مائتيْن}(الأنفال : 65) عشرون من الصابرين يغلبون مائتين، لكن عشرون من طراز خاص، من هذه الطبقة المتزودة بزاد القيام الليلي والترتيل القرآني، عبادُ الله الذين لا يستقبلُون من غير الله عز وجل، عباد الله المنقطعون إلى الله تعالى، هؤلاء مفعَّلون بالقرآن، مخَصَّبُون بالقرآن، مشحونون بالقرآن، إنّه وقود الرواحل الذين أشار إليهم رسول الله  بقوله : &gt;النّاسُ كإِبِل مائةٍ لا تَكَادُ تجد فيها راحلة&lt;(رواه الإمام البخاري). والراحلة الناقة التي تصلح للأسفار الطويلة، والناقة الراحِلة لها أوصاف خاصة تُميزها عن غيرها من النوق، أن تكون ذَلُولاً، صبورة، قوية على الحمل إلى غير ذلك..</p>
<p>فهؤلاء الرواحل هم الذين يخْتارهم الله تعالى للبدايات لعلمه بهم {واللّه أعْلَم حيثُ يجْعَل رسالاَتِه}(الأنعام : 124).</p>
<p>فهذه النقطة الثانية : ترتيل القرآن في غاية الأهمية الآن، ترتيل القرآن له تأثير كبير، بأي شكل كان، ترتيل القرآن مطلقا له تأثير، وقراءة القرآن مطلقا لها تأثير وفيها أجر عظيم قال  :&gt;مَن قرأَ حرْفاً من كتاب الله فله حسَنَةٌ والحسنة بعَشْر أمْثالِها لا أقُولُ ألم حرْفٌ ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف&lt;(حديث حسن صحيح رواه الترمذي) يعني إذا قلت ألم أُجِرْتَ ثلاثين حسنة، وهي تُذْهِبُ ثلاثين سيئة، لأن الحسنات يُذْهبن السّيئات.</p>
<p>فالرجوع إلى ترتيل القرآن طريق، بل هو الطّريق لمن له بصيرة.</p>
<p>&gt; الثالثة : ذكر الله جل جلاله : يعني الطريق الثالث أو العزيمة الثالثة ذكر الله، وهو &gt;قُوتُ القُلُوب، الوَاقِي من الذّنُوبِ، المَانِعَةِ مِنْ دَرَكِ المَطْلُوب&lt;.</p>
<p>والمقصود بالذكر ليس الذكْر اللفظيّ، إذا ذكر الذكر فإنه أساسا ينصرفُ إلى ضد النسيان. هذا أصلُه اللغويُّ، وهو في مثل هذه المقامات يقصد به المثلُ المجَسِّم للذاكر والناسي، في هذا التشبيه الرائع : &gt;مثل الذي يذكُر ربّه والذي لا يذْكُر ربّه مثل الحيِّ والمَيِّت&lt; الذاكرُ حيٌّ، والناسي ميّت، ولهذا نهى الله تعالى عن نسيانه، فقال : {ولا تَكُونُوا كالذينَ نَسُوا الله فأنسَاهُم أنْفُسَهُم أولئِك هم الفاسِقُون}(الحشر : 19) أو تكون الحياة بالغفلة؟!.</p>
<p>يمكن أن يذكر الإنسان ما شاء الله من الأذكار وقلبه غافل، يعني غير حاضر، فهو في وضع النّسيان، في وضع الغفلة، وليس في وضْع الذكر.</p>
<p>فإذن المقصود أساساً بالذكر سواء أصاحَبَه ذكْرُ اللسان يعني النطق بالألفاظ أو كان بالقلب، فالمقصود حضور القلب، الله عز وجل حاضرٌ فيه، والعبدُ يفعلُ ما يفعلُ أو يقول ما يقولُ أو يأتي ما يأتي أو يذَرُ ما يذَرُ، في كل تلك الأحوال هو مع الله جل جلاله.</p>
<p>وهذا الأمر ليس بالعسير بإذن الله، يمكن للعبد أن يكون في مهنته وهو مستحضر الله، غير غائب عن الله، في شغله في طريقه، في سياقته، في أي شيء هو مستحضِرٌ للّه جلّ جلاله وما جُعلت الصلاةُ إلا لهذا الغرض {وأَقِم الصّلاةَ لذِكْرِي}(طه : 14) ولذلك لا يُكْتب للعبد من صلاته إلا ما عقَل منْها، أي إلا ما ذكر منها -عَقَلَ = أمْسَكَ- أما ما لم يُمسِك، وكان غائبا، فهذا لا يُكْتَبُ.</p>
<p>ومعنى ذلك أنه يوم تُبْلى السرائر وتُكْشَفُ الأمور -نسأل الله التوفيق والسلامة- ستأتي كثير من الصلوات ناقصة تجد فقط الملائكة سجلت نقطة بعينها، في ثانية في دقيقة والباقي كُلّه ضاع، يعني تجِدُ صلاة لم تُكتَبْ منها إلا ركعة، أو سجدة، والباقي ضاع، أو ضاع نصفها أو ثلثها أو ربعها، لأن الصلاة في أصلها ذكرٌ خالصٌ للّه بدون أي إشراك، فعلى الإنسان بمجرد الإحرام أن يغيب عن الدنيا، حين يكبر وحين يقرأ، وحين يركع، وحين يسجد، وحين يدعو.. إن الصلاة -كما ترون- قائمة على لفظ واحد يتردَّدُ أكثر من سواه، هو &#8220;الله أكبر&#8221; هذا التكبيرُ هو السِّر.</p>
<p>لأن ابن آدم قد يُكَبّر مع الله سواه، أو يُكبِّرُ سوى الله في قلبه من حيث لا يشعر، يكبِّر الدنيا، يكبِّر المال، يكبِّر الجاه، يكبِّر السلطة، يكبِّر أشياء كثيرة، ولكن الله لا يقْبَلُ منه أي تكْبِير لغَيْره أبداً.</p>
<p>لذلك يتكرر هذا اللفظ كأنه يقيم علينا الحجة أيْ يجبُ أن تُكبِّروا الله فقط ولذلك التكبير يقتضي الذكر، إذا كبرت فعلا، وأعلنت التكبير ينبغي أن تغادر سواه، وتنقطع له في صلاتك حتى تُسلِّم، كأنك تقول للناس : أنا أتيتُ &#8220;السلام عليكم&#8221;، فهذا الذكر لله جل جلاله هو المقصودُ، وهذا الذكر يُعينُ عليه القرآن لأن القرآن هو الذّكر، وهو طريق الذّكر، وهو الذكر الأعظم {وقَالُوا يا أَيُّهَ الذِي نُزِّلَ علَيْه الذِّكْرُ إنَّكَ لمجْنُون..}(الحجر : 6) فهو الذكر، وبه تتم عملية التذكُّر الحقيقية التي يريدها الله عز وجل منا، فذكر الله مترتب على ما سبق، وإذا حضر هذا الذكر في القلب كان هو القُوتُ، الواقِيَ من الذُّنوب، المانعة من دَرَك المطلوب.</p>
<p>- لماذا الذكر هو الواقي من الذنوب؟</p>
<p>الحديث صريح صحيح معروف هو قوله  : &gt;الشّيطان جاثمٌ على قلب ابن  آدم إذا ذَكر الله خَنسَ وإذا غَفَل وسْوَس&lt; فلا تحْدُث معصيةٌ في حال الذكر، وإنما تحْدُث في حال الغفلة &gt;لا يَزْنِى الزّاني حِين يَزْنِي وهو مُومِنٌ ولا يشربُ الخمر حينَ يشرَبُها وهو مُومِن&lt;(رواه البخاري) في تلك اللحظة يغيب، ويشتغل بباطله، أما إذا كان حاضرًا كما حدث لأحد السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظله يوم لا ظِلّ إلا ظِلُّه قال  : &gt;ورَجُلٌ دعتْه امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله&lt;(رواه مسلم) أو كما حدث لأحد الثلاثة الذين انسَدّ عليهم الغار حين قالت له ابنة عمه اتّقِ اللّه ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فتذكّر وقامَ، ولم تحْدُث الخطيئة، فارتفع بذلك الفعل الذي فعل إلى أحد السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، في حديث السبعة، وارتفع في حديث الثلاثة الذين كانوا في الغار إلى درجة التخليص من أعظم أزمة.</p>
<p>لماذا؟</p>
<p>لأن مقاومة الشهوة في عنفوانها، وإمكانها، وشدّة الرغبة فيها، لا يفعله إلا أولياءُ الله، وعبادُ الله المقربون، الذين يخشون الله حق الخشية.</p>
<p>&gt; الرابعة : التبتل إلى الله والتبتل يأتي بعد الذكر، بمعنى أنك إذا أكثرتَ من قيام الليل، وأكثرت من قراءة القرآن، وأكْثرت من الذِّكْر حدَثَ التّبتّل أي الانقطاع لله تعالى، فما عاد المتبتِّل يأْبَه إلا بالله جل جلاله، ما عاد يشعُر بسوى الله، ماذا يسْوى غيرُ الله؟ لا شيء، فلذلك يتبتّل إلى الله جل وعلا، ينقطع له، حيثما كان وأينما كان، هو بالجسد مع الناس، ولكنه في الحقيقة وبالقلب مع الله جل جلاله، بأمره كله مع الله، أتى ما أتى، وترك ما ترك، لا يُحِبُّ  إلا الله، ولا يتلقَّى إلا من اللّه، ولا يذل إلا لله.</p>
<p>فهذه الرتبة الرابعة {واذْكُرْ اسم ربّك وتبتّل إليه} ارْق إلى هذا المستوى، وهذا المستوى يُبْلغُ بناءً على الإكْثار ممّا قبله، فهو مُنْبَنٍ على ما سبق من القيام والترتيل والذكر، بعد ذلك كله جاء {وتَبَتَّلْ إليه تبْتِيلا}.</p>
<p>لنَنْتبِه إلى التعبير القرآني فالله تعالى لم يقل {تبتّل إليه} فقط بل أكّد الفعل بالمفعول المطلق المؤكد {وتبتّل إليه تبْتِيلا} أي انقطِعْ لَهُ انقطاعاً تاما كليا.</p>
<p>لأنه إذا بقي في العبد شوائب، أي جهاتٌ، وجوانبٌ، يحْكُم فيها غير الله فَسَدَ أمره، وتتسع تِلْك الدائرة مع الأيام بالشّبهات، والشهوات، فتحْدُث المصائب.</p>
<p>ويؤتى العبْدُ من تلك الجهات غير المصفاة.</p>
<p>لذلك جاءت الرتبة الخامسة : اتخاذُ الله تعالى وكِيلا : كأنها نتيجة التبتُّل والانقطاع إلى الله بيقين وعلى بصيرة وحضور لشهود الربوبية وشهود الألوهية في قلوب أهل التبتّل، بل كانت الرتبة الخامسة هي ثمرة الوصول، أي هؤلاء المتبتلون الذين انقطعوا إلى الله بقلوبهم، ما الذي ينبغي لهم؟! أن يتخذوا الله عز وجل وكيلا لهم في أمرهم كله، عليه يتوكلون وإليه يفوضون.</p>
<p>لماذَا يُتّخَذ الله وكيلا؟!.</p>
<p>لأن كل شيء بيده {ربَّ المشْرق والمغرب لا إله إلا هو فاتّخِذْه وكيلا}.</p>
<p>اتّخِذْه أنت، مطلُوب منك أن يصْدُر منك هذا الفعل : &#8220;الاتخاذ&#8221; يعني أن تجعله أنت وكيلك. ولا وصول لهذه الرتبة إلا بعد تصحيح وإنجاز العزائم الأربع التي سبقتها : قيام بالسَّحَر، وترتيل خاشع، وذكر متضرع، وتبتل منقطع لله.</p>
<p>فهذه الأمور الخمسة هي طريق الاستعداد اللازم لكل فرد مسلم ومسلمة أراد أن يتحمل أمانة الدعوة، وأمانة الشهادة على الناس، كما تحملهما رسول الله .</p>
<p>ولا يمكن طبعا أن يقوم المسلم بذلك دفعة واحدة، ولكن عليه أن ينطلق بالتدريج مقتحما كل العقبات لتحقيق العزائم الضرورية لنجاح الدّعوة الإسلامية :</p>
<p>إنْ كُنْتَ ذَا رَأْيٍ فكُنْ دا عَزِيمَةٍ</p>
<p>فإنّ فَسَادَ الرَّأْي أنْ تَتَرَدَّدَا</p>
<p>النقطة الثالثة : لابد للداعية إلى الله من أعداء، يهاجمونه ودعوته بكل الوسائل، قولاً وفعلا، كيداً ومكْراً. وذلك فتنة وابتلاءاً من الله تعالى له ولمن معه.</p>
<p>هذه سنة الله الماضية يعني من أول الكلام الذي سمعه الرسول  من ورقة بن نوفل &gt;لمْ يأْتِ أحد قَطُّ بمثل ما جِئْت بِهِ إلا عُودِي&lt; وقال : &gt;سَيُخْرجك قومك&lt; فقال الرسول  متعجبا : &gt;أوَمُخْرِجي هُمْ؟&lt; هلْ هذا سيحْدُث؟ تعجّبَ رسول الله  من هذا.</p>
<p>فالذي يعرف النواميس، ويعرف الدعوات، وعنده شيء من أخبار الكتب سابقا هو الذي قال له هذا الكلام &gt;لم يأتِ أحد قَطُّ بمثل ما جِئت به إلا عُودِيَ وإنْ يُدْرِكْنِي يومُكَ أنْصُرك نَصْراً مُؤزّراً&lt; فهذه العداوة  طبيعية لأنها تدافُعٌ بين الحق والباطل.</p>
<p>ولذلك جاء مباشرة بعد المقطع الأول قول الله تعالى {واصْبِر على ما يقُولُون واهْجُرْهم هجْراً جَمِيلا وذرْني والمُكَذِّبين أولي النّعمة ومهِّلْهُم قليلا إنّ لَدَيْنا أنْكالاً وجحِيماً وطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وعَذَابًا ألِيما، يوم ترْجُفُ الأرضُ والجبالُ وكانتِ الجِبَالُ كَثِيباً مهِيلاَ.. إلى قوله تعالى إنّ هذِه تذْكِرة فمَنْ شاءَ اتّخَذَ إلى ربِّه سَبِيلا}.</p>
<p>إنّ هذا المقطع الذي جاء بعد مطلع هذه السورة يشبه المقطع الذي جاء بعد مطلع سورة العلق، فبعد الآيات الخمس هناك جاء مباشرة {كلا إن الإنسان ليطغى} ومثل ذلك أيضا في سورة القلم، فبعد المطلع جاء مباشرة {فستبصر ويبصرون} الأعداء حاضرون، الصادّون حاضرون، المُعرضون حاضرون، المتهِمون حاضرون، المستهزئون حاضرون.</p>
<p>لكن هناك دائما موقف محدد متشابه تقريبا مُسْتمرٌّ وهو كيفية الرّدّ.</p>
<p>النقطة الرابعة إذن هي : أصُولُ الرّدِّ على المعادين خمسةُ أساليب أيضا متتالية متكاملة.</p>
<p>الدعوة إلى الله عز وجل كما كانت زمن رسول الله  في بدايتها، ورسول الله  يَعْرض الحق على الناس. في تلك المرحلة، ماذا عليه أن يصنع؟! والمخالفون يهاجمونه بالقول، والكيد، وكل شيء.</p>
<p>هاهنا كان الإرشاد يتلخص في خمسة أمور هي أصول الرد على المعادين، متتالية ومتكاملة.</p>
<p>أولُها : الصبر على ما يقولون ويفعلون من أذى، الصبرَ. الصبرَ&#8230;</p>
<p>وهو يتطور مع الزمن ففي البداية على الأذى، وفي مرحلة الجهاد يكون الصبر على البذل، بذل النفس {ولنبْلُونّكُم حتى نعْلم المجاهدين منْكُم والصابِرين ونبْلُو أخْباركم}(محمد : 31) الصبر في جميع المراحل، وفي جميع الأحوال، وبجميع أنواعه هو ضامِنُ الخيْر.</p>
<p>ولكن الصبر المطلوب هو الصبر الشرعي، وليس الصبر الشائع بين الناس الذي فيه إدْهان، وفيه التسليم بالباطل، وفيه الرجوع عن الحق، لا. لا.</p>
<p>ولكن عليك أن تعرف الحق وتعمل به وتسْكُتَ، مهما جاءت زعازع، ورياح هوجاء، وعواصف، أُثْبت، فإن النّصر مع الصبر، إذا كان الصّبْرُ كان النصر، وإذا لم يكن صبرٌ ضاع كل شيء : {فاصْبِرْ على ما يَقُولُون}.</p>
<p>ولا يكون الصبر إلا على قول مؤلم، فقد اتُّهم  بالجنون وغيره، فاصبر على القول، ومِثْله إذا فعَلُوا فِعْلاً.</p>
<p>الثاني هو الهجْرُ الجميل {واهْجُرْهُم هجراً جَمِيلا} هجرانهم بالإعراض عنهم وعدم أذاهم، هم يؤذونك وأنت لا تُؤْذهم {ولا تُطِعْ الكافِرين والمنافِقين ودَعْ أذَاهُم}(الأحزاب : 48) تحمَّلْ الأذى ولا تؤذهم.</p>
<p>انظر إلى هذه الدرجة الرفيعة التي يريد الله عز وجل أن يرقى إليها المؤمنون بدءا من رسول الله ، فالمسلم يتحمل أذى الخلْق، ولا يؤذي الخَلْق، وهذه درجة عالية، يفعَلُ الحق يعَلِّم الحق، يقول الحق، يتصف بالحق، ويقف عند ذلك الحدِّ فيصبر ويحتسب إذا أوذي، ثم لا يؤذيهم، الهجْرُ الجميل، {أعْرِض عنْهُم وقُل سلام}.</p>
<p>هذا كيف يُعَامَلُ من يعادي من أعداء الله، يعني في المرحلة التي يكون الدِّين فيها يتأسَّسُ، مازال لمْ يعُمّ، مازال لم يصل إلى مرحلة الأمة القائمة بدين الله عز وجل، تلك مرحلة ستأتينا في آخر السورة إن شاء الله.</p>
<p>فإذن أول الرّدِّ الصبرُ، والثاني الهَجْرُ الجميل.</p>
<p>وثالث وسائل الرّدِّ التخويف بالله تعالى الذي يتولى أمرهُم بكَيْدِه المتين، كما تقدم، الذي يُمهل في الدنيا ولا يُهْمل {ومهِّلْهُم قليلا}. يمكن أن نمهلهم ولكن الحساب قادمٌ في الدنيا، بكيده المتين {وأُمْلي لهُم إن كَيْدِي مَتِين} في سورة القلم. وفي الآخرة عذابه المهين الذي منه الجحيم والهول العظيم كما ذكر هنا.</p>
<p>هذا التخويف هو الذي كان الله عز وجل يزوِّد رسوله  به، به كان يتمّ الرّدُ بشكل من الأشكال، {وذَرْني والمكذِّبين أولي النّعمة ومهّلْهم قليلا إنّ لَدينا أنكالاً وجحِيماً وطعاماً ذا غُصّةٍ وعذَاباً أليما يوم ترْجُف الأرض والجبال} التخويف بأهوال يوم القيامة، يوم الحساب.</p>
<p>الأسلوب الآخر الرابع هو قصُّ القصَصِ عليهم، المشابهة لحالهم للاعتبار والاتعاظ {إنّا أرسلنا إليكم رسولا شاهداً عليكم كما أرْسلنا إلى فرعون رسولا، فعصى فرعونُ الرّسُول فأخَذْناه أخذاً وبيلا} وهذا الأخذ الوبيل يمكن أن يقع لكم أيضا، فتجنبوا هذا، احْذَرُوا هذا الأمر.</p>
<p>هذا الأسلوب أيضا من الأساليب التي كان يردُّ بها على الكفار والمشركين والمكذبين بالدّين إلى غير ذلك.</p>
<p>وخامس أساليب الرّدّ : ترغيبُهم في التوبة إلى ربهم قبل فوات الأوان.</p>
<p>وهذا مما يستفاد من قوله تعالى : {إن هذه تذكرةٌ فمن شاء اتّخَذَ إلى ربّهِ سَبِيلاَ} هذه تذكرة لكم، تُذَكِّركم بالعهد الأول، فإن تذكرتُم فمن شاء مِنْكُم اتخذ إلى ربّه سبيلا.</p>
<p>ولم يقل ومن شاء لم يتّخِذ. لا.</p>
<p>يعني بذلك أنه يقول لهم : اذْهَبُوا في هذا الاتجاه، هذا هو الطريق، هذه مجرد تذكرة فاتجهوا فسارعوا، اتخذوا سبيلا إلى ربكم.</p>
<p>النقطة الخامسة : التطور فـي الأحوال يقتضي التطور في الأعمال، دون مسٍّ بالأصْلِ الثّابِت في كل الأحوال :</p>
<p>من أين هذا الكلام؟!</p>
<p>هذا الكلام من بداية الآية الأخيرة وهي آية طويلة {إن ربّك يعْلم أنك&#8230;&#8230; أن الله غفور رحيم} آية واحدة ماذا فيها؟!</p>
<p>فيها هذا المعنى الذي أتحدث عنه وهو أن الظرف تغَيَّر الآن.</p>
<p>هذه الآية مدنية تعالج قضايا في مستوى وصول المسلمين إلى مرحلة الأمة حيث تظهر أمور أخرى فتكون طائفة من الناس مرضى؛ ويكون صنف من الناس يشتغلون بأشكال من الشغل؛ تقتضيها الحياة بصفة عامة؛ وصنف من الناس يجاهد في سبيل الله ويقاتل في سبيل الله، إذن هناك أمور جَدَّتْ لا في التطور العام لجسم الأمة، ولا في الواجبات الجديدة.</p>
<p>في مرحلة {قم الليل} لم يكن قتال، ولم يكن أشْكالٌ من طلب الضّرب في الأرض وابتغاء من فضل الله، وهو تعبير في القرآن الكريم يطلق على وجوهِ النشاط العامة، وأشْكال الشغل التي يحتاجها الإنسان لتدبير أمر معاشه.</p>
<p>في أول السورة حديثٌ في صورة فرد هو الرسول  يدعو إلى الله عز وجل ويجدُ مقاومة ثم إرشاد وتوجيه إلى ما ينبغي أن يُفْعل تجاه الطغيان والعدوان. لكن الآية الأخيرة ظرف آخر، تغيَّر الأمر، ما بقيت الدعوة في تلك المرحلة، تطورت الأحوال، وهذا التطور يقتضي تطوراً آخر في الأعمال. كان القيام قبْلُ واجباً والآن خَفَّفَه الله تعالى {عَلِم أن لن تُحْصُوهُ فَتَاب عليْكُم} النتيجة {فاقْرأُوا ما تَيَسَّر من القرآن} كررها الله مرتين.</p>
<p>الآن صار الكلام للأمة، لجميع المؤمنين، لم يعد الكلام في {قم الليل}، {ورتل}، لم يعُدْ الخطاب خطاباً فرديا، لا.</p>
<p>الكلام الآن للأمة جمعاء، لأن الوضع تغير.</p>
<p>فاقتضى التطورُ في الأحوال التطور في الأعمال دون مسٍّ بالأصل الثابت في كل الأحوال.</p>
<p>بمعنى أن هناك أشياء تتغيَّرُ، وأشياء لا تقبل التغيير.</p>
<p>النقطة السادسة : تكليف الأمة بأعمال تناسب مستواها المرحلي :</p>
<p>الناس في الأمة من حيث الشغل أصناف ثلاثة :</p>
<p>&gt; عاجزون عن الشغل بعُذْر شرعي، كالمرضى ومن في حكمهم من شيوخ وأطفال وغير ذلك وهو الذي تشير إليه الآية {علم أن سيكون منكم مرضى}.</p>
<p>&gt; مشتغلون منتجون وهم الذين عبر عنهم القرآن {يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} فضل الله في جميع أنواع الشغل، جميع أنواع الوظائف، جميع أنواع الأعمال التي تتعلق بالمعاش، فهذا الصنف هو صنف الطبقة التي تنتج، يعني تشتغل.</p>
<p>&gt; منشغلون بالجهاد في سبيل الله، ولم أقل مشغولون، يعني منشغلون عن الشغل الذي يتعلق بالمعاش، هم منشغلون بالجهاد.</p>
<p>كيف صار الأمر؟</p>
<p>الطبقة الوسطى إذن هي العمود الفقري الذي يحْمِل العجزة، ويموِّلُ المجاهدين، بتعبير آخر : كيف تصير الأمة في النهاية؟!</p>
<p>الأمة معظمها هو الطبقة التي تنتج، تشتغل، تكسب.</p>
<p>ويوجد في الأمة طبقة لا تقدر على الإنتاج. لا نقول لا تنتج، الذي يقدر على الإنتاج ولا ينتج يُجْبر على أن يشتغل، أو المطلوب أن نُوجِد لديه الرغبة الداخلية، ولكن لا نعطيه الزكاة.</p>
