<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; د. ماجد عرسان الكيلاني</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%af-%d9%85%d8%a7%d8%ac%d8%af-%d8%b9%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%8a%d9%84%d8%a7%d9%86%d9%8a/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>إخراج الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها     أهمية &#8220;الهوية&#8221; و&#8221;الجنسية&#8221; و&#8221;الثقافة&#8221; الإيمانية في العالم المعاصر  2/2  2/1</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2004/04/%d8%a5%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%85%d9%84-%d8%b5%d8%ad%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%88%d9%85%d8%b1%d8%b6-12/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2004/04/%d8%a5%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%85%d9%84-%d8%b5%d8%ad%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%88%d9%85%d8%b1%d8%b6-12/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 16 Apr 2004 13:26:56 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 211]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 212]]></category>
		<category><![CDATA[د. ماجد عرسان الكيلاني]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=23260</guid>
		<description><![CDATA[ولا بد من التأكيد على دور التربية في إخراج الأفراد المؤمنين وتنمية تطبيقات الإيمان في &#8220;الهوية&#8221; و&#8221;الجنسية&#8221; و&#8221;الثقافة&#8221;. في ضوء هذا المفهوم المؤصل للإيمان تحتاج التربية الإسلامية إلى إعادة تأصيل إخراج الأفراد المؤمنين من خلال التالي : 1- إعادة تأصيل &#8220;هوية&#8221; الإنسان، واستخراج فطرته الخيرة، والاستفادة في ذلك من مكتشفات علم النفس في آيات الأنفس [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>ولا بد من التأكيد على دور التربية في إخراج الأفراد المؤمنين وتنمية تطبيقات الإيمان في &#8220;الهوية&#8221; و&#8221;الجنسية&#8221; و&#8221;الثقافة&#8221;.</p>
<p>في ضوء هذا المفهوم المؤصل للإيمان تحتاج التربية الإسلامية إلى إعادة تأصيل إخراج الأفراد المؤمنين من خلال التالي :</p>
<p>1- إعادة تأصيل &#8220;هوية&#8221; الإنسان، واستخراج فطرته الخيرة، والاستفادة في ذلك من مكتشفات علم النفس في آيات الأنفس كما مر في صفحات سابقة.</p>
<p>2- إعادة تأصيل أساليب إخراج الفرد المؤمن، بحيث تتفاعل في نفسه آيات الوحي في الكتاب، مع آيات الله في الآفاق والأنفس في مختبرات العلم، ويتضافر القسمان لاستخراج معجزات العصر، وبذلك يولد اليقين وتتجسد صلاحية القرآن لكل زمان ومكان.</p>
<p>3- إعادة تأصيل مفهوم الإيمان ليشمل المظهر الاجتماعي للعبادة بدل حصره في المظهر الديني وحده، ولتتمركز تطبيقاته في قلب الاجتماع البشري على الأرض بدل نفيه في غيبيات خارج خلق الله، بعيدا عن رحلة الإنسان عبر الحياة والمصير.</p>
<p>4- بلورة المعادلات العملية في جميع التوجيهات الاجتماعية التي تحتوي عليها &#8220;الثقافة&#8221; الإيمانية، مع مراعاة ملاءمة هذه المعادلات لحاجات الزمان والمكان، لأن التوجيهات الإسلامية هي توجيهات عامة، تترك المجال مفتوحا لرؤية نعمة الله في العقل البشري حين يقوم الإنسان بالاجتهاد، الذي يفرز معادلات الإيمان العملية، ويحولها إلى قيم وتطبيقات سياسية وإدارية واقتصادية واجتماعية وثقافية وعسكرية، مع توفير المؤسسات والأدوات اللازمة لهذه التطبيقات، شريطة أن يكون على رأسها تحديد &#8220;هوية الإنسان و&#8221;جنسيته&#8221; و&#8221;ثقافته&#8221; و&#8221;محور ولائه&#8221; بما يتفق مع أقدار الله ـ أي قوانينه وسننه ـ في القرآن والسنة، دون إشراك لعصبيات العائلة أو العرق أو اللون أو الإقليم أو المصالح الاقتصادية.</p>
<p>5- تربية الناشئة ـ وغير الناشئة ـ على &#8220;الهوية&#8221; الإيمانية، و&#8221;الجنسية&#8221; الإيمانية، و&#8221;الثقافة&#8221; الإيمانية، تربية عملية. وهذا يعني قيام المؤسسات التربوية بتحويل المعادلات العملية للإيمان إلى مناهج وأنشطة، يعيشها المتعلمون في حياتهم اليومية، وفي علاقاتهم العامة، ويرونها ماثلة في التطبيقات الإدارية والسياسية والاجتماعية وغيرها. ولا بد للمؤسسات التربوية أن تعمل على ترسيخ الشعور بالمسؤولية إزاء متطلبات &#8220;الجنسية&#8221; الإيمانية، وتنمية المهارات العقلية والعملية عند المتعلمين لتساعدهم على التعرف على مظاهر&#8221;الجنسية&#8221; الإيمانية، وعلى تحويلها إلى أعمال وممارسات في مواقف الحياة المختلفة.</p>
<p>ولا بد هنا من التنبيه إلى خطورة الاقتصار على التربية النظرية التي لا تصحبها تطبيقات عملية. ذلك أن آثار هذه التربية كآثار التعلم الإشراطي عند السلوكيين. إذ من التجارب التي أجراها السلوكيون في هذا المجال، تجربة الكلب الذي اعتاد على أكل الدجاج الحي. ولمعالجة هذه العادة علقوا بعنق الكلب دجاجة ميتة لا يستطيع الوصول إليها، ولا التخلص من نتنها. فكانت النتيجة أن رائحة النتن انتهت بالكلب إلى كراهية الدجاج كله حيا وميتا.</p>
<p>وهكذا التربية النظرية التي تصحبها تطبيقات عملية نتنة، أو مخالفة، تنتهي بالمتعلم إلى اليأس والإحباط، وعدم تصديق الدعاوى المنادية بالقيم الخيرة، والأعمال الإيمانية الصالحة. وهنا تبدو حكمة الله في تخصيص أكبر مقته للذين يقولون مالا يفعلون.</p>
<p>6- إبراز أهمية تكامل عناصرـ الأفراد المؤمنين ـ أي : &#8220;الهوية&#8221; و&#8221;الجنسية&#8221; و&#8221;الثقافة&#8221; والتأكيد على استحالة الفصل بينها أو وجود أحدها دون الآخر. فالأمة التي تتحدد فيها &#8220;هوية&#8221; الإنسان و&#8221;جنسيته&#8221; على أساس الإيمان، هي وحدها التي تكون &#8220;ثقافتها&#8221; أي : قيمها ونظمها وأخلاقها وعاداتها وتقاليدها وفضائلها، وفنونها وشبكة العلاقات الاجتماعية فيها، مستمدة من الإيمان وذات مضامين إيمانية.</p>
<p>أما الأمة التي تتحدد &#8220;الجنسية&#8221; فيها طبقا لعصبيات فلا تكون &#8220;ثقافتها&#8221; إلا مثلها. وهذا يفسر التناقضات القائمة في الأقطار الإسلامية المعاصرة، والفصام الحادالقائم بين انتماءاتها الإسلامية وممارساتها الاجتماعية والسياسية والإدارية والأخلاقية، وسائر مظاهر شبكة العلاقات الاجتماعية القائمة فيها. وهو أيضا سبب العلاقات السلبية المتفجرة بين حكومات هذه الأقطار والجماعات العاملة في الحقل الإسلامي.</p>
<p>7- تفنيد التطبيقات المخالفة ل &#8220;الهوية&#8221; و&#8221;الجنسية&#8221; و&#8221;الثقافة&#8221; الإيمانية كالجنسيات والثقافات الإقليمية القائمة في ديار المسلمين وما ينتج عنهامن ممارسات إدارية وسياسية خاصة في قضايا الحدود وشؤون الهجرة والإقامة والسفر والعمل والتملك -والتي تنتهي في أحوال عديدة- إلى انفجار الفتن بين &#8220;مزق&#8221; الأمة الإسلامية.</p>
