<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; د. فــريــد الأنـصـاري رحمه الله تعالى</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%af-%d9%81%d9%80%d9%80%d8%b1%d9%8a%d9%80%d9%80%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d9%80%d8%b5%d9%80%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d8%b1%d8%ad%d9%85%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%89/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>سر الدعاء وخفاء الأسماء</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2011/02/%d8%b3%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b9%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%ae%d9%81%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d9%85%d8%a7%d8%a1/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2011/02/%d8%b3%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b9%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%ae%d9%81%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d9%85%d8%a7%d8%a1/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 01 Feb 2011 08:45:19 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.فريد الأنصاري]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 352]]></category>
		<category><![CDATA[فقه العبادات]]></category>
		<category><![CDATA[الأسماء الحسنى]]></category>
		<category><![CDATA[الأسماء الحسنى بين التجلي والخفاء]]></category>
		<category><![CDATA[الثناء والدعاء]]></category>
		<category><![CDATA[الدعاء]]></category>
		<category><![CDATA[حقيقة الدعاء]]></category>
		<category><![CDATA[خفاء الأسماء]]></category>
		<category><![CDATA[د. فــريــد الأنـصـاري رحمه الله تعالى]]></category>
		<category><![CDATA[سر الإخلاص]]></category>
		<category><![CDATA[سر الدعاء]]></category>
		<category><![CDATA[سر الدعاء وخفاء الأسماء]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=14943</guid>
		<description><![CDATA[الدين غذاء كلي شامل، غذاء للروح وللعقل وللبدن جميعا؛ فكل الصلوات، وكل الزكوات، وسائر الأعمال من الأركان والسنن والفضائل أطباق شهية من غذاء الدين. بيد أن كثيرا من الناس في هذا العصر غلب عليهم الاهتمام -من الدين- بما يغذي العقل فقط، أو ما يغذي عزيمة جهاد العدو فقط، أو ما يشحذ الذهن لخوض غمار الصراع [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>الدين غذاء كلي شامل، غذاء للروح وللعقل وللبدن جميعا؛ فكل الصلوات، وكل الزكوات، وسائر الأعمال من الأركان والسنن والفضائل أطباق شهية من غذاء الدين. بيد أن كثيرا من الناس في هذا العصر غلب عليهم الاهتمام -من الدين- بما يغذي العقل فقط، أو ما يغذي عزيمة جهاد العدو فقط، أو ما يشحذ الذهن لخوض غمار الصراع السياسي فقط. وكل ذلك زاد ضروري للمؤمن، لكنه جزء من الدين وليس كل الدين.</p>
<p>ومن ثَمَّ كان لابد من تغذية أخرى، تغذية ترجع على كل ما سبق بالتخلية والتحلية؛ حتى يكون معبّرا بصدق وإخلاص عن حقيقة الدين.. تغذية ذات طبيعة أخرى ومذاق آخر، تنال فيها من لذات الروح ما لا تجده في شيء آخر.. إنها &#8220;خلوة الروح للمناجاة والابتهال&#8221;، خلوةٌ لا يعكر صلتَك بالله فيها شيءٌ على الإطلاق.</p>
<p>وإنما هي أوقات تختارها بنفسك، لتناجي فيها ربَّك بالثناء والدعاء، أوقات يصفو فيها قلبُك لله ويخلص له، بليلٍ أو نهارٍ، فتعرج إليه أشواقُك في خلوات الروح رَغَباً ورَهَباً، عبر كلمات الذكر والثناء عليه تعالى، بما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، مما عَلَّمَنَا سبحانه من أسمائه الحسنى وصفاته العلى.. فتدعوه بما دعاه الأنبياءُ والصِّدِّيقون والأولياءُ المخلَصون.&lt;&gt;</p>
<p>وإنَّ لِذِكْرِ الله جل جلاله بالدعاء والثناء عليه -مَقْرُونَيْنِ- لأثراً عجيبا على النفس، وإن ذلك لمن أحب العبادات إلى الله، وأقربها طريقا إليه تعالى. والثناءُ على الله جل جلاله يكون أساساً بما أثبت لنفسه تعالى من أسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ ذلك أن الثناء عليه تعالى بأسمائه وصفاته، وجميل صنعه وفعاله، وحكمة تقديره وتدبيره مرتبط أشد الارتباط بأدب الدعاء، في كل الصيغ الواردة عن الأنبياء والصالحين، كما هو منصوص عليه في القرآن الكريم والسنة النبوية بشكل مستفيض؛ حتى إنك لا تكاد تجد دعاءً قرآنيا أو سُنِّيا إلا وتجده مقرونا بالثناء على الله بجمال أسمائه وصفاته تعالى. وهو منهج بقدر ما يكون أدعى للإجابة والقبول، يزيد العبد معرفة بالله وعلما به جَلَّ عُلاَه. وإن ذلك لَهُوَ من أعظم المقاصد التعبدية في الدين، ومن أجمل الطرق الموصلة إلى رب العالمين.</p>
<p>وإنَّ أوقاتاً تصفو فيها النفس لمثل هذا لهي &#8220;الأوقات&#8221; حَقّاً! وقد كان الربانيون من قبلُ إذا عَلِمُوا أحدَهم له مثل ذلك قالوا في ترجمته: &#8220;فلان له أوقات&#8221;، أو &#8220;كان صاحب أوقات&#8221; وكأنما &#8220;الوقت&#8221; -بهذا المعنى- إنما هو ما تمضيه في مناجاة الله.. وما سواه ليس لك بوقت، بل قد ضاع منك ومضى هدراً..! وأما الآخر فقد بقيتْ لكَ بركاتُه إلى يوم القيامة؛ لحظاتِ خُلْدٍ تؤتي أكلَها كلَّ حين بإذن ربها، فَأَكْرِمْ بِهِ من &#8220;وَقْتٍ&#8221; وأنْعِمْ!</p>
<p>ذلك أن المناجاة لله والابتهال -بالدعاء والثناء عليه تعالى- تورث القلب إشراقا نورانيا خاصا، يجعل العبد شفافَ الروح، صافي الوجدان، يرى بنور الله.. فإذا به يتدرج -ما داوم على ذلك- عبر مدارج الإيمان نحو منـزلة الولاية حتى يكون ممن أوتي البركةَ والحكمة، من الصّدّيقين والرّبّانيينَ.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>سر الإخلاص</strong></span></p>
<p>فأنْ تُناجيَ الله بالدعاء -كما وصفنا- يعني أنك تعبده بصدق، لأن الدعاء إنما يكون عند &#8220;الشعور بالافتقار&#8221; وذلك سر الإخلاص، وحقيقة التوحيد؛ ومن هنا لا يمكن للمضطر إلا أن يكون مخلصا إذا دعا الله جل وعلا على الحقيقة؛ نعم، حتى لو كان مشركا. وإنما يكون إخلاصه للحظة عابرة، هي لحظة &#8220;الشعور الاضطراري بالافتقار إلى الله&#8221;، ثم يعود إلى شركه. وسَبَبُ ذلك واضحٌ على مستوى النفس الإنسانية وطبيعتها، فاقرأ إن شئت قول الله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا}(الإسراء:67)، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الموْجُ مِنْ كُلِّ مَكاَنٍ وَظَنُّوا أَنَّهُم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ انْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُم إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الارْضِ بِغَيْرِ الحقِّ}(يونس:22-23). ومثله قوله سبحانه: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}(العنكبوت:65)، والسر في إخلاص المشرك عند الدعاء -ساعةَ الخوف والاضطرار- إنما هو شعوره الصادق بالحاجة إلى الله اضطراراً، فهنالك يَضِلُّ عنه كلُّ ما كان يشرك به من قبل، ولا يبقى عنده من أمل حقيقي يتعلق به إلا الله.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>حقيقة الدعاء</strong></span></p>
<p>وإنما القصد من هذا كله بيان أن الدعاء هو التعبير الصادق عن الاحتياج والافتقار إلى الله؛ فكان بذلك هو أصفى لحظات العبادة لله وأخلصها لوجهه الكريم، والمؤمن الصادق المخلص هو أولى به وأجدر. فسير العبد إلى الله كلُّه دعاءٌ بهذا المعنى.. سواء في ذلك صلاتُه، وصيامه، وزكاته، وذكره، وشكره، وخوفه ورجاؤه، وسائرُ عمله. كل ذلك إنما حقيقته طلب رضى الله، وابتغاء وجهه جل علاه. وما معنى الدعاء غير هذا؟ فلم يبق شيء من الدين إذن لم يدخل في معناه. فلَكَ أن تقول إن الذي لا يدعو ربه -على كل حال- لا يعبده بصدق؛ بما هو لا يمارس العبادة على وجهها الحقيقي، أي تحقيق معنى الافتقار إلى الله في كل شيء، سواء على مستوى الوجدان أو التعبير.</p>
<p>ولذلك كان الدعاء هو جوهر العبادة وروحها. وكان ذلك البيان النبوي البليغ -من جوامع كَلِمه صلى الله عليه وسلم</p>
<p>مما رواه الصحابي الجليل النعمان بن بشير رضي الله عنه</p>
<p>أن النبي صلى الله عليه وسلم</p>
<p>قال: (( إن الدّعَاء هو العبَادة))</p>
<p>ثم قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}(غافر:60)&#8221; (أخرجه الأربعة)، ومن هنا تضافرت الآيات، وتواترت الأحاديث في الأمر بالدعاء؛ فكان قول الله تعالى مما قرأه النبي صلى الله عليه وسلم</p>
<p>في الحديث المذكور دالا على وجوب الدعاء على الإجمال، إذ المخالفة مآلها ترهيب كما هو واضح من سياق الآية: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}، وعلى هذا يفهم قوله  صلى الله عليه وسلم</p>
<p>: (( من لا يدْعُ الله يغضَبْ عليه))</p>
<p>(أخرجه الحاكم)، أي بما هو قد استغنى عن الله، فكأنما الحديث تفسير للآية. ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: &#8220;سلوا الله كلَّ شيء حتى الشِّسْعَ، فإن الله عز وجل إن لم ييسّره لم يتيسّر&#8221;.(1) وهو تعبير بليغ عن حقيقة التوحيد وإخلاص الدين لله عقيدةً وعملا.</p>
<p>وليس عبثا أن يقص علينا القرآن الكريم أحوال الأنبياء والمرسلين في تحقيق هذا المعنى العظيم، وينقل إلينا عباراتهم الرقيقة، ومواجيدهم الجميلة، في مناجاة الله، والابتهال إليه رَغَباً ورَهَباً. وإنما كانت تربية سيدنا محمدصلى الله عليه وسلم</p>
<p>لأصحابه بتعليمهم اللجوء إلى الله في اليسر والعسر تحقيقا لهذا المعنى من الإخلاص والتعرف إلى الله بصدق.</p>
<p>ثم إن العبد إذ يغفل عن ربه تثقل نفسه ويضيق صدره بما يقع له من غرق في أوحال النفس وأدخنة الشيطان، فيحتاج إلى لحظات للتصفية، يجأر فيها إلى الله بالدعاء مستغيثا ومستعينا، حتى إذا انخرط في سلك المواجيد السائرة إلى الله بصدق تدفق عليه شلال الرحمة شفاءً وعافيةً فتنهض روحُه يَقِظَةً قويةً.. تستعيد عافيتها، وتسترد صفاءها بإذن الله. فمن ذا يستغني عن دعاء الله إلا جاهل بالله!؟</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>الأسماء الحسنى بين التجلي والخفاء</strong></span></p>
<p>اهتم العلماء كثيرا -سلفُهم وخلفُهم- بقضية الأسماء الحسنى في سياق التعبد بها دعاءً وابتهالا إلى الله جل علاه نظرا لجلال أسرارها وجمال أنوارها، ولِمَا ورد في ذلك من الأمر في كتاب الله، من مثل قوله تعالى: {وَلِلهِ الاسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(الأعراف:180)، وقوله سبحانه: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الاسْمَاءُ الحسْنَى}(الإسراء:110)، وما صح في السنة النبوية الشريفة من قوله صلى الله عليه وسلم</p>
<p>: &#8220;إن لله تسعةوتسعين اسما -أعطى مائة إلا واحدا- من أحصاها دخل الجنة، إنه وِتْرٌ يحب الوِتْرَ&#8221; (متفق عليه)، وفي رواية: (( من حفظها دخل الجنة))</p>
<p>ورُوِيَ أيضا بصيغة: (( إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما -مائة غير واحد- لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر))</p>
<p>(متفق عليه). وما ذلك كله إلا لأنها مدخل عظيم للتعرف إلى الله تعالى، والعروج إليه سبحانه عبر مقامات معرفته ومنازل محبته للفوز بكرم ولايته.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>المراد بحفظ الأسماء وإحصائها</strong></span></p>
<p>غير أنه تنتصب بين أيدينا ههنا قضيتان: الأولى تتعلق بمفهوم الحفظ أو الإحصاء الوارد في الحديث، والثانية تتعلق بمسألة عد هذه الأسماء وتعيينها. فأما القضية الأولى -وهي الراجعة إلى المقصود بمعنى الحفظ والإحصاء- فقد سبق لنا كلام عنها في غير هذا الموطن نلخصه كما يلي: وذلك أنه &#8220;قد ذهب أغلب العلماء -ما سترى بحول الله- إلى أن &#8220;الحفظ&#8221; هنا هو بمعنى حفظ المقتضيات من الأفعال والتصرفات، لا حفظ العبارات فقط، كما في قول النبيصلى الله عليه وسلم</p>
<p>: (( احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده اتجاهك))</p>
<p>(رواه أحمد والترمذي). والمقصود بحفظ المقتضيات توقيع كل أعمالك وتصرفاتك بما تقتضيه دلالاتها من حدود والتزامات.</p>