<p>هذا النوع القادر على الكسب ولا يكسب، الرسول  يقول فيه &gt;فو الله لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب فيحمله على ظهره فيأكل أو يتصدق&lt;(رواه الإمام أحمد).</p>
<p>انتبهوا إلى يتصدق، قاعدة قرآنية عظيمة هي {ليُنْفق ذو سعة من سعته ومن قُدِر عليه رزقه فليُنْفق مما آتاه الله}(الطلاق : 7).</p>
<p>الذي لديه الكثير ينفق من الكثير، وصاحب القليل ينفق من القليل، ولكن صاحب القليل يقول كيف أنفق وما عندي ما يكفيني؟</p>
<p>أنْفِق، والأمة عليها أن تكفيك الطوارئ.</p>
<p>إذن ههنا نقطة مهمة فيها توجيه لوضع الأمة. هو أن الطبقة العاجزة عن الكسب مكفولة حقوقها عمليا، الطبقة القادرة على الكسب هي التي تتكفل بها لذلك قال  : &gt;أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه&lt;(رواه البخاري) أي أنا أتكفل. يقول هذا بصفته ممثلا للمسلمين.</p>
<p>هذا الوضع الطبيعي لذلك قال أيضا  : &gt;والله لا يومن، والله لا يومن، والله لا يومن، من بات شبعان وجاره جوعان&lt;، &gt;لا يومن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبُّ لنفسه&lt;(رواه البخاري) لا يحبُّ أحدٌ أن يبيت جوعان، إذن حتى الآخرون يجب أن لا يبيتوا جوعى.</p>
<p>الآن وضعنا سيء للأسف. وها هنا استطراد فاس المدينة القديمة مثلا فيها الدور الكبيرة والمتوسطة والصغيرة وفيها &#8220;المصريات&#8221; معنى ذلك أن يتساكن الغني مع الفقير مع المتوسط وإذاك بسرعة تحس بهذا &gt;من بات شبعان وجاره جوعان&lt; والآن التجزيئات على الطريقة الغربية التي تُعَلِّب بني آدم حسب دخولهم المادية فتجزئة فيها كما يقال الفراعنة وتجزئة فيها &#8220;القوارنة&#8221; وتجزئة فيها &#8220;الهوامنة&#8221; يعني كل تجزئة من نوع، لا توجد أي تجزئة يسمونها مدن القصدير، هذا الوضع شاذ وينبغي على الذين يشتغلون بالتعمير أو بالهندسة المعمارية أو بالتصاميم المديرية وغيرها ينبغي أن يفهموا هذا الكلام وأن يؤسسوا البنيان على أساس إسلامي على أساس التساكن بين الطبقات الاجتماعية بين الغني والفقير والضعيف والقوي وغير ذلك. كما يحدث في الصلاة. وضع الصلاة أكبر مظهر للحياة الإسلامية في جميع مجالاتها، في العلاقة بين الرئيس والمرؤوس، بين الناس وبين القانون لا أحد يستطيع أن يقول إن عنده مكاناً في المسجد، لا أحد، الذي حضر أولاً هو صاحب المكان وهكذا وهكذا، الناس يصطفون اصطفافاً حسب وصولهم {السابقون السابقون أولئك المقرّبون..}(الواقعة : 10- 11).</p>
<p>هذا الوضع في التساكن أقول شاذ ورثناه عن الغرب ويحتاج إلى تصحيح، ولن يصححه إلا من صُنِعُوا على عين الله، الذين لهم أعْين الوحي، الذين ليست لهم الأعْيُن الزرقاء ولا الأعين الحمراء كما نسميها، ولكن الذين لهم أعين فطرية طبيعية يبصرون بدون نظارات ملونة.</p>
<p>فالأمة المسلمة إذن على ثلاث طبقات :</p>
<p>- طبقة عاجزة عن الكسب عجزاً حقيقيا. فهذه تُكْفل، وهي المرضى ومن في حكمهم من العجزة.</p>
<p>- وطبقة منتجة وهذه هي التي تتولى التكفل، هذه التي تؤخذ منها الزكاة، ومنها تؤخذ الأقوات، ومنها تؤخذ كل الأشياء التي تحتاجها الأمة، لسد حاجة العجزة، وسد حاجة المجاهدين.</p>
<p>- وطبقة حامية للأمة {وآخرون يقالتون في سبيل الله} فلا أمة بدون جيش يدافع عن كيانها، ولا جيش بدون تمويل وتجهيز وإعداد.</p>
<p>النقطة السابعة : أصول صيانة المكتسبات :</p>
<p>حين تصير الأمة بتلك الأصناف الثلاثة تأتي خمسة تكاليف متتالية متكاملة.</p>
<p>لماذا قلت صيانة المكتسبات؟</p>
<p>لأننا عندما وصلنا إلى هذه الدرجة كأنه وقع انتقالٌ من المرحلة التي كان فيها، الإسلام مازال عند فرد أو مجموعة أفراد، بل عند قلة، وهم محاصرون بالقول قبل العمل، مغلوبون، ضعاف، إلى أن صارت الأمةُ أمَّةً لا سيادة لأحَدٍ على أرضها، ولا سيادة لأحد على نفسها، وتضرب في الأرض ابتغاء مرضاة الله ، وتكفل المحتاجين، وتموِّل المجاهدين.</p>
<p>حين وصلنا إلى هذه الدرجة كيف نصون المكتسبات؟</p>
<p>معنى هذا أن القرآن المدني يتجه إلى الصورة التي ينبغي أن تستقر أمور الأمة عليها في الأخير.</p>
<p>وأولها : قراءة ما تيسر من القرآن، سواء في الصلاة أو في غير الصلاة، لاستمرار التزود بالوقود.</p>
<p>وقبلُ كان القيام فرضاً، كان قياما فيه من الثلث إلى الثلثين، أما الآن فاقرأوا ما تيسر منه، {علم أن لن تحصوه} {وعلم أن سيكون منكم مرضى} وعلم أن ستكون لكم أشغال جديدة {وآخرون يضربون في الأرض} لذا ليس لازماً عليكم الآن أن تقوموا الثلث أو النصف أو الثلثين، لا. الآن اقرأوا ما تيسر من القرآن، وقوموا ما تيسر من الليل، حفاظا على قيام الليل الذي كان في الأصل.</p>
<p>هذه هي الأولى قراءة ما تيسر من القرآن يعني في القيام وفي  غيره بصفة عامة بمعنى أن القرآن لا يمكن الإنقطاع عنه.</p>
<p>هذه نقطة جوهرية جداً، ولا ننسى ولا ينبغي أن ننسى بحال أن الصلاة فيها قرآن وتبطل إذا لم يقرأ فيها قرآن &gt;لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب&lt;(üü) لابد من الفاتحة، هذا الحدُّ الأدنى والفاتحة خلاصة القرآن {ولقَدْ آتيْناك سَبْعا من المثَاني والقُرْآن العظيم}(الحجر : 87).</p>
<p>فرض علينا قراءة ما تيسر من القرآن فرضا، أن نقرأ هذه الفاتحة سبع عشرة مرة في اليوم، اثنتين في الصبح، وأربعاً في الظهر، وأربعاً في العصر وثلاثاً في المغرب وأربعاً في العشاء.</p>
<p>ومعنى هذا أن هذا هو الحد الأدنى للقرآن الذي يجب أن يقرأ في اليوم.</p>
<p>ومعناه أيضا أن الروح، روح البشر لا تستطيع الاستغناء عن القرآن ولو يوما واحدا أو نصف يوم، فهو قُوتُها، ووقُودُها، وطاقتُها.</p>
<p>ثانيها : إقامة الصلاة لاستمرار الاتصال القوي، واستمرار لوازمه، وعلى رأسها ولاية الله تعالى للمؤمنين، الصلاة صلة بين العبد وربه، وإقامتها وأداؤها على حقيقتها هو جعلها قائمة، وهذا القيام يعني الاستواء الكامل، أي تكون في أحسن صورة، أقيموا الصلاة معناه صَلُّوا على أحسن صورة؛ في الوقت، في الطهارة، في كل شيء، في الركوع تعطيه حقه، في السجود باطمئنان أي الغَيْبة التامة عما سوى الله تعالى {وأقِم الصّلاة لذِكْرِي}(طه : 14) لا إقامة للصلاة، وقد خرج وقتها. لا إقامة للصلاة وليس فيها ذِكْرٌ، ليس فيها حضور. لا إقامة للصلاة وليس فيها طهارة كما تعلمون أو استقبال  أو.. ينبغي أن تؤدى على حقها، هذه إقامتها. والصلاة صلة وعن طريق هذه الصلة يأتي تأثُّرُ العبد بربه، تأتي النعم من الله إلى القلب البشري، تأتي الأنوار الإلاهية، تأتي عن طريق هذه الصلة التي في الصلاة لذلك يجب إقامة الصلاة لإقامة واستمرار الاتصال القوي، واستمرار لوازمه، وعلى رأسها ولاية الله تعالى للمؤمنين.</p>
<p>ثالثها : إيتاء الزكاة، لاستمرار صحة الجسد الإيماني كله وقوته وتكافله، لأنه بالزكاة نقضي على تلك المشاكل التي عند الليبراليين أو الاشتراكيين ويتلاحم المجتمع.</p>
<p>وإيتاء الزكاة لا ينبغي أن نفهم منه أن يأتي الفقير إلى الزكاة لا، إن المُزكِّي هو الذي يخرجها ويذهب بها إلى الفقير، أو تتكفل الأمة بإيصالها للفقير، لأن القرآن ما قال &gt;إذا جاؤوكم فأعطوهم الزكاة&lt;، ولكن قال {آتوا الزّكاة}. أنت عليك أن تأتي للفقير بالزكاة، لأن ذلك الحق حق الله، والله قد ملَّكَه للفقير، وليس ذلك من مالك أيها المزكِّي، فحذَارِ حَذَارِ من أكْلِ فلْسٍ أو فلْسَيْن من الزكاة لأنه مال الله ومال الغير.</p>
<p>رابعها الإنفاق في سبيل الله{وأقْرضُوا الله قرْضاً حسناً} وانظروا إلى الترغيب الكبير في الإنفاق بالمال. معناه أن المال أُعْطِي درجتين، كما أعطيت الصلاةُ درجتين في الحقيقة، لأن {اقْرأوا ما تيسّر من القرآن} ترتبط بقيام الليل في أصلها، وإقامة الصلاةِ : الصلوات الخمس.</p>
<p>وهنا الجانب المالي أيضا أخذَ الزكاة، وأخذَ ما بعد الزكاة {وأقرضُوا الله قرضا حسنا} ثم يرغب {وما تقدّموا لأنفسكم} من أنفقَ ما أنْفق لغيْره، إنما أعْطَى نفسه، {وما تقدِّموا لأنفسكم من خير تجدون عند الله هو خيراً وأعظم أجراً} تجدوه عند الله قد تضاعف أضعافاً مضاعفة.</p>
<p>ترغيب في الإنفاق في سبيل الله : الإنفاق طهارة وتزكية، الإنفاق في سبيل الله عز وجل يحُلُّ المشاكل بجميع أنواعها زيادة على أنه بالنسبة للمنفق تزكية له {خُذ من أموالهم صدقة تطَهِّرُهم وتزكِّيهم بها}(التوبة : 103) الإنفاق في سبيل الله لسد الحاجات الطارئة والإضافية أقصد، الحاجات الأساسية تحُلُّها الزكاة، ولكن ما زاد عن الحاجات الأساسية من الطوارئ أو من الأمور التكميلية يحلها الإنفاق.</p>
<p>خامسها وآخرها الاستغفار لمحو آثار الخطايا والأخطاء بعد الانتهاء من كل عمل، وهذه سنة الله أرشدنا إليها وأكرمنا بها، أنه ينبغي أن نستغفر الله في آخر الأعمال ولذلك شرع لنا عندما ننهي الصلاة أن نستغفر الله ثلاثا وهو  بعد أن ختم رسالته أخبره الله عز وجل أنه سيقبض وأمره بالاستغفار {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت النّاس يدخُلون في دين اللّه أفواجاً فسبّح بحمد ربّك واستغفره} لأننا مهما أتقنا، ومهما أحسنا، ومهما اجتهدنا، تقع أخطاء &gt;كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون&lt;(رواه ابن ماجة) فنستغفر الله تعالى.</p>
<p>خلاصة هدى الصورة</p>
<p>&gt;1) القرآن هو مصدر الطاقة كلها للصف الإيماني أفراداً وأمة (أفراداً : الآيات الثمانية الأولى) و(أمة : الآية الأخيرة) : بمعنى أن القرآن هو كل شيء. الطاقة الحقيقية التي تملكها الأمة الإسلامية هي القرآن، بشرط تفعيلها وتخصيبها أي العمل بها. إذا عملت الأمة بالقرآن فإن الطاقات الأخرى ستنتظم، ولن نهملها وسنستطيع تفعيلها فالقرآن مصدر الطاقة : والطاقة لا توجد في كلام البشر بل توجد في كلام الله وإذن فالطاقة لها مصدر وحيد بالنسبة للصف الإيماني فبالنسبة للمؤمنين لا يمكن للمؤمنين أن يأتوا بالطاقة من مكان آخر غير القرآن والصلاة إنما كانت كذلك لكونها تتضمن القرآن.</p>
<p>&gt;2) الحاجة إلى الطاقة عند الإقلاع أكثر بكثير من الحاجة إليها بعد الاستواء في السير :</p>
<p>والثماني آيات الأولى تشرح هذا لقد كان فيها تركيز على مسألة الشحن والوقود فقيام الليل كان إجباريا وفرضا وبعدد كبير يعني بثلث أقل شيء وبثلثين أكثر شيء {نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتّل القرآن ترتيلا} {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه} لكن بعد ذلك علم أنه سيكون منكم مرضى علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن ما بقي ذلك التكليف غليظا كما كان أول مرة ما بقيت الحاجة إلى التزود بالوقود والطاقة العالية كما كانت أول مرة فاللحظات الأولى لحظات إقلاع وانطلاق فرسول الله  في البداية مؤسس الخير ومن معه في البداية يؤسسونه ولذلك كما عبَّر بعضهم جيل التأسيس يكون دائما محتاجا إلى طاقة عالية وهذه الطاقة تكون عمليا نتائجها واضحة أيضا وذلك واضح في الآية الكريمة {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} بعد ذلك {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} لماذا اختلفت نسبة الطاقة؟ لأن المسلمين الأوائل كانوا يؤسسون فكان شحنهم بالطاقة عاليا. أما المتأخرون فقد صاروا أمة، وصارت لهم أشغال، وكثروا بحمد الله عز وجل فأصبح يكفيهم أن يقرؤوا شيئا من القرآن مع المحافظة على الصلوات الخمس وذلك ما سميته صيانة المكتسبات السابقة.</p>
<p>&gt;3) حسن معاملة أعداء الدين وترك الباب مفتوحا أمامهم يقوي الرجاء في توبتهم</p>
<p>ودائما الكلام في البدايات.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b2%d9%85%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة القلم</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%84%d9%85/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%84%d9%85/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 26 Sep 2010 06:08:54 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 273]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[القلم]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6327</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة القلم د. الشاهد البوشيخي الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، هذا اللقاء الثالث هو مع الهدى المنهاجي في سورة القلم، وكالعادة أقول في كل سورة إن كتاب الله عز وجل لا يمكن -بحال- لأحد أيّاً كان أن يستخرج منه كل ما ينبغي أن [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة القلم</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، هذا اللقاء الثالث هو مع الهدى المنهاجي في سورة القلم، وكالعادة أقول في كل سورة إن كتاب الله عز وجل لا يمكن -بحال- لأحد أيّاً كان أن يستخرج منه كل ما ينبغي أن يُسْتخرَج، ولذلك فهذا ماتيسر بفضل الله سبحانه عز وجل وهو مما في هذه السورة من الهدى المنهاجي نسأل الله سبحانه عز وجل أن ينفعنا به، وينفعنا بكتابه وسنة نبيه.</p>
<p>ثم بعد ذلك أقول : أوّلُ مستفاد :</p>
<p>1) من سُننِ الدّعواتِ اتِّهامُ الرّأْسِ بما يصْرِف الناس عن دعْوته في البدايات. وأفضل سلاح للرّدِّ : الثّبات، والتخلُّق بأحْسن الأخلاق :</p>
<p>فالله تعالى يُبْرزُ في الآيات الأربع الأولى حُسْن خــــــــلق رســول الله  {ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربّك بمجنون وإن لك لأجراً غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم}.</p>
<p>وقبلُ في سورة العلق كان الله عز وجل يدافع عن رسوله  تجاه طاغِية بعَيْنِه، فالسورة دفاعٌ عن عبد الله حين يُخْلِصُ عبادتَه لله عز وجل، فيكُون على الهدى، آمراً بالتقوى. ومتى كان عبد لله تعالى. كذلك فالله عز وجل يتولاَّهُ ويُدافِع عنه.</p>
<p>أما هنا فالسورة متصدية للدفاع عن رسول الله  تجاه جمْعٍ من الطُّغاة، وليس تجاه واحد بعينه، بل العبارة شاملة للجميع من أول السورة إلى آخر السورة تقريبا لأن الذي يغلِب عليها ويطغى عليها هو التعبير بصيغة الجمع فيمن يُواجه رسول الله .</p>
<p>وذلك يرشد إلى أن الله تعالى كما يكفي عبْدَهُ المؤمن شرَّ الطاغية الفرد يكفيه كذلك شرَّ الطغاة الجماعة، كُلُّ ذلك الله عز وجل يتولاه.</p>
<p>هذا إطار كبير للسورة يشملها بكاملها.</p>
<p>أما النقطة الأولى وهي الاتجاه للرأس</p>
<p>فهو أنه فعلا في النظام العام لسَيْر الدعوات -والأسوة والقدوة هم الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم مَنْ حمل أمانتَهم عبر التاريخ مقتديا بسيرتهم- دائما يكون التوجُّه إلى الرَّأسِ، وهذا الذي يُجَلِّي : لِم يَهتم نماذج من الطغاة في هذا العصر بالنُّشَطاء؟! لِمَ يهتمون بالرؤوس؟! لِمَ يهتمون بالذين يأمرون بالقسط من الناس؟! لأن قطْع الرأس يقضي على الدّعوة من جذورها، كما يُقال في المثل الدارجي &#8220;اقْطَع الرأس تنْقطِع الخصومة&#8221;.</p>
<p>لكن التوجيه الذي يجب التزامه أمام هذه الظروف، وأمام هذا الحال هو الثَّبَاتُ على الحق أولاً، هذه نقطة أساسية، حَذَارِ حَذَارِ من التولِّي، الثباتُ على الحق أقوى سلاح يتحَدَّى به الرُّسُلُ وأتباعُهم خُصومَ الدّعوة.</p>
<p>ثم بعد ذلك التخلُّق بأحسن الأخلاق، لمَهْ؟! لأن رسالة الدّعوة تزكيةُ الإنسان وتحسينُ أخلاقه، فإذا وجد الشيطان مدخلاً، أو ثقْباً ينْفُذُ منه فإنه سيوسع الفَتْق لتشويه الدّعوة، ولذلك كان الخُلُق الحسن بالنسبة للداعي إلى الله عز وجل هو السلاح الحقيقي الذي به يُواجِه كل هجوم، وكل تهمة كيفما كان نوعها، ولا يُسْتَطاعُ أن يُنْفَذَ إليه مهما أُلْصِق به من الأكاذيب ومن الإفتراءات ومن الترهات، لأن كيانَهُ له مناعَةٌ خُلُقية تحميه تلقائيا من كل ذلك.</p>
<p>والله عز وجل يختارُ من عباده -ولاسيما من الأنبياء والرسل- من البداية ذوي الخُلُق الحسن المؤهلين لحمل أمانة الدِّين.</p>
<p>فاختيار النماذج الرفيعة خلقاً للدّعوة هو من أول الهدى الذي يواجهنا في السورة؛</p>
<p>إذ فواتح سورة القلم من أول ما نزل، وحسب الحديث الحسن هي ثاني ما نزل على رسول الله ، وهذا منسجم فعلا، إذا تأملنا العلاقة بين مضمون هذه الآيات الأربع، ومضمون الآيات الخمس الأولى في سورة العلق، معنى هذا الكلام : أن رسول الله  وهو يُشْهد له هنا بأنه على خلق عظيم معناه أنه كان على خُلُقٍ عظيم في بداية الدعوة، وهذا يوجِّه إلى أن هذه النماذج البشرية الرفيعة ذات الخلق الحسن هي التي يجب أن تُختَار وأن تُصطفى لأنها تكون -في الوسط الذي تعيش فيه- في وضع المحبوب، في وضع المطلوب، في وضع الشَّامَة، في وضع النموذج حتى قبل أن تحمل أمانة الدين. هذه النقطة مهمة جدا.</p>
<p>ثم إن المفسرين -عادة- يتجهون في فهم هذه الآية إلى الحديث المشهور : سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله  فقالت : &gt;كان خلقه القرآن&lt; هذا الحديث ورد متأخراً، وهذه الآية نزلت قبل أن ينزل القرآن بكامله، بل نزلت قبل أن ينزل أغلبُه. آيات قليلة فقط، ومع ذلك شَهِدَ الله عز وجل لرسوله بهذا الخُلُق.</p>
<p>واستعمل لفظة {على} للدلالة على التمكن كما استعملها قبل في {على الهُدى} {أرأيت إن كان على الهُدَى} {وإنك لعلى خلق عظيم} فهو هناك في سورة العلق متمكنٌ من الهدى، وهُو ها هنا أيضا متمكنٌ من الخلق، وليس خلقا كريما عاديا، بل خلقٌ عظيمٌ، إشارة إلى عدم محْدُودية هذا الخلق، وتحجيمه في جانب كذا أو جانب كذا. ونظير هذا على بصيرة في قول الله تعالى : {قل هذه سبيلي أدعُو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتّبَعَن}(يوسف : 108).</p>
