<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; د. فريد الأنصاري</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%af-%d9%81%d8%b1%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%b5%d8%a7%d8%b1%d9%8a/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>منزلة الـمحبة (1) &#8211; الـمحبة مركبة السائرين إلى الله عز وجل</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2011/06/%d9%85%d9%86%d8%b2%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%85%d8%ad%d8%a8%d8%a9-1-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%85%d8%ad%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d8%b1%d9%83%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d8%b1%d9%8a/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2011/06/%d9%85%d9%86%d8%b2%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%85%d8%ad%d8%a8%d8%a9-1-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%85%d8%ad%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d8%b1%d9%83%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d8%b1%d9%8a/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 17 Jun 2011 12:17:42 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.فريد الأنصاري]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 361]]></category>
		<category><![CDATA[مختلفات]]></category>
		<category><![CDATA[الـمحبة مركبة السائرين إلى الله]]></category>
		<category><![CDATA[المحبة جوهر القرآن الكر يم]]></category>
		<category><![CDATA[د. فريد الأنصاري]]></category>
		<category><![CDATA[محبة إلى درجة الخلة]]></category>
		<category><![CDATA[منزلة الـمحبة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=14396</guid>
		<description><![CDATA[المحبة جوهر القرآن الكر يم يقول ابن القيم رحمه الله في وصفه أو كنايته عن المحبة أنها مَركَبُ العبد السالك إلى الله، فإذا كان الخوف والرجاء يمثلان جناحين يطير بهما العبد إلى ربه عز وجل ذُلُلاً، فإن المركبة التي يستقلها العبد الصالح وهو سائر إلى ربه هي المحبة، والمحبة هي جوهر القرآن الكريم، وهي فُص [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #ff0000;"><em><strong>المحبة جوهر القرآن الكر يم</strong></em></span></p>
<p>يقول ابن القيم رحمه الله في وصفه أو كنايته عن المحبة أنها مَركَبُ العبد السالك إلى الله، فإذا كان الخوف والرجاء يمثلان جناحين يطير بهما العبد إلى ربه عز وجل ذُلُلاً، فإن المركبة التي يستقلها العبد الصالح وهو سائر إلى ربه هي المحبة، والمحبة هي جوهر القرآن الكريم، وهي فُص العبادة، وهي حقيقة الدين بدءاً بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وذلك أن الإنسان المؤمن حينما يختار أن يكون عبدا لله كما اختار ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما معناه أن قلبه مال إلى الله، ولا يميل القلب إلا إذا كان محِبّا، فإنما المحبة في معناها ما ينال القلب، والحقيقة أن هذا الأمر عظيم جدا ولو علم الناس حقيقة الدين من حيث هو محبة لانكب عليه الجميعإلا من غلَّفَ الله قلبه وأفسد طبعه ومسخ فطرته، أما من كان ما يزال في قلبه مثقال ذرة من إيمان وما يزال في قلبه مثقال ذرة من فطرة فإنه لا يمكن إلا أن يكون محبّاً، ولو لا أن إبليس اللعين يفسد على الناس تصوراتهم للدين وللإسلام لما بقي أحد شاردا عن الله عز وجل من المسلمين إلا وجاء يطرق بابه رَغِباً ورَهِباً لا يُفارق المساجد أبدا، وتعلمون حديث السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله ومنهم رجل قلبه مُعلَّق في المساجد أو بالمساجد، فأن يُعلَّقَ القلب بالمساجد فليس له إلا معنى واحد هو أنه ارتبط بالله عز وجل ارتباط المُحِبِّ المُوَحِّدِ له وحده لا شريك له، ومن المعاني اللطيفة التي ذكرها ابن القيم رحمه الله عز وجل أن شهادة &#8220;أن لا إله إلا الله&#8221; التي هي كلمة الإخلاص وعنوان التوحيد ترجع حقيقتها أساساً إلى أن العبد حينما يشهد بها ويقر بها فإنه يُفرِّغ قلبه من كل حبّ سوى محبة الله عز وجل؛ لأن قول العرب أَلِهَ يأله أي أَحبَّ يُحِبُّ، هذا أصل الاستعمال، وذلك أن الإله من حيث هو اسم يدل على صفة، أما اسم الله عز وجل، فهو اسم يدل على علَم -ولله المثل الأعلى- كما يسمي أحدكم ابنه سعيدا أو محمدا أو عمرا أو عليا أي : أنه اسم يدل على جامعية الشخص وعلى كلية هذا الإنسان أو هذا المسمى أيّا كان تسميه باسم معين حتى إذا ناديته عُرف به واشتهر به، ولله المثل الأعلى، فاسم الله عز وجل الذي يدل على ذاته وحده دون سواه والذي لا يمكن أبدا أن يُشاركه فيه أحد هو الله عز وجل، ولذلك كان اسماً مُفردا حتى في اللغة لا يُجمع ولا يثنى لأن الله واحدٌ بالذات سبحانه وتعالى غير متعدد، أما أسماؤه الحسنى فهي أسماء تدل على صفاتٍ له سبحانه وتعالى، ومن صفاته أنه إله والإله صفة، ومعنى كونه إلها : أنه معبودٌ محبوبٌ وبما أن الإنسان وغير الإنسان قد يعبد من دون الله أنداداً فيكون له إله آخر من غير الله {أفرايت من اتخذ إلهه هواه} فالإله إذن صفة لله وهي صفة تتعلق بقلب الإنسان من حيث إن الإنسان يحبُّ الله عز وجل ولذلك فهو يعبده، فكانت هذه الكلمة قابلة للجمع وللتثنية لأن الإنسان يمكن أن يعدد محبيه فتكون له آلهة ومن هنا جعلت العرب آلهةً تعبدُها من دون الله لأنها أشركت وعدَّدت ولم توحِّد، وذلك لأن هذا الإحساس بالعبادة يرجع لدى العرب إلى استعمال هذه الكلمة في كل معاني الوجدان، يقولون أَلِهَ الفصيل يَأْلَهُ ألهاً وولهاً إذا اشتاق وحنَّ وأحبَّ (والفصيل هو ابن الناقة الذي فًُصِل عن الرضاع)، فصيل اسم فعيل كما نقول : ((فطيم للإنسان الذي فُطِمَ عن الرضاع حديثاً))  وكما يُقَال له رضيع إذا كان في مرحلة الرضاعة، ففصيل إذن هو ذلك الجمل الصغير الذي فُصِل أي عُزل عن أمه فهم يريدون فطمه حتى لا يرضع فيها فتُخرَج الأم أي الناقة إلى الحِمى لترعى ويبقى الفصيل في البيت وهو حديث عهد بالرضاعة وبالفطام فإذا مضى وقت ما لم يألف أن يفارق فيه أمه ناح، وللجمال نُواح معروف  -سبحان الله العظيم- أصوات تشبه بكاء الإنسان إذا حزنت أو حنت فينوح هذا الجمل الصغير بكاء على فراق أمه فيقولون حينئذ : أله الفصيل أي حنَّ واشتاق إلى أمه فَأُمُّهُ على المستوى اللغوي هنا إلهٌ أي أنها محبوبٌ لدى ذلك الفصيل فهي مألوهه ومحبوبه فحينما نقول لا إله إلا الله أي لا محبوب بصدق إلا الله، لا معبود بحقٍّ إلا الله فذلك معنى العبادة، لأن عبد يعبُدُ أي ذل يَذِلُّ والذلة شعور وجداني، ولذلك سُمِّي فعل العبادة  طاعةٌ وهي ضد المعصية ولا يُقال لفِعْلٍ طاعة إلا إذا حصل فيه أمران، الأمر الأول : هو الاستجابة لأنك تُؤمر فتستجيب، صل تصلي، زك تزكي، لا تزن لا تزني، لا تسرق لا تسرق، فإذن حينما يأتي الأمر والنهي تستجيب، هذا الشرط الأول، ثم بعد ذلك الرضى وهو شرط سابق ولاحق، أي به تبدأ العمل وبه تنتهي من العمل أي تفعل الفعل وتستجيب للأمر والنهي وأنت راض وذلك ما يُعبَّر عنه بالنية وبالإخلاص كذلك، ولأمر ما سمى الله عز وجل سورة {قل هو الله أحد} بسورة الإخلاص مع أنها عنوان التوحيد  سماها بالمضمون لأن الإنسان حينما يوحد الله عز وجل معناه أساساً أنه يُخلِصُ الطاعة له وحده لا شريك له وكل فعل أديته وأنت مُكرَه لا يسمى طاعةً، فلو أن ذا قوة وسيطرة أمرك أن تفعل فعلاً رغما عنك ففعلته خوفا لا يُعتَبَر ذلك طاعة لأن الطاعة مقرونة بالمحبة وأنت حينما تفعل الأمر الذي أمرت به تحت الإكراه فإنما تفعله خوفاً لا محبة وهذا لا يسمى طاعة، وإنما فعل تحت الضغط والإكراه ولذلك قال عز وجل {لا إكراه في الدين} لا يقبل الله عملاً إلا إذا كان مبنياً على الرضى، وهنا يحضرني مثلٌ فقهي أكرره كثيراً ومهم جدا لنفهم ما الطاعة، قال الفقهاء: ((لو أن شخصا امتنع عن أداء الزكاة يوم كان الجابي يجمع الزكوات في الزمن السابق، يوم كانت الشريعة الإسلامية هي أساس العمل في البلاد الإسلامية فإن السلطان يرغمه على أداء الزكاة، فيعد عليه الجابي ماله ثم بعد ذلك يطرح عنه مقدار الزكاة حسب صنف المال، إذا كانت تجارة فإن المقدار 2.5%، وإذا كانت فلاحة فالعُشر أو نصف العُشر، وإن كانت بهائم&#8230; على كل حال مقادير معروفة، فيخرج العامل أو الجابي الزكاة أو يأخذها منه قهرا، قال العلماء : بهذا الفعل يسقط عنه حقٌّ ويبقى حقٌّ، لأن الزكاة فيها حقان حق للعباد وحق لرب العباد، فأما حق العباد فهو حق الفقراء، وهو المال الذي أُخرج، يقولون هذا حق الفقراء قد وصلهم مادام انتزع منه قهراً ولن يخرجه مرة أخرى، أما حق الله فهو العبادة، يعني أن الذي أدى الزكاة ينبغي أن يكون بفعله مطيعاً لله ولا طاعة إلا مع المحبة والرضى، وهذا الشخص أُخرجَت عنه الزكاة كَرها فلم يحصل في قلبه رضى ولا محبة، قالوا : فحق الله باق عليه إلى يوم القيامة لم يسقط، وهذا قياس مضطرد، قياس تنبني عليه جميع العبادات، إذ كل عبادة لم يؤدها العبد بقصد طيب وبنية راضية فهي عبادة باطلة، ((إنما الأعمال بالنيات)) و&#8221;إنما&#8221; تفيد الحصر لأن كل عمل لم يُبن على نية التعبد ليس بعبادة، فيُشتَرَط أن تكون العبادة مبنية على نية العبادة نفسها والعبادة هي الرضى والخضوع القلبي وليس الشكلي وحسب، فلا قيمة لشكل لا يدل على باطن، ولا قيمة لباطن طبعا لا شكل له، الإيمان قول وعمل، ثم قبل ذلك وبعد ذلك رضى، أي النية، والإخلاص، ولهذا سُميت شهادة أن لا إله إلا الله بكلمة الإخلاص، والإخلاص في اللغة هو : الصفاء، خَلُص الحليب أي صفى،  وخلُص الحلال : صفا من الحرام ولذلك سميت سورة الإخلاص لأن التوحيد الحق هو ما صفا فيه الإخلاص لله الواحد القهار، وهذا لا يحصل إلا إذاكان العبد محبا لله عز وجل.</p>
<p><span style="color: #ff0000;"><em><strong>محبة إلى درجة الخلة</strong></em></span></p>
<p>وأحبُّ العباد لربهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو المحب الأول لربه للحديث الصحيح الثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((لو كنت متخذاً أحدا خليلا لاتخذت أبا بكر)) وفي رواية ((لاتخذت ابن أبي قحافة خليلا))، و((لكن صاحبكم يعني نفسه صلى الله عليه وسلم اتخذ الرحمن خليلا))، وفي رواية ((لقد اتخذت الرحمن خليلا كما اتخذ الله إبراهيم خليلا))، والخلة هي أرفع درجة في المحبة، خلَلَ أو خالَلَ الشيءُ الشيءَ أي خالطه وشاركه، إذا كان لك صاحب وحصل بينكما تفاهم وارتفعت درجة الصحبة عندكم إلى المشاركة في المال وفي كل ما يجوز المخالطة فيه فإنه يصبح خليلا لك، يمكن أن ينوب عنك في الأخذ والعطاء والإنفاق على أولادك ويحمل همك ويقضي دينك&#8230; إنها مرتبة فوق الصحبة،  إنها المخاللة أو الخلة، ولذلك درجة المحبة التي كانت في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه هي هذه الدرجة يعني أنه أحبه إلى درجة أن خالط قَلْبَهُ صلى الله عليه وسلم حب الله بحيث لا ينفك عنه ليل نهار، ولم يعد في قلبه مكان لإنسان يمكن أن يصل إلى درجة الخلة ولو كان أبا بكر وما أدراك ما أبو بكر، صاحبه الذي ذُكر في القرآن الكريم والذي وقف مع النبي صلى الله عليه وسلم في أشد الأحوال عُسرة، في العسر واليسر وفي المكره والمنشط رضي الله عنه وأرضاه، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا شأنه، فالأمة إذن مأمورة باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم {قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} فنحن مأمورون باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهم صفاته صلى الله عليه وسلم أنه كان محبا لربه فنحن أيضا نجتهد أن نحب ربنا لأننا إن أحببناه حقا سهُل علينا حمل كل شيء من تكاليف الأمر والنهي في الدين وهذه مشكلة الناس ومشكلة المسلمين بصفة عامة، أن محبة الله عز وجل لم تخالط قلوبهم ولو خالطتها لتحولوا تحولا جذريا ولأصبحوا قوما آخرين ولكن الشيطان اللعين يُخبِّل ويخدج ويخلط على الناس دينهم، ذلك أن له مزاميره وله ملاهيه وله ظلمات، يخرج الناس من النور إلى الظلمات، {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}، والمجتمع ظلمات، في كل مكان، وفي كل درب، وفي كل مجال، وفي كل ميدان، ويبقى النور وحده واحدا لا يتعدد، {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}، فالنور واحد لأن مصدره واحد، ولذلك كانت المحبة واحدة، إذا امتُلك القلب فقد امتُلك.</p>
<p>&#8212;&#8212;-</p>
<p>(ü) منزلة المحبة  من حلقات منازل الإيمان التي ألقيت بمسجد الجامع الأعظم بمكناس وهي مادة مسجلة على شريط سمعي .</p>
<p>أعدها للنشر: عبد الحميد الرازي</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong> د. فريد الأنصاري رحمه الله تعالى</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2011/06/%d9%85%d9%86%d8%b2%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%85%d8%ad%d8%a8%d8%a9-1-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%85%d8%ad%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d8%b1%d9%83%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d8%b1%d9%8a/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>الإخلاص بوصلة الطريق..!</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/02/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5-%d8%a8%d9%88%d8%b5%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d9%82/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/02/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5-%d8%a8%d9%88%d8%b5%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d9%82/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 01 Feb 2010 11:21:39 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.فريد الأنصاري]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 333]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الإخلاص]]></category>
		<category><![CDATA[الطريق]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[بوصلة الطريق]]></category>
		<category><![CDATA[جيل القرآن]]></category>
		<category><![CDATA[د. فريد الأنصاري]]></category>
		<category><![CDATA[ربيع القرآن]]></category>
		<category><![CDATA[كلمات الله]]></category>
		<category><![CDATA[مدرسة القرآن الكريم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=17070</guid>
		<description><![CDATA[بسم الله الرحمن الرحيم ألاَ ما أخفى مسارب الشيطان إلى النفس، وما أشقاها! ألا ما أشدها التواءً وما أدهاها! وإن شئت فقل: ألا ما أظهرها وأبينها لمن يراها! وما أضعفها عند من كان لله عبداً، وما أوهاها! وإن حصون الدعوة الإسلامية في الأمة، لهي أول ما يقصده الشيطان بالإغارة والحصار..! وإن قوافل الدعاة وصفوف العاملين [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>بسم الله الرحمن الرحيم</p>
<p>ألاَ ما أخفى مسارب الشيطان إلى النفس، وما أشقاها! ألا ما أشدها التواءً وما أدهاها!</p>
<p>وإن شئت فقل: ألا ما أظهرها وأبينها لمن يراها! وما أضعفها عند من كان لله عبداً، وما أوهاها!</p>
<p>وإن حصون الدعوة الإسلامية في الأمة، لهي أول ما يقصده الشيطان بالإغارة والحصار..! وإن قوافل الدعاة وصفوف العاملين للإسلام، لهي أول ما يرميه إبليس بفتن التشتيت والتفتيت، وعواصف التشريد والتبديد! وإن قطار الصحوة الإسلامية لهو أول ما يرومه اللعين بتضليل الاتجاه، وتحريف المسار..!</p>
<p>وإن مسلما ابتلي بشيء من هذا العمل الإسلامي، لا يجعل هذه الحقيقة الكبرى نصب عينيه؛ لهو مهدد بالخسران المبين والعياذ بالله!</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>أيها الشباب المكابد لحقائق القرآن!</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>أيها الجيل المستسقي من ربيع القرآن!</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>يا أبناء مدرسة القرآن الكريم!</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>يا حُمَّالَ كلمات الله!</strong></span></p>
<p>أيها السائرون على أثر قافلة الأنبياء! تضربون في زمن الظلام، رجاء إيصال بصيص من نور إلى المستضعفين الحائرين!</p>
<p>ألاَ وإنها لنعمة كبرى -أيها الأحباب!- أن يكون المسلم منخرطا في مدرسة القرآن، يتتلمذ على عين الله، يتلقى رسالات القرآن، ويتزكى بكلمات الله!</p>
<p>لكن مدرسة القرآن -أيها الأحبة!- لها شرط إلهي عظيم، به تُنَاطُ كل طلبات الانتساب، ورغبات الانخراط.. وإنما الله -جل جلاله- هو وحده الذي يقضي فيها؛ فيقبل ما يشاء ويرد ما يشاء! هو وحده رب المدرسة، وهو صاحب الأمر فيها. وإن ذلك الشرط القرآني العظيم مسطور في كتاب الله، موضح ببلاغه المبين لجميع الراغبين.. ذلك هو: التحقق بمنـزلة الإخلاص!</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>يا جيل القرآن المجيد!</strong></span></p>
<p>لقد أتى علينا حين من الدهر في خضم العمل الإسلامي، نجري ونلهث، ولكن بلا جدوى!</p>
<p>لقد كنا نسلخ من الأعمار السنوات تلو السنوات، ثم ننظر إلى آثار السير تحت أقدامنا؛ فنجد أنفسنا ما نزال لم نبرح مواقعنا الأولى.. تلك المواقع التي انطلقنا منها قبل أن نشيب! بل لقد وجدنا الأرض تغوص تحت أقدامنا! ووجدنا حصوننا الأولى تساقط أركانها الواحد تلو الآخر.. وكانت الصدمة شديدة؛ عندما تساءلنا عن أربعين عاما أمضتها الحركة الإسلامية في التبشير بشعاراتها؛ فوجدنا أنفسنا قد تأخرنا -بدل أن نتقدم- أربعين خريفا من الزمان! وأدركنا أن شيئا ما في محرك السيارة ليس على ما يرام! والخطر الأكبر أن المحرك كان مشتغلا يملأ الفضاء بالضجيج والعجيج! وأمعنا النظر إلى العجلات، فوجدنا أنها كانت فعلا تسير، ولكن إلى وراء..!</p>