<p>فمثلا إذا انطلق العبد في طلب رزقه واكتساب قوته فإنما يفعل ذلك باسمه تعالى &#8220;الرزاق&#8221;، ومعناه أن يعتقد ألا رزق يصل إليه إلا ما كتب الله له، ثم ألاّ مانع له منه وقد كتبه الله له، ويكون لهذا -إن صح اعتقاده فيه- أثره الإيماني، يجتهد كل يوم في تحصيله، فلا يساوم في دينه مقابل مال، عطاءً أو حرمانا، إذ وجد في معرفته باسم &#8220;الرزاق&#8221; أنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. وهو قصد من مقاصد حفظ &#8220;الاسم&#8221; من أسمائه الحسنى؛ الثبات على ذلك أمام الفتن، لا تزحزحه المضايقات ولا المناوشات ولا التهديدات، ولا تذهب به الوساوس كل مذهب، بل يسكن إلى عقيدته مطمئنا آمنا من كل مكروه، إلا ما كان من قدر الله، موقنا أن الله لا يريد به إلا خيرا. فذلك أمر المؤمن الذي ليس إلا لمؤمن، والمؤمن أمره كله له خير كما في الحديث الصحيح حيث قال صلى الله عليه وسلم</p>
<p>: (( عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير. وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إنْ أصابته سراء شكر وكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له))</p>
<p>(رواه مسلم).</p>
<p>إنها عقيدة السلام والأنس الجميل بالله. وبقدر ما تسكن النفس إلى اسمه تعالى &#8220;الرزاق&#8221; يذوق العبد من معنى &#8220;الحفظ&#8221; جمالا حميدا، وأنسا جديدا، فتعلو القدم بذلك في مراتب العبودية، وتوحيد الألوهية مقامات أخرى. والربانيون في &#8220;حفظ&#8221; كل اسم من أسمائه الحسنى -بهذا المعنى- مراتب ومنازل. وبذلك يمتلئ القلب حبا لجمال أنواره وجلال إفضاله تعالى، فيزداد شوقا إلى السير في طريق المعرفة الربانية، التي كلما ذاق منها العبد جديدا ازداد أنسا وشوقا، فلا تكون العبادة -بالنسبة إليه حينئذ- إلا أنسا، وراحة، ولذة في طريق الله، إذ تنشط الجوارح للتقرب إليه تعالى بالأوقات والصلوات والصيام والصدقات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات، والدخول في سائر أعمال البر الصالحات. ولك في أسماء الله الحسنى -من كل ذلك- مسالك تقربك إلى الله سبحانه وتوصلك إليه.</p>
<p>هذا هو الفهم الأليق بحديث الأسماء الحسنى، وهو ما ذهب إليه أغلب شراح الحديث عند تعرضهم لذلك؛ ومن هنا قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: &#8220;وقال الأصيلي: ليس المراد بالإحصاء عدها فقط لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العمل بها. وقال أبو نعيم الأصبهاني: الإحصاء المذكور في الحديث ليس هو التعداد، وإنما هو العمل، والتعقل بمعاني الأسماء والإيمان بها&#8221;(2). وقال أيضا: &#8220;وهو أن يعلم معنى كلٍّ في الصيغة، ويستدل عليه بأثره الساري في الوجود، فلا تمر على موجود إلا ويظهر لك فيه معنى من معاني الأسماء، وتعرف خواص بعضها (&#8230;) قال: وهذا أرفع مراتب الإحصاء. قال: وتمام ذلك أن يتوجه إلى الله تعالى من العمل الظاهر والباطن؛ بما يقتضيه كل اسم من الأسماء&#8221;.(3)</p>
<p>ذلك هو الشأن بالنسبة لسائر أسمائه الحسنى: الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن المهيمن&#8230; إلخ. فكلها &#8220;حسنى&#8221; بصيغة التفضيل المطلقة هذه، أي لا شيء أحسن منها، فهي تبث النور والسلام والجمال، في طريق السالكين إليه تعالى بحفظها، وتملأ قلوبهم إيمانا وإحسانا&#8221;.(4)</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>عَدُّ الأسماء وتعيينها</strong></span></p>
<p>وأما القضية الثانية وهي الراجعة إلى إشكال عَدّ هذه الأسماء وتعيينها صيغةً وعبارةً، الواحدة تلو الأخرى إلى تمام التسعة والتسعين؛ فإنها محط خلاف بين كثير من العلماء، خاصة وأنه لم يرد في ذلك حديث صحيح يسردها جميعا ويعينها بذاتها، وقد ضعف العلماء ما أخرجه الترمذي وغيره من الحديث الوارد في سردها وإحصائها. إلا أنه لا يكونعبثا أن يكلف الله ورسوله -ندبا أو إيجابا- بأمر مُقَدَّرٍ على وجه التحديد، ويبقى مع ذلك مجملا غير قابل للتطبيق والتحقيق، هذا خُلْفٌ، بل هو ممتنعٌ وجودُه في الشريعة، وهو يتخرج على القاعدة الأصولية القاضية بأنه: &#8220;لا يجوز أن يتأخر البيان عن وقت الحاجة&#8221;.</p>
<p>وأما قوله صلى الله عليه وسلم</p>
<p>: (( إن لله تسعة وتسعين اسما -أعطى مائة إلا واحدا- من أحصاها دخل الجنة))</p>
<p>فهو نص في عدد هذه الأسماء، بما يعني أنها أسماء محصورة محددة من بين عدة أسماء أخرى غير مقصودة بالعد ولا الإحصاء في خصوص هذا التكليف. والسياق ههنا قاض بأن العدد &#8220;تسعة وتسعين&#8221; لا يخرج عن ظاهره بل هو عدد حقيقي مقصود، فقد قال: &#8220;أعطى مائة إلا واحدا&#8221; لتأكيد ظاهر العدد مما يجعله نصا على معناه بلا منازع. وإذن لم يبق إلا شيء واحد، وهو أن هذه الأسماء موجودة فعلا، يمكن الاشتغال بها دعاءً وتعبداً، وليست من قبيل المجهول غير المبيَّن، وأن الندب مُتَوَجِّهٌ إليها حقيقةً لِمَا عُلم من أن الإتيان بها إحصاءً وعدّا وحفظا ممكنٌ شرعا وعقلا. فأين هي إذن؟</p>
<p>الجواب بسيط: إنها جميعها في كتاب الله، فمن قرأ القرآن كله أدركها قطعا. نعم، المشهور أن ما ورد منها في الكتاب -مما هو متفق عليه- إنما هو نحو الثمانين اسما، على اختلاف في العد.(5) وهذا راجع إلى قضية معنى &#8220;الاسم&#8221;، وما المقصود منه؛ هل لابد في عد الأسماء الحسنى وإحصائها من عبارة مفردة على جهة التسمية العَلَمِيَّةِ؛ أم يمكن في أسماء الله الحسنى بصفة خاصة الوصول إليها عَدّاً وإحصاءً وحفظاً من خلال مفاهيمها ومعانيها دون عباراتها المفردة؟</p>
<p>ذلك ما نرجحه، وهو أن بركة الاسم قد تحصل للعبد من خلال الوصول إلى مفهومه دون عبارته المفردة، لكن على أساس ألا يزعم المرء أن الاسم من الأسماء الحسنى هو هذه العبارة بالذات أو تلك، ولكن له فقط أن يقول: إنه ههنا في هذه الآيات، أي أن مفهومه متضمن فيها، على غرار ما ورد في معنى &#8220;اسم الله الأعظم&#8221; من النصوص، كما سترى بعد قليل بحول الله. إذ قد تكون حقيقة الاسم من أسماء الله الحسنى مضمنة في عدة آيات أو عدة جمل، وليس بالضرورة في لفظة واحدة مفردة، ويكون ذلك الاسم مما أعطى الله لعباده، أي ضمن التسعة والتسعين.</p>
<p>ولنا في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم</p>
<p>خير دليل، فقد صح في أحاديث الاسم الأعظم أنه قد يكون عبارة عن عدة أسماء، أو عدة صفات، أو عدة كلمات، أو عدة جمل، في عبارات مختلفة، قد تتداخل معانيها وتتقاطع، وقد تختلف اختلاف تكامل؛ بما يوحي أن للاسم الأعظم عدة تجليات. فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم</p>
<p>: (( اسم الله الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب في ثلاث سور من القرآن: في البقرة، وآل عمران، وطه))</p>
<p>(رواه ابن ماجه والطبراني).</p>
<p>وقال صلى الله عليه وسلم</p>
<p>بشيء من التفصيل: &#8220;اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}(البقرة:163)، وفاتحة آل عمران: {الم * اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}(آل عمران:1-2) (رواه أحمد وأبو داود). وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم</p>
<p>سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا  احد، فقال: &#8220;لقد سألتَ الله بالاسم الأعظم، الذي إذا سُئِلَ به أعطَى، وإذا دُعِيَ به أجاب&#8221; (رواه أبو داود والترمذي).</p>
<p>وعن أنس بن مالك رضي الله عنه</p>
<p>قال: مَرَّ النبي صلى الله عليه وسلم</p>
<p>بأبي عياش زيد بن الصامت الزرقي وهو يصلي وهو يقول: اللهم إني أسألك بأن لكَ الحمدُ، لا إله إلا أنت، يا حَنَّانُ، يا منَّانُ، يا بديعَ السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم</p>
<p>: (( لقد سألتَ الله باسمه الأعظم، الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئِلَ به أعطى))</p>
<p>(رواه أحمد وابن ماجه). فهذا كله دال على أن الاسم الأعظم ليس بالضرورة عبارة واحدة، بل قد يكون كذلك، وقد يكون في عدة عبارات من عدة أسماء أو عدة صفات، كما رأيت في النصوص الصحيحة الواردة قبل. ومن هنا نرجح أن بعض الأسماء الحسنى هي أيضا قد تكون لها تجليات شتى في كتاب الله تعالى. وهي غالبا ما تكون واردة في الآيات والسور التي يصف الله فيها نفسه، مما يتعلق بشؤون ربوبيته، وكمال ألوهيته، وعظيم قدرته تعالى، من الخلق والأمر والقيومية والهداية، وما يحق له بعد ذلك على خلقه من إفراده تعالى بالخضوع له والعبودية رَغَباً ورَهَباً؛ مما ورد في سياق الأمر بعبادته توحيدا وتفريدا. كل ذلك وما في معناه مما هو وارد في القرآن الكريم متضمن لأسمائه الحسنى وصفاته العلى. ونحن نرجح أنه ما من اسم من الأسماء المقصودة بالعد والإحصاء والحفظ على ما ورد في الحديث المتفق عليه إلا وهو منصوص عليه في القرآن الكريم، بهذا المعنى الذي ذكرنا للأسماء إن شاء الله. وقد حرص غير واحد من علماء السلف والخلف على استخراجها من القرآن على ترجيح أن سياق الآية: {وَلِلهِ الاسْمَاءُ الحسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}(الأعراف:180) يفيد أنها كذلك. وإلى هذا ذهب غير واحد من أهل العلم، فقد قال القرطبي في كتابه الأسنى في شرح الأسماء الحسنى: &#8220;العجب من ابن حزم، ذكر من الأسماء الحسنى نيفا وثمانين فقط، والله يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}(الأنعام:38)&#8221;.(6)</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>علماء تتبعوا الأسماء من القرآن</strong></span></p>
<p>وقال ابن حجر في فتح الباري: &#8220;وإذا تقرر رجحان أن سرد الأسماء ليس مرفوعا، فقد اعتنى جماعة بتتبعها من القرآن من غير تقييد بعدد. فروينا في كتاب المائتين لأبي عثمان الصابوني بسنده إلى محمد بن يحيى الذهلي أنه استخرج الأسماء من القرآن. وكذا أخرج أبو نعيم عن (&#8230;) محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين: &#8220;سألت أبا جعفر بن محمد الصادق عن الأسماء الحسنى فقال: هي في القرآن&#8221; وروينا (&#8230;) عن حبان بن نافع، عن سفيان بن عيينة الحديث، يعني حديث: &#8220;إن لله تسعة وتسعين، أعطى..&#8221;، قال: فوعدنا سفيان أن يخرجها لنا من القرآن فأبطأ، فأتينا أبا زيد فأخرجها لنا، فعرضناها على سفيان، فنظر فيها أربع مرات، وقال: نعم هي هذه&#8221;.(7)</p>
<p>وقال ابن حجر في تلخيص الحبير: &#8220;وقد عاودت تتبعها من الكتاب العزيز إلى أن حررتها منه تسعة وتسعين اسما. ولا أعلم من سبقني إلى تحرير ذلك. فإن الذي ذكره ابن حزم لم يقتصر فيه على ما في القرآن، بل ذكر ما اتفق له العثور عليه منه، وهو سبعة وستون اسما متوالية، كما نقلته عنه، آخرها &#8220;الملك&#8221;، وما بعد ذلك التقطه من الأحاديث. وقد رتبتها على هذا الوجه لِيُدْعَى بها:</p>
<p>&#8220;الإله، الرب، الواحد، الله، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الحي، القيوم، العلي، العظيم، التواب، الحليم، الواسع، الحكيم، الشاكر، العليم، الغني، الكريم، العفو، القدير، اللطيف، الخبير، السميع، البصير، المولى، النصير، القريب، المجيب، الرقيب، الحسيب، القوي، الشهيد، الحميد، المجيد، المحيط، الحفيظ، الحق، المبين، الغفار، القهار، الخلاق، الفتاح، الودود، الغفور، الرؤوف، الشكور، الكبير، المتعال، المقيت، المستعان، الوهاب، الْحَفِيُّ، الوارث، الولي، القائم، القادر، الغالب، القاهر، البر، الحافظ، الأحد، الصمد، المليك، المقتدر، الوكيل، الهادي، الكفيل، الكافي، الأكرم، الأعلى، الرزاق، ذو القوة، المتين، غافر الذنب، قابل التوب، شديد العقاب، ذو الطول، رفيع الدرجات، سريع الحساب، فاطر السماوات والأرض، بديع السماوات والأرض، نور السماوات والأرض، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام&#8221;.</p>
<p>ثم قال: تنبيه: في قوله &#8220;من أحصاها&#8221; أربعة أقوال، أحدها: &#8220;من حفظها&#8221;، فسره به البخاري في صحيحه (&#8230;) ثانيها: من عرف معانيها وآمن بها. ثالثها: من أطاقها بحسن الرعاية لها وتخلق بما يمكنه من العمل بمعانيها. رابعها: أن يقرأ القرآن حتى يختمه؛ فإنه يستوفي هذه الأسماء في أضعاف التلاوة. وذهب إلى هذا أبو عبد الله الزبيري. وقال النووي: الأول هو المعتمد. قلتُ(8): ويحتمل أن يراد من تتبعها من القرآن، ولعله مراد الزبيري&#8221;(9).</p>
<p>صحيح أن السنة النبوية ورد فيها من الأسماء الحسنى والصفات العلى الشيء الكثير، مما يربو -إذا أضيف إلى الأسماء المفردة المنصوصة في القرآن- على عدد التسعة والتسعين بكثير. ولذلك فقد وقع الخلاف في أيها المقصود بالإحصاء -في الحديث المذكور- مما لم يقصد، بيد أن منهج القرآن قائم على أن عظائم الأمور من أمهات الفضائل وأمهات الرذائل؛ يكون عادة مما نص عليه الله جل علاه في القرآن. وإنما يرد في السنة تفصيل طريقة العمل به، أو بيان فضله. وبما أن القرآن هو أعظم كتاب في التعريف بالله ربا وإلها -وتلك من أهم مقاصده العظمى- فلا يعقل أن يخلو من أمهات الأسماء الحسنى، لاسيما وأن الله عز وجل نَصَّ في غير ما موطن من كتابه على أهميتها، وعلى طلب الدعاء بها كما مر في قوله تعالى: {وَلِلهِ الاسْمَاءُ الحسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(الأعراف:180).</p>