<p>وخلال تفنيد هذه التطبيقات الخاطئة لابد من التبصير بالتوجيهات النبوية التي تدرج هذه &#8220;الجنسيات&#8221; و&#8221;الثقافات&#8221; العصبية في قائمة الكبائر المخلدة في النار( الطبري، التفسير، ح 5، ص 37ـ 83.)، وتوضيح أشكال التخريب الذي قامت به النظم و المناهج التربوية والمؤسسات الإعلامية ودور النشر والصحافة في العالم الإسلامي منذ قرن أو أكثر من أجل ترسيخ &#8220;الجنسيات&#8221; و&#8221;الثقافات&#8221; التي أملاها المستعمر غير المسلم على  الإنسان المسلم، واستمدها له من عصبيات القبلية والإقليم والقومية، وأحلها محل &#8220;جنسية&#8221; الإيمان و&#8221;ثقافة&#8221; الإسلام، ثم أوقف الإنسان المسلم تحت راياتها ينشد باسمها الأناشيد الوطنية، ويقاتل في سبيلها أخاه المسلم، وهو يحسب أنه يقاتل في سبيل الله. ولقد عطلت هذه &#8220;الجنسيات&#8221; و&#8221;الثقافات&#8221; العصبية، فاعلية&#8221;جنسية الإيمان&#8221; و&#8221;ثقافته&#8221; ودحرتهما من ميدان الحياة الاجتماعية والتطبيقات الإدارية والسياسية والولاءات العملية إلى دائرة الانتماء النظري، لتستثمر عند الحاجة لها، من أجل نصرة &#8220;جنسيات&#8221; و&#8221;ثقافات&#8221; العصبيات العائلية والقبلية والطائفية والإقليمية والقومية.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2004/04/%d8%a5%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%85%d9%84-%d8%b5%d8%ad%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%88%d9%85%d8%b1%d8%b6-12/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>إخراج الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها:أهمية &#8220;الهوية&#8221; و&#8221;الجنسية&#8221; و&#8221;الثقافة&#8221; الإيمانية في العالم المعاصر  2/1</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2004/03/%d8%a5%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%85%d9%84-%d8%b5%d8%ad%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%88%d9%85%d8%b1%d8%b6-11/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2004/03/%d8%a5%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%85%d9%84-%d8%b5%d8%ad%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%88%d9%85%d8%b1%d8%b6-11/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 16 Mar 2004 11:30:59 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 210]]></category>
		<category><![CDATA[د. ماجد عرسان الكيلاني]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=23189</guid>
		<description><![CDATA[&#160; في الماضي، أدت نظريات &#8220;هوية&#8221; الإنسان مثل &#8220;الدارونية الاجتماعية&#8221; و&#8221;التقسيمات العرقية&#8221; و&#8221; الأديان القائلة بطبقية الخلق&#8221; إلى ظهور سياسات الصراع والبقاء للأقوى، والغزو، والاستعمار، وظهور ممارسات التسلط الطبقي، وعدم المساواة، والرق، والاستئثار بمصادر العيش. وجميع هذه التطبيقات مازالت تهيمن على السلوك البشري والعلاقات بين الأفراد والجماعات والشعوب ،تملأ حياتهم بالقلق والاضطراب والشقاء والمآسي. كذلك [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>في الماضي، أدت نظريات &#8220;هوية&#8221; الإنسان مثل &#8220;الدارونية الاجتماعية&#8221; و&#8221;التقسيمات العرقية&#8221; و&#8221; الأديان القائلة بطبقية الخلق&#8221; إلى ظهور سياسات الصراع والبقاء للأقوى، والغزو، والاستعمار، وظهور ممارسات التسلط الطبقي، وعدم المساواة، والرق، والاستئثار بمصادر العيش. وجميع هذه التطبيقات مازالت تهيمن على السلوك البشري والعلاقات بين الأفراد والجماعات والشعوب ،تملأ حياتهم بالقلق والاضطراب والشقاء والمآسي.</p>
<p>كذلك أدت صعوبة المواصلات وقصر مسافات السفر، وضيق دائرة الحركة ـ في الماضي ـ إلى ظهور الحدود الإقليمية والقومية. فكان الإنسان لا يتحرك في الغالب إلا داخل حدود الإقليم، وكان الفرد يجد في المجتمع القائم على انتماءات الدم والعصبيات القبلية والإقليمية والقومية ما يشبع حاجته في الانتماء. ولذلك كانت هذ ه الانتماءات هي المصادر الوحيدة لتحديد &#8220;الجنسية&#8221; وبلورة &#8220;الثقافة&#8221;. فكانت الإقامة الدائمة والتواصل الدائم يوفران نوعا من القيم المحلية التي يمكن أن نسميها &#8220;قيم المصانعة&#8221;، وهي قيم تقوم على خجل الناس بعضهم من بعض، ومراعاة شؤون بعضهم بعضا، والتردد عن الإساءة لبعضهم بعضا، فإذا اشتدت الخلافات وانفجرت الخصومات كان للقيم المذكورة دورها في إصلاح العلاقات وترميمها. وهكذا تطور نوع من الثقافة والعادات والتقاليد التي تسهم في انسجام الأذواق محليا، وبذر بذور الخلاف عالميا.</p>
<p>ثم جاء العصر الحاضرـ عصر التكنولوجيا وقرية الكرة الأرضية ـ فأفرز ظاهرتين فريدتين..</p>
<p>&gt; الأولى : تزويد الإنسان بأدوات فاعلة يمكن استعمالها للدفاع عن الإنسان وبناء حياته، أو لفناء الإنسان وتدمير مقومات حياته. والإيمان بالله هو العامل الحاسم في أحد الاستعمالين.</p>
<p>&gt;والظاهرة الثانية : هي انهيار الحدود بين الأقطار والقوميات والثقافات، وتفتت القبائل والعائلات، ووهنت روابط الدم والإقليم إلا في أماكن معزولة ومواقف هشة متسارعة الانهيار والانحسار، ودخلت المجتمعات البشرية في طور جديد تتميز الحياة فيه بالإقامة الموقوتة والجوار الموقوت، وانقلب التجانس الثقافي إلى &#8220;خلطة&#8221; مضطربة من الثقافات والتقاليد والعادات والقيم في المدينة الواحدة، وأحيانا في البناية الواحدة، مما ساعد على تمزق الروابط القائمة، وتنافر الأذواق والتوتر في العلاقات في المواقف المختلفة، ووجد الإنسان المعاصر نفسه يعيش في تجمعات وأكوام بشرية مجردة من الروابط والانتماءات، إلا ما كان من روابط المصالح المتذبذبة والشهوات الآنية الموقوتة.</p>
<p>ولقد أفرزت هذه التغيرات المضطربة أزمات ثلاث.. الأولى : عدم ملاءمة &#8220;الهوية&#8221; الشائعة عن الإنسان. والثانية : عدم ملاءمة &#8220;الجنسية&#8221; المحلية التقليدية. والثالثة : انهيار نظم &#8220;الثقافة والقيم&#8221; المحلية القديمة.</p>
<p>أما عن الأزمة الأولى : فإن &#8220;الهوية&#8221; التي طرحتها ـ ومازالت تطرحها ـ الدارونية الاجتماعية للإنسان والقائمة على أن البقاء للأقوى، قد بررت عمليات القتل والجريمة سواء بين الأفراد والطبقات داخل كل مجتمع، أو بين المجتمعات والمجتمعات الأخرى. ولا تقتصر مضاعفات هذه &#8220;الهوية&#8221; على شعوب العالم الثالث المتخلف تكنولوجيا، وإنما تشمل العالم المتقدم تكنولوجيا، ويتفوق في أدوات القتل والدمار. فالأفراد &#8220;الأمريكيون والأوربيون&#8221; الذين يحاربون &#8220;الأسيويين والأفارقة&#8221; في جيوش تستولي على مصادر الثروة والطاقة، هم أنفسهم الذين يعودون إلى بلادهم ليقتل بعضهم بعضا من أجل ما في جيوبهم من جنيهات ودولارات.</p>
<p>وأما عن الأزمة الثانية : فقد تحولت  الجنسية المحلية إلى قيد خانق لحرية الفرد في التعبير والاختيار في الداخل، وحريته في التنقل والعمل والإقامة في الخارج.</p>
<p>ففي الداخل قامت علاقات &#8220;الجنسيات&#8221;المستمدة من العصبيات العائلية والإقليمية والقومية على أساس هيمنة عصبية معينة على بقية العصبيات، والاستئثار بالجاه والتملك، مما تسبب في ظهور علاقات الريبة، وعدم الثقة، والخوف، والتآمرـ وقيام المؤسسات البوليسية،ودوائر التجسس، والمخابرات، لتقصي نشاطات خصوم العصبيات الحاكمة، ومجابهتها.</p>
<p>وفي الخارج اشتعلت الصراعات الدولية، وقامت علاقات الدول على المخادعة والتجسس والتآمر، ثم الانتهاء إلى الصراع المكشوف، والانفجارات العسكرية المدمرة.</p>
<p>وفي المجال الاقتصادي أشاعت &#8220;الجنسيات&#8221; المستمدة من العصبيات العائلية والإقليمية والقومية، الاحتكار والترف في ناحية، والحرمان والفقر في ناحية أخرى وتسببت بظواهر الاستعمار والعدوان، ونهب ثروات الشعوب، في الوقت الذي تضع الدول المستعمِرة الحواجز والعراقيل، وقوانين السفر والإقامة، التي تمنع أصحاب &#8220;الجنسيات&#8221; المستعمَرة والمغايرة، من المساواة في فرص الإقامة ومصادر العيش الكريم.</p>
<p>لهذا كله صارت المجتمعات المعاصرة بحاجة إلى مفهوم جديد في &#8220;الجنسية&#8221; مفهوم لا تتحكم به عصبيات عرقية أو إقليمية أو مصالح مادية. ومن الإنصاف أن نقول : إن شعوب أوربا وأمريكا قد نزعت عن &#8220;الجنسيات&#8221; فيها قيود السفر والعمل والإقامة وأحالتها إلى مجرد أدوات ل &#8220;التعارف&#8221;، تماما كما يوجه إليه قوله تعالى : {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}(الحجرات : 13)، بينما يستمر&#8221;فقهاء السلطة&#8221; يسهمون في تعزيز سجون &#8220;الجنسيات&#8221; العصبية وقيودها ومضاعفاتها التي أدت إلى وفاة الأمة الإسلامية ومزقتها في الأرض كل ممزق.</p>
