<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; د. مصطفى فوضيل</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%af-%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%81%d9%89-%d9%81%d9%88%d8%b6%d9%8a%d9%84/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>القرآن الكريم وشروط السلامة في السير</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2018/07/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d9%88%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b1/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2018/07/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d9%88%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b1/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 26 Jul 2018 09:26:15 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 492]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[السير إلى الله]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></category>
		<category><![CDATA[شروط السلامة في السير]]></category>
		<category><![CDATA[صلاحية الطريق]]></category>
		<category><![CDATA[وضوح الرؤية]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=22599</guid>
		<description><![CDATA[من المعلوم أن السير في طريق ما، وخاصة على جهة السفر، يستدعي ويستلزم شروطا، وذلك حتى يصل إلى المكان الذي يقصده بسلام وأمان. وقد تبلورت هذه الشروط في زماننا في شكل قانون يضبط حركة السيارات والطائرات والبواخر وغيرها من وسائل النقل. ثم إن هناك شروطا أخرى لها علاقة بنوع الطريق من حيث صلاحيتها أو عدمها، [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>من المعلوم أن السير في طريق ما، وخاصة على جهة السفر، يستدعي ويستلزم شروطا، وذلك حتى يصل إلى المكان الذي يقصده بسلام وأمان.</p>
<p>وقد تبلورت هذه الشروط في زماننا في شكل قانون يضبط حركة السيارات والطائرات والبواخر وغيرها من وسائل النقل. ثم إن هناك شروطا أخرى لها علاقة بنوع الطريق من حيث صلاحيتها أو عدمها، وبطبيعة الأحوال الجوية، وبحالة السائق النفسية والعقلية والبدنية، وبحالة المركوب من حيث قوته وسلامته التقنية، وأن أي خلل يحدث في شرط من هذه الشروط يجعل السائر معرضا للأخطار بمقدار الخلل الواقع وخطره.</p>
<p>والإنسان في جانبه المعنوي الذي به تميز عن سائر المخلوقات مسافر في مجمل حياته وإن لم يركب سيارة ولا طائرة ولا غيرها يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (الانشقاق: 6) فهو في سفر كامل يتضمن ذهابا وإيابا، وله بداية كما أن له نهاية.</p>
<p>عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: &#8220;أخذ رسول الله  بمنكبي فقال «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك&#8221;(1).</p>
<p>قيل: عابر السبيل هو المار على الطريق طالبا وطنه في الدنيا، كعبد أرسله سيده في حاجة إلى غير بلده فشأنه أن يبادر بفعل ما أرسل فيه ثم يعود إلى وطنه، ولا يتعلق بشيء مما هو فيه (2).</p>
<p>وقيل: المراد أن ينزل المؤمن نفسه في الدنيا منزل الغريب فلا يتعلق قلبه بشيء من بلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، ويجعل إقامته في الدنيا ليقضي حاجته وجهازه للرجوع إلى وطنه. وهذا شأن الغريب، أو يكون كالمسافر لا يستقر في مكان بعينه، بل هو دائم السير إلى بلد الإقامة(3).</p>
<p>وهكذا يظهر من حديث الرسول الكريم  التنبيه على حقيقة الدنيا وأنها سير وسفر!! ومما يؤكد بقوة لافتة للانتباه العديدُ من الآيات في القرآن الكريم التي استعملت فيها ألفاظ تدل على معنى السير فمن ذلك لفظ الرجوع:</p>
<p>كما في قوله تعالى: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله (البقرة: 281) و قوله تعالى: الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (الروم 11).</p>
<p>ولفظ القلب: كما في قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير(العنكبوت: 21) قال الإمام الراغب: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْض قيل حث على السياحة في الأرض بالجسم. وقيل حث على إجالة الفكر ومراعاة أحواله، كما روي في الخبر أنه قيل في وصف الأولياء: أبدانهم في الأرض سائرة وقلوبهم في الملكوت جائلة. ومنهم من حمل ذلك على الجد في العبادة للتوصل بها إلى الثواب. وعلى ذلك حُمل قوله : «سافروا تغنموا»(4).</p>
<p>ومن الألفاظ الواردة في هذا السياق أيضا لفظ الصراط المستقيم، كما في قوله تعالى: وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ(الأنعام: 153).</p>
<p>وللسير أو السفر إلى الآخرة خصائص تميزه عن السير المألوف منها:</p>
<p>1 &#8211; أنه سير بغير اختيار، فلا يختار الإنسان هل يسير أو لا يسير، فهو سائر لا محالة، لكنه إما سائر على هدى فهو في سلامة، أو سائر على ضلال فهو مشرف على الهلاك.</p>
<p>2 &#8211; أنه سير ليس له مسافة محددة معلومة عند السائر لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً(الأعراف: 187).</p>
<p>3 &#8211; أنه سير في غاية الأهمية وذلك لأنه سير نحو الخلود.</p>
<p>4 &#8211; أنه سير متواصل لا توقف فيه..!!</p>
<p>ولما كان هذا السفر الخاص أهم بكثير من السفر المألوف الذي يكون بين مدينة ومدينة أو بين دولة ودولة، فهو يستلزم –بالأولى والأحرى– شروطا ضرورية لا يمكن أن تتحقق السلامة الكاملة بدونها.</p>
<p>وسنحاول أن نقف في هذه المناسبة على بعض هذه الشروط المذكورة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه . ويمكن تصنيفها إلى شروط موضوعية وشروط ذاتية: أما الأولى فلها علاقة بما يحيط بالإنسان حال السير، وأما الثانية فهي متعلقة بالإنسان ذاته.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>أولا: الشروط الموضوعية:</strong></span></h2>
<h3><span style="color: #008080;"><strong>وضوح الرؤية:</strong></span></h3>
<p>فمن المعلوم أن مما يدخل في هذا العنصر بالنسبة للسائلين أن يكون الوقت نهارا، وألا يكون فيه ضباب أو مطر أو غيره مما يعيق رؤية الطريق بوضوح بحيث يتبين له اتجاهها ومنعرجاتها وعلاماتها وحواجزها وخطوطها، وما عساه أن يكون فيها من حصى أو صخور أو دواب أو غيرها.</p>
<p>وكذلك الإنسان في سيره إلى الدار الآخرة يحتاج إلى هذا الوضوح الكامل، وهو متحقق بحمد الله تعالى فيما أنزل من الهدى.</p>
<p>فالله تعالى يقول: أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا (الأنعام: 122)، ويقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (الحديد: 28).</p>
<p>فبهذا النور الرباني تتبين حقائق الأشياء والأفكار والأشخاص، وتنكشف طريق الحياة واضحة، وذلك لأن مصدر هذا النور هو الله تعالى، فهو نور يخترق جميع أنواع الحجب مهما كانت كثافتها. وقد روى ابن ماجه عن العرباض بن سارية قال: &#8220;وعظنا رسول الله  موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»&#8230; الحديث&#8221;(5).</p>
<p>فزيادةً على أنها في حد ذاتها بيضاء نيرة، فإن ليلها كنهارها، فهما متساويان في النور، وفي هذا إيماء إلى أن السفر في النهار أسلم بكثير من السفر بالليل مهما كانت قوة الأضواء المستعملة. ومن يمارس السياقة يعلم ذلك علم اليقين!!، وهكذا يصير الليل نفسه بنور القرآن الكريم مضيئا نيرا، وهذا النور الذي يصدر من المحجة ليس أشعة مرسلة تسبب للأبصار الإزعاج أحيانا، وإنما هو نور كاشف وضّاح!! علما أن قانون السياقة ينصح بأخذ الحيطة والحذر عند السياقة في وقت شروق الشمس وغروبها إذا كانت قبالة السائق.</p>
<h3><span style="color: #008080;"><strong>صلاحية الطريق وسهولتها واختصارها:</strong></span></h3>
<p>ومن شروط السلامة أيضا استواء الطريق واستقامتها ما أمكن، فالمنعرجات وخاصة الضيقة منها، تستدعي الحذر الشديد، وقد عبر في الشرع عن استقامة الطريق إلى الآخرة بعدة ألفاظ، منها الاستقامة نفسها، ففي سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم، وفي سورة مريم على لسان إبراهيم يعظ أباه: فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (مريم: 43)، وفي سورة طه فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (طه: 135).</p>
<p>وبالاستقامة والاستواء يتوفر الوقت الكثير لأن أقرب خط بين نقطتين هو الخط المستقيم، وعُبِّر عن صلاحية هذه الطريق وأفضليتها بلفظ السبيل أيضا، والسبيل هو الطريق الذي فيه سهولة، وبلفظ المحجة وهي جادة الطريق.</p>
<h3><span style="color: #008080;"><strong>العلامات:</strong></span></h3>
<p>تعتبر العلامات التي تكون على الطريق من أهم الوسائل التي تعين المسافر على مواصلة سيره في أمان؛ فمنها ما ينبه على المنعرجات، ومنها ما ينبه على أماكن منع التجاوز، ومنها ما يشير إلى وجود قنطرة أو طريق ضيق، ومنها ما يوجب الوقوف المؤقت، ومنها ما يحذر السائق من الحيوانات التي قد تفاجئه وهي تمر في الطريق، إلى غير ذلك من العلامات المهمة.</p>
<p>فكذلك الإنسان في سيره إلى الدار الآخرة يحتاج إلى علامات تعينه على الوصول إلى الحق، وتنبهه على المخاطر والمهالك. وقد عبر عن هذه العلامات في القرآن الكريم بلفظ الآيات. والآية كما قال الإمام الراغب الأصفهاني: &#8220;هي العلامة الظاهرة، وحقيقته: لكل شيء ظاهرٌ هو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره، فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته؛ إذ كان حكمهما سواء، وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات، فمن علم ملازمة العلَم للطريق المَنْهَج ثم وَجَد العَلَم عَلِم أنه وجد الطريق، وكذلك إذا علم شيئا مصنوعا علم أنه لابد له من صانع، واشتقاق الآية إما من أَيٍّ فإنها هي التي تبين أيا من أي، والصحيح أنها مشتقة من التأيي الذي هو التثبت والإقامة على الشيء&#8221;(6).</p>
<p>ومن عظيم فضل الله تعالى ورحمته أن جعل هذه العلامات من الكثرة بحيث لا يبقى مجال للشك والارتياب أو الالتباس، كما أنه جعلها على صنفين: صنف يتلى، وصنف يرى:</p>
<p>أما الصنف الأول فيتمثل في آيات القرآن الكريم، وأما الصنف الثاني فيتمثل في الآيات التي بثها الله تعالى في هذا الكون الفسيح. وقد بلغت هذه الآيات جميعا من الصنفين الغاية في الوضوح والإبانة، فهي آيات بينة فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ (الأنعام: 157)، ومبينات وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ (النور: 34)، ومفصلة قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون (الأنعام: 97)، ومصرفة انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (الأنعام: 65).</p>
<p>ثم إن ما أَنزل الله تعالى من آيات القرآن الكريم يستوعب كل ما يهم الإنسان، وينبهه على المصالح والمفاسد سواء على مستوى التصورات أم على مستوى التصرفات.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>ثانيا: الشروط الذاتية: وخلاصتها استقامة السائر:</strong></span></h2>