<p>فإذا قيل أين هي؟ قلنا إنها فيما نص الله تعالى عليه من الأسماء المفردة في القرآن، من مثل قوله تعالى: {هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الملِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ المومِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاسمَاءُ الحسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَالاَرضِ وهُوَ الْعَزيزُ الحَكِيمُ}(الحشر:22- 24)، ثم إنها أيضا حاضرة في كل آية وصف الله تعالى بها نفسه، إذْ كل ذلك أيضا متضمِّن لمعنى الاسم، كما في قوله تعالى من سورة آل عمران: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الملْكِ تُوتِي الملْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الملْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الحيَّ مِنَ الميِّتِ وَتُخْرِجُ الميِّتَمِنَ الحيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(آل عمران: 26- 27).</p>
<p>فهذه الآيات العظيمة متضمنة لعدد من مفاهيم الأسماء الحسنى، وهي وإن لم ترد بصيغٍ عَلَميّة أو عبارات مفردة إلا أنها عميقة الدلالة جدا على عرض جانب من عظمة الله تعالى وكمال قدرته على كل شيء بما يحيل على مفاهيم لأسماء حسنى واردة على سبيل العَلَمِيَّةِ الصريحة في مواطن أخرى من الكتاب والسنة كأسمائه تعالى: &#8220;المالك، والملِك، والحي، والقيوم، والقدير، والقادر، والخالق، والرزاق&#8221; ونحو ذلك كثير&#8230;</p>
<p>فمن سأل الله بمثل هذه المواطن من القرآن مُضَمِّناً في دعائه نصوصَ الآيات -كما مر في بعض أحاديث الاسم الأعظم الثابتة- أدرك الأسماء الحسنى المقصودة جميعا إن شاء الله. ومن أضاف إلى ذلك ما صح من السنة النبوية من الأسماء كان -بإذن الله- أعمَّ وأشمل وأحوط لمن قصد إحصاءها إحصاءً وإن لم يكلف نفسه عناء العد الحرفيوالاستقراء اللفظي. فإذا بنى ذلك كله على ما ذكره الشراح من معنى الحفظ -بما هو التحقق والتخلق بمقتضياتها- رَجَا أن ينال وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم</p>
<p>من الفوز بالجنة، وإنما الموفق من وفقه الله.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>         د. فــريــد الأنـصـاري رحمه الله تعالى</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;</p>
<p>(1) قال الألباني: &#8220;أخرجه ابن السني رقم: 349، بسند حسن&#8221;. والشِّسْع: أحد سُيُور النعل، مما يعقد به.</p>
<p>(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، 11/226، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب.</p>
<p>(3) فتح الباري، 11/226- 227.</p>
<p>(4) بلاغ الرسالة القرآنية للمؤلف: 53-55.</p>
<p>(5) عدها الشيخ العثيمين رحمه الله في كتابه (القواعد المثلى) &#8220;واحدا وثمانين اسما&#8221; بإضافة اسم &#8220;الحفي&#8221; أخذا من قوله تعالى حكايةً لقول إبراهيم لأبيه: {قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا}(مريم:47). وواضح أن سياق الآية لا يسعف في الدلالة العَلَميّة على هذا اللفظ لعدم إطلاقيته. وقد تردد فيه ابن حجر من قبلُ رغم عده إياه.</p>
<p>(6) نقلا عن تلخيص الخبير في أحاديث الرافعي الكبير، لابن حجر العسقلاني، 4/173، تحقيق عبد الله هاشم اليمني المدني. ط. 1964/1384، المدينة المنورة.</p>
<p>(7) فتح الباري:11/217.</p>
<p>(8) القول لابن حجر.</p>
<p>(9) تلخيص الحبير: 4/173-174</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2011/02/%d8%b3%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b9%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%ae%d9%81%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d9%85%d8%a7%d8%a1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>كلمات الله في مـعركة السلام</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2011/01/%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%80%d8%b9%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2011/01/%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%80%d8%b9%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 17 Jan 2011 11:12:03 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.فريد الأنصاري]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 351]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[أساس الناطقية والاستخلاف]]></category>
		<category><![CDATA[الكلمة]]></category>
		<category><![CDATA[الكلمة هي الوجود]]></category>
		<category><![CDATA[اللغة وصناعة الحياة]]></category>
		<category><![CDATA[حظ اللسان في الأحكام]]></category>
		<category><![CDATA[د. فــريــد الأنـصـاري رحمه الله تعالى]]></category>
		<category><![CDATA[كلمات الله]]></category>
		<category><![CDATA[كلمات الله في مـعركة السلام]]></category>
		<category><![CDATA[مـعركة السلام]]></category>
		<category><![CDATA[وأول الوزن وزن الكلام]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15079</guid>
		<description><![CDATA[لا تحرير للأمة اليوم في معركة هذا العصر إلا بالقرآن، لأن طبيعة المعركة الجديدة قائمة على &#8220;الكلمة&#8221;، والقرآن العظيم هو الكلام القاهر فوق كل كلام. ولكن بعد أن نفهم السؤال الإشكالي: ما حقيقة &#8220;الكلمة&#8221;، وما دورها في معركة العصر الجديدة؟ إن &#8220;الكلام&#8221; ليس &#8220;قولا&#8221; وحسب؛ إذ &#8220;القول&#8221; دال على كل ملفوظ، سواء أفاد معنى أم [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>لا تحرير للأمة اليوم في معركة هذا العصر إلا بالقرآن، لأن طبيعة المعركة الجديدة قائمة على &#8220;الكلمة&#8221;، والقرآن العظيم هو الكلام القاهر فوق كل كلام. ولكن بعد أن نفهم السؤال الإشكالي: ما حقيقة &#8220;الكلمة&#8221;، وما دورها في معركة العصر الجديدة؟</p>
<p>إن &#8220;الكلام&#8221; ليس &#8220;قولا&#8221; وحسب؛ إذ &#8220;القول&#8221; دال على كل ملفوظ، سواء أفاد معنى أم لم يفده، كما هو معلوم من تعريفات النحاة، بينما &#8220;الكلام&#8221; لا يكون إلا لفظا مفيدا لمقصودٍ مراد للمتكلم، سواء أفاد خيرا أم أفاد شرا، على وزان قول ابن مالك: كلامنا لفظٌ مفيدٌ كاستقمْ.</p>
<p>ومن هنا ننطلق من هذا التقعيد النحوي المدرسي البسيط لنجزم بعد ذلك بأن الكلام -على هذا المعنى المؤصل في قواعد العربية- لا يكون إلا فعلا جاريا في الواقع، وحدثا جالبا لأثرٍ في التاريخ.</p>
<p>إن الكلمة -أيّكلمة- إنما هي فعل من الأفعال، هذا على المستوى الوجودي. وتأمل كيف أن الخطاب مهما يصدر من منتجه فإنه لابد يؤثر في الواقع ولو على المستوى النفسي ابتداء، ثم يكون له بعد ذلك أثر فعلي. وأقل الأثر أن يعود على صاحبه بالخير أو بالشر. ولا يتصور في الواقع والعادة الجارية في الخلق كلام بلا أثر مطلقا البتة. وهذا يبدأ من مستوى الخلق والإنشاء والتكوين، مما ينسب إلى الله جل جلاله من الأفعال والأقدار، إلى مستوى الفعل الإنساني والإنجاز البشري في الواقع والتاريخ.</p>
<p>فمثال الأول: قول الله تعالى فيما عَرَّف به حقيقةَ نبيه عيسى عليه السلام، واصفا إياه بأنه {كَلِمَتُهُ} قال جل جلاله: {إِنَّمَا المسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}(النساء:171). فكان عيسى ههنا هو &#8220;كلمة الله&#8221; جل علاه، أي إنه راجع إلى أمره القدري التكويني. إنهإذن خَلْق الله لأن &#8220;الكلمة&#8221; راجعة إلى فعله تعالى المتعلق بتدبير شؤون الربوبية خلقا وتقديرا وقَـيُّومِيَّةً. وهذا المعنى شامل في كل خلق أو تصرف إلهيّ، وفي كل قضاء وقدر. لا شيء من ذلك كله يخرج عن &#8220;كلمة الله&#8221;.</p>
<p>ومما يدل عليه أيضا أن &#8220;الكلمة&#8221; في القرآن أمرٌ واقعٌ حتما قولُه تعالى: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ}(هود:110)، وقوله سبحانه: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}(هود:119). ومثْلُ هذا في القرآن كثير لمن شاء أن يتتبعه. فكل ذلك ونحوه مما تضمن ضميمة {كَلِمَةُ رَبِّكَ} دال على معاني الخلق والإنشاء والتكوين والتصيير، وسائر أفعال القضاء والقدر الإلهيين. وليست &#8220;الكلمة&#8221; قولا يقال لمجرد القول وكفى، بل هي إنجاز حتمي لا يتخلف توقيعه أبدا. فمتىقيلت &#8220;الكلمة&#8221; -بهذا السياق- كان معناه أنها فُعِلَتْ. ومن هنا لم تخرج &#8220;كلمة الله&#8221; عموما عن معنى فعل الله جل وعلا، وهو سبحانه وتعالى لا يخلف القول ولا الميعاد.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>أساس الناطقية والاستخلاف</strong></span></p>
<p>ومثال الثاني قول الله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}(البقرة:31). فالأسماء -مهما اختُلف في تفسير معناها- فإنه لا اختلاف في أنها &#8220;كلام&#8221; بالمعنى الشرعي والوجودي للكلمة، ولا يمكن أبدا أن تتصور &#8220;الأسماء&#8221; على أنها لغو أو عبث. فهي أساس الناطقية التي فُطِر عليها الإنسان، والتي تُشكل جوهرا أساسيا من ماهيته الوجودية ووظيفته الكونية، والتي كانت -بعد ذلك- أساس الاستخلاف له في الأرض. ومثلها قوله تعالى: {خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}(الرحمن:3-4). ومن هنا كانت مسؤوليته عما يتكلم به كبيرة جدا، وهي مسؤولية لا تخرج عن عموم الأمانة التي أنيطت بالإنسان في قول الله جل وعلا: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَان}(الأحزاب:72). فالكلام البشري كله محصيّ عليه كلمةً كلمةً، يستوي في ذلك إنشاؤه وخبره، لأنه كله يوزن بميزان التحقيق بين الصدق والكذب.</p>
<p>وعليه؛ فتعريف البلاغيين &#8220;الخبر&#8221; في الدرس البلاغي بأنه &#8220;ما احتمل الصدق والكذب&#8221; -بزعمهم- تعريف غير مانع أبدا، بالمعنى الوجودي لكلمة &#8220;خبر&#8221;، لا بالمعنى اللغوي العادي. فتعاريف البلاغيين راجعة إلى موازين المنطق الأرسطي الصوري، وقد عُلِمَ ما فيه من خلل منهجي في تحديد المفاهيم والتصورات، إذ هو قائم على تحديد الماهيات بحدود عقليات خاضعة لمنطق العقل المجرد عن معطيات الوحي، ولا يمكن لمثل تلك الموازين إلا أن تكون &#8220;صورية&#8221; فعلا كما عبروا هم أنفسهم. فإلى أي حد تطابق الصورة الحقيقة؟ تلك هي المشكلة.ومن هنا فحد &#8220;الخبر&#8221; عندهم هو وإن جَمع المقصودَ فإنه لا يمنع دخول غيره فيه، أي معنى &#8220;الإنشاء&#8221;؛ أرأيت لو أن شخصا نادى غيره، أو أمَرَهُ، أو نهاه، وهو لا يقصد ذلك ألا يكون كاذبا؟ بلى والله! فإنما الكذب مخالفة العبارة لمقتضى الواقع، وهذا منه؛ لأن المنادِي، أو الداعي، أو النادب، أو المستغيث، أو الآمر، أو الناهي.. إلى آخر ما صنفوه في معنى الإنشاء؛ كل ذلك إذا لم يصادِف إرادةً في نفس المتكلم وقصداً فهو كذبٌ محض. فالإنشاء إذن -بهذا المعنى الوجودي- يحتمل الصدق والكذب أيضا. وهل يتوجع المتوجع لغير وَجَع؟ وهل يستغيث المستغيث لغير فَزَع؟ فإن قصد به معنى آخر من مجاز وغيره، كان ذلك المعنى الجديد المعدول إليه هو أساس الصدق والكذب بعد ذلك، وإنما العبرة بالخطاب قصدُ المتكلم وإرادتُه.فلا شيء من الإنشاء إلا وهو يحتمل الصدق والكذب أيضا.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>حظ اللسان في الأحكام</strong></span></p>
<p>وأزعم أنه لا شيء من الكلام الطبيعي للإنسان إلا وهو يحتملهما، ومن هنا قول الله تعالى الجامع لكل ذلك: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(ق:18).(1) وقوله تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}(الكهف:49). ويدخل في ذلك قطعا كل ما تلفظوا به من قول. ولذلك فقد نال اللسان الحظ الأوفر في الاعتبار في أحكام الشريعة؛ فكانت العقود كلها سواء كانت عقود الإيمان والإسلام، من بيعة شرعية، أو تعهد ومعاهدة، أو نكاح أو طلاق، أو كانت من المصارفات المالية من بيوع وإجارات وأكرية وغير ذلك مما يمكن أن يتصوره الذهن كلها إنما هي عند التحقيق &#8220;كلام&#8221; وليست مجرد لعب أو لهو من الأقوال، لأنها قائمة على معنى &#8220;مفيد&#8221;، أي مقصود مراد للمتخاطبين؛ بما فيها من إيجاب وقبول وما جرى مجراهما من معاني التراضي والإقرار. ومن هنا قول الله تعالى في محكم كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}(المائدة:1)، وقوله سبحانه في سياق بيان أن الإنسان محاسب على كل ما يصدر منه من الأقوال، مما أوردناه قبل قليل: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(ق:18). وفي الحديث: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات. وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم))(رواه البخاري). ومن ثَمَّ لم يكن جِدُّ رسول الله ولا مزاحه صلى الله عليه وسلم إلا حقا وصدقا، ولم يكن فيه كذب قط، حاشاه، عليه الصلاة والسلام.</p>