<p>وأما عن الأزمة الثالثة : أي انهيار نظم &#8220;الثقافة والقيم&#8221; المحلية القديمة فقد صار الإنسان المعاصر يعاني مما يسميه علماء الاجتماع وعلماء النفس : الإحباط وخيبة الأمل Frustration، والإحساس بالاغتراب Alienation، والشعور بالضعف Powerlessness، والمعاناة من عدم الانسجام ومظاهر الشذوذ في الحياة والسلوك Normlessness.</p>
<p>ولقد حل محل القيم المحلية المنهارة قيم جديدة يمكن أن نسميها ـ قيم المصلحة ـ وهي قيم تشبه مناديل الورق، التي يستعملها الإنسان للحظات أو دقائق ثم يلقي بها في سلة النفايات وبراميل القاذورات. لذلك أصبح المجتمع المعاصر يعاني من مظاهر التفكك والانحلال واللامبالاة وانهيار الصداقات والعلاقات، دون أن يحسب الناس لبعضهم بعضا كبير حساب.</p>
<p>لهذا كله صارت المجتمعات المعاصرة بحاجة إلى مفهوم جديد في &#8220;الثقافة والقيم&#8221; التي توفر للإنسان حاجاته في الانتماء والتقدير أينما حل وأقام، وتوفر له الأمن والاستقرار أينما سافر وعمل.</p>
<p>ولكن الحلول التي يطرحها المختصون لأزمة &#8220;الثقافة والقيم&#8221; مازالت حلولا متخلفة قاصرة، بل إن بعضها ليزيد الطين بلات، والويل ويلات. ومثال ذلك ما يقترحه ـ ألفن توفلر  Alvin Tofflerأحد مشاهير المفكرين المستقبليين Futurists في كتبه المختلفة، مثل كتاب : ـ صدمة المستقبل Future Shockـ الذي طبع في سنة واحدة تسع طبعات بلغ عددها 27 مليون نسخة، كما ترجم إلى عدة لغات وما زال يطبع ويترجم بنفس الكثافة والانتشار.</p>
<p>لقد عالج ـ توفلرـ التغيرات الكاسحة التي تحدثها التكنولوجيا في شبكة العلاقات الاجتماعية على المستويات المحلية والعالمية، واجتهد أن يضع شبكة علاقات جديدة لمجتمعات المستقبل. ولقد كان في تشخيصه دقيقا عميق الحس؛ فهو مثلا يذكر أن التكنولوجيا الحديثة حولت المجتمعات الحديثة إلى من أسماهم ـ البدو الجدد</p>
<p>mads  TheNewNoالذين يركبون الطائرات بدل الجمال، وينزلون في المطارات بدل المضارب، وينامون في الفنادق بدل الخيام، ويحملون الحقائب بدل ـ الأخراج والأكياس ـ وكذا&#8230; وكذا&#8230;</p>
<p>ولكن معالجاته وحلوله جاءت بالطامات الكبرى. فهو ـ مثلا ـ يقترح &#8220;النسبية المطلقة&#8221; في القيم والأخلاق والسلوك، ويدعو إلى تبرير جميع ألوان الشذوذ والانحراف، وتدمير الأسر، والروابط الاجتماعية، وإلى إيجاد مؤسسات الأمومة، وتفريخ الأطفال بالجملة، والزواج المؤقت، واستئجار الأرحام، وبيع النطف، والسماح بالأسر التي يكونها ذوو الشذوذ الجنسي، وبالصداقات الموقوتة، على أن يكون المحور الذي تدور في فلكه كل هذه الظواهر المقترحة هو توفير الطاقات العاملة لمراكز الإنتاج والعمل (1).</p>
<p>ولو تعدينا ـ ألفن توفلرـ إلى غيره من مشاهير المفكرين من أمثال : ثيودور روزاك، ودانيال بل، وفرتز شوماخر، وديفيد بربل، ورينه دوبو، لوجدنا أيضا أن إبداعاتهم تقف عند تشخيص الأزمة القائمة في &#8220;الثقافة والقيم&#8221;. أما المعالجة والحلول فلا تتعدى صيحات التحذير، واستنفار المختصين، والدعوة إلى تضافر الجهود، للبحث عن شبكة علاقات اجتماعية جديدة، مع مراعاة الانفتاح على ثقافات العالم كله، والاستعداد لتقبل البديل المنقذ المناسب (2).</p>
<p>وهناك فريق ثالث يحمل اسم ـ الواقعيين ـ, وهؤلاء يبررون الصراعات الداخلية والحروب الخارجية على أساس أن الحياة تنظمها قوانين البقاء للأقوى أو ما يسمى ب&#8221;الدارونية الاجتماعية&#8221;. وهذه فلسفات تبرر عمليات الصراع والقتل والتدمير وترك الإنسان المهزوم لمصيره في الهلاك، إذا نزلت به الكوارث العسكرية والطبيعية والأزمات الاقتصادية (3).</p>
<p>وحين نمعن النظر في الخارطة الفكرية للعالم المعاصر : عالم قرية الكرة الأرضية الذي استحالت فيه القارات إلى حارات، والأجناس إلى عائلات، والأقطار إلى بيوت، لا نجد منقذا إلا أن تتوجه البشرية إلى عنصر الإيمان بمفهومه الإسلامي لتستمد منه &#8220;هويتها&#8221; و&#8221;جنسيتها&#8221; و&#8221;ثقافتها&#8221;، وليمدها بقيم التقوى التي تلازم البدو الجدد-حسب تسمية الفن توفلر- أينما رحلوا وأينما حلوا، وتشدهم إلى قوة أعلى هي معهم أينما كانوا، تراقبهم ويراقبونها، ويحسبون حسابها أينما كانوا؛ قوة الله  القائل : {وهو معكم أينما كنتم} (الحديد : 4)، {و نحن أقرب إليه من حبل الوريد} (ق : 16)</p>
<p>&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;.</p>
<p>(ü) عنوان كتاب الأمة رقم 30 من تأليف د. عرسان الكيلاني.</p>
<p>1- 262-95 Shock PP Futuer, Toffler Alvin</p>
<p>2- راجع ـ فلسفة التربية الإسلاميةـ للمؤلف : ص 57 ـ 63، 258 (طبعة ثانية).</p>
<p>3- راجع ـ أهداف التربية الإسلامية ـ للمؤلف، ص 269ـ 271.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2004/03/%d8%a5%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%85%d9%84-%d8%b5%d8%ad%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%88%d9%85%d8%b1%d8%b6-11/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>قضايا دعوية &#8211; إخراج الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2004/01/%d9%82%d8%b6%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%af%d8%b9%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d8%a5%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%85-3/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2004/01/%d9%82%d8%b6%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%af%d8%b9%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d8%a5%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%85-3/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 01 Jan 2004 10:37:04 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 205]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[د. ماجد عرسان الكيلاني]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=22913</guid>
		<description><![CDATA[بدء ظاهرة &#8220;الأمة المسلمة&#8221; ونشأتها 2/2 الانطلاقة العملية الثانية بقيادة محمد &#8230;ثم كانت الانطلاقة العملية الثانية التي قادها محمد  في الفرع الثاني من أسرة إبراهيم -فرع إسماعيل-، والمقيمة في منطقة المسجد الحرام، فبلورتْ مفهومَ &#8220;الأمة&#8221; وأصبح الشعارَ المميِّزَ لرسالتها، ولَمَّا يزَل مصطلحا متميِّزا، لا يقابله في اللغات الأخرى مصطلحٌ مُوازٍ. كذلك أصبح اسم &#8220;الأمة&#8221; مصدرا [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>بدء ظاهرة &#8220;الأمة المسلمة&#8221; ونشأتها 2/2</p>
<p>الانطلاقة العملية الثانية بقيادة محمد</p>
<p>&#8230;ثم كانت الانطلاقة العملية الثانية التي قادها محمد  في الفرع الثاني من أسرة إبراهيم -فرع إسماعيل-، والمقيمة في منطقة المسجد الحرام، فبلورتْ مفهومَ &#8220;الأمة&#8221; وأصبح الشعارَ المميِّزَ لرسالتها، ولَمَّا يزَل مصطلحا متميِّزا، لا يقابله في اللغات الأخرى مصطلحٌ مُوازٍ. كذلك أصبح اسم &#8220;الأمة&#8221; مصدرا اشتقت منه أسماء مؤسسات الرسالة الجديدة، والعاملين فيها، والممارسات الجارية مثل : &#8220;الإمامة&#8221; و&#8221;الإمام&#8221; للصلاة أو الحكم، و&#8221;آمين البيت الحرام&#8221; أي الحج. و&#8221;آمين&#8221; أي مقتدين. لذلك كانت ترجمة هذا المصطلح تشويها لمحتواه، ومن الواجب أن يبقى كما هو في أصله العربي في أية ترجمة كانت.</p>
<p>ولقد كان جوهر هذه الانطلاقة الجديدة تصحيح الاعوجاج الذي لحق بالمنهج الذي مَهَّدَ له إبراهيم وبَدَأَهُ موسى وعيسى، ثم استأنف المسيرةَ المستقيمة لهذا المنهج، نحو غاياته العليا على يد محمد . ولذلك ركَّـزَتْ توجيهاتُ الرسالة الجديدة على ما يلي :</p>
