<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; د. عبد الله الحسيني</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%af-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86%d9%8a/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>الواقع العربي وتحديات ما بعد 11 شتمبر</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2005/07/%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%82%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d9%88%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%a7-%d8%a8%d8%b9%d8%af-11-%d8%b4%d8%aa%d9%85%d8%a8%d8%b1/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2005/07/%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%82%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d9%88%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%a7-%d8%a8%d8%b9%d8%af-11-%d8%b4%d8%aa%d9%85%d8%a8%d8%b1/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 16 Jul 2005 13:57:42 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 239]]></category>
		<category><![CDATA[شؤون عامة]]></category>
		<category><![CDATA[الاسلام]]></category>
		<category><![CDATA[العربي]]></category>
		<category><![CDATA[الغرب]]></category>
		<category><![CDATA[الواقع]]></category>
		<category><![CDATA[تحديات]]></category>
		<category><![CDATA[د. عبد الله الحسيني]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=21492</guid>
		<description><![CDATA[أحداث الحادي عشر من شتمبر أقحمت العالم في واقع جديد للعلاقات الدولية، هذه العلاقات أصبحت قائمة على مبادئ جديدة غير منصوص عليها في سياق الأمم المتحدة، ومن هذه المبادئ : مبدأ الضربة الاستباقية ومبدأ فرض ما يسمى بالمشاريع التغييرية على بعض الدول، هذا التصور الجديد أفرزه واقع القطب الواحد وغذته أحداث 11/9 التي غيرت كليا [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>أحداث الحادي عشر من شتمبر أقحمت العالم في واقع جديد للعلاقات الدولية، هذه العلاقات أصبحت قائمة على مبادئ جديدة غير منصوص عليها في سياق الأمم المتحدة، ومن هذه المبادئ : مبدأ الضربة الاستباقية ومبدأ فرض ما يسمى بالمشاريع التغييرية على بعض الدول، هذا التصور الجديد أفرزه واقع القطب الواحد وغذته أحداث 11/9 التي غيرت كليا تصور أمريكا لما يسمى بالخطر الخارجي. هذا الخطر كان في السابق (سواء كان نازيا أوشيوعيا) مجسما في دول محددة جغرافيا ولها جيوش نظامية معروفة الإمكانات والوسائل، أما اليوم فحربها ضد ما تسميه الإرهاب يعني مقاومتها لعدو تجهل عنه كل شيء : مكانه، عدده، وسائله، سلاحه، ومجال عملياته حتى التنبؤ بمكان ووقت ضرباته لا يقل تعقيدا عن تحديد مكان ووقت الهزات الزلزالية.</p>
<p>وأمام هذا الوضع ولتبرير حمايتها للعالم سعت أمريكا لإيجاد عدومجسم على غرار ما حدث في الماضي فاختارت الإسلام أومن يحمل عقيدته. وبذلك أصبح الضغط مركزا على العالم الإسلامي ليس فقط على الدول الإسلامية وإنما أيضا على الأقليات الإسلامية في كل البلدان، ولتبرير هذه الهجمة تم تسليط الضوء على الاتجاهات المغالية وخاصة التي تتبنى (العنف) كوسيلة للتغيير. كما تم استفزازها أوتحريضها لتزداد غلواً. هذا مع العلم أن النسبة التي يمثلها هؤلاء في الأمة تميل إلى الصفر.</p>