<p>يلاحظ الجمع بين استقامة الماشي واستقامة الطريق في قوله تعالى: أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (الملك: 22)، إن مثل الأول في عالم السياقة كمثل رجل مسافر مستهين بسائر العلامات معرض عنها غير ملتفت إليها، ولم يقف عند هذا الحد، بل ألصق وجهه بالمقود ولم يعد يرى من الطريق شيئا، إن أي أحد يرى هذا الشخص لن يتردد في اعتباره مسلوب العقل والحواس، ولذلك جاء عقيب هذه الآية قوله تعالى: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُون (الملك: 23).</p>
<p>وهذه الحواس ضرورية جدا في السياقة، فالسمع يتيح الانتباه إلى المنبه الصوتي للسيارات، وإلى صفارة الشرطي وغيرها، وأما البصر فلا غنى عنه ألبتة في السياقة، وأما الفؤاد فإنما قيل له فؤاد لأنه اعتبر فيه معنى التفؤد أي التوقد، فالإنسان وهو مسافر يقود سيارته يكون في حاجة شديدة إلى حضور قوته المفكرة وإلى يقظة متوقدة.</p>
<p>وهكذا الإنسان في سيره إلى الدار الآخرة يحتاج إلى الاستماع بل إلى الإنصات: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون (الأعراف: 204)، ويحتاج أيضا إلى إبصار: قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا (الأنعام: 104) قال الطاهر بن عاشور: &#8220;وبصائر جمع بصيرة، والبصيرة: العقل الّذي تظهر به المعاني والحقائق، كما أنّ البصر إدراك العين الّذي تتجلّى به الأجسام، وأطلقت البصائر على ما هو سبب فيها. وإسناد المجيء إلى البصائر استعارة للحصول في عقولهم، شُبّه بمجيء شيء كان غائباً، تنويهاً بشأن ما حصل عندهم بأنّه كالشّيء الغائب المتوقَّع مجيئه&#8221;(7).</p>
<p>ومن ثمرات هذا الكلام التنبيه على أثر آيات القرآن الكريم في القدرة العقلية للإنسان، وذلك أن اندماجه بنورها ينبه العقل ويحضره ويقوي بصيرته ويزيد في مداها، فتنكشف له حقائق الأشياء، ويستثمر مآلاتها وعواقبها إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (ق: 37)، ولذلك نفى الله تعالى العقل عمن لم ينتفع بالقرآن إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (الأنفال: 22).</p>
<p>إن القرآن الكريم بما احتواه من نظم إيمانية واجتماعية واقتصادية وسياسية وتربوية وغيرها يهدف إلى إقامة حياة الإنسان على هيئة من الاستواء، وبهذا نفهم عمق دلالة العدل الذي أمر الله تعالى به في قوله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ (النحل: 90).</p>
<p>والعدل لفظ يقتضي معنى المساواة، وقد أخرج الإمام البخاري وغيره عن ابن مسعود أن هذه الآية أجمع آية للخير والشر، فقد جمعت أصول الشريعة في الأمر بثلاثة والنهي عن ثلاثة&#8230; وألف الشيخ عز الدين بن عبد السلام كتابا سماه الشجرة بيّن فيه أن هذه الآية اشتملت على جميع الأحكام الشرعية في سائر الأبواب الفقهية.</p>
<p>وهكذا نخلص من تلك النصوص إلى شروط متكاملة تحقق السير السليم الموصل إلى الهدف الأعظم الذي هو رضوان الله تعالى في دار القرار بأمان وسلام.</p>
<p>وقد عرضت على الإنسان بغاية الوضوح ليتحمل مسؤوليته كاملة وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (الأنعام: 152).</p>
<p>والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.</p>
<h4><span style="text-decoration: underline; color: #ff0000;"><em><strong>د. مصطفى فوضيل</strong></em></span></h4>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8211;</p>
<p>1 &#8211; أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب قول النبي  كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل.</p>
<p>2 &#8211; فتح الباري لابن حجر11/ 238.</p>
<p>3 &#8211; نفسه.</p>
<p>4 &#8211; مفردات القرآن للراغب/ قلب.</p>
<p>5 &#8211; أخرجه ابن ماجه في المقدمة باب باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين.</p>
<p>6 &#8211; مفردات القرآن للراغب/ أي.</p>
<p>7 &#8211; (التحرير والتنوير 5/ 67).</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2018/07/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d9%88%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مفهوم &#8220;التنمية&#8221; في ضوء القرآن الكريم والحديث الشريف 2</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2014/03/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d9%88%d8%a7/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2014/03/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d9%88%d8%a7/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 03 Mar 2014 14:44:26 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الحديث الشريف و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 415]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[التنمية]]></category>
		<category><![CDATA[التنمية البشرية]]></category>
		<category><![CDATA[الحديث الشريف]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></category>
		<category><![CDATA[ضوء القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم "التنمية"]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=12081</guid>
		<description><![CDATA[في الحلقة السابقة تناول الكاتب مفهوم التنمية في التعريفات السائدة وبين ما فيها من إيجابيات وما فيها من سلبيات، وفي هذا الجزء يواصل تقديم مفهوم التنمية البشرية وأسسه في التصور الإسلامي من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية 1- أن الإنسان محور في عملية التنمية؛ وهذا الاعتبار تابع لمحورية الإنسان في الكون عموما وخصوصيته من بين [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>في الحلقة السابقة تناول الكاتب مفهوم التنمية في التعريفات السائدة وبين ما فيها من إيجابيات وما فيها من سلبيات، وفي هذا الجزء يواصل تقديم مفهوم التنمية البشرية وأسسه في التصور الإسلامي من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية</p>
<p><strong><span style="color: #ff00ff;"> 1- أن الإنسان محور في عملية التنمية؛</span></strong> وهذا الاعتبار تابع لمحورية الإنسان في الكون عموما وخصوصيته من بين سائر المخلوقات، قال الله تعالى {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق} (العلق : 2 -1)، وقال الله تعالى: {الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان} (الرحمن 4 -1)، وقال الله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء&#8230;}(البقرة 22 -21). وهذا الضابط المهم يستلزم أن تكون كل مشاريع التنمية تصب في المصالح الحقيقية للإنسان أي عموم الإنسان، وليس في المصالح المتوهمة، أو المصالح الخاصة للجشعين. ومعلوم أن الشريعة قد حددت المصالح ووضعت لها ضوابط أخلاقية وتشريعية ضمن الكليات الخمس المعروفة: وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال. ولا شك أن من شأن هذه الضوابط أن تقي الإنسان كثيرا من مفاسد التنمية كما هي سائدة في التفكير الغربي، كالنمط الاستهلاكي الذي أدخل العباد في دوامة لا تقف. فهذا من جهة، ومن جهة أخرى فنحن حين نقول بكون الإنسان محور التنمية، فنحن نقصد أن كثيرا من الجهد في التربية والتعليم والتكوين ينبغي أن ينصب في تكوين جيل من الموارد البشرية الأقوياء الأمناء الذين يستطيعون الإسهام بأفكارهم وجهودهم في تحريك التنمية في الاتجاه الصحيح النافع. {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم&#8230;} (يوسف 55)، {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} (البقرة 151) القوة والأمانة والحفظ والعلم وغيرها من أخلاق الإسلام العظيمة ومبادئه المتينة هي العناصر الأساسية في التنمية البشرية أولا ثم في التنمية الشاملة بصفة عامة.</p>
<p><strong><span style="color: #ff00ff;">2- أن الإنسان مستخلف في هذا الكون مستأمن عليه:</span></strong> {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها&#8230;} (الأعراف 56). ويتأسس على ذلك أن التصرف في هذه المخلوقات ينبغي أن يكون وفقا لمقاصد الهدى المنزل. قال الله تعالى {قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض&#8230;} (الفرقان 6)؛ وأن التصرف في غياب تلك المقاصد والضوابط هو تصرف شيطاني مفسد لفطرة الخلق، {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله..}(النساء : 119) ومعنى هذا أن مشاريع التنمية ينبغي أن تراعي كل حقوق هذه المخلوقات، وهي ما يعبر عنها بالبيئة، أي كل ما يحيط بالإنسان من أشياء وأحياء في البر والبحر والجو. وها هي المنظمات الدولية تصرخ وتنادي وتحذر من الدمار المهدد للحياة البشرية جملة إذا لم تعد النظر في مفهوم التنمية.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>3- أن مفهوم التنمية في إطار منظومة المفاهيم الإسلامية</strong></span>، ينبغي أن يعكس خصوصية الذات الحضارية للأمة، أي أن مفهوم التنمية لا ينفصل مثلا عن مفهوم الغيب وما يتصل به من المفاهيم كالتقوى والاستغفار والبركة والرزق وغيرها مما يعتبره الذين لا يفقهون مجرد مفاهيم أخلاقية لا علاقة لها بالواقع. دعك من أولئك واستمع: &#8211; {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} (فصلت : 9- 10) &#8211; {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (الأعراف : 96) &#8211; {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويعجل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا..} (نوح : 11) فما قولكم في هذا المفهوم: البركة؟ فهي بركات مودعة في الثروات مذ خلق الله الأرض، وهي بركات يفتحها الله جل جلاله متى شاء. {ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنفاقين لا يفقهون}(المنافقون : 8). والبركة كما تدل على ثبوت الخير تدل على تكاثر الشيء من ذاته وتزايده. وقد ثبت في الصحيح وَعَن أبي كبشةَ الأنماريِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ فَأَمَّا الَّذِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ فَإِنَّهُ مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ..))(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيح).</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>4- أن التنمية انطلاقا من المفهوم الغربي تكتسي طابع الاقتراح المتحكم الذي يفرض على الدول النامية تصوره الخاص لبرامج التنمية</strong></span>. ويتعارض مع مفهوم التنمية في دلالته اللغوية البحتة، فإن من طبيعة النمو أنه يكون منسجما مع البيئة التي يتم فيها ويستلزم رصيدا تاريخيا وتراكما في عدد من العناصر. يقول الدكتور محمد نصر عارف: &#8220;النماء يعني أن الشيء يزيد حالاً بعد حال من نفسه، لا بالإضافة إليه. وطبقًا لهذه الدلالات لمفهوم التنمية فإنه لا يعدّ مطابقًا للمفهوم الإنجليزي Development الذي يعني التغيير الجذري للنظام القائم واستبداله بنظام آخر أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق الأهداف وذلك وفق رؤية المخطط الاقتصادي (الخارجي غالباً) وليس وفق رؤية جماهير الشعب وثقافتها ومصالحها الوطنية بالضرورة&#8221; اهـ. إن أول شرط في التنمية كما ينبغي أن تكون، هو أن يتحقق في ذات الأمة أفرادا وجماعات، وأحزابا ومؤسسات، إرادة حقيقية للنهوض انطلاقا من رصيدنا القيمي والحضاري والتاريخي، وإن فيه حقا ويقينا لثراءً وغناء َيبهر الألباب، وتلك آثاره شاهدة. صحيح أن التنمية بهذا الشكل ليست عملية سهلة؛ بل هي عملية معقدة وتحتاج إلى جهود وجهود وأوقات وأوقات؛ ولكن الأمة مؤهلة بحمد الله تعالى لذلك فهي أمة الشهادة، الأمة الوسط. فالله تعالى يقول: {كنتم خير أمة أخرجت للناس}(آل عمران : 110)، فهي أمة لم تخرج من تلقاء نفسها، بل أُخرِجت! هكذا فعلا متعديا! والمُخرج لها هنا هو الله جل جلاله. ثم إنها ليست أمة أخرجت وحسب، بل هي خير أمة أخرجت للناس، ذلك بأنها أمة الشهادة على الناس كل الناس! {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}(البقرة : 143). فهذا هو أصل نشأة هذه الأمة: إخراجٌ وجعلٌ وخيريةٌ وشهادةٌ على الناس!! وإن الله تعالى لا يترك هذه الأمة وحدها بل يرعاها كما تقتضي حكمته وقدرته جل جلاله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا)).</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. مصطفى فوضيل</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2014/03/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d9%88%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مفهوم &#8220;التنمية&#8221;: توضيح وتنقيح 1 في ضوء القرآن الكريم والحديث الشريف</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2014/02/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%88%d8%b6%d9%8a%d8%ad-%d9%88%d8%aa%d9%86%d9%82%d9%8a%d8%ad-1-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%82/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2014/02/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%88%d8%b6%d9%8a%d8%ad-%d9%88%d8%aa%d9%86%d9%82%d9%8a%d8%ad-1-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%82/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 17 Feb 2014 13:27:46 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 414]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[développement]]></category>
		<category><![CDATA[التنمية]]></category>
		<category><![CDATA[الحديث الشريف]]></category>
		<category><![CDATA[توضيح وتنقيح]]></category>
		<category><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></category>
		<category><![CDATA[ضوء القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[مصطلح التنمية]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم "التنمية"]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=12134</guid>
		<description><![CDATA[مصطلح التنمية مصطلح حديث. وهو من المصطلحات الوافدة على الأمة، وأصله المترجم عنه هو: &#8221; développement&#8221;. ولا شك أن الأمة مدعوة للتساؤل عن أي وافد، من أجل التحقق من هويته. ولا يعني ذلك أبدا موقف الرفض من البداية. لأن المقصود هو التحقق من السلامة والنفع، فلا بأس حينئذ من الاستعمال، أو التحقق من الضرر فلابد [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>مصطلح التنمية مصطلح حديث. وهو من المصطلحات الوافدة على الأمة، وأصله المترجم عنه هو: &#8221; développement&#8221;. ولا شك أن الأمة مدعوة للتساؤل عن أي وافد، من أجل التحقق من هويته. ولا يعني ذلك أبدا موقف الرفض من البداية. لأن المقصود هو التحقق من السلامة والنفع، فلا بأس حينئذ من الاستعمال، أو التحقق من الضرر فلابد من المعالجة.<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>أولا- مفهوم التنمية في أصل نشأته :</strong></span> ولعل الأنسب أن نعرض لمفهوم المصطلح كما هو في أصل نشأته. ثم ننظر إليه في ضوء منظموتنا المفهومية التي ترتكز أساسا على الوحي. ذهب الدكتور عبد الله جاد إلى أن &#8220;مفهوم التنمية ظهر استجابة لظروف معينة بعد الحرب العالمية الثانية لاجتذاب الدول النامية كما أطلق عليها وقتها وللفت انتباهها عن الإغراء الشيوعي على حين قدمت المنظومة الاشتراكية مفهوم التقدم كمناظر لمفهوم التنمية&#8221; اهـ. ويعتبر د. محمد نصر عارف أن مفهوم التنمية برز بداية في علم الاقتصاد حيث استُخدم للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغييرات الجذرية في مجتمع معين؛ بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده..؛ عن طريق الترشيد المستمر لاستغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وحسن توزيع عائد ذلك الاستغلال. ثم انتقل مفهوم التنمية إلى حقل السياسة منذ ستينيات القرن العشرين؛ حيث ظهر كحقل منفرد يهتم بتطوير البلدان غير الأوربية تجاه الديمقراطية. وتُعَرَّف التـنمية السياسية: &#8220;بأنها عملية تغيير اجتماعي متعدد الجوانب، غايته الوصول إلى مستوى الدول الصناعية&#8221;، ويقصد بمستوى الدولة الصناعية إيجاد نظم تعددية على شاكلة النظم الأوربية تحقق النمو الاقتصادي والمشاركة الانتخابية والمنافسة السياسية، وترسخ مفاهيم الوطنية والسيادة والولاء للدولة القومية. ثم تطور مفهوم التنمية ليرتبط بالعديد من الحقول المعرفية. فأصبح هناك التنمية الثقافية التي تسعى لرفع مستوى الثقافة في المجتمع وترقية الإنسان، وكذلك التنمية الاجتماعية التي تهدف إلى تطوير التفاعلات المجتمعية بين أطراف المجتمع: الفرد، الجماعة، المؤسسات الاجتماعية المختلفة، المنظمات الأهلية. بالإضافة لذلك استحدث مفهوم التنمية البشرية الذي يهتم بدعم قدرات الفرد وقياس مستوى معيشته وتحسين أوضاعه في المجتمع&#8221;.اهـ فهذا هو المفهوم المتداول بصفة عامة لمصطلح التنمية. وسنحاول تناوله بما يبرز قيمته المفهومية وما ينبغي تقويمه به حتى ينسجم مع خصوصيتنا الحضارية:<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>ثانيا- ملاحظات :</strong></span><br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>1- فأول ما يلاحظ أن هذا المفهوم جاء في سياق تاريخي خاص</strong></span> شهد صعود الغرب وتمكنه من ثروات العالم، وهيمنته على شعوب ودول بأسرها، من خلال استعمار مباشر استمر سنوات طويلة. وقد بلغ تأثيره في تلك الدول بحيث أعاد ترتيب كل شيء فيها بما يضمن استمرار هيمنته في جميع المجالات كالتعليم والاقتصاد والسياسة والقضاء وغيرها. وعلى ذلك الأساس وضعت معايير لتقويم الدول ومدى تقدمها أو تخلفها، وعلى ذلك الأساس أيضا بدأت مقترحات مشاريع التـنمية، وظهرت معها مصطلحات منسجمة مع هذا السياق، كمصطلح الدول النامية، أو الدول في طريق النمو وغيرها. وقد سبق في التعريف قولهم: إن التنمية السياسية: &#8220;هي عملية تغيير اجتماعي متعدد الجوانب، غايته الوصول إلى مستوى الدول الصناعية&#8221;. أي أن الدول الصناعية الكبرى وضعت نفسها أنموذجا ينبغي احتذاؤه على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها. وبناء عليه فإن هذا التصور يتجاوز الرصيد التاريخي لدى الأمة المسلمة وهو غني بالتجارب والنصوص والأفكار المبدعة.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>2- أن انطلاق مفهوم التنمية من مجال الاقتصاد وامتداده</strong> </span>بعد ذلك إلى مجالات أخرى كالسياسة والثقافة والاجتماع وظهور مصطلحات أخرى بعده كالتنمية البشرية، والتـنمية الإنسانية، والتـنمية الاجتماعية والتـنمية الثقافية وغيرها، كل ذلك دال على قصور في المفهوم وأنه احتاج إلى زمن وجهود سعيا إلى مفهوم التـنمية الشاملة. ومن العجيب أن المؤرخين لمصطلح التـنمية البشرية يَنُصُّون على أنه تزامن مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948م.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>3- أن هذا المفهوم للتنمية يتمحور حول ما هو مادي في حياة الإنسان،</strong> </span>حتى وهو يمتد إلى مجالات الثقافة والاجتماع فإنه يطبعها بطابعه المادي. وهذا ليس مستغربا من فكر الغرب الذي عرف تحولات جذرية في فلسفته ونظرته إلى الوجود. وقد انتهى الغرب على اختلاف تياراته الفلسفية في العصر الحديث إلى نظرة مادية للوجود. يقول الدكتور محمد نصر عارف: &#8220;يركز مفهوم Development على البعد الدنيوي من خلال قياس النمو في المجتمعات بمؤشرات اقتصادية مادية في مجملها، حيث تقوم المجتمعات بالإنتاج الكمي، بصرف النظر عن أية غاية إنسانية، وتهتم بالنجاح التقني ولو كان مدمرًا للبيئة ولنسيج المجتمع، وتؤكد على التنظيم الاجتماعي ولو أدى إلى الاضطهاد للآخر/ الغريب&#8221;. اهـ. وهو أمر لا يمكن بحال أن ينسجم مع الرؤية الإسلامية التي ترتكز حول مفهوم الغيب والإيمان والأخلاق وغيرها من المبادئ كما سنرى.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>4- أن الهدف المعلن في تعريفهم للتنمية:</strong> </span>وهو &#8220;إكساب المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده&#8221;. هو هدف صالح واضح الصلاح. ولكن الغموض كامن في الوسيلة التي هي: &#8220;عملية إحداث مجموعة من التغييرات الجذرية في مجتمع معين&#8221;. فما مضمون هذه التغييرات وبناء على أية رؤية يتم التغيير، ومن الذي سيمارس هذا التغيير، وهل هو تغيير يتم باستقلال من الذات أم أنه خاضع لعدد من تأثيرات الآخر. فهذا أهم ما أمكنني تسجيله على مفهوم التنمية كما هو في قاموسهم. وغرضي بعد هذا أن ننظر في هذا المفهوم مستلهما من النصوص الشرعية ما يقوم اعوجاجه أو ينبه على بعض محاسنه.<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>ثالثا- مقارنات :</strong> </span>فلا شك أن تحديد الهدف في &#8220;إكساب المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده&#8221;. هو هدف لا يمكن رفضه؛ وذلك لأنه يحقق مصلحتين كبيرتين:<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>1- الوصول بالمجتمع إلى مستوى القدرة على التطور الذاتي المستمر.</strong></span><br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>2- العناية بتحسين نوعية الحياة لكل أفراد المجتمع</strong></span>. وإن نظرة مقارنة إلى البعثة النبوية مع ما قبلها وخصوصا بعد الهجرة إلى المدينة المنورة تكشف عن إرادة واضحة في الارتقاء بالمجتمع، فإن من أهم ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته أن آخى بين المهاجرين والأنصار، ورتب على تلك المؤاخاة حقوقا. استوعبها المهاجرون بتلقائية. روى البخاري أن عبد الرحمَنِ بن عَوفٍ قدِمَ المدينَةَ، فآخَى النبي صلى الله عليه وسلم بينَهُ وبينَ سعدِ بنِ الرَّبيعِ الأنْصاريِّ فعرَضَ عليهِ أنْ يُناصِفَهُ أهلَهُ ومالَهُ، فقال: عبدُ الرحمَنِ بارَكَ اللَّهُ لك في أهلِكَ ومالكَ دُلَّني علَى السُّوقِ، فرَبِحَ شَي<br />
ئًا من أَقِطٍ وسَمْنٍ، فرآهُ النبي صلى الله عليه وسلم بعدَ أيامٍ وعليهِ وضَرٌ من صُفْرَةٍ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : (مَهيَم يا عبدَ الرحمَنِ). قال: يا رسولَ اللهِ، تزوجتُ امرأةً من الأنصارِ، قال: (فما سُقْتَ فيها). فقال: وزنَ نَواةٍ من ذهبٍ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : (أولِم ولو بشاةٍ)&#8221;. فهذا مظهر من مظاهر هذا المجتمع الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفجر فيه طاقاته الأخلاقية والإبداعية، وغرس فيه روح المبادرة والجرأة في اقتحام الحياة.<br />