<p>1- إصلاح ما انحرف من منهاج إبراهيم عليه السلام، وذلك بدعوة فرع ذرية إسماعيل من قريش وفروعها إلى التخلص من طابع&#8221;أمة السدنة&#8221; ونوازع التكسب بالمقدسات، وما أدخلته حمية العصبيات القبلية من مظاهر الشرك والوثنية. ثم دعوة فرع ذرية إسحاق من اليهود والنصارى للتخلص من طابع &#8220;شعب الله المختار&#8221;، وما رافقه من تشويهات لأصول العقيدة والرسالة، لصالح المترفين، وأرباب الجاه والسلطان والكهانة، ثم دعوة الفريقين للاجتماع في صفوف &#8220;أمة الرسالة&#8221; الجديدة، لاستئناف المهمة الأساسية، مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله بين الناس كافة.</p>
<p>2- القضاء على الانشقاقات التي حدثت في ذرية إبراهيم، وتسببت في تقسيم نواة &#8220;الأمة المسلمة&#8221; إلى يهود ونصارى، وماتلا هذا الانشقاق من انشقاقات أخرى تتنافى مع الغاية الكبرى التي بدأها -إبراهيم- لإخراج &#8220;أمة الرسالة&#8221; التي تعمل على جمْع البشرية كلها على منهاج واحد، في الفكر والاجتماع، فتتوثق روابطها، ويرقى نوعها، وتعود إلى سابق عهدها : أمةً واحدةً، وربًّا وَاحِدا.</p>
<p>ولتحقيق هذا الهدف تكررت الدعوة في القرآن إلى أهل الكتاب للإقبال إلى -كلمة سواء- أي منهج موحد مستقيم أساسه &#8220;ملة إبراهيم الحنيف&#8221;.</p>
<p>3- اتخاذ الخطوات العملية التي تسهل هذه الوحدة المنشودة، بين الانشقاقات التي  أصابت مفهوم الرسالة، بعد إبراهيم عليه السلام. ومن أجل هذه الوحدة كانت قبلة الصلاة نحو أول بيت بناه إبراهيم، وكان الحج إليه، ليكون مؤسسة للتربية العالمية، وكانت حادثة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، لإعادة الربط بين رسالة المسجدين، وتكامل دورهما في التربية والدعوة والتعليم.</p>
<p>ولترسيخ هذه المعاني، كان الحديث عن تجربة قوم موسى في منطقة المسجد الأقصى- في مطلع سورة الإسراء -ليكون هذا الحديث تحذيرا ل &#8220;أمة الرسالة&#8221; الجديدة لئلا تقترف ما اقترفته سابقتها من -أمة موسى- التي غفلت عن الوظيفة الأساسية للمقيمين حول المسجد الأقصى، وانحرفت لاستغلال بركات المنطقة الجغرافية والطبيعية في الترف والشهوات والمفاسد والصراعات، وبذلك استحقت أن يبعث الله عليها عبادا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، ودمروا مؤسسات اللهو الدنيوي، التي ألهتهم عن وظيفة الدعوة وتبليغ الرسالة. وهذا ما فهمه أبو بكر الصديق حين حذر جيوش الفتح الإسلامي التي وجهها إلى منطقة ماحو ل الأقصى من الانحراف عن أهداف الرسالة الإسلامية فقال : (إنكم تقدمون ا لشام وهي أرض شبيعة، وإن الله ممكنكم حتى تتخذوا فيها مساجد فلا يعلم أنكم إنما تأتونها تلهيا، وإياكم والأش)(3).</p>
<p>4- تقديم التفاصيل الكاملة لما يجب أن يكون عليه تنظيم &#8220;أمة الرسالة&#8221; ومؤسساتها وقيمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ونشاطاتها المختلفة في الداخل ثم تنظيم علا قاتها بالجماعات البشرية في الخارج.</p>
<p>وكان التحدي الأكبر الذي واجهه الرسول  بعد هجرته إلى المدينة، وشروعه في بناء أمة عالمية، يتعايش فيها مختلف الأجناس والأعراق، هُوَ -قِيَمَ العَصَبِيَّةِ القَبَلِيَّةِ الجاهلية- ولقد اتخذت جهوده لمجابهة هذا التحدي مظاهر عدة منها :</p>
<p>- المظهر الأول : هو تزكية أعضاء الأمة المسلمة الجديدة من قيم العصبية القبلية باعتبارها قيما جاهلية نتنة بالية لا تصلح لهم بحال، وتنظيم علاقاتهم طبقا لقيم التقوى الملائمة  لطور العالمية الجديد.</p>
<p>- والثاني : هو التحذير من الردة إلى قيم العصبية الجاهلية وإدراج هذه الردة في قائمة الكبائر المخلدة في النار(4).</p>
<p>- والثالث : التنبيه إلى دور قيم العصبية في فتن المستقبل، وما ستجره على الأمة المسلمة من كوارث ومذابح ودمار، وهو ما تقدم تفصيلاته الأحاديث النبوية الوادة تحت -كتاب الفتن- في مصنفات الحديث المختلفة.</p>
<p>أهمية إخراج الأمة المسلمة</p>
<p>الإطارا لعام الذي يحدد أهمية إخراج الأمة المسلمة ويحدد مكوناتها هو قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالِهم وأنفُسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضُهم أولياء بعض. والذين آمنوا ولم يُهاجروا مالكم من ولايتِهم من شيء حتى يهاجروا، وإن استنصروكم في الدِّين فعليكم النّصْر إلا على قوم بينكم وبينهم مِيثاق والله بما تَعْملون بصير. والذين كفروا بعضُهم أولياء بعض إلا تَفعلوه تكن فِتنة في الأرض وفسادٌ كبير. والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مَغفرة ورزق كريم. والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بِكُل شيء عليم}(الأنفال : 72- 75).</p>
<p>هكذا يبدو واضحاً من الآية الأولى رقم 72 أن التربية الإسلامية لا تتوقف عند إعداد &gt;الأفراد المؤمنين&lt; وإنما تتخذ من هذا الإعداد وسيلة لهدف آخر هو إخراج &gt;أمة المؤمنين&lt; التي يتلاحم أفرادها عبر شبكة من الروابط الاجتماعية التي تندرج تحت أسماء : الهجرة، والجهاد، والإيواء، والنصرة، والتي تكون محصلتها النهائية هي -الولاية- أي أن يتولى كل عضو رعاية شؤون الأعضاء الآخرين. أما الأفراد المؤمنون الذين يبقون خارج -مهجر- الأمة المؤمنة، فهؤلاء لا فاعلية لإيمانهم، ولا روابط، ولا ولاية بينهم، وبين &gt;أمة المؤمنين&lt;.</p>
<p>ومع أن الآيات المذكورة أعلاه تتضمن -كما قلنا- أهمية (إخراج الأمة الإسلامية)، وتتضمن المكونات الرئيسة لهذه الأمة، إلا أن الحديث هنا سوف يقتصر على أهمية (إخراج الأمة المسلمة) بينما يؤجل الحديث عن مكوناتها لاحقاً.</p>
<p>مظاهر أهمية إخراج الأمة</p>
<p>أما مظاهر هذه الأهميةفهي كما يلي :</p>
<p>الأهمية الأولى : هي ماتنبه إليه الآية الثانية آية 73 من السورة حول الأضرار التي تنجم عن عدم (إخراج الأمة المسلمة)، وتتمثل هذه الأضرار في ضررين رئيسين هما :</p>
<p>الضرر الأول : هيمنة قيم الكفر في الأرض، وإخراج &gt;أمة الكفر&lt; حيث لا يقتصر الكافرون على ممارسة كفرهم كأفراد متناثرين وإنما يتجمعون في أمة يوالي بعضها بعضاً. فإذا لم تقم &gt;أمة الإيمان&lt; فسوف تتولى &gt;أمة الكفر&lt; القيادة في الأرض، وتهيمن على مقاليد التوجيه والتخطيط والتنفيذ في كل ما يتعلق بشؤون السلم والحرب سواء.</p>
<p>د. ماجد عرسان الكيلاني</p>
<p>والضرر الثاني : إن انتقال القيادة العالمية إلى &gt;أمة الكافرين&lt; سوف يؤدي إلى استغلال خزائن الله من المقدرات البشرية والمادية استغلالاً سيئا ثم يكون من نتائج هذا الاستغلال السيء ملء الأرض بالفتن والفساد الكبير : فتن في ميادين السياسة، وفساد في ميادين الاجتماع، وتشيع الصراعات والحروب الداخلية أوالإقليمية أو العالمية، وينتشر الفساد الكبير، الذي يتمثل في الانهيارات الأخلاقية، وشيوع التحلل والفواحش، وانتشار الفلسفات والأفكار الهدامة وغير ذلك.</p>
<p>والأهمية الثانية لقيام &gt;أمة المؤمنين&lt;، هي ما توجه إليه الآية الثالثة آية 74 من السورة حول الفوائد والمنافع التي تترتب على إخراج &gt;الأمة المسلمة&lt;، وهي ثلاث فوائد :</p>
<p>الفائدة الأولى : تجسيد الإيمان في &gt;جنسية&lt; مميزة و&gt;هوية&lt; خاصة، وفي حضارة إسلامية، لها ثقافتها ونظمها الاجتماعية، وتطبيقاتها في ميادين السلوك والقيم، والعادات والتقاليد، الممتدة عبر الزمان والمكان. ولذلك وصفت الآية بأن أفراد &gt;الأمة المسلمة&lt; المجاهدين المتآوين المتناصرين في مهجر واحد &gt;هم المؤمنون حقا&lt;. أما الأقليات الإسلامية المبعثرة هنا وهناك فهذه لا تدخل في وصف &gt;المؤمنون حقاً&lt; لأنه لا تتمكن من أن تعيش إيمانها في &gt;جنسية متميزة&lt; وتطبيقات اجتماعية لها ثقافتها ولغتها ونظمها الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، ولها قيمها وعاداتها وتقاليدها وأخلاقها. وبالتالي لا تفرز حضارة متميزة، تنحدر عبر التاريخ، وتشد إليها الرحال، ليتعلم الناس في مؤسساتها التربوية والإدارية كيفية الحفاظ على النوع البشري ورقيه. وإنما تذهب جهود هذه الأقليات هدراً في روافد &gt;أمة غير مسلمة&lt; ثم تذوب وتختفي بعد جيل أو جيلين. ولذلك لن يكون قبول حياة &gt;الأقلية&lt; إلا ضرورة مؤقتة، حتى ينجح العمل الإسلامي الصائب في إيجاد مهجر تقوم فيه &gt;أمة المؤمنين&lt;، فإذا قامت صارت حياة الأقلية رضى بالاستضعاف في الأرض، وظلماً للأنفس، ووضعها في بيئات مرهقة للإيمان، تهدد بذهابه والانتهاء بأصحابه إلى عقوبة الله.</p>