<p>ووجدنا أنفسنا نتلقى الصفعات تلو الصفعات.. ولكننا لا ننتبه إلى رسالاتها ولا نفهم إشاراتها!</p>
<p>والقليل منا من عاد إلى &#8220;كطالوج&#8221; العمل الإسلامي، وبوصلته الدقيقة؛ قصد المراجعة: القرآن المجيد! لقد كان الشيطان -كلما تساءلنا: أين الخلل؟- يبادرنا بإلقاء أسباب منطقية كاذبة -ومن المنطق ما هو كاذب- تعمية عن جواب القرآن الواضح المبين!.. وكنا -مع الأسف الشديد- نصدق الشيطان! لأننا كنا ننسى ونغفل عن وجود شيء اسمه &#8220;الشيطان&#8221;! ولا نكاد نتذكر وجوده إلا عندما نقرأ بعض آيات من القرآن! وما لنا وللشيطان؟ إنه بعيد عنا.. إنه هناك في أعالي البحار النائية! ونحن هنا نشتغل في دعوة الإسلام! فلا يخطر بالبال أنه هو يدير معركة الشر من هناك، ويقود جنده في أوساطنا، بل في أعماق أنفسنا! ولقد انتصبت راية التحذير من هذا الشر الْمُبِيرن في القرآن: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ!}(فاطر: 6)</p>
<p>وننسى أن قرناء السوء من شياطين الجن يعملون لحساب إبليس في كل مكان! وأنهم يلابسون الأنفس ويخالطونها، يزينون لها الشهوات والشبهات! وننسى وننسى! ولا نتذكر إلا قليلاً!.. أم أن الشيطان غير موجود؟ أم أن القرين وهم؟ هل نحن في حاجة إذن إلى إعادة بناء أصول الإيمان في أنفسنا، وتعلم أبجديات الدين من جديد؟ كلا، كلا! نحن مسلمون مؤمنون، ولكن شدة الغفلة تكاد تخلط أحوالنا بأحوال غير المؤمنين والعياذ بالله! وكفى بذلك علامة كبرى على انحراف السير..!</p>
<p>ثم قرأت القرآن، فوجدت أن دعوة الإسلام دين! دينٌ يُعْبَدُ به الله الواحد القهار، وليست شيئا آخر! ما هي بانتماءات ولا شعارات، ولا أحزاب، ولا ألقاب! إنها دعوة للناس كل الناس، دعوة للتعرف إلى الله، وإلى رعاية حقوق الله قبل حقوق الإنسان!</p>
<p>وإن الدين لا يسمى &#8220;دينا&#8221; -على الحقيقة- إلا إذا كان عبادة لله رب العالمين! وإن العبادة لا تكون كذلك إلا إذا كانت خالصة لله!</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>وهنا وجدت جواب القرآن: الإخلاص!</strong></span></p>
<p>وجدت جواب القرآن سيفا صارما يفصل ما بين الحقيقة والتمثال! وأبصرت هذا الفرقان العظيم: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ!}(الزمر: 2- 3) وكذلك: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ!}(الزمر: 11) ومثله قوله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ!}(البينة: 5) ومثل هذا وذاك من الفرقان كثير!</p>
<p>نعم هكذا هو الأمر إذن: (أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ!) وما ليس بخالص فليس له! وإنما هو لمن توجه إليه به صاحبه!.. ومعنى الخالص: النظيف الصافي على أكمل ما يكون الصفاء! كاللبن الصافي إذا لم يخلطه شيء ولو نقطة! كان لبنا خالصا، فإن وقع فيه شيء، ولو مقدار ذرة؛ فَقَدَ معنى كونه خالصاً!</p>
<p>ثم راجعت ما سلخت من عمري فشعرت بمقارض الحسرة والندم تمزق كبدي! فواأسفاه! واأسفاه!</p>
<p>وأبصرت أن قطار العمل الإسلامي كان يسير بنا مائلا منذ زمان.. حتى انحرفت عجلاته أخيراً عن سواء الطريق!..</p>
<p>وأبصرت أننا كنا نقدم دعوتنا وحركتنا ونضالنا، لا لله، ولكن لأنفسنا! لقد كنا نلبي نرجسية ذواتنا في التلميع والتسميع! وبهرتنا شهوة الميكروفون، والصور البطولية الكبيرة! ومضينا في طريقنا نستعرض عضلاتنا تحت شعار العمل الإسلامي، والمشروع الإسلامي! ودبجنا قاموسا من المصطلحات &#8220;النضالية&#8221; و&#8221;الحركية&#8221;، التي ضخمها الشيطان في قلوبنا، واستهوتها النفس المغرورة! وأنشأنا &#8220;علم كلام الحركي&#8221;، كلاماً نضيع به أعمارنا وأعمار الشباب!.. وبدل أن نجعل أنفسنا خادمة للدين؛ جعلنا الدين خادما لأنفسنا! نشاهد فيه انتصاراتنا نحن لا انتصارات الإسلام! وما أعظم الفرق بين شَفَقٍ مُشْرِقٍ وشَفَقٍ غَارِبٍ! ولكنهما يتداخلان ويختلطان على من ضل عنه تحديد بوصلة الزمن!</p>
<p>وأدركنا أننا قد ملأنا عقول أجيال من الشباب بفقاعات &#8220;الكلام&#8221;، وما أسسنا في قلوبهم ولا لبنة واحدة من حقائق القرآن! فتخرج طابور كبير من المتكلمين! وبقيت ساحة الدعوة الإسلامية خالية من العاملين!</p>
<p>لقد كان الصف الإسلامي -وما يزال- ينظر إلى قامته الطويلة العريضة، فيعجب بظله العالي العريض! وينسى أن الله وحده هو الذي يمد الظل ويقبضه! ويستمتع المتكلم منا في الجماهير، بحرارة التصفيق الملتهب بين يديه! وينتشي بتفوقه وبطولته! ثم ينصت جيداً إلى أنغام المديح والشعارات، ويطرب طرباً! فتتضخم في نفسه &#8220;أناه&#8221; الشخصانية والحزبية، أو الجماعية! ثم يلتفت ليرى أثر قدمه في الساحة، وصيت جماعته الكبير، فينتشي ويتلذذ بأناه.. ألاَ ما أشقاه!</p>
<p>ويسب آخرون الظلام بقوة، ويلعنون الطاغوت والطغيان! فينصتون إلى آثار تصريحاتهم على جمهور العوام، حتى إذا سكروا من تلقي كلمات الإعجاب، ومشاعر الانبهار؛ انتفخ الشيطان في نفوسهم فانتفخت عضلاتهم! ثم خرجوا يستعرضون ذواتهم على الناس! وهذا رسول الله سيد ولد آدم \ يفتح الله له مكة، عاصمة الطاغوت الأكبر يومئذ، فيدخلها مطأطئ الرأس فوق ناقته، ساجد القلب؛ تواضعا لله الواحد القهار! كما تذكر كتب السيرة. قال ابن إسحاق في روايته عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، في فتح مكة: (وإن رسول الله  ليضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عُثْنُونَهُ (يعنى طرف لحيته) ليكاد يمس واسطةَ الرَّحْلِ!)(1) لشدة انحنائه فوق ناقته عليه الصلاة والسلام!</p>
<p>إن العمل الإسلامي الخالص لا يمجد الرموز والقيادات، التي تتحول في قلوب الأتباع إلى أوثان معنوية! وإنما يمجد الله الواحد القهار..! وإن المؤمن ليرى ببصيرته النافذة أن الشأن الدعوي، إنما يدبره الله وحده من فوق سبع سماوات، وما العاملون في صف الإسلام إلا عبيد وجنود..! فمن جَرَّدَ قَصْدَهُ لله تولاه الله، ومن خَلَطَ رَدَّ الله عليه عملَه، وفضحه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد والعياذ بالله!</p>
<p>ويكفي المؤمنَ الكَيِّسَ الفَطِنَ -وإنما المؤمنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ- أن يقرأ حديث: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى! فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ!)(2)؛ يكفيه هذا ليمتلئ خوفا وإشفاقا أن تتلوث أعماله الدينية والدعوية بشيء غير قصد الله!</p>
<p>أما حديث حساب المقاصد يوم القيامة، فله قصة أخرى، لا تكاد تطيقها النفس رَهَباً! فعن أبي هريرة ] قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: &gt;إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ! قَالَ: كَذَبْتَ! وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ؛ فَقَدْ قِيلَ! ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ! وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ! وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ! ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ! وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ! وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ! ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ!&lt;(3).</p>
<p>ومن ذا منا يمحص قلبه تمحيصا على ميزان جوابه  لمن سأله : (الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ! فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ!)(4)</p>
<p>ومن منا يصفي أعمالَه وأقوالَه بمصفاة رسول الله  إذ قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ!)(5) ألا ما أشد استسهالنا لمثل هذه النصوص الشديدة! ألا ما أشد استهتارنا بمصيرنا الأخروي!</p>
<p>ولقد رأيت يقينا في كتاب الله، أن الطائفة المحرومة من ولاية الله وسنده العالي لا تصل أبداً! ورأيت يقينا أنه لا سبيل إلى التحقق بولايته تعالى إلا بالإخلاص! (أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ!).. (أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ!)</p>
<p>إنه لا بد قبل أي خطوة &#8211; في طريق الدين والدعوة &#8211; من تمحيص هذا المعنى العظيم في القلب! لا بد من تحقيقٍ دقيق مع الذات، ومحاسبة للنفس صارمة! لا بد من استبطان السؤال: لماذا أفعل ما أفعل؟ ولمن؟ إن المجازفة بالهروب من تمحيص الجواب وتدقيقه، والفرار من تشريح النفس بمبضعه؛ لهو تعريض للعمر كله إلى الدمار والخسار..! ولهو مقامرة بالمصير الأخروي لصاحبه! وأي ندم ينفعه يوم القيامة إذا نُشِرَتْ الصحف، وانكشفت الحقائق على وجهها؟</p>
<p>أما المخلصون في دينهم ودعوتهم، فإنما هم الربانيون الفقراء إلى الله، المتذللون بين يديه تعالى، الذين يتبرؤون من كل أنانية تنظيمية، ومن كل حول حزبي، ومن كل قوة طائفية، أذلة على المؤمنين كل المؤمنين! ولسان حالهم يردد في كل خطوة يخطونها: (أن لا حول ولا قوة إلا بالله!).. وإنني لا أجد أَجَلَّ من وصف الله تعالى لهم في كتابه الحكيم، إذ قال سبحانه: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ!}(المؤمنون: 60).</p>
<p>إن الإخلاص هو الدين، وإن الإخلاص هو الدعوة! وما فقدَ عبدٌ الإخلاص فيهما إلا فقدَ الدين والدعوة جميعاً!</p>
<p>إن الإخلاص أحبتي لا يتحقق لمؤمن إلا إذا كان عبداً أخروياً! ولا يكون المؤمن الحق إلا عبداً أخرويا! وما أشد هذا السؤال الإنكاري الرهيب الرعيب! إذ يطرق جدران القلوب بكلمات الله: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ!}(التوبة: 38) وينتصب البيان الرباني بقوة، يرفع راية النذارة للعالمين: {اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ!}(الحديد: 20).</p>
<p>أم أن هناك عقيدة أخرى غير هذه؟ فما بالنا إذن نتردد ونتلجلج؟ ما بالنا نبحث لأهوائنا عن مسالك غير سالكة؟ ونرضى بالسير في مَحَالِكِ الظلام! كيف؟ وهذا نور الفرقان يتدفق في الآفاق!</p>
<p>إن العاملين المخلصين لا يتحدثون عن أنفسهم، ولا عن أحزابهم وجماعاتهم، ولا يمجدون ألقابهم ولا أنصابهم! وإنما يتحدثون عن دين الله، ويمجدون كتاب الله! عابدون لله في مساجدهم، عابدون لله في سلوكهم، عابدون لله في دعوتهم، عابدون لله في خطاباتهم، عابدون لله في وظائفهم، عابدون لله في معاشهم جميعاً! ما حَلُّوا بمكان إلا اتخذوه محراباً!</p>
<p>إنما المخلصون هم الذين يحضرون في المغارم ويغيبون عند المغانم!.. ولا يتزاحمون -باسم العمل الإسلامي- على المكاسب والمراتب والرواتب! إنهم يعطون ولا يأخذون، وينفقون ولا يُغَرِّمُونَ!.. {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ!}(الأنعام: 90)</p>
<p>ولقد شاهدت يقينا أن لا طريق إلى الله إلا طريق الإخلاص! وأن ليس لشهادة: &#8220;أن لا إله إلا الله&#8221; -لتي هي عنوان الإسلام- من معنى غير الإخلاص!</p>
<p>وشاهدت يقينا أن كل ما وقع في شَرَكِ &#8220;أنا&#8221; و&#8221;نحن&#8221;؛ فَقَدَ حقيقة الإخلاص! وإنَّ طائفةً ارتفعت عنها يد الله ورعايته ما كان لها أن تصل، ولا أن تفوز أبداً!</p>
<p>ولقد رأيت كلمات القرآن الثقيلة، ترتفع فوق قلوبنا المغرورة، منذرة بعاصفة الآخرة الكبرى! العاصفة الكاشفة الناسفة! {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا!}(الفرقان: 23)</p>
<p>فيا قلبي العليل!.. إخلاصَك إخلاصَك! قبل فوات الأوان! إخلاصَك في كل كلمة، إخلاصَك في كل خطوة، إخلاصَك في كل حركة، إخلاصَك في كل سَكَنَةٍ، إخلاصَك في كل فكرة، إخلاصَك في كل خَطْرَةٍ! فالإخلاص هو صمام أمانك، وهو بوصلة سيرك، وميزان عملك، وضمان وصولك! وإنك إن تَعِشْ لحظةً واحدة بغير إخلاص؛ تكن قد وضعت مصيرك على فوهة مدفع الشيطان! فالنجاءَ النجاءَ، والبدارَ البدارَ، والفرارَ والفرارَ إلى الاحتماء بحصن الإخلاص قبل فوات الأوان!</p>
<p>وتسألني يا صاح: كيف السبيل إلى التحقق بالإخلاص؟.. وليس لي إلا أن أجيبك بكلمتين: الإخلاص قَرَارٌ ومُكَابَدَةٌ! أو قل: عزيمةٌ ومجاهَدةٌ! وإنما هذا قَبَسٌ ساطعٌ من نور القرآن، إنه من تجليات قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(البقرة: 218). فكما ترى هذه مراتب ثلاث: الإيمان، والهجرة، والجهاد. فالإيمان أساس لا يصح عمل بدونه. لكن الإيمان لا يرتقي إلى مقام الإخلاص، والولاء الكامل لله إلا بالهجرة! فالهجرة هي القضية! وهي التي تحتاج إلى ذلك القرار وإلى تلك العزيمة!</p>
<p>نعم! إن الهجرة الحسية باعتبارها ضرباً في الأرض واغتراباً، لا يمكن أن تقع إلا بعد تفكير وتقدير، وطول تدبير! وذلك معنى العزم أو القرار. وكذلك هجرة الروح إلى منـزلة الإخلاص! لا بد فيها من قرار مكين متين، تتخذه النفس في خاصة أمرها، وتوثق عليه عهدها مع الله! وإلا فإن كبار القضايا لا تنال بالتمني!</p>
<p>حتى إذا انطلقت النفس في تصفية بواطنها، وتخليص رغائبها ومقاصدها، فَوَحَّدَتْ قِبْلَتَهَا قَصْداً واحداً، لا تخالطه الأغيار ولا تكدره الأكدار، فكان الله -جل جلاله- وحده هو مرادها، لا ترى لها مقصودا سواه، ولا تأذن للسانها بأي كلمة أو خطوة في الدين والدعوة، إلا إذا كانت خالصة لله؛ فإنها حينئذ تصبح في حاجة شديدة إلى الجهاد..! جهاد تقاتل فيه غارات الشيطان المتغيظ من اعتصامها بإخلاصها العظيم! ولا يجد الشيطان راحته حتى يكون له من عمل ابن آم حَظٌّ ونصيب! لكن المجاهد منصور بإذن الله! {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}(الصافات: 173).</p>
<p>ولا يزال عبد الله المخلص في مجاهدة خواطر التحريف والتضليل في نفسه حتى يلقى الله! وبذلك يتلقى المؤمن الخالص فرقان السير إلى الله، في دينه ودعوته، ويُرْزَقُ بوصلة الاتجاه! {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(الأنفال: 29).</p>
<p>تلك إذن هي طريق الإخلاص، وذلك هو مسلكه الفريد. قرارٌ ومجاهدة، فاتخذ يا صاح قرارك، وجهز سلاحك، والله معك!</p>
<p><strong>فيا إلهي الرحيم..!</strong></p>
<p>هذا قلبي الضعيف بين إصبعيك، تُقَلِّبُهُ كما أنت تشاء! ترى ظاهره وباطنه، وتعلم خافيه وجاهره، وتعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور..! فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك! اللهم احفظني بكلمة الإخلاص، واعصمني بحصن الإخلاص، واهدني بنور الإخلاص!</p>
<p>اللهم إني أعوذ بك من عُجْبِ نفسي وهواها، وأعوذ بك من طغيانها وطغواها، وأسألك النجاة من شرها وزيغ رؤاها! اللهم إني أعوذ بك أن ينبت فيها حظ لها، أو لأي أحد سواك! اللهم اجعل عملي خالصا لك وحدك، لا شريك لك! لا تسميع ولا تلميع! ولا تنميق ولا تزويق! اللهم إنما أنا عَبْدٌ، لا حول ولا قوة لي إلا بك؛ فأكرمني بولايتك، واجعلني من أهلك وخاصتك، وأدخلني في رحمتك، مع عبادك المخلَصين!</p>
<p>وصل اللهم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.</p>
<p>سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. فريد الأنصاري</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8211;</p>
<p>(1) سيرة ابن هشام: 2-405، والسيرة النبوية لابن كثير: 3-555. لكن سند الحديث غير متصل. وفي رواية للحاكم عن أنس &#8211; رضي الله عنه &#8211; قال: (دخل رسول الله &#8211; صلى الله عليه وسلم &#8211; مكةَ يومَ الفتحِ، وذَقْنُهُ على رَحْلِهِ متخشعاً!) قال الحاكم: +هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه؛. وأخرجه البيهقي أيضا في دلائل النبوة.</p>
<p>(2) رواه البخاري.</p>
<p>(3) رواه مسلم.</p>
<p>(4) متفق عليه.</p>
<p>(5) رواه النسائي، وأبو داود. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وفي صحيح الترغيب.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/02/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5-%d8%a8%d9%88%d8%b5%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>جمالية التفكر الإيماني</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2009/07/%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%83%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a-2/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2009/07/%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%83%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a-2/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 17 Jul 2009 12:18:41 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.فريد الأنصاري]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 323]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[د. فريد الأنصاري]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=18028</guid>
		<description><![CDATA[أسرار هذا الدين ولطائفه أن باب عقيدته هو التفكر. قال عز وجل في مخاطبة المنكرين عبر رسوله الكريم: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}(سبأ:46). آية في غاية الجمال والسمو. وإني أشهد أني مذ ذقتها وجدت أن بها بحرا من الأسرار التربوية لا يعلم مداه إلا الله. وإن لها لذوقا وجدانيا [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>أسرار هذا الدين ولطائفه أن باب عقيدته هو التفكر. قال عز وجل في مخاطبة المنكرين عبر رسوله الكريم: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}(سبأ:46). آية في غاية الجمال والسمو. وإني أشهد أني مذ ذقتها وجدت أن بها بحرا من الأسرار التربوية لا يعلم مداه إلا الله. وإن لها لذوقا وجدانيا خاصا.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong> الـتـفـكــر</strong></span></p>
<p>أرأيت كيف أن الله تعالى يخاطب هؤلاء، بالقيام له، والتفرغ لشأنه، قبل الإيمان به؟ وذلك حتى يمكنهم من الوصول إلى حقيقة الإسلام، هذا الدين الذي هم له منكرون. وقد شرط الله عليهم شرطا في كيفية القيام له: وهو الخلوة به وحده سبحانه. والعدد الوارد في الآية: &gt;مَثْنَى وَفُرَادَى&lt; على حقيقته، إذ ليس هناك في السياق ما يصرفه عن هذه الحقيقة. لكن لماذا التنصيص على الفردانية، أو الثنائية، بالضبط؟ لماذا كان ذلك شرطا لتوقيع &#8220;التفكر&#8221;؟ إنه أمر عجيب.</p>