<p>فالرسول  كان على الهدى، وعلى خلق عظيم، وعلى بصيرة من أمر الدين، وأمر الدّعوة، وأمر التربية للأتباع، فعلى ورثة الرسول  أن يكونوا متمكنين أيضا من كل ذلك، وأن يتسلحوا بما تسلح به رسول الله .</p>
<p>فجميع من اتبع رسول الله  لهم طريق واحد هو الدعوة إلى الله عز وجل على بصيرة والمنتظر ولاسيما في البدايات أن يصيبهم ما أصاب رسول الله ، فعليهم أن يتسلحوا بما تسلح به رسول الله  حتى يتحصنوا من منافذ الشيطان.</p>
<p>2) الحلُّ في المستقبل والله تعالى الأعلم بالأهدى والأضل :</p>
<p>{فستبْصِر ويُبْصرون بأيّكم المفتون إن ربّك هو أعْلم بمن ضلَّ عن سبيله وهُو أعْلم بالهتدِين} في الآيات إشارة توجيهية إلى تكفل المستقبل بالحلِّ أي الزمن جزء من العلاج.</p>
<p>فستبصر ويبصرون. متى؟ يوم القيامة؟! الكلام أساسا في هذه الدنيا، سيقع هذا الأمر في الدنيا سيتجَلّى للناس كما يقول الله تعالى في آية أخرى {ولتَسْتَبِين سبيلَ المُجْرِمين} سيتّضِح الأمر بجلاء، سيُبْصِر النّاس جميعا الذين يكذبون بالدين، والذين يعارضون الدعوة إلى الله عز وجل، إذا ثَبَتَ رِجَالُها، إذا صبرَ أهْلُها، سيأتي الوقت الذي  يميِّز الله فيه الحق من الباطل، ويتميز الخبيث من الطيب، ويتضح كل شيء. آنذاك {فستبصر ويبصرون} لستَ وحْدك تبصر، ولكن : فستُبصر أنت، وسَيُبْصرُون هم كذلك {بأَيِّكُم المَفْتُون} بِأيّكم تكون الفِتنة للنّاسِ؟! من هو الذي يَفْتنُ الناس عمليّاً؟ من؟</p>
<p>لفظ المفتون جاء على صيغة اسم (مفعول) ولكنّ معْناه معْنَى المصْدَر كما قال بعض المفسرين، وهو الأفضل في المعْنى، كأنه بمَعْنَى (بأَيِّكُم الفِتْنة) (بأيِّكم تكون الفتنة للناس). وإذا تركنا اللفظ على ما هو عليه يقْبَلُ أن يُفْهم منه المراد على ما هو عليه. {بأيّكم المفتون} المفتونُ بأيكم هو؟! المفتون الذي سيُفْتَن، الذي تصيبُه الفتنة، الذي يصبح مفتوناً، بأيكم سيكون؟! هل هو بهذا أم بغيره؟! فسيُبْصَر هذا، سيُصْبح واضحاً، مَنِ الفتّانُ حقيقة؟!.</p>
<p>فخلاصة هذه النقطة :</p>
<p>هي أن المستقبل فيه الحل.</p>
<p>فيجب الثباتُ والانتظار.</p>
<p>هذا معنى الكلام.</p>
<p>الزمن كما قيل جزء من العلاج.</p>
<p>فقط ينبغي الصبر والاستمرار. الثبات والاستمرار، هذه هي النقطة كل الأمور تُبْني على هذه النقطة التي جَلَّتْها الآيات في جهة أخرى {وجَعَلْنا مِنْهم أَئمّة يَهْدُون بأمْرِنا لمّا صَبَرُوا وكانُوا بآياتِنا يُوقِنُون}(السجدة : 24).</p>
<p>إذا كان اليقين بما جاء من عند الله عز وجل ثم كان الصبر عليه، والثبات عليه كل النتائج بعد ذلك تأتي في إبّانها.</p>
<p>لكن إذا وقع اضطراب، إذا وقع اهتزاز، إذا وقع نكوص، إذا وقع، إذا وقع، إذ ذاك تتخَلَّف النتائج وتأتي العقوبات، بدَلَ أن تَأتي البشائر والنتائج السارة.</p>
<p>فإذن المقصود هُنا هو أن الزَّمَن له تأثير، والمسقبلُ كشّافُ، والحلُّ يأتي مع الزمن، فيجب الصبر. والصبر أنواعٌ منها : انتظار الفرج، بعد تحمُّل جميع ما يمكن أن يأتي في الطريق، سواء كان ذلك اختيارا أو اضطراراً، فهذه نقطة مهمة جداً أنّ في المستقبل الحل، وأن الزَّمن جُزْءٌ من العلاج.</p>
<p>3) لا طَاعَة لمكذِّبٍ بالدِّين ولا قبول لمساومته، ولا طاعة لمن كان ذا خُلُقٍ لئيم أثيم :</p>
<p>هذا القسم هو الذي يقول الله تعالى فيه : {فلاَ تُطع المكذبين ودُّوا لو تُدْهِنُ فَيُدْهِنون ولا تُطِع كل حلاف مهِين همّازٍ مشّاءٍ بنَمِيمٍ منَّاعٍ للخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بعْدَ ذلك زَنِيم}.</p>
<p>في السورة السابقة (العلق) كان الختم {كلاّ لاَ تُطِعْهُ} وها هنا {فلاَ تُطع المكذبين ولا تُطِع كل حلاف مهِين}.</p>
<p>إذن الذين يكذِّون بالدين، الذين يكذّبون بما جاء به الرسول ، الذين يُكذِّبون بالقرآن، الذين يكذِّبون بما صحَّ عن رسول الله ، الذِين يُكَذِّون باليوم الآخر، الذين يصُدُّون عن طريق الله، هؤلاء جميعاً وأمثالهم لا طاعَةَ لهُم من أهْلِ اللّه وأوْلِياء الله، ولا قبول لمساومتهم.</p>
<p>وهذه نقطة مهمة جداً.</p>
<p>إذ حقيقة الدعوة : أنّها تقوم على مبادئ ثابتة راسخة لا تقبل المساومة.</p>
<p>فلا مجال لمثل هذ الاقتراح : نعْبُد إلهك شهراً وتعْبُد إلهنَا شهراً. لا مجَالَ البتَّة.</p>
<p>ما جاء من عند الله هو الحق، ولا مجال للمساومة عليه، {فاسْتَمْسِك بالذِي أُوحِي إِلَىْك}(الزخرف : 43) ما جاء من عند الله عز وجل يجب الاستمساك به، يجب العَضّ عليه بالنواجذ، يجب قبضُه كالجَمْرِ وإن كان مُحْرقاً، وإن كان مؤلماً، وإن كان صعباً، وإن كان شَاقّاً، كيفما كان نوعه يجب الثبات عليه.</p>
<p>هذه نقطةٌ لا تقبل الكلام، في السيرة، ولا في القرآن. وطبعاً السيرةُ هي صَدًى لكتاب الله عز وجل في الواقع.</p>
<p>المؤمن كما نقول اليوم صاحب مبْدإ، والداعية مبدئي أيضاً، أيْ هناك أشياء لا مفاوضة فيها، ولا مساومة عليها، ولهذا كانت هذه السورة {قُلْ يا أيُّها الكافرُون لا أعْبُد ما تعْبُدُون ولا أنْتُم عابِدُون ما أعْبُدُ ولا أنَا عابِد ما عَبَدتُّم ولا أنْتُم عابِدون ما أعْبد لكُم دينُكُم ولِي دِين}.</p>
<p>طريقان منفصلان غير قابليْن للالتقاء، بمعنى : نعم للحوار وعلى الرَّحْبِ والسَّعَة، لكن لا تنازُلَ أثْناء الحوار عن أيِّ مبدإ من مبادئ الدِّين الأساسِيَّة القَطْعِيّة الصحِيحَة المفْرُوغِ مِنها، لا تنازل عن شيء من ذلك.</p>
<p>فهذه نقطة مهِمّة جدا، لا قبول للمساومة، ولا طاعة لمكذب بالدين، ولا لمن كان ذا خُلُق لئيم، ولا لمعتد أثيم.</p>
<p>الطاعة فقط لمن له الأهلية للطاعة، أي لمن أمر الله تعالى بطاعته، لأن الطاعة في أصلها لله، وإنما أطيع محمد بن عبد الله  لأنه رسول الله واللّه أمر بطاعته {ومَا ءاتَاكُم الرّسُول فخُذُوه، وما نهاكم عنْه فانْتَهُوا}(الحشر : 7) {يا أيُّها الذِين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}(النساء : 59) وأمراء رسول الله  يطاعون بأمر الرسول، وأولوا الأمر، إنما تجب طاعتهم بأمر الله، ماداموا آمرين بطاعة الله عز وجل؛ إذْ القَاعِدة الكُلّىة الضخمة في هذا الدين هي أنْ &gt;لا طَاعَة لمخلوق في معْصية الخالق&lt; فلذلك كان هذا الأمر من أوائل ما رُتِّب وسُطِّر ليسْتَقِرّ {فلاَ تُطع المكذبين ودُّوا لو تُدْهِنُ فَيُدْهِنون ولا تُطِع كل حلاف مهِين همّازٍ مشّاءٍ بنَمِيمٍ } يعني ذا الأخلاق السيئة المنافية للشريعة وللدِّين لا يُطاع بوجهٍ هذا ليس أهلاً للطاعة وليس صالحا للطاعة.</p>
<p>4) من أسباب التّكذيب القوة المالية والبشرية :</p>
<p>لماذا يكذِّب المكذبون؟ :</p>
<p>القوة المالية والعسكرية -بتعبير اليوم- هي السبب، الله عز وجل قال {أنْ كان ذَا مالٍ وبنين } لأَنْ كان ذا مال وبنين إذا تُتلى عليه ءايتنا قال : {أساطِيرُ الأولين} أي خرافات الناس السابقين.</p>
<p>المال قوته معروفة، فهو يرمز اليوم للقوة الاقتصادية أما البنون فهم رمز للقوة البشرية، وهم رمز للقوة العسكرية اليوم، ومن اجتمعت عنده القوة الاقتصادية والعسكرية توفرت له أسباب الطغيان، يَظْلِم ولا يُظلَم، ويُذل ولا يُذل يخْضع الناس لحُكمه، ولا يخضع لحكم أحدٍ، بل لا يخضع لحُكم الله {المالُ والبَنُون زينةُ الحياةِ الدّنيا} {أن كان ذا مَالٍ وبنين إذا تُتْلى عليه ءاياتُنا قال أساطير الأولين}.</p>
<p>سبق في السورة السابقة {إن الإنسان ليَطْغى أن رآه استَغْنى} حين يُوجَدُ المال، وتوجد القوة العسكرية فإن الإنسان يَطْغى مباشرةً، ولا يبالي، بما جاء من عند الله عز وجل.</p>
<p>فرعون من هاهُنا أتِي، فراعِنَة العصْر من هاهنا أُتُوا. الجميع في كل زمان وفي كل مكان يطغى بسبب القوة الاقتصادية والعسكرية العمياء {أن كان ذا مَالٍ وبنين إذا تُتْلى عليه ءاياتُنا قال أساطير الأولين}.</p>
<p>5) نعمة الدّين -وهي أعظم النعم- بلاء؛ فمن كفَرَها فقد ظلم وطغى وعرَّضَ نفسه للعذاب الأصغر في الدنيا والأكبر في الآخرة :</p>
<p>هذا خلاصة هذا القسم الخاص بأصحاب الجنة، لماذا جيء بهذه الآية هنا {إنّا بلوْناهُم} أي بلوْنا هؤلاء المكذبين من قريش وغيرها كما بلونا أصحاب الجنة.</p>
<p>إذا تأملنا في قصة أصحاب الجنة، وربطناها بما سبق، ورأينا أولئك الذين سبقوا، وجدنا أن الإشكال هو : كفران نعمة الوحي، ونعمة الإيمان، ونعمة القرآن بالتحديد.</p>
<p>لأن لفظة النعمة في البدايات، في بداية نزول القرآن الكريم، كانت تنصرف بالدرجة الأولى إلى القرآن.</p>
<p>هذه النعمة {وأما بنعمة ربك فحدّث} {ما أنت بنعمة ربّك بمجنون} وهي التي تمَّت بعْدُ {اليوم أكملت لكم دينكُم وأتممت عليكُم نعمتي}(المائدة : 3) نعمة القرآن تمت وانتهت، وانتهى نزُول القرآن وهي في الحقيقة تستلزم النبوة بالنسبة لرسول الله  والرسالة والإيمان وكُل شيء.</p>
<p>هذا القرآن، هو الذي به كان كُلُّ ما كان، كل ما كان حتى في رسول الله  كان بالقرآن.</p>
<p>الذي حوله مما كان عليه إلى ما صار إليه هو القرآن، أربعون سنة وهو يَعِيشُ كَبقية الناس من خير الناس، ولكن بنزول القرآن لم يبق ذلك الإنسان الذي كان يعْرفُه الناس، ولذلك اتّهِم بالجنون، واتهم بالكهانة، واتهم بالسحر، واتُّهِم بالشعر، أي اتُّهِم بالعجائب والغرائب، لأنه جاء الناس بشيء لم يأْلَفُوه ولم يعْهَدُوه، جاء بشيء ليس في طاقة البشر.</p>
<p>فنعمة الدين هي النعمة الحقيقية التي تستحق لفظ النعمة. أكْثر من سواها.</p>
<p>هذه النعمة نفسها بلاء من الله، والله يبتلي بالخير وبالشر {ونَبْلُوكُم بالشّرِّ والخَيْرِ فِتْنة}(الأنبياء : 35) والله ابتلى قريشا إذ ذاك بنمعة القرآن، بنعمة الدين، ولكنهم كفروا، والله عز وجل يهدِّدُهم ويخوِّفُهم من جهة، ويتألَّفُهم أيضاً من جهة أخرى ليعودُوا كما عادَ أصْحابُ الجنة في الأخير. ليتُوبُوا، حتى إذا أخْطَأُوا فلْيتُوبُوا، فلْيعْترفُوا بالحقّ، ولْيَعُودوا إلى الله عز وجل.</p>
<p>نحن -المسلمين اليوم- عنْدَنا هذه النعمة موجودة، هي بين أيدينا، نعمة القرآن ليْست إلا عندنا، وهي بلاءُ من الله عز وجل لنا، فإذا شكرناها وأدينا حقها فإن النعم الأخرى ستتوالى تتْرى، ولكن إذا لم نؤد شكرها، ولا يكون أداء الشكر إلا بالإيمان والعمل بها، فسيصيبنا ما أصابهم أو شرٌّ من ذلك.</p>
<p>{قَال أوسَطُهُم ألمْ أَقُلْ لكُم لَوْلاَ تسبِّحون قالوا سُبحان ربّنا إنّا كُنّا ظالمين، فأقبل بعضُهم على بعض يتلاومون قالُوا يا وَيْلنَا إنّا كنّا طاغِينَ عَسَى ربُّنا أنّ يُبدِّلنا خَيْرا منْها إنّا  إلى ربِّنا راغِبُون كذلك العذاب ولعذابُ الآخرة أكبر لو كانُوا يعْلمون}.</p>
<p>فهذه النقطة لابُدّ من وضْعِها في الاعتبار لابُدّ أن نُحسَّ بقيمة هذه النعمة وأهميتها.</p>
<p>6) المساكِينُ محْمِيُّون من قبل اللّه عز وجل، فمن حرَمَهُم من حقِّهم فِيما عِنْدَه، حرمَه الله من كُلِّ ما عِنْده :</p>
<p>ورد في الأثر (اتّقُوا مجَانِيق الضّعفاء) المنجنيق كأنه المدفع بالنسبة للعصر الماضي، يأخذ الحجر الضخم ويرمي به فيكسر الحائط والجدران والبيوت وغير ذلك، المنجنيق  : جمعه مجانيق، ومجانيق الضعفاء الدعوات؛ لأنهم لا يستطيعون الرد العملي، ولكن يتوجهون إلى الله عز وجل واللّه معهُم، وكلُّ مسْلُوب الحق هو ضعيف، والضعيف لا سند له إلا الله تعالى. أصحاب الجنة اجتهدوا بكل طاقتهم أن يمنعوا وصول أي قدر من حصيلتهم إلى المساكين، اجتهدوا بكل سبيل، ولكن الله عز وجل كان من ورائهم محيطاً فعاقبهم، لأنهم أرادوا حرمان المساكين من حقوقهم في مال الأغنياء ، فالله عز وجل عاقبهم بحرمانهم من جميع مالهم {فَأصْبَحَتْ كالصّرِيم}.</p>
<p>{إنّا بَلَوْناهم كما بَلَوْنا أصحاب الجنة إذْ أقْسَمُوا ليَصْرِمُنَّها أي ليَقْطِفُنّ ثِمَارَها مُصْبِحين &#8211; أي في الصباح الباكر- ولا يستثْنُون} أي لا يُبقون شيْئاً من حصيلتها وثمارها يُمْكن أن يُعْطوه للمساكين، وذلك مع غَيْظٍ، لأن الحرْدَ هو المنْعُ مع الغَضَب {وغَدَوْا عَلَى حرْدٍ قادِرِين}.</p>
<p>هكذا تآمَرُوا، هكذا اتَّفقُوا وتواطأُوا {ليَصْرمُنَّها مُصْبِحين ولا يَسْتَثْنون}.</p>
<p>ما الذي حدث؟!</p>
<p>{فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ من ربِّك وهمْ نائمون فأصبحتْ كالصّريم، فتنادوْا مُصْبحين -لا علم لهم بما وقع- أن اغْدُوا على حرثِكُم إنْ كُنْتُم صارِمِين فانْطَلَقُوا وهُم يتخَافَتُون ألاّ يَدْخُلَنَّها اليوم عَلَيْكُم مِسْكِين -يتكلمون بالهَمْس ويتخافتون ألاّ يدخلَنَّ اليوم عليكم مسكين- وغَدَوْا على حرْدٍ قادِرين} هكذا ظنّوا {فلَمّا رأوْهَا قاَلُوا إنّا لَضَالُّون بَلْ نحْن مَحْرُومُون} عندما رأوْها على الشكل الذي رأوا ظنوا أنهم قد أخطؤوا الطريق ثم فهِمُوا ما حَدَث، فهِمُوا وعلِمُوا أنهم قد حُرمُوا من جميع ثمار الجنة، بسَبَب إصْرارهم على أن يحْرموا المساكين من حقوقهم.</p>
<p>إنّ حُقُوق المساكين هي حُقوق اللّه {كلاّ بل لا تُكْرِمُون اليَتِيم ولا تَحُضُّون على طَعَام المسْكين} مسألة المسكين في ميزان الله تعالى شيء عظيم، المساكين باختصار محميُّون من قِبل الله تعالى ومَن حرَمهم من حقِّهم فيما عنده حرمه الله تعالى من كل ما عنده.</p>
<p>والمصائب التي نعيشها ونحياها الآن في الأمة جمعاء من أسبابها الكبرى ضياع حقوق المساكين.</p>
<p>انهَدَم ركن الزكاة على صعيد الفرد والمجتمع، وعلى صعيد الجمع والصّرْف، فضاعت حقوق المساكين، وحدثت المشاكل، ورأينا العجائب من أشكال البطالة، وأشكال البلاء، مع أن هذا الركن وحْده إذا أقيم في بلد من بلاد المسلمين فسيُصْبح البلدُ غنيا في سنوات، لأن ملايير ستتوفَّرُ بسرعة مذهلة، يمكن أن تؤسس مؤسسات إنتاجيه ضخمة، ستنشأ معامل تشغل آلاف العمال، ستنشأ مؤسسات استثمارية، ومشاريع تنمويّة بأموال الزكاة تُمَلَّك للفقراء، ويشغَّل فيها الفقراء، وبذلك تدُورُ عجَلة الاقتصاد. إذا نُظِّم أمرُ الزكاة، ولاسيما إذا أدخلنا أيضاً الأبناك نفسَها على أنها مؤسسات مالية يجب أن تؤدي الزكاة على الأموال المودعَة عندها حسب اجتهاد بعض العلماء.</p>
<p>إذا حدث ذلك وغيرُه، كم نأخُذ من أموال الزكاة؟! وكم نؤسس من مشروع؟! وكم ننفع من مسكين؟! وكم نُنْقِد من أُسَر؟!</p>
<p>7) التّسْبِيح والتوبةُ النّصُوحُ هما طوق النجاة عند تيقن الغرق :</p>
<p>إذا وقعْنا في خطأ فالتسبيح والتوبة النصوح هما طوق النجاة، وأصحاب الجنة تيقّنوا الآن أنهم قد حُرِمُوا فما المخرج؟ إذا استمروا على ما هم عليه، فإن هذا الحرمان سيتوَالى {قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبّحون} سبِّحوا الله.</p>
<p>وأول أدب كان من الملائكة مع الله عز وجل حين قَالُوا له : {أتجعلُ فِيها من يُفْسِد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدِّس لك قال إنِّي أعْلَمُ ما لا تعْلمُون وعلّم آدم الأسماء كُلّها ثم عرضَهُم على الملائكة فقال أنْبِئوني بأسمَاء هؤلاء إن كُنْتم صادقين قالوا سبحانك لا عِلْم لنا إلا ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم}(البقرة : 30- 31).</p>
<p>فأولا التسبيح : تنزيه الله تعالى عن الخطأ، تنزيه الله عن النقص، تنزيه الله عن أن يكون هذا مِنْه فيه ظُلْم بشكْلٍ من الأشكال، أو خَطإ.</p>
<p>ثم التوبة النصوح : العوْد والرجوع إلى الصراط المستقيم إلى الوضع الصحيح، معنى : أنهم قالوا : {عسى ربُّنا أن يُبدِّلَنا خَيْراً منها} ندِمُوا وتابُوا، شعَرُوا بالمشكلة وقالوا : {إنّا كُنّا ظالمين} {يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِين} بعد ذلك {عَسى ربُّنا أن يُبَدِّلنا خَيْرا منها إنّا إلى ربّنا راغِبون} رجعوا إلى الله، ، سبّحُوا الله، واعْترفُوا بخطئهم وتابوا. فالتّسبِيح والتوبَة النّصُوح هما طَوْق النجاة عند تيقُّنِ الغرق.</p>
<p>بمعنى أنه حتى ولو تبيّن أن الغرق قد وصل، فإن الإنسان إذا سبح فإن النجاة مرْجُوّةٌ كما حدث لسيدنا يونس عليه السلام، إذ أخرجه الله عز وجل من بَطْن الحوت عندما سبّح {فَلَوْلا أنّه كانَ من المُسَبِّحِين للَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلَى يَوْم يُبْعَثُون}(الصافات : 144) معنى هذا أن التسبيح طوق النجاة.</p>
<p>8) الإسلامُ سلامٌ والكُفْرُ إجْرامٌ ولا   مساوة بين المسلمين والمجرمين في ميزان الله تعالى (لا في الدنيا ولا في الآخرة) :</p>
<p>هذا المصطلح  مصطلح المجرمين في غاية الأهمية ولا نلتفت إليه، والقرآن يستعمله كثيرا، وسيأتينا في القرآن المكي كثيراً {أفنَجْعَلُ المسلمين كالمُجْرِمين} مُقَابَلةُ المسلمين بالمجرمين يصحح أكبر اعوجاج في الفهم اليوم. المسلم لا يكون مجرما بحال، المسلم مشتق من السِّلْم، ولذلك قال  : &gt;المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده&lt; وفي رواية أخرى : &gt;المسلم من سلم الناس من لسانه ويده&lt; وهذه هي التي تنْسَجِم مع الخط العام للإسلام، ولا تضاد بين الروايتن بل بينهما تكامل.</p>
<p>المسلم مصدرٌ للخير مصدرٌ لما يُحقِّقُ السِّلم في الأرض، وفي الكَوْن. هو مصدر لكل أنواع الخير لأنّه أسس حياته من أول مرَّة على الحق، على السير على هدى الله عز وجل، والله عز وجل ضمن حقُوق الجميع؛ حقوق بني آدم، حقوق الحيوانات، حقوق النباتات، حقوق ما نرَى، وحُقوق ما لا نرى، ضمِن حقوق الملائكة، وضمِن حقُوق الجن، كُلُّ ذلك مضمون عند الله عز وجل، وإذا سار الإنسان في حياته وفْقَ هُدَى الله فإنه يُسدَّدُ بإذن الله عز وجل ويُكْفى همَّه كُلّه في هذه الدنيا.</p>
<p>فالإسلام سلامٌ والكُفْر إجرام.</p>
<p>لم كان الكُفْر إجراماً؟!</p>
<p>لأن أوّل جريمة ضخمة لا مثيل لها هي أن تجعل لله نِداً وهو خلقك كما قال .</p>
<p>يعني ببساطة : أن الله أعطاهُ الوجود، وهو تلقائيا يتصور أن الله غير موجود، لا يعترف به نهائيا، لا يتصور أنه كائِنٌ مطلقاً.</p>
<p>أو يتصَوَّرُ أنّ له شريكا شارَك الله في هذا الأمر.</p>