<p>ولذلك حدد القسم الثاني من الآية الأولى العلاقة بين &gt;الأمة المسلمة&lt; و&gt;الأقليات المسلمة&lt; المتناثرة خارج -دار الهجرة- بأن أفرغ هذه العلاقة من -الولاء والولاية- أي عدم المسؤولية عن الأقليات، إلا ما كان من نصرتها إذا تعرضت لاضطهاد ديني، من قبل أمم لا تربطها بالأمة المسلمة مواثيق ولا معاهدات، وإن الباحث ليلمح في هذه العلاقة السلبية بين &gt;الأمة المسلمة&lt; و&gt;الأقليات المسلمة&lt; خلق نوع من الأوضاع القلقة غير المريحة التي تجبر الأقليات المذكورة على الهجرة إلى مهجر &gt;أمة المؤمنين&lt;.</p>
<p>والفائدة الثانية : هي الاستقرار الاجتماعي والاستقرار السياسي المشار إليهما بـ{لهم مغفرة}. فالمغفرة هي تجنيب الأمة المسلمة عقوبات أخطاء الأمم. وعقوبات الأمم في القرآن الكريم متنوعة، منها ثوران الأحقاد الداخلية، أو إشاعة الفتن والحروب في الداخل، أو تسليط الغزاة من خارج :</p>
<p>{قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجُلكم أو يلبسكم شيعاً ويُذيق بعضكم بأس بعض، انظر كيف نصرِّف الآيات لعلهم يفقهون}(الأنعام : 65).</p>
<p>{بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خِلال الدّيار}(الإسراء : 5).</p>
<p>والفائدة الثالثة : هي الا زدهار الاقتصادي المصحوب بالتماسك الاجتماعي، والعلاقات الكريمة بين طبقات الأمة وأفرادها، والمحافظة على كرامة الأمة وعلى قيمها وأخلاقها في الداخل، وسمعتها التاريخية في الخارج. فـ&gt;الأمة المؤمنة&lt;، رزقها &gt;رزق كريم&lt; يحفظ كرامات الأفراد رجالاً ونساءً، فلا تضطرهم لقمة العيش إلى التفريط بكراماتهم وحرماتهم ولا إلى تجارة الفواحش والمنكر. وهو &gt;رزق كريم&lt; يحف كرامة الأمة التاريخية فلا يلطخ سمعتها، ويصمها بعار الغزو والاستعمار والتسلط والاحتلال، وهو يحفظ كرامتها الحضارية، فلا يضطرها إلى ممارسة الفضائح، ونقض المواثيق، والتآمر على الأصدقاء، وإيثار المنافع المادية على علاقات الرقي الحضاري. وهو &gt;رزق كريم&lt; يحفظ كرامة الأمة الاجتماعية، فلا تحتاج إلى تقدمة أعراضها ونسائها كراقصات ومغنيات وغوانٍ في أماكن اللهو والفاحشة لتجلب السائحين وطالبي المتع المحرمة الضارة! وأخيراً هو &gt;رزق كريم&lt; يحفظ للأمة المسلمة كرامتها عند الله، ويمنحها كرامة الدرجات العلى في الآخرة، سواء في المنزلة أو المأوى.</p>
<p>والأهمية الثالثة لقيام &gt;أمة المؤمنين&lt; : هي ما توجه إلىه الآية الرابعة آية 75 من السورة من خلال الإشارة إلى أن الأمة المسلمة هي مجتمع مفتوح غير مغلق. فباب الهجرة إليه مفتوح، والانضمام إليه، له شرط واحد فقط هو الإيمان والمشاركة في حمل الرسالة، مع مراعاة روابط الأرحام بين المهاجرين في جميع الأزمان، حتى لا يؤدي اختلاط المهاجرين بدون ضوابط، إلى التفكك الاجتماعي. فالله عليم بقوانين الاجتماع السليم وغير السليم وبالنتائج الحسنة أو السيئة.</p>
<p>وبسبب هذه الأهمية (لإخراج الأمة المسلمة) أدرك رجالات الأمة الإسلامية الأوائل أهمية إخراج &gt;الأمة المسلمة&lt; ومتطلبات العضوية فيها. من ذلك ما قاله عمر بن الخطاب حين قرأ قوله تعالى : {كُنتم خير أمّة أخرجت للناس} قال : &gt;يا أيها الناس من سره أن يكون من تلكم الأمة فليؤد شرط الله فيها&lt;(تفسير الطبري، 43/4، 44.</p>
<p>&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;.</p>
<p>(ü) عنوان كتاب الأمة رقم 30 من تأليف د. عرسان الكيلاني.</p>
<p>1- الطبري، التفسير، ج 2، ص 234.</p>
<p>2- د. أحمد فخري، مصر الفرعونية، ط 3 (القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية، 1971) ص 433.</p>
<p>3- عبد الله بن المبارك المروزي، كتاب الزهد والرقائق، تحقيق عبد الرحمن الأعظمي، (بيروت، مؤسسة الرسالة، بلا تاريخ) ص 141.</p>
<p>4- صحيح البخاري، باب الفتن. صحيح مسلم، باب الإمارة.</p>
<p>مسند أحمد، ج1، ص 409، 430</p>
<p>سنن النسائي، كتاب البيعة، وكتاب الزينة.</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2004/01/%d9%82%d8%b6%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%af%d8%b9%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d8%a5%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%85-3/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>إخراج الامة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها (*)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2003/12/%d8%a5%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%85%d9%84-%d8%b5%d8%ad%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%88%d9%85%d8%b1%d8%b6/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2003/12/%d8%a5%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%85%d9%84-%d8%b5%d8%ad%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%88%d9%85%d8%b1%d8%b6/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 16 Dec 2003 11:12:49 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 204]]></category>
		<category><![CDATA[تـاريـخ و سير]]></category>
		<category><![CDATA[أمة الرسالة]]></category>
		<category><![CDATA[الأمة المسلمة]]></category>
		<category><![CDATA[الرسالات السماوية]]></category>
		<category><![CDATA[الرسالات قومية]]></category>
		<category><![CDATA[د. ماجد عرسان الكيلاني]]></category>
		<category><![CDATA[رسالة إبراهيم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=21600</guid>
		<description><![CDATA[بدء ظاهرة &#8220;الأمة المسلمة&#8221; ونشأتها 2/1 إبراهيم  \ يعد لظاهرة الأمة المسلمة بدأ الإعداد لظاهرة &#8220;الأمة المسلمة&#8221; برسالة إبراهيم \ الذي وصفه القرآن الكريم : {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين}(النحل : 120). ولقد جاء مفهوم الأمة المسلمة كحلقة في سلسلة الرسالات السماوية التي توازت مع تطور المجتمعات البشرية. فحين [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<h1>بدء ظاهرة &#8220;الأمة المسلمة&#8221; ونشأتها 2/1</h1>
<h2><span style="color: #339966;">إبراهيم  \ يعد لظاهرة الأمة المسلمة</span></h2>
<p>بدأ الإعداد لظاهرة &#8220;الأمة المسلمة&#8221; برسالة إبراهيم \ الذي وصفه القرآن الكريم : {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين}(النحل : 120).</p>
<p>ولقد جاء مفهوم الأمة المسلمة كحلقة في سلسلة الرسالات السماوية التي توازت مع تطور المجتمعات البشرية. فحين بدأ الاجتماع البشري بطور الأسرة جاءت الرسالة أسرية، كرسالة آدم \. وحين انتقل الناس إلى طور القبيلة والقرية جاءت الرسالات قبلية وقروية، كرسالات صالح وهود. وحين انتقلت المجتمعات إلى طور القوم جاءت الرسالات قومية كرسالة نوح \.</p>
<p>ومفهوم &#8220;القوم&#8221; هذا يقابله في اللغة الإنجليزية PEOPLE وهو مفهوم دموي، يستمد محتواه من روابط الدم، حين بدأ الإنسان ينتقل من حياة التجوال الفردي إلى طور التجوال الأسري والقبلي، وتكونت نتيجة لذلك ظاهرة &#8220;القوم&#8221; في الطور الرعوي للبشرية.</p>
<p>أما مفهوم &#8220;الشعب&#8221; فيقابله في اللغة الإنجليزية مصطلح NATION  وهو مفهوم جغرافي، يستمد محتواه من الروابط الجغرافية، حين بدأت القبائل والأقوام تنتقل من الرعي إلى طور الزراعة والاستقرار في رقعة الأرض التي تحددها قوة الأقوام المتجمعة.</p>