ونقف هاهنا أمام هذا الحدث لنستخلص منه ما يلي:<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>1- أن ذلك المجتمع تحقق فيه قدر كبير من التوازن الخلقي والنفسي؛</strong> </span>وبذلك تتهيأ البيئة الصالحة لحياة الأخلاق واستمرارها. فأنت تلاحظ أن خلق الجود المتحقق في سعد بن الربيع رضي الله عنه، قابله خلق العفة في عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. وقد أدى به هذا الخلق الذي تسنده همة عالية إلى البحث عن حل مستقل كان هو السوق. وهكذا تعيش الأخلاق في المجتمع ويظهر تأثيرها في الحياة.<br />
<strong><span style="color: #ff00ff;">2- أن الخلق يكون سببا ليس فقط في معالجة الفقر والأزمة،</span> </strong>بل يكون سببا في إيجاد قوة منتجة فاعلة في المجتمع. وبعد هذه الملحوظة العامة عن مفهوم التنمية في جانبه الإيجابي وما للإسلام فيه من اهتمام مباشر وحضور قوي واضح. ننتقل إلى رصد أهم العناصر الداخلة في مفهوم التنمية انطلاقا من الرؤية الإسلامية، وهذا ما سنتطرق إليه في العدد القادم بحول الله تعالى.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. مصطفى فوضيل</strong></em></span><br />
-يتبع-</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2014/02/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%88%d8%b6%d9%8a%d8%ad-%d9%88%d8%aa%d9%86%d9%82%d9%8a%d8%ad-1-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مع كتاب الله عز وجل &#8211; العلم بالله أولاً:الثمرة الأولى للغيث الأول</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2013/12/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d8%b2-%d9%88%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%a3%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%8b%d8%a7/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2013/12/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d8%b2-%d9%88%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%a3%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%8b%d8%a7/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 04 Dec 2013 09:04:09 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 409]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[الثمرة الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[العلم بالله أولاً]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></category>
		<category><![CDATA[رسالة نبينا محمد]]></category>
		<category><![CDATA[عهد العلم]]></category>
		<category><![CDATA[للغيث الأول]]></category>
		<category><![CDATA[مع كتاب الله عز وجل]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=12363</guid>
		<description><![CDATA[تعيش الأمة المسلمة اليوم مرحلة تاريخية حرجة جدا، وربما تكون أحرج مرحلة في تاريخها على الإطلاق؛ فلقد بلغ بها الضعف مبلغه، وانهارت عزائهما، وتناثرت آراؤها، فتداولتها المخاطرُ من كل صوب، وتداعى عليها الأكلة من كل جانب، فأحاطوا بها وأقبلوا عليها بالنهب والنهش؛ فغَدَت جراحها غائرة متمادية، وتوالى النزيف دفاقا منذرا بالفناء، وفي خضم هذا الهول [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>تعيش الأمة المسلمة اليوم مرحلة تاريخية حرجة جدا، وربما تكون أحرج مرحلة في تاريخها على الإطلاق؛ فلقد بلغ بها الضعف مبلغه، وانهارت عزائهما، وتناثرت آراؤها، فتداولتها المخاطرُ من كل صوب، وتداعى عليها الأكلة من كل جانب، فأحاطوا بها وأقبلوا عليها بالنهب والنهش؛ فغَدَت جراحها غائرة متمادية، وتوالى النزيف دفاقا منذرا بالفناء، وفي خضم هذا الهول المروع قام الدعاة والمصلحون يُحذِّرون ويُنذِرُون، وينادون الناس إلى سفينة النجاة، فبُحَّت حناجرهم من شدة النداء والصراخ، وتقطعت أكبادهم حزَنا على شدة الغفلة في أبناء الأمة وعمقها وسعة انتشارها فيهم شبابا وشيبا، رجالا ونساء، رؤوسا وأتباعا. فجزى الله تعالى أولئك الأبرار الذي شَرُفوا بوراثة خير الوظائف من خيار الخلق وهم الأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام. لقد بدأ صنع ذلك النبي الأمي الكريم بالوحي، في غار حراء على يد جبريل عليه السلام، بعد أن غطه حتى بلغ منه الجَهْد، وفعل به ذلك ثلاثا حتى يُخْلِيَه من أي شيء يشغله عن التلقي الخالص التامّ، وحتى يَشُدَّ انتباهَه إلى ما يُلقَى إليه. حتى إذا فَرَغ الملَكُ الكريم من الإلقاء رسخت الآيات الطيبات في قلبه، ((فرجع بهن يرجف فؤاده)) كما تقول بنت الصديق أم المؤمنين رضي الله عنها في حديث بدء الوحي(1). وكان ذلك حدا فاصلا بين مرحلتين كبيرتين في حياته صلى الله عليه وسلم : {وكذلك أوحينا إليك روحا من امرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}(الشورى : 52). وكان أيضا للبشرية جمعاء حدا فارقا بين عهد الجاهلية والضلال وعهد العلم والإسلام.</p>
<p>وقد ذكر الله تعالى في عدة مواضع من القرآن أن هذا الكتاب جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وكفى بهذه نعمة ومنفعة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. إن الأمة اليوم -في ظل هيمنة الكفر، وطغيان الهوى، وغلبة الفساد، وانتشار الجهل، وغربة العلم والإيمان- تحتاج أشد ما تحتاج إلى من يمد إليها حبل النجاة، ويمدها بمفتاح الخروج من الظلمات إلى النور، ومن الغمة إلى السرور. ولا يتصور ذلك إلا بهذا الكتاب المشتمل على العلم الحق، والهداية الشاملة، والحل الكافي، والدواء الشافي، والخير الكثير، والنفع العميم. قال الله عز وجل: {الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد}(إبراهيم : 1). وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِه))(2). وبذلك استقر عند الأمة أن أمرها مؤسس على العلم؛ يقول محمد بن سيرين: ((إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ))(3). إن القرآن الكريم هو العلم ومصدر العلم وخزان العلوم؛ ذلك بأنه كلام الله، النازل بعلم الله، {فَإِن لمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ انتُمْ مُسْلِمُونَ}(هود : 224). ولا شك أن أشرف العلم هو العلم بالله عز وجل، ولذلك بدأ الله تعالى به في أول ما أنزل من القرآن. فقال عز من قائل: {اقرأ بسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم}(العلق : 1- 5).</p>
<p>ويمكن تقسيم الكلام في تأمل هذه الحقيقة العظيمة من خلال تلك الآيات الكريمة كما يلي:<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>1- أن الأمر في هذه المرحلة من الوحي لم يتجه إلى جهة التكليف</strong></span> بأي صورة من صوره العملية التطبيقية كالصلاة مثلا في مجال العبادات، وكالإشهاد في مجال المعاملات، وكجلد الزاني في مجال الحدود. وإنما اتجه الأمر إلى جهة التعرُّف والتعريف، وجاءت الآيات منبهة على أن السبيل المباشر إلى التعرُّف هو القراءة، ثم أكدت ذلك بأن قدمت أول نص مقروء متمحض للتعريف بالله عز وجل.<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>2- أن الأعمال والتكاليف إنما تكون حقيقتها في الواقع</strong></span> بحسب ما يحمله الإنسان القائم بها في كيانه الداخلي. وخلاصة هذا المحمول هو ما عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((&#8230;ألا وإن في الجسدِ مُضغَةً، إذا صلَحَتْ صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ &#8230;))(4).<br />
فالقلب هو موطن العلم وموطن النية وموطن الإرادة وموطن العزيمة، وموطن القدرة، أي هو مخزن الطاقة الدافعة للجسد كله تبعا للمجالات التي يتحرك ضمنها في الخارج. وهذا يعني أن أي إشكال في ما يُرَى من الأعمال إنما مرجعه إلى ما لا يُرَى من الأحوال. ولمَّا كان العلمُ هو من أشرف ما يختص به القلب، وكان أشرف العلم ما تعلق بالله عز وجل، فلا شك أنه كان هو الأولى بأن يكون به البدء والافتتاح.<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>3- أن تخصيص هذا المخلوق الذي هو الإنسان بالعلم والتعليم،</strong></span> بعد ذكر مجمل الخلق: {..الذي خلق، خلق الإنسان&#8230; علَّم الإنسان..}، يدل على أن العلم هو من أهم ما يميز هذا المخلوق عن غيره من المخلوقات. غير أن العلم الذي يرقى بهذا المخلوق إلى أعلى المراتب إنما هو العلم الأعلى النازل من رفيع الدرجات ذي العرش جل جلاله، وذلك في حال كونه نصا، أو هو الموصول بذلك العلم في حال كونه استنباطا وفهما وفكرا. ومن هنا يمكننا أن ندرك بعض السر في تقديم تعليم القرآن على خلق الإنسان في سورة الرحمن، مع أن خلق الإنسان سابق، وذلك لتنبيه اللبيب على أن وجوده الحقيقي إنما يكون بهذا القرآن؛ فكما أن الله تعالى هيأ له الكون المنظور قبل خلقه لتتم له أسباب المعاش، كذلك وضع له الكتاب المقروء قبل إيجاده لتتم له الهداية إلى أحسن المناهج، كما قال عز وجل: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}(الإسراء : 9). وفي هذا المقام يقول الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى: &#8220;ابْتَدَأَ بتعليم القرآن، ثم بخلق الإنسان، ثم بتعليم البيان، ولم يُدخِل الواوَ فيما بينها. وكان الوجه على متعارف الناس أن يقول: خلق الإنسان، وعلمه البيان، وعلمه القرآن. فإن إيجاد الإنسان بحسب نظرنا مقدم على تعليمه البيان، وتعليم البيان مقدم على تعليم القرآن، ولكن لما لم يُعَدَّ الإنسانُ إنساناً ما لم يتخصص بالقرآن، ابتدأ بالقرآن، ثم قال: {خلق الإنسان} تنبيها على أن البيان الحقيقي المختص بالإنسان يحصل بعد معرفة القرآن. فنبه -بهذا الترتيب المخصوص، وترك حرف العطف منه، وجعل كل جملة بدلا مما قبلها لا عطفا- على أن الإنسان ما لم يكن عارفا برسوم العبادة ومتخصصا بها لا يكون إنسانا، وأن كلامه ما لم يكن على مقتضى الشرع لا يكون بيانا&#8221;(5).<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>4- أنه لما كانت طبيعة رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم</strong> </span>عالمية في توجهها، مستوعبة -بِشِرْعَتِها ومنهاجها- للزمان والمكان والإنسان إلى قيام الساعة، فلا شك أن البدء بالتعريف بالرّبِّ عز وجل يعني أن تلك الرسالة جاءت لترد جميع العباد إلى خالقهم بعد أن اجتالتهم الشياطين عن دينهم وفطرتهم وحنيفيتهم. فقوله تعالى: {ربك الذي خلق} يفيد أن أي مخلوق فالله تعالى هو ربُّه لأنه هو الذي خلقه، فهو ربُّ محمدٍّ صلى الله عليه وسلم وربُّ كل مخلوق. ثم نُصَّ على خلق الإنسان تنبيها على قيمته بين سائر المخلوقات وأنه كيفما كان شكله أو جنسه أو مكانه أو زمانه أو لونه أو لسانه مطالب بملاحظة ذلك الموقع المتميز في ساحة المخلوقات، ومعنى ذلك أنه هو الأولى بالشعور بعلاقة الربوبية التي تربطه بالله عز وجل. فهو مربوب له بما أنعم عليه من نعمة الخلق أولاً، ثم بما أفاض عليه من النعم التي لا تحصى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق؟، أفلا تذكرون؟ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الله غفور رحيم}(النحل : 17- 18).</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د.مصطفى فوضيل</strong></em></span><br />