<p>إن الكلام مؤثر جدا في إنتاج الفعل الإنساني بل هو عين الفعل الإنساني، ولا شيء من فعله إلا وهو حاصل بالكلام مباشرةً أو نتيجةً أو توجيها أو تفاعلا، وإنما بدء التكليف الإلهي للإنسان كَلِمَةٌ، وآخرُه كَلِمَة، منذ قال له: {كُنْ فَيَكُونُ}(آل عمران:59)، إلى أن علَّمَهُ {الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} إلى أن أنزل عليه &#8220;كلامه&#8221; القرآن الكريم.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>وأول الوزن وزن الكلام</strong></span></p>
<p>فالذي لا يعير للكلام -أي كلام- الخطورةَ التي يستحقها فهو جاهل بحقائق الدين وحقائق الوجود معا. وكثير من العقوبات في الإسلام والحدود والتعازير والآثام.. إلخ إنما ترتبت شرعا عن مجرد &#8220;كلام&#8221; يتكلم به الإنسان باطلا، بدءا بكلمة الكفر إلى كلمة القذف، إلى ما شابه ذلك من كلمات الغيبة والنميمة وعبارات السخرية والتنابز بالألقاب وهلم جرا.</p>
<p>كما أن بدء الخير كله &#8220;كلمة&#8221; انطلاقا من كلمة الإخلاص: &#8220;لا إله إلا الله&#8221;، وما يتممها من &#8220;شهادة أن محمدا رسول الله&#8221;، إلى أبسط كلمات الإيمان والإحسان، كإفشاء السلام، وتشميت العاطس، وإرشاد السائل&#8230; وما بين هذا وذاك من كليات الكلام وجزئياته؛ فإنه جميعا يَؤُول -في النهاية- إلى بناء عمران الحياة الإنسانية، القائمة على العدل والسلام؛ لأن ذلك كله هو الذي ينتج فعل الخير بمعناه المطلق، ويحقق غاية الوجود البشري في الأرض. ومن هنا كانت أول نعمة امتن الله بها على الإنسان بعد نعمة الخلق أنه علمه البيان. ولذلك كان القرآن بين يديه -وهو كلام الله- الأداة الكلامية الفاعلة لإقامة الحياة في الأرض بالقسط والميزان. فتَدبَّرْ قولَه تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}(الرحمن:1-9).وأول الوزن وزن الكلام، الذي هو حقيقة &#8220;البيان&#8221;، فإذا خسر خسرت كل الموازين بعده بدءا بموازين السياسة -بمعناها العام- وما تتضمنه من موازين الإدارة والاقتصاد، إلى موازين التجارة وسائر المصارفات المالية والاجتماعية الجزئية والكلية&#8230; إلى كل طبائع العمران وتجليات الحضارة البشرية، إلى كل ما يمتد إليه ذلك من فقدان توازن الحياة الإنسانية والبيئية والكونية.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>اللغة وصناعة الحياة</strong></span></p>
<p>إن اللغة تصنع الحياة أو تدمرها. ومن هنا كانت مسؤولية الكلمة في الإسلام جسيمة جدا، والإعلام اليوم هذا الذي يسمونه &#8220;السلطة الرابعة&#8221; ليس في واقع الأمر إلا السلطة الأولى، لأن المتسلط على الخلق، الحاكم أمرهم بالحق أو بالباطل، إنما وصل إلى مبتغاه من التسلط والتحكم بالكلمة. فحتى عندما يكون الأسلوب المتبع في التسلط قهريا فإنما صنع الطاغية أدوات قهره وتجبره في البداية بالكلمة، ولا شيء يبدأ قبل الكلمة، فَبَدْءُ الوجود والخَلْقِ والتكوين في القرآن الكريم إنما هو كلمة، إنها كلمتُهُ جل جلاله: {كُنْ فَيَكُونُ} قال جل شأنه: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(يس:81 -83).</p>
<p>إن الكلمة هي التي تصنع الصورة وتنتجها، بل هي جوهرها وحقيقتها؛ فلا يغرنك أن الإعلام اليوم صار يرتكز أساسا على الصورة، فإنما هذه -رغم خطورتها- بنت تلك في نهاية المطاف. ولولا الكلمات لما كانت الصور في الوجود أصلا. أضف إلى ذلك أن الصورة تُعْرَضُ حينما تُعْرَضُ في العادة الغالبة مسبوقةً بالكلمة أو مقرونة بها أو ملحقة بها أو كل ذلك جميعا. فلا تأتي إذن إلامن خلالها. وحينما نتوهم أننا نتلقى صورا بغير كلمات، فإنما هي لعبة الكلمة المتخفية خلف الصورة. إنك لا تسمعها، نعم؛ ولكنها تتدفق إلى خواطرك في صمت، وتسكن اعتقادك بقوة. ومن ذا الذي قال إن الكلمة هي الصوت فقط؟ إنما الكلمة &#8220;مفهوم&#8221; يتواصل به الإنسان عبر اللغة الطبيعية، الصوتية أو الإشارية أو الصورية أو السيميائية، إلى غير ذلك مما في الوجود من رموز وأشكال نُصِبَتْ للدلالة على معنى. كل ذلك كلام.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>الكلمة هي الوجود</strong></span></p>
<p>إن الكلمة هي الوجود وما سواها صُوَر. ومن هنا ترى عمق الآية الكريمة: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}(البقرة:31)؛ فانظر -في ضوء ذلك- إلى هذا الكلام الإلهي العظيم، كم هو فعلا يضرب في عمق الحقيقة، وإلى أي حد هو يوغل في مجاهيل الوجود&#8230;</p>
<p>إن الإعلام اليوم كما كان من قبل في التاريخ -رغم اختلاف الأشكال والتجليات- ليعتبر أخطر وسائل التحكم، وأرهب أدوات الصراع الحضاري، وأقوى آليات التدافع العمراني في الأرض.</p>
<p>إن الذين قهروا الناس في الأرض عبر التاريخ لم يكونوا بشرا فوق البشر في أبدانهم ولا في عقولهم، ولا كانوا &#8220;آلهة&#8221; في واقع الأمر، وإنما هم &#8220;متكلمون&#8221; فقط. أسسوا أسطورة من الكلام في أذهان الناس وسحروهم بها، أو ورثوا رصيدا كلاميا عن آبائهم وأجدادهم واستمروا في إنتاجه وتجديده حتى تعيش الأسطورة في شعوبهم إلى الأبد؛ فكان منهم &#8220;ابن الشمس&#8221; و&#8221;حفيد الرب&#8221;، و&#8221;وكيل الآلهة&#8221;، وغير ذلك من سائر أنواع الكلام مما يدخل في قوله تعالى: {قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}(الأعراف:116).</p>
<p>وما كان طغيان فرعون في الأرض واستذلال أهلها إلا من بعد أن أوهمهم بأنه هو ربهم الأعلى؛ فلم يكن يريهم إلا ما يرى {فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}(النازعات:23-24) ومنهنا لما خالفه قائل الحق من رجاله نطق بقوة فقال، كما حكى الله تعالى عنه: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ}(غافر:29). فكان بذلك مثالا لكل طغيان وتأله وتجبر! {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}(القصص:4).</p>
<p>إنه قهر القوة والسلطان الباطل، الذي يصنعه -فقط- سحر الكلام. وانظر إن شئت إلى هذا البيان السحري الرهيب الذي ألقاه فرعون على قومه من بعد ما زلزلت عرشَه آياتُ موسى عليه السلام؛ قال تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}(الزخرف:51- 54). وتأمل جدا ما أعقب الله به خطاب فرعون: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} فهو إنما استخف في الواقع عقولهم.</p>
<p>ولقد قرأت قصة طريفة مترجمة عن الكتابة الفرعونية القديمة رواها أحد أطباء فرعون. وذلك أنه تسلط ذات يوم على أحد الأغنياء فأراد أن ينتزع منه ضيعته، فلما أبى أن يتنازل عنها نكل به فرعون تنكيلا، فقطع أيديه وأرجله من خلاف، وألقاه على حافة الطريق، فصادف أن كان الطبيب مارا بعربته فوجده يئن في الظلام، فلما عرفه رَقَّ لحاله وحمله إلى بيته، ثم عالجه من آثار جروح البتر. ثم انقطعت صلته به بعد ذلك إلى أن مات فرعون. ولما كان يوم مراسم التحنيط والدفن على -عادة قدماء المصريين- والكاهن يلقي كلماته في رثاء فرعون، بما يصبغه عليه من رداء الربوبية المزيفة والألوهية المدعاة والعظمة المكذوبة، ويذكر من شيمه ما لا قِبَلَ للبشر به، إذا بالطبيب يجد من بين الحاضرين الرجل الغني الذي نكل به فرعون من قبل، وقطع أيديه وأرجله من خلاف، وجده يبكي بحرارة ويقول: ما كنتُ أعلم أن فرعون كان إلها مقدَّسا إلى هذا الحد، وكأنما يبكي ندما على ما فرَّطَ في جنب فرعون، ولم يكن له من الطائعين ومن عباده الصاغرين.</p>
<p>إن الإنسان لمّا يتوهم أنه مغلوب على أمره، أو أنه لا يستحق أن يكون حرا يخضع بصورة تلقائية لمن غلبه بهذه الأكذوبة.</p>
<p>من هنا كانت معجزة هذا العصر هي القرآن، القرآن بما يملكه من قوة خارقة في تحرير الإنسان من عبودية الشهوات التي تـثقله إلى التراب، وتملي عليه تقديس الحياة الفانية، وتخضعه لمن يهدده بالقتل والتشريد فيها. القرآن بما يملكه من سلطان رباني على النفوس يجعلها تبصر حقيقة أنه لا إله إلا الله الواحد القهار حركة حية أبدية في الكون وفي التاريخ، وأن كل استكبار من دونها هو محض افتراء وهراء. القرآن بما له من خاصية التحويل الوجداني العميق لمسار الإنسان؛ من جِرْمٍ جزئي ضئيل يدور في فَلَكٍ قصير من متاع الدنيا الشهواني؛ إلى كائن كوني كبير يدور في فَلَكِ الملكوت الرباني الفسيح، في سيره العظيم إلى الله.. حيث يرى بعين القرآن واستعلاء الإيمان كيف أن كيد الشيطان كان ضعيفا حقَّ ضعيف، وكيف أن المعركةَ كونيةٌ، يقودها الله رب العالمين.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong> &gt; د. فــريــد الأنـصـاري رحمه الله تعالى</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>(1) قوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(ق:18) هو من العام الذي أريد به الخصوص، إذ عُلِمَ في الدين أن القول غير المبني على قصد لا يدخل في دائرة المحصي على ابن آدم، ولذلك فالقول المقصود هنا هو الكلام المفيد قصداً ومعنىً.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2011/01/%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%80%d8%b9%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مفهوم الحمد التعبدي:3- الحمد التعبدي إصلاح وتزكية للنفس والمجتمع</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2011/01/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a8%d8%af%d9%8a3-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a8%d8%af%d9%8a-%d8%a5%d8%b5/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2011/01/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a8%d8%af%d9%8a3-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a8%d8%af%d9%8a-%d8%a5%d8%b5/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 03 Jan 2011 11:53:20 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.فريد الأنصاري]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 350]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[فقه العبادات]]></category>
		<category><![CDATA[إصلاح وتزكية للنفس والمجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[التعبد]]></category>
		<category><![CDATA[الحمد]]></category>
		<category><![CDATA[الحمد التعبدي]]></category>
		<category><![CDATA[الحمد التعبدي إصلاح وتربية]]></category>
		<category><![CDATA[الحمد التعبدي إصلاح وتزكية]]></category>
		<category><![CDATA[العلم بالله]]></category>
		<category><![CDATA[د. فــريــد الأنـصـاري رحمه الله تعالى]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم الحمد التعبدي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15252</guid>
		<description><![CDATA[تناول الأستاذ المرحموم في الحلقات السابقة مفهوم الحمد التعبدي ومقتضياته وتجلياته، وبيّن أنه أساس العبادة وفي هذه الحلقة يواصل حديثه عن الحمد وأهميته في إصلاح النفس وتزكيتها إذا قام على شروطه وانطلق من أسس الشرع، وقام على العلم بالله والإخلاص له الحمد أعلى درجات العبودية فالحمد إذن يدل على العبودية الاختيارية، وهى أرفع درجات العبودية، [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>تناول الأستاذ المرحموم في الحلقات السابقة مفهوم الحمد التعبدي ومقتضياته وتجلياته، وبيّن أنه أساس العبادة وفي هذه الحلقة يواصل حديثه عن الحمد وأهميته في إصلاح النفس وتزكيتها إذا قام على شروطه وانطلق من أسس الشرع، وقام على العلم بالله والإخلاص له</p>
<p><span style="color: rgb(255, 0, 255);"><strong>الحمد أعلى درجات العبودية</strong></span></p>