<p>وانتقال المجتمعات البشرية من طور إلى طور كان يتسم لفترات طويلة جدا بالتناقض والاضطراب والتمزق، بين قيم ومفاهيم الطور السابق المنحدر من &#8220;الآباء&#8221; وبين قيم ومفاهيم الطور الجديد الذي يدلف إليه &#8220;الأبناء&#8221;. ولذلك كان عمل الرسالات هو القضاء على التناقض والاضطراب والتمزق المذكور، ثم تسهيل الانتقال إلى الطور الجديد وتنظيمه.</p>
<p>ثم جاء دور &#8220;الأمة&#8221; حينما بدأت الحدود الإقليمية تتهدم وبدأ انسياح الأقوام والشعوب بعضهم على بعض. ولكنه انسياح سلبي مدمر، اتخذ طابع الغزو والعدوان على الأبدان والنفوس والعقول والممتلكات، كما تمثل في الفراعنةوالآشوريين والكلدانيين وغيرهم، فجاءت الرسالات الموازية لهذا الطور ابتداء من- إبراهيم الكلداني \- بمفهوم &#8220;الأمة&#8221; وهو مفهوم فكري-نفسي يستمد محتواه من روابط الفكر والعقيدة ويتخطى روابط الدم والأرض السابقة.</p>
<p>ولقد سبق اختيار إبراهيم \ للبدء بالإعداد(لإخراج الأمة المسلمة) اختبارا لقدرته على القيام بهذه المهمة، ومدى استعداده لتقديم تكاليفها ومتطلباتها. وإلى هذا الاختبار يشير القرآن الكريم بقوله تعالى : {وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأَتَمَّهُنَّ، قال إني جاعلك للناس إماما، قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}(البقرة : 124).</p>
<p>والكلمات التي ابتلي بها إبراهيم \ هي الحوادث التي اختبره الله بواسطتها وهي :</p>
<p>أولا : استعداده للتضحية بنفسه.</p>
<p>والثانية : استعداده للهجرة والتخلي عن روابط الأسرة والدم والوطن.</p>
<p>والثالثة : استعداده لمحاربة العقائد القائمة ورموز الثقافة المعاصرة المتخلفة.</p>
<p>الرابعة : استعداده للتضحية بولده وأسرته.</p>
<p>وتشير الآيات القرآنية إلى أن إبراهيم \ اجتاز هذه الاختبارات بنجاح، وأنه استحق رتبة الإمامة للناس، وأنه سألها لذريته من بعده فجاءه الجواب بالموافقة مع الاشتراط إلى أن هذه الإمامة عهد، لا يناله الظالمون المقصرون من ذريته، الذين لا يقومون بتكاليفها ويفشلون في اختباراتها.</p>
<p>ثم مضى إبراهيم مصحوبا بأبنائه وأسرته في التمهيد لإخراج &#8220;الأمة المسلمة&#8221;، فابتدأ بتحديد موطنها ومؤسساتها، حيث اختار لها موطنًا منطقةً وسطًا، تقع في ملتقى المواصلات العالمية وتفاعل الحضارات، وهي منطقة تمتد من بلاد الشام عبر دلتا مصر والحجاز، كذلك أقام مؤسستين تربويتين : الأولى  : للتربية والتزكية : وهي الكعبة والمسجد الحرام، والثانية : للدعوة والنشر وهي : المسجد الأقصى، ثم انقسمت الأسرة إلى جوار المسجدين ليقوم كل فريق بالإشراف على المهمة الموكلة إليه في منطقته، وإعداد الأجواء لفكرة &#8220;الأمة&#8221; الجديدة. وإلى هذا الإعداد الإبراهيمي كانت الإشارة القرآنية التالية : {ووصى بها إبراهيمُ بنيه ويعقوبُ، يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(البقرة : 132)</p>
<h2><span style="color: #339966;">موسى  \ ينطلق لإخراج &#8220;أمة الرسالة&#8221;</span></h2>
<p>ثم كانت الانطلاقة الأولى لإخراج &#8220;أمة الرسالة&#8221; برسالة موسى التي جرى التمهيد لها برحيل يوسف وأسرة يعقوب إلى مصر، وإشاعة جو من الثقافة الملائمة للأمة، التي يراد إخراجها. وكان الخروج -أو الهجرة- بالمؤمنين بالرسالة الجديدة مرورا بشمال منطقة المسجد الحرام والتوجه إلى منطقة المسجد الأقصى لتطهير أرض &#8220;أمة الرسالة&#8221; التي رسم حدودها إبراهيم ولبدء الدعوة والنشر فيها.</p>
<p>وكانت جماعة المهاجرين هذه تحمل في تشكيلها صفة العالمية وتعدد الأجناس. وليس صحيحا أنها اقتصرت على جنس واحد هو سلالة إسرائيل الدموية. فالقرآن يشير إلى أن أتباع موسى كان فيهم {رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} وأنه قال في اجتماع يرأسه فرعون : {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم} وأن فرعون رد على هذا الرجل : {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}(غافر : 28- 29).</p>
<p>ويروي القرآن كذلك قصة السحرة -أو الإعلاميين عند فرعون- الذين حين رأوا الآيات البينات تحدوا فرعون حين هددهم بالصلب وتقطيع الأعضاء وقالوا له : { فاقْضِ ما أنت قَاضٍ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا}(طه : 72).</p>
<p>ويذكر القرآن أيضا أن دعوة موسى دخلت دوائر القصر الفرعوني حتى ضمت زوجة فرعون التي ضحت بنعيم القصر ودعت الله أن يعوضها قصرا بدله في الجنة.</p>
<p>وفي المقابل يروي القرآن الكريم أن عصابة فرعون التي عارضت دعوة موسى قد ضمت في قيادتها مترفا عاتيا من قوم موسى ومن سلالة إسرائيل الدموية هو قارون الذي وقف مع فرعون وهامان صفا واحدا : {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب}(غافر 23- 24). ويضيف القرآن تفاصيل دقيقة عن قارون هذا فيقول : {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم} وأنه كان لديه {من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة}وإن قومه قالوا له حين أظهر البطر والطغيان : {لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين.وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} فرد عليهم بصفاقة وصلف :{ إنما أوتيته على علم عندي} أي خبرة بأعمال التجارة والاستثمار، وأنه استمر في طغيانه حتى نزل به عقاب الله وخسفه فدمر قصوره وهلكت نفسه.(انظر القصص : 76- 82).</p>
<p>وإذا كان القرآن يسمي الخارجين مع موسى: بني إسرائيل، فلأن المدلول القرآني ل&#8221;بنو&#8221; و &#8220;آل&#8221; تعني أتباع المعتقد لا سلالة الدم، كما ذكر ذلك الطبري في تفسيره نقلا عن الصحابة والتابعين الذين قالوا : إن آلِ الرجل هم أتباعه، وقومَه هُمْ مَنْ على دينه.ونقل الطبري عن ابن عباس أنه قال في الآية: هم المؤمنون من آل إبراهيم وآلِ عمران وآلِ ياسين وآلِ محمد. يقول الله تعالى : { إن أولى الناس بإبراهيم للَّذِينَ اتبعوه}(آل عمران : 68)(1) .</p>
<p>ولكن آثار البيئة التي نشأ فيها أتباع موسى -بيئة الثقافة الفرعونية- فعلت فعلها في هذه الانطلاقة الأولى لأمة الرسالة، ومن هذه الآثار أن أتباع موسى حين كانوا في طريقهم لأرض أمة الرسالة تأثروا بالتراث الديني الفرعوني الذي يقوم على عبادة العجل (أبيس)(2) كذلك تأثروا بأخلاق أهل الزراعة فحنُّوا إلى الراحة وإلى تقاليد الطعام المصري من البقل والقثاء والبصل والثوم والعدس. وظهرت فيهم أيضا آثار بيئة الاستبداد الفرعوني، وما تفرزه في أخلاق المحكومين من ضعف الإرادة، ونكوص عن التضحية، وضجر من المسؤولية.</p>
<p>ولكن أخطر هذه الآثار التي ظلوا يعانون منها حتى الوقت الحاضر هي تأثرهم ب &#8220;العنصرية&#8221; الفرعونية، وتطوير &#8220;عنصرية&#8221; خاصة بهم، إذ وقفت حائلا بينهم وبين الخروج إلى روابط أخوة الرسالة، التي يقتضيها الطور الجديد، ثم أبقتهم حبيسي روابط الدم، التي تعود إلى الأطوار الماضية، بعد أن طَلَوْها بطِلاء ديني، تحت اسم جديد هو &#8220;شعب الله المختار&#8221;. ولقد نتج عن ذلك إغلاق باب الانتماء إلى الأمة الجديدة أمام غير ذرياتهم، وتعطيل وظيفة المؤسسات التربوية في الأرض المباركة.</p>
<h2><span style="color: #339966;">عيسى \ يصحح أعطاب الأمة الوليدة</span></h2>
<p>ثم جاء عيسى \، لإصلاح ما أصاب نواة الأمة الوليدة، ولإخراجها من مفهوم القوم People&#8221; &#8221; إلى مفهوم &#8220;عالمية أمة الرسالة&#8221;، فاستخلص نفراً من الحواريين الذين تخلوا عن مفهوم &#8220;شعب الله المختار&#8221; ومضوا في الدعوة إلى -العالمية- بشكل أفراد لا بشكل &#8220;أمة&#8221;. أما بقية الجماعات الإسرائيلية، فقد ظلت حبيسة الأغلال والآصار الاجتماعية والفكرية، التي ورثتها عن بيئة الفراعنة، وطَوَّرَها الأحبار الاسرائيليون بعد أن ألبسوها لباسا توراتيا. ولذلك ناصبت دعوى عيسى \ العِداء، وتسببوا في مزيد من تمزيق &#8220;الأمة&#8221; الوليدة، وانقسامها إلى قسمين رئيسيين أطلقوا عليهما اسم &#8220;اليهود&#8221;، واسم &#8220;النصارى&#8221;.</p>
<p>&#8212;&#8212;</p>