&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;<br />
1 &#8211; رواه البخاري وغيره<br />
2 &#8211; أخرجه البخاري في كتاب العلم.<br />
3- رواه عنه مسلم في المقدمة، باب بيان أن الإسناد من الدين..؛ والدارمي في المقدمة، باب في الحديث عن الثقات. والعلم هنا كما ترى يقصد به علم الحديث، ولكن قول ابن سيرين يصح في كل علوم الشرع.<br />
4 &#8211; رواه البخاري.<br />
5 &#8211; تفصيل النشأتين ص 150- 151.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2013/12/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d8%b2-%d9%88%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%a3%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%8b%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>قصص القرآن الكريم : دروس وعبر  قصة آدم \ (1)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2011/01/%d9%82%d8%b5%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d8%af%d8%b1%d9%88%d8%b3-%d9%88%d8%b9%d8%a8%d8%b1-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d8%a2%d8%af%d9%85-1/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2011/01/%d9%82%d8%b5%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d8%af%d8%b1%d9%88%d8%b3-%d9%88%d8%b9%d8%a8%d8%b1-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d8%a2%d8%af%d9%85-1/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 17 Jan 2011 11:05:47 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 351]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[اعتناء الله تعالى بخلق آدم]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></category>
		<category><![CDATA[دروس وعبر قصة آدم]]></category>
		<category><![CDATA[ذكر آدم عليه السلام]]></category>
		<category><![CDATA[قصص القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[لتنبيه على قدرة الله]]></category>
		<category><![CDATA[مادة الخلق مرة بالتراب]]></category>
		<category><![CDATA[مرة بالطين]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15077</guid>
		<description><![CDATA[ورد ذكر آدم عليه السلام في القرآن الكريم، في عدة مواضع. وقد عُبِّر عنه في مواضع باسمه &#8220;آدم&#8221;، وكُنّي عنه بألفاظ أخرى كالبشر والإنسان في مواضع أخرى. وفيما يلي تفصيل أخباره وما يستفاد منها انطلاقا مما ورد عنه في كتاب الله عز وجل: أولا: خلقُ آدم عليه السلام: 1- خلقه من تراب: وعُبِّرَ عن مادة [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>ورد ذكر آدم عليه السلام في القرآن الكريم، في عدة مواضع. وقد عُبِّر عنه في مواضع باسمه &#8220;آدم&#8221;، وكُنّي عنه بألفاظ أخرى كالبشر والإنسان في مواضع أخرى.</p>
<p>وفيما يلي تفصيل أخباره وما يستفاد منها انطلاقا مما ورد عنه في كتاب الله عز وجل:</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>أولا: خلقُ آدم عليه السلام:</strong></span></p>
<p>1- خلقه من تراب: وعُبِّرَ عن مادة الخلق مرة بالتراب ومرة بالطين ومرة بالصلصال ومرة بالحمأ المسنون.</p>
<p>قال الله تعالى : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (آل عمران 59).</p>
<p>وقال تعالى: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمُ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ انْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ &#8230;}(فاطر 11).</p>
<p>وقال عز وجل: {وَمِن آيَاتِهِ أَنْخَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ}(الروم 20)</p>
<p>وقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}(غافر 67).</p>
<p>وقال الله تعالى {&#8230;إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ}(ص 71).</p>
<p>وقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ&#8230;}(الأنعام 2).</p>
<p>وقال الله عز وجل حكاية عن إبليس: {قَالَ آسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا}(الإسراء 61).</p>
<p>وقال سبحانه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}(الحجر 28).</p>
<p>قال تعالى: {خَلَقَ الانْسَانَ مِنْصَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ}(الرحمن:14).</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong> العــبــــر:</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>1-  التنبيه على قدرة الله تعالى وجلاله وجماله وكماله:</strong></span></p>
<p>يستفاد ذلك من ذكر لفظ الآيات في قوله عز وجل: {وَمِن آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ}(الروم 20) ومن مظاهر تجلي الآيات هنا:</p>
<p>أ- خلق إنسان حيٍّ متحرك سامع ناظر ناطق عاقل&#8230;، من تراب أي من مادة جامدة هينة. وقد جعل بذلك خلقا خاصا متميزا عن غيره من المخلوقات قبله، سواء من حيث طبيعته أو صورته أو وظيفته. وهذا وغيره يدل على القدرة الخلاّقة لله عز وجل كما قال تعالى {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالارْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِتُرْجَعُونَ}(يس : 83).</p>
<p>وإن الإنسان اليوم وهو ينظر إلى نفسه بمنظار العلوم والتقنيات ليقف أمام نفسه مندهشا من هذا الخلق العجيب، ويكتشف فيه -وهو الجرم الصغير- أكوانا وعوالم فسيحة غامضة مهولة. ومن عجيب ما قرأت &#8220;أن مجموع طول الشرايين الدموية يبلغ 120 ألف كم (أي يبلغ هذا الطول ما يكفي للدوران حول محيط الكرة الأرضية ثلاث مرات)، بينما يبلغ مجموع طول الأعصاب عندي 780.000 كم، وهذا الطول يبلغ ضعف المسافة بين الأرض والقمر. و000.400 كم من هذا الطول هو مجموع طول الأعصاب المنتشرة في أجزاء الجسم. أما الباقي (أي 000.368 كم) فهو مجموع الأعصاب العائدة إلى المركز العصبي. ويقرب عدد المعلومات الواصلة من خلية واحدة مائتي ألف معلومة. وهذا يعني أن مئات الآلاف بل الملايين من المعلومات تمر من داخل خليتي من المركز إلى المحيط، ومن المحيط إلى المركز. وأنا أملك ثلاثين مليار خلية؛ عشرة مليارات منها في محيط القشرة، وعشرة مليارات تقريبا منها في قشرة المخيخ، أما الباقي فيشكل أجزائي الأخرى. ومن أجل الإيضاح أقول: يملك دماغ البعوض مائة ألف خلية، ودماغ الفأر عشرة ملايين خلية. ولكي يتم تبادل المعلومات بين خلاياي البالغة ثلاثين مليار خلية هناك نقاط اشتباكات عصبية يبلغ عددها مائة تريليون نقطة. أما عدد المخابرات والاتصالات التي يمكن لهذه الاشتباكات العصبية إجراؤها مع بعضها البعض فيزيد على عدد ذرات الكون&#8221;. (الجهاز العصبي يتكلم/ د. عرفان يلماز/ مجلة حراء العدد 16). وما نقلته هنا ما هو إلا جزء قليل من عجائب الخلق في الإنسان.</p>
<p>ب- جعله بهيئة دافعة إلى التناسل الذاتي والتكاثر المستمر إلى أن تقوم الساعة&#8230; كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء}(النساء : 1) وقال تعالى {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ}(الأنعام : 98).</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>2- التنبيه على اعتناء الله تعالى بخلق آدم:</strong></span></p>
<p>وذلك واضح في إسناد الفعل إليه عز وجل بأنه سوَّاه وصوَّره: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ&#8230;.}(ص : 71)</p>
<p>وفي قوله جل جلاله: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ &#8230;}(طه : : 12).</p>
<p>ثم إنه جل جلاله -فوق كل ذلك- نفخ فيه من روحه: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}(ص 71) وإنه لتشريف وأي تشريف!!</p>
<p>ثم انْتَبِهْ إلى عبارة {خلقت بيدي} في قوله عز وجل: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}(ص : 68-76). يقول سيد قطب: &#8220;ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي؟ واللّه خالق كل شيء. فلابد أن تكون هناك خصوصية في خلق هذا الإنسان تستحق هذا التنويه. هي خصوصية العناية الربانية بهذا الكائن وإيداعه نفخة من روح اللّه دلالة على هذه العناية&#8221;. (الظلال)</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>3- تقرير أن الإنسان -بسبب طبيعته المكونة من قبضة الطين ونفخة الروح- تتنازعه قوتان:</strong> </span>قوة جاذبة له إلى الأرض وما ينبت فيها وينتج عنها من المواد اللامعة اللاهية، وقوة جاذبة له إلى الأعلى.</p>
<p>وعلى المدافعة بين هاتين القوتين قام الابتلاء للإنسان {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}. ومما يدخل في الابتلاء أن الشيطان منذ البداية رفع لواء الدعوة إلى طين الأرض والخلود إليها؛ لما يعلم من أن بقاء الإنسان داخل هذا الحد، هو تكبيل له عن الانعتاق إلى الآفاق. وهذا بخلاف الأنبياء فإنهم رفعوا لواء الروح: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} ونبهوا الإنسان على أن مما يعينهم على التحرر من جاذبية الأرض الاعتصام بحبل الله النازل من السماء: {واعتصموا بحبل الله جميعا&#8230;}، {إليه يصعد الكلم الطيب}، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}. وروى مسلم عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم</p>
<p>يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ: &#8220;إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً&#8221;.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>4- التنبيه على أن أصل الإنسان ينبغي أن يكون دافعا له إلى التواضع لله عز وجل:</strong></span></p>
<p>وذلك واضح في التعبير عن مادة الخلق وأوصافها بألفاظ لا يسع الإنسان معها إلا التواضع: &#8220;التراب، الصلصال، الحمأ، المسنون..&#8221; يقول الشيخ ابن عاشور في تفسيره: &#8220;الصلصال: الطين الذي يترك حتى ييبس فإذا يبس فهو صلصال وهو شبه الفخار؛ إلا أن الفخار هو ما يبس بالطبخ بالنار&#8230; والحمأ: الطين إذا اسودّ وكرهت رائحته. وقوله: {حَمَأٍ} صفة لـ {صَلْصَالٍ}. و{مَسْنُونٍ} صفة لـ {حَمَأٍ} أو لـ {صَلْصَالٍ}. وإذا كان الصلصال من الحمأ فصفة أحدهما صفة للآخر. والمسنون: الذي طالت مدة مكثه&#8221;.</p>
<p>فهذا من حيث الأصل، وأما من حيث المصير فقد قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}(طه : 55) ولذلك قال الرجل في سورة الكهف لصاحبه وهو يحاوره: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً}(الكهف : 37)، مع أنه كان يكفيه تذكيره بخلقه من نطفة، لكنه تجاوزه إلى أصله الأول زيادة في التنبيه على ما يستوجب الشكر والتواضع لله عز وجل.</p>