<p>فالحمد إذن يدل على العبودية الاختيارية، وهى أرفع درجات العبودية، يعنى أن العبد يكون  في أفضل حال عندما يختار أن يشكر الله ويثني عليه، فيكون عابدا لله اختيارا، وهذا ما يحبه ربنا منا: يريد منا سبحانه وتعالى أن نقرر عبادته ونختارها، أما العبودية القهرية فهي دون اختيار، هل تستطيع أن توقف جريان الدم في شرايينك وعروقك؟ طبعا لا، هذه عبودية قهرية، هل تستطيع أن تغير لون جلدك؟ هلتستطيع أن تغير من عمرك؟ هل تستطيع أن تغير من تاريخ ولادتك وسنة وفاتك؟ فنحن عباد لله وعبيد له قهرا بهذا المعنى. ولذلك فربنا عز وجل يريد أن يقول لنا أن هذه العبودية القهرية يستوي فيها المسلم والكافر، وهو يريد منا العبودية الاختيارية {قَـالَـتَـا أَتـَيـْنَا طَائـِعـِيـنْ}(فصلت 10)، فحينما تختار أن تعبد الله بهذا المعنى فأنت حامد لله، لا يمكنك أن تكون حامدا وأنت لا تعرف ربك، لا تعرفه بمعنى أنك لا تشعر بهذه المعاني، وهناك فرق كبير بين القول والمعرفة، بين أنك تقول الشيء وتعتقده ذهنا وبين أنك تعرفه، فلكي نحمد الله حق الحمد نحتاج إلى معرفته، ومعرة الله لا تحصل إلا بالتقرب منه ومعرفة نعمه و أفضاله {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}(العلق 20)؛وفي الحديث: ((وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضه عليه))(9)؛ إلى آخر معاني القرب، فحينما تقترب من ربك وجدانا فإنك تعرفه، وبقدرقربك منه جل وعلا بقدر معرفتك، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فحين تعرفه سبحانه وتعالى ستجد حينئذ أنك تحمده حقا وصدقا، وتجد اللذة في حمده وفى الثناء عليه وشكره.</p>
<p>الحمد التعبدي في أدعية الرسول  صلى الله عليه وسلم كلما خطب سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام الناس قال: إن الحمد لله، هذه هي الكلمة الأولى التي كان يبدأ بها صلى الله عليه وسلم((إن الحمد لله نحمده))(10) ثم يؤسس عليها المعاني الآتية ((ونستعينه ونستغفره..)) إلى آخر ما هو معروف في خطبة الحاجة، وكثير من أعمال النبي صلى الله عليه وسلم تبدأ بالحمد لفظا أو معنى أو هما معا، صلوات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تُبتدأ بدعاء الاستفتاح، ومداره على الحمد، وحينما يرفع من الركوع، يحمد الله عز وجل ويفصل ويستطرد في الثناء عليه ((ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهلالثناء والمجد))(11) هذه من عبارات الحمد العجيبة، يعنى: أنت يا رب سبحانك جدير وحقيق أن تحمد، لأن صفاتك وأفعالك سبحانك تستحق أن تحمد &#8220;أهل الثناء والمجد&#8221; إلى آخر الحديث. وفي دعاء الحاجة أوصى النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الحاجة أن يصلي ركعتين، ويقول في نهاية الركعتين: ((لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم ،الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك&#8230;))(12) فجاء الدعاء بعد الثناء والحمد، يبتدئ الداعي بالثناء على الله بما هو أهله وبحمده ثم يبدأ الدعاء: &#8220;أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك..&#8221; إلى آخر الحديث. لا تكاد تجد دعاء من أدعية الرسول عليه الصلاة والسلام إلا وقرنها بالحمد أو سبقها أو لحقها وختمها، لأن الحامد هو العابد، والعابد الحقيقي لا يكون إلا حامدا، عندما تشعر باللذة في العبادة، وبالرغبة في عبوديتك لله، فذلك هو عين الحمد، وليس عبثا أنه جعل لنا فريضة أننا نحمد الله عز وجل في صلاتنا سبعة عشر مرة على الأقل، دون عد سنتي الفجر و الوتر، وما يسر لك من نافلة بعد هذا وذاك.</p>
<p>الحمد لله رب العالمين هي أول لفظة في القرآن، بها يبدأ كتاب الله عز وجل، والقرآن كله من أوله إلى آخره يرجع إلى معنى الحمد، والشرائع التي شرعها الله لنا بتفاصيلها وأحكامها التي يعيش بها المؤمن، والأحكام الخمسة التي هي قانون السير والعلامات التي تبين له الطريق، والتي هي: الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام، عندما يحتكم إليها المؤمن ويلتزم بها، فمعنى ذلك أنه يستجيب للحمد، ويحمد الله حقيقة، أما الذي يردد ذلك لفظا بالآلاف، يقول ألف مرة &#8220;الحمد لله&#8221;، وفعاله على عكس الطريق تماما، فهذا يستهزئ بربه-نعوذ بالله من ذلك- والذي يستهزئ بربه إنما يستهزئ بنفسه.</p>
<p><span style="color: rgb(255, 0, 255);"><strong>أول شروط الحمد العلم بالله ومعرفته حقا</strong></span></p>
<p>خير لك أيها المؤمن أن تبحث عن معرفة ربك، فخطوة واحدة في معرفة الله عز وجل، خير لك من عشرات بل من آلاف الكلام الذي تردده على شفتيك بلا جدوى وبلا معنى، وعندما تعرف الله حقا ، فكلمة واحدة تخرج من فمك تكون أثقل من جبل في الميزان، لأنها حينئذ تنبع من إحساس ومن معرفة، لأنك تعرف ما تقول، وتعرف مقصد كلامك ووجهته، ولذلك فضل الله عز وجل العالم به على الجاهل {إنمَّاَ يَخْشَى اللهَ َمِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}(فاطر28)؛ فالعلماء هنا ليسوا علماء المعلومات، الحافظين لكثير من الأشياء، وليس الحديث في الآية عن أولئك العلماء الذين ينصرف الفكر إليهم عند ذكر لفظ العلماء، والدليل على ذلك أن الواقع يكذب هذا التأويل وهذا التفسير، فكم من الناس عنده الأطنان من المعلومات في رأسه، وهو رأس الفسَّاق والفجار، كيف لم يخش الله عز وجل؟ باختصار: هذا ليس من العلماء {إنمَّاَ يَخْشَى اللهَ َمِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} به سبحانه وتعالى، العارفون لقدره سبحانه وتعالى، وكم من واحد عنده بضاعة مزجاة من العلم وقليل من المعلومات، وهو يكفيه في طريقه إلى الله عز وجل، وبه يستضيء لمعرفة ربه، وباب المعرفة بالله الوحيد بل الأوحد الذي لا ثاني له: هو كتابه سبحانه وتعالى &#8220;القرآن&#8221; فهو كلامه جل وعلا، قد يرد ببالنا: السنة؟ نعم، ولكن عندما نتكلم عن المعرفة بالله؟ نقول: القرآن، لأن القرآن صدر عن الله عز وجل، والسنة تبيان. فهي تبين لك كيف تسير وكيف تهتدي في القرآن، فالقرآن الكريم مثل بحر كبير جدا -ولله المثل الأعلى-وإذا لم يكن أمامك في البحر قائد ومعلم يعرف أماكن التيارات الخطيرة والأمواج العاتية والصخور وغيرها..  قائد له خبرة بالطريق، سلكها من قبل ، فأنت تتبعه وتسير على هديه حتى لا تصطدم بحجر، وحتى لا تزيغ في الفهم عن الله، إذا لم يكن لك ذلك القائد فإنك لن تستطيع عبور البحر والوصول إلى الشاطئ الآخر، ولذلك جعل الله لنا محمد بن عبد الله  صلى الله عليه وسلم</p>
<p>هاديا إليه سبحانه وتعالى، وسراجا منيرا، في ظلمات الصحراء  يريك الطريق، وإلا فالصحراء أرض متشابهة كلها رمال لا تميز جهة عن أخرى، وتندرس معالم الطريق فيها بسبب الريح ولا يبقى لها أثر ، ومن  هنا كانت السنة ضرورية، لكن لم؟ للسير عبر مسلك القرآن. كثير من الناس يقع لهم انشراخ في الدماغ، عندما يتمسك بالسنة وينسى القرآن، هذا لم يمسك شيئا مع الأسف، لأنك إذا فصلت السنة عن القرآن ستضل، ولن تصل، لأن القرآن مجمل لا يتضمن التفاصيل والأعمال التطبيقية اليومية الجزئية، الله عز وجل في القرآن الكريم قال لك : {وَأَقِيموا الصَّلاَةَ}(البقرة42)؛ لن تجد في كتاب الله التفاصيل:كيف تركع، وكيف تسجد، وأذكار الصلوات: أصولها وفروعها، ولا كيف تصوم، ولا كيف تحج&#8230; السنة تبين لك الهيئة والكيفية، ولكن القرآن هو الطريق إلى الله عز وجل، الطريقإلى الله المضمون العواقب، وحينما تستهدي بمحمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام وتجعله أمامك شيخا لك حقا وصدقا، فأنت واصل بإذن الله عز وجل.</p>
<p><span style="color: rgb(255, 0, 255);"><strong>الحمد التعبدي إصلاح وتربية ونقلة إلى الخير</strong></span></p>
<p>نعود إلى ما بدأنا منه: إن أول درجات الانطلاق إلى الله عز وجل هو الحمد، ولأجل ذلك ذكرنا الحمد، ليس لذكر المعاني فحسب، ولكن للعمل، فما نسمعه اليوم وغدا وبعد غد سيكون حجة علينا يوم القيامة، ينبغي أن نقرر اللحظة التاريخية التي نُبَدِّلُ فيها حياتنا أنا وأنت وهذا وذاك، نبدل فيها حياتنا من شارد عن باب الله عز وجل إلى طارق لباب الله، فرق كبير بين من يدق أبواب التوبة والاستغفار، أبواب الرضا الرباني كل يوم، وبين من أعرض عن الدين، وسلك مسالك الشيطان. والفتنة طبقات: هناك من تمسكه باستمرار، وهناك من تمسكه وترسله، يجب أن تقاطعها ويجب أن تحاربها، يجب أن تخاف الفِتَنُ منك كما كانت تخاف من الصحابةالكرام، لكي تستطيع أن تقدم على هذه الخطوة التاريخية  في حياتك، قرر أن تحمد الله، هذه هي البداية، هكذا بدأ آدم، وهكذا بدأ الأنبياء، وهكذا بدأ سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. في الحديث الصحيح أنه لما خلق الله سبحانه وتعالى آدم عليه الصلاة والسلام، وتركه ما شاء الله طينا، تأمل الطين يتحول شرايين من دم، الجماد يتحول إلى حياة {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونْ}(الصافات 12)؛ الله عز وجل يخاطب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في سياق الخلق {إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ}(الصافات 11)؛ لازب: أي يلتصق، فكأنه قال له: انظر كيف يتحول الإنسان الطين الجامد إلى حياة: عجيب؛ ولذلك قال: {بَلْ عَجِبْتَ  وَيَسْخَرُونْ}(الصافات 12)؛ نعم المؤمن يعجب فعلا من أمر الله؛ صحيح أن الملائكة قالت لامرأة إبراهيم: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ امْرِ اللهِ}(هود 72)، ولكن المؤمن يعرف بأن القدرة لله، ولكن الكفار &#8220;وَيَسْخَرُونْ&#8221;؛ فإذا  عجب المؤمن من ذلك، وحق للمؤمن أن يعجب من أمر الله، لأن أمر الله عجيب، حينئذ لا يسعه -المؤمن المخلوق- إلا الحمد، ولذلك لما نفخ الله الروح في آدم عطس، في رواية قال آدم:&#8221;الحمد لله رب العالمين&#8221; فكانت أول كلمة نطق بها هي &#8220;الحمد لله رب العالمين&#8221;(13). وفي رواية أخرى أيضا -والحديث صحيح- أن الملائكة هي التي أمرته بالحمد فلبى فدعت له وقالت له : &#8220;الحمد لله&#8221;، قالت له الملائكة: يرحمك الله ، فصارت لنا سنة، لماذا نقول: الحمد لله ويقال لنا: يرحمك الله، لأنها تذكرنا دائما لحظة الولادة من العدم إلى الوجود، هذه بداية الإنسان، وبداية كل شيء، وهي بداية العبادة من سيدنا آدم إلى سيدنا محمد عليهم الصلاة والسلام، من أراد أن يبني نفسه بالإيمان، يضع الأساس الأول، وهو الحمد. والقرآن أنزل ليبني الإنسان، لكن مشكلتنا نحن المسلمين أن أجزاءنا متهدمة، الكفار تهدموا تماما، أقصد الوجدان الديني للكافر متهدم، لا يوجد أصلا، أما المسلم فقد تهدم من بنائه جزء، ولذلك وجب أن نعيد بناء أنفسنا من جديد، الكفيل بهذا البناء هو القرآن الكريم، فلنرجع للقرآن الكريم الذي جاء لبناء النفس وبناء المجتمع.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: rgb(0, 0, 255);"><em><strong>&gt;  د. فــريــد الأنـصـاري رحمه الله تعالى</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8211;</p>
<p>9  &#8211; عن أبي هريرة رضي الله عنه</p>
<p>، والحديث في صحيح البخاري صفحة أو رقم 6502، ونصه : إن الله قال :&#8221; من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته : كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مساءته&#8221;.</p>
<p>10 &#8211; عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه</p>
<p>، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة صفحة أو رقم 1547.</p>
<p>11 &#8211; عن أبي سعيد الخدري  رضي الله عنه</p>
<p>، والحديث في صحيح مسلم صفحة أو رقم 477.</p>
<p>12 &#8211; ضعيف، وانظر ضعيف الجامع صفحة أو رقم 5809 .</p>
<p>13  -  عن  أنس بن مالك رضي الله عنه</p>
<p>، والحديث في السلسلة الصحيحة، صفحة أو رقم 2159 ، وقال فيه الشيخ الألباني : صحيح على شرط مسلم، ونصه: &#8221; لما نفخ الله في آدم الروح ، فبلغ الروح رأسه عطس ، فقال : الحمد لله رب العالمين ، فقال له تبارك و تعالى : يرحمك الله.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2011/01/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a8%d8%af%d9%8a3-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a8%d8%af%d9%8a-%d8%a5%d8%b5/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مفهوم الحمد التعبدي 1- أساس العبادة قائم على الحمد</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/12/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a8%d8%af%d9%8a-1-%d8%a3%d8%b3%d8%a7%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a8%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d9%82%d8%a7%d8%a6%d9%85/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/12/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a8%d8%af%d9%8a-1-%d8%a3%d8%b3%d8%a7%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a8%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d9%82%d8%a7%d8%a6%d9%85/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 02 Dec 2010 12:20:53 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.فريد الأنصاري]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 348]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[فقه العبادات]]></category>
		<category><![CDATA[أساس العبادة]]></category>