<p>(ü) عنوان كتاب الأمة رقم 30 من تأليف د. عرسان الكيلاني.</p>
<p>1- الطبري التفسير ج 2 ص 234.</p>
<p>2- د. أحمد فخري : مصر الفرعونية ط 3 مكتبة الانجلو المصرية 1971 ص 433.</p>
<h5><span style="text-decoration: underline; color: #800080;">د. ماجد عرسان الكيلاني</span></h5>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2003/12/%d8%a5%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%85%d9%84-%d8%b5%d8%ad%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%88%d9%85%d8%b1%d8%b6/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>قضايا دعوية &#8211; إخراج الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها(*)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2003/12/%d9%82%d8%b6%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%af%d8%b9%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d8%a5%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%85/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2003/12/%d9%82%d8%b6%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%af%d8%b9%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d8%a5%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%85/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 01 Dec 2003 11:14:44 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 203]]></category>
		<category><![CDATA[شؤون عامة]]></category>
		<category><![CDATA[الرسالة الإسلامية]]></category>
		<category><![CDATA[د. ماجد عرسان الكيلاني]]></category>
		<category><![CDATA[سلوك الفرد والجماعة]]></category>
		<category><![CDATA[كنتم خير الناس للناس]]></category>
		<category><![CDATA[مفهـــوم الأمــة المسلمة]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم الإنسان]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=21751</guid>
		<description><![CDATA[2- مفهـــوم الأمــة المسلمة 1- معنى الأمة : الأمة مصطلح من المصطلحات التي ولدت بميلاد الرسالة الإسلامية، مثل مصطلح &#8220;الصلاة&#8221; و&#8221;الزكاة&#8221; و&#8221;الإيمان&#8221; و&#8221;الإسلام&#8221; و&#8221;الكفر&#8221; و&#8221;النفاق&#8221; وهكذا. والأمة تعني -لغوياً- الجماعة من الناس التي تؤم جهة معينة(2). وأما المعنى الاصطلاحي فقد تكررت الإشارة إليه في القرآن والحديث ليدل على معانٍ عديدة أهمها : المعنى الأول : [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<h1><span style="color: rgb(51, 153, 102);">2- مفهـــوم الأمــة المسلمة</span></h1>
<h3><span style="color: rgb(128, 0, 128);">1- معنى الأمة :</span> الأمة مصطلح من المصطلحات التي ولدت بميلاد الرسالة الإسلامية، مثل مصطلح &#8220;الصلاة&#8221; و&#8221;الزكاة&#8221; و&#8221;الإيمان&#8221; و&#8221;الإسلام&#8221; و&#8221;الكفر&#8221; و&#8221;النفاق&#8221; وهكذا.</h3>
<p>والأمة تعني -لغوياً- الجماعة من الناس التي تؤم جهة معينة(2). وأما المعنى الاصطلاحي فقد تكررت الإشارة إليه في القرآن والحديث ليدل على معانٍ عديدة أهمها :</p>
<p>المعنى الأول : ورد مصطلح &#8220;الأمة&#8221; ليدل أن الأمة هي : إنسان + رسالة</p>
<p>و&#8221;الرسالة&#8221; هنا هي &#8220;مثل أعلى&#8221;، يقدم النموذج الأمثل للجوانب الخيرة في سلوك الفرد والجماعة، ليأتم به الناس ويسعدوا، ويقدم الصورة الشاملة للجوانب الشريرة، ليتجنبها الناس ويسلموا من آثارها. ويشير القرآن الكريم إلى هذه الرسالة في مواضع عديدة باسم -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-.</p>
<p>وأما عن &#8220;الإنسان&#8221; فقد يكون فرداً واحداً، مثل الإشارة إلى إبراهيم عليه السلام عند قوله تعالى : {إنّ ابراهيم كان أمّة قانِتاً لله حنِيفاً ولم يَكُ من المُشْركين}(النحل : 120) ومثل قوله  في زيد بن عمرو بن نفيل :</p>
<p>&gt;يبعث أمة وحده&lt; لأنه لم يشرك في دينه شيئاً(3).</p>
<p>ومثل قول عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه فروة الأشجعي حين قال : &gt;كنت جالساً مع ابن مسعود فقال : إن معاذاً كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين.</p>
<p>فقلت : يا أبا عبد الرحمن إنما قال الله : إن ابراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا.. فأعاد قوله : إن معاذاً&#8230; فلما رأيته أعاد عرفت أنه تعمد الأمر فسكتُ.</p>
<p>فقال : أتدري ما الأمة وما القانت؟</p>
<p>قلت : الله أعلم!</p>
<p>قال : الأمة الذي يعلم الخير، ويؤتم به ويقتدي، والقانت : المطيع لله. وكان معاذ بن جبل ] معلماً للخير مطيعا لله ورسوله&lt;(4)</p>
<p>وقد يكون -الإنسان- جماعة من العلماء الدعاة، الذين يحملون رسالة إصلاحية، مثل قوله تعالى : {ومن قومِ موسى أمة يهْدون بالحقّ وبه يعْدلون}(الأعراف : 159).</p>
<p>وقوله تعالى : {ولْتكُن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينْهون عن المنكر}(آل عمران : 104).</p>
<p>وقد يكون -الإنسان- طائفة أو قبيلة لها معتقدها ونهجها، مثل قوله تعالى : {وقطّعْناهم اثْنتي عشْرة أسباطاً أمماً}(الأعراف : 160)، وقوله أيضا : {وقطّعناهم في الأرض أمما منْهم الصالِحون ومنهم دون ذلك}(الأعراف : 168).</p>
<p>وقد يكون -الإنسان- جيلا له فكر واحد، ولون حضاري واحد، مثل قوله تعالى : {تِلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم}(البقرة : 134- 141).</p>
<p>وقوله  في جيل الصحابة الذي رباه : &gt;إن لكل أمة أجلاً، وإن لأمتي مائة سنة، فإذا مرت على أمتي مائة سنة أتاها ما وعدها الله&lt;(5).</p>
<p>وقد يكون -الإنسان- مجموعة متميزة بالتزامها مُثُل الرسالة ومبادئها. مثل قوله تعالى : {كُنْتم خير أمّة أخْرجت للناس تأمرون بالمعروفِ وتنْهون عن المنكر وتؤمِنون بالله}(آل عمران : 110).</p>
<p>وبسبب هذا التميز قال عمر بن الخطاب عند ذكر هذه الآية : تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا! وفي تفسيرها قال ابن عباس : هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة!(6)</p>
<p>وقد يتسع مفهوم الإنسان حتى يشمل الإنسانية كلها، إذا اجتمعت على فكرة واحدة، ومنهاج واحد. مثل قوله تعالى : {وما كان النّاس إلا أُمّة واحدةً فاخْتلفوا}(يونس : 19)، {ولولاً أن يكون النّاس أمة واحدةً لجعلنا لمن يكْفُر بالرحمن لبُيُوتِهم سُقفا من فضَّةِ ومعارج عليها يظْهَرُون}(الزخرف : 33).</p>
<p>والمعنى الثاني : فقد ورد مصطلح &#8220;أمة&#8221; ليعني -منهاج حياة- وما يتضمنه هذا المنهاج من معتقدات وقيم وممارسات وتقاليد مثل قوله تعالى : {إنّا وجدْنا آباءنا على أُمّة وإنّا على آثارهم مُهْتدون}(الزخرف : 22).</p>
<p>والمعنى الثالث : فقد ورد مصطلح &#8220;أمة&#8221; ليعني -فترة زمنية- مثل قوله تعالى : {وقال الذي نجا مِنْهما وادّكر بعد أمّة}(يوسف : 45)، {ولئِن أخّرنا عنهم العذاب إلى أمّة معدودة}(هود : 8).</p>
<p>والمعني الرابع : حيث ورد مصطلح &#8220;أمة&#8221; ليعني مجموعة من الناس لها مهنة واحدة. مثل قوله تعالى : {ولمّا ورد ماء مدْين وجد عليه أُمّة من النّاس يسْقُون}(القصص : 23).</p>
<p>والمعنى الخامس : حيث ورد مصطلح &#8220;أمة&#8221; ليشير إلى المخلوقات الأخرى من الحيوانات والطيور والحشرات التي تنتمي إلى جنس واحد مثل قوله تعالى : {ومَا مِن دابَّةٍ في الأرض ولا طائِر يطيرُ بجَنَاحيْه إلاَّ أمم أمْثالكم}(الأنعام : 38).</p>
<p>ولقد كشف علم الحيوان أن لكل نوع منه لغة تخاطب، وتقاليد في العمل والقيادة، ونمط في الاجتماع وأسلوب في الحياة.</p>