<p>العقل آلة تلتقط الحقائق، وتعقلها، ولكنها لا تتخذ القرار. وإنما الذي يتخذ القرار هو القلب بمعناه القرآني الخاص: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ اقْفالُهَا}(محمد:24)، ومنه قوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا}(الأعراف:179). فإذا كان القلب محجوبا بحجب المادة والكثرة عجز عن الوصول إلى ما يعرضه عليه العقل من صور معقولات. فلا يتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب. ومن هنا كان جوهر التفكر في القرآن قلبيا. ولذلك فقد وجدناه ينتج عنه شعور قلبي هو الخوف نظرا لرهبة القلب مما يحلله له العقل ويعرضه عليه من صور. وذلك نحو ما في الآية السابقة من سورة سبأ، إذ قال سبحانه في تتمتها: {مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}(سبأ:46)، وأظهر منه آيةالتفكر في سورة آل عمران: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}(آل عمران:191). إنه شعور الوجدان بهول الحقيقة وعظمتها، ولذلك قلت &#8220;إن التفكر فعل وجداني في العمق&#8221;.</p>
<p>وهو لذلك لا يقع من الناس إلا آحادا، وإن حكي عنهم بضمير الجماعة، كما في الآية الأخيرة، فإنما المقصود أنه يحصل ذلك منهم فرادى لا مجتمعين، كما يدل عليه أول الآية: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ}(آل عمران:191). فهذه صور تحيل على الناس وهم في شؤونهم الخاصة، بين منازلهم وأفرشتهم ونومهم وقيامهم. وأغلب ذلك كله أحوال فردية. والآية الأولى {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}(سبأ:46) نص في فردانية فعل التفكر. أما الثنائية &#8220;مثنى&#8221; فهي ملحقة من حيث الفائدة بالفردانية. والمثنى في العربية ملحق بالمفرد. وإنما يبدأ الجمع في اللغة بالثلاثة. ثم إن التفكر بين اثنين &#8220;نجوى&#8221;، وهي أشبه ما تكون بتحديث الفرد نفسه. أما فائدة ذلك فهي أن التفرغ لله عز وجل في خلوة، لا يكدر صفوها عليك أحد من الخلق، يتيح للقلب أن يتفاعل في صفاء مع معطيات الفكر، ويتواجد متلذذا بمواجيد الشعور بمعية الله، وحقائق الكون الكبرى. ومثل ذلك لا يحصل في لغط النقاش الجماعي، وضوضاء الجدل المتعدد.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>رفـيـق الـنـجـوى</strong></span></p>
<p>نعم رفيق النجوى، وهو الثاني (مَثنَى)، يكون معك على موجدة واحدة في التأمل، وتبادل المشاعر والمواجيد. تماما كما كان النبي  يخلو لربه فردا، أو مع صاحبه أبي بكر الصديق ] أحيانا، أو غيره من الصحابة الكرام. فإذن تكون أبواب القلب أكثر انفتاحا لتقبل ما يلقى عليها من واردات الحب، والشوق، والمعرفة الربانية.</p>
<p>ومما يزيد هذه الآية دقة فيما نحن فيه التعبير بـ&#8221;ثم&#8221; التي تفيد الترتيب. فكأنه تعالى جعل شكل التفكر &gt;مَثْنَى وَفُرَادَى&lt; هو الكفيل وحده بنجاح عملية التفكر، ولذلك قال سبحانه: &gt;ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا&lt;.</p>
<p>{قُلْ إنَّمَا أعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} فعل واحد لا ثاني له، كفيل بأن يقود الإنسان إلى الحقيقة: التفكر. هل خلوتَ بنفسك يوما؟ أو ناجيت رفيقا لك في أمر الكون والحياة والمصير؟ عندما يمتد الفكر سائحا في أقاصي الكون يضل ويتيه. وأنَّى له أن يهتدي في دروب ومسالك ينتهي الخيال ولا تنتهي منافذها؟! إذن يرجع الفكر منكسرا عاجزا. وإن ذلك لعمري هو الإسلام؛ الخضوع للعظمة المطلقة فوق الزمان والمكان، والاعتراف بالقصور عن الإحاطة؛ ولا بأي طرف من أطرافها. {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ}(الملك:3- 4). الرجوع إلى الصف الآدمي للانضمام إلى سلك &#8220;العادة الطبيعية&#8221;، رجوع في العمق إلى مقام الخدمة والعبودية. موجدة ليست في حاجة -حينئذ- إلا إلى الإفصاح والتعبير: &#8220;لا إله إلا الله&#8221;.</p>
<p>وهنا يكمل جمال الدين، الدفء الحاصل عند الشعور بالانسجام مع سائر الخلق السيار، كل في سربه وفلكه: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورً}(الإسراء : 44). هذا التوحيد الكوني في التعبير، بل هذا التناسق الكلي في نفث المواجيد، عبر شتى ألوان العبادة، له ذوق &#8220;الأنس&#8221; الذي يملأ القلب نشاطا وحبا للحياة الممتدة طولا وعرضا.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>التنافس فـي طريق الـمحبة</strong></span></p>
<p>التنافس هنا إذن هو فيطريق &#8220;المحبة&#8221;. الكل يحب، والمحبوب واحد. تلك هي القضية. إذن أيّنا يبذل أكثر؟ وأيّنا يشكر أكثر؟ فهذا مجال الإفصاح عن مواجيد الذلة لملك القلوب ومالكها. وكلما كان الحب أصدق كان أكثر إذلالا لصاحبه. ولكنها ذلة اللذة والمتعة العليا، والشعور بالراحة في سبيل رضى المحبوب، وينطلق السباق&#8230; وتلك لذة أخرى، لها قصة أخرى.</p>
<p>الله! هذا المعنى العظيم الذي ننطلق منه لِنُقِرَّ أنه &#8220;لا إله إلا هو&#8221;. تدخل إلى ملكوته من باب &#8220;التفكر&#8221; بوجدان المحبة الكبرى. ولكن كيف؟</p>
<p>لطالما كنت أقرأ عن رواد الحب الإلهي، فكنت أتعجب كيف يجدون هذه الموجدة، بهذا الشوق كله!؟ فتفكرت دهرا، فإذا الباب ينفتح بمفتاح &#8220;الربوبية&#8221;: الله، هذا السيد العظيم هو الخالق لكل شيء من الجلائل والدقائق. وما أنت أيها العبد في ملك الله العظيم، الممتد بلا حدود، إلا ذرة من البلايين التي لا يحصرها خيال، من الذرات السائرة في متاهةالكون الفسيح. ألم يكن ممكنا في قدر الله وقدرته تعالى ألا تكون أصلا؟ إنها نعمة الخلق إذن، فأعظم بها من نعمة لا تحصى حمدًا ولا تحاط شكرا، ولو عشت أعمار الخلائق جميعا حامدا وشاكرا. {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا}(الإنسان :1). لمسة &#8220;الحياة&#8221; هي النعمة الكبرى بعد الخلق.. ألم يكن ممكنا أن تكون جمادا؟ ثم إنها حياة الروح أكبر هبة إلهية للإنسان.</p>
<p>تأملات تملأ القلب حَيرة وعجبا. أن يكون بين الناس في ظل هذه الحقائق الرهيبة منكرون&#8230; عجبًا.. عجبا! ولا يملك المتفكر في آلاء الله ونعمائه العظمى إلا العجب.</p>
<p>أن تتفكر في جمال الإحسان الرباني، يعني أن تقع أسير أنواره، وجلال كماله، مؤمنا خاشعا متبتلا. ذلك هو سر المحبة، وهو المعراج السري لقافلة المحبين السائرين إلى منازل الحبيب. قال بديع الزمان النورسي رحمه الله: &#8220;ما دام ذلك الحكيم المطلق سلطانًا ذا جلال بشهادة جميع إجراءاته الحكيمة، وبما يظهره من آثار جليلة.. وربًّا رحيمًا واسع الرحمة بما يُبديه من آلاء وإحسانات.. وصانعًا بديعًا يحب صنعته كثيرًا بما يعرضه من مصنوعات بديعة.. وخالقًا حكيمًا يريد إثارة إعجاب ذوي الشعور وجلب استحسانهم بما ينشره من تزيينات جميلة وصنائع رائعة&#8230; فإنه يُفهَم مما أبدعه من جمال يأخذ بالألباب في خلق العالم أنه يريد إعلام ذوي الشعور من مخلوقاته ما المقصود من هذه التزيينات؟ ومن أين تأتي المخلوقات وإلى أين المصير؟&#8221;(1) فهو إذن &#8220;يعرِّف نفسَه ويودّدها، بمخلوقاته -غير المحدودة- ذات الزينة والجمال.. ويُوجب الشكر والحمد له، بنعمه -التي لا تحصى- ذات اللذة والنفاسة.. ويشوّق الخلق إلى العبادة نحو ربوبيته؛ بعبوديةٍ تتسم بالحب والامتنان، والشكر إزاء هذه التربية، والإعاشة العامة، ذات الشفقة والحماية&#8221;(2).</p>
<p>فعلا&#8230; إن الذي يشعر بالنعمة المسداة إليه يجد نفسه مطوقا بحقها في الشكر، ولكنها نعمة أكبر بكثير من أن تحصى أو تحصر. فكيف تشكر إذن؟ هنا يمتلك القلبَ الشعورُ بالعجز والذلة والخضوع التام، وتلك هي:</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>&#8220;لا إله إلا الله&#8221;.</strong></span></p>
<p>&#8220;الله&#8221;.. هذا الاسم الجميل كلمة تدل على الحياة العليا والنعمة الكبرى.. منه سبحانه نستمد الكينونة والحياة. وعطاؤه تعالى لا ينقطع أبدا، ولا يحصى عددا. أن تملأ قلبك بمعرفة الله، يعني أنك تملؤه بالحياة. أن تملأ قلبك بمعرفة الله، يعني أنك تملؤه بالحب. وأن تعبر عن ذلك كله، يعني أن تقول: &#8220;لا إله إلا الله&#8221;، أي لا مرغوب ولا مرهوب إلا الله، ولا محبوب إلا الله، ولا يملك عليك مجامع القلب والوجدان إلا الله.. هذا السيد الجميل، والملك الجليل، والرب العظيم الرحيم.</p>
<p>إن العبد المسكون بحقيقة &#8220;لا إله إلا الله&#8221; لا يملك إلا أن يتدفق منجرفا إلى الله.. تماما كما تتدفق الأنهار سارية وساربة إلىمالكها.. فأنى له إذن أن يتخلف إذا سمع داعي الله ينادي أنْ &#8220;حي على الصلاة&#8221;، أو &#8220;حي على الفلاح&#8221;؟!</p>
<p>طُيُوبُ الْحُبِّ إنْ مَسَّتْ فُؤادًا جَرِيحَ الْوجْدِ كَانَ لَهَا نُشُوبُ!</p>
<p>وَهَلْ فِي الْعَاشِقِينَ الْغُرِّ غُصْنٌ يُنَادِيهِ الْحَبِـيبُ وَلاَ يُجِيـبُ؟</p>
<p>يتخلف؟ كيف؟ والمسلم، إنما هو ذلك العبد الذي يحمل جمرة الشوق إلى الله.. يُسبغ الوضوء على المكاره، وينقل الخطى إلى المساجد يسري في الظُّلَم، ويسرب في الهجير، متقلبا بين حَرٍّ وقَرٍّ، ويجاهد في سبيل الله.. ينثر روحه أزهارا على الثرى، طمعا في رضى المحبوب، الذي تعلقت به القلوب. والمسلم هو ذلك العبد الذي فاض قلبه بحب الله؛ فلا تجد من سلوكه إلا مسكا، ولا ترى من خطوته إلا كياسة وفطنة، ولا يلقاك إلا بالكلمة الطيبة والسريرة الحسنة.</p>
<p>الإسلام، هذا الجمال الإلهي العالي، دين ليس كأي دين. لكن&#8230; لو كان له ذوّاق&#8230; ذلك هو &#8220;الإسلام&#8221; دين المحبة. وذلك هو المسلم السالك مَدارِجَ المحبين. وأنَّى لمن خفق قلبه بلمسة الحب أن يكون شريرا؟ الحب، هذا الشعور الفياض بالجمال، إذا خالط قلبا أحاله جداول من الإيمان واليقين. وامرؤ كان ذلك شأنَه لا يتصور فيه أن يؤذي أحدا أبدا، لأنه لا يملك من المواجيد في قلبه إلا الحب. وكل إناء يرشح بما فيه. إنه لا يملك إلا أن يملأ المكان بمواجيد المحبة، ورياحين الشوق في سيره الوجودي إلى الله.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #ff0000;"><em><strong>د. فريد الأنصاري</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2009/07/%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%83%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a-2/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>جمالية التعريف القرآني بالله تعالى</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2009/07/%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%89/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2009/07/%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%89/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 01 Jul 2009 10:05:13 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.فريد الأنصاري]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 322]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[أمّ العبادات]]></category>
		<category><![CDATA[الصلاة]]></category>
		<category><![CDATA[الله]]></category>
		<category><![CDATA[جمالية]]></category>
		<category><![CDATA[د. فريد الأنصاري]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=17980</guid>
		<description><![CDATA[الله ربًّا هو بدء تدفق الجمال على عقيدة الإسلام، إذ إن جمال الرب عز وجل يفيض من بهاء ذاته تعالى وصفاته. وإنما صفاته تعالى هي صفات الجمال والجلال، إنه النور الخارق الذي لا يطاق. فعن أبي موسى ] قال: قام فينا رسولُ الله  بخمس كلمات، فقال: &#62;إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>الله ربًّا هو بدء تدفق الجمال على عقيدة الإسلام، إذ إن جمال الرب عز وجل يفيض من بهاء ذاته تعالى وصفاته. وإنما صفاته تعالى هي صفات الجمال والجلال، إنه النور الخارق الذي لا يطاق. فعن أبي موسى ] قال: قام فينا رسولُ الله  بخمس كلمات، فقال: &gt;إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القِسْطَ ويرفعه. يُرْفَعُ إليه عملُ الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبل عَمَلِ الليل، حِجَابُهُ النور، لو كشفه لأحرقتْ سُبُحَاتُ وجْهِهِ ما انتهى إليه بصرُه من خلقه&lt;(رواه ابن ماجه) والسُّبُحَات جمع سُبْحَة: وهي ما يفيض عن الذات الجميلة من لآلئ النور، ونوابض الحسن، وأشعّة الجمال. ومن هنا وصف سبحانه أسماءه -وهي أسماء صفات- بكونها &#8220;حسنى&#8221;. إنها أنوار متدفقة من مشكاة الله ذات البهاء الدرّي، قال تعالى: {وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}(الأعراف:180). وقال سبحانه: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}(الإسراء:110). ومن هنا كانت البداية في قصة المحبة.</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>النعمة الأولى.. الخلق</strong></span></p>
<p>الله.. هو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء. سبحانه وتعالى علوا كبيرا. إنما عرفه الإنسان أول ما عرفه &#8220;ربا&#8221;، فلما عرف منه تعالى ما عرف، ألِهَه قلبه فعبَده. إن أول نعمة إلهية ظاهرة فاضت أنوارها على الإنسان من مشكاة أسماء الله الحسنى &#8220;الخالق&#8221; و&#8221;البارئ&#8221; و&#8221;المصور&#8221;، وما إليها من الأسماء والصفات كانت هي خلق آدم عليه السلام. ثم توالت عليه بعد ذلك النعم تترى مما لا يحصى ثناء وشكرا، رزقا ورعاية وهداية&#8230;إلخ. ولذلك وجب أن يكون أول ما ينطق به الإنسان -أي إنسان- في حق ربه سبحانه وتعالى هو الحمد والشكر أولا وقبل أي شيء. ومن عجيب أمر الله الكوني سبحانه، أن أول كلمة نطق بها آدم عليه السلام بُعَيْدَ ما انبعث فيه الروح هي {اَلْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(الفاتحة:2) (انظر: ابن حبان والحاكم). ولذلك فإن القرآن الكريم -وهو كتاب الله- افتتح بالحمد لرب العالمين، وتمجيد أسمائه الحسنى، ثم بعد ذلك ثنى بالعبادة التي هي نتيجة للربوبية. فكانت سورة الفاتحة وهي فاتحة القرآن.</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>الربوبية والعبودية</strong></span></p>
<p>إن توحيد الربوبية هو اعتراف بسيادة الله على الكون والخلق أجمعين، اعترافا يتضمن الرضى به ربا وسيدا، والإيمان بما له تعالى من صفات الجمال والجلال. فربوبيته سبحانه إنما تعرف من خلال صفاته تعالى؛ ولذلك فقد سمى عز وجل نفسه بأسمائه الحسنى، وطلب منا إحصاءها والدعاء بها؛ أي أن نوحده في إلهيته تعالى بها، وذلك باب العبادة. ومن هنا كان توحيد الإلهية موصولا بتوحيد الربوبية، وهو منطوق القرآن ومفهومه. قال تعالى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ}(الرعد:30). فأثبت الربوبية أولا من خلال اسمه الرحمن، ثم ثنى بكلمة الإخلاص باب التعبد. والجميل حقا أن ربوبيته تعالى تتجلى في أسمائه الحسنى، ومن هنا كان البدء بها في القرآن، وفي كل أمر ذي بال. إن جمال الربوبية المتجلي في جمال الصنعة، وكمال الخلق، وتدفق الإنعام، والفيض على العالمين بالحياة&#8230;إلخ. هو الذي بهر القلوب المحبة للجمال، فخضعت له عابدة متبتلة في محاريب الإيمان، مقرة أنه &#8220;لا إله إلا الله&#8221;. إن المحب الذي فني في المحبوب إنما حصل له ما حصل لما رآه في محبوبه من خصال الجمال والجلال.</p>
<p>&#8220;الله&#8221;.. هذا الاسم العظيم، الدال على الذات الإلهية، يثقل وقعه في القلب العارف به تعالى حتى التصدع، قال : &gt;ولا يَثْقُلُ مع اسم الله تعالى شيء&lt;(رواه الإمام أحمد). إنه ثقل الربوبية الذي ينـزل بجلاله وجماله الذي لا يطاق على الصخر فيجعله دكا، {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا}(الأعراف:143)، {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ}(الحشر:21).</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>المحبة ثمرة المعرفة</strong></span></p>
<p>من هنا إذن كانت معرفة الربوبية مورثة لمحبة الله، أي لعبادته. ولذلك فقد وردت التوجيهات التربوية النبوية للأمة العابدة المحبة لربها أن تذكره تعبدا بجلال ربوبيته سبحانه. قال : &gt;من قال رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة&lt;(رواه أبو داود). وذكر النبي  في هذا السياق قصة طريفة مفادها أن عبدا من عباد الله قال: &gt;يا ربي، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك&#8221; فَعَضَلَتْ بالملَكَين فلم يدريا كيف يكتبانها. (&#8230;) فقال الله عز وجل: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها&lt;(رواه الإمام أحمد).</p>
<p>إن الإعضال الذي حصل للملائكة الكتبة، إنما هو بسبب أن هذا العبد قد حمد الله حمدا موصوفا بصفة الله المطلقة &#8220;كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك&#8221;، وهو ما لا يمكن أن يحيط به عبد من عباد الله علما، لأنه متعلق بما هو عليه الله &#8220;ربا&#8221; في ذاته تعالى وصفاته، من جمال وجلال، وبما يفيض عن سلطانه العظيم من تقدير وتدبير على الإطلاق. وعلم ذلك هو عين المستحيل، فكان أن فزع المَلَكان إلى الله من هذا التعبير الذي أربكهما إرباكا. إنها عظمة الربوبية التي توجب الخضوع لله الواحد القهار.</p>
<p>إن هيبة الجمال والجلال في ذات الرب العظيم، تورث العبودية في القلب المؤمن بالله. ومن هنا كان ذلك الفضل الكبير الذي بشّر به النبي  لمن أحصى أسماء الله الحسنى أو حفظها لما لهذه الأسماء من أنوار لا تفتأ تفيض عن ذات الرب سبحانه وتعالى بمعاني الكمال والجلال. قال المصطفى : &gt;إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة&lt;(متفق عليه). والحفظ المذكور في الحديث لا يدل على المعنى الشكلي للفعل، من عدّ أو استظهار فحسب، وإنما يدل على الحفظ بمعنى الاستيعاب القلبي والاستحضار الشعوري كما في قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}(يوسف:55)، مشيرا بالحفظ إلى الأمانة وهي معنى قلبي محض.</p>