		<category><![CDATA[أساس العبادة قائم على الحمد]]></category>
		<category><![CDATA[الحمد]]></category>
		<category><![CDATA[الحمد التعبدي]]></category>
		<category><![CDATA[العبادة]]></category>
		<category><![CDATA[د. فــريــد الأنـصـاري رحمه الله تعالى]]></category>
		<category><![CDATA[قَدْ جَاءَكَمْ   بَصَائِرُ   مِنْ رَبِّكُم ْ]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم الحمد]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم الحمد التعبدي]]></category>
		<category><![CDATA[مقتضيات الحمد لله]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15394</guid>
		<description><![CDATA[أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {قَدْ جَاءَكَمْ   بَصَائِرُ   مِنْ رَبِّكُم ْ:  فَمَنْ ابْصَرَ فَلِنَفْسِهْ:  وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظْ. وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الاياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَينَه ُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونْ}(الأنعام 105- 106). هذا القرآن نور على نور، من أراد أن يعرف الله حقا فليدخل إلى رحابه تدبرا وتأملا وقراءة وترتيلا، اقرأه بالليل والنهار، واجعل لك [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>أعوذ بالله من الشيطان الرجيم</p>
<p>{<span style="color: #008000;"><strong>قَدْ جَاءَكَمْ   بَصَائِرُ   مِنْ رَبِّكُم ْ:  فَمَنْ ابْصَرَ فَلِنَفْسِهْ:  وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظْ. وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الاياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَينَه ُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونْ</strong></span>}(الأنعام 105- 106).</p>
<p>هذا القرآن نور على نور، من أراد أن يعرف الله حقا فليدخل إلى رحابه تدبرا وتأملا وقراءة وترتيلا، اقرأه بالليل والنهار، واجعل لك أورادا منه لا تنقطع حتى تموت، عسى أن تكون من أهل الله، لأنه ثبت في الحديث الصحيح: &gt; أهل الله أهل القرآن&lt; أو&gt;أهل القرآن أهل الله وخاصته&lt;(1) خاصته: يعنى اختصهم من الناس واصطفاهم ونسبهم إليه، وليس المعنى من يحفظونه ويستظهرونه استظهار ذهن بلا قلب، فحفظ القرآن نوعان: الحفظ الذهني  في الذاكرة، والحفظ القلبي في القلب، وذلك لمن يحفظه محبة، ويحفظ حدوده ورسومه، ويرعى أوامره ونواهيه، والقائم بذلك حافظ سواء حفظه عن ظهر قلب أو قرأه في المصحف، يكون من أهل القرآن إن شاء الله، ويكون من الذين يقول لهم المولى جل وعلا يوم القيامة اقرأ وارتق: &gt;يقال لصاحب القرآن : اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا ، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها&lt;(2) اقرأ واصعد في درجات الجنة، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها  أي في الدنيا.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>مفهوم الحمد ومقتضياته</strong></span></p>
<p>مما ينبغي للمؤمن أن يستحضره في سيره إلى الله عز وجل &#8211; سيره الدائم حتى فناء عمره -وأن يشتغل به اشتغالا دائما، ليل نهار لا يفتر: الحمد، الحمد لله رب العالمين، هذا المعنى العظيم، هذا المفهوم الكبير من مفاهيم العبادة -مفهوم الحمد-  وهذا شيء ضروري للمؤمن أن يفهمه أولا، ثم أن يشتغل به ثانيا، لأن كثيرا من الناس يشتغل بالحمد لفظا لا معنى، بل يشتغل بنقيضه معنى، وإن اشتغل به لفظا. وبيان ذلك  وتفسيره أن هناك كثير ممن يقول: الحمد لله ويشتغل بالحمد باللسان، من ذلك صلاته فهو يقرأ الحمد لله رب العالمين &#8220;أم القرآن&#8221; و&#8221;فاتحة الكتاب&#8221; في كل صلاة، ويشتغل بذلك عند نهاية طعامه، وعند حصوله على نعمة ما، إلى غير ذلك مما قد يشتغل به، وقد يستعمل ذلك على سبيل اللغو: يعنى أنه قد يقول هذه الكلمة دون إدراك معناها، وهذا يحصل كثيرا، ولكن هذا لا يكفي، لا أقول لا يكفي وحسب، بل هذا فيه نوع من قلة الأدب مع رب العالمين، وذلك إذا كان بالمعنى الذي ذكرت: أي إذا كان فعله وشعوره يشتغل بعكس المعنى، بعني أنه لا يحمد الله عز وجل من الناحية العملية، فهو يحمده باللسان فقط أما بالعمل فلا، ولبيان هذا المعنى &#8211; لأنه معنى دقيق جدا- نمثل له بمثال آخر في سياق آخر يشبهه، وليس هو إياه، ولكن يقرب لنا الفهم كالصبر.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>نموذج توضيحي من مفهوم الصبر</strong></span></p>
<p>مثلا : كثير من الناس يزعم أنه يصبر ،الصبر مطلوب {و َاصْبِرْ : وَمَا صَبْرُكَ إلاَّ بِالله ْ}(النحل :127)،  {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَة وَإِنَّهَا لَكَبِيرَة ٌ إلاَّ عَلَى الخاشِعِينْ}(البقرة:44).</p>
<p>إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث :&gt;إنما الصبر عند الصدمة الأولى&lt;(3)، &gt;ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب&lt;(4)، إلى غير ذلك من النصوص القرآنية والحديثية، فتجد الإنسان يعرف هذه الآيات والأحاديث ويرددها، ويمتلك هذه المعاني شكلا، ويمكن أن يقول: أنا أصبر ، ولكن من الناحية العملية حينما تصدمه المصائب &#8211; عافانا الله وإياكم- لأن المؤمن يسأل الله العافية والسلامة، فإذا حصل الابتلاء، وجب أن يكون من الصابرين، ففي بعض الأحيان، نجد الإنسان المؤمن يتكلم عن الصبر، ولكن لما  يبتلى يشعر بالإحباط في نفسه، وباليأس في إحساسه وشعوره، ويقع له نوع من الاضطراب في نفسه والارتباك في حياته، هذا ليس بصبر، الصبر هو القدرة على امتصاص المشاكل بحيث يحس وكأن شيئا لم يقع، مثلا: شخص له مشاكل مع الناس في عمل من الأعمال أو شغل من الأشغال، ويقول أنا أصبر، ويحسب صبره في كونه لا يرد على الناس، هذه رتبة جيدة، لأنه لا يرد على المسيء إليه بإساءة مثلها، ولا يقابل الشر بالشر فهو يصبر، لكن بسبب ذلك أصيب بمرض السكري لا قدر الله، فيقول: تسبب الناس لي في داء السكري، إذن هذا ليس بصبر، لأن الصبر لا يعني أن لا تطلق البارود على غيرك وتطلقه على نفسك، بل الصبر هو القدرة على امتصاص الغضب، وامتصاص المشاكل، فلا تحس بداخلك أن المشكلة مشكلة، الصبر حينما تستطيع أن تفوض أمرك إلى الله وتحس بالراحة من الداخل في باطنك، هذا الصبر يتحقق عندما تكون المشكلة كيفما كانت، وأنت ثابت لا تتزلزل: أقصد  الثبات الوجداني من داخلك، إذ يكون عندكإحساس بالأمان وبالسلام، وبأن الذي فعله الله هو الخير، وما فيه إلا الخير، فأنت مرتاح لذلك الخير، وتسأل الله عز وجل أن يعينك على تحمل الأذى، وذلك بأن يمنحك قدرة وجدانية نفسية داخلية لكي تتعامل مع الأذى كأنه شيء عادي، هذا هو الصبر الحقيقي، وضده الجزع، فعندما لا يتحمل الإنسان المشكل يحصل له جزع داخلي، والجزع له مظاهر فهناك من يظهر جزعه في كلامه، فيصرخ  ويصيح! وهذا أسلوب من أساليب راحته، كي يفرج عن نفسه، وهناك من يجزع كثيرا ولا يعلم به أحد من الناس، ولكن الذي يتأثر لحاله  وجزعه هو نفسه وقلبه وصحته وأعصابه، ولذلك فهو يتمزق داخليا، وما هذا بصابر، وليس هذا بصبر،  لأن الصبر هو أن تحس بالارتياح، والارتياح شيء عظيم جدا، صحيح أن الإنسان عند الابتلاء يحس بصدمة البلاء ولكن تكون له القدرة لتصريف ذلك، وتحويله من جهة اعتقاد الشر إلى جهة اعتقاد الخير.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>مقتضيات الحمد لله وتجلياته</strong></span></p>
<p>كذلك الأمر  فيما يتعلق بالحمد ، فكثير من الناس يقولون نحن حامدون لله وشاكرون له، وما هم كذلك، لأنهم لم يحمدوه بإحساسهم، ووجدانهم وفعالهم، فوجب إذن أن نعرف الحمد ونفهم  معناه، لأنه صلاتنا، فصلاتنا حمد، وسورة الفاتحة اسمها الحمد &gt;لا صلاة لمن لم يقرأ  بالحمد&lt;(5) وأم القرآن أو الفاتحة تدور على حمد الله رب العالمين، ومن هنا أحببت أن أتحدث عن هذا المفهوم متدبرا لكتاب الله عز وجل أو نتعاون جميعا على تدبر كتاب الله ، فمن تدبر حق التدبر أبصر إبصارا لآية الحمد، ونحن نحاول إبصار هذه الآيات، وهذا أهم شيء في تعاملنا مع كتاب الله عز وجل، هذه السورة التي نقرؤها كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل، إما أننا نقرأها بأنفسنا، أو تُقرأ علينا مع الإمام، فإننا إذن نسير بها إلى الله عز وجل، و الحمد هو من بين وسائل السير إلى الله عز وجل، ومن بين وسائل العبادة الأساسية،  بل أساس العبادة  قائم على الحمد، والحمد أدب مع الله عز وجل واعتراف لله بالربوبية. والنبي صلى الله عليه وسلم كلما أراد أن يدعو ربه أو أن يخطب الناس إلا واستفتح بالحمد، وكان يُعَلِّم صلى الله عليه وسلم الصحابة والمسلمين بعدهم صلاة الحاجة، فكان يبدأ بحمد الله والثناء عليه، وذلك يقع بلفظ الحمد وبكل ما فيه معنى التمجيد لله والاعتراف بوحدانيته، فقولك مثلا: &#8220;لا إله إلا الله &#8220;حمد ، وليس &#8220;الحمد لله رب العالمين&#8221; فقط  هي المتضمنة للحمد. صحيح &#8220;الحمد لله&#8221; هي أجمع الألفاظ للحمد، ولكن معنى الحمد موجود في كل عبارات التسبيح والتفريد والتوحيد والتمجيد، فـ&#8221;سبحان الله&#8221; فيها معنى الحمد، و&#8221;لا إله إلا الله&#8221; فيها معنى الحمد، وفي كل عبارات الثناء على الله عز وجل يوجد معنى الحمد لله، والحمد يجمع الشكر والثناء، فهي لفظة جامعة، الشكر يكون على الفعال، والثناء يكون على الصفات، إذا أعجبك  أحد المناظرالجميلة كيفما كان &#8211; من أمور الطبيعة أو الناس  أو أي شيء آخر- لن تقول له شكرا، لأن منطق اللغة يرفض ذلك، والعقل لا يقبله، والذي تقوله حينها : هو أن تذكر جماله وصفاته الجميلة، هذا يسمى ثناء، تثني على الجمال والجلال.</p>
<p>ولكن عندما يسدي إليك من أثنيت عليه خيرا، فأنت  تقول له: &#8220;شكرا&#8221;، فالشكر يكون لمن صنع إليك معروفا وقدم إليك خيرا، فتقول له: &#8220;شكرا&#8221; أي تشكره، ولكن من لم يقدم لك خيرا ولا شرا، وإنما أعجبك منظره وذكرته بكلام حسن، فهذا يسمى ثناء. فنحن المسلمين نثني على الله عز وجل لأنه جميل سبحانه وتعالى، ففي الحديث الصحيح: &gt;إن الله جميل يحب الجمال&lt;(6)، وفي حديث آخر:  &gt;ويحب معالي الأمور ويكره سفسافها&lt;(7) أي يكره الأخلاق الساقطة ، فهو أهل للثناء ،كما في الحديث الصحيح &gt;أهل الثناء والمجد&lt;(8)، وهو سبحانه بجماله وعظيم سلطانه  وجلاله ، من عرفه من خلقه يثني عليه، أي من عرف هاتهالصفات الجميلة والجليلة في الله، يثنى عليه بما هو أهله سبحانه وتعالى. والإنسان مفطور على أن يثني على الشيء الجميل، اللهم إلا إن كان هذا الإنسان غير عادي،  أو مريض عنده عقدة نفسية، فهذا شيء آخر، ولذلك الحسد لا يكون إلا مرضا ،أما الغبطة فأمر حسن، بأن تغبط أخاك المسلم على سلوكه، وعلى ما أنعم الله عليه ، وهذا هو الأصل في الإنسان وخاصة المؤمن المسلم. فلذلك إذا أثنينا على الله عز وجل بما له من جمال وجلال وسلطان وملك وعظمة وكبرياء سبحانه وتعالى، فذلك الثناء يعنى أن نذكره بصفاته الحميدة سبحانه وتعالى، لكن إذا شعرت بالنعمة ، إذ لم تكن من قبل شيئا مذكورا، ثم كنت، فالخلق والإيجاد نعمة أعطاها لك، ثم كنت لا تقدر على شيء، وقواك، فقد خرجت من بطن أمك ضعيفا ثم أتاك بالقوة من عنده سبحانه وتعالى، كنت فقيرا فأغناك، كنت مريضا وشفاك، كنت محتاجا وأعطاك، ينبغي أن تقول:&#8221;شكرا&#8221; وهذاشكر. الحمد يجمعهما معا، فإذا حمدت الله فقد أثنيت عليه وشكرته، شيء عظيم جدا، فأنت حينما تقول: الحمد لله رب العالمين، معناه أنك تثني عليه بجماله وجلاله بما هو أهله ثم تذكر أنه خلقك وأعطاك وأنعم عليك إلى غير ذلك من النعم التي لا  تعد ولا تحصى، فتكون من الحامدين، والحمد أعلى درجة من الشكر ولذلك قال الله عز وجل:{قُلْ الْحَمْدُ لِلِّه  وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى}(النمل 61)، الحمد له عز وجل بما استحق من حيث أنه جميل جليل، وبما فعل وأعطى لعبيده المخلوقين ، فنحن نثنى عليه ونشكره. فمن لا يثنى على الله ولا يشكره، أي لا يحمد الله، فهو أحد اثنين: إما أنه إنسان شرير تسدي إليه الخير ويرده لك شرا، ولأن الله أعطاه الخيرات وهو يقابل ذلك شرا، فهذا شرير. وهناك احتمال آخر أنه ضال لا يعرف ربه، فاليهود المغضوب عليهم سمعوا وعصوا، وقالوا سمعنا وعصينا، والنصارى ضلوا، ما عرفوا الله وما قدروا الله حق قدره، ما عرفوه سبحانه وتعالى.  ومن نعم الله عز وجل على المسلم أن أنزل إليه كتابا يعرفه بربه، فالمعرفة بالله تتم من خلال كتاب الله، ولن تجدها في غيره البتة، فمن أراد أن يعرف ربه حق المعرفة، عليه بالقرآن الكريم، ففيه تعريف بالله: بجلاله وجماله وحميد فعاله سبحانه وتعالى. فإذا كان أحد المسلمين لا يشكر الله ولا يثنى عليه، أي لا يحمد الله، فمعناه أنه جاهل بالله مع الأسف، يحتاج إذن ليجد معنى الشكر ومعنى الثناء أو معنى الحمد أن يتعرف على مولاه الذي خلقه، لأنك إن عرفته وأنت مؤمن به ستجد رغبة جامحة في حمده، ليس باللسان فحسب، بل بالقلب والجنان قبل أن يكون ذلك باللسان، لكن كيف يكون الحمد بالقلب؟ نترك الجواب للحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>    د. فــريــد الأنـصـاري رحمه الله تعالى</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8211;</p>