<p>ولقد تردد شرح مصطلح &#8220;الأمة&#8221; عند بعض المفسرين إلى المعاني التي مرت. فهو عند الطبري : &#8220;الجماعة والقرن من الناس&#8221;(7)، وهو &#8220;دين وملة&#8221;(8)، وهو&#8221;الناس كانوا على دين واحد فاختلفوا&#8221;، وهو &#8220;الإمام يُقتدى به في الخير&#8221;(9)، وهو &#8220;الأجل المحدود، أو مجيء أمة وانقراض أخرى&#8221;(10)، وهو &#8220;الطريقة : أي كنتم خير أهل طريقة&#8221;(11).</p>
<p>مما مرّ كله يمكن الخروج بالملاحظات التالية حول مفهوم &#8220;الأمة&#8221; ومعناه :</p>
<p>الملاحظة الأولى : أن المعنى الاصطلاحي المتكامل لــ&#8221;الأمة&#8221; يتضمن عناصر أربعة : الأول: العنصر البشري؛ والثاني : العنصر الفكري؛ والثالث : العنصر الاجتماعي؛ والرابع : العنصر الزمني. فالأمة مجموعة من الناس تحمل رسالة حضارية نافعة للإنسانية، وتعيش طبقا لمبادئ هذه الرسالة. وتظل تحمل صفة -الأمة- مادامت تحمل هذه الصفات. أما حين تفقدها فقد يطلق عليها اسم &#8220;الأمة&#8221; ولكنها لن تكون النموذج الإسلامي الكامل للأمة، كما يطلق اسم &#8220;دين&#8221; على أي دين، ولكن الدين المقبول عند الله هو الإسلام.</p>
<p>والملاحظة الثانية : أن العنصر الرئيس في مفهوم الأمة، هو عنصر -الرسالة- أي العطاء الذي تقدمه جماعة من الناس إلى بقية مجموعات الإنسانية ليساعد على بقاء النوع البشري ورقيه.</p>
<p>والملاحظة الثالثة : لا يشترط في العنصر البشري -أو المكون الأول للأمة- الروابط الدموية، أو الجغرافية، ولا الكم العددي. فقد يكون هذا العنصر فرداً واحداً، وقد يكون فئة، أو جماعة، أو جيلاً أو أجيالاً، أو الإنسانية كلها، مادامت تحمل رسالة، ويوحدها فقه شامل لهذه الرسالة، وتطبيقات فاعلة، تنتج عنها نظم وتطبيقات حضارية، في ميادين الحياة المختلفة، تسهم في بقاء النوع البشري ورقيه.</p>
<p>والملاحظة الرابعة : أن الأمة تتدرج في نشأتها ونموها كتدرج نمو الجسد الإنساني. فكما يبدأ الجسد نطفة ثم علقة ثم يولد طفلاً ثم يصبح صبيّاً، ثم يقوى شاباً، ثم يبلغ رجلاً، ثم يعود شيخاً، وكما أن الإنسان الكامل هو الذي يبلغ النضج الجسدي والنفسي والعقلي ويقوم بوظائفه كاملة. فكذلك الأمة تبدأ فرداً واحداً ثم تصير مجموعة صغيرة، ثم قوماً، ثم شعباً، حتى تنتهي بالدائرة الإنسانية كلها. والأمة الراشدة هي التي تبلغ درجة الرشد الحضاري والنوعي، وأبرز شارات هذا النضج هو حمل رسالة الدعوة للخير، بمعناه الواسع وإشاعته، والنهي عن المنكر بمعناه الواسع ومحاربته.</p>
<p>والملاحظة الخامسة : أن الأمة الراشدة لا ينال من وحدتها تنوع الشعوب والقبائل فيها، ولا اختلاف الألوان والمهن والأماكن، مادامت هذه التنوعات لا تخرج عن وظيفتها في تسهيل التعارف، ومادامت ولاءاتها تدور في فلك الرسالة وحدها، ولا تدور في فلك الأشخاص والأشياء، ومادام يعمل هذا التنوع كما يعمل التنظيم الإداري، القائم على الوحدة في الغاية، والتنوع في الاختصاصات والوسائل.</p>
<p>والملاحظة السادسة : أن الأمة كيان صناعي يمكن بناؤه وهدمه. فهي تخرج إخراجاً للقيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا الإخراج يقتضي منها بذل الجهد والمقدرات لتطوير المؤسسات التربوية والإدارية، للقيام بالدراسة والتخطيط المستمر، لإحكام تطوير الأمة وإخراجها، بما تتطلبه وظيفتها حسب حاجات الزمان والمكان. وإلى إخراج هذه المؤسسات، كان التوجيه الإلهي، مثل قوله تعالى :{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المُفلحون}(آل عمران : 104).</p>
<p>والملاحظة السابعة : أن استمرار الأمة في الحياة مرهون باستمرار حملها للرسالة وما يتفرع عنها من تطبيقات في مجالات الحياة المختلفة، فإذا ضعفت عن حمل هذه الرسالة، أو توقفت فاعليتها، أو تقلصت تطبيقاتها، انتهى وجود الأمة، وحل محلها أمة أخرى، لا علاقة لها بسابقتها، وإن ربطتها بها روابط الدم والأرض واللغة والثقافة. وهذا ما فهمه كبار الصحابة الذين عايشوا بدء الرسالة وتطبيقاتها من قوله تعالى : {كُنتم خير أمّة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهونعن المُنكر وتؤمنون بالله}(آل عمران : 110).</p>
<p>ولقد كان الخليفة عمر حريصاً على تأكيد هذا الفهم والتصور عن الأمة المسلمة حين قال في شرح الآية المذكورة :</p>
<p>&gt;لو شاء الله لقال أنتم، فكنا كلنا، ولكن قال: (كنتم) في خاصة من أصحاب رسول الله ، ومن صنع مثل صنيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر&lt;.</p>
<p>وفي مناسبة أخرى قال : &gt;كنتم خير أمة أخرجت للناس، تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا&lt;.</p>
<p>وفي حجة حجها قرأ هذه الآية ثم قال : يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها.</p>
<p>وعن ابن عباس في تفسير الذين هم خير أمة أخرجت للناس، قال : هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.</p>
<p>وعن أبي هريرة في تفسير الآية المذكورة : كنتم خير الناس للناس، تجيئون بهم في السلاسل تدخلونهم في الإسلام(12)، ليدخلوا الجنة.</p>
<p>والملاحظة الثامنة : أن سعة دائرة الأمة يحددها -مدى التواصل والاتصال- الذي تحدده تكنولوجيا العصر. فحين كان الإنسان يسير على قدميه، ويتواصل مشافهة مع بني جنسه، تحددت دائرة الأمة بالحدود الجغرافية التي أمكنه التحرك داخلها، وحين ركب الحمير والخيل اتسعت الدائرة لتشمل أكثر من قريته، وحين اكتشف العربات التي تجرها الخيول، ورموز الكلمات والكتابة ازدادت سعة دائرة الأمة، لتشمل القارة، حتى إذا وقف على عتبة ركوب الفضاء والتواصل بالتكلس والتلفون والفاكس، رسمت الرسالة الإسلامية للأمة دائرة تتسع للإنسانية كلها.</p>
<p>ويرتبط بهذا التطور الجغرافي لسعة رقعة الأمة تطور اجتماعي مواز يوسع دائرة القيم في كل طور، فينقلها من القيم الأسرية، إلى القبلية، ثم القومية، ثم العرقية ثم العالمية. وإلى هذا التدرج في الاتساع كانت الإشارة النبوية في أن كل رسول بُعث إلى قومه، وأنه صلى الله عليه وسلم بُعث إلى الناس كافة.</p>
<p>ولكن المشكلة في التطور المشار إليه، أن البشرية كانت -ومازالت- تعجز عن مواكبته فتقع في خطأين اثنين.. الأول : أن فئات كثيرة من البشر كانت ومازالت تمارس الرفض والحران، فترفض الانتقال من قيم طور انتهى أمده إلى قيم طور حل زمنه. والثاني : أن نوازع الهوى المرتبطة بمصالح بعض أهل المال والسلطان كانت ومازالت تشوه مفهوم الأمة فتنقل -الرسالة أو الفكرة- من المحور إلى الهامش، وتحل محلها روابط الدم أو الوطن أو المصالح المادية، وبذلك يطلق مصطلح &#8220;الأمة&#8221; على من لا ينطبق عليه مواصفات الأمة كما حددها القرآن والحديث.</p>
<p>لذلك كان من أبرز مسؤوليات المؤسسات التربوية الإسلامية : أن تقوم في كل جيل بمراجعة المفاهيم المنحدرة من الآباء عن معنى -الأمة- ومكوناتها، وروابطها بغية تجديد -المفاهيم- الصائبة، وتزكية المفاهيم المتداولة، مما علق بها من نقص أو تشويه.</p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;-</p>
<p>(*) عنوان كتاب الأمة رقم 30 من تأليف د. عرسان الكيلاني.</p>
<p>2- القرطبي، التفسير ج 2، ص 127.</p>
<p>3- نفس المصدر السابق.</p>
<p>4- الطبري، التفسير، ح 14، ص 190.</p>
<p>5- كنز العمال، ج 14، ص 193 نقلا عن الطبراني في الكبير.</p>
<p>6- الطبري، التفسير، ح 4، ص 43- 44.</p>
<p>7- الطبري، جامع اليان، ح 1، ط 3 (القاهرة : مكتبة الحلبي، بلا تاريخ) ص 563.</p>
<p>8- الطبري، نفس المصدر، ح 25، ص 60- 61.</p>
<p>9- الطبري، نفس المصدر، ح 2، ص 334- 336.</p>
<p>10- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ح 2، تفسير آية 128 من سورة البقرة، ص 127.</p>
<p>11- الطبري، التفسير ج 4، ص 46.</p>
<p>12- الطبري، التفسير ج 4، ص 43- 44.</p>
<h3><span style="text-decoration: underline; color: rgb(255, 0, 0);"> د. ماجد عرسان الكيلاني</span></h3>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2003/12/%d9%82%d8%b6%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%af%d8%b9%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d8%a5%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