<p>ومن شأن كل هذا أن يجعل الإنسان العاقل -وهو ينظر خلفه فلا يرى إلا التراب وينظر أمامه فلا يرى إلا التراب- أن يبحث عن شيء يرتفع به عن سطوة هذا التراب؛ والحق أنه ليس له إلا  ملجأ واحد هو السجود على هذا التراب، لرب التراب، فإنه السبيل الوحيد إلى المعراج والارتفاع والارتقاء، {فاسجد واقترب} وأخرج مسلم عن أبي هريرة عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ &#8220;&#8230;وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ&#8221;.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>&gt; د. مصطفى فوضيل</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2011/01/%d9%82%d8%b5%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d8%af%d8%b1%d9%88%d8%b3-%d9%88%d8%b9%d8%a8%d8%b1-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d8%a2%d8%af%d9%85-1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>قصص القرآن الكريم أخـبـار وعـبـر</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2011/01/%d9%82%d8%b5%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d8%a3%d8%ae%d9%80%d8%a8%d9%80%d8%a7%d8%b1-%d9%88%d8%b9%d9%80%d8%a8%d9%80%d8%b1/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2011/01/%d9%82%d8%b5%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d8%a3%d8%ae%d9%80%d8%a8%d9%80%d8%a7%d8%b1-%d9%88%d8%b9%d9%80%d8%a8%d9%80%d8%b1/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 03 Jan 2011 12:47:25 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 350]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[أخـبـار وعـبـر]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[تربية المسلمين وتعليمهم]]></category>
		<category><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></category>
		<category><![CDATA[قصص]]></category>
		<category><![CDATA[قصص القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[قصص القرآن الكريم أخـبـار وعـبـر]]></category>
		<category><![CDATA[وصف القصص القرآني]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15263</guid>
		<description><![CDATA[يشكل القصص من مجموع القرآن الكريم حيزا مهما، وذلك يدل على قيمته الكبيرة في تربية المسلمين وتعليمهم وتبصيرهم بأمور دينهم ودنياهم. وهذه القيمة بارزة بيّنةٌ في قوله تعالى:{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}(يوسف 2). والتعبير بـ&#8221;الأحسن&#8221; هنا في وصف القصص القرآني الكريم، يشير إلى مسألة [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>يشكل القصص من مجموع القرآن الكريم حيزا مهما، وذلك يدل على قيمته الكبيرة في تربية المسلمين وتعليمهم وتبصيرهم بأمور دينهم ودنياهم. وهذه القيمة بارزة بيّنةٌ في قوله تعالى:{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}(يوسف 2).</p>
<p>والتعبير بـ&#8221;الأحسن&#8221; هنا في وصف القصص القرآني الكريم، يشير إلى مسألة منهجية في غاية الأهمية، نبّه عليها القرآن الكريم في عدة مواضع، وهي أن المسلم ينبغي أن يتطلع في جميع أموره إلى الأحسن. ومن أمثلته في القرآن الكريم:</p>
<p>قول الله تعالى {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلانْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا}(الإسراء : 53)</p>
<p>- وقولهتعالى {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}(النحل : 125).</p>
<p>- وقوله تعالى {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا}(النساء : 86).</p>
<p>- قال الله تعالى {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ}(المومنون : 96).</p>
<p>- وقول الله عز وجل: {وَلَا تَسْتَوِي الحسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}(فصلت :34- 35).</p>
<p>- وقوله تعالى {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(الأنعام : 152).</p>
<p>- وقوله تعالى {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}(الملك : 2).</p>
<p>ففي هذه النصوص جميعا توجيه إلى مقصد رباني هادف إلى كل ما يرتقي بالمسلم في أعلى الدرجات وإلى كل ما يقوي العلاقة الاجتماعية بين المسلم وأخيه المسلم؛ وإلى كل ما يسهم في تبليغ الهدى إلى سائر الخلق، ولا يكون ذلك إلا بتوخى الأحسن.</p>
<p>وفي تحري الأحسن تخلق بخلق من أخلاق الله عز وجل. وذلك لأن الله تعالى يقول الأحسن ويفعل الأحسن، ومن ذلك:</p>
<p>- قوله عز وجل {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}(الزمر : 23).</p>
<p>- وقوله تعالى {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}.(الإسراء : 9- 10).</p>
<p>- وقوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}(التين : 4).</p>
<p>- وقوله تعالى {فتبارك الله أحسن الخالقين}(المؤمنون : 14).</p>
<p>- وقوله تعالى {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (البقرة : 136- 138).</p>
<p>وقد كان قصص القرآن الكريم أحسن القصص نظرا لـ:</p>
<p>- الصدق في الإخبار: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الالْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُومِنُونَ }(يوسف : 111). فهو قصص مبني على الخبر اليقين؛ لأن الذي أخبر به هوالله تبارك وتعالى الذي {لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}(سبأ : 3).</p>
<p>- والاختصار المفيد: وهو مبني على القصد في الإخبار، لأنه قصص مراد للعبرة، فهو يحكي من أخبار الأنبياء والناس وغيرهم ما يفي بالجمع بين التشويق والتذكير. ثم هو بعد ذلك مصوغ بأساليب فنية تترك للذهن تصور كثير من التفاصيل في المشاهد والأحداث.</p>
<p>- والتعريف بالأنبياء عليهم السلام وهم أكرم الخلق عند الله تعالى: بذكر علومهم ومعارفهم، والإنباء عن أحوالهم وأخلاقهم الخاصة مع ربهم عز وجل وأهلهم وأولادهم وأقوامهم، والتعريف بمناهجهم في الدعوة والتبليغ والتزكية والتعليم، وغير ذلك مما يفيد الدعاة والمربين والمصلحين.</p>
<p>- وتَضَمُّنه العبرة لأولي الألباب: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}(يوسف : 111) قال الراغب رحمه الله تعالى: &#8220;الاعتبار والعبرة: الحالة التي يُتَوَصّلُ بها من معرفة المُشاهَد إلى ما ليس بمُشاهَدٍ&#8221;. وبناء على هذا المعنى فإن القصص القرآني الكريم يعرض علينا مَشاهِدَ تتضمن في ثناياها كثيرا من الفوائد والحِكَم والأحكام، التي يتحقق بها التذكر والاهتداء. ولذلك قيده بـ&#8221;أولي الألباب&#8221;؛ لأنهم هم المؤهلون بالمرور من المُشاهَد إلى ما ليس بمُشاهَدٍ.</p>
<p>- بيانُه لسنة الله في خلقه: فإن الله سبحانه وتعالى أشار في كثير من المواضع إلى هذه السنة وأنها تأكدت عبر تاريخ البشرية الطويل. يقول الشيخ ابن عاشور في قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُالْمُكَذِّبِينَ}(137). والمعنى: قد مضت من قبلكم أحوال للأمم، جارية على طريقة واحدة، هي عادة الله في الخلق، وهي أن قوة الظالمين وعتوهم على الضعفاء أمر زائل، والعاقبة للمتقين المحقين، ولذلك قال: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} أي المكذبين برسل ربهم وأريد النظر في آثارهم ليحصل منه تحقق ما بلغ من أخبارهم، أو السؤال عن أسباب هلاكهم، وكيف كانوا أولي قوة، وكيف طغوا على المستضعفين، فاستأصلهم الله لتطمئن نفوس المؤمنين بمشاهدة المخبر عنهم مشاهدة عيان، فإن للعيان بديع معنى لأن المؤمنين بلغهم أخبار المكذبين، ومن المكذبين عاد وثمود وأصحاب الأيكة وأصحاب الرس، وكلهم في بلاد العرب يستطيعون مشاهدة آثارهم، وقد شهدها كثير منهم في أسفارهم.</p>
<p>وفي الآية دلالة على أهمية علم التاريخ لأن فيه فائدة السير في الأرض، وهي معرفة أخبار الأوائل، وأسباب صلاح الأمم وفسادها. قال أبن عرفة: السير في الأرض حسي ومعنوي، والمعنوي هو النظر في كتب التاريخ بحيث يحصل للناظر العلم بأحوال الأمم، وما يقرب من العلم، وقد يحصل به من العلم ما لا يحصل بالسير في الأرض لعجز الإنسان وقصوره.</p>
<p>وإنما أمر الله بالسير في الأرض دون مطالعة الكتب لأن في المخاطبين من كانوا أميين، ولأن المشاهدة تفيد من لم يقرأ علما وتقوى علم من قرأ التاريخ أو قص عليه&#8221;(التحرير والتنوير/ تفسير سورة آل عمران الآية 137).</p>
<p>- وتأكيد عمق حقائق الإيمان في التاريخ: فكل القصص القرآني وخصوصا قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يدل على أنهم مرسلون من إله واحد سبحانه، وأنهم كلفوا بتبليغ رسالة واحدة هي الإسلام. وأنهم دَعَوا جميعا إلى عبادة الله تعالى وحده، وإلى الإيمان باليوم الآخر: يوم البعث والجزاء. كما دل تتابعهم في الزمان على إثبات حقيقة الرسالة والوحي، فصار ذلك حقيقة ثابتة عند البشرية جمعاء.</p>
<p>- وتثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم</p>
<p>: قال الله تعالى {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}(هود : 120). وفي ذلك ما فيه من الزاد للدعاة لمواجهة كل التحديات التي لن تخرج في نهايتها عن سنة الله عز وجل في خلقه، وقد استقر في عمق الحقيقة الكونية أن العاقبة للمتقين. وصار قوله تعالى {&#8230; فاصبر إن العاقبة للمتقين} شعارا خفّاقا يراه المؤمنون مهما امتدت بهم الحياة في الزمان أو في المكان.</p>
<p>وسنحاول بإذنه سبحانه عز وجل أن نعيش مع قصص القرآن الكريم، ابتداء من قصة آدم عليه السلام وختما -إن مدّ الله تعالى في العمر- بقصة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم</p>
<p>؛ فتلك سلسلة ذهبية مباركة تلخصها الآيات الكريمة:</p>
<p>{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الاخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ، لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الالْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}(يوسف : 108- 111).</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>&gt; د. مصطفى فوضيل</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2011/01/%d9%82%d8%b5%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d8%a3%d8%ae%d9%80%d8%a8%d9%80%d8%a7%d8%b1-%d9%88%d8%b9%d9%80%d8%a8%d9%80%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>من معاني &#8220;القوة&#8221; في الاسلام: امتلاك النفس عند الغضب.(2/2)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/1994/12/%d9%85%d9%86-%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%85%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81-2/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/1994/12/%d9%85%d9%86-%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%85%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81-2/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 02 Dec 1994 18:28:11 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 19]]></category>
		<category><![CDATA[تربية و تعليم]]></category>