<p>إن تَمَثُّلَ مقتضيات أسماء الله الحسنى تمثل المحب المتعلق ببابه الكريم يرجو وصاله والنهل من أنواره، هو الذي يفتح الطريق للعبد السائر إلى الله للحصول على الإذن الملكي العالي إكراما لمحبته والتعلق بأسمائه.</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>جمال وجلال.. بجانب الطور الأيمن</strong></span></p>
<p>ومن أطرف المواقف الإلهية، وأكثرها جمالا وجلالا، خطابه تعالى لنبيه موسى عليه السلام، بجانب الطور الأيمن.. إنه حدث وجداني عظيم يهز القلب هزا&#8230; موسى تائه في غسق الليل بين الجبال، يسير بأهله، يبحث عن دفء، حتى إذا تفرّد بين الشعاب باحثا سمع الله يتكلم.. أتدرون ما تقرؤون؟ إنه سمع الله يتكلم&#8230; وتلك حقيقة كونية رهيبة لا تسعها العقول تصورا، ولا القلوب استشعارا. ولكن الأجلَّ في الموقف أنه يتكلم معه &#8220;هو&#8221; بالذات&#8230; الله الملك العظيم رب الأرضين والسماوات، رب الفضاءات والمدارات&#8230; يكلم هذا العبد الضئيل، بل هذه الذرّة الدقيقة التائهة في الفلَوات&#8230; هل تستطيع أن تتصور نفسك هناك؟ إذن أنصت لكلام الله: {إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي}(طه:14).</p>
<p>موسى التائه الباحث يسمع متكلما، فيجده أنه يخاطبه ويعرّفه بنفسه، فكانت هذه الكلمات الجليلة العظيمة: {إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا}&#8230; عبارات شارحة لمعنى الإسلام وعقيدة الإسلام، عقيدة المحبة العليا.. فقد سمّى الله نفسه سبحانه باسمه العَلَم معرفا بذاته &#8220;الله&#8221;. وهو الاسم الجامع لكل الأسماء الحسنى والصفات العُلَى.. ثم قرّر ما ينبغي أن يعرفه العبد عن ربه: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا}، فلا ينبغي أن يسكن قلبَك يا موسى حُبُّ سواي، ولا أن تجرد وجدانك لغيري، فمقام الإلهية يقتضي من الخلق الانتظام في سلك الخدمة والطاعة لسيد الكون، الربّ الأعلى. وذلك تفريغ القلب من كل المقاصد سوى قصد الله، وتجريده غصنا فقيرا بين يديه تعالى، إلا من أنداء الشوق وخضرة الرضى، تنساب مستجيبة لأنسام المحبة الإلهية أنىَّ هبّتْ، انسيابا لا يجد معه العبد كلفة ولا شقّا، بل هو انسياب الواجد راحته ولذّته في عبوديته لرب العالمين، واهب الألطاف الخفية، والأسرار البهية، الملك الحليم ذي الجمال والجلال.</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong> الله.. الاسم الجامع لكل الأسماء</strong></span></p>
<p>{إِنَّنِي أَنَا اللهُ}.. هذا الاسم العظيم الجامع لكل معاني الربوبية والإلهية، يقتضي تمثله على مستوى القلب شعورا بالرغبة والرهبة، وهما صفتان تفيضان عن القلب الذي وجد لمسة الحب، وهو مخ العبودية. وإنما العباد سالكون بين ضفّتي الرغبة والرهبة، والخوف والرجاء. فأنْعِمْ به مِنْ جمال في السير، وأكْرِمْ به مِنْ بهاءٍ في السُّرَى. ولذلك قال له بَعْدُ {لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا}؛ لأن المتمثل لحقيقة &#8220;الله&#8221;، {إِنَّنِي أَنَا اللهُ} ربوبيةً وألوهيةً، لا يملك إلا أن يخضع لله شاكرا وعابدا. فليكن إذن خضوعا لا يشرك معه فيه أحدًا.</p>
<p>{لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا}.. تقرير اعتقاد، نعم، لكنه من العبد شعور.. يحتاج إلى مصداق من الأعمال والفعال. وهل يملك من يجد في قلبه شيئا أن يكتمه؟ خاصة إذا كان هذا الذوق الموجود من الجمال والجلال ما لا يستطيع قلب بشري أن يحتمله سرًّا إلى الأبد. فلا بد إذن من التعبير، وذلك هو أركان الإسلام الخمسة: النطق بالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا. أعمال وأفعال كلُّها تسلك بالعبد مسلك الخدمة والطاعة لله رب العالمين، وتشعر صاحبها بمقدار ما يجده في قلبه من الحب، وما يعترف به من إقرار على نفسه، إذ شهد أنه &#8220;لا إله إلا الله&#8221;. فإلى أي حد هو صادق فيما عبر به عن نفسه؟ إنها شهادة على القلب. أفَتراه كان صادقا كل الصدق أم بعضه؟ ولذلك قال عز وجل لموسى: {فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي}. العبادة إذن هي &#8220;التعبير&#8221;.. التعبير الظاهر عما وجده المسلم في الباطن، إذ شهد ألا إله إلا الله. إنها تعبير المحب عما وجد من حب، وأيّ محبٍّ يستطيع الكتمان؟</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>الصلاة.. أمّ العبادات</strong></span></p>
<p>وبقيت الصلاة في الإسلام كما كانت في الأديان السابقة أم العبادات. ولذلك خصها الله بالذكر هنا رمزا لكل خضوع وخشوع {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي}.. وما كل أركان الإسلام في الجوهر -مهما تعددت أشكالها- وهيآتها إلا &#8220;صلاة&#8221;! ولذلك قال النبي محمد : &gt;رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة&lt;(رواه أحمد). فكأنه عليه الصلاة والسلام يقول الإسلام هو الصلاة، لما في معنى الصلاة من جمع لكل مواجيد التعبد والخضوع لله رب العالمين، وذلك هو المقتضى العملي لكلمة الإخلاص &#8220;لا إله إلا الله&#8221;. والترجمة الفعلية للأمر الملكي: ?فَاعْبُدْنِي? الذي جاء تفسيره وبيانه بعدُ مباشرة {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي}. فيا لجمال &#8220;الذِّكْرِ&#8221; في سياق الصلاة! ذلك التعبير المليء بالإيحاءات الوجدانية، التي تحدو الأحبة بالتراتيل الملتهبة شوقا لديار المحبوب.</p>
<p>وذكر الله هو مقام الأدب مع الله.. فالعبد الحقيقي هو الذي لا يفتأ يذكر سيده فلا ينساه.. وهل ينساه حقا؟ إذن ليس بعبد، وإنما العبد من كان دائم الحضور بباب الخدمة، لا يفتأ واقفا بأدب العبودية إلى جانب الأعتاب العليا.. فأنى ينسى مولاه؟ أن تصلي يعني أن تكون دائم الذكر لله.. ولذلك كانت الصلاة أرقى تعبير عن حضور القلب مع الله: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي}.</p>
<p>تلك معان كلها تفيض عن شهادة أن &#8220;لا إله إلا الله&#8221;. كلمة الإخلاص وعنوان الإسلام لله رب العالمين. وهي الكلمة التي يفزع إليها المؤمن من الغم والكرب، تماما كما يفزع الصبي إلى أمه عندما يلم به مكروه. أتدرون لماذا؟ لأنها ببساطة أقرب الناس إلى وجدانه، ولو لم تكن كذلك لما نادى صبي في الدنيا إذا استغاث &#8220;أماه!&#8221;. إلا أن العبد الذي سكن قصد الرب الأعلى قلبه، وامتلك عليه وجدانه لا يفزع إلا إليه، بمقتضى &#8220;لا إله إلا الله&#8221;.</p>
<p>هل سمعت يونس عليه السلام إذ التقمه الحوت فغاص في ظلمات بطنه، وظلمات البحر والليل، ثم ظلمة الغم الشديد الضاربة على تلك الظلمات جميعا، ألم تسمع ماذا قال؟ يقول رب العزة حاكيا عنه: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}(الأنبياء:87). لقد كان أول التعبير استغاثة وجدانية {لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ}.. لا يملك مواجيدَ القلب إلا أنت! لا محبوب، ولا مرغوب، ولا مرهوب إلا أنت! ثم كان التسبيح والتنـزيه فالاستغفار&#8230; يا سلام&#8230; أي جمال هذا وأي كمال؟! وأي أفق كريم فيما يتيحه هذا الدين السماوي للقلب من سياحة وسباحة في عرض الملكوت لاستدرار واردات الأنس والرحَموت؟ يونس هذا العبد العظيم الذي أدرك -وهو في بطن حوت ضخم جدا، يخوض به المجهول، في قاع المحيطات الرهيبة- أن القلب إذا امتلأ بنور الله كان الله معه؛ ومن كان الله معه أمن أمنا كليا، فلا يعدو هول البحرِ والحوتِ حينئذ مقدار حشرة في مستنقع.. الله أكبر!</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>حقيقة الشرك وجذوره القلبية</strong></span></p>
<p>إن شهادة ألا إله إلا الله لهي توقيع عقد، وإمضاء التزام، بضمان الهوى لله وحده كما في الحديث: &#8220;لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به&#8221;(فتح الباري، 13/289)، وكل ما جاء به  هو &#8220;الإسلام&#8221;. وقد علمتَ ما في هذا العبارة من معاني الخضوع للرب الأعلى. خضوع يفرغ القلب مما سوى الله. وهو أمر في غاية العمق الوجداني، والتحقيق الشعوري، ولذلك صعبت كلمة &#8220;لا إله إلا الله&#8221; على كفار قريش أن يقولوها، وهو أمر طبيعي، فقد أدركوا بفطرتهم اللغوية السليمة أن هذه الكلمة تعبيد لمشاعرهم، قبل أن تكون تعبيدا لأفعالهم. وهو الأمر الذي لم يقبلوه، إذ كان &#8220;الشرك&#8221; قد ران على قلوبهم فلم يستطيعوا منه فكاكا. وما حقيقة &#8220;الشرك&#8221; إلا أهواء ومواجيد، سكنت قلوبهم فلم تصْفُ بذلك لربها الملك الأعلى. إن الشرك بهذا الإدراك معنى قلبي كالتوحيد تماما. أعني من حيث إنهما معا شعور يحدث في القلب، وإن كانا متناقضين، كتناقض الحب والبغض، أو السخط والرضى.</p>
<p>فلم يكن من منطق الأشياء أن تدور معركة، بل معارك مريرة، بين الرسول  وبين العرب من أجل أحجار هي الأصنام، التي كانت تعبد من دون الله. بل إن حقيقة المعركة كانت حول ما ترمز إليه تلك الأحجار، من أهواء ساكنة في قلوب العباد. فما كان صمود العرب في وجه الدعوة الإسلامية كل تلك المدة، حتى عام الفتح، حبا في الأوثان لذاتها، وإنما حبا فيما كانت ترمز إليه، وما كان يقع باسمها في قلوبهم من حب لمجموعة من الأهواء، هي الآلهة الحقيقية التي كانت تعبد من دون الله؛ من حب للجاه، وحب للسيادة، وحب للمال، وحب للتسلط على الفقراء والعبيد باسم الآلهة، أو قل باسم الصخور الجامدة. تلك الأهواء إذن هي الآلهة الحقيقية، التي كانت تعبد من دون الله، وما كانت الأحجار إلا تجسيدا لها في عالم المادة، ورمزا لما في عالم الإحساس، {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}(الجاثية:23).</p>
<p>ومن هنا حرص النبي  على الإطاحة بأوثان الشعور، قبل الإطاحة بأوثان الصخور! وقد ظل بمكة يعبد الله قبل الهجرة ويطوف بالبيت العتيق وقد أحاطته الأصنام من كل الجهات، لأن عمله حينئذ كان هو إزالة أصولها القلبية، وجذورها النفسية؛ حتى إذا أتم مهمته تلك، كانت إزالة الفروع نتيجة تلقائية، لما سلف من إزالة للجذور ليس إلاّ. ولذلك قلتُ: إن الشرك معنى قلبي وجداني، قبل أن يكون تصورا عقليا نظريّا.</p>
<p>إن &#8220;لا إله إلا الله&#8221; -وقد سُمّيت كلمة الإخلاص- ليست إلا تجريدا قلبيا للهوى حتى يكون خالصا لله وحده. وكل حبّ تفرقت به الأهواء لم يكن إلا كذبا. والشهادة في الإسلام إقرار من صاحبها على نفسه، وما يجد في قلبه بالتصديق. فانظر أي قرار يتخذه الإنسان، حينما &#8220;يُسلم&#8221; لله رب العالمين، ويشهد &#8220;أن لا إله إلا الله&#8221;!</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. فريد الأنصاري</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2009/07/%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%89/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مفهوم الجمالية في الإسلام من الترتيل إلى التشكيل</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2009/06/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%aa%d9%8a%d9%84-%d8%a5/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2009/06/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%aa%d9%8a%d9%84-%d8%a5/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 16 Jun 2009 09:29:20 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.فريد الأنصاري]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 321]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الـجـمـال]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[الترتيل]]></category>
		<category><![CDATA[التشكيل]]></category>
		<category><![CDATA[العبادة]]></category>
		<category><![CDATA[جـمـال الإنـســان]]></category>
		<category><![CDATA[د. فريد الأنصاري]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=17927</guid>
		<description><![CDATA[جـمـال الإنـســان الإنسان جميل، بل هو أجمل مخلوق في الأرض، وتلك حقيقة قرآنية ووجودية؛ ذلك أن مصادر الدين في الإسلام تحدثنا أن الله قد خلق الإنسان في أجمل صورة وأحسنها، وقارن بينه وبين سائر الحيوانات -وهي غاية في الجمال- ظاهرا وباطنا. قال عز وجل: {اَللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اْلأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ}(غافر: [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #0000ff;"><strong>جـمـال الإنـســان</strong></span></p>
<p>الإنسان جميل، بل هو أجمل مخلوق في الأرض، وتلك حقيقة قرآنية ووجودية؛ ذلك أن مصادر الدين في الإسلام تحدثنا أن الله قد خلق الإنسان في أجمل صورة وأحسنها، وقارن بينه وبين سائر الحيوانات -وهي غاية في الجمال- ظاهرا وباطنا. قال عز وجل: {اَللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اْلأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ}(غافر: 64) وصح عن النبي  قوله : &gt;خلق الله آدم على صورته&lt;(متفق عليه)، ثم جعل له الكون من كل حواليه جميلا، وحسنه تحسينا، عساه يكون في تدينه حسنا جميلا. قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى اْلأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}(الكهف: 7) فالزينة الكونية مبعث وجداني للتحلي بالزينة الإيمانية.</p>
<p>إن الناظر في هذا العالم الكوني الفسيح، يدرك بسرعة أن الإنسان يعيش في فضاء فنّي راق؛ بيئة واسعة بهية هي آية من الجمال الذي لا يبارى؛ بدءً بالأرض حتى أركان الفضاء، الممتدة بجمالها الزاخر في المجهول، تسير في رونق الغرابة الزاهي، إلى علم الله المحيط بكل شيء. ومن ذلك قوله سبحانه: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}(الحجر: 16) وجعل الأرض الحية تتنفس بالجمال نِعَماً لا تحصى ولا تنتهي {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}(الأعراف:32). وأرشد ذوق الإنسان إلى تبين معالم هذا الجمال في كل شيء: {وَاْلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}(النحل: 5- 6).</p>
<p>ثم انظر إلى هذا الجمال المتدفق كالشلال، من الآيات التاليات؛ يقول سبحانه بعد الآية السابقة بقليل، في سياق الْمَنِّ بهذه النعم الجميلة الجليلة: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}(النحل: 10- 12).</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>بـانـورامـا  الأرض</strong></span></p>
<p>إنها صورة كلية شمولية ذات ألوان وأنوار حية متحركة، إنها ؛بانوراما+ كاملة للأرض بتضاريسها وبحارها وأشجارها وأنهارها وأحيائها جميعا. ثم بفضائها الرحب الفسيح بما يملأ ذلك كله من حركة الحياة، والنشاط الإنساني بكل صوره مما أتيح له في هذه الأرض وفضائها من المسخَّرات الحيوية. هذا كله هو قصرك الزاهي أيها الإنسان، ومجالك الواسع، محاطا بكل آيات التسخير وكرامات التدبير، المتدفقة بين يديك بكل ألوان النعم والجمال؛ لتصريف العمر كأعلى ما يكون الذوق، وكأجمل ما تكون الحياة.</p>
<p>وفي سورة الأنعام صور تنبض بجمال الخصب والنماء، جمال أرْضِيّ لا يملك معه من له أدنى ذرة من ذوق سليم إلا أن يخضع لمقام الجمال الأعلى، الجمال الرباني العظيم. قال جل جلاله: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبٌّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}(الأنعام:99). ويلحق بها قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}(فاطر: 27- 28).</p>
<p>فالصورة تبتدئ -في الآيات الأولى ثم التي بعدها- من لحظة نزول المطر، إلى لحظة خروج النبات والشجر من التربة الندية، إلى مرحلة خروج الحب المتراكب في السنابل، وخروج القِنْوَان، (أي: العراجين والعُذُوق المثقلة بالفاكهة) بجمالها وبهائها، ثم ما يلامسها بعد ذلك من نضج وينع، فتراها -وقد تهيأت للقِطاف- متدليةً خلال خمائل الجنات والبساتين، ناظرة إلى الناس في دلال خلاب. والآيات لا تغفل الحركة الحية للألوان، في تطورها من الخضرة إلى سائر ألوان النضج والينع، مما يتاح للخيال أن يتصوره -تَوَرُّداً واصْفِرَاراً واحْمِرَاراً واسْوِدَاداً&#8230; إلخ- في الزروع، والتمور، والأعناب، والزيتون، والرمان ونحوها، إلى ما يحيط ذلك كله، أو يتخلله، من ألوان الجبال وجُدَدِهَا، وهي: مسالكها أو خطوطها والتواءاتها المتشكلة منها، وهي غالبا ما تكون ذات انحناءات مختلفة الألوان، كما قال الله تعالى بيض وحمر إلى ما يزينها من غرابيب سود، وهي الصخور الناصعة السواد&#8230; إلى حركة اللون المنتشرة هنا وهناك في الحيوان والإنسان، مما لا يملك المؤمن معه إلا أن يكون من الساجدين لمن أفاض على الكون بهذا الجمال كله، الجمال الحي المتجدد. وإنها لآيات تربي الذوق الإنساني على جمالية التوحيد والتفريد، مما تعجز الأقلام والألوان عن تجسيد صورته الحية النابضة، وأي ريشة في الأرض قادرة على رسم الحياة!؟</p>
<p>وإنني لو قصدت إلى استقصاء جماليات القرآن الكريم من السور والآيات لجئت به كله، فهذه عباراته الصريحة وإشاراته اللطيفة كلها، كلها مشعة بتوجيهات ربانية لتربية الذوق الإنساني حتى يكون في مستوى تمثل مقاصد الدين البهية، بتدينه الجميل. فهل عبثا نصَّ القرآنُ على جمالية الكون والنعم والحياة؟ وهل عبثا نبه القرآن الحس البشري الإسلامي، وربَّاه لالتقاط دقائق الحسن والبهاء في مناظر الفضاء والأرض والجبال والشجر والنبات والبحار والأنهار والأنوار والأطيار؟!</p>
<p>إن الله تعالى خلق الحياة على مقاييس الجمال الإلهية الباهرة الساحرة، وأرسل الرسل بالجمال ليتدين الناس على ذلك الوِزان وبتلك المقاييس. ولذلك قال النبي محمد  سيد الأتقياء، وإمام المحبين: &gt;إن الله تعالى جميل يحب الجمال&lt;(رواه مسلم). وفيه زيادة صحيحة: &gt;ويحب معالي الأخلاق ويكره سِفْسافَها&lt;(رواه الطبراني وابن عساكر)؛ مما يشير إلى أن الجمال مطلوب في أداء المسلم شكلا ومضمونا، مبنى ومعنى، رسما ووجدانا.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>مـواكـب الـجـمـال</strong></span></p>