<p>هذا الضغط الذي يتحمله العالم الإسلامي تتفاوت درجاته من منطقة لأخرى ومن بلد لآخر. لكن العبء الثقيل لهذه الهجمة تتحمله الدول العربية كدول إسلامية. هناك دول إسلامية غير عربية لها هامش مناورة كبير في التعامل مع أمريكا وحلفائها، مثال ماليزيا، تركيا وحتى إيران، فمثلا تصويت البرلمان التركي ضد استخدام أراضيه من طرف القوات الأمريكية حظي باحترام الولايات المتحدة، ولا يمكن لأي برلمان أوحكومة عربية أن يقوم بذلك، وهذا ما يفسر تركيز الحملة على هذه المنطقة لأنها الحلقة الأضعف في العالم الإسلامي، ولذلك حظي واقع العالم العربي في موضوعنا باهتمام خاص.</p>
<p>والسؤال الذي يجب أن يطرح هولماذا ضعف هامش المناورة في هذه المنطقة إلى حد العجز التام؟.</p>
<p>أي دولة كيفما كانت تواجه تحديات خارجية. هذه التحديات ليست فقط عسكرية لكن قد تكون اقتصادية أوثقافية أوسياسية، ومواجهة التحديات تكمن في قدرة التفاعل الداخلي أوالقابلية للحفاظ على الذات إما باستيعاب التحدي الخارجي أوبرده ومقاومته، وفي حديثنا عن الدول يمكن أن نقول أن قدرة التفاعل الداخلي تتجلى في ثلاثة مجالات : المجال السياسي، المجال الاقتصادي والمجال العلمي.</p>
<p>أمام زخم التحديات الخارجية التي يواجهها العالم العربي، نتساءل : ما هي قدرة المجالات الثلاثة على إحداث تفاعإ إيجابي ينقلنا إلى دائرة الفعل  ورد الفعل مع الإبقاء على خصوصية كياننا.</p>
<p>قبل تفصيل الكلام عن واقع هذه المجالات الثلاثة لا بد من الإشارة إلى أن المنطقة العربية تعد من الدول التي سجلت تخلفا لا مثيل له بالنظر إلى ما تزخر به هذه المنطقة من زخم حضاري كبير ومن موارد بشرية وطبيعية هائلة. وهذا التخلف يتجلى كما أسلفنا في المجالات التالية :</p>
<p>التخلف السياسي</p>
<p>الجانب السياسي يسعى لإيجاد أفضل الوسائل لتدبير وتنظيم الشأن العام وذلك لتحقيق مصالح الناس، وهذا التنظيم لا بد أن يقوم على ثلاثة مبادئ : الحرية والتنوع والشفافية. وهذه المبادئ تعتبر من أساسيات التشريع الإسلامي، أما الإطار المرتبط بنوع النظام والوسائل المتعلقة بالتمثيلية فمردها إلى اجتهادات السياسة الشرعية التي تختار أوتبتكر الأنسب وفق تقدم وتطور الآليات التنظيمية والتقنية والتواصلية. الجانب السياسي بالنسبة لمجتمع ما  هوبمثابة العقل لجسم الإنسان، إذااختل تعطلت كل مقدراته. فاختلال النظم السياسية تؤدي حتما إلى تعطيل كل الفعاليات وإلى تعقيم كل إبداع، وعوض أن تسير الدول العربية مستنيرة برصيدها التاريخي في الخط الذي رسمنا معالمه سابقا اختارت أن تسير في الاتجاه المعاكس سواء بالنسبة لماضيها أوبالنسبة لمستجدات واقعها. في الوقت الذي استطاعت كثير من الدول أن تحسن أداءها السياسي بتبني المسار الديمقراطي ظهر في الدول العربية صنفان من التعامل مع الدمقراطية. الصنف الأول رفض الدمقراطية إما بالإبقاء على أنظمة دكتاتورية على غرار النهج الستاليني وإما بتبني أنظمة شمولية ذات  عمق قبلي تقليدي يجعل الإسلام مطية لرفض مبدأ الدمقراطية وما يتبعها من فصل السلط ومن مؤسسات. الصنف الثاني حاول أن يلبس الدمقراطية لكن بعد إفراغها من كل محتوياتها الإيجابية. وبذلك لا يمكن أن نجد برلمانا عربيا واحدا يعكس الرغبة الحقيقية للناخبين.</p>