		<category><![CDATA[الاسلام]]></category>
		<category><![CDATA[الغضب]]></category>
		<category><![CDATA[النفس]]></category>
		<category><![CDATA[امتلاك]]></category>
		<category><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></category>
		<category><![CDATA[من معاني "القوة" في]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=9799</guid>
		<description><![CDATA[5-الخطوط الحمراء! سبقت الإشارة إلى أن تنمية القوة العاقلة هي التي تساعد الإنسان على حسن التصرف إزاء الغضب المنبعث من طبيعة الإنسان الجِبِلِّيَّة، وكذلك إزاء الشخص أو الحدث المتسبب فيه من الخارج. ومن ثم نتساءل : ماهو الشيء الذي ينبغي أن يملك الإنسان نفسه عنه عند الغضب؟ وهل امتلاك النفس مطلوب في حالة الغضب الدنيوي [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<h2><span style="color: #800000;"><strong>5-الخطوط الحمراء!</strong></span></h2>
<p>سبقت الإشارة إلى أن تنمية القوة العاقلة هي التي تساعد الإنسان على حسن التصرف إزاء الغضب المنبعث من طبيعة الإنسان الجِبِلِّيَّة، وكذلك إزاء الشخص أو الحدث المتسبب فيه من الخارج. ومن ثم نتساءل :</p>
<p>ماهو الشيء الذي ينبغي أن يملك الإنسان نفسه عنه عند الغضب؟ وهل امتلاك النفس مطلوب في حالة الغضب الدنيوي دون الغضب الديني؟</p>
<p>أما السؤال الثاني فالجواب عنه وبالله التوفيق، أن من المقاصد العميقة في هذا الحديث حفظ التوازن النفسي، وذلك أن امتلاك النفس يقتضي التحكم في القوة المنفذة، ويعني أيضا القدرة على تصريف الطاقة الإنسانية حيثما يشاء صاحبها بل حيثما ينبغي تصريفها على الوجه الشرعي.</p>
<p>فإذا كان ذلك كذلك فإنه لا ينبغي أن يُفهم أن امتلاك النفس إنما هو مطلوب في حالة الغضب الدنيوي أي حين يكون لِحقِّ النفس بل هو مطلوب أيضا في حالة الغضب الديني أن حين يكون لله، فإن هذا الغضب نفسه ينبغي أن يصحبه تحكم في النفس لئلا ينحرف عن مقاصد الشرع ولئلا يركبه الشيطان فيميل به إلى جهة المفسدة. ولذلك فقد وضع العلماء قواعد وضوابط في النهي عن المنكر والأمر بالمعروف بما يحقق أهداف الإسلام في هداية الناس وإصلاح أحوالهم.</p>
<p>وهذه القواعد هي التي تساعد المسلم الذي يدعو إلى الله على التعامل مع الواقع الفاسد بمنهج متوازن ليتدرج بضحاياه في مدارج الصلاح. فلا إفراط في &#8220;العقلانية&#8221; إلى درجة تبرير الواقع والرضا به والإندماج فيه، ولا افراط في &#8220;العاطفية&#8221; إلى درجة الإستعجال وارتكاب الحماقات.</p>
<p>وأما السؤال الأول حول الشيء الذي ينبغي أن يملك الإنسان نفسه عنه عند الغضب فالجواب أن رد الفعل تجاه من تسبَّبَ في الغضب يكون بحسب قوة الغاضب وتمكنه من نفسه، وقد يتنوع التصرف المذموم في حال الضعف بين أن يكون بالصوت صراخا وعويلا، أو بالكلمة شتما وسبا أو بالحركة دفعا وضربا وقتلا..!</p>
<p>فالمقصود هو امتلاك النفس عن أن تسقط في مثل هذه الأحوال الخارجة عن حد الإعتدال.</p>
<p>وأنقل في هذا السياق نصا للإمام الغزالي من &#8220;الإحياء&#8221; 3/179 يصور فيه آثار الغضب فيقول : &gt;&#8230;.ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون وشدة الرعدة في الأطراف وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام واضطراب الحركة والكلام، حتى يظهر الزبد على الأشداق وتحمر الأحداق وتنقلب المناخر وتستحيل الخلقة، ولو رأى الغضبان -في حالة غضبه- قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته، وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره، فإن الظاهر عنوان الباطن، وإنما قبحت صورة الباطن أولا ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا، فتغير الظاهر ثمرة تغير الباطن فقس الثمرة بالثمرة فهذا أثره في الجسد.</p>
<p>وأما أثره في اللسان فالشتم والفحش من الكلام الذي يستحي منه ذو العقل ويستحي منه قائله عند فتور الغضب، وذلك مع تخبط النظم واضطراب اللفظ.</p>
<p>وأما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالاة، فإن هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسبب وعجز عن التشفي رجع الغضب على صاحبه فيمزق ثوب نفسه ويلطم نفسه، وقد يضرب بيده على الأرض ويعدو عدْو الوالِهِ السكران والمدهوش المتحير، وربما يسقط صريعا لا يطيق العدْو والنهوض بسبب شدة الغضب ويعتريه مثل الغشية، وربما يضرب الجمادات والحيوانات، فيضرب القصعة مثلا على الأرض وقد يكسر المائدة إذا غضب عليها، ويتعاطى أفعال المجانين فيشتم  البهيمة والجمادات ويخاطبها ويقول : إلى متى منك هذا يا كيت وكيت؟ كأنه يخاطب عاقلا، حتى ربما رفسته دابة فيرفس الدابة ويقابلها بذلك.</p>
<p>وأما أثره في القلب مع المغضوب عليه فالحقد والحسد وإضمار السوء والشماتة بالمساءات والحزن بالسرور والعزم على إفشاء السر وهتك الستر والإستهزاء وغير ذلك من القبائح، فهذه ثمرة الغضب المفرط&lt;</p>
<p>قال ابن حجر بعد أن نقل هذا النص مختصرا :</p>
<p>&gt;ومن تأمل هذه المفاسد عرف مقدار ما اشتملت عليه هذه الكلمة اللطيفة من قوله صلى الله عليه وسلم : &#8220;لا تغضب&#8221; من الحكمة واستجلاب المصلحة في درء المفسدة مما يتعذر إحصاؤه والوقوف على نهايته&lt; (فتح الباري : 10/520)</p>
<p>وأما عن التغيرات الفسيولوجية الداخلية فيقول د. محمد عثمان نجاتي : &gt;عندما ينفعل الإنسان تحدث في بدنه عدة تغيرات فسيولوجية هامة&#8230; فتزداد سرعة خفقان القلب كما تزداد شدته، وقد لوحظ أن سرعة النبض قد تزيد أثناء الأنفعال من 72 إلى 150 نبضة في الدقيقة، وينتج عن زيادة نبضات القلب وشدتها زيادة في كمية الدم التي يرسلها القلب إلى أجزاء البدن المختلفة وهذا يؤدي إلى ازدياد ضغط الدم.</p>
<p>ويحدث أثناء الإنفعال أيضا انقباض في الأوعية الدموية الموجودة في الأحشاء، واتساع في  الأوعية الدموية الموجودة في الجلد وفي الأطراف، ويؤدي ذلك إلى اندفاع الدم من الأحشاء إلى الأجزاء الخارجية في البدن وإلى الأطراف. ولذلك يحمر وجه الإنسان ويشعر بالحرارة تتدفق في وجهه وفي بدنه حينما يغضب&#8230; وتحدث أثناء الإنفعالات تغيرات هامة في الأحشاء، فيقل إفراز العصارة المعِدية إلى درجة كبيرة أو قد يتوقف نهائيا. وقد بينت بعض التجارب أن إفراز العصارة المعدية قد قَلَّ أثناء الانفعال بمقدار 90% تقريبا، ويحدث أيضا توقف في عملية الهضم وفي حركة الأمعاء&lt;</p>
<p>وذكر د. نجاتي تغيرات أخرى تنظر في كتابه (علم النفس في حياتنا اليومية ص :101-102)</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>6- في كيفية امتلاك النفس عند الغضب.</strong></span></h2>
<p>إن الإجابة عن هذه المسألة تقتضي بحثا مستقلا مستفيضا ينظر في الأمر من خلال منهج تربوي متكامل. وذلك أن القدرة على امتلاك النفس هي -في الحقيقة- ثمرة لمجموعة من صفات خلقية أخرى متكاملة ومتفاعلة.</p>
<p>وقد سبقت الإشارة إلى ضرورة الإعتناء بالقوة العاقلة وذكرنا من بين وسائل ذلك التهذيب بالشرع.</p>
<p>وأود أن أنبه هنا على فائدة في منهج البخاري رحمه الله، فقد روى هذا الحديث في كتاب الأدب من صحيحه ورواه أيضا في كتاب الأدب المفرد. قال ابن حجر : &gt;وكتاب &#8220;الأدب المفرد&#8221; يشتمل على أحاديث زائدة على ما في الصحيح، وفيه قليل من الآثار الموقوفة وهو كثير الفائدة&lt; (فتح الباري 10/400) وقد جمع فيه الإمام البخاري عددا من الأخلاق الأساسية في بناء الشخصية المسلمة مثل البر والصلة والرحمة وحسن الكلام والصبر والكرم وغيرها مما جمعه ابن حجر في قوله : &gt;والأدب استعمال ما يحمد قولا وفعلا&lt; (المصدر السابق) وفائدة التنبيه هاهنا أن هذه الأخلاق -زيادة على قيمتها الذاتية- تساعد كثيرا على ترويض النفس لتصبح سهلة القياد كما أنها  تساعد  على تنمية القوة العاقلة في الإنسان.</p>
<p>وقال الإمام الغزالي : &gt;علاج كل علة حسم مادتها وإزالة أسبابها&#8230; والأسباب المهيجة للغضب هي : الزهو والعجب والمزاح والهزل والهزء والتعيير والمماراة والمضادَّة والغدر وشدةُ الحرص على فضول المال والجاه وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعا، ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب، فلابد من إزالتها بأضدادها&#8230;.&lt;</p>
<p>ثم قال : &gt;ما ذكرناه هو حسم لمواد الغضب وقطع لأسبابه حتى لا يهيج، فإذا جرى سبب هيجه فعنده يجب التثبت حتى لا يضطر صاحبه إلى العمل به على الوجه المذموم، وإنما يعالج الغضب بمعجون العلم والعمل.</p>
<p>أما العلم فهو ستة أمور :</p>
<p>الأول : أن يتفكر في الأخبار التي وردت في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال فيرغب في ثوابه، فتمنعه شدة الحرص على ثواب الكظم عن التشفي وينطفئ عنه غيظه.</p>
<p>قال الله تعالى : &gt;والكاظمين الغيظ&lt; وذكر ذلك في معرض المدح، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : &gt;ما من جُرْعَةٍ أعظمُ أجراً عند الله، من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله&lt; أخرجه ابن ماجة في كتاب الزهد.</p>
<p>وأخرج فيه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : &gt;مَنْ كظم غيظاً وهو قادرٌ على أن يُنْفِذَهُ، دعاهُ الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة، حتى يُخَيِّرَهُ في أي الحور شاء&lt;</p>
<p>الثاني : أن يخوف نفسه بعقاب الله وهو أن يقول : قدرة الله عليَّ أعظم من قدرتي على هذا الإنسان&#8230;</p>
<p>الثالث : أن يحذر نفسه عاقبة العداوة والإنتقام وتشمر العدو لمقابلته والسعي في هدم أغراضه والشماتة بمصائبه، وهو لا يخلو من المصائب، فيخوف نفسه بعواقب الغضب في الدنيا إن كان لا يخاف من الآخرة.</p>
<p>الرابع : أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب بأن يتذكر صورة غيره في حالة الغضب، ويتفكر في قبح الغضب في نفسه ومشابهة صاحبه للكلب الضاري والسبع العادي، ومشابهة الحليم الهادئ التارك للغضب للأنبياء والأولياء والعلماء والحكماء، ويخير نفسه بين هذا وذلك &#8230;.</p>
<p>الخامس : أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الإنتقام ويمنعه من كظم الغيظ&#8230;..</p>
<p>السادس : أن يعلم أن غضبه من تعجبه من جريان الشيء على وفق مراد الله لا على وفق مراده&#8230;</p>
<p>وأما العمل فأن تقول بلسانك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يقال عند الغيظ &#8230;. فإن لم يزل بذلك فاجلس إن كنت قائما واضطجع إن كنت جالسا واقرب من الأرض التي منها خلقت لتعرف بذلك ذل نفسك، واطلب بالجلوس والإضطجاع السكون فإن سبب الغضب الحرارة وسبب الحرارة الحركة&#8230; وقال صلى الله عليه وسلم : &gt;إذا غضب أحدكم فليتوضأ بالماء فإن الغضب من النار&lt;</p>
<p>وقال عروة بن محمد : &gt;لما استعملت على اليمن قال لي أبي : أوليت؟ قلت : نعم، قال : فإذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك وإلى الأرض تحتك ثم عَظِّمْ خالقَهُما&lt; الإحياء 3/183 &#8211; 186 بتصرف.</p>