<p>فليكن الدين إذن سيرا إلى الله في مواكب الجمال {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}(الأعراف: 29- 30) وإنها للطافة كريمة أن يجمع الحق سبحانه في مفهوم الدين، من خلال هذه الكلمات النورانية بين جمالين: جمال الدين وجمال الدنيا: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِيالْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ليكون ذلك كله هو صفة المسلم.</p>
<p>ولقد حرص الرسول  على تربية صحابته الكرام على كل هذه المعاني. وكيف لا، وهو أول من انبهر بجمال ربه وجلاله؛ فأحبه حتى درجة الخلة. قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه يوما: &gt;لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة (أبا بكر) خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله&lt;(رواه مسلم)، وصح ذلك عنه  في سياق آخر: &gt;إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا&lt;(رواه مسلم). وكان يعلمهم كيفية سلوك طريق المحبة بعبارات وإشارات شتى، ما تزال تنبض بالنور إلى يومنا هذا، فانظر إن شئت، إلى قوله  : &gt;أنتم الغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله!&lt;(رواه مسلم) والغرة بياض في ناصية الحصان، والتحجيل بياض في يديه؛ فتلك سيم الجمال في وجوه المحبين وأطرافهم، يوم يرِدُون على المصطفى ، وهي سيم &#8220;ليست لأحد من الأمم&#8221;(متفق عليه)، بها يعرفون في كثرة الخلائق يوم القيامة، كالدر المتناثر في دجنة الفضاء. هذه ومضة الإبراق النبوي تبشر برشح الأنوار على أطراف المتوضئين الساجدين، رشحا لا يذبل وميضه أبدا!</p>
<p>النبي الكريم ميز جمال المحبين وسط الزحام واحدا واحدا. قال  : &gt;ما من أمتي من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة!&lt; قالوا: وكيف تعرفهم يا رسول الله في كثرة الخلائق؟ قال: &gt;أرأيت لو دخلتَ صُبْرَةً (محجرا) فيها خيلٌ دُهْمٌ، بُهْمٌ، وفيها فرَسٌ أغَرُّ مُحَجَّلٌ، أما كنتَ تعرفه منها؟&lt; قالوا: بلى. قال: &gt;فإن أمتي يومئذ غُرٌّ من السجود، مُحَجَّلون من الوضوء!&lt;(رواه أحمد) فأي تذويق فني هذا للدين؟ وأي ترقية لطيفة للشعور هذه وأي تشويق؟</p>
<p>ولم يفتأ النبي  يرقي الذوق على مستوى التصرف والسلوك، ليس في مجال المعاملات فحسب، ولكن أيضا في مجال الدعوة والإرشاد. وليس قوله  : &gt;إن الله تعالى رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف&lt;(رواه البخاري) وقوله: &#8220;يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا&#8221;(متفق عليه) وقوله أيضا في فرض الإحسان على المؤمن في كل تصرفاته وأعماله التعبدية والعادية: &#8220;إن الله كتب الإحسان على كل شيء&#8221;(رواه مسلم)، إلا نموذجا لعشرات الأحاديث المنضوية تحت هذا المعنى الكلي الكبير: الإحسان في كل شيء؛ في الشعور والأخلاق والمعاملات والتصرفات والسلوك.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong> أسس الجمالية في الإسلام</strong></span></p>
<p>ومن هنا &#8211; بعد هذه الشواهد النموذجية والمقارنات التقريبية &#8211; يمكن أن نخلص إلى أن أسس &#8220;الجمالية&#8221; في الإسلام تقوم على أركان ثلاثة، هي: المتعة والحكمة والعبادة. وباجتماعها جميعا في وعي الإنسان ووجدانه يتكامل المفهوم الكلي للجمالية في الإسلام.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>&gt; 1- الحكمة:</strong></span></p>
<p>فأما الحكمة فمعناها -هنا- أنه ما من &#8220;جمال&#8221; إلا وله هدف وجودي، ووظيفة حيوية، يؤديها بذلك الاعتبار. ذلك أنه ما من جمال في هذا الكون إلا وهو رسالة ناطقة بمعنى معين، هو حكمة وجوده ومغزى جماليته. فليس جميلا لذاته فحسب بل هو جميل لغيره أيضا. فعند التأمل في كل تجليات الجمال في الطبيعة، تجد أنها تؤدي وظائف أخرى هي سر جماليتها؛ من مثل الأهداف التناسلية الضرورية لاستمرار الحياة في الكائنات من الإنسان والحيوان والطيور والنبات&#8230; إلخ. ففي هذا السياق تقع استعراضات الجمال الخارق مما وهبه الله للكائن الحي؛ لإنتاج الشعور بالجمالية مما ينتج عنه أروع التعابير اللغوية أو الرمزية، على جميع المستويات البشرية والحيوانية والطبيعية عموما، كل على درجة طبقته الفطرية من الوعي بالحياة والوجود الخِلقي. وما ذلك كله في نهاية المطاف إلا ضربا من قوانين التوازن في الحياة، واستقرار الموجودات والخلائق، تماما كما هو دور قانون الجاذبيةفي استقرار الحياة الأرضية، وتوازن الأجرام والكواكب في الفضاء. فالإحساس الجمالي- بما فيه من عواطف جياشة لدى الإنسان مثلا &#8211; ما هو إلا وسيلة وجودية لاستمراره وتوازنه. قال تعالى: {وَمِنْ أَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ أَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(الروم: 20- 21).</p>
<p>ونفس الحقيقة الجمالية التي نراها في الطبيعة والجبال والبحار والنجوم&#8230; إلخ؛ ما هي -رغم التصريح القرآني بجماليتها في مقاصد الخلق- إلا مخلوقات تؤدي وظائف في سياق التدبير الإلهي للكون؛ خلقاً وتقديراً ورعايةً. ومن ذلك قوله تعالى على سبيل المثال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}(البقرة:189). وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}(يونس:5) مشيرا بذلك إلى أن وظيفة الأقمار والأفلاك إنما هي إنتاج مفهوم الزمان؛ لتنظيم الحياة الكونية والإنسانية في أمور المعاش والمعاد معا، أي مجال العادات والعبادات على السواء. وكذلك ما ذكره الله من الوظيفة الجيولوجية والتسخيرية للجبال والأنهار والمسالك، في مثل قوله تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}(النحل: 15- 16).</p>
<p>فكل المشاهد الجميلة في الحياة والكون -كما عرضها القرآن الكريم- لا تخرج عن هذا القانون الكلي، من حكمة الوجود ووظيفة الخلق.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>&gt; 2- المتعة والإمتاع :</strong></span></p>
<p>وأما الركن الثاني للجمالية في الإسلام فهو المتعة والإمتاع، سواء في ذلك ما هو على المستوى الحسي أو ما هو على المستوى النفسي والذوقي، أعني العاطفي والوجداني. ومعنى ذلك أن الله جل جلاله خلق في الإنسان مجموعة من الحاجات، كحاجته إلى الطعام والشراب واللباس؛ فكانت منها حاجة التمتع والاستمتاع بالجمال من حيث هو جمال. ومن هنا سعيه الدائم إلى البحث عنه والانجذاب إليه، وهذا صريح في كثير من الآيات والأحاديث النبوية الشريفة. ومن ذلك أن تلك الحقائق الكونية نفسها، التي ذُكرت في سياق هدفها الوجودي، وحكمتها الْخِلْقِيَّة، هي عينها ذُكِرَتْ لها أهداف إمتاعية في مساقات أخرى. قال تعالى مصرحا بفوائد الأنعام والبهائم الإمتاعية (الجمالية)، إلى جانب منافعها التسخيرية: {وَاْلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ *وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ}(النحل: 5- 8).</p>
<p>فقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} ثم قوله بَعْدُ: {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}، دال بوضوح -بما في السياق اللغوي من حروف التخصيص والتعليل- على قصد إشباع الحاجة الجمالية للإنسان، إلى جانب حاجته البيولوجية إلى الطعام والشراب، وسائر حاجاته المعيشية من الخدمات.</p>
<p>وعلى هذا يجرى ما ذكر في القرآن من مشاهد الجمال والتزيين.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>&gt;3- العبادة :</strong></span></p>
<p>وأما الركن الثالث فهو العبادة. العبادة بما هي سلوك وجداني جميل، يمارسه الإنسان في حركته الروحية السائرة نحو رب العالمين، الله ذي الجلال والجمال. وهذا من الوضوح بمكان حيث إن النصوص التي ذكرت قبلُ كافية في إثباته وبيانه. ذلك أنه هو الركن الغائي من خلق الجمال نفسه، بل هو غاية الغايات من الخلق كله، وما به من حقائق الزينة والْحُسْنِ المادية والمعنوية على السواء.</p>
<p>إن إشباع الحاجات الجمالية لدى الإنسان لو تأملتها تجدها لا تخرج عن معنى حاجة الإنسان الفطرية إلى التعبد والسلوك الروحي. ولذلك فإن الإنسان الغربي إنما يمارس بإبداعه الجمالي ضربا من العبادة الخفية أو الظاهرة، التي يوجهها نحو الطبيعة حينا، ونحو ذاته أحيانا أخرى. إنه بدل أن يسلك بإنتاجه الجمالي مسلك التعبد لله الواحد الأحد، مصدر الجمال الحق، وغايته المطلقة في الوجود كله؛ ينحرف بها إلى إشباع شهواته أو أهوائه. ثم يمارس نوعا من الوثنية المعنوية أو المادية. ولذلك كانت فنونه الجميلة تميل إلى التجسيم والتشكيل، محكومة بمثل قوله تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ}(الأعراف:148).</p>
<p>من هنا إذن أطَّرَ الإسلامُ الجماليةَ بمفهوم العبادة؛ حتى يصح الاتجاه في مسيرة الإبداع، ويستبصر الفنان بتواضعه التعبدي مصدرَ الجمال الحق؛ فيكون إبداعه على ذلك الوزان، وتتجرد مواجيده لتلك الغاية، وتلك هي جمالية التوحيد، عسى أن يستقيم سير البشرية نحو نبع النور العظيم، النور الذي هو {الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} (النور:35).</p>
<p>والعبادة في الإسلام سلوك جمالي محض. وذلك بما تبعثه في النفس من أنس وشعور بالاستمتاع. فالسير إلى الله عبر الترتيل والذِّكْرِ والتدبر والتفكر والصلاة والصيام وسائر أنواع العبادات إنما هو سير إليه تعالى في ضوء جمال أسمائه الحسنى بما هو رحمن رحيم مَلِكٌ قدوس سلام &#8230; إلخ. وليس عبثا أن رسول الله  كان يصف الصلاة بما يجده فيها من معاني الراحة الروحية، ويقول لبلال ] : &gt;يا بِلالُ! أقِمِ الصلاة!.. أرِحنا بها!&lt;(رواه أحمد وأبو داود) ومن العجيب حقا أنه عليه الصلاة والسلام ذكر متع الدنيا وجماليتها فجعل منها الصلاة، مع العلم أن الصلاة عمل أخروي لا دنيوي، وذلك قوله الصريح الواضح: &gt;حُبِّبَ إليَّ من الدنيا النساء والطِّيب، وجُعل قُرَّةُ عَيني في الصلاة &lt;(رواه النسائي) وتوجيه الحديث دال بسياقه على أنه  أحب من الدنيا جماليات النساء والطيب وما يوحي به الأمران من جمال العواطف والمظاهر، ويقول في السياق نفسه: &gt;وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاَة&lt; أي كمال سعادتي وجمال لذتي في صلاتي لله الواحد القهار؛ وذلك لما كان يجده  من أنس وراحة تامين على مستوى الوجدان الآني الدنيوي، بغض النظر عن المآلات الأخروية؛ لأن التعبير صريح في تصنيف الصلاة في هذا السياق ضمن محبوبات الدنيا. وقد أُثِرَ عن غير واحد من السلف والزهاد تعلُّقُهم بالدنيا لا من أجل ذاتها ولكن من أجل ما يجدون فيها من لذة العبادة، وجمالية السير إلى الله وهذا من أدق المعاني وألطف الإشارات الوجدانية.</p>
<p>فالجمالية الإسلامية إنما تكتمل بهذه الأركان الثلاثة جميعا: الحكمة والمتعة والعبادة. وعليه؛ فإن السلوك الإسلامي انطلق متحليا بجماليته إلى جميع مناحي الحياة الفنية والإبداعية والثقافية والعمرانية والأخلاقية والاجتماعية. فكانت له في كل ذلك تجليات خاصة تتميز بخصوص المفهوم الإسلامي للجمال.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. فريد الأنصاري</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2009/06/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%aa%d9%8a%d9%84-%d8%a5/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>الــفِــطْـــرِيَّـــةُ</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2009/06/%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%80%d9%81%d9%90%d9%80%d9%80%d8%b7%d9%92%d9%80%d9%80%d9%80%d8%b1%d9%90%d9%8a%d9%91%d9%8e%d9%80%d9%80%d9%80%d8%a9%d9%8f/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2009/06/%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%80%d9%81%d9%90%d9%80%d9%80%d8%b7%d9%92%d9%80%d9%80%d9%80%d8%b1%d9%90%d9%8a%d9%91%d9%8e%d9%80%d9%80%d9%80%d8%a9%d9%8f/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 01 Jun 2009 14:10:53 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.فريد الأنصاري]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 320]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الــفِــطْـــرِيَّـــةُ]]></category>
		<category><![CDATA[التحقق]]></category>
		<category><![CDATA[التخلق]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن هو خطاب الفطرة]]></category>
		<category><![CDATA[خطاب الفطرة]]></category>
		<category><![CDATA[د. فريد الأنصاري]]></category>
		<category><![CDATA[ما المقصود بالفطرية؟]]></category>
		<category><![CDATA[معنى التلقي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=16123</guid>
		<description><![CDATA[ما المقصود بالفطرية؟ الفِطْرِيَّةُ: مصدر صناعي أخذناه من الفِطْرَةِ. وهو دَالٌّ -بمصدريته تلك- على معنى دعوي. أي على &#8220;فِعْلٍ&#8221; واقعٍ في الفطرة ومن أجلها، سواء في النفس أو في المجتمع. ومن هنا سَكَكْنَاهُ مصطلحاً نعبر به عن مشروع دعوي عام، وعن تصور كلي للعمل الإسلامي، نرجو أن يوفقنا الله إليه. وهو ما نتوسل إلى محاولة [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #0000ff;"><strong>ما المقصود بالفطرية؟</strong> </span><br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>الفِطْرِيَّةُ:</strong></span> مصدر صناعي أخذناه من الفِطْرَةِ. وهو دَالٌّ -بمصدريته تلك- على معنى دعوي. أي على &#8220;فِعْلٍ&#8221; واقعٍ في الفطرة ومن أجلها، سواء في النفس أو في المجتمع. ومن هنا سَكَكْنَاهُ مصطلحاً نعبر به عن مشروع دعوي عام، وعن تصور كلي للعمل الإسلامي، نرجو أن يوفقنا الله إليه. وهو ما نتوسل إلى محاولة ضبطه بمسمى الفطرية.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>فأما حَدُّهَا فهو:</strong></span><br />
إِقَامَةُ الوَجْهِ للِدِّينِ حَنِيفاً، خَالِصاً للهِ؛ وذلك بِمُكَابَدَةِ القُرْآنِ ومُجَاهَدَةِ النَّفْسِ بِهِ تَلَقِّيّاً وبَلاَغاً؛ قَصْدَ إِخْرَاجِهَا مِنْ تَشَوُّهَاتِ الْهَوَى إلَى هُدَى الدِّينِ الْقَيِّمِ؛ ومِنْ ظُلُمَاتِ الضَّلاَلِ إلَى نُورِ الْعِلْمِ بِاللهِ.<br />
فبناء على هذا التعريف؛ تكون &#8220;الفِطْرِيَّةُ&#8221; بمثابة عملية إصلاحية وجدانية، تقوم أساسا على تصحيح ما فسد من فطرة الإنسان، المجبول أصلا على إخلاص التوحيد، وإصلاح ما أصابها من تشوهات تصورية وسلوكية، في شتى امتداداتها العمرانية.<br />
ذلك مقتضى الآيات &#8211; عِبَارةً وإشارةً وسياقاً &#8211; من قوله تعالى، الجامع المانع في هذا المعنى العظيم، وهو النص القرآني الفريد الذي يقول فيه الله جل جلاله: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن اَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا. لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ. ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ. وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (الروم:29- 31).<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>القرآن هو خطاب الفطرة</strong> </span><br />
وهي دائرة من حيث المنهج على تلقي رسالات القرآن، من خلال تلقي آياته كلمةً كلمةً، ومكابدة حقائقه الإيمانية مَنْـزِلَةً مَنْـزِلَةً، إذ لا تَخَلُّقَ للنفس إلا بمعاناة! ولا تخلص لها من أهوائها إلا بمجاهدة! فالقرآن هو خطاب الفطرة، من حيث هي راجعة إلى &#8220;إقامة الوجه للدين&#8221;، {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَت اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}. وقد كان ذلك -منذ كان- بتلقي آيات القرآن، وما تجدد قط في التاريخ إلا بتجديد التلقي لها، بناءً وتربيةً وتثبيتاً، على مُكْثٍ من الزمان.<br />
ذلك هو المنهج الدعوي الأصيل الذي يصرح به القرآن: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}(الفرقان: 32). {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنـزِيلاً}(الإسراء: 106). وتلك هي الحكمة الأولى من تنجيم القرآن على مدى ثلاث وعشرين سنة! فإما أن تستقيم الدعوة والتربية على هذا الوِزَانِ؛ وإلا فلا تَخَلُّقَ ولا تَحَقُّقَ، ثم لا صَلاَحَ ولا إصْلاَح!<br />
ومن هنا كان مدار التربية الفِطْرِيَّةِ ومحورها الأساس، إنما هو كتاب الله جل علاه، إذْ هو كتاب الفطرة الذي عليه استقامت يوم قامت، وعليه يجب أن تستقيم كلما انحرف بها المسار. ولا يكون ذلك إلا بأن تستأنف تلقي حقائقه الإيمانية مرة أخرى، وتتغذَّى من روحه العظيم، تخلقا وتحققا، ثم تشتغل ببلاغ ما تلقته بالمنهج نفسه -أعني تخلقا وتحققا- أي بتلقين ذلك للآخرين عبر مجالس القرآن، التي هي المحاضن التربوية للفطرية، وأحد أهم مسالكها الإصلاحية.<br />
ذلك أنه قد تقرر بنصوص القرآن وبما تواتر من سنة النبي العدنان أن الصلاح والإصلاح لا يكونان -على الوجه الحقيقي- إلا عبر مسلك القرآن! وأن من لم يكابد القرآن لم يذق حلاوة الإيمان! وأن من لم يعان وقع الفرقان على الوجدان لم يجد أشواق الجِنَان، ولا رَهَبَ النيران! وأن من حُرِمَ ذلك كله لم يذق معنى محبة الرحمن!<br />
فأي دعوة تكون أم أي داعية، إذا كان فؤاده فارغا من هذه الحقائق والمعاني؟ شاردا عنها في تيه شقشقات الكلام، ومهاترات الجدل والخصام؟ ولا هو كان ممن اتخذ لنفسه مسلكا إلى الله عبر ربانية القرآن؟ وكيف لا؟ وها الرحمن جل علاه يبين الطريق للعباد &#8211; بما لا يدع مجالا للشك ولا للتردد &#8211; بقوله الواضح الصريح: {وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ}(آل عمران: 79). {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِيَ اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} (الفرقان:30). وختم سورة النمل ببيان هذا المنهج الرباني الفريد، فقال على لسان رسوله : {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنَ اَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنَ اَكُونَ مِنَ الـمسْلِمِينَ. وأَنَ اَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلِ اِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ. وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمُ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}(النمل: 91- 93).<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>التحقق والتخلق</strong> </span><br />