<p>1 -  الحديث عن علي بن أبي طالب رضي لله عنه&lt;( وصححه الألباني في صحيح الجامع  &lt;(الصفحة أو الرقم: 2528 .</p>
<p>2 -  الحديث عن  عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وصححه الألباني في صحيح الترمذي الصفحة أو  الرقم : 2914 . و في غيره .</p>
<p>3- الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه &lt; وصححه الألباني في صحيح أبي داوود، الصفحة أو الرقم 3124 . وفي صحيح ابن ماجة ، الصفحة أو الرقم 1307 .</p>
<p>4 &#8211; متفق عليه&lt; البخاري 6114. مسلم 2609.  عن أبي هريرة رضي الله عنه.</p>
<p>5  -  عن أبي سيد الخدري رضي الله عنه ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي صفحة أو رقم 238&lt;( ونصه :&#8221; مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ، ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة ، في فريضة أو غيرها&#8221;</p>
<p>6  -  عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ورواه مسلم في صحيحه صفحة أو رقم 91 . ونص الحديث هو:  لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر . قال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة . قال : إن الله جميليحب الجمال . الكبر بطر الحق وغمط الناس.</p>
<p>7  &#8211; صححه الشيخ الألباني في صفة الفتوى صفحة أو رقم 93.</p>
<p>8  &#8211; عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ورواه مسلم في صحيحه  صفحة أو رقم : 477 و نصه:&#8221; كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال &#8221; ربنا لك الحمد . ملء السماوات والأرض . وملء ما شئت من شيء بعد . أهل الثناء والمجد . أحق ما قال العبد . وكلنا لك عبد : اللهم ! لا مانع لما أعطيت . ولا معطي لما منعت . ولا ينفع ذا الجد منك الجد &#8220;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/12/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a8%d8%af%d9%8a-1-%d8%a3%d8%b3%d8%a7%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a8%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d9%82%d8%a7%d8%a6%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>خطبة منبرية &#8211; حـوادث الـسـيــر معضلة كبرى لا علاج لها إلا بالإسلام، فكيف؟!</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/11/%d8%ae%d8%b7%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d9%80%d9%88%d8%a7%d8%af%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d9%80%d8%b3%d9%80%d9%8a%d9%80%d9%80%d8%b1-%d9%85%d8%b9%d8%b6%d9%84%d8%a9-%d9%83%d8%a8/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/11/%d8%ae%d8%b7%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d9%80%d9%88%d8%a7%d8%af%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d9%80%d8%b3%d9%80%d9%8a%d9%80%d9%80%d8%b1-%d9%85%d8%b9%d8%b6%d9%84%d8%a9-%d9%83%d8%a8/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 01 Nov 2010 11:41:44 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.فريد الأنصاري]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 346]]></category>
		<category><![CDATA[خطب الجمعة]]></category>
		<category><![CDATA[الأنانية]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[الدكتور مصطفى هاشمي]]></category>
		<category><![CDATA[العجلة]]></category>
		<category><![CDATA[حـوادث الـسـيــر معضلة كبرى]]></category>
		<category><![CDATA[حوادث السير]]></category>
		<category><![CDATA[خطبة منبرية]]></category>
		<category><![CDATA[د. فــريــد الأنـصـاري رحمه الله تعالى]]></category>
		<category><![CDATA[ضعف الإيمان بالله]]></category>
		<category><![CDATA[فكيف؟]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15944</guid>
		<description><![CDATA[الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><strong style="color: rgb(0, 0, 255);">الخطبة الأولى</strong></p>
<p>إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.</p>
<p>أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.</p>
<p>ثم أما بعد:</p>
<p><span style="color: rgb(255, 0, 255);"><strong>ما هي الأسباب وراء تفاقم حوادث السير؟:</strong> </span>فما يزال المغرب يواجه معضلة اجتماعية تتعلق بما يسمى بأزمة حوادث السير، ولا تزال مؤسساته المختصة كاللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير، وسائر المؤسسات التي تدعمها وتساعدها في هذا كوزارة الأوقاف وغيرها، لا يزال أولئك جميعا في حَيْرة من أمر حوادث السير وما يقع فيها من كثرة، يحاول الجميع أن يقنن لها وأن يجعل لها مخرجا عسى أن تقل وعسى أن تضمحل، والناظر فيما يعرضونه من إحصائيات وأسباب وأولويات، ومن مقاييس ومن مراتب لطبيعة هذه الحوادث وأسبابها، الناظر في ذلك يدرك أن السبب الرئيسي يرجع إلى طبيعة الإنسان من حيث خُلقه وتربيته، صحيح أن أسباب حوادث السير متعددة؛ منها ما يرجع إلى الإنسان، ومنها ما يرجع إلى الآلة، ومنها ما يرجع إلى البنية التحتية التي هي الطرق وما شابه ذلك، لكن الحظ الأكبر في الفساد والإفساد يرجع إلى الإنسان، وهذا في كل الأشياء؛ فالعامل البشري هو العامل الأول، فالحوادث إما أن تكون بسبب المخالفات الإنسانية والبشرية وإما بسبب الحالة الميكانيكية &#8211; كما يعبرون &#8211; للسيارة أو بسبب البنية التحتية للطرق من فسادها أو انحرافها أو اعوجاجها أو غير ذلك، ويرتبون هذا الترتيب؛ بأن السبب الإنساني هو الأول، وخاصة السرعة ومخالفة قانون السير كالتجاوز فيما لا ينبغي أن يقع فيه التجاوز، واقتطاع حقوق الآخرين من الأسبقيات، إذا كان هذا هو السبب الأول المرتب معناه أن الإنسان إذن يقرر &#8211; هذه هي النهاية والمآل &#8211; يقرر أن يحدث حادثة سير، يعني أن الإنسان كأنه يريد أن يقوم بحادثة، صحيح أنه لا يتوقع نتائجها، شيء طبيعي، ولكنه يرتكب أسبابها، ما أحسب أن الأمر إلا راجعا إلى الجانب الخلقي والتربوي والمستوى الضعيف للتدين على المستوى الاجتماعي لدى الناس، وهذه مشكلة معروفة في بيئتنا، بمعنى أن هنالك انفصاما لدى كثير من الناس في ممارسة الدين بين المسجد والمجتمع؛ عدد كبير من الناس يتصورون أن الدين موجود في المسجد فقط وكأنه لا دين خارج المسجد، بل الدين شامل عام، ينظم حياة العبد وعلاقته فيما بينه وبين ربه، وينظم حياته وعلاقته فيما بينه وبين أخيه الإنسان، وهو الجانب الاجتماعي من الدين، وكما يؤجر العبد في المسجد يؤجر كذلك خارج المسجد، وكما يذنب العبد بترك حق من حقوق الله في المسجد كأن يغيب عن صلاة أو غير ذلك، كذلك يذنب حينما يقتطع حقا أو يقوم بمخالفة في المجال الاجتماعي، والإسلام لم يترك هذا الأمر همْلاً لَقًى، لا، بل شرع فيه تشريعات كلية عامة، وتحدث حتى الفقهاء قديما عن نوازل من مثل هذا، صحيح كانت الطرق بمعنى مختلف ولم يكن هنالك قانون دقيق ينظمها، لكن كانت هناك أخلاقيات عامة مرجعها الإسلام، وتحدثوا حتى عن القتل الخطأ بسبب ذلك قديما،إذن لدينا تراث إسلامي مرجعه الكتاب والسنة ثم اجتهادات الفقهاء التي يجب أن تُحيى إذا أردنا أن نعالج صادقين هذه الآفة الخطيرة التي تحصد الأرواح سنويا من المسلمين، لم يكن عبثا قول رسول الله : &gt;مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى&lt;، هذا مرجعه شيء أساس، وهو أن المؤمن يشعر بأخيه المؤمن، ويشعر بحقه وبما ينبغي له من الحقوق والمحبة، والنبي فرض المحبة على المسلمين فيما بينهم , فرض المحبة وأرشدنا إلى سبل المحبة من التهادي والسلام؛ &gt;ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؛ أفشوا السلام بينكم&lt;، هذه الصلة من إفشاء السلام حين تسلم على أخيك المؤمن حين تقول : السلام عليكم، ومعنى السلام أنك تؤمنه &#8211; وتأمينك أخاك المسلم لا ينبغي أن يكون بالقول فحسب بل بالفعل، ولذلك حينما يتحمل المؤمن مسؤولية تأمين نفسه وتأمين الآخرين ويحمل هذا الإحساس فإنه بإذن الله لن يكون مؤذيا، في سياقته ولا في سيره ولا في كل أمره، ويحتاط لغيره بقدر ما يحتاط لنفسه، ولدينا هنا الحديث الصحيح المتفق عليه بين البخاري ومسلم ويرويه غيرهما والذي يقول فيه : &gt;لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه&lt;، المحبة، &gt;حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه&lt;، وهو يحيل على طرف الحديث الذي أشرت إليه آنفا، وبدؤه قوله عليه الصلاة والسلام &#8220;لا تدخلوا الجنة حتى تحابوا&#8221;، المحبة أساسية لدخول الجنة ولنيل رضوان الله جل وعلا، ثم قال: &gt;ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم&lt;، إفشاء السلام، وعبارة &#8220;الإفشاء&#8221; مهمة جدا وتدل على الانتشار، ليس أن تقول السلام عليكم باللسان وكفى، ولكن تقصد إلى أن تنتشر هذه العبارة بمضمونها بين الناس وتصبح عادة شاملة، الإفشاء ليس فقط قول السلام، الإفشاء أعظم من القول وأبلغ، لأنه لو قال لنا &#8220;قولوا السلام عليكم&#8221; أو &#8220;سلموا على أنفسكم وفيما بينكم&#8221;، يعني أن تسلم مرة في السنة أو في الشهر تكفي، ولكن التعبير بكلمة &#8220;الإفشاء&#8221; أن تصبح عبارة السلام لغة اجتماعية سائدة سائرة في كل مجال وفي كل وقت وحين، هذا هو الإفشاء، ولا يكون ذلك حقيقة إلا إذا حصلت المحبة قلبيا وجدانيا، &gt;حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه&lt;، كيف الوصول إلى هذا؟ الوصول إليه بالقضاء على الموانع التي تمنعه، لأنه نظريا المسلمون يحبون المسلمين، ومن حيث المبدأ فالمسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو يحب الله تعالى و يحب رسوله ويحب المسلمين أجمعين، ولكن هنالك أشياء من الناحية العملية تمنع أن يقع شيء من الخير في الناس؛ هي مجموعة أمراض، وهي التي ينبغي أن تعالج، وإذا عولجت بإذن الله بالتأكيد وبالقطع -لأن الأدلة من الكتاب والسنة تدل على ذلك- تضمحل ظاهرة حوادث السير اضمحلالا قياسيا.</p>
<p><span style="color: rgb(255, 0, 255);"><strong> أسباب استفحال ظــاهــرة حــوادث الـسـيـر :</strong></span> هذه الأمراض مرجعها إلى أمرين:</p>
<p><span style="color: rgb(153, 51, 0);"><strong> الأمر الأول: الأنانية</strong></span></p>
<p><span style="color: rgb(153, 51, 0);"><strong> الأمر الثاني: ضعف الإيمان بالله توكلا،</strong></span> وهو الذي يسبب العجلة، والعجلة من أهم أسباب حوادث السير بالاحصاءات التي توردها المؤسسات.</p>
<p><span style="color: rgb(153, 51, 0);"><strong>فأما الأنانية</strong></span> فتلك هي الآفة الكبرى لدى الناس وهي آفة اجتماعية، فحينما تعتبر أخاك المؤمن فعلا يستحق من الخير والمحبة ما تكنه لنفسك وزيادة تؤثره على نفسك، معنى ذلك أنك تخلصت من أنانيتك، والأنانية ضرب من الكبر وعبادة الهوى وعبادة النفس وعبادة الذات وتحتاج إلى مجاهدة نفسك في الله، ولن يرضى الله جل وعلا على العبد حتى يذيب أنانيته بين يديه سبحانه وتعالى، فإذا أذابها بين يديه كان خليقا بأن يعامل عباده بالمعنى الذي يجعله فعلا متواضعا ويشعره ويشعر الآخرين بأنما هو عبد لله، وما أهلك إبليس إلا أن قال &#8220;أنا&#8221;، قال &#8220;أنا خير منه&#8221;، وذات يوم أو مرة طرق رجل باب رسول الله، فسأل نبيُّ الله : من الطارق؟ فقال الرجل &#8220;أنا&#8221;، وخرج رسول الله ليفتح له وهو يقول : &#8220;أنا أنا&#8221;، قال المحدث كأنه كره ذلك منه أي لم يعجبه أن يقول ذاك الطارق &#8220;أنا&#8221;، ولذلك من الأدب الجميل الذي ما يزال يحمله المغاربة أنه حينما يطرق أحد عليك باب منزلك ففي الغالب حينما تقول من الطارق يقول لك:&#8221;قريب&#8221; وهو من الأدب الرفيع، وأصله هذا الحديث وهذا الخلق لأن قول الإنسان &#8220;أنا&#8221; فيه نوع من الاعتزاز بالذات وفيه نوع من الكبر، والحديث النبوي فيه شيء لطيف جدا فعلا، وهو وإن كان صغيرا لكنه يربي على الأمور الكبيرة، ورحم الله ابن عباس ورضي عنهما حين فسر الربانية كما في صحيح البخاري بقوله&#8221;الرباني من يربي بصغار العلم قبل كباره&#8221;،لأنه كثيرا ما تقع الأمور الكبيرة بسبب الأمور البسيطة والجزئية الصغيرة، وتشير إلى شيء معين سلبي أو إيجابي، فإعادة تشكيل سلوكنا الاجتماعي رهين بإعادة تربيتنا على الأصول الإسلامية الكبرى، وعلى رأسها هذا المعنى الذي نذكر؛ نتخلص من أنانياتنا الفردية حتى تحصل المحبة بيننا، وحتى نفوز بذلك المقام العالي الرفيع الذي جاء بهذه البشرى المذكورة في الحديث النبوي السالف الذكر، مرتبة الإيمان العليا، &#8220;لا يؤمن أحدكم&#8221; أي لا يكمل إيمانه &#8220;لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه&#8221;.</p>