<p>أو يتصوَّرُ بدلاً منه سبحانه وتعالى {ثـــم الذين كفروا بربّهم يعدلون}(الأنعام : 1).</p>
<p>لذلك فـ{إن الشــرك لظُلْم عظيم}(لقمان : 13).</p>
<p>الحقيقة الجلية في هذا المُلك التي ما مِثلُها حقيقة جلية، هي : &gt;لا إله إلا الله&lt; هذه الحقيقة جلية إلى حد : أن الشمس تدل عليها، والقمر يدلّ عليها، والأرض تدل عليها، والأشجار تدل عليها، والأنهار تدل عليها، والجبال تدل عليها، والأسماك والأطيار والحيوات، ما نرى وما لا نرى كل ذلك يدل على أن : &gt;لا إله إلا الله&lt; هي الحقيقة.</p>
<p>يوجد خالقٌ واحدٌ، رازقُ واحد، مُدَبِّر للملك واحد، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}(الأنبياء : 22) {ألا له الخَلْق والأمْر تبارَك الله ربّ العالمين}(الأعراف : 52).</p>
<p>الكفر إجرام لأنه يُفْسِدُ كل شيء.</p>
<p>لأنه من البداية حين يضيع منه المفتاح الأصْلُ الذي : هو لا إله إلا الله، يضيع منه كل تصرُّف صحيح في هذا الملك، ولذلك كان {والذين كفروا بربهم أعمالُهُم كرمَادٍ اشتدت به الرّيح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء}(ابراهيم : 18) {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه}(النور : 39).</p>
<p>لاشيء،  جمِيع ما يصْنَعُ مُصيبةٌ {يحْسِبُون أنّهُم يُحْسِنُون صُنعاً} {قُل هل ننبِّئُكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعْيُهُم بالحياة الدنيا وهم يحْسِبون أنَّهُم يُحْسِنُون صُنعا}(الكهف : 99).</p>
<p>لا إحسان في الصنع إلا بميزان الله، ولا سعادة ولا حياة، إلا بهُدَى الله، ولا يستطيع الكفار أن يحسنوا التصرُّف في نعْمة من نّعم الله. لا يستطيعون.</p>
<p>والذي نراه الآن ونظن أنه إحسانٌ، لَىْس بإحسان، العالم لن يستقِر على هذا الوضع أبداً. إنهم يفسدون بإحسان : نعمة العلم يُفسدون بها، نعمة القوة يُفسدون بها، أيُّ نعمة يُفسدون بها في الأرض.</p>
<p>نحن نقول : هُمْ خيرٌ منَّا في عدد من الأشياء.</p>
<p>لماذا هم خير منا؟!.</p>
<p>لأننا نحن أيضا لا نمثِّلُ الإسلام، نحن لا نمثل الآن الإسلام. أقصد  &gt;بنَحْنُ&lt; : نحن المسلمين في العالم، لا نمثل الإسلام؛ لأننا لو مثلناه حقيقة لاستحال أن يكون الكفار أعلى درجَةٍ منا في الأرض أبدا {ولنْ يجْعل اللّه للكافرِين على المُومِنين سبِيلا}(النساء : 141) والآن لهم علينا السبيل، فإذاً لا يخلو :</p>
<p>إما أن الله يقول الحق أوْ لا يقول الحق {ومَنْ أصْدَق من الله حَدِيثاً} {ومنْ أصْدَقُ من اللَّهِ قِيلا}.</p>
<p>إذن هناك إشكال؛ من أراد أن يعرف المنْكر ودركات المنكر الذي نحن فيه في العالم الإسلامي فلْيَقْرأ القرآن، ولْيَزن واقعنا بالقرآن.</p>
<p>لينظره فقط من خلال ما وصف الله به المومنين، وما وعد به المومينن.</p>
<p>حين لا يجد ذلك واقعا ويَجِدُ عكسه يتيقّن أن الله عز وجل لا يظلم أحداً {وما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ للعَبِيد} فما دامت هذه الأمور ليست موجودة فسببها الذي كان ينبغي أن تترتّبَ عليه غَيْر موجُود.</p>
<p>كيف يُتَصَوّر أن الذين ضرب الله عليهم الذّلّة والمسكنة وباءوا بغضب من الله لهم الكلِمَة العُلْيا على المسلمين.</p>
<p>كيف يُتصوّر هذا؟!</p>
<p>لا يُتَصوّر إلاّ بغَضّب من الله عز وجل على المسلمين أعْظم، فابْتلاهُم بالمغضوب عليهم منه. على قاعدة أن الأحقر هو الذي حقر بأحقر منه.</p>
<p>فهذا تأديب من الله عز وجل لنا إذا نظرْنا إلى المآل نرى أن هذا فيه خير إن شاء الله عز وجل، في هذا خيرٌ عظيم للمسلمين، بمعني أن الذي سيثبت على الحق سيأخذ أجرا عظيما. إذا حَيِيَ فسَيَحْيى في خير، وإذا مات فيسموت في خير.</p>
<p>فإذاً الإسلام سلام والكُفْر إجرام&#8221; ولا مساواة بين المسلمين والمجرمين في ميزان الله تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة.</p>
<p>9) ظنون المجرمين بربهم سَــرابٌ ستنكشف بعد فوات الأوان يوم الحِساب :</p>
<p>{يوم يُكْشَف عن ساقٍ ويُدْعون إلى السجود فلا يسْتَطِيعون خاشعة أبصارُهم ترهقُهم ذلَّة، وقد كانوا يُدْعون إلى السّجُود وهم سالِمُون}.</p>
<p>10) لاداعي لبخع النّفس على المكذبين فالله يتولاهم بكيده المتين :</p>
<p>بمعنى لا داعي للحسرة الشديدة ولا داعي للأسف الشديد على من كذّب بالدين؟! لا داعي لذلك كله، فالله يتولاّهم بكيْده المتين إستدراجا وإملاء {فَذَرْنِي ومن يُكَذِّب بهذا الحديث سنسْتَدْرِجهم من حيث لا يعْلمُون وأمْلِي لهُم} الله عز وجل يتولى ذلك بنفسه استدراجاً وإملاءً.</p>
<p>11) الدُّعـاة هُـداةٌ لا جباة ولذلك لا يجوز طلب أجر من مدْعوٍّ قبل إسلامه (فإن أسلم طولب بحق الإسلام) :</p>
<p>الدعاة هداة لا جباة، الدعوة إلى الله عز وجل ليس عليها أجْرٌ إلا مِن الله {قُل لا أسْألُكم عليه أجراً إنْ أجْرِيَ إلاَّ علَى الذِي فَطَرَنِي} هكذا جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام {أم تسْألُهُم أجراً فهُم من مغْرَمٍ مُثْقَلُون} أهذا هو السبب؟! لماذا يكذبون؟!</p>
<p>يكذبون لأنك تطالبهم بأجر على ما تصنع وهم يصْعُب عليهم هذا الأجر، فهو غليظ، وهُم مُثْقلون بالذي تطلب منهم.</p>
<p>هل هذا هو السبب؟! لا أبداً.</p>
<p>هذا استفهام إنكاري. لا شيء من هذا هو السبب.</p>
<p>فالدعاة هُداةٌ لا جُباة ولذلك لا يجوزُ طلب أجْرٍ من مدعُوٍّ قبل إسلامه.</p>
<p>لأنه بعد الإسلام أصْبح يُطالَبُ بحقٍّ الإسلام من زكاة وغيرها، لكن قبل ذلك يُعطى المال، ليُتألَّف قلبُه. لا يُطْلب منه المال، بل يُعْطَى المال، وقد أعطى رسول الله  بعض رؤساء العرب في أوقات بعينها نحو ألفٍ ناقة تألّفاً له لأنه إذا أسلم أسلمت معه قبِيلَتُهُ.</p>
<p>12) من اختاره الله تعالى لهداية خَلْقِه فــلاَ يُجُوزُ له مُغَـادَرَةُ موْقِعِه ويجب عليه الصّبْر لحكم ربه :</p>
<p>من اختاره الله عز وجل لموقع من مواقع الخير، فليعْلم أن الله تعالى اختاره، وليس بجهده كان في الخير، وذلك بدْءاً من الرّسل عليهم الصلاة والسلام، فالله عز وجل، هو الذي اختارهم للرسالة، وهو الذي اختار أتباعهم {وجاهِدُوا في الله حقّ جهاده، هو اجْتباكُم} هو اجتباكم واختاركم، اختارنا بفضله سبحانه عز وجل لنكون من أمة محمد  ونكُون من الأمة التي كُلِّفت بالشهادة على غيرها، وكُلّفت بتبليغ ما كان يبلغه رسول الله ، هذا في حد ذاته اختيارٌ من الله عظيم لا حول لنا فيه ولا طَوْل، هو محض فضل من الله سبحانه عز وجل.</p>
<p>كُلُّ عَبْدٍ وجدَ نفْسَهُ في الخير، فليعلم أن الله قد اختاره، المومنون اختارهم الله جل جلاله ومنحهم الإيمان، لكن إذا اختارهم فلا ينبغي، ولا يجوز، ولا يصح منهم، ولا يصح لهم أن يغادروا ذلك الموْقِع، مهما كانت الصعوبات فعليهم أن يصْبِروا {فاصْبِر لحُكْم ربِّك}.</p>
<p>هذا التوجيه في قصة سيدنا يونس عليه السلام {فاصبر لحكم ربّك ولا تكن كصاحب الحوت} لأنه ما صبَر لحُكْم ربّه، كلَّفَهُ الله بأن يبلغ لقومه، فما استجابوا، فتعِب منهم وضَجِر : دعا إلى الله، ثم دعا، ثم دعا، فما استجابوا فقنط وركِب السفينة كما تعلمون {فسَاهِم فكان من المُدْحضين فالتَقَمَه الحُوت وهو مُلِيم} أي أتى ما يُلامُ عليه.</p>
<p>ماهو هذا الذي يُلام عليه؟!</p>
<p>إنه مُغادرتُه موقع الدّعوة في قومه.</p>
<p>الله أرسله إلى هؤلاء فلْيقف عند هؤلاء. لا مُغادَرَة للموْقع.</p>
<p>ويجِبُ الصّبْرُ على حُكم الله، وذاك من حُكْم الله، كما قال عز وجل لموسى {فخُذْ ما آتَىْتُك وكُن من الشّاكِرِين}(الأعراف : 144).</p>
<p>13) لا تَضِقْ أيّها الدّاعي إلى الله تعالى بنظرة الكُفّار إليك : ولا تضِق بتهمتهم إليك، واعلم أن رسالتك عالمّيّةٌ :</p>
<p>هذه السورة خُتمت بقوله تعالى {وإنْ يَكادُ الذِين كَفَرُوا ليَزْلِقُونَك بأبْصَارِهِم لمّا سَمِعُوا الذّكر ويقُولُون إنَّه لمَجْنُون}.</p>
<p>في البداية كان {ما أنتَ بنعمة ربّك بمجنون} وفي الختْم كان {ويَقُولون إنّه لمجْنون، وما هُو إلاّ ذِكْر للعالَمِين}.</p>
<p>تصوّرْ رسول الله في هذه المرحلة، والقرآن في البداية، والدعوة في البداية، ومع ذلك الأفق يُفْتحُ على المُسْتوى العالمي {وما هو إلا ذِكْر للعالمين}!!!</p>
<p>أقول : عادة الإنسان عندما يرى نظرة الكفار إليه، أو نظرة الصادِّين، المحادين لله عز وجل، إليه يصيبه ضيق عظيم. والمقصود هنا بالنظرة : الموقِف كما يقولون اليوم أي من خلال موقفهم العنيد قد يُشهِّرون، قد يكتُبُون، قد يقُومون بأفعالٍ، قد يكيدون قد يتآمرون، أي لا يرْضون عنه، لا يُعْجبهم أمْرُه، يقولون فيه قولا، ينظرون إليه نظراً شَزراً، يحاصِرُونه&#8230;</p>
<p>كل هذا لا يَلْتفِت إليه، لا يضِيق به، ومهما اتّهَمُوا فلا تضق بالتّهم.</p>
<p>هذا التوجيه الذي يعطى لرسول الله  هو التوجيه الذي يعطى لكل مُبلِّغ عن الله عز وجل في أي زمان وفي أي مكان.</p>
<p>لا تضِق من نظرة الكفار إليك، مهْما كانت النظرة شديدة الحنق والحِقد، فالكفار كما صوّرهم الله تعالى من شدة غيظهم يكادُون يسقطون رسول الله  إلى الأرض بنظرهم الذي يتطاير منه الشرر {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبْصارِهم لما سمعوا الذكر}.</p>
<p>خلاصة هدى السورة</p>
<p>خـــلاصة الهدى في السورة ثلاثة أمور :</p>
<p>&gt; أولا : دين الله تعالى لمن أوتيه نعمة ربانية عظمى يجب شُكْرُها بالتحقق والتخلق بها والثبات عليها.</p>
<p>هذا الهدى الواضح من أول السورة إلى آخرها ولاسيما في القسم الأول من السورة، إذ يجليه أكثر من سواه. لكنه ممتد إلى نهاية السورة {فاصبر لحكم ربّك ولا تكن كصاحب الحوت &#8230;}.</p>
<p>الآن مع رسول الله، وبعده مَعَ أي مسلم، أو جماعة مسلمة، المهم الدين لابد من الدين، الدين خُلُق، الدين لباس يجب أن يُلْبس {ولباس التّقوى ذلك خير}(الأعراف : 26) الدين ليس كلاما، الدين فعل، الدين خلُق حسن يتخلق به العبد، وما لم يظهر الدين خُلقا فلن تكون دعوة، ولن يكون شكر، ولن يكون نصر، ولن، ولن&#8230;</p>
<p>&gt; ثانيا : الله جل جلاله يتولى أمر المجرمين المكذبين بالدين بكيده المتين، وعذابه المهين، دفاعا عن عباده المسلمين {أفنجعل المسلمين كالمجرمين}(القلم : 35).</p>
<p>بمعنى أن الجبهة المعارضة المخالفة للدين اللهُ يتولى أمرها حين يكون المسلمون قليلين ضعافا، كأن الله عز وجل يقول لرسوله  ولكل مؤمن ومؤمنة من بعده : أنا أكفيك همّ سواك، أنت عليك شيء واحدٌ هو ما قلتُ لك : فافْعَلْه وانتهى الموضوع.</p>
<p>إن العبد في بداية اتجاهه إلى الله عز وجل يأتيه الشيطان، ويزين له أشياء، ويخوفه من أشياء، ثم بعد ذلك تأتيه المشاكل من كل نوع، ولكن إذا صبر واحتسب وثبت، فإن الله عز وجل يكفيه كلّ ذلك {أليس الله بكاف عبده، ويخوفونك بالذين من دونه}(الزمر : 36) هذه النقطة مهمة جدا، أن يحسَّ المؤمن ويحسَّ المؤمنون بأن الله عز وجل معهم كما قال عز وجل لسيدنا موسى عليه السلام وسيدنا هارون {إذهبا إلى فرعون إنه طغى، قالا ربّنا إنّا نخاف أن يفْرُط علينا أو أن يطغى، قال لا تخافا إني معكما أسمع وأرى}(طه : 45)، نسأل الله عز وجل التوفيق.</p>
<p>&gt; ثالثا : الصبْرَ الصبْرَ لحكم الله، يامن اختاره الله لتبليغ دعوة الله.</p>
<p>والحمد لله رب العالمين</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%84%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة العلق</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%82/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%82/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 26 Sep 2010 06:06:25 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 272]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[العلق]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6325</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة العلق د. الشاهد البوشيخي المفروض أن يكون كل قارئ لهذه النظرات قد رجع إلى مختلف التفاسير ليتعرف على معاني السورة حسب الطاقة لأنني ههنا لن أتحدث عن المعاني، وإنما سأتحدث عن شيء آخر زائد عن المعاني، هو هذا الهدى المنهاجي الذي يمكن أن يستفاد من هذه السور في زمننا [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة العلق</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>المفروض أن يكون كل قارئ لهذه النظرات قد رجع إلى مختلف التفاسير ليتعرف على معاني السورة حسب الطاقة لأنني ههنا لن أتحدث عن المعاني، وإنما سأتحدث عن شيء آخر زائد عن المعاني، هو هذا الهدى المنهاجي الذي يمكن أن يستفاد من هذه السور في زمننا هذا في ظرفنا هذا.</p>
<p>وسورة العلق من أول ما نعمل -بحول الله وقوته- على تلمُّس الهدى المنهاجي فيها. ومن الأمور التي يمكن استفادتها من هذه السورة ما يلي :</p>
<p>أولا : أول الطريق القراءة باسم ربنا، فبلا قراءة لا علم، وبغير اسم ربنا لا قدرة ولا انتفاع أي الإبصار بعين الوحي وميزانه :</p>
<p>وذلك مما يستلزم :</p>
<p>- أن التفوق في العلم بلغة اليوم هو الخيار الاستراييجي والطريق المعبد للإمامة الحضارية.</p>
<p>- أن الإصلاح يبدأ من الأفكار قبل الأعمال، ومن الباطن قبل الظاهر، ومن الأصل قبل الفرع، ومن الفرد قبل الجماعة..</p>
<p>- أن التبرؤ من الحول والتوكل على الله الذي ليس إلا منه الحول وهو رأس الحول.</p>
<p>ويستفاد هذا الأمر من مطلع السورة الذي هو أول ما نزل من كتاب الله عز وجل.</p>
<p>فأول الطريق ليكون الإنسان مسلما، مؤمنا، صالحا، مصلحا، هو القراءة باسم الله، باسم ربنا، أي الإبْصَار بعَيْن الوَحْي وميزَانِه. فبلا قراءة لا عِلم، وبغير اسم ربِّنا لا قُدْرة ولا انتفاعَ.</p>
<p>ومعنى هذا الكلام : أني إذا أردت أنا الفرد أن أكون مؤمنا حقا من أين أبدأ؟ هل أبدأ بأن ألبس جلبابا أو أضع حزاماً أو عمامة أو أي شيْء آخر. لا.</p>
<p>البدءُ أولا يكون بالعلم، بالعلم الشرعي، لأنه لا يحل لامرئ مسلم أن يُقْدم على أمر حتى يعْلَم حُكْم الله فيه.</p>
<p>ولكن الآن ونحن في هذه النقطة بالذات نقطة من أين بدأ الله عز وجل بعبده محمد  الذي أراد منه أي يكون معَلِّم البشرية كلها، لقد أراد منه ألاَّ يُعلِّم حتى يتعلم هو، وحتى يعْمَل بما يعْلَم، أي حتى يتحقَّق مما يعلم، ويتخلَّق بما يعلم.</p>
<p>فمن أين يكون البدء إذن؟ البدْءُ من العلم، هذا أوّل الطريق للفرد رجلا كان أو امرأة يجب أن يبدأ التحوُّل فيه بالعلم، أي يجب أن يبدأ بتحويل نفسه انطلاقا من العلم، والعلم المطلوب علم الوحي. هذه هي النقطة التي منها البدء. ينْبغي ألاًّ نتَّجِه أيَّ وِجهة أخرى، ينْبَغي أن لا نعكس الأولويات، أوْ أن نأتي إلى بعض التفاصيل أو إلى بعض الأعمال فنُقدِّمها على العلم الصحيح.</p>
<p>والعلم الخالص الصافي : هو عِلْم الوحْي الذي يجب أن نرتَوِيَ منه إلى أقصى ما نستطيع، إنه هو الأول قبل كُلّ شيء.</p>
<p>هذه نقطة مركزية أساسية في السَّيْر، اختارها الله تعالى لرسوله ، واختارها الرسول  لأصحابه ذكوراً وإناثاً واختارها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لأبنائهم وأحفادهم، واختارتها الأمة على مرِّ التاريخ فلا ينبغي أن يطرأ على هذه الحقيقة أي اختلال، سواء بالنسبة للسيّر الفرْدِيّ، أو السّيْر الجماعي، لأن الخطاب القرآني وإن كان متجهاً إلى فردٍ واحدٍ هو محمد  فالمقصود به أيضا الجماعة، والأمة والدّولة.</p>
<p>ومن مُسْتلزمات هذه النقطة الأولى التي هي أولى الأولويات في حياة الفرد والجماعة والأمة والدولة الإسلامية :</p>
<p>1- أن التفوق في العلم هو الخيار الاستراتيجي ليعود المسلمون إلى التاريخ، وتعود الأمة سائدة قائدة رائدة، أي عندما تريد أن تكون حيث وضعها الله تعالى في الموقع الطبيع يلها الذي هو الشهادة على الناس، وذلك إنّما يكونُ بالعلم. إن التفوق في العلم بلغة اليوم هو الخيار الإستراتيجي، والطريق المُعَبَّدُ للإمَامَة الحضارية.</p>
<p>ومعنى هذا أن أكبر حظ في مِيزانية الدولة ينبغي أن يتجه إلى العلم، وإلى تكْوين الأطر العلمية، فإن ذلك ينبغي أن يُقَدّم على ما سواه في الأمة الإسلامية، كما أن البحث العِلْميّ ينبغي أن تكون له الميزانية الضّخمة التي لا تُعَادِلها ميزانية أخرى لأن العلم له الريادة، فالعلمُ هو الذي يشُقُّ الطريق في الصخر، والعلم هو الذي به يتم الإبتكار، هو الذي به يتم تعبيد الطريق تجاه التفوق، تجاه الإمامة الحضارية، إذ لا يمكن لأمَّةٍ أن تنطلق تجاه المسار الصحيح الذي يؤهلها لأن تدرك ما سواها وتتَفَوَّق عليه، بدون علم. لهذا كان الانطلاق من العلم هو الخيار الإستراتيجي. هذا الخيار لن تندم الأمة إذا دفعت فيه أقصى ما تستطيع، لأنّه الشيء الذي ينْبني عليه ما سواه. وهو لا ينْبني على سواه.</p>
<p>2) النقطة الثانية من مستلزمات الانطلاق من العلم : أن الإصلاح يبتدئ من الفكر وليس من السلوك، السلوك تابعٌ لما في القَلْب، لما في العقل، سَمِّهِ ما شئت، المُهِم البدْءُ من الداخل الذي يسميه بعضُهم : التصوُّر، ويسميه بعضهم بالعقيدة أو ما شاء أن يُسَمِّيه، المُهم تلك الأمور التي تكون في الداخل، نوع الأفكار التي عندك في الداخل هي التي ينبغي أن يطْرأ عليها التّصْحيحُ أولا. لأن السلوك ينبني على ما هُنالك من فكر، فالفكْرُ الأعوجُ يُعْطي السُّلُوك الأعوجَ. والفكر الصحيحُ يعطي السلوك الصحيحَ، والتصَوُّر الصحيحُ ينتُجُ عنه السلوكُ الصحيح، ولذلك فالعملُ تابعٌ للعلم ولا عكس، ولذلك أقول : الباطنُ مقدَّمٌ على الظاهر، وهذا واضح في قول رسول الله  : &gt;ألاَ وَإِنّ في الجَسَدِ مُضْغَة إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّه، ألاَ وَهِي القَلْب&lt; لأن {اقْرَأْ} لا تخاطبُ الأنْفَ، أو الأذْن، أو الرِّجل، ولكنها تخاطب القلب البشري الذي تُحْدِثُ فيه التحوّل، تخاطبُ باطن الإنسان، على حسب ما يقع في هذا الباطن من تحوُّلٍ من الفساد إلى الصلاح، من المرض إلى الصحة يكون التحوُّل بعْدُ في السلوك، وعلى حسب الرُّسوخ الذي يقع في هذه الحقائق الصحيحة يكون الثباتُ في الخارج عند الابتلاء.</p>