والمصطلح المفتاح لمنهج التعامل مع القرآن، في مدرسة &#8220;الفطرية&#8221;، هو مصطلح: &#8220;التلقي&#8221;. لأن التربية القرآنية في مجالس القرآن لا تكون إلا بتلقي الرسالات الكامنة في الآيات! تلك الرسالات هي التي تتضمن حقائق الإيمان المقصودة بالتخلق والتحقق، في طريق الدعوة والسير إلى الله صلاحا وإصلاحا.<br />
فمن قرأ سورة الإخلاص ولم يتخلق بالإخلاص، ولا هو تحقق به، فمعناه أنه لم يَتَلَقَّ سورةَ الإخلاص! ولا هو ممن تلاها حقّاً، ولو ظل يرددها آلاف المرات! {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُومِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ!}(البقرة: 121). وكذلك من قرأ المعوذتين ولم يتحقق بما فيهما من معان، ولا نزلت عليه سكينتهما، فإنه لم يتلق شيئا من السورتين! ومن قرأ سورة الفاتحة ولم يجد نفسه قد تخلق بالحمد، ثم اندرج بمدارج &#8220;إياك نعبد وإياك نستعين&#8221;؛ طلباً لهداية الرضى والتثبيت، فإنه لم يتلق الفاتحة بعد!<br />
وإنما يكون &#8220;التلقي للقرآن&#8221; باستقبال القلب للوحي على سبيل الذِّكْرِ. وبيان ذلك هو كما يلي:<br />
كثيرون هم أولئك الناس الذين يتلون القرآن اليوم، أو يستمعون له على الإجمال، على أشكال وأغراض مختلفة. ولكن قليل منهم من (يَتَلَقَّى) القرآن!<br />
وإنما يؤتي القرآنُ ثمارَ الذكر حقيقةً لمن تَلَقَّاهُ! وإنما كان رسول الله يَتَلَقَّى القرآن من ربه. قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}(النمل:6). ولا يزال القرآن معروضا لمن يتلقاه، وليس لمن يتلوه ظاهرا فقط!<br />
وأما تلقي القرآن: فهو استقبال القلب للوحي. إما على سبيل النبوءة، كما هو الشأن بالنسبة للرسول . على نحو ما سبق في قول الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ! مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}( النمل:6)، ونحو قوله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِّلْكَافِرِينَ}(القصص:86)، حيث ألقى الله عليه القرآن بهذا المعنى، كما فسره الراغب الأصفهاني من قوله تعالى: {إنا سَنُلْقِي عليك قولا ثقيلا}(المزمل:5) قال رحمه الله: (إشارة إلى ما حُمِّلَ من النبو ة والوحي!)(2).<br />
وإما أن يكون (تلقي القرآن) بمعنى: استقبال القلب للوحي، على سبيل الذِّكْرِ. وهو عام في كل مؤمن أخذ القرآن بمنهج التلقي. فذلك المنهج هو الذي به تنبعث حياة القلوب. لأنها تتلقى آنئذ القرآن (روحا) من لدن الرحمن. قال تعالى: : {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا. مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الْإِيمَانُ. وَلَكِن جَعَلنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا. وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى:52-53).<br />
و(تلقي القرآن) بمعنى استقبال القلب للوحي، على سبيل الذِّكْرِ؛ إنما يكون بحيث يتعامل معه العبد بصورة شهودية، أي كأنما هو يشهد تنـزله الآن غضا طريا! فيتدبره آيةً، آيةً، باعتبار أنها تنـزلت عليه لتخاطبه هو في نفسه ووجدانه، فتبعث قلبه حيا في عصره وزمانه! ومن هنا وصف الله تعالى العبد الذي (يتلقى القرآن) بهذا المعنى؛ بأنه (يُلْقِي) له السمع بشهود القلب! قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}(ق:37). ذلك هو الذاكر بالقرآن حقا، الذي يُحَصِّلُ ثمرة الذكرى ولا يكون من الغافلين.<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>معنى التلقي</strong> </span><br />
فأن تتلقى القرآن: معناه إذن؛ أن تصغي إلى الله يخاطبك! فتبصر حقائق الآيات وهي تتنـزل على قلبك روحا. وبهذا تقع اليقظة والتذكر، ثم يقع التَّخَلُّقُ بالقرآن، على نحو ما هو مذكور في وصف رسول الله ، من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، لما سئلت عن خُلُقِه ؛ فقالت: &gt;كان خُلُقُهُ القرآنَ!&lt;(3).<br />
وأنْ تتلقى القرآن: معناه أيضا أن تتنـزل الآيات على موطن الحاجة من قلبك ووجدانك! كما يتنـزل الدواء على موطن الداء! فآدم عليه السلام لما أكل هو وزوجه من الشجرة المحرمة؛ ظهرت عليهما أمارة الغواية؛ بسقوط لباس الجنة عن جسديهما! فظل آدم عليه السلام كئيبا حزينا. قال تعالى: {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا! وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنَّةِ. وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}(طه:121). ولم يزل كذلك حتى (تلقَّى) كلمات التوبة من ربه فتاب عليه؛ فكانت له بذلك شفاءً! وذلك قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم}(البقرة:37). فهو \ كان في حاجة شديدة إلى شيء يفعله أو يقوله؛ ليتوب إلى الله، لكنه لا يدري كيف؟ فأنزل الله عليه -برحمته تعالى- كلمات التوبة؛ ليتوب بها هو وزوجه إلى الله تعالى. وهي -كما يقول المفسرون- قوله تعالى: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الأعراف:23) فبمجرد ما أن تنـزلت الآيات على موطن الحاجة من قلبه؛ حتى نطقت بها الجوارح والأشواق؛ فكانت له التوبة خُلُقاً إلى يوم القيامة! وكان آدم \ بهذا أول التوابين! وذلك بأخذه كلمات التوبة من ربه على سبيل (التلقي): (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ)!<br />
فعندما تقرأ القرآن إذن؛ استمع وأنصت! فإن الله جل جلاله يخاطبك أنت! وادخل بوجدانك مشاهد القرآن، فإنك في ضيافة الرحمن! هناك حيث ترى من المشاهد ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر!(4). وبذلك تخرج إلى الناس في هذا العصر العصيب -بكل تعقيداته وظلماته- تحمل رسالة القرآن! كما حمل موسى \ من قبل عصاه، فتُلْقِي آيَاتِهَا كلمةً كلمةً على سِحْرِ الشهوات والشبهات، وعلى سائر الأهواء والأدواء! {فَإِذَا هِيَ تَلَقَّفُ مَا يَافِكُونَ. فَوَقَعَ الْحقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ. فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ! وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ. قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ!} (الأعراف: 117- 121).<br />
نعم، ذلك هو فعل القرآن في هذا الزمان، على النفس وعلى المجتمع، كما كان في كل زمان، لكن لمن تلاه حق تلاوته.<br />
بهذا المنهج إذن تتلقى عزيمتُك رسالةَ الكلمات، فتشعر بمعاناتها، ويتلقى قلبُك هدايةَ الآيات، فيشعر بمكابداتها، وتجد نفسَكَ أنك تترقى حقيقة بمدارج الإيمان، تشاهد ذلك وتبصره! فلا يمضي عليها إلا وقت وجيز حتى تراها -بإذن الله- قد تحولت إلى منـزلة أعلى من منازل الصلاح والإصلاح؛ فتتحول المعاناة إلى لذة، وتصير المكابدة إلى حلاوة! ويصير الخوف إلى أمان. وإنما الموفَّق من وفقه الله.<br />
تلك هي الفطرية، وذلك هو منهاجها لمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً!</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. فريد الأنصاري</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2009/06/%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%80%d9%81%d9%90%d9%80%d9%80%d8%b7%d9%92%d9%80%d9%80%d9%80%d8%b1%d9%90%d9%8a%d9%91%d9%8e%d9%80%d9%80%d9%80%d8%a9%d9%8f/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>كيف تَتَلَقَّى رِسَالاتِ القرآن؟ وتَكُونُ مِنْ أهلِ اللهِ وخَاصَّتِهِ!</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2009/05/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d9%8e%d8%aa%d9%8e%d9%84%d9%8e%d9%82%d9%91%d9%8e%d9%89-%d8%b1%d9%90%d8%b3%d9%8e%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa%d9%90-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d8%9f-%d9%88%d8%aa%d9%8e/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2009/05/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d9%8e%d8%aa%d9%8e%d9%84%d9%8e%d9%82%d9%91%d9%8e%d9%89-%d8%b1%d9%90%d8%b3%d9%8e%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa%d9%90-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d8%9f-%d9%88%d8%aa%d9%8e/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 01 May 2009 12:38:56 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.فريد الأنصاري]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 318]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[أهلِ اللهِ وخَاصَّتِهِ!]]></category>
		<category><![CDATA[حقائقَ القرآن]]></category>
		<category><![CDATA[د. فريد الأنصاري]]></category>
		<category><![CDATA[رسالات القرآن]]></category>
		<category><![CDATA[فـكـيـف تـتـلـقـى هـذا النـور]]></category>
		<category><![CDATA[كيف تَتَلَقَّى رِسَالاتِ القرآن؟]]></category>
		<category><![CDATA[مدرسة قرآنية حية]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=16226</guid>
		<description><![CDATA[بسم الله الرحمن الرحيم أنت! أيها الفتى الذي تشق الحياة في هذا الزمن العصيب! أنت! يا من تقبض على دينِكَ جمراً لاَهِباً في زمن الفتن والمحن! أنت! يا من تسأل عن مسلك الوصول إلى الله في حيرة النماذج والأشكال! كيف تُحْيِي قلبَك؟ وتجدد دينَك؟ ثم تنصر أُمَّتَكَ؟ وتحقق عَبْدِيَّتَكَ لله كاملة! هل سألت نفسك يوما: [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>بسم الله الرحمن الرحيم<br />
أنت! أيها الفتى الذي تشق الحياة في هذا الزمن العصيب! أنت! يا من تقبض على دينِكَ جمراً لاَهِباً في زمن الفتن والمحن! أنت! يا من تسأل عن مسلك الوصول إلى الله في حيرة النماذج والأشكال!<br />
كيف تُحْيِي قلبَك؟ وتجدد دينَك؟ ثم تنصر أُمَّتَكَ؟<br />
وتحقق عَبْدِيَّتَكَ لله كاملة!<br />
هل سألت نفسك يوما: ماذا يريد الله منك؟<br />
هل سألت نفسك يوما: هل تَلَقَّيْتَ عن الله رسالته إليك؟<br />
ألاَ وإنَّ القرآن هو رسالة الله إلى العالمين، وإلى كل نفس في نفسها!<br />
فهل فعلا تم لك التَّلَقِّي لرسالاتِه؟ أم أنك قرأت القرآن كما يقرأ الناس وكفى؟ وهل كل من قرأ القرآن أو تَلاَهُ قد تَلَقَّاهُ؟<br />
قال جَلَّ جلالُه: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ!}(النمل:6).<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>تلك هي القضية!</strong> </span><br />
إن النور نوران: نور مستعار ليس لك، تأخذه بفمك، فترسله إلى غيرك، لا يؤثر ولا ينفع؛ لأنه لم ينطلق من ذاتك! بل يخبو قبل الوصول إلى غيرك! وفاقد الشيء لا يعطيه!<br />
ونور توقده بقلبك! وبِحَرِّ إيمانك، وبنار مكابدتك للقرآن! فهو كالسراج المشتعل بوجدانك! أنت أول من يحترق به! وأنت أول من يكابده ويعانيه! حتى إذا اشتعل حَقّاً أنار كل روحك وملأ كل كيانك! فإذا بك ترسل منه الشعاعات إلى الناس بلسانك، وبنظراتك، وبيدك، وبرجلك، وبكل جوارحك! نورا لا تطفئه الأضواء المخادعة أبداً! هكذا أنت بصورة تلقائية حيثما حللت وارتحلت! لا تملك إلا أن تفيض بالنور؛ لأن السراج المشتعل بأعماقك لا طاقة له على حجب أنواره الوهاجة! فهذا نور لا ينطفئ أبدا، ولا يخبو سرمدا!<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>فـكـيـف تـتـلـقـى هـذا النـور؟</strong> </span><br />
إنه لا نور لمن لم يكابد جمر القرآن!<br />
إن الداعية الحق هو أول من يخضع للعمليات الجراحية التي يجريها القرآن على القلوب؛ لأن وهج الوحي لا يصل إلى الناس إلا بعد أن تشتعل قلوبُ الدعاة بحرارته، وتلتهب هي ذاتها بحقائقه، وتتوهج بخطابه! فلا نور ولا اشتعال إلا باحتراق! ولك أن تتدبر معاناة محمد بن عبد الله، عليه الصلاة والسلام، ومكابدته للقرآن العظيم كيف كانت! وليس عَبَثاً أن يُرْسِلَ هذا الشعورَ العميقَ نفَساً لاهباً بين يدي أصحابه الكرام، قائلا لهم: &gt;شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا!&lt;(1).<br />
فأنْ تَتَلَقَّى حقائقَ القرآن يعني أن جِذْوَتَهُ المشتعلة، تتنـزل عليكَ بكلماتِ الله فَتَسْكُنُ قَلْبَكَ! ثم تحرق منك أدْرَانَ الأهواءِ والخطايا والآثام! ودون ذلك ما دونه من الْمُجَاهَدَاتِ والآلام! حتى إذا صَفَتْ مرآتُك على شعاع الإخلاص، أرسلت النورَ على أصْفَى وأصْدَقِ ما يكون الإرسال! كَوْكَباً دُرِّياًّ يجري بِفَلَكِ التأسي خَلْفَ سِرَاجِ رسول الله : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً! وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً! وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ! وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً!}(الأحزاب: 45- 48).<br />
إن تَلَقِّي رسالات القرآن هو المنهاج الأساس لتلقي نور الله -جلَّ جلالُه- معاناةً حقيقيةً، لا استعارةً ولا تمثيلاً!<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>بل هي مدرسة قرآنية حية!</strong> </span><br />
برنامجها الدراسي كتابُ الله تعالى! وشيخها المعلم سيدنا رسول الله ! ومَعَاهِدُهَا بيوتُ الله عز وجل!<br />
ولها خطوات عملية، نجملها في الكلمات التالية، ولنا فيها تفصيل نحيلك عليه بعدُ إن شاء الله:<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>- أولا: لابد من استجابة الروح لإحياء القلب!</strong> </span>فالقلب الميت أو المريض لا يمكن أن يتلقى شيئا!<br />
قال جَلَّ جلالُه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ! وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ! وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ!)(الأنفال: 24- 26).<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>- ثانيا: القرآن الكريم هو المادة الوحيدة لإحياء الروح؛</strong></span> لأنه هو روح الروح! ولا حياةَ للقلوب -أفرادا وجماعات- إلا به! وقد سمى الله القرآن بنص كتابه: &#8220;روحاً&#8221;! فالروح اسم من أسماء القرآن الكريم. فاقرأ الآيةَ التالية وتَدَبَّرْ!<br />
قال جَلَّ جلالُه: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ!}(الشورى: 52- 53).<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>- ثالثا: أن التلقي لرسالات القرآن لا يكون إلا بالمنهاج التربوي الذي رسمه القرآنُ نفسُه!</strong></span> حيث يتم التعامل معه بالصورة التي تَنَـزَّلَ بها على رسول الله تلاوةً وتزكيةً وتعلماً وتعليماً، والتي عليها تربى أصحابه بين يديه زمنَ الرسالة؛ فكانوا بذلك جيلَ القرآن الأول، مقاماً وزماناً! وبذلك حَوَّلُوا مجرى التاريخ؛ فصنع الله بهم أمة الإسلام العظمى! ذلك مشروع دعوي شامل، نتعامل فيه مع كتاب الله، رسالةً رسالةً، وكلمةً كلمةً! وإنه بمجرد التلقي للكلمات الأولى من رسالات الله، ينبعث الروح في الوجدان! وتتجدد في القلب الحياة!<br />
فتَدَبَّرْ ما يلي! وانظر إلى نفسك من خلاله؛ واسألها: هل تجد مثلَه؟<br />
قال جَلَّ جلالُه: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنـزِيلاً. قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً! وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً! وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً!}(الإسراء: 105- 109).<br />
تلك صورةٌ من صورِ أهلِ التَّلَقِّي لكلمات الله! وأولئك هم أهل القرآن، الذين هم أَهْلُ اللهِ وخَاصَّتُهُ حَقّاً! كما في الحديث الصحيح. قال رسول الله : &gt;إنَّ للهِ تَعَالَى أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ: أَهْلَ القُرْآنِ، هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ!&lt;(1).<br />
هنا بمدرسة التَّلَقِّي لِكَلِمَاتِ الله، نتعلم -أنا وأنت- مراتبَ الإخلاص! ونَصْحَبُ التَّوَّابِينَ والمتطهرين، ونَسْلُكُ بمدارِجِ الصِّدِّيقِينَ! سيراً إلى الله رب العالمين!<br />
فَتَجَرَّدْ لله يا صاح، وادْخُلْ مدرسةَ القرآن!<br />
ذلك، وإنما الموفَّق من وفقه الله!</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. فريد الأنصاري</strong></em></span><br />
&#8212;&#8212;&#8211;<br />
1- رواه الترمذي والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع.</p>
<p>2- أخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، عن أنس مرفوعا. وصححه الألباني، حديث رقم : 2165. في صحيح الجامع.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2009/05/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d9%8e%d8%aa%d9%8e%d9%84%d9%8e%d9%82%d9%91%d9%8e%d9%89-%d8%b1%d9%90%d8%b3%d9%8e%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa%d9%90-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d8%9f-%d9%88%d8%aa%d9%8e/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>خـــادم الــقــرآن الشيخ محمد العـربي العمراوي رحمه الله</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2003/07/%d8%ae%d9%80%d9%80%d9%80%d8%a7%d8%af%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%80%d9%82%d9%80%d9%80%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%80%d8%b1%d8%a8/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2003/07/%d8%ae%d9%80%d9%80%d9%80%d8%a7%d8%af%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%80%d9%82%d9%80%d9%80%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%80%d8%b1%d8%a8/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 16 Jul 2003 09:16:44 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.فريد الأنصاري]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 197]]></category>