<h4><span style="color: #ff0000;"><strong> د. مصطفى فوضيل</strong></span></h4>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/1994/12/%d9%85%d9%86-%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%85%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81-2/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>الكلمة مسؤولية</title>
		<link>http://almahajjafes.net/1994/01/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%85%d8%b3%d8%a4%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a9/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/1994/01/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%85%d8%b3%d8%a4%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a9/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 14 Jan 1994 15:15:26 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 1]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[الاسلام]]></category>
		<category><![CDATA[الفلتات]]></category>
		<category><![CDATA[الفلتات اللسانية]]></category>
		<category><![CDATA[الكلمة]]></category>
		<category><![CDATA[اللسان]]></category>
		<category><![CDATA[المزالق]]></category>
		<category><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></category>
		<category><![CDATA[مسؤولية]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=8814</guid>
		<description><![CDATA[تمهيد : إذا تأملت في رسالة الاسلام فإنك واجد من بين أهدافها الكبرى إيقاظ العقل البشري، وتنبيهه، وذلك من أجل أن يعود إلى رشده، ويثوب إلى وعيه باستمرار فيرى نفسه والحياة من حوله على الحقيقة فيقف من ذلك موقفا جادا دافعا إلى القيام بالمسؤولية . والقرآن الكريم يزخر بالالفاظ الدالة على الوعي والانتباه كالعقل والعلم [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<h2><span style="color: #800000;"><strong>تمهيد :</strong></span></h2>
<p>إذا تأملت في رسالة الاسلام فإنك واجد من بين أهدافها الكبرى إيقاظ العقل البشري، وتنبيهه، وذلك من أجل أن يعود إلى رشده، ويثوب إلى وعيه باستمرار فيرى نفسه والحياة من حوله على الحقيقة فيقف من ذلك موقفا جادا دافعا إلى القيام بالمسؤولية .</p>
<p>والقرآن الكريم يزخر بالالفاظ الدالة على الوعي والانتباه كالعقل والعلم والفكر والتدبر والذكر والفهم وغيرها مستعملة بصيغ وأساليب متنوعة . والآيات في هذا المجال كثيرة جدا . فمن ذلك قوله تعالى : &gt;إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الالباب..&lt; (آل عمران : 190-191) وقال سبحانه يصف القرآن الكريم : &gt; وما هو إلا ذكر للعالمين &lt; ( القلم : 52 ) وقال أيضا : &gt; كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آ ياته  وليتذكر أولوا الالباب &lt; ( ص:29 ) ،إلى غير ذلك من الآيات التي تنبه على فضيلة التفكر في الكون والتدبر في القرآن حيث الشواهد والدلائل التي لاتحصى على حقيقة وجود الله تعالى وصفاته العليا وما يتفرع عنها من الحقائق . فإذا  ما تأملنا في حقيقة ذلك الوعي الذي تهدف إليه رسالة الاسلام، فإنا نجد من العمق بحيث ينتبه به الانسان إلى الفكرة الصغيرة تخطر بالبال، والكلمة الواحدة ينطق بها اللسان، والحركة البسيطة التي تصدر عن جارحة من جوارح الانسان، فهو يقف عند كل ذلك ليزنه بما يوزن به الذهب الخالص النفيس !، هي درجة رفيعة من الوعي حقا، لايمكن أن يصل إليها إلا من وفقه الله عز وجل، غير أن القرآن الكريم يعلمنا أن علوها ينبغي أن يكون دافعا إلى المسارعة إليها لا أن يكون سببا في اليأس من بلوغها . ولعل مما يبشر في هذا المقام -ويهون تكاليف السير والارتقاء- قوله تعالى : &gt; والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين &lt;( العنكبوت: 69) وقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل :&gt;إذا تقرب العبد إلي شبرا تقربت إليه ذراعا وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة&lt;</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>خطورة الفلتات اللسانية :</strong></span></h2>
<p>ونريد في هذا المقال أن نقف مع القارئ الكريم وقفة نتحدث فيها عن درجة رفيعة من الوعي الذي يهدف الاسلام إلى تحقيقه في الشخصية المسلمة وذلك من خلال هذا الحديث الشريف الذي أخرجه الامام البخاري في صحيحه ( كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان&#8230;حديث رقم:6478) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: &gt;إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم&lt;.</p>
<p>إن أول مايلاحظ في هذا الحديث أنه يركز على بيان حالة من الاحوال التي لايكاد يسلم منها أحد، وهي حالة اللامبالاة التي تصاحب كثيرا من الكلام الصادرعن الانسان، حتى ان الناس وضعوا في ذلك أمثالا، كقولهم: &gt;اللسان مافيه عظم&lt;، وهو مثل شائع عندنا، نشير به إلى شدة تفلت اللسان وعدم استقامته على وضع منضبط كما أننا نستشهد به في تبرير الكلمة الطائشة والقول الذي خلف جرحا عند السامع محاولين من خلال ذلك بيان الفرق بين القصد الدفين في القلب والمعنى الذي دل عليه الكلام المغلوط، عسانا بذلك نرمم ما انهدم من المودة في علاقاتنا الاجتماعية.</p>
<p>ولا أظن أن لهذا المثل أساسا متينا في الشرع، لانه يبرر حالة اللامبالاة التي تصبغ كثيرا من الكلام الرائج بيننا. والحديث الذي بين أيدينا يركز أساسا على بيان خطورة تلك الحالة. وذلك أن الاشارة إلى كلمة الرضوان-في الحديث-إنما جاءت عرضا وليست هي المقصودة أساسا، والسياق يدل على أن المقصود هو بيان عدل الله عز وجل في محاسبة الانسان كما يدل في نفس الوقت على موقف سلبي صادرمن الانسان الذي لايعي ما يقول. وبالنسبة لهذا المعنى الاخير فانه يظهر من خلال تكراره صلى الله عليه وسلم لقوله:&gt;لايلقي لها بالا&lt; في وصف الحالتين.</p>
<p>قال ابن حجر في شرح هذه العبارة:&gt;أي: لايتاملها بخاطره ولايتفكر في عاقبتها ولايظن أنها تؤثر شيئا، وهو من نحو قوله تعالى ( وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم)&lt;.</p>
<p>وهذا الحديث وإن كان ينص على عدم تاثير اللامبالاة في الكلمة الطيبة حيث يثبت بها الاجر، إلاأنه لاينبغي أن يفهم منه تبرير اللامبالاة، وذلك أن الغالب على الانسان نزوعه إلى الزلل إلا أن يتعهد نفسه بالتربية.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>التيقظ يقي المزالق:</strong></span></h2>
<p>إن النبي صلى الله عليه وسلم ينبه على نوعين من الكلمة. أما النوع الاول فهو وإن  كان طيبا إلا أن عدم المبالاة يحرم صاحبه من معرفة فضله وقيمته مما يعتبر دافعا إلى الاكثار منه حتى يزداد ارتفاعا في درجات الرضوان. وأما النوع الثاني فلاشك في دلالته على قبح الغفلة واللامبالاة وخطورتهما بما تسببانه من الهلكة والخسران.</p>
<p>ولذلك فقد عنون الامام البخاري الباب الذي أورد فيه هذا الحديث بقوله:&gt;باب حفظ اللسان، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، وقوله تعالى(ومايلفظ من قول إلا لديه رقيب)&lt;، إشارة منه -رحمه الله-إلى وجوب التيقظ ، وتوطين النفس على اختيار الموقف المحمود في مسألة الكلام، واصطفاء الكلمات ووزنها، والتنبه إلى ما فيها من الخير أوالشر. وقد أخرج البخاري في هذا الباب أيضا عن ابي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :&gt; إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها ، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق&lt;. فهي دعوة نبوية الى التبين. والتبين عملية تحتاج الى علم  وبصيرة واناة ، قال ابن حجر:&gt; ( ما يتبين فيها ) أي: لايتطلب معناها، أي لا يثبتها بفكره، ولايتاملها حتى يتثبت فيها فلا يقولها إلا إن ظهرت المصلحة في القول&lt;.</p>
<p>وعندما نقف امام عبارات نبوية من مثل قوله صلى الله عليه وسلم &gt;يهوي بها في النار سبعين خريفا&lt;،    &gt;يزل بها في النار ابعد مما بين المشرق&lt; مع أن هذه الكلمة&#8221; لم يلق لها بالا&#8221; و&#8221;لم ير  بها بأسا&#8221; و &#8220;ما يظن أن تبلغ ما بلغت &#8221; ، عندما نقف امام كل ذلك نستشعر خطر الكلمة، ونحن نشهد في الواقع ما يدل على ذلك ، فكم من كلمة طائشة فرقت بين المرء وزوجه ، وكم من كلمة تخرج بالشخص من دائرة المروءة وهو غيرمبال، وكم من كلمة تافهة تسببت في عداوات وضغائن&#8230;هي انواع واشكال من الجرائم والقبائح كان السبب فيها مجرد كلمة . إن الكلمة السيئة قد تسري في الناس فتحدث من الدمار مالايحدثه شيء آخر، ولا أدل على ذلك من ذلك المشهد المفزع الرهيب الذي يرسم صورة لشخص وهو يهوي بسرعة مهولة ولمدة طويلة جدا في مكان سحيق في النار. فإذا كان هذا هو حال من ينطق بالكلمة وهوغيرملق لها بالا، فكيف يكون حال من يفكر ويقدر ويتأمل وينظر ثم يرمي بالكلمة في العالم المسموع لا يعلم إلا الله عز وجل ما يمكن أن تتركه من أثر سيء في البلاد وفي العباد. إن النبي صلى الله عليه وسلم- بما أوتي من خصائص التربية الحكيمة- يريد من المسلم أن يرتقي في درجات الوعي، فينتبه إلى كل كلمة قبل أن ينطق بها، فإن كانت شرا أمسكها، وإن كانت خيرا أرسلها في الخلق هادية إلى الحق تتسرب إلى القلوب لتزهر وتنبت الخير والفلاح. وقد ذكر ابن حجر أقوالا عدة في تحديد نوع الكلمة التي هي من رضوان الله والتي هي من سخطه، وهي أقوال تتعلق بنوع خاص من الكلام مثل قول ابن عبد البر :&gt;الكلمة التي يهوي صاحبها بسببها في النار هي التي يقولها عند السلطان الجائر، وزاد ابن بطال: بالبغي أو بالسعي على المسلم فتكون سببا  لهلاكه، وإن لم يرد القائل ذلك ، لكنها ربما أدت إلى ذلك فيكتب على القائل إثمها &lt;. غير أن الامام ابن حجر نقل في الاخير عن العز بن عبد السلام قال :&gt; هي الكلمة التي لايعرف القائل حسنها من قبحها، قال : فيحرم على اللسان أن يتكلم بما لا يعرف حسنه من قبحه&lt;.</p>
<p>وهذا الذي قال العز شامل لكل أنواع الكلام وعام فيها من حيث الحسن والقبح. ويظهر أنه أقرب في الدلالة على مقاصد الحديث. ولذلك فقد ساق الامام النووي تلك الاقوال في سياق التمثيل فقال:&gt; كالكلمة عند السلطان وغيره من الولاة وكالكلمة تقذف أو معناه كالكلمة التي يترتب عليها إصرار بمسلم ونحو ذلك وهذا كله حث على حفظ اللسان كما قال صلى الله عليه وسلم  : &gt; من كان يؤمن بالله واليوم الآخرفليقل خيرا أو ليصمت&lt;. وينبغي لمن أراد النطق بكلمة أو كلام أن يتدبره في نفسه قبل نطقه فإن ظهرت مصلحته تكلم وإلا أمسك&lt;.</p>
<p>وهكذا يتبين من هذا الحديث حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إيقاظ العقل المسلم ليبقى في حالة من الوعي الدائم والانتباه المستمر، وهي حالة تنعكس نتائجها الطيبة وتظهر آثارها الحسنة على اللسان ثم بعد ذلك على سائرالجوارح .</p>
<h4><span style="color: #ff0000;"><strong>د. مصطفى فوضيل<br />
</strong></span></h4>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/1994/01/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%85%d8%b3%d8%a4%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