<p>3) ومن مستلزمات النقطة الأولى كذلك : البَدْءُ بالأصل قبل الفرع.</p>
<p>فالفردُ أصل، والجماعة فرع، لأن الجماعة مكوّنة من أفراد، والدولة مكونة من أفراد، والأمة مكونة من أفراد، وهكذا، وكذلك الفرد مكوّن من قلب وجوارح، فإذَنْ دائما الأصْل يقدَّم على الفرع لأننا حين نصلح النقطة المركزية تلقائيا ينصلح ما سواها تبعاً لها، فإذن إصلاح الفرد هو الذي يتَّجِه له الأمر أولاً، ثم إصلاح الأُسر والجماعات يأتي تلقائيا، ثم الأسرة الصالحة والجماعة الصالحة تصبح أصلا لما يَتْلُو بعد من كُتَلٍ، وكُلُّ كُتْلَة تكون نواة لغيرها تُعتَبَرُ أصلا لغيرها وفرعاً عن أصلها، فدائما نِظامُ الأولويات يحْكُمه هذا المبدأ : &gt;الأصْلُ قبل الفرع&lt; والأصْلُ الأول قبل الأصل الثاني، والأصل الثاني قبل الثالث، والثالث قبل الرابع وهكذا وهكذا.. ولذلك كان الخطاب لرسول الله  ليقرأ ويُقرئ غيره، ويعْلَم ويُعلِّم غيره.</p>
<p>4) ومن مستلزمات اقرأ باسم ربّك : التبرُّؤ من كل حَوْل وطوْل، هذه نقطة مهمة جدّاً، لأن الأمْر بالقراءة ليس أمراً تكْليفيا بما لا يُسْتطاعُ، فالرسول  لم يكن متعلما القراءة حتى يقرأ شيئا مكتوبا، ولكنه أمرٌ تكوينيٌّ، أي &gt;صِرْ قَارئا&lt; بحول الله وقوته.</p>
<p>لأن المفعول حين يُحْذَف يكون التركيز على الفعل، وهنا حُذِف المقرُوء، فكان التركيز على فعل القراءة، أي &gt;كُنْ قارئاً&lt; باسْم ربّك، لتكون قراءتك باسم ربك -وأنت أُمِّي- من أعظم المعجزات الدّالة على نبوتك، ويكون إقراؤك لأمتك وتزكيتُها بالعلم الرباني لتصبح خير أمة من أعظم معجزات الوحي الصانع لأمة فريدة في التاريخ الحضاري.</p>
<p>وهذا التعبير {اقرأ باسم ربّك} يراد منه أمران كبيران لابد أن نستصحبهما باستمرار، وهما : الاستئذان، واستمداد الحوْل، كأنك تقول : أستأذن الله تعالى وأتوكل عليه، أي لا أمارس فعل القراءة إلا بعد استئذان الله، ولا أمارسه بحولي، ولكن أمارسه بحول الله وقوته وقدرته.</p>
<p>وإذا كان من المعلوم تاريخياً أن الأحكام كانت تصْدُر باسم الكاهن، أو الساحر أو ما أشبه، فإن الواقع أيضا يعرف أحكاما تصدر باسم مجلس الثورة أو باسم رئيس الجمهورية أو ما أشبه. فالتعبير إذن هنا {باسم ربك} يُرادُ منه تصحيح هذا.</p>
<p>وفي مقامنا هذا، ما أمرت به الشريعة يجب أن نُقْدم عليه متوكلين على الله وحده كائنا ما كان، لا عَلى حوْلنا ولا على قوتنا إذ لا حول لنا ولا قوة مهما أعددنا.</p>
<p>وهذه النقطة مركزية، خصوصاً وأن الله تعالى علّم المسلمين درساً من حُنَيْن في ظروف صعبة حيث قال لهم : {ويَوْمَ حُنَيْن إِذْ أعْجبَتكُم كثرتُكُم فلَمْ تُغْنِ عنْكُم شَيْئا}(التوبة  : 25) التفات القلب إلى غير الله يجْلُب الهزيمة. فقلبُ المؤمن لا ينبغي أن يتوكل إلا على الله، وألا يتجه إلا إلى جهة واحدة لا شريك لها هي جهة الله جل جلاله وإنْ أعَدَّ ما أعَدَّ، وإن أعْدَدْنا ما أعْدَدْنا أفراداً، أو جماعة أو دولة أو أمة. قال الله تعالى {وأعِدُّوا لهُم ما اسْتَطَعْتُم من قوّة}(الأنفال : 61) ولكن مع الإعداد لابد من التوكل على الله، لأن التوكل هو القوة التي لا قوة فوقها.</p>
<p>هذا الر سول  لم يكن قارئا {ومَا كُنْت تتْلُو مِن قَبْلِه من كتاب ولا تخُطُّه بَيَمِينك إذاً لارْتَابَ المُبْطِلُون}(العنكبوت : 48) ولكنه صار قارئا بحول الله وقوته.</p>
<p>ثانيا : أول العلم العلم بربنا : خالقًا ومعلِّما لنا ثم العلم بالإنسان (من حيث هو انسان) مخلوقا ومعلّما من ربنا :</p>
<p>وذلك مما يستلزم :</p>
<p>- ذكر نعم الله تعالى طريقا للعلم به والخشية له وعلى رأس تلك النعم نعمتا الخلق والتعليم.</p>
<p>- تركيز الاهتمام بالانسان لتميزه موقعا وتكريما وتعليما.</p>
<p>- التعليم أكبر مظهر للتكريم.</p>
<p>العلمُ مهمُّ، ولكن أيّ عِلْم نطلب أولا؟ هل هو علمُ النحو؟ هل هو علم الفزياء؟ هل هو علم الفلك؟ العلم الأول الذي به تتم الرؤيا ويستطيع البصر أن يبصر الحقيقة، هو العلم بالله جل جلاله، لأن المسألة لها علاقة بشيء مركزي إذا تحدد ذلك الشيء تحددت التوابع، وإذا لم تستقر الحقيقةُ الضخمة كُلُّ الأمور الأخرى لن تأْخُذ مواضعها. فأول نقطة يجب أن تستقر في موضعها استقراراً تاما هي العلم بالله لأننا نجد أن الله جل جلاله في الآيات الخمس الأولى، لم يتحدثْ عن شيء، غير الله سبحانه، قال {اقْرَأْ باسْمِ رَبِّك} بمجرد أن ذكر {ربِّك} ليس بعدها إلا التعريف بهذا الرب، الذي خلق، خلق الإنسان من علق، هذا الرّبُّ الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.</p>
<p>ماذا في هذه الآيات؟ ما هو هذا الشيء الذي له الصدارة في هذه القراءة أو في أمْر العلم، أو في أمْرِ التعلم، أو في أمْر التعليم، إنّه أساساً العلمُ بالله جل جلاله، وبالتحديد العلمُ بربنا الذي لم يَرِد في القرآن إلا مضافاً {ربنا} {ربكم} {رب العالمين} للإشعار دائماً بعظمة الإنعام الرباني على كل شيء في الوجود وبالأخص نعمتي الخلق والتعليم بالنسبة للإنسان. الأولى فيها وجوده، إذ لو لم يُخْلق لم يوجد، والثانية فيها سر قدراته كلها، كل ما يفعله عُلِّمَه من قبل المعلِّم الذي هو الله جل جلاله {الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بالقَلَم علَّم الإنْسَان ما لَمْ يَعْلَم} علّمه بالقلم وبغير القلم. ولكن الله تعالى أبْرَزَ أداةَ التعليم بالقلم، لأن القلم كان وما زال سبب ما اكتسبه الإنسان من علوم ومعارف على مرّ العصور.</p>
<p>ورصيدُ الهدى الذي تفضل الله به علينا من خلال العلم الذي تعلمناه من الوحي بالقلم وبغير القلم، هذا العلم كان هو سر نهوض الأمة سابقا، وكان هو سر سيادة آدم وبنيه على سواه قبل ذلك. {أتَجْعَلُ فِيها منْ يُفْسِد فِيها ويَسْفِك الدّماء ونحْنُ نُسَبِّح بحمْدك ونُقَدِّسُ لك، قَال إنِّيَ أعْلمُ مَالاَ تعْلَمُون، وعَلَّم آدم الأسماء كلّها}(البقرة : 29- 30) فهذا التعليم لآدم هو أسرار الخلافة {إنِّي جاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفة}(البقرة : 29).</p>
<p>وإذا كان الله تعالى أبرز في أول آيات المطلع نعمة الخلق مطلقاً فإن التركيز جاء بعد ذلك على الإنسان بصفته مخلوقاً ومعلّماً من ربِّه الأكرم.</p>
<p>فإذن هناك أمران كبيران لابد من العلم بهما كما ينبغي :</p>
<p>- الأمر الأول هو الله جل جلاله، وهو عنوان هذا المعنى، هو عنوان على جميع العلم الذي جاء من عند الله، فإذن العلم بالملائكة وبالكتب والقدر وبالرسل والآخرة، العلم عموما الذي جاء من عند الله عز وجل داخل في العنوان الأول.</p>
<p>- والأمر الثاني العلم بكل ما له صلة بالإنسان تسخيراً وتيسيراً وتدبيراً كله أيضا داخل في العنوان الثاني، الذي هو العلم بالإنسان، الذي سخر الله تعالى له الكون بأجمعه {ألَمْ تَرَوا أنّ اللّهَ سَخَّر لكُمْ ما فِي السماوات وما في الأرض}(لقمان : 19) فحين نعلم الإنسان، ووظيفة الإنسان، وموقع الإنسان، وما هو الإنسان، تلقائيا يستلزم أن نعرف ما سُخِّرَ لهذا الإنسان ونتجه إلى أن نعرف كيف سُخِّر ما سُخِّر، وكيف نُسَخِّر ما سُخِّر لهذا الإنسان.</p>
<p>فهذه هي النقطة الكبيرة والمهمة، فما أهميتها بالنسبة للفرد؟!، بالنسبة للجماعة، بالنسبة للأمة؟! أو للدولة بصفة عامة؟!، أهميتها بالنسبة للفرد والأمة والدولة هي أن يضع الكل في حسابه أولَويّات العلم، والعلم الشرعي لا سواه، العلم الشرعي هو رأس الأمر، ورأس العلم الشرعي هو الوحي، ورأس الوحي هو كتاب الله تعالى، هذه حقيقة ضخمة، كلية أساسية مهمة، يجب أن تكون في غاية الوضوح ويجب أن ننطلق منها أفراداً وننطلق منها أسراً وجماعات ودولاً وننطلق منها أمة.</p>
<p>داخل هذا الإطار -إطار العلم الشرعي- يأتي العلم بالله جل جلاله كأي معلومة تقدم على سواها، لأنك حين تعرف الله يصغر عندك كل ما سواه ولا يكبر إلا هو وتنتهي أهمِّيةُ ما سواه، بل تبقي أهمية ما سواه بقدر ما أعْطَاه الله تعالى من أهمية، وإذّاك تبتدئ العبديّة، وإذّاك تبتدئ العبودية، وإذّاك تبتدئ العبادة على وجهها الصحيح، وإذّاك يتبدئ الوجود الإيماني الحقيقي للعبد.</p>
<p>قبل أن يتم هذا الاتصال المباشر بالله جل جلاله كما عرف نفسه بنفسه في كتابه، لا إيمان ولا عبديّة ولا عبادة، أي لا عبادة -على الحقيقة- لله قَبْل معرفة الله تعالى على وجْه اليقين.</p>
<p>فإذن عندما نفكر في أن نعرف الناس بالله يجب أن نعرفهم به عن طريق كتابه أي عن طريق الآيات المتعلقة بالتعريف بالله جل جلاله كهذه الآيات نفسها وأشباهها في كتاب الله تعالى وذلك هو التوحيد الحقيقي، التوحيد أو الإيمان يؤخذ من الآيات المتعلقة بالله جل جلاله، ومن الآيات المتعلقة باليوم الآخر، بالملائكة، بالرسل، بالكتب، بالقدَر. ما أشد خَيْبَتَنا وخسراننا حين تركنا القرآن جانبا أو نُزَيّن به الجدران، أو نطبعه، ونوزعه مزينا منمقا والمطلوب أن يسكن القلوب. هذا المطلوب هو الذي فعله الرسول  كتَبَه في القلوب، ورسَّخه في الأعمال، هذا هو المنهاج.</p>
<p>وهذه النقطة الثانية تستلزم :</p>
<p>1) تذكُّر النّعم للوصول للعلم بالله عِلْماً يورّث الخشية منه لأن العلم الذي لا يورث الخشية ليس بعلم أبداً.</p>
<p>2) تركيز الاهتمام بالإنسان لتميزه موقعا وتكريماً وتعليما، لأن الإنسان هو الأساس في النجاح أو في الفشل في أي خطة، أو عمل، أو في أي شيء، وبإصلاح الإنسان اشتغل الرسل، لم يشغلوا بتأليف الكتب عليهم السلام، وإنما اشتغلوا بتأليف الرجال، اهتموا بالبشر، بالتحويل اللازم لبني آدم من الفساد إلى الصلاح لوضع نماذج بشرية صالحة راضية مرضية عند الله تعالى في الواقع العملي وبعد ذلك فليبلغ الشاهد الغائب.</p>
<p>هذا محل التحدي عمليا، فلذلك الإنسان هو المحور، في أي عملية إصلاح، في أي عملية يراد القيام بها ينبغي التركيز أولا على العنصر البشري فيها. فيا خيبتنا ويا خسارتنا يوم نرى أن الثروة البشرية تصير عندنا أهون من الثروة الحيوانية، وأهون من الثروة المعدنية، ونرى البشر يتسكع في الطريق ونراه يقتل الوقت ويقتله الوقت وكائنات بشرية كثيرة لا تعرف ما تصنع ولا تعرف ماذا يصنع بها، مع أن تلك الكائنات نفسها إذا فُعِّلت التفعيل الصحيح وأُوقِد فيها السِّرُّ الذي يفعّل الإنسان، إذا خولطت كينونتها بالوحي فإنها تصير خلقا آخر، وتفعل في التاريخ العجب العجاب كما فعله العرب في الجزيرة العربية، فعلوه في التاريخ في شرق الكرة وجنوبها وغربها، مع أنهم كانوا أعرابا بداة لا يكادون يفقهون شيئا، ومع ذلك صنعوا ما صنعوا بالوحي لا بسواه، فانظر إلى أثر هذا العلم في النفوس، هذا العلم الذي يعتبر أكبر مظهر للتكريم بعد الخلق.</p>
<p>وهَلْ تميَّز آدمُ و بنوه إلا بهذه النقطة؟! نقطة  التعليم الذي علمه الله عز وجل، إن أكبر ما تميَّز به آدم وبنوه، هو العلم والتعليم وما يندرج تحتهما من تفاصيل جزئية لا تخرج عن دائرة العلم والتعليم.</p>
<p>ثالثا : الطغيان أبرز أدواء الإنسان، وفي توهم الشعور بالاستغناء سر الداء، وفي الاستيقان بالرجوع إلى ربنا سر الدواء :</p>
<p>وذلك مما يستلزم :</p>
<p>- ملازمة الشعور بالافتقار إلى الله تعالى.</p>
<p>- ملازمة ذكر الموت والآخرة والرجوع إلى الله تعالى.</p>
<p>- ملازمة الوقوف عند حدود الله تعالى وعدم التعدي.</p>
<p>المقطع الموالي من قوله تعالى : {كلاَّ إنّ الإنسان ليَطْغَى أن رَآهُ اسْتغْنَى} إلى قوله تعالى : {إنّ إلَى ربِّك الرُّجْعَى} يستفاد منه حقيقة أن الطغيان أبْرزٌ أدْواء الإنسان وأن توهُّمِ الشعور بالاستغناء، هو سِرُّ الدّاء. وأن الإستيقان بالرجوع إلى ربنا هو سِرُّ الدّواء.</p>
<p>هذه الآيات فيها ذكر المرض، وفيها سَبَبُ المرض، وفيها الدَّواء لهذا المرض. مع أنها آيات صغيرة {كلاّ إن الإنسان ليطْغى أن رآه استغنى إنّ إلى ربِّك الرّجْعى} ومع ذلك تضمنت هذه المعاني الكبيرة.</p>
<p>{كلاّ إن الإنسان ليطْغى} الدّاءُ الخطير الذي إذا أصاب فرداً أو جماعة سبّبَ البلاء العظيم ومنه يأتي كل بلاءٍ، إنه الطغيان، فما هو الطغيان؟ الطغيان بصفة عامة هو تجاوُزُ الحَدِّ، والله تعالى ضبط الأمور، وحَدّ الحدود ثم قال : {تِلْك حدُودُ اللَّهِ فلا تعتدوها}(البقرة : 227) وقال أيضاً : {فلا تقربوها}(البقرة : 186)، هناك أمور منظمة : لكل جزء فينا حدُود، للسمع حدودٌ، للنظر حدود، للكلام حدودٌ، للفرج حدودٌ، للبطن حدودٌ، إلى غير ذلك.</p>
<p>الحدود حدّها الله في كل مجال فمن تجاوز الحدّ فقد طغى، أيُّ تجاوُزٍ هو طغيان، الإنسان بصفة عامة هِوَايَتُه الطغيان أيْ تجاوز الحدود بالنسبة للآخرين بالدرجة الأولى، وبالنسبة للنفس.</p>
<p>هذا الداء سبَبُه توهُّمُ الاستغناء {أن رآه استغنى} هل الإنسان يستغي؟ مستحيل، لا يوجد المستغني الكل مفتقر بشَكْل من الأشكال. من لديه شيء ليس لديه شيء آخر. ولكن الاستغناء هنا هو الشعور بالاستغناء عن الله فهُوَ مستقلٌّ بنفسه فالذي {قالَ أنَا رَبُّكم الأعْلَى}(النازعات : 24) كان يحتاج إلى الله؟ ولكنه في نظر نفسه لا يحتاج إلى الله جل جلاله فـ{أن رآه استغنى} معناها تخيُّلُ الاستغناء، فالقرآن في غاية الدقة بمعنى أن الاستغناء مستحيل. لا أحد يستطيع الاستغناء، إذن ما الذي يبقى؟ يبقى توهُّم الاستغناء، لأنّ الإنسان يرى نفسه أنه قد استغنى، هذا التوهُّم هو سرُّ البلاء، أما سر الشفاء فهو هذا الدواء {إنّ إلى ربِّك الرّجْعى} إذا تذكّر بأَنّه عائد إلى ربّه حقيقة حصل له اليقين بالضُّعف الذي يمكن أن يُوقظ الضمير الميت.</p>
<p>هذا الكلام يساوي حقيقته الأخروية والدنيوية، حين تقول {إن إلى ربّك الرّجعى} فإن إلى ربك الرجعى. ويجب أن تصير في القلب إلى الحد الذي يحدث لك الزلزال في كيانك، لأنه إذا حدث هذا اليقين قطعا يتم التوقف عن الطغيان.</p>
<p>هذا العلمُ اليقينيُّ هو الذي يحدث السلوك الحقيقي لذلك قــال الـرسول  : &gt;لا يزني الزاني حين يزني وهو مومن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مومن&lt; معناه لا يكون في تلك اللحظة لديه الحضور اليقيني للمعلومة أن الله سيأخذه وأن هذا سيؤدي به إلى عذاب عظيم لا يخطر له على بال، إذا كان الإنسان لا يطيق أن يضَع أصْبعه على شمعة موقدة فكيف يطيق جهنم، وكيف يطيق الخلود فيها؟ وكيف يطيق الاحتراق الدائم؟ {كُلَّما نضِجَتْ جلُودهم بدّلناهم جلوداً غيْرها ليذُوقوا العَذَاب}(النساء : 55) المشكلة أننا نتعامل مع الألفاظ تعاملا عاديا بارداً لا ينتج ثماراً ولا انتهاء عن الطغيان.</p>
<p>فهذه النقطة : أن الطغيان هُو أبْرزُ أدواءِ الإنسان هي التي وُضَعِتْ الآن في البُؤْرة باعتبارها سِرّ الأدْواء التي تُهْلِك النفس، وتهلك الأُسَرَ والمجتمعات، والمطلوب {فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَنْ تَابَ معَكَ ولا تطغوا}(هود : 112) لكيْ لا يكون طُغْيان أبداً {ولا تَطْغَوْا فِيه فَيَحِلَّ عَلَىْكُم غَضَبِي ومَنْ يَحْلل عليهِ غَضَبِي فقد هوَى}(طه : 79) ولا تطغوا، هذه نقطة مركزية {كلاّ إنّ الإنسان ليطْغَى} ومتى يحْدُث ذلك {أنْ رَآه اسْتَغْنَى} بشكل من الأشكال والإستغناء عن الله أخطر الاستغناءات، ورأس البلاءات وهو يحدث للكفار الخُلَّص الذين شُرِحت صُدُورهم للكفر ويتبع الكفار من استغنى بسبب جاهه، أو ماله، أو علمه، أو أي شيء يتوهَّم أنه غير محتاج للآخرين، وليتخلص من ذلك حقا عليه أن يعلم علما يقينيا أنه محاسبٌ ومؤاخذ.</p>
<p>ومما تستلزم هذه الحقيقة ثلاثة أمور :</p>
<p>1) ملازمة الشعور بالإفتقار إلى الله تعالى مع التبرؤ من كل حول وقوة &gt;فلا حول ولا قوة إلا بالله&lt; هذه كلمة جامعة مانعة في بابها مع مصاحبة الاستئذان الدائم من الله تعالى، فإذا لم يأذن لك با لكلام فلا تتكلم، وإذا لم يأذن لك بالنظر فلا تنظر، وإذا لم يأذن لك بالسير فلا، وإذا لم يأذن لك بالتفكير فيما لا يرضاه فلا تفكر فيه.</p>
<p>فملازمة الشعور بالافتقار لله عز وجل هي عين الهدى المنهاجي العاصم من الطغيان.</p>
<p>2) ملازمة ذكر الموت والآخرة وذكر الرجوع إلى  الله تعالى {إنّ إلى ربِّك الرُّجْعى} يجب أن نتذكر ذلك باستمرار لأنك في كل لحظة قد تنتقل، إذا أصْبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، هذا الشعور يجب أن يكون، ليكون المومن مستعداً للقاء ربه في أي وقت.</p>
<p>فملازمة الذكر للآخرة والرجوع لله تعالى ضروري أيضا في ضبط نبض القلب البشري الإيماني، كالأمر الأول الذي هو الشعور بالافتقار.</p>
<p>3) ومن مستلزمات ذكر الرجوع لله الوقوفُ عند حدود الله تعالى وعدم التعدي، هذه نقطة في  غاية الأهمية فلكل شي ء حدٌّ يجب عدَم تخطِّيه وتجاوزه.</p>
<p>رابعا : الله تعالى يتولى الدفاع بنفسه عن عبده إذا استجمع ثلاثة شروط :  إذا صلى، وكان على الهدى، وأمر بالتقوى :</p>
<p>أي إذا كان موصولا به في قلبه/سائرا على هداه في حياته/ داعيا  غيره إلى تقوى ربه.</p>
<p>{أرايْت الذي ينْهى عبداً إذا صلّى، أرايْت إن كان على الهُدَى أوْ أمَرَ بالتٍّقْوى أرَايْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلَّى ألمْ يعْلمْ بأنّ اللّه يرَى} الله تعالى يتولى الدفاع بنفسه عن عبده إذا استوفى ثلاثة شروط :</p>
<p>1) إذا صلَّى صلاة حقيقيّة نطمح إليها، صلاة فيها ارتباط بالله تعالى، يناجي فيها ربه، يغيبُ عن الكون من حوله، يقع له الاتصال المباشر كأنه يتكلم مع الله محققا قول الله تعالى {وأَقِم الصّلاة لذِكْرِي}(طه : 13). فإذا كان أولُ العلم العِلْم بالله تعالى، فإن الصلاة أولُ تطبيق لهذا العلم، عِلم الخشية من الله، علم التضرع لله، علم الاعتماد على الله تعالى وحده إنه العلم الذي به تحول العرب، وبه حولوا العالم، به تعلموا كيف يركعون ويسجدون لله وحده، ولا يلتفتون إلى غيره أبداً، به حَوَّلُوا التاريخ، وحوَّلُوا الناس من الخضوع لغير الله إلى الخضوع لله تعالى وحده.</p>