		<category><![CDATA[سير الأعلام]]></category>
		<category><![CDATA[الشيخ محمد العـربي العمراوي رحمه الله]]></category>
		<category><![CDATA[د. فريد الأنصاري]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=26596</guid>
		<description><![CDATA[كان رجلا مختلفا عن كل الرجال! نظرته المبتسمة أبدا لم تكن لتفارقه حتى في لحظات موته! نظرة جمعت بين براءة الأطفال وعمق الحكماء! وبين هدوء الإبصار ونفاذ الإدراك! ما نظر إليه أحد إلا هاب فيه جلال القرآن! ناطق بصمته، بليغ بإشارته! وكأن الذكر الحكيم كان يتدفق بين عينيه نورا يبهر الأبصار! أب ولا ككل الآباء! [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>كان رجلا مختلفا عن كل الرجال! نظرته المبتسمة أبدا لم تكن لتفارقه حتى في لحظات موته! نظرة جمعت بين براءة الأطفال وعمق الحكماء! وبين هدوء الإبصار ونفاذ الإدراك! ما نظر إليه أحد إلا هاب فيه جلال القرآن! ناطق بصمته، بليغ بإشارته! وكأن الذكر الحكيم كان يتدفق بين عينيه نورا يبهر الأبصار!</p>
<p>أب ولا ككل الآباء! ربى رجالا أصلب من الجبال؛ ولكن بكلمات قلائل، وبنظرات متدفقة بالمحبة الصادقة. وجاهد بصمت زمنَ المكر والفتن، في رحلة العمر من واحات سجلماسة وصحاريها إلى سهول الغرب ووديانه! راحلا؛ لا خلف أذناب البقر، ولا طلبا للقناطير المقنطرة من الذهب والفضة؛ وإنما سار خلف لوح القرآن يبحث له عن ظل آمن! عسى أن تورق جناته بنين وحَفَدَة تزهر أفئدتهم ببصائره وأنواره، وكذلك كان! فهذا بيت آل العمراوي يرفعون راية القرآن من فوق خيمة كبرى، عمادها ابنه الأكبر، صديقنا وأخونا المحبوب الشيخ الفقيه بحق؛ أبو سلمان محمد العمراوي الأستاذ والداعية المربي. وما أخطأ الشيخ الأب رحمه الله مسلك التربية بالقرآن إلى أي أحد من أبنائه البررة، بل أزهرت بين يديه حفيدات حافظات، أديبات مصونات، وحفدة بررة، فاجؤوا الزمان بحفظ القرآن على تخوم الست سنوات! يخرج أطفال الدنيا من بعد لعب إلى لعب يعقبه لعب؛ ويخرج الحفيد صهيب بن عبد العزيز العمراوي مع أبيه راكبا خلفه على دراجته الهوائية البسيطة، يتلقى عنه القرآن غضا بقلب غض!</p>
<p>ويبقى الشيخ الأب خلفهم جميعا، يرقب الجيلين معا: الأبناء والحفدة، بابتسامته المعهودة، راعيا مسيرة القرآن! حتى ختم الله له بالحسنى! بصبيحة كانت في الأرض حزن فراق، وكانت في السماء سرور لقاء! على موعد قدر الله تاريخه باليوم السابع عشر من ربيع الثاني لعام أربع وعشرين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى ، بما يوافق الثامن عشر من يونيو للسنة الثالثة بعد الألفين للميلاد.</p>
<p>وإني وإن كنت أنسى وما أكثر ما أنسى!  فإنني لا أنسى أبدا ليلةَ عرسِ حفيدته لابنه الفقيه محمد، وقد كانت وليمةً للقرآن، ولأهل القرآن وخدام القرآن من أهل الفضل وأهل العلم؛ إذ اقتربت من الشيخ الأب لأسلم عليه وقد اعتم بعمامته الفيلالية، ينبض وجهه بنور غريب؛ فلم يزد بعد أن رد سلامي بحب غامر أن قال لي: يا فلان! إني أشهدك الله فاشهد علي أنني أحمد الله جل وعلا وأشكره! فتراجعت وجِلا! ووقع بقلبي نحو ما وقع بقلب أبي بكر الصديق رضي اللهعنه لما نزل قول الله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح} ففرح بها المسلمون وبكى لها أبو بكر! إذ أبصر فيها نعي رسول الله! لقد ظننت أن تلك الكلمات من أبي محمد العمرواي رحمه الله هي آخر عهدي به؛ وكذلك كان!</p>
<p>وقد حدثني &#8211; قبيل تشييع جنازته &#8211; ابنه الفقيه أبو سلمان؛ أنه لما اشتد عليه المرض في الأيام الأخيرة قبيل وفاته رحمه الله؛ كان إذا أفاق في هدأة من الوجع؛ ما كان يزيد على أن يطلب شيئا واحدا: (نادوا أمكم تحضر لي وَضوءاً!) فلله در محمد العربي العمراوي أيَّ رجل كان!</p>
<p>قدوة الآباء، ومثال الأجداد، ونموذج المربين، في زمان تهافت فيه الناس على التكاثر في الأصفار! فرحمة الله عليه في العالمين! وجعلنا الله وإياه من أهل الفردوس الأعلى مع الشهداء الأبرار، والمصطفين الأخيار!</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2003/07/%d8%ae%d9%80%d9%80%d9%80%d8%a7%d8%af%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%80%d9%82%d9%80%d9%80%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%80%d8%b1%d8%a8/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>خطب منبرية : تدمير الأسرة في الغرب</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2002/07/%d8%ae%d8%b7%d8%a8-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d8%af%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2002/07/%d8%ae%d8%b7%d8%a8-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d8%af%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 18 Jul 2002 08:46:59 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 176]]></category>
		<category><![CDATA[خطب الجمعة]]></category>
		<category><![CDATA[د. فريد الأنصاري]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=24685</guid>
		<description><![CDATA[الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه إن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، نسأل الله لنا ولكم النجاة من النار. أما بعد، أيها المؤمنون يتوارد في هذه الأيام العمال القاطنون بالخارج، وتتوارد معهم شكاوى كنا نحسب إلى عهد قريب أنها خاصة بهم [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه</p>
<p>إن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، نسأل الله لنا ولكم النجاة من النار.</p>
<p>أما بعد،</p>
<p>أيها المؤمنون يتوارد في هذه الأيام العمال القاطنون بالخارج، وتتوارد معهم شكاوى كنا نحسب إلى عهد قريب أنها خاصة بهم وببلادهم فإذا بنا نجد اليوم أن شكاواهم تكاد تتطابق -مع الأسف الشديد &#8211; مع شكاوى المغاربة القاطنين ببلادهم. ومن أهم ذلك وأخطره، الشكوى من سوء تصرف الأبناء، بل من عصيان البنين وتمرد البنات على الآباء وعلى الأمهات، عصيان ينم عن قيم خلقية مستوردة لا علاقة لها بالإسلام ولا بسلوك  المسلمين ،وببلاد المسلمين كثير من الناس الذين يأتون من أروبا أو ممن لحق منذ زمان يشتكون شكوى تكاد تكون متواترة فيما بينهم أجمعين، الذين يعملون بالخارج يشتكون من تصرفات أبنائهم وبناتهم، قلت هذه الشكوى وهذا المشكل الذي يحصل بالخارج لأسباب تتعلق بتلك البلاد وبأخلاق تلك البلاد وبطبائع تلك البلاد، أصبح اليوم يوجد لدى الناس هنا، الذين لم يخرجوا قط إلى الخارج، بسبب أن القيم الفاسدة صارت تقريبا مشتركة بين الداخل والخارج بسبب سوء التعليم وانحداره وانحطاطه وانتشار الإعلام الضار، السحر الفتاك الذي يخرب البلاد والعباد ويهدم الأسرة، هذا الأمر يرجع أساسا إلى  هذه الأخلاق الناشئة النابتة كالسم &#8211; الحشائش الطفيلية مثل ذلك النبات الهلوك حينما يصل إلى جذور الورود والأشجار الطيبة فيحشها ويحصدها من داخل تربتها. هذه الأخلاق هي أساسا أخلاق اليهود والنصارى &#8211; مع الأسف الشديد -، إن المسلمون الذين يقطنون هنا قرروا أن يعيشوا على طريق اليهود والنصارى من حيث التقليد، أما بالنسبة إلى الذين هناك في بلاد الغرب، فهذا أمر معروفأنه مفروض عليهم رغم أن الإنسان يحاول أن ينبت أبناءه نباتا حسنا، فمع ذلك ظروف أروبا وأمريكا ظروف سيئة جدا ومحيطة ومهيمنة بسبب أن الأب أو الأم، ليس لهما قدرة،  إذ هم في غالب الأحيان لا علاقة لهم بالعلم والتعلم، هذا من جهة، وحتى إن كانت لهم هذه العلاقة ولهم حظ من العلم لا بأس به بل كاف في التربية ليس لهم القدرة على مواجهة الآلة المدمرة: آلة التعليم بالشكل السيىء، وآلة الإعلام في الوسط الاجتماعي الغربي وبذلك يكبر أبناؤهم نصارى، يمكن أن لا تكون عقيدتهم عقيدة النصارى على التمام، ولكن إحساسهم إحساس النصارى وأخلاقهم أخلاق النصارى، وأقول لهؤلاء إنما ذلك حصيد أعمالكم، يوم قرر الرجل أن يأخذ زوجته وأبناءه إلى أروبا، بل قرر أن يلد أولاده في بلاد النصارى لا ينتظر إلا هذه النتيجة، ولذلك كان لابد لكل مسلم له الغيرة على أولاده أن يربي أسرته هاهنا، ليس حراما عليه أن يذهب ليعمل، لكن ليس معقولا أن ينشئ أسرة في بلاد الكفر وفي دار الحرب، لتكون بعد ذلك في خلقها وسلوكها حربا على الإسلام والمسلمين بقصد أو بغير قصد، فتدخل إلى البلاد والعباد لتثير ما تثير من أخلاق هي الآن تتفشى بين الذين لم يعرفوا الخارج من قبل، ولا قربوا منه ولا من أفكاره ولكن التغطية الشاملة مع الأسف للفكر الفاسد أنشأ ما أنشأ من عصيان وتمرد، أقول إن هذه الأخلاق هي من صميم العقيدة الأروبية التي قامت على أساس عقلية المال فتقطعت أوصالهم الاجتماعية، لم يعد شيء يسمى الأسرة عند النصارى، في هذا الزمان، لذلك نشأت عندهم ما يسمى بدور العجزة {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} والتدمير ليس دائما يكون بالزلازل والحروب والأمراض بل يكون &#8211; وهذا أخطره &#8211; بتدمير التماسك الاجتماعي، وتدمير الاستقرار النفسي، لما تتدمر الأسرة في المجتمع، فذلكمن أقسى صور الدمار الذي يلحق بالمسلم، وبالمجتمع المسلم أو غيره من المجتمعات، حيث ما حصل  ما حصل من مقدمات، فأمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فالفسق يؤدي إلى دمار المجتمع، ومن أخطر أوجه الدمار: الدمار الاجتماي والدمار النفسي، ظاهرة دور العجزة المنتشرة في أروبا التي بدأت -مع الأسف- تتسرب إلى البلاد الإسلامية، هذه الظاهرة سلبية. لا تحسبوها ظاهرة إيجابية، يعني أن الإنسان كبر في سنه، اعتنَوَا به ورَحِموه، وحَمَلوه يأكل ويشرب في دور العجزة، نعم يتصور هذا إذا كان الإنسان منقطعا عن أصوله وفروعه ليس له والدان ولا مولودون، فمثل هذا المجتمع يجب أن يتولاه، ولكن المصيبة أن الأمر في أباء لهم أبناء وفي جدود لهم حفدة، فهم يفكرون أن الآباء إذا كبروا يرموا، هكذا يفكرون، وقد قرأت بنفسي -ويا للعجب &#8211; كتابا استخرجته من مكتبة فرنسية هنا بالمغرب، عنوانه &#8220;كيف تتخلص من والديك&#8221; هذا كتاب يكتبه الفرنسيون بل يكتبه الأدباء الفرنسيون، الناس الذين يخططون للمجتمع الفرنسي، كيف يعيش. وظننته أول مرة أنه كتاب أدب، يمكن أن يكتب كلاما ويقصد غيره، لكني وجدته يقصد حقيقة لا يزيغ عنها قيد أنملة، ويتحدث فعلا على أن الوالدين حينما يكبران يصبحان أكثر ثرثرة، أكثر تعليقا، ويلاحظان كثيرا، يستهلكان كثيرا&#8230; فيفكرون كيف يتخلصون من آبائهم وأجدادهم، سبحان الله.</p>
<p>هذه الثقافة التي ذَهَبْتَ بأولادك إليها هي التي أنتجت تمرد الطفل، فيتربى منذ 6 سنوات و 7 سنوات على التمرد وعلى نقض أقوى آصرة في الأسرة وهو الأب والأم، لأن الوالدين يمثلان الاتصال والتواصل مع الجذور التاريخية والدينية لنا، كل أمر يتعلق باستمرار التدين في المجتمع، فصمام أمانه إنما هو الوالدن، إنه لن تستطيع حماية الإسلام مؤسسة مهما كانت إن لم توجد أسرة قائمة على كتاب الله وسنة رسوله وخلق الإسلام، إن لم يكن مرجع الرأي فيها إلى الوالدين، فالأسرة عندما تلد الأولاد فهي تلد معهم أفكار الدين وأبناء الدين، اسمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم {كل مولود يولد على الفطرة فأبواه  يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه&lt;وبالأصالة والقياس كذلك يسلمانه الدين، بعض الناس يعترض ويقول : وإذا كان الوالدان أميين غير متعلمين أقول ولو كان ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بصدق.</p>
<p>اللهجة العامية المغربية هي لهجة مسلمة، الكلام الذي نتكلم به من حيث لا ندري في كثير من الأحيان تكون فيه معاني الدين ولو لم نشعر، فالبيئة والمحيط، السلوك والوجدان، التقاليد ا لتي بقيت في المجتمع من آثار الدين الأصيل، كل ذلك يلعب دورا أساسيا في تلقين اللاشعور والوجدان الإنساني، في السلوك الإسلامي للأطفال ويكبرون مسلمين بدون أن يتعلموا في المدرسة، فالإسلام لم نأخذه من المدرسة أو من الجامعة أو من المسجد، فهذه أشياء تأتي من بعد، فالإسلام نأخذه أولا من الرضاعة التي نرضعها من أمهاتنا ومن البيئة الأولى، والطفولة الأولى هي التي تطبع في الإنسان كونه مسلما أو كونه يهوديا أو كونه نصرانيا أو كونه مجوسيا أو كونه لا دين له.</p>
<p>إذاً بيئة مجتمعنا مهمة جدا لأن يلد الإنسان فيها أبناءه، أما ثقافتنا نحن التي ترجع إلى العقيدة الإسلامية كونك مسلما يعني (مرضي الوالدين)، لأن الله عز وجل ربط في أكثر من آية بر الوالدين بتوحيد الله وكذلك رسوله الكريم، فالتوحيد الذي هو أصل الدين {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما..}. {إن  تكونوا صالحين فإنه كان لأوابين غفورا}، عقيدة عجيبة، الله عز وجل حينما شرع بقضائه ،  وهو من أعلى مستويات التشريع، و{قضى} من القضاء التكليفي التشريعي الذي لا مرد له {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} محور التوحيد الموحد بين جميع الأنبياء والرس،ل هذه العقيدة بها قرن بر الوالدين والإحسان إليهما.</p>
<p>قال النبي صلى الله عليه وسلم &#8211; كما جاء في الصحيحين  (أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله)، فانظر &#8211; حفظك الله &#8211; كيف جعل الجهاد مرتبة ثانية بعد بر الوالدين. والحديث المتفق عليه الآخر قال صلى الله عليه وسلم (ففيهما جاهد) شاب تشوق للجهاد في سبيل الله. وما أدراك ما الجهاد في سبيل الله، ، فجاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هل لك والدان؟ فقال له: نعم، فقال له ففيهما فجاهد، هذا هو جهادك: اخدمهما، أطعهما وقد دخل الدمار إذ سار الابن يتسبب لوالديه في دخول السجن هناك &#8211; في أروبا- وهنا أيضا مع الأسف، أصبح الإبن يضرب أباه ويضرب جده، فما ينبغي أن تنتشر أخلاق الكفار بيننا، يجب علينا أيها المؤمنون محاصرتها ليس بأن تمنعها من دخول بيتك فقط، وإنما تمنعها من الانتشار بين جيرانك، حينما تسمع أن ابن جارك، عقّ أباه وانتهر أمه أو ضربها، والعياذ بالله، فوجب عليك أن تغير هذا المنكر بما استطعت إلى ذلك سبيلا.</p>
<p>وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن العاق للوالدين هو من أول من يغضب الله عليه يوم القيامة، وذلك في حديث صحيح الإسناد رواه الإمام أحمد والنسائي والحاكم، عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: &gt;ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: أولهم العاق لوالديه والرجلة من النساء أو المترجلة من النساء والديوث&lt;، وكل هذه من أخلاق اليهود والنصارى.</p>
<p>لذلك قلنا ولا زلنا نقول يجب أن نرتبط بكتاب الله وسنة نبيه في زواجنا وبناء أسرتنا والتخطيط لأبنائنا.</p>
<p>أنت أيها الأخ الكريم، عندما كنت ذاهبا إلى أروبا وذهبت بأولادك فكرت في المال، ولنكن صرحاء، فكرت في ذلك المدخول المادي الذي ستأخذه على أبنائك، ولم تفكر نهائيا عندما يبلغون سن المراهقة أن ابنتك ستتزوج نصرانيا بدون علمك وأن ابنك  يسبب لك الكوارث رغما عنك، ورجع بعضهم ولم يرجع أبناؤهم، وبقي آباؤهم هنا، وقد رأيت بعيني أن رجلا يملك عمارة بكاملها يسكنها هو وكلبه، أين أبناؤه؟ هناك رفضوا  العودة ، هذه مصيبة المصائب.</p>
<p>üüüüüü</p>
<p>حينما يريد الإنسان أن يبني أسرته ينوي نية أساسا لا يحيد عنها، يبقى مستقيما عليها، عسى أن يرزقه ربه ذرية صالحة بناء على ما نوى وعلى ما استقام عليه. فلماذا نخطط لكل شيء إلا ما تعلق بالأمور الدينية؟ إذن نخطط لبناء أسرة تكون ذريتها عابدة لله في الأرض، وهاته النية قليل من ينوي بها.</p>
<p>النية الأكثر انتشارا أن الإنسان عندما يلد الأولاد يفكر مثل تفكير من يربي قطيع الأغنام: أنه يكثر من الأولاد لينتجوا، تفكير مادي محض، وهذا التفكير هو الذي جعل  كثيراً من بناتنا يتزوجن بالنصارى هنا ببلادنا. لماذا؟ لأن النصراني سيأخذها إلى الخارج فتحصل على أموال كثيرة، والأمهات لم يمتنعن عن تزويج بناتهن &#8211; وكذلك الأباء- للنصارى، ولو لم يسلموا، حتى ذلك النطق بالشهادتين الصوري، لم يطلبوا منهم ذلك، وهذا حصل فعلا.</p>
<p>قلت: الذي أراد أن تنبت ذريته -بإذن الله {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي  خبث لا يخرج إلا نكدا} لابد له أن ينوي نية حسنة. الله نبه في القرآن الكريم أن للأبناء حقا على الآباء من أعلى مراتبه، أن ينشئ الأب والأم أبناءهما وبناتهما على الإسلام وأن يحرصا على تربية أبنائهما على مقاييسه. أما أن تفكر أنك في بعض الأحيان تفرض على أبنائك شيئا سيؤول في النتيجة إلى الفساد، فهذا تدمير، لذلك قال عز وجل: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعمهما} رأيت بأم  عيني في شريط وثائقي أبا مسلما بفرنسا عرض عليه الخمر هو وابنته عند عائلة فرنسية، فلم يشرب الأب الخمر ولكنه قال لابنته اشربي أنت، سبحان الله! لماذا لم يشربه؟ لا بسبب حرمته، فلو كان ذلك كذلك ما طلب من ابنته أن تشربه، ولكن لم يشربه عادة، فهو لم يتعود على شربه تقليدا فقط، صعب عليه أن يغير عاداته بعد أن كبر في السن. فلما أصبحت ابنته محامية، أول مستهدف كانت تحاربه هو العرب  والمسلمين وأخلاقهم، فصارت عدوا للإسلام، وهي تذكر بنفسها هذه القصة وتسخر من أبيها.</p>
<p>ولذلك الإنسان عندما يفكر في الإنتاج المادي للحياة يجب أن يأخذ في حسبانه قول الله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآل}.</p>
<p>نفكر في حسن المآل، في خير من ذلك، هذا التفكير علىه نبني الإنتاج الدنيوي، فهذا لا يعني أن نطلق الدنيا، لكن نبنيها على منطق الآخرة، على منطق التوحيد، ينبت نباتك صالحا إن شاء الله، وبعد ذلك إن حدث انحراف في أولادك، فلا لوم عليك لأنك قمت بالواجب.</p>