<p><span style="color: rgb(153, 51, 0);"><strong>الأمر الثاني هو هذه العجلة،</strong></span> فمع الأسف الشديد وواضح جدا أننا نسابق إلى الدنيا أكثر مما نسابق إلى خيرات الآخرة، وكثيرا من الأحيان تكون هذه المسابقة وهمية، فتلاحظ أن الناس كثيرو الجري والسرعة وحين يصلون يجلسون بعد ذلك ولا يفعلون شيئا ذا بال في غالب الأحيان، ثم إذا أحسست بضياع الوقت وانفراط الزمن فلا يكون من قدر الله إلا ما كان، لا يمكنك أن تحدث من الزمن فوق ساعة الزمن، لأنه لا يمكنك أن تجري بالسرعة المفرطة وتخرق كل القوانين وتقتطع كل الحقوق للآخرين ولا تصل في النهاية إلى المراد إذا ما قدر الله لك أن تصل، ولذلك قلت المرجع في هذه المسألة إلى التوكل على الله عز وجل، إذا توكلت على الله حق توكله تأخذ بالأسباب الطبيعية،لا تفرط أنت بمواقيتك، ارتبط بمواقيت الصلوات، عند الفجر تكون مستيقظا أصلا، وترتب زمن نهارك على المقادير التي يسر الله جل وعلا، تتخذ الأسباب الطبيعية وتتوكل على مولاك الذي خلقك، بإذن الله لن يضيع لك خير.</p>
<p>والإسلام علمك أيها المؤمن أنه حينما تخرج من منزلك تذكر دعاء الخروج &gt;باسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله&lt;، يصحبك ملَكٌ عن يمينك ويرفع راية يحفظك بأمر الله فإذا تلقتك الشياطين التي تستفزك -لأن تلك السرعة وتلك الفتنة من الشياطين- تنحى عنك الشيطان وقالت الشياطين بعضها لبعض &#8220;أما هذا فقد وقي وكفي&#8221;، يعني أن ربي حافظه وكافيه، الملك الذي يحفظه بأمر الله يرفع راية على رأسه بأن هذا الشخص محمي محفوظ مُسَدَّدٌ مرشَّد، ومن دعاء رسول الله كل غداة أي في كل صباح أنه كان يدعو عليه الصلاة والسلام دعاء لطيفا جدا جامعا مانعا، فيه الحفظ وفيه الخير: &gt;اللهم إني أسألك خير هذا اليوم ورشده وبركته وهداه وفتحه ونصره&lt; -قدم منها أو أخر لا بأس-، &gt;اللهم إني أسألك خير هذا اليوم ورشده وبركته وفتحه ونصره وهداه، وأعوذ بك من شره وشر ما قبله وشر ما بعده&lt;، دعاء جامع مانع، فيفتح الله لك من الخيرات والبركات والأرزاق في ذلك اليوم بدعائك الرحمن، وينصرك ويرزقك ويهديك سبل الرشاد ويحفظك من كل شر جاء قبل ذلك اليوم &#8211; لأن الشر ممكن أن يقع أياما قبل يومك وتكون نتائجه في هذا اليوم فتسأل الله أن يحفظك من شر هذا اليوم ومن الشر الحادث قبل هذا اليوم مما يمكن أن يلحقك هذا اليوم، ومن الشر الذي يمكن أن تحدث أسبابه اليوم لكن نتائجه لن تكون إلا بعد اليوم، إذ يمكن أن يقع لك اليوم شيء ولا يتبين لك خطره إلا من بعد أسبوع أو شهر أو سنة أو يزيد، ولذلك يقول : &gt;وأعوذ بك من شره وشر ما قبله وشر ما بعده&lt;، فإذا اتخذ العبد أسباب الخير، رَتَّبَ وقته ورَتَّبَ الأعمال، وتوكل على الله فإنه بإذن الله لن يناله إلا الخير ويمشي بالقواعد الطبيعية.</p>
<p>كما يجب عليك أيها المسلم أن تتعلم الأناة والتأني من الصلاة، هذه الصلاة وما أدراك ما الصلاة، ليس هناك عمل في الإسلام أعظم من الصلاة إطلاقا،&#8221; واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة&#8221; ومع ذلك سيدنا محمد نهى المسلمين أن يأتوها مسرعين أو مهرولين، فإذا سمعت الأذان ثم وجدت أنك لن تدرك تكبيرة الإحرام مع الجماعة فلا يجوز لك أن تأتي المسجد وأنت تجري أو تهرول (وهو حركة وسطى من السرعة)، وإنما وجب عليك أن تأتيها وعليك السكينة هكذا قال : &gt;واتوها وعليكم السكينة&lt; أي بشكل هادئ، سير عادي طبيعي ساكن، فيه طمأنينة وفيه سلام وفيه أمن وفيه راحة نفسية وعصبية، وأنت تسير إلى أعظم فرض من فروض الله وأهم فرائضه؛ الصلاة، ولذلك قال في تتمة الحديث : &gt;فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا أو فاقضوا&lt; أو كما قال عليه الصلاة والسلام على حسب الروايات، هذه حقوق الله عز وجل، أنت بذلت مجهودك، فتوضأت وقمت بما قمت به وهذا ما بلَّغك الوقت، فلما فاتك بعض الوقت فوجب أن تسعى إلى الصلاة سعي المطمئن الساكن الهادئ، كذلك ينبغي أن نرتب أعمالنا الدنيوية جميعا، إعمل مجهودك، ما ينبغي للمؤمن أن يتخاذل أو أن يغط في نومه إلى آخر لحظة ثم يقوم ويريد أن يستدرك ما فات، فسيكون ذلك على حساب الآخرين طبعا،لأنك أنت ضيعت وقتك كاملا صباحا وأنت نائم، فحين تقوم لتستدرك الوقت بشكل جنوني باقتطاع قوانين السير فأنت إذن تريد أن تصل إلى ما ضيعته بيدك لكن على حساب الناس وأولوياتهم وأسبقياتهم، أو على حسب قوانين الطبيعة التي خلقها الله في الأرض. قد تجري بكل ما أوتيت من طاقة ولكن هنالك حدوداً للسرعة البشرية في نهاية المطاف، لا يمكنك أن تخرق نواميس وسنن الله في الاجتماع البشري وفي الطبيعة، فإذا حاولت أهلكت نفسك وربما أهلكت معك غيرك أيضا.</p>
<p>فالأساس إذن أن إيقاظ الشعور الديني في الناس، وتجديد الإحساس بعبادة الله في الاجتماع البشري كفيل بإذن الله أن يعالج كثيرا من الأمراض الاجتماعية، بل كل الأمراض الاجتماعية بما فيها حوادث السير، لأننا -كما قلت في بداية الكلام- عندنا انفصام في أذهاننا أن الدين عندنا في المسجد ولا نمارسه في المجتمع، فحينما نشعر أننا ينبغي أن نكون مسلمين في المسجد وفي المجتمع، آنئذ -بإذن الله- سيكون لهذه الظاهرة ضمور، وستقل شيئا فشيئا على قدر نمو الإحساس الديني لدى الناس على المستوى الاجتماعي، والمؤمن لابد له أن يذكر ما يترتب عن مخالفته هذه على المستوى التعبدي.</p>
<p><span style="color: rgb(255, 0, 255);"><strong> كفالة الإســـلام لحقوق النــاس فــي الطــريق :</strong></span> كثير من الناس -مع الأسف- يظن أنه حين يخالف بعض الأعراف الاجتماعية وبعض القوانين فيما يتعلق بتنظيم حياة الناس، يظن أنه غير متابع دينيا، لأن المسألة تتعلق فيما بينه وبين الشرطة إذا اقتطع حق الغير ولم يره شرطي المرور أو غير ذلك وانتهت المسألة لا، أبدا، فالأمر ليس كذلك -وهذه قاعدة أساسية- الأمر الذي يتعلق بحقوق الناس يتابع فيه العبد دينيا قبل أن يتابع دنيويا، لأننا حين نتأمل أمر قانون السير، ما هو إلا ترتيب وتنظيم لحقوق الناس فيما يتعلق بالسير وأولويات السير في غالب أمره، هناك أمور أخرى تنظم ليس لها علاقة بالحقوق ولكن أغلبية بنود قانون السير ومؤشراته تتعلق بحقوق الناس بدءا بحقك أنت، يعني لما تجد الأشياء المتعلقة بعدم السرعة، ليس فقط كيلا تتسبب في قتل الغير، بل أيضا كي لا تقتل نفسك أنت أيضا، وحتى لا يقع لك ما يقع لغيرك، لأنه لا يجوز لك أن تقتل نفسك كما هو في شرع الله، ولا يجوز لك أن تلقي بيدك إلى التهلكة، وأذكر هنا حديثا صحيحا عجيبا لرسول الله يقول : &gt;من آذى المسلمين في طرقاتهم فقد استحق لعنتهم&lt;، لذلك أذكر كما ذكرت بداية أن من أراد أن يؤصل لقانون السير في الإسلام فهناك نصوص من القرآن والحديث، صحيح أن أسباب الورود في الحديث، كانت حاجة أخرى نظرا لاختلاف البيئة والأعراف، لكن العلماء يقولون :&#8221;العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب&#8221;، لأن سيدنا محمدا عندما قال : &gt;من آذى المسلمين في طرقاتهم&lt; أي من أحدث شيئا يؤذي المسلمين في الطريق فما كان يحدث أن الناس كانوا يؤذون الطريق بالأزبال والقاذورات، وبالأشياء التي تكرهها النفس وتشمئز منها، فالقياس الجلي الواضح الذي هو قياس الأولى؛ إذا كان الإنسان يؤذي الناس بأن يجعل الأوساخ في الطريق ويستحق لعنة الناس بذلك، فمن جعل في طريقهم الموت والهلاك، من باب أولى وأحرى أن يستحق لعنتهم، الحديث واضح والقياس قوي جدا؛ قياس الأولى كما يعبِّرون عنه، &gt;من آذى المسلمين في طرقاتهم فقد استحق لعنتهم&lt;، وهذا يفيدنا أمرين على المستوى الفقهي:</p>
<p>الأمر الأول: أن أمور الطريق حقوق &#8211; لم يكتشفها الناس حديثا- بل في الإسلام، أمور الطريق حقوق، وإذا آذيت مسلما بأن اقتطعت حقه تترتب عليه المسألة الأخرى،قلت أمران، وهي الأمر الثاني : أنك تستحق لعنته والعياذ بالله، بمعنى أنك قد ظلمته، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وأي صورة من صور الظلم والإيذاء يمكن أن تؤذيه بأن كانت له أولوية المرور فأخذتها منه؛ وآذيته، إذا أفلت الإنسان من العقاب الدنيوي، من يضمن لك أن ذاك الذي سبقته واقتطعت حقه من الأولوية في السير رفع يديه إلى الله سبحانه ودعا عليك؟ ولذلك إذا شعر العبد -أنا وأنت- شعرنا بأننا أخطأنا في الطريق، فينبغي أن أهتم لذلك الشخص الذي أخذت حقه قبل أن أهتم لمراقبة عون المرور، وأقول اللهم اغفر لي وله، أستغفر لنفسي بما أذنبت لأنني أخطأت، و&#8221;كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون&#8221;، وتستغفر له عسى أن يجعل ما أخذته من حق مغفرة، فيحدث نوع من التقاطع، ذاك الدعاء يتلقاه بالاستغفار الذي استغفرت له، فيرد عنك بالحسنة التي تصدقت بها عليه، لأنك دعوت له بالخير، وتستغفر لنفسك بما أجرمت وأخطأت.</p>
<p>فقلت إذن عندنا مسألتان: النبي أقر بأن للطرق حقوقا،والثاني بأنك حينما تقتطع هذا الحق لست بآمن من أن يدعو عليك هذا الذي اقتطعت حقه بما هو مظلوم؛ &#8220;استحق لعنتهم&#8221;، وصور الإيذاء شتى -نسأل الله تعالى أن يرشدنا ويوفقنا- لأن الإنسان لا يحس بهذه الأمور حتى يتأملها جيدا، أو حتى يتأذى بها هو بنفسه.</p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 255);"><strong> الخطبة الثانية</strong></span></p>
<p><span style="color: rgb(255, 0, 255);"><strong> من صور الإيذاء في الطرقات :</strong></span> ومن صور الإيذاء الكبيرة والكثيرة حين يتعلق الأمر بسرعة مفرطة أو اقتطاع أولويات أو خرق أولويات واضحة جدا، بحيث يتسبب ذلك في حوادث أو يكاد، هذه كبيرة جدا، لكن يلحقها أشياء قلما ننتبه إليها.</p>
<p>من أمثلة الإيذاء في الطرقات:</p>
<p>1- حين تكون لديك سيارة وحالتها الميكانيكية ضعيفة وتنفث أدخنة كثيرة، وتمر بها بجانب أناس راجلين؛ رجالاً، ونساء، أطفالاً وشيوخاً، وتؤذيهم بذلك الدخان، من يدريك أنهم قد دعوا عليك، ما ذنبهم هم أن يستنشقوا تلك الروائح، تلك الغازات السامة التي تؤذيهم، وذلك أشد من الأوساخ العادية، فتلك سموم،&#8221;من آذى المسلمين في طرقاتهم فقد استحق لعنتهم&#8221;، ولذلك في الحقيقة إذا كانت سيارتي تنفث أدخنة كثيرة يجب أن أبادر إلى إصلاحها قبل أي شيء آخر، لماذا ؟ لأن فيها إيذاء للناس، وفعلا نحن جميعا حينما يؤذينا شخص بدخان عربته بالشكل الفظيع الذي ذكرت، فكثير من الناس والعياذ بالله يلعنونه ويسبونه ويتأففون من ذلك، والحديث يوجب ذلك، فذلك الدعاء يصل، &#8220;من آذى المسلمين في طرقاتهم فقد استحق لعنتهم&#8221;.</p>
<p>2- وكثير من الشباب الطائش مع الأسف، يستعملون قصدا الدراجات ذات الأصوات العالية جدا بحيث تؤذي وتفزع بالضجيج الشديد الذي تحدثه، ويمرون في الدروب والأزقة غير مبالين بمريض ولا بأطفال صغار نائمين فيفزعونهم، هذه الأصوات غير الطبيعية إيذاء، تؤذي المرضى والمطمئنين ومن يستريح ليستأنف عمله، وغير ذلك كثير، والإنسان ينبغي أن يراقب نفسه بنفسه، والأمر واضح جدا، والمرء ليس بحاجة إلى من يعلمه هذه الأمور، لأن الشيء الذي يؤذيك فلا تفعله للآخرين&#8230; فإذا كان الضجيج الشديد المفزع لك ولأطفالك يؤذيك، وكذلك الأدخنة، الأوساخ، السرعة، اقتطاع الحقوق من أولويات السير فلا تفعله للآخرين.</p>
<p>والحقيقة أن الأمر في نهاية المطاف لن يعالجه إلا الدين، حقيقة لو أن الناس يعلمون. اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين، واغفر لنا أجمعين يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. فــريــد الأنـصـاري رحمه الله تعالى</strong></em></span></p>
<p>&gt; أعدها للنشر : الدكتور مصطفى هاشمي</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/11/%d8%ae%d8%b7%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d9%80%d9%88%d8%a7%d8%af%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d9%80%d8%b3%d9%80%d9%8a%d9%80%d9%80%d8%b1-%d9%85%d8%b9%d8%b6%d9%84%d8%a9-%d9%83%d8%a8/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