<p>إن علم الخشوع والاستكانة لله تعالى في الصلاة أشرفُ العلوم على الإطلاق ولذلك كانت عمود الدّين، فإذا سقط العمود سقطت الخيمة، وإذا انهار العمود انهار البناء، فمن الصلاة بدأ المسلمون الأُولُ تعْبيد الطريق للتمكين، ومنها ينبغي أن يَبْدأ الطريق من جديد، ولهذا نحن نحتاج إلى أن نُصَلِّي من جديد. نعم نحتاج إلى أن نصلي لأننا لم نُصَلِّ، فنحن مثل ذلك الصحابي الذي قال له الرسول  : &gt;صَلِّ فإِنَّك لمْ تُصَلِّ&lt; ولأهمية الصلاة نرى في السورة أن الله تعالى جعلها الصفة الحقيقيّة للعبديّة الحقيقيّة المتمثلة في هيأة الصلاة الخاشعة {أرَايْت الذِي ينْهَى عبْداً إذا صلى}.</p>
<p>2) الشرط الثاني أن يكون  مستقيما على أمر الله تعالى في كل شؤون الحياة {أرَايْت إنْ كَان على الهُدَى}.</p>
<p>3) الشرط الثالث أن يكون داعياً غيره إلى الصلاح :  لَيْسَ مُصلحاً لنفسه فقط، وليس مُحوِّلا لنفسه فقط، ولكنه عبد أصلحَ نفسه ودعا غيره إلى الصلاح، فهو صالح مصلح، ومُهتدٍ وهادٍ، ومُصَلٍّ وآمراً غيره بالصلاة {أوَ أمَر بالتّقْوى}، حين يكون العبد مصليا مستقيما على الهدى داعيا غيره إلى الهدى والصلاح يتولاه الله تعالى ويرعاه ويحميه ويدافع عنه سبحانه بنفسه.</p>
<p>فهذا هدى منهاجي واضح.</p>
<p>خامسا : دفــاع الله تعالى عن عبده يكون بأمور :</p>
<p>الهدى الذي يليه نأخذه من هذه الآيات {أرَايت إن كان على الهُدى أو أمر بالتقوى أرايت إن كذّب وتولى ألم يعلم بأن الله يرَى كلاّ لئن لم ينْته لنسفعن بالنّاصية ناصية كاذبة خاطئة، فليدع ناديه سندع الزّبانية}، وذلك يكون بـ :</p>
<p>1- فضْح لطُغْيان الطاغي، بدون ذكر اسمه، لأن القرآن صاغه الله تعالى بصورة نموذجية لا يحدها زمان ولا مكان، حيث هَجَم هذا الطاغي على عبد صالح بدون مبرّرٍ أو ذنب اقترفه العبد الصالح.</p>
<p>2- بيان اتصاف عبده بكل ما يقتضي الاحسان إليه بدل الإساءة إليه.</p>
<p>3 &#8211; تخويف الطاغي عليه برؤية الله تعالى لامحالة :</p>
<p>في الآيات تعجيب من شناعة فعل الطاغية الذي هجم على العبد الصالح حين تلبُّسه بفعل الصلاة، الذي هو أشرف فعل، وأزكى فعل، فبدل الإحسان إليه وإكرامه يُسيء الطاغية إليه.</p>
<p>إنه دفاع يورث الرعب والزلزلة في كيان كل طاغية كافر، ويورث الاطمئنان في نفس كل عبد صالح. هذه مرحلة.</p>
<p>المرحلة الثانية : أن هذا الطاغية إن تمادى ولم يتُب ولم يرتدع تأتي مرحلة أخرى فيها ثلاث مراحل :</p>
<p>1) التهديد بالأخذ المباشر {كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية} والسفع في اللغة العربية هو الضرب بالنار حتى يُحْدِث سواداً يكون من النار أو من حِدّة حرارة الشمس، {لنسفعن بالناصية} لأن تلك الناصية هي مَكْمَنُ التكبُّر، في الطاغية وهي في الأصل ينبغي أن تكون مكمَن الخضوع والسجود والطاعة.</p>
<p>2) ثم بعد ذلك الهُجُوم على الطاغية بالقول المباشر {ناصية كاذبة خاطئة} هذا سبٌّ وقَذْفٌ وهجوم مباشر.</p>
<p>3) وأخيرا التحدي {فليدع ناديَه} فليدع جماعته وأتباعه، فإذا فعل فإن الله سيأخذه أخذاً مباشراً، والأخذ المباشر سيكون على أشكال متعددة لا يعلمها إلا الله تعالى، ولكن المذكور في هذه الآيات شكلان كبيران هما :</p>
<p>أ- السفع بالناصية، وسفعها تلويحُها بالنار، وإحراقها بالنار وتسويدها بالنار مقابل عُلوِّها وتكبرها عن الخضوع لله، ومقابل تهديدها للناصية العابدة الساجدة، ناصية العبد الصالح ومقابل توهّمها الاستغناء عن الله بشيء قليل من المال، والصحة، والأولاد، والأتباع.</p>
<p>فالناصية التي يجتمع فيها كل تلك الاستغناءات المتوهَّمة، هي ناصية كاذبة خاطئة.</p>
<p>ب- دعوة الزبانية خزنة جهنم للإسراع بالطاغية إلى مصيره ومستقره، وبيس المصير والمستقر.</p>
<p>وإذا ائْتَسَيْنا بفعل الله تعالى يجب أن يتدخل الإعلام لصالح أهل الإيمان، فيظهر أن ماهُمْ عليه هو خير ما يكون عليه بشر، وأن ما يُفعل بهم هو أسوأ ما يمكن أن يُفْعل ببشر مستقيم على الهُدَى.</p>
<p>ثم يقع الوعظ والتذكير بالله تعالى، ثم التخويف من عذابه.</p>
<p>سادسا : واجب عبد الله تجاه أي طاغية ينهاه عن فعل ما أمر به الله عز وجل هو :</p>
<p>- عدم الطاعة له</p>
<p>- والسجود لله</p>
<p>- والاقتراب من الله.</p>
<p>وبعد ذلك يأتي الهدى النهائي الموجّه إلى العَبْد الصالح.</p>
<p>أي ماذا ينبغي أن يفعل عَبْدُ الله إذا وُوجه بكل هذه المشاكل ووُوجه بهذا الطغيان، ووقع الهجوم عليه، وبدأ يُمنع من الصلاة، ويُمنع من السير على هدى الله، ويُمنع من أن يكون على التقوى، وآمِراً بالتقوى؟&#8230;</p>
<p>واجب عبد الله أمام هذه الحالات، واجبه شيء واحد هو الفرار إلى الله تعالى بكثرة الطاعات، وكثرة الصلوات والتضرعات، وكثرة الصبر والثبات والعصيان لأوامر الطغاة {كلا لا تُطعه واسجُد واقترب}.</p>
<p>سابعاً : خـــــــلاصة هدى السـورة للعبد المؤمن :</p>
<p>يمكن تلخيصه في نقط ثلاث :</p>
<p>1- تعلُّم الحق كما هو خالصاً من عند الله جل جلاله :</p>
<p>يعني هذه السورة تقول : أول ما ينبغي فعلُه تعلُّم الحق، يجب تعلُّمُ العلم الذي هو الحقُّ كما جاء من عند الله خالصا مصفَّى.</p>
<p>2- العملُ بالحق والثباتُ عليه كما أمر الله جل جلاله اتصالاً به وسيراً على هداه أمراً بتقواه :</p>
<p>ومتى وجد عبدٌ يصلي لربّه على هدى ربّه، آمراً بتقوى ربه، ولا يبالي بسوى ربّه، حين يوجد هذا العبد يوجد هذا الرّب وهو موجود -سبحانه وتعالى- فإذَنْ النقطة الثانية بعد تعلُّم الحق، الذي هو واضح في المطلع يأتي العملُ بالحق الذي هو واضح في الوسَطِ، فالثباتُ عليه كما أمر الله جل جلاله اتصالاً به وسَيْرا على هداه وآمراً بتقواه.</p>
<p>3- الصبر على أذى الطغيان دون طاعة له ولا ردٍّ مادي عليه، إلا رَدُّ البيانِ لحق المحِق وخطر مصير المبطل :</p>
<p>هذا الذي نجده في هذه المرحلة، فحين يكون ظرفٌ كهذا الظرف، يكون وصفٌ كهذا الوصف، وتكون وصفة كهذه الوصْفة، وهذا هو المقصود بالهدى المنهاجي، أن نعُود إلى كتاب ربنا لنَسْتَخْلِص منْه ما ينبغي فعْلُهُ.</p>
<p>فالصبر على أذى الطغيان هو السبيل وهذه نقطة أساسية.</p>
<p>في كتاب &#8220;كيف ندعو الناس&#8221;  نقطة انقدحت في ذهن مؤلفه الأستاذ محمد قطب هي الواردة في سورة الأنعام {ولِتَسْتبِين سبيلَ المُجْرمِين} وفي قراءة حفص {ولتستبين سبيلُ المجرمين} أي تتضح سبيل المجرمين متى تتضح؟ لا تتضح في البداية، تتضح عندما يطبقها عبد أو عباد تطبيقا تاما قويا جدا لا يصرفه ولا يصرفهم عنها صارف، ومع أنهم يتعرضون لبلاء عظيم، مع ذلك لا يتزلزلون ولا يتزحزحون نهائيا، ويتبين أيضا بالمقابل الصورة المظلمة للطغاة، يتضح طغيانهم للجميع فلا يبقى الالتباس فيتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، يتضح الحق من الباطل، يتضح الأمر كل الإتضاح، لا يمكن أن يتم ذلك إلا بعد مرحلة من الصبر على البلاء ، هناك أمران يسيران جنبا إلى جنب : العمل بالحق، والثبات على الحق، ومع العمل بالحق والثبات عليه يأتي البلاء {ألم أحَسِب النّاس أن يُتْركُوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفْتَنُون}(العنكبوت : 1) لابد من الفتْن بأشكال مختلفة فهذا الفَتْن ما الموقف منه : الصبرُ على الأذى، {واصْبِرْ حتَّى يحكُم الله}(يونس : 109) &gt;صَبراً آل يَاسِر فإنّ موْعِدَكم الجنّة&lt;.</p>
<p>ممنوع الرد، لأن الإنسان إذا لم يُرّد.</p>
<p>أولا قضيتُهُ تَرْبحُ أكثر.</p>
<p>والحق يتَبَيَّنُ أكثر.</p>
<p>ويزداد الأنصارُ أكثر عمليًّا.</p>
<p>ثم هو يعظم إيمانه أكثر.</p>
<p>أما عندما يرد كل ذلك ينقص، وأحيانا يَلْتَبس الأمْر تماما ويختلط ولا يعْرف الناس الحقّ من الباطل.</p>
<p>فلذلك الله عز وجل في البداية اختار لرُسله ولأتباع رُسله أن يعرفوا الحَقَّ، ويعملوا بالحق، ويثبتوا على الحق، ويصبروا، حتى يأتي الفرج وبالله التوفيق.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مواقف وأحوال &#8211; يسيل دمه ولا يقطع سورة من القرآن</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/02/%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%82%d9%81-%d9%88%d8%a3%d8%ad%d9%88%d8%a7%d9%84-%d9%8a%d8%b3%d9%8a%d9%84-%d8%af%d9%85%d9%87-%d9%88%d9%84%d8%a7-%d9%8a%d9%82%d8%b7%d8%b9-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d9%85%d9%86/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/02/%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%82%d9%81-%d9%88%d8%a3%d8%ad%d9%88%d8%a7%d9%84-%d9%8a%d8%b3%d9%8a%d9%84-%d8%af%d9%85%d9%87-%d9%88%d9%84%d8%a7-%d9%8a%d9%82%d8%b7%d8%b9-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d9%85%d9%86/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 01 Feb 2010 11:37:01 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[ذ. امحمد العمراوي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 333]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[أحوال]]></category>
		<category><![CDATA[الحقيقة]]></category>
		<category><![CDATA[ذ. امحمد العمراوي]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[عباد بن بشر]]></category>
		<category><![CDATA[مواقف]]></category>
		<category><![CDATA[يسيل دمه]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=17073</guid>
		<description><![CDATA[هل ذقت القرآن؟ فإن من ذاق لزم، ومن ذاق أدرك الحقيقة، وإنما يحتاج القرآن اليوم إلى رجال تتذوقه قلوبهم، فتعمل به جوارحهم، وتبكي به عيونهم، وتتنور به حياتهم، ويحيى به واقعهم! القرآن -أيها الأحبة- يحتاج إلى رجال يحفظونه فيحفظهم، ويقدمونه فيقدمهم، ويرفعونه فيرفعهم، وإنما يتحقق لهم ذلك يوم يتذوقون القرآن، كما تذوقه الأولون، فكان من [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>هل ذقت القرآن؟ فإن من ذاق لزم، ومن ذاق أدرك الحقيقة، وإنما يحتاج القرآن اليوم إلى رجال تتذوقه قلوبهم، فتعمل به جوارحهم، وتبكي به عيونهم، وتتنور به حياتهم، ويحيى به واقعهم!</p>
<p>القرآن -أيها الأحبة- يحتاج إلى رجال يحفظونه فيحفظهم، ويقدمونه فيقدمهم، ويرفعونه فيرفعهم، وإنما يتحقق لهم ذلك يوم يتذوقون القرآن، كما تذوقه الأولون، فكان من أمرهم به ما كان.</p>
<p>تأملوا معي أيها السادة حالة عباد بن بشر ] وقد ذاق القرآن، وخالطت قلبه حلاوتُه، وسرت في عروقه حياته : عن جابر بن عبد الله قال : خرجنا مع رسول الله  في غزوة ذات الرقاع فأصيبت امرأة من المشركين، فلما انصرف ر سول الله  قافلا جاء زوجها وكان غائبا، فحلف أن لا ينتهي حتى يهريق دماً في أصحاب محمد ، فخرج يتبع أثر النبي ، فنزل النبي  منزلا فقال : &gt;من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه؟&lt; فانتدب رجل من المهاجرين (هو عمار بن ياسر) ورجل من الأنصار (هو عباد بن بشر) فقالا : نحن يا رسول الله، قال : &gt;فكونوا بفم الشعب&lt; قال : وكانوا نزلوا إلى شعب من الوادي فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب، قال الأنصاري للمهاجري : أي الليل أحب إليك أن أكفيكه : أوله أو آخره؟ قال : اكفني أوله، فاضطجع المهاجري فنام، وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل، فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم، فرماه بسهم فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما، ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما، ثم عاد له بثالث فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه، فقال : اجلس فقد أوتيت وفي رواية : أُثْبِتّ فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذروا به فهرب فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال : سبحان الله، ألا أهببتني أول ما رماك؟ قال : كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها، فلما تابع الرمي ركعت فأريتك، وأيم الله، لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله  بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها&lt;(1).</p>
<p>إنه القرآن، ولكن عند من ذاق وعرف! هذا رجل يقسم على أنه لولا خوفه من تضييع ثغر أُمر بحمايته وحفظه لفضل أن يقتل على أن يقطع سورة من القرآن كان يقرؤها، ألا ما أبلغه من درس، لمن يهذ القرآن هذًّا، ولمن لا يذكر وهو يقرأ كلام من يقرأ، فلا يجد للقرآن طعما ولا ذوقا، ولا يستفيد منه نورا ولا حياة.</p>
<p>إن جسم عباد بن بشر وجوارحه أيها السادة كانت تحس بلذة القرآن ولا تشعر بآلام السهام، كانت تتقلب في أنوار القرآن فما ألقت بالا للدماء، إنه القرآن، الذي أحيى الله به الأفراد والجماعات، وأنار به الظلمات، فأين أنتم يا أحباب عباد بن بشر؟ هل ذقتم ما ذاق؟ وهل أدركتم ما أدرك؟</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong> ذ. امحمد العمراوي</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8211;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>1- مسند أحمد 219/3 السيرة النبوية لابن هشام 694/2 والبداية والنهاية لابن كثير 443/4 وزاد المعاد 221/3.</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/02/%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%82%d9%81-%d9%88%d8%a3%d8%ad%d9%88%d8%a7%d9%84-%d9%8a%d8%b3%d9%8a%d9%84-%d8%af%d9%85%d9%87-%d9%88%d9%84%d8%a7-%d9%8a%d9%82%d8%b7%d8%b9-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d9%85%d9%86/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>رحلة عشق؟</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2008/03/%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d8%b9%d8%b4%d9%82%d8%9f/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2008/03/%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d8%b9%d8%b4%d9%82%d8%9f/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 18 Mar 2008 16:09:36 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[ذة. نبيلة عـزوزي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 294]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[التعليم]]></category>
		<category><![CDATA[الفرنسية]]></category>
		<category><![CDATA[حفظ القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/2013/12/%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d8%b9%d8%b4%d9%82%d8%9f/</guid>
		<description><![CDATA[خطوة.. خطوتان&#8230; ويحلو المسير&#8230; فتخضر الحياة أمامي وتزهر&#8230; وأنا نحلة تحتضنها الأزهار لترشف الرحيق&#8230;!! كانت الخطوة الأولى على استحياء، ارتشفت رحيق سورة الرحمن، وأنا أراجعها مع ابنتيّ المطالبتين بحفظها في المدرسة&#8230;! أي جمال يتملكني وأنا أطل على الحديقة.. اخلعي نعليك يا نفس، اركضي برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب&#8230; كفاك نوماً وغفلة&#8230;! أخطو الخطوة الثانية نحو [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: right;">خطوة.. خطوتان&#8230; ويحلو المسير&#8230; فتخضر الحياة أمامي وتزهر&#8230; وأنا نحلة تحتضنها الأزهار لترشف الرحيق&#8230;!!</p>
<p style="text-align: right;">كانت الخطوة الأولى على استحياء، ارتشفت رحيق سورة الرحمن، وأنا أراجعها مع ابنتيّ المطالبتين بحفظها في المدرسة&#8230;!</p>
<p style="text-align: right;">أي جمال يتملكني وأنا أطل على الحديقة.. اخلعي نعليك يا نفس، اركضي برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب&#8230; كفاك نوماً وغفلة&#8230;!</p>
<p style="text-align: right;">أخطو الخطوة الثانية نحو سورة الواقعة.. تحتضنني الحديقة ويفتنني جمالها وأنسها.. تترى خطواتي بلهفة الشوق والعشق&#8230; تشحذ همتي، فأصر على متابعة الرحلة والتزود من معين القرآن!</p>
<p style="text-align: right;">لم يحرر القرآن لساني من عقاله فحسب -لأني كنت أستاذة للفرنسية- بل حرر نفسي وطهّرها من صدإها.. كنت أحفظ في المطبخ وفي المواصلات وفي كل فرصة تتاح لي.. وكنت أربي بناتي الثلاث وربائبي الثلاثة، وأقوم بكل أعباء البيت دون مساعدة من أحد&#8230; ولعل ذلك كله ببركة القرآن الكريم!</p>
<p style="text-align: right;">عملت بمدرسة لبعثة أجنبية، وفي حفل آخر السنة صعق القنصل حين رآني محجبة، فعقد اجتماعاً طارئا، ليقرر طردي لحظتها.. لم تهتز في شعرة، وكل ما قلته : حسبي الله ونعم الوكيل!</p>
<p style="text-align: right;">عدت إلى عملي الأصلي في مدرسة عمومية، ليتم نقلي تعسفا إلى مدرسة بعيدة جدا عن سكناي.. وأنا أتجرع الظلم قلت : حسبي الله ونعم الوكيل!</p>
<p style="text-align: right;">كان بُعْد عملي نعمة من الله عز وجل، إذ كنت أحفظ في المواصلات ذهابا وإيابا.. ولم يكن حينها تدريس القرآن في المساجد والجمعيات، كما هو الحال الآن ولله الحمد، إلى أن التقيت بسيدتين تحفظان معاً&#8230; فكنا نستظهر ونتدارس القرآن.. وكل يوم كان عددنا يتضاعف.. إلى أن حفظت القرآن الكريم كله بحمد الله وتوفيقه.. ثم درست التجويد.</p>
<p style="text-align: right;">بعد تقاعدي من عملي، تفرغت لتحفيظ القرآن في المساجد.. وكل صباح، أتمشى في حديقة بجواري، أستظهر القرآن، فأخال الزهر والشجر والطير تردده معي، وينساب الآي بداخلي ربيعا أبديا ورحيقا وحبا&#8230;!</p>