<p>وفي النهاية نقول: من كانت له في أوربا طفولة صغيرة فليعمل على ردها إلى بلاد المسلمين، أما إذا كبر على الانحراف فقد وقع ما و قع، فقط يبقى عليك أن تدعوهم إلى الله، عسى أن يجعل في قلوبهم خيرا في وقت ما لأنه في ذلك العمر لم تبق لك طاقة عليهم، وقد رأيت من رجع بنصف أبنائه، والنصف الآخر ضاع، ومنهم من رجع بلا شيء، ومن كان حظه عنده حسن رجع بكل أبنائه.</p>
<p>ولا يفهم من هذا أني أقول لا تعملوا بالخارج، بل اعملوا ولكن احتفظوا بأبنائكم هنا.</p>
<p>والحمد لله رب العالمين.</p>
<p>د. فريد الأنصاري</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2002/07/%d8%ae%d8%b7%d8%a8-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d8%af%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>خطب منبرية : جريمة الربا</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2002/02/%d8%ae%d8%b7%d8%a8-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%ac%d8%b1%d9%8a%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a8%d8%a7/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2002/02/%d8%ae%d8%b7%d8%a8-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%ac%d8%b1%d9%8a%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a8%d8%a7/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 20 Feb 2002 11:21:36 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 166]]></category>
		<category><![CDATA[خطب الجمعة]]></category>
		<category><![CDATA[د. فريد الأنصاري]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=24087</guid>
		<description><![CDATA[الخطبة الأولى إن من أخطر مداخل الشيطان على الإنسان المسلم بابان : باب استصغار الذنوب وباب إ رجاء التوبة، بابان اثنين لإبليس -أعاذنا الله وإياكم منه- يدخل منهما على الإنسان المسلم وله أبواب غير ذلك كثيرة إلا أن الذي يهمنا ههنا، وقد عمّت به البلوى بين كثير من المسلمين بل كثير ممن نحسبهم من أهل [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>الخطبة الأولى</p>
<p>إن من أخطر مداخل الشيطان على الإنسان المسلم بابان : باب استصغار الذنوب وباب إ رجاء التوبة، بابان اثنين لإبليس -أعاذنا الله وإياكم منه- يدخل منهما على الإنسان المسلم وله أبواب غير ذلك كثيرة إلا أن الذي يهمنا ههنا، وقد عمّت به البلوى بين كثير من المسلمين بل كثير ممن نحسبهم من أهل الصلاح والدين مع الأسف.، الباب الأول وهو استصغار الذنوب، وهو عند الله كبير، يرى الإنسان الذنب ويظهر له، أو إبليس يُظهر له، أو يوهم له على أنه ذنب بسيط صغير {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} وقد بينه الله في القرآن فيما يتعلق بالقذف، ونحن نذكر ذلك -إن شاء الله- قياسا على ذلك، ما هو أخطر وأعظم، وما هو أشد عند الله عز وجل من القذف، بل ومن الزنا نفسه، وهو ذنب الربا، عدد من المسلمين اليوم يظنون أن الربا أقلُّ شأناً وأقلُّ جرما من كثير من الذنوب. عدد من المسلمين يُوهم لهم إبليس أن الربا معاملة حرام نعم، ولكن ليست في درجة الكبائر الكبرى.</p>
<p>ألا وإني رأيت الكبائر ونظرت في وعيد الله المتعلق بها فما وجدتُ أشد وعيداً من الله عز وجل في الربا بعد الشرك بالله، وما وجدتُ جُرماً ولا ذنباً ولا مصيبة في الدين تصيب الإنسان بعد الشرك بالله أعظم من جريمة الرِّبا، ولذلك وجدنا في القرآن ذلك التعبير الشديد والوعيد الرهيب الذي يتعلق بهذه المصيبة، وذلك قوله سبحانه وتعالى : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله} ما وجدت تعبيراً أشد من هذا، ولا ترهيباً أخطر من هذا، ولا داهية في الدين ومصيبة في الإيمان والإسلام أعظم من هذه. سبق الخطاب بـ&#8221;اتقوا الله&#8221; {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا} جاء النهيبعد الأمر بالتقوى وخطاب القرآن عجيب، ثم جاء النهي بعد ذلك لأن النهي تعلَّق به وعيد شديد رهيب، فذكر لك العاصم أولا حتى لا تقع في المصيبة بعد. {اتقوا الله} هذا هو المطلوب الأول، فإن لم يكن هذا فإنك إذن مشمول بالخطاب {فذروا ما بقي من الربا إن كنتم مومنين} وتعلق شرط الإيمان التام بترك  هذا، فلا إيمان على الحقيقة ولا إيمان على الكمال والتمام لمؤمن لا يزال يأكل الربا أو يُوكِلُه، إما أنه يعطي الفائدة أو أنه يأخذ الفائدة، كلاهما كما سأذكر -بإذن الله- سواء في الجريمة عند الله عز وجل {فإن لم تفعلوا فذنوا بحرب من الله ورسوله} حرب، من يطيق حرب الله وحرب رسوله، من يستشعر ذلك ولا يرتعد خوفاً ويزّلزل هلَعاً، إلا أن يكون قلبُه من حجر أو صخر أو يكون أبْلد من بهيمة الأنعام.</p>
<p>المؤمن الحساس، الشاعر بالإيمان، يخاف من مثل هذا الخطاب، بل يرتعد قلبه ويرتعش إذ يسمع هذا الكلام ومِمَّن؟ من رب العزة، من رب الكون، من القدير -سبحانه وتعالى- على أن يخسف بالمرابي، وعلى أن يعذّبه في الدنيا وفي الآ خرة، وإنما هو يمهله، ويظن الأحمق أن المال قد بُورِك فيه بسبب الربا {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} لن يكون في حياته مرتاحاً، وإنما يتخبّط دائما، كل حاله : الاجتماعية، والنفسية، والمادية&#8230; كلها لا استقرار لها، يتخبط لا يأخذ توازنه، مرة رأسه إلى الأسفل ورجليه إلى الأعلى، مرة إلى اليمين، ومرة إلى اليسار، لا يجد راحة ولا استقراراً نفسيا، لا يجد الراحة سواء في ماله أو تجارته التي يمارس فيها الربا، ولن يجد لذّة ولامتعة المال الذي يعمل فيه بالربا. ولا يجد الراحة أو المتعة في أهله وأسرته، لا يجد الراحة ولا المتعة في حياته الاجتماعية عامة، ولن يذوق طعم الإيمان حقا، لا في صلاته ولا ركوعه ولا سجوده، يبقى مفتونا، نسأل الله العافية {لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} {لا يقومون} يعني لا يستقيمون، قام يقوم أي استقام. لا يستطيع أن يمشي مستويا إلا بالشكل الذي يقع للإنسان المتخبّط، الذي لا يستوي على طريق، ولا يستوي على حال في ماله وعمله وحياته جميعا، ويوهمه الشيطان، وعذابه في جمعه ذاك، وشقاؤه في لمِّه المال ذاك، ثمّ يعيش الإشكال وهو لا يدري &#8220;وأخو الشقاوة في الجهالة ينعم&#8221; يعيش في الشقاء، في الجحيم، في العذاب وهو لا ينتبه لحاله لمَ؟ لأن الذي ألِف استنشاق الروائح الكريهة لا يميز بين الحق والباطل، لا يميز بين القبيح والحسن، هو الذي ألِف شمّ الروائح النَّتِنَة الروائح الكريهة، ذاك الذي ألِف أنفه أن يشمَّهُ، فلذلك رائحة كريهة وأخرى كريهة تحيطه من أعلى ومن أسفل، عن يمين وعن شمال، من أمام ومن خلف.. يعيش فيها، ويعيش بها، فإنه لا يستطيع أن يفهم ولا يشعر أنه يعيش في مكان نَتِنٍ أما الذي ألِف الطيِّب، إذا اقترب من الخبيث أحسّ بخبثه أما الذي نشأ في خبيث أو طال عهده ويتعامل بالخبيث فإنه لا يشعر به، ويعيش في شقاء وهو جاهل به {لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} وإبليس اللعين يوهمه على أنه بذلك في مشكل بسيط، لأنه غير حاسّ، يعيش في وسخ ونتونة، لا يشعر بالمشكل الذي هو فيه، والنبي صلى عليه وسلم بيّن واقع الخطاب القرآني، وخير بيان للقرآن بعد القرآن سنة الرسول صلى عليه وسلم يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وأحمد وغيرهما : &gt;لعن الله آكل الربا وموكله&lt; اللعنة هذه ربانية ونعوذ بالله من لعنة الله، وتعلمون أن لعنة الله إنما تقع على من غضب الله عليه، اللعنة الربانية لا تقع إلا على من استحقّ غضب الله، وقد وقعت على بني إسرائيل من قبل إذ غضب عليهم ولعنهم ،فاللعنة تابعة للغضب، فما بالك بغضب الرب إذ يغضب عليك أيها المؤمن، أيّ أرض تقلك وأي سماء تظلك، أين تجعل نفسك &gt;لعن الله آكل الربا وموكله&lt; كم من أحد يتوهم فيقول : ذنبي أنا صغير لأنني لا آخذ الربا أنا أعطي الفائدة، كلاهما &#8220;لعن الله آكل الربا&#8221; الذي أعطي الفائدة أو أخذها، وما هي بفائدة! بل هي ربا، هي مصيبة لا فائدة فيها في الدنيا أولا وفي الآخرة بعد ذلك،  &gt;لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه&lt; الذي حضر العقد &#8220;Contrat&#8221; عقد الربا، من شهد على ذلك، وكان عليه وثيقة، يعني هو وثق بشهوده ذلك العقد، و&#8221;كاتبيه&#8221; أو &#8220;كاتبه&#8221; في رواية أخرى &gt;لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه&lt; هم فيه سواء. هذا قول الرسول صلى عليه وسلم الآكل والموكل والشاهد والكاتب، هم سواء في المصيبة، والجرم، وفي حديث صحيح آخر يقول صلى عليه وسلم : &gt;الآخذ والمعطي سواء في الربا&lt;، وعنه صلى عليه وسلم أنه قال : &gt;درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم، أشد عند الله من ستِّ وثلاثين زنية&lt; بل الأدهى من ذلك والأمر والأخطر قوله صلى عليه وسلم : &gt;إن الربا إثنان وسبعون حوباً&lt; والحوب الذنب العظيم. الربا 72 بابا من أبواب الذنوب الكبرى، وفي رواية &gt;ثلاثة وسبعون حوبا&lt; أو باباً في رواية أخرى صحيحة، أدناه كالذي يأتي أمه في الإسلام&lt; ويعرف ما يصنع. ما فائدة هذا الغنى الذي يحصل بواسطة الربا، والمصيبة التي تجعل الإنسان يستصغر الذنب والتي تجعله يُرجئ التوبة، ولن يتوب، لماذا؟ لأن الربا أشبه ما يكون بالمخدّر، المدمنون على المخدرات -والعياذ بالله- حينما يتناولونها وتربط بأعصابهم يصبحون عبيداً لها، لايستطيعون الانفكاك عنها، كذلك المال الحرام، واللحم الذي ألف أكل مال الحرام والدم الذي ألِف الغذاء بالمال الحرام يصبح عنده إدمان، يصبح عنده من الصعب جدّاً ترك المال الحرام، يعظم عنده أمر التوبة فيحتال على نفسه فيكذب عليها ويكذب عليه الشيطان، فيقول له هذا أمر لا بأس به سيأتي يوم نحجّ فيه ونعتمر ونتوب.. وهذا استهزاء وسخرية بالله، أأنت الذي تقدر عمرك، أأنت ترجئ من أىامك  كما تريد حتى تتوب، حتى تحج وتعتمر، أأنت تفعل ذلك! والله قدّر من الأعمال ما قدّر، أنت تأتي الأبناء الأبرياء بالسّم، تغذيهم بالسّم وتعشيهم بالسّم وتكسيهم بالسم، ما الذي صنعه أبناؤك لك كي تغذيهم بهذا المال الحرام في الدنيا، وقد رأينا بأمّ أعيننا من أطعم أبناءه الربا فتحوّل ذلك الربا إلى أمراض قاتلة فتاكة في أبنائه، وهو مشاهد، يكون في منزله الزلزال النفسي وعدم الاستقرار الاجتماعي، إما أن يظهر له في زوجه سوء خلق مصائب وكوارث من سوء الأخلاق في زوجته، من خلال فساد ابنته أو بناته أو مرض أطفاله أو اضطراب شأنه، أو لم يقل الله {فذنوا بحرب من الله ورسوله} أما الحرب من الله فمن مثل هذا وعذاب  يوم القيامة، نعوذ بالله من عذابه، أما الحرب من رسوله فاللعنة استحقها آكل الربا وموكله، من لدن محمد صلى عليه وسلم وقد ثبت في الصحيح في سنن النسائي، وهو صحيح الإسناد : &gt;آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتباه والواشمة والموسمة للحسن&lt;، ومن &#8220;الرجال&#8221; أيضا مما صنعه سفهاء الشباب في هذا العصر، الذي فعله في جلده والذي وُشم له والذي خططه وحفره، ولاوي الصدقة -الذي وجبت عليه الزكاة لكنه يتحايل عليها، أو يأكل أغلبها، بسبب اللّي، ليس الذي امتنع عن إخراجها، فهذا كلام آخر، فهؤلاء مع الأسف من المصلين، من المزكين، لا يُخرج تلك الزكاة إلا بعد مماطلة.. كل هؤلاء ملعونون على لسان محمد يوم القيامة، والحديث صحيح الإسناد، كما قلت أخرجه النسائي، إذا لعن الإنسان على قول الحق وبقول الحق سبحانه، لعن على لسان محمد، وبئس من لعن على لسان محمد، يوم القيامة، يوم الشفاعة، الناس المسلمون يجرون  إلى سيدنا محمد صلى عليه وسلم يطلبون الشفاعة، فإذا جئت تستشفع من صاحب الشفاعة والوسيلة قابلك بدل الشفاعة بلعنة، مصيبة هاته، {فذنوا بحرب من الله ورسوله} نسأل الله العافية فلذلك فالإنسان الأحمق الجاهل هو الذي لا زال طامعا في الغنى عن طريق الربا، ونعرف أن كثيراً من الناس إنما يُدخلهم إلى الربا قلة الورع وليست الضرورة، الضرورة مقدرة بقدرها، كما قال الفقهاء، وقد رأينا بعض الصالحين -نحسبهم كذلك إن شاء الله- كانوا يسكنون قصوراً، وباعوا تلك القصور وسكنوا في منازل صغيرة لكي يتخلصوا من ذلك الربا ويرتاحوا منه، بئس تلك الأموال التي تجعل الإنسان يشقى وهو يظن أنه في نعيم، فالشيطان يوهم الإنسان مادامت تلك الأموال مجموعة، ماذا يستفيد من ذلك المال في نفسه وفي أبنائه كم هو هذا الخطأ الكبير الذي جعلنا إبليس نتوهمه، ينبغي للمؤمن أن يتخفف، ألا وإنه لا يجوز أن يستغني الإنسان بالربا، لا يطلب المسلم الغِنى بالربا، ولا تتفوّق التجارة بالربا، ألا إن التجارة بالربا لا تنجح أبداً، إما أن نصدقكم وإما أن نصدق نبيّنا. واحد من اثنين الرسول صلى عليه وسلم يقول في الصحيح : &gt;ما من أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة&lt; والحديث ثابت صحيح، أي واحد يُبهره الربا، يأكله الربا، فكل من مدّ عنقه إلى الربا هَلَك، وتكون عاقبة أمره إلى قلة ينتهي أمره بفقر شديد، والله لقد رأينا الناس الذين جمعوا المال بالربا، ماتوا على فقر شديد، ولكن لا يُوهمك الشيطان أن الفقر هو عدم امتلاك ولو درهما، فقد رأينا ناسا لهم أموال ولكن لا يستطيعون الاقتراب منها، الله أخرج أبناءهم عفاريت إذ تركوا أباهم يموت يتقطّع ولا من يسقيه جرعة ماء، يموت فقيراً معذّبا والمال مكدس، عمارات ومنازل، وشركات وأبناؤه ينتظرون متى ينتهي أمره فيرتاحون منه، هكذا يعتقدون لكي يتكالبوا على التركة، هذا عاقبة أمره إلى فقر وإنه لأقبح فقر وأشد فقراً وهواناً في الدنيا قبل الآخرة، وكثير ممن آل أمره إلى مرض في بدنه. وقد اشتكى إليّ بعض الناس -غفر الله لهم وشفاهم- أحد الناس جاءني مرة كان على حالٍ متوسطة لديه الكفاف والعفاف، وهو في غِنى عن الناس، كان يشتغل في شىء من التجارة، وهو كان ينصح الناس بعدم الاقتراب من الربا، فأغراه إبليس وأغواه يوماً ما، وظهر له أن أصحابه الذين في مستواه قد تجاوزوه في المقاولات والعمارات وتكثير المال، ولم يرض، وقال ما ينفعني إلا &#8220;البنك&#8221; فأخذ أموالا، ليس لأنه في حاجة إليها، ولكن كي يطوّر تجارته فإذا به ينزل به عذاب في بدنه، لا هو يستطيع أن يجد حلاوة للعمل ولا حلاوة للمال ولا حلاوة للصلاة، ولا لأي شيء في حياته فعلم أنها ضربة قاصمة من الله حلّت ببدنه إذ خالطه الحرام. وقد نبهه الله لهذا عساه أن يتوب. المؤمن الكيّس الفَطِن الذي أحسّ بوجود الله وبمراقبته، ويتذوق الحرام، يعني يحس بالمرارة فيرميه، هذا هو المؤمن، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا من التوابين  المتطهرين والحمد لله رب العالمين.</p>
<p>الخطبة الثانية</p>
<p>الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على رسول الله صلى عليه وسلم، يقول الرسول صلى عليه وسلم : &gt;وخير دينكم الورع&lt; يجعل الإنسان بينه وبين الحرام مسافة، فيبتعد عنه ولا يقترب منه، ولا يبحث عن الفتوى، هذا العالم معروف عليه أنه ليِّن ويُسهِّل فيزدحم عليه الناس ليأخذوا الأسهل، وهذا الأسهل يجعلهم على شفى حفرة، &gt;كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه&lt; ما الذي ألجأك إلى هذا الضيق؟ دع الحرام بعيداً وخذ بأصل الاحتياط، وهو أصل من أصول الإمام مالك رحمه الله في الفتوى، وهو الورع، ثم بعد ذلك الدواء الشافي بإذن الله من هذا المرض، لأنه مرض فعلا، والذي يتعامل بالربا يعرف نفسه أنه يعاني مشكلات نفسية فيما يتعلق بالمال، وبنظرته إلى المال، وبإحساسه بالمال، يستحق العلاج النفسي، والعلاج النفسي في القرآن الكريم، ختم الله عز وجل آيات الربا في سورة البقرة بقوله تعالى : {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} ذكر ما ذكر من آيات الربا {الذين ياكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} إلى أن يقول سبحانه وتعالى : {ياأيها الذين آمنوا ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} قال : {واتقوا يوماً} هذا ختام العلاج كي يستطيع الهروب من تخبط الشيطان، وتنضبط للأمر والنهي وتستجيب لنهيه في الربا، أمر يفيد النهي {فذروا} أي فاتركوا ما بقي من الربا، لكي تستطيع أن تنضبط لهذا الأمر أعطاك الله باب التوبة،باب الا نقطاع، باب العلاج، باب الشفاء {واتقوا يوماً} قال قبل ذلك {اتقوا الله} صحيح هذا المقصد الأول، لكن الباب الذي يسهّل عليك لتصل إلى تقوى الله هو أن تذكر الموت، فالموت حق، وينتقي منا الواحد تلو الآخر يوميا بل كل دقيقة، لا أحد يستطيع أن يقدر أجله، وعدد من الناس في ريعان الشباب وفي وسط العمر من الشباب والكهولة وبين هذا وذاك ينتقلون يومياً لا يفرق القدر في ذلك بين غني وفقير، ولا بين مريض ومعافى، ولا بين عالٍ ونازلٍ، بل الكل عند الله نازل الموت قهر الله به عباده، نسأل الله ألا يفاجئنا ونحن على حرام. ونعيش في حرام، المسلم ينتبه لهذا اليوم الحق {فاتقوا يوماً} والنكرة هنا دالة على التعظيم، يعني يوم عظيم خطير، كما في قوله تعالى : {أإن لنا لأجراً} كما في قول السحرة لفرعون، أجراً، قال المفسرون : كبيراً.</p>
<p>{واتقوا يوماً ترجعون فيه  إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت} كلما أكلته تعطي حسابه، لا أحد يستطيع التفلّت، ولا ظلم هناك، الله لا يظلم أحداً، هو عدل سبحانه.</p>
<p>أختم هنا بكلمة ذرونا نتأملها ونتفكر فيها، نحن نعلم أن رسول الله ما كان يصلي على من مات وعليه دين حلال طيب، صحابي مات وعليه دين، فقال صلى عليه وسلم : &gt;صلوا على صاحبكم&lt; حتى قضى بعض الصحابة عليه دينه، ثم صلى عليه النبي صلى عليه وسلم، الذي مات وعليه دين حلال طيب يؤخذ من عنقه فما بالك بمن مات وعليه دين من حرام، والذي عليه دين من نار، على أي جنب في قبره يرقد، على أي جمر القبر وعذاب القبر وعليه دين، إنها كبيرة وليست حراما فقط بل كبيرة يموت عليها.</p>
<p>&lt; د. فريد الأنصاري</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2002/02/%d8%ae%d8%b7%d8%a8-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%ac%d8%b1%d9%8a%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a8%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