<p style="text-align: right;">وفي الليل، تستظهر علي بعض تلميذاتي البعيدات بواسطة الهاتف.. وأبوح لكم بسر؛ أن زوجي -بعد تقاعده- ماض هو الآخر في الحفظ.. لنستظل معاً تحت دوحة القرآن الوارفة&#8230;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2008/03/%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d8%b9%d8%b4%d9%82%d8%9f/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الليل</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2007/07/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%8a%d9%84/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2007/07/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%8a%d9%84/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 01 Jul 2007 09:16:03 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 280]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[الليل]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6394</guid>
		<description><![CDATA[8 &#8211; من الهدى المنهاجي في هذه السورة المباركة ما يلي : الهدى الإجمالي وخلاصته : 1- حذَار حذار من خط النَّار الذي يبتدئ من غِشْيَان الليل إلى البُخْل والاستغناء، وينتهي بالعُسْرى والتردي في النار والشقاء الأبدي. 2- حرصا حرصا على خط الرضوان الذي يبتدئ من تجَلِّي النهار إلى العطاء والاتقاء وينتهي باليُسرى والفوز بالرضوان [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<h3 style="text-align: center;"><span style="color: #ff0000;"><strong>8 &#8211; من الهدى المنهاجي في هذه السورة المباركة ما يلي :</strong></span></h3>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>الهدى الإجمالي </strong></span></h2>
<p><span style="color: #333333;">وخلاصته :</span></p>
<p>1- حذَار حذار من خط النَّار الذي يبتدئ من غِشْيَان الليل إلى البُخْل والاستغناء، وينتهي بالعُسْرى والتردي في النار والشقاء الأبدي.</p>
<p>2- حرصا حرصا على خط الرضوان الذي يبتدئ من تجَلِّي النهار إلى العطاء والاتقاء وينتهي باليُسرى والفوز بالرضوان في النعيم الأبدي.</p>
<p>3- على الموقف من الهدى -هدى الله تعالى- المدار، فمن اتبع فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض تردى في نار تلظى.</p>
<p>إن المتأمل في هذه السورة يجد خطين متقابلين متوازيين من أول السورة إلى آخرها :</p>
<p>الأول هو خط النار.</p>
<p>والثاني هو خط الجنة، والفيصل هو هدى الله الذي من اتبعه سعد ومن لم يتبعه شقي.</p>
<p>السورة تبتدئ بقوله تعالى<span style="color: #000000;"><strong> {</strong></span><span style="color: #008000;"><strong>واللّيلِ إذا يَغْشَى<span style="color: #000000;">}</span></strong></span>.</p>
<p>وغشيان الليل، سيرورة الليل كالغشاء بالنسبة للكائنات على الأرض إلى أن يكون الكلام عن البخل والاستغناء {<strong><span style="color: #008000;">وأمّا مَنْ بَخِل واسْتغْنى وكذّب بالحُسْنى فسنُيَسِّره للعُسْرى</span></strong>} إلى أن يقع التردي في النار في الشقاء الدائم .</p>
<p>وكذلك الأمر بالنسبة للخط الآخر {<span style="color: #008000;"><strong>والنّهار إذا تجلّى</strong></span>} من َتَجِّلي النهار فعلا إلى قوله تعالى {<span style="color: #008000;"><strong>فأما من أعْطَى واتّقَى</strong></span>} إلى التيسير لليسرى إلى أن يتم الفوز بالرضوان في نهاية السورة.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>الهدى التفصيلي</strong></span></h2>
<p><span style="color: #008080;"><strong>الهدى الأول :</strong></span> الحياة خطان متقابلان متعاكسان لا يلتقيان، ينطلقان من نقطة واحدة ثم يتجه كل منهما عكس الآخر، وحسب خط المسير يكون المصير.</p>
<p>وهذا الهدى واضح في القسم الأول من السورة من أول آية إلى الآية الحادية عشرة في مراحل ثلاث :</p>
<p><strong>المرحلة الأولى : تأسيس الكون كله على التقابل والاختلاف وإن كان فيه تكامل وائتلاف،</strong> ماذا ذكرت السورة من هذا؟ الليل حين يطبق ظلامه فيصبح غشاءً للأشياء يقابله النهار حين يتضح ضوؤه فتنجلي كل الأشياء.</p>
<p>خلْق الذكر في الكائنات كلِّها يقابل خلْق الأنثى.</p>
<p>هذه مقدمة السورة، ومقدمات السور بصفة عامة كما سبق في مقدمة سورة التكوير وكما سيأتي في  سور لاحقة هي مقدمات تأتي في صورة قسم. أو تأخذ شكْل عرض، تُعرُض فيها مشاهد مُتتالية ما يدري الإنسان في أول الأمر لِمَ تُعْرض ولم كان الأمر هكذا، ما السر؟</p>
<p>وهي في الحقيقة تقدِّم للمعنى، إذ هي أحسن مقدمة وأقوى مقدمة لما بعدها.</p>
<p>والكلام في السورة إنما هو عن هذين الخطين المنطلقين من نقطة واحدة في اتجاهين متعاكسين.</p>
<p>نقطة واحدة منها ينطلق الخطاب في اتجاهين متعاكسين. هذه الحقيقة يأتي لها إطار كبير يؤسس لها. هي هذا الكون هذه الأرض مثلا، ترى فيها فعلا لَيْلاً وترى فيها نهاراً والتقابل يكون أشد ما يكون حين يطبق الليلُ ويصبح ليلا حقيقيا أي حين يغشى الكائنات، أي يصبح غشاءً لها يغطيها فيطبق الظلام، إذَّاك يكون الليل ليلا حقيقيا وعكسه النهار تماما حين يتجلى ويصبح جليا، حين يتضح ضوؤه اتضاحا تاما، فتنجلي وتتضح جميع الكائنات بهذا الضوء فهذا النهار بهذا الشكل يقابل الليل بهذا الشكل.</p>
<p>هذا له وِجْهَةٌ، وهذا له وجهة، وهذا يستدعي معاني وهذا يستدعي معاني.</p>
<p>مع الليل يأتي الويل كما تقول العرب &gt;الليل أخفى للوَيْل&lt; بسبب ظلامه، الليل هو إطار يستدعي عالما مظلما، يستدعي عالما أسود، يستدعي خطا أسود أيضا، عكس النهار تماما.</p>
<p>والليل هو الإطار قبل أن يأتي النور، قبل أن يأتي الضوء يكون الظلام، كأنه هو الذي يكون سائدا ثم يأتي الضوء فيتكشف الظلام، كما يقول المؤذن : &gt;ذهب الليل بظلامه وأقبل النهار بنوره وضيائه&lt; ذهب الليل بظلامه بسبب قدوم النهار بضيائه فهذا ينسخ هذا.</p>
<p>ولو أحببت أن تربط هذا الأصل الكبير بما هو قادم مما أشارت إليه مقدمة سورة التكوير بـ{<span style="color: #008000;"><strong>اللّيْل إذا عَسْعس والصُّبح إذا تنَفّس</strong></span>} فها هنا شيء من ذلك.</p>
<p>ظلام الجاهلية مطبق والنور قادم ولكن لا ينطلق القرآن بهذا الشكل وإنما يقدم لحقيقة كبيرة ضخمة هي وجود هذين الخطين اللذين ينتهي كل منهما إلى نهاية تناسبه.</p>
<p>سنرى هذا بوضوح، لكن الوصول إليها يقتضي أولا التأسيس لها بالقاعدة العامة التي نراها في الكون، هناك ليل يغشى، وهناك نهار يتجلى، وإلى جانب ذلك هناك خلق الذكر، بالنسبة لجميع المخلوقات الحية، وهناك خلق الأنثى، فهما أيضا كائنان مختلفان متمايزان، وإن كان الليل في أصله يتكامل مع النهار، والذكر في أصله يتكامل مع الأنثى، ولكن الأصل هو الاختلاف التام، هذا بمثابة تأسيس لكلام قادم، لأنه مُقْسَمٌ به والذي له القسم، أي المقسم عليه عمليا هو {<strong><span style="color: #008000;">إنّ سَعْيَكُم لشَتَّى</span></strong>}.</p>
<p><strong>المرحلة الثانية : الناس كلهم في أعمالهم صنفان متقابلان أيضا،</strong> صنف المعطين المتقين المصدقين بالوعد الحسن من الله تعالى في الدنيا والآخرة، وصنف البخلاء المستغنين المكذبين بالوعد الحسن من الله تعالى في الدنيا والآخرة.</p>
<p>بمعنى أن الناس في هذه الحياة وهم يعيشون يتصَنَّفون تلقائيا إلى صنفين أيضا متمايزين تمايز الليل والنهار، صنف هو الذي تشير له الآية {<span style="color: #008000;"><strong>فَأَمّا من أعْطَى واتَّقَى وصدَّق بالحُسْنى</strong></span>} وصنف عكسه تماما هو المشار إليه بقوله تعـــالى : {<strong><span style="color: #008000;">وأمّا مَنْ بَخِل واسْتَغْنَى وكَذَّبَ بالحُسْنَى</span></strong>}.</p>
<p>الأول صنف الضوء والنهار والثاني صنف الليل والظلام.</p>
<p>بَخِل تقابل أعْطى.</p>
<p>واستغنى تقابل اتقى.</p>
<p>لأن استغنى بمعنى : استغنى عن الله تماما وعن شرعه كأنه لا حاجة به إلى الله عز وجل، لأنه يظن نفسه غنيّاً بماله وجاهه، وبما عنده فلا يحتاج إلى الله، ولا إلى شرع الله، ولا إلى كل ما يتعلق بالله.</p>
<p>هكذا هو وهكذا يظن.</p>
<p>والذي يصدر إذاك عن المستغني ليس هو التقوى ولكن هو انتهاك الحرمة، هو الفجور، هو محادة الله.</p>
<p>فلذلك تقابل الصنفان : الأول {<span style="color: #008000;"><strong>اسْتَغْنى وكذّب بالحُسْنى</strong></span>} والآخر {<span style="color: #008000;"><strong>اتٍّقَى وصدّق بالحُسنى</strong></span>}.</p>
<p>والحسنى هي مؤنث الأحسن، فما الحسنى؟</p>
<p>في آيات كثيرة وعند مفسرين كثيرين قدماء ومحدثين بصفة عامة. الحسنى هي الجنة ولكن اللفظ -كما نبهت في مرات متعددة- لا يساوي اللفظ، ولا يوجد لفظ يساوي لفظاً آخر، فإذا ساواه ينبغي أن يقتصر على أحدهما فلا معنى لاستعمال الآخر، و سيكون ذلك من باب اللغو إذن هناك دائما خصوصية دلالية وإن صغرت، بها يحيا اللفظ متميزاً عن نظرائه ومرادفاته، فالحسنى هي مؤنث الأحسن فعلا، تصْدُق على الجنة وتصدُق على كل ما وعد الله به من خير في الدنيا والآخرة، ورأس ذلك الجنة ورضوان الله عز وجل {للذِين أحسنُو الحُسنى وزِيادة}(يونس : 26) هنا يشرحون الحسنى بالجنة، والزيادة بالرضوان، أَحْسب والله أعلم أن الصواب للذين أحسنوا جزاؤهم من جنس عملهم، يعطى لهم الشيء الأحسن أيضا، هذا الشيء الأحسن يصدُق على كل ما هو الأحسن في الدنيا وما هو الأحسن في الآخرة ولكن بما أن أحسن ما في الآخرة كان هو الجنة ورضوان الله سبحانه وتعالى، فالمفسرون ربطوا الحسنى بالجنة، لكن قصر الحسنى على الجنة لا يستقيم مع الدلالة العامة للقرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى : {قل هل ترَبّصُون بنا إلا إحدى الحُسنيين}(التوبة : 52) ولم ترد إلا هذه المرة مثناة ومعناهما : الشهادة أو النصر.</p>
<p>هذا المفروض في إحدى الحسنيين : حسنى الشهادة أو حسنى النصر، ولكن الشهادة تؤدي إلى الجنة، إلى غير ذلك.</p>
<p>فإذن ليبق اللفظ على عمومه، وهو بعمومه يشتمل على الجنة، وعلى ما قبل الجنة مما وعد الله به، لذلك، آثرت أن أبينه بالوعد الحسن : {أفَمن وعدناه وعداً حسنا فهو لاقيه  كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوْم القيامة من المحضرين}(القصص : 61) ذلك ما وعد الله به عباده إن هم آمنوا واتقوا، إن هم أحسنوا، وعدهم بأشياء كثيرة {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض}(النور : 53)، هذا وعد حسن وهو داخل في الحسنى، فلذلك الذين يُعْطُون ويتَّقون لهم الحسنى {<span style="color: #008000;"><strong>فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى</strong></span>} يعني ما وعد به الله عز وجل، كل من اعتقد وآمن جازما أنه حق وأنه كائن؛ هذا هو المعنى من هذا الصنف.</p>
<p>وأعطى على عمومه.</p>
<p>و ما أشبه الكلام في هذه السورة بالكلام في سورة الأعلى وفي سورة العلق من جهة العموم والإطلاق في الأفعال {فأما من أعطى} أعطى ماذا؟ عادة الإعطاء يكون في المال، وهو الذي يأتي إلى الذهن، وهو الذي ترجحه وترشحه السورة، ما سبق وما سيلحق منها بجعل إعطاء المال هو الراجح، لكن أعطى، تعني أعطى كل شيء مما ينبغي أن يعطي مما أمر به الله أن يعطى، واتقى في ذلك العطاء، يعني الذي أعطى واتقى مصدقا بوعد الله عز وجل، له النتيجة بعد.</p>
<p>فإذن هذا صنف، صنف المعطين المتقين المصدقين وعكسهم الصنف الآخر، صنف البخلاء، بخلوا بما آتاهم الله لأن المفروض أن ما عندنا ليس لنا؛ هو لله ونحن أيضا لله {إنا لله وإنا إليه راجعون}(البقرة : 156) نحن مملوكون لله والملك كله لله اليوم وغداً، فلا نملك شيئا، وضعُنا بالنسبة لجميع ما عندنا وضع الخليفة، وضع المستخلف {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه}(الحديد :7 ) {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم}(النور : 33) من مال الله، فلا أحد يملك شيئا نحن نملك على سبيل التجوز، والتناوب والتداول.</p>
<p>وقد نجد في استعمالات الموثقين القدماء، استعمال النُّوبَة بالمعنى الدارج اليوم، رأيتها بأم عيني فنَوْبَة تعني فترة، تداول الملكية في الحياة الدنيا، نتداولها بالبيع والشراء، ونتداولها أيضا بالوفاة فينتقل الملك أيضا من المالك إلى ورثته، وهكذا فلا شيء يبقى لا المالك تجوزاً ولا المملوك.</p>
<p>وهذا الصنف هو المقابل للصنف الأول.</p>
<p>فالناس كلهم في أعمالهم صنفان متقابلان يشبهان الأصل الكوني الكبير، الليل والنهار، الذكر والأنثى في التمايز التام.</p>
<p><strong>المرحلة الثالثة :</strong> <strong>الجزاء في الدنيا والآخرة كله تابع لنوع العمل :</strong></p>
<p>وهاهنا أيضا نقطتان كالسابق :</p>
<p>النقطة الأولى : تيسيرُ الوصول إلى الخَيْر ومنتهاه الجنة لمن سلك طريق الخير.</p>
<p>النقطة الثانية : تيسيرُ الوصول إلى الشر ومنتهاه النار لمن سلك طريق الشر.</p>
<p>هذه النتيجة يجليها قول الله عز وجل : {فأما من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى فسنُيسّره لليُسرى} {وأمّا من بَخِل واسْتغْنى وكذب بالحُسنى فسنُيَسّره للعُسْرى} يعني النتيجة الدنيوية والأخروية أيضا ولكن الدنيوية هنا أظهر.</p>
<p>إذا عمل الإنسان، اتجه في طريق الخير يسر له الله طريق الخير إلى أن يكون منتهاه الجنة؛ وإذا اتجه في طريق الشر يسر له الله الشر من باب المشاكلة يعني جعله كذلك لأن الأصل &gt;اعْملُوا فكل مُيسّر لمَا خُلق له&lt;(رواه البخاري) مادام هو يريد الشر ويجِدُُّّ في الشر فعلا يُيَسَّرُ له، لأنه هو يريد الشر وحريص على الشر فيجد كذلك الشر ميسراً إلى أن يكون منتهاه النار. يعني كأن الله يُدَلِّل عباده، فمن أراد شيئا أعطاه له، فمن أراد الدنيا أعطاها له، ومن أراد الآخرة آتاه إياها، ومن أرادهما معا استجاب المولى لطلبه، منذ بدأنا من الليل والنهار إلى أن رأينا سلوك  صنف المعطين المتقين، وصنف البخلاء المستغنين إلى أن وصلنا إلى النتيجة {فسنيسّره لليُسرى} {فسنُيسّره للعُسْرى} يعني نجعل سيره لليسرى ميسّّراً، نُيَسِّره عليه ونيسر له ما هو الأيسر في هذه الدنيا وفي الآخرة، أي نيسر له طريق الخير فيجد الخير سهلا كما قال  حين قال له معاذ بن جبل ] : &gt;أخبرني بعمل يُدخلي الجنة ويباعدني عن النّار قال لقد سألت عن عظيم ولكنه يسير على من يسره الله عليه&lt;(رواه الترمذي) هكذا الأمر، يُيَسَّرُ العبدُ للخير باتجاهه إلى الخير وسلوك طريق الخير، وأيضا يُيَسَّر له الشر إذا اتجه إلى الشر.</p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>الهدى الثاني :</strong> </span>على الله جل جلاله بيان طريق الهدى بفضله.</p>
<p>وكل من في الدنيا والآخرة في قبضته.</p>
<p>{من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها}(فصلت : 46) وهو مستفاد من آيتين هما قول الله تعالى {إن علينا للهُدى وإن لنا للآخرة والأولى}.</p>
<p>{إن علينا للهدى} الله عز وجل التزم وألزم نفسه -تفضلا منه- بهداية خلقه وبإيصال الهدى من عنده إلى خلقه حين أخبر الله عز وجل قبل خلق آدم أخبر ملائكته بأنه جاعل في الأرض خليفة، منذ أن اقتضت حكمة الله أن يكون في هذه الأرض لله خليفة، كان هناك نظام لهذه الخلافة، ميثاق لهذه الخلافة، نظام تسير عليه.</p>
<p>لكن أين يوجد هذا النظام؟ يوجد في هدى الله، {قُلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى}(البقرة : 38) الله لا يتركنا هملا، لابد من هدى، لا بد من إرشاد، لابد من نظام سير، ودليل سير للبشر في هذه الحياة بأمان واطمئنان، آمنين مطمئنين، لكي نجد هذا لابد من عون رباني وإرشاد رباني عن طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام، إما في صورة كتب تنزل على رسل، وإما في صورة رسل أو أنبياء يمثلون هدى الله عز وجل وإن كانوا بدون كتب، فهم القدوة لأنهم مهديون راشدون، وطريقتهم هي التي ينبغي أن نسير عليها {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}(الأنعام : 90) هكذا الأمر فهو عز وجل ألزم نفسه، لم يلزمه أحد، ألزم نفسه بفضله بأن يوصل الهدى إلينا، وقد هدانا واستمر هذا الهدى يتنزل منذ  آدم \ عبر مراحل طويلة في البشرية حتى وصل الأمر إلى سيدنا محمد ، وانتهى تطور نزول الهدى، وثبت الهدى في القرآن الكريم، وقيل إنه الهدى {قُل إن هدى الله هو الهدى}(البقرة : 120).</p>
<p>لم يبق هدًى من الهدى، بل هو الهدى، كما لم يبق كتاباً من الكتاب، ولكن صار هو الكتاب.</p>
<p>فالآن لا يوجد هدى الله محفوظاً بنصه  إلا في القرآن فقط، البشرية لا تملك هدى من الله عز وجل إلا في القرآن، إن اتبعته سعدت وحلت جميع مشاكلها كيفما كان نوعها، وإذا لم تتبعه ضلت وشقيت، وعاشت عيشة الضنك {فمن اتّبع هداي فلا يضلّ ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يـــوم القيامة أعمى..}(طه : 121- 122).</p>
<p>{إن علينا للهدى} علينا أن نبين لكم الطريق، ونوضح لكم طريق الهدى، ونريكم الصراط المستقيم، هاهو ذا إذا أحببت أن تصل بسلام واطمئنان وتُيَسَّر إلى اليُسرى.</p>
<p>ها هو، لكن إذا لم تتبع أيضا نبين لك، فإذا ذهبت في الصراط المعوج كذلك يبين لك ما الذي تلقاه، وما الذي يكون، هكذا الأمر فالكل يُبَيَّن {إن علينا للهدى}.</p>
<p>ولا يَظُنّنَّ ظانّ بعد ذلك أن نترككم كما نقول اليوم، خارج دائرة نفوذنا. كلا ثم كلا  أنتم هنا في الدنيا، وأنتم هناك بعد، في الآخرة في قبضتنا {إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى}.</p>
<p>أنتم في القبضة لا سبيل لأن يحدث غير ما رُتِّب، فمن اتبع نَعِمَ وسعد بنعمة الاتباع، ومن لم يتبع فما ضَرّ إلا نفسه.</p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>الهدى الثالث :</strong> </span>المصير الأخير بالنسبة للبشرية مصيران :</p>
<p>مصير الأشقياء وهم الذين كذبوا بالحق ولم يعملوا به وهؤلاء {ليس لهم في الآخرة إلا النّار}(هود : 16) التي تَتّقد اتقاداً.</p>
<p>ومصير الأتقياء وهم الذين صدقوا فأنفقوا تزكية لنفوسهم ورغبة في مرضاة ربهم، وهؤلاء مبعدون من النار، منعمون برضوان ربهم، وغفرانه.</p>
<p>هذا الذي نجد فيما تبقى من السورة.</p>
<p>{<span style="color: #008000;"><strong>فأنذرتكم ناراً تلظى</strong></span>}.</p>
<p>يعني بعد أن بين الوضع العام ثم بين الطريقين وما ينتهيان إليه من يسرى وعسرى، بعد ذلك جاء بالإنذار الكامل، {فأنذرتكم ناراً تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، وسيجنبها الأتقى الذي يوتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تُجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى}.</p>
<p>الذي هو في البؤرة في الآيات ليس هو الجنة، بل هو النار، النار التي تتقد اتقاداً.</p>
<p>واللظى في العربية هو اللهب الخالص، الذي لا تشوبه شائبة، لظَتِ النار وتلَظَّت مبالغة في اللظى {فأنذرتكم ناراً تلظى} لهبها يشتد اشتدادا ويتقد اتقادا، أنذرتكم هذه النار التي لن يصلاها ولن يشوى بها إلا الأشقى، وعَرَّفَ من هو الأشقى.</p>
<p>ثم قال في الأتقى &gt;وسيجنبها الأتقى&lt;، لم يذكر أن الأتقى سيدخل الجنة ولكن {من زحزح عن النار وأدخل الجنّة فقد فاز}(آل عمران : 185) وفي الأخير إشارة إلى أن الأتقى سوف يرضي ربه بالجزاء الأوفى {ولسوف يرضى}.</p>
<p>هذان المصيران : مصير الأشقياء ومصير الأتقياء  معا ذُكِرا في قمة التعاكس.</p>
<p>لم يذكر مصير الشقي بل مصير الأشقى ولم يذكر مصير التقي بل مصير الأتقى، كل ذلك لإبراز هذا التمايز الكامل، وهذا التعاكس المطلق، وهذا الانفصال التام. وهذه نقطة مهمة في السورة. لأن السورة كما قلت في المقدمة خطان، من البداية إلى النهاية، خط مظلم وخط مضيء، خط الخير وخط الشر خط النار في النهاية وخط الجنة والرضوان، ولا يختلطان أبداً.</p>
<p>فكأن الله عز وجل هنا في هذه السورة الكريمة، يزيل أيَّ لَبْس يمكن أن يحلم به من يعصي الله عز وجل، ويرفض دينه، أيَّ لَبْس يمكن أن يَرِد على ذهنه، أو شبهة مِن مثل قول القائل {ولئن رددتُ إلى ربّي لأجدن خيراً منهما منقلبا}(الكهف : 36).</p>
<p>لا بد أن البداية تحدد النهاية، وخط المسير يحدد المصير، خطان منفصلان من البداية إلى النهاية.</p>
<p>ذكر الأشقى في الصورة المثلى للشقاء، في قمة الشقاء، لذلك عُرِّف بكذب وتولى، هذا الأشقى الذي كذب وتولى، كذب بالحق، كذب بما جاء به رسول الله ، كذب بالدين، لم يصدق أن هذا حق، لم يؤمن به، ثم تولى أيضا، وأعرض من الناحية العملية، فلم يعمل بشيء من ذلك.</p>
<p>هذا الأشقى هو المرشح لهذا النوع من النار، بعض العلماء ألح على أن هذه النارهي نار خاصة، طراز خاص من النار، ولذلك ذكرت منكرة، وذكرت موصوفة بصفة معينة، هي التي يصلاها الأشقى، فكأنما دون الأشقى يصلى ناراً أخف من هذه {فأنذرتكم ناراً تلظى لا يصلاها إلا الأشقى}.</p>
<p>وفي المقابل لم يقل الأسعد، وسيجنبها الأسعد، بل قال وسيجنبها الأتقى من باب التنبيه على الشرط الذي يحصل به المراد، السعادة طريقها التقوى، إذا لم تكن التقوى فمستحيل أن تكون السعادة لأن شرع الله عزو جل ضمن لمتبعه أن يحييه الحياة الطيبة ويدخله الجنة ويكرمه برضوان الله.</p>
<p>النظام العام الذي يرسمه الشرع  : كيف تكون حالة القلب؟ كيف تكون حالة الحواس؟ كيف تكون العلاقات؟ كيف تقضى الحاجات؟ كيف نفكر؟ كيف نعبر؟ كيف ندبر؟ كل ذلك إذا كان وفق الشرع فإن الله عز وجل الذي يعلم السر وأخفى والذي يعلم الغيْبَ والشهادة رتب الأمر بطريقة إذا صرنا وفقها نظفر بالنتائج الطيبة ولو لم نعلم كيف تم ذلك؟ لكن نحن موقنون بأنه إذا طبقنا هدى الله فستكون النتيجة في الدنيا والآخرة، وفق ما أخبر الله. والسبب هو أن علم الله محيط وحكمته عالية ورحمته لا حد لها، فالله أرحم بنا منا وأعلم بنا منا، وأحكم في تدبيرنا منا.. إلى  غير ذلك، فإذن التقوى سر السعادة في الدارين {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحْتسِب}(الطلاق : 6- 7) {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا}(الأنفال : 29) {اتقوا الله وآمنوا برسوله يوتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به}(الحديد : 28) {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض}(الأعراف : 96) التقوى هي السر، وهي الزر الذي إذا ضُغط عليه انفتحت أسرار الكون للمتقين، فهذا هو الطريق فأين السالك؟!</p>
<p>لكن هاهنا نقطة لابد من الوقوف عندها وهي تعريف الأتقى.</p>
<p>الأشقى قال فيه الله تعالى : {<span style="color: #008000;"><strong>الذي كذب وتولى</strong></span>} لكن ماذا قال في الأتقى؟</p>
<p>قال معرفا له : {الذي يوتي ماله} ما قال الذي يُصَلِّي!! ولا قال الذي يصوم!! ولا قال الذي يحج!! ولا قال الذي يذكر الله كثيراً!! قال : {<span style="color: #008000;"><strong>الذي يوتي ماله يتزكى</strong></span>} يوتي ماله، لا يُؤْتَى إليه لإعطاء المال وإنما هو الذي يؤتي.</p>
<p>هذه نقطة وقفت عندها مَلِيّاً فوجدت أن الزكاة دائما إيتاء الزكاة، إكراما لحق الله وللضعفاء لأن هذا حق، وهو حق الله في المال، حق الله يؤدَّى، صاحب المال هو الذي يحمل ذلك الحق ليوصله إلى من يستحقه، لا العكس، لا أن يأتي الضعيف والمسكين والفقير إلى صاحب المال ليطلب منه ذلك، كلا، صاحب المال هو الذي يؤتي ماله.</p>
<p>وهذا التعبير  مطرد في كتاب الله عز وجل.</p>
<p>ثم الذي يؤتي ماله، لأي شيء يؤتي ماله؟ هل ليظهَر؟ ويشتهر؟ وليكثر أتباعه؟ كلا إ نما الأتقى الذي يؤتى ماله ليتزكى، يحاول أن يكون زكيا أي طاهراً، يتطهر، بفعل الخيرات، يتزكى، فعل مطاوع، زكى غيره، وتزكى.</p>
<p>هذا من جهة ومن جهة أخرى {<span style="color: #008000;"><strong>وما لأحد عنده من نعمة تُجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى</strong></span>} ليس له أي قصد آخر إلا وجه الله تعالى وإلا الله جل جلاله، يعني أنه مخلص في إنفاقه كل الإخلاص لله تعالى، لا يريد من أي عبد كائناً ما كان هذا العبد، جزاءً ولا شكوراً، يفعل الفعل ولا يقصد إلا رضوان الله تعالى، إلا وجه الله سبحانه وتعالى : {<span style="color: #008000;"><strong>وما لأحد عنده من نعمة تُجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى</strong></span>} هذا هو الأتقى، فما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل.</p>
<p>ومن الأمارات الدالةعلى وجود هذه الصفة أن العبد لا يتأتر بالمخلوق فما يفعله من خير لا يراعي فيه أي مخلوق، ولا يرجو من أحد منةً، وكونه لا يرجو من أحد شيئا فهو بالفعل قد حصل له جزاء الفعل، وعند الفعل حصل له جزاء الفعل، بل عند النية، والهم حصل الجزاء، أو بدأ حصول الجزاء.</p>
<p>هذه الآية -انتبهوا- بعض المفسرين ومنهم ابن كثير رحمه الله فهموها فهما غير هذا الفهم، باختصار فهموا أن هذا الأتقى لا ينفق نفقة على أحد، له عليه نعمة سابقة، فهو يؤديها، بمعنى أنه أدى جميع حقوق الخلق.</p>
<p>هذا ما فهموا، أنه أدى جميع حقوق الخلق ولم يبق له إلا أن يؤدي حقوق الله.</p>
<p>وتابعه على هذا المعنى عدد من المفسرين، منهم السعدي. ولكن الطبري  شيخ المفسرين انتصر للمعنى الذي قلته قبل قليل.</p>
<p>وأحسب أن المعنى الآخر  الذي قال به ابن كثير وغيره ليس هو المراد والله أعلم.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>خلاصة هدى السورة</strong></span></h2>
<p>وقد صغته هذه المرة بطريقة مغايرة:</p>
<p><span style="color: #000000;"><strong>الخلاصة الأولى :</strong> </span><span style="color: #008080;"><strong>يا أيها الناس إياكم أن تبخلوا وتستغنوا</strong></span></p>
<p>يا أيها الناس، المومنون وغير المومنين، إياكم ثم إياكم أن تبخلوا أو تستغنوا، هذه السورة عند التأمل تظهر أنها سورة الإنفاق، لأنها من أولها إلى آخرها تضع المال في البؤرة وتضع الإنفاق في البؤرة، وعليه المدار مدار السعادة العليا.</p>
<p>ومعنى هذا الكلام أنه في هذه البدايات الأولى من نزول الوحي وقد قُرِئَتِ المعاني الكبرى وكليات الدّين الكبرى مما أرشدت إليه  سورة العلق، وطُبق ما طبق وبدأت الدعوة وبدأ الإنذار، بدأت الحاجة تظهر إلى المال، فبدأ المال يُلَحُّ عليه، يلح على إنفاقه، هذا من جهة الربط بالواقع الذي كان في السيرة، ومن جهة التسلسل العام في السير والتدرج في السير تصبح حاجة الفقراء والمساكين وحاجة المحتاجين في بؤرة الاهتمام، في هذا الدّين.</p>
<p>و(السورة القادمة ستلح على هذا أيضا، سورة الفجر {كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين}) أي من أن أوائل ما ينبغي العناية به، سَد حاجة المساكين والفقراء وذلك لا يكون إلا بدفع ذوي اليسار وغير ذوي اليسار وكل من آمن بالله عز وجل إلى الإنفاق في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله عز وجل.</p>
<p>إنفاق كم؟ زكاة؟! لا. خُمُس؟! لا. إنه الإنفاق مطلقا.</p>
<p>في البدايات كان الأمر بالإنفاق بدون تقدير، الإنفاق بلا حد، ولا حصر.</p>
<p>يا أيها الناس إياكم أن تبخلوا وتستغنوا.</p>
<p>هذا للناس جميعا ولكن ضمن الناس المؤمنون، إياكم أن تبخلوا، واعلموا أنه لا تجتمع الدعوة والبخل.</p>
<p>الدعوة تقتضي الكرم، &gt;يا أيها الناس افشوا السلام وأطعموا الطعام وصِلُوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام&lt;(رواه ابن ماجة).</p>
<p>فالكرم! الكرم! أطعموا الطعام! أطعموا الطعام! وفي المثل الدارج : &gt;الصْلاَة عْبَادَة، والصْيَامْ جْلاَدَةَ وَسِِيدٍي وَسِيدْكْ يُعْرف فِي هَذَا&lt; أي في إنفاق المال. فحذار حذار من البخل.</p>
<p>وبصفة عامة فالأمة المنفقة هي الناجحة، والإنسان الذي لا يبخل هو الناجح {ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون} الشح قمة البخل فالذي لا يبخل يعبد الطريق إلى السيادة، لأن البخيل معرض لأن يُعْطًى، والكريم دائما في موقع الـمُعطي، الكريم في موقع المعطي والبخيل في وضع الـمُعْطَى له ولو كان غنيا، أو  من أغنى الناس، واليد العليا خير من اليد السفلى لأنها هي المنفقة، لنأخذ مثلا من الواقع الدولي المعاصر، ولْتكن الولايات المتحدة هذه الدولة لها اليد العليا على أغلب الشعوب بأسباب كثيرة منها الإنفاق! فكم تعطي من الملايير لدول كثيرة، وكم تساعد من الدول تعطيها الملايير وتساعدها بالملايير، فتكون النتيجة أنها تشتري هذه الدول.</p>
<p>لهذا كانت صفة البخل مما يجعل الإنسان لا يطلب السيادة ولا يحافظ على الكرامة، فيصير ذليلا لأنه يحرص على المال ويعبد المال، {جمع فأوعى} فحذار، حذار من البخل، وحذار حذار من الاستغناء والشعور بالاستغناء الذي مرّ بنا قبل في سورة العلق {إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى}.</p>
<p>الاستغناء في حقيقته لا وجود له ولكن شبهة الاستغناء قائمة عند من رآه استغٌنَى، عند من يظن أنه استغنى عن الله فهل يستغني أحد عن الله؟! ليستغن إذن عن هوائه!! ليستغن إذن عن مائه!! ليستغن إذن عن ضوئه!! ليستغن عن صحته!!</p>
<p>كيف يُسْتغنَى عن الله!! من أين؟! وكيف؟! لا سبيل، لا سبيل، نحن به، حياة وموتاً، وقبل الموت وبعد الموت، نحن بالله.</p>
<p><span style="color: #000000;"><strong>الخلاصة الثانية :</strong> </span><span style="color: #008080;"><strong>يا أيها الذين آمنوا أنفقوا&#8230;واتقوا</strong></span></p>
<p>وهي مأخوذة من قوله تعالى : {فأما من أعطى واتقى}.</p>
<p>ذكر الله الإنفاق وقدمه على التقوى مع أن الإنفاق بعض التقوى، ولكن الله تعالى أبرزه حينما ذكره أولا. لذلك أشرت قبل إلى أن هذه السورة سورة الإنفاق، لأن الإنفاق يتخللها من أولها إلى آخرها وهو المقدم في أولها وفي آخرها فلم يقل الحق سبحانه فأما من اتقى وأعطى وإنما قال {فأما من أعطى واتقى} فإذن الإعطاء معناه هنا : الإنفاق، وذلك يعني أن الإيمان يبدأ بدفع المؤمنين للمجاهدة بالمال قبل الأنفس {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم}(الأنفال : 72).</p>
<p>إذن المرحلةُ الأولى مرحلةُ المال، لا حديث الآن عن النفس، الحديث عن المال حيث بدأ دفع المسلم إلى العطاء وتحريضه على العطاء،  لأن هذا الحث على العطاء هو الذي سيدفع المؤمن إلى الدرجات العلى ليصبح إيجابيا في الحياة، وبذلك سيجتهد المسلم في طلب الرزق، والرزق الحسن أساسا، وسيكدح، وسيجدُّ ليحصل على المال، المال الحلال وسيبذل كل ما في وسعه  للحصول على المال من أجل البَذْل لأنه إذا لم يكن له مال ماذا يعطي؟</p>
<p>وإذن لابد للإعطاء من الاجتهاد في تحصيل المال وكسبه. شريطة أن لا يسكن القلب.</p>
<p>وعموما في البداية كان الحث على الإنفاق مطلقا في جميع الاتجاهات كالإنفاق على الضعيف، وعلى المسكين، وعلى الفقير وعلى اليتيم كما سنرى بعد {فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة}(البلد : 11- 15).</p>
<p>بمعني أنه في حال وجود الأوضاع المزرية بالناس على المؤمن أن يتدخل من أجل تحسين أوضاع البشر، وأوضاع الحيوانات وأوضاع الكائنات فالمسلم مثال للإحسان بالضعفاء مثله مثل تلك المرأة التي رأت كلبا يلهث في الصحراء فأخذت حذاءها، فنزلت إلى البئر وأخذت به الماء فسقت الكلب، فشكر الله لها صنيعها فغفر لها.</p>
<p>هذا المفهوم للرحمة بالمعنى الشامل هو بعض تجليات {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(الأنبياء : 107).</p>
<p>والمسلم نفسه رحمة للعالمين كرسول الله  وعلى قدر اتباعه لرسول الله  تكون رحمته، بمعنى أن الرحمة تصدر من المسلم صدور الضوء من الشمس، وصدور الماء من النبع، رحمة ليس لها حِمْية، وليس لها حدود، رحمة شاملة تتجه في كل اتجاه، وتعم كل من احتاج إلى أن يُرْحم، مسلما كان أو غير مسلم، إنسانا كان أو حيوانا مادام محتاجاً إلى الرحمة فيرحم &gt;ومن لا يرْحم لا يُرحم&lt;.</p>
<p>فـيا أيها الذين آمنوا أنفقواواتقوا الله عز وجل.</p>
<p><span style="color: #000000;"><strong>الخلاصة الثالثة والأخيرة :</strong></span> <span style="color: #008080;"><strong>يا أيها المنفقون الذين آمنوا وأنفقوا عليكم أن تُخلصوا.</strong></span></p>
<p>أخلِصُوا، ثم أخلصوا، لا يكفي أن تنفقوا، بل أخلصوا ثم أخلصوا في الإنفاق، فقد يضيع كل ما أنفقتم، لابد من أن ننفق بشرط ألا نريد إلا وجه الله عز وجل. ولا ينبغي أن يشوب إنفاقنا شائبة شرك أو شائبة شهوة أو شائبة هوى.</p>
<p>أنفق لأن الله عز وجل طلب منك أن تنفق، وأحَبّ منك أن تنفق، ويرضى عنك إذا أنفقت، أنفق ابتغاء وجهه، وأنفق ابتغاء مرضاته فقط.</p>
<p>هذا الإنفاق، وإن قل، فإن الله يبارك فيه بركة خاصة من عنده ويكون له أثر كبير في الدنيا، وفي تزكية النفس. وأثر كبير في الحياة. لا يحتاج المسلم إلى عمل كثير بقدر ما يحتاج إلى عمل متقبَّل عند الله عز وجل &gt;إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المُرسلين&#8230;.&lt;(رواه مسلم) وهذا الطيبة لا يمكن أن تكون إلا بشرطين :</p>
<p>الأول : لابد أن يكون ذلك الذي ننفق خالصاً لوجه الله.</p>
<p>والثاني : لابد أن يكون حلالا.</p>
<p>ننفق من الحلال، وننفق ابتغاء وجه الله تعالى.</p>
<p>هذه النقطة إذن، نقطة الإخلاص لله في إنفاق المال هي نقطةٌ جوهرية تتصدى لها هذه السورة تصديا كاملا ولا تعالجها عند ذوي اليسار فقط، كلا ثم كلا وإنما تجعل كل مسلم مطالبا بأن ينفق مما عنده كما قال الله عز وجل في آية أخرى وفي مناسبة أخرى {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله}(الطلاق : 7) فالإنفاق شامل لذي السعة ولمن قُدر عليه رزقه {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} بمعنى أنه لابد أن ينفق.</p>
<p>ولا يُتَصَوَّرُ مسلم لا ينفق.</p>
<p>هذه نقطة جوهرية جداً.</p>
<p>لا يتصور مسلم يفقه القرآن ويفقه الشريعة ولا ينفق. لا يمكن ذلك مهما قل ماله، كما في الحديث : &gt;لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يغدو أحسبه قال إلى الجبل فيحتطب فيأكل ويتصدق خير له من أن يسأل الناس&lt;(رواه البخاري).</p>
<p>فالسؤال حرام وممنوع في حق المسلم، انظر إلى الوضع الاجتماعي كيف انتكس؟! وكيف صارت حال المسلمين؟!</p>
<p>فعندما نقول المسلم، نقول : المسلم ينفق تلقائيا، نقول المسلم كاسب، المسلم يحرص على الكسب وهو ضد الكسل ومع الكدح، والمسلم يجتهد في طلب الرزق بكل الأسباب، وهذا يعني أن المسلم يبذل كل جهده لتحصيل الكسب وحين يحصل على الكسب ينفق منه في سبيل الله، هذا الإنفاق هو مبدأ أو خط أساسي في شخصية المسلم، ولاسيما في البدايات، وسيستمر هذا الأمر، في البدايات ولا يكون متجها إلى الأغنياء، ولا متجها إلى النِّصاب، بل المسلم الأول أُمِرَ بأن يكون منفقا معطيا بصفته مسلماً.</p>
<p>هذا شيء مهم جداً لابد أن نذوقه، ونحاول أن نكونه.</p>
<p>اللهم اجمع في هذه الأمة بين العلم والمال، اللهم اجمع في هذه الأمة بين العلم النافع والمال الصالح، وجعلنا الله وإياكم من الصادقين ومع الصادقين آمين والحمد لله رب العالمين.</p>
<h4><span style="text-decoration: underline; color: #ff0000;"><em><strong>د. الشاهد البوشيخي</strong></em></span></h4>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2007/07/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%8a%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