<p>فالتشكيلة النيابية للبرلمان في الوطن العربي لا تحدد بالاقتراع بل تصاغ وفق ما تقتضيه مصالح فئوية ضيقة. فهناك دول تتدخل (لتصحيح) المسار بعد الاقتراع. وهناك أخرى (متقدمة) تجري عملية التصحيح قبل الاقتراع إما بالضغط على الناخب وإما بالتواطؤ مع الأحزاب السياسية بحيث يسعى كل واحد منها لكسب الحصة المحددة له سلفا من الأجهزة الأمنية. وللأسف الشديد يمكن أن نعتبر الانتخابات العراقية  الأخيرة التي أقيمت تحت الاحتلال الأمريكي هي أقل الانتخابات العربية سوءاً.</p>
<p>هنا يأتي مكمن الخلل في الوطن العربي، فعندما تطالب الحكومة العربية تحت الضغط  الداخلي والخارجي بتبني النهج الدمقراطي ترفض بذريعة الخصوصية  وتُبْقي على الوضع الشمولي الذي يحبس الأنفاس. وإذا ما عجزت هذه الحكومات وهي كذلك، عن إيجاد البدائل فهناك من هومستعد لتقديم البدائل وحتى فرضها إن اقتضى الحال، وهذا ما فعل بأفغانستان والعراق. وهنا يدخل على الخط مشروع الشرق الأوسط الكبير، وهومشروع يرمي إلى الحجر على الدول العربية لأنها لم تبلغ سن الرشد السياسي لإدارة نفسها بنفسها.</p>
<p>ونتيجة لذلك يمكن أن نقول أن الوضع السياسي العربي في مهب الريح، فهوعلى مر العقود نهج أسلوباً أفقده كل مقومات الدعم الداخلي جعلته الآن عاجزا عن أية ردة فعل والآن بدأ يفقد سنده الخارجي.</p>
<p>وفي ختام الحديث عن الفشل السياسي العربي لا بد من كلمة في الدمقراطية، بغض النظر عن حمولتها الحضارية وبغض النظر عما يمكن أن تحمله من سلبيات فالدمقراطية إذا استطاعت كل ثقافة أن تكيفها وفق خصوصيتها تعتبر في ظل غياب بدائل أخرى أفضل وسيلة مطروحة لتدبير الشأن العام. أوبعبارة أخرى يمكن القول بأن النظام الدمقراطي إذا روعيت فيه الخصوصية سوف يكون أقرب إلى مقاصد الشريعة من مختلف الأنظمة السياسية التي تحكم الوطن العربي على اختلاف مسمياتها.</p>
<p>ومن النتائج السلبية للفشل السياسي العربي هي حصول عجز كبير في مجالين أساسيين وهما : مجال الحريات ومجال سوء التدبير.</p>
<p>&gt;- مجال الحريات : تظهر بعض القديرات(1) أن مستوى الحريات قد عرف تحسنا في جل مناطق العالم (أوربا، آسيا، إفريقيا، أمريكيا الجنوبية) إلا في الوطن العربي الذي عرفت فيه أوضاع الحريات تدهورا خاصة خلال عقد التسعينات</p>
<p>وحسب نفس التقديرات من بين الدول العشرة الأكثر قمعا للحريات توجد خمس دول عربية.</p>
<p>&gt;- سوء التدبير، يتجلى في مستويات عدة ويتعلق الأمر على سبيل المثال لا الحصر بالفجوة الخطيرة في مجال تقدير المسؤولية. فثقافة الاستهانة بالمسؤولية كانت نتيجة لضعف آلية الرقابة القانونية والسياسية والاجتماعية مما يترتب عنه أنماط كارثية في التدبير سواء الاقتصادي أوالإداري كانت نتيجته الحتمية تفشي ظاهرة الرشوة التي أصبحت أصلا من أصول السلوك الإداري وثقافة تعتري معظم المؤسسات. وقد استفحلت ظاهرة الرشوة والزبونية إلى الحد الذي أصبحت فيه النزاهة في العالم العربي ظاهرة مرضية تخرج عن قواعد السلوك العام. وهذا الوضع خلق بيئة مناسبة للانتشار الاجتماعي لثقافة الغش والتدليس والتملص من أي جهد ومسؤولية.</p>
<p>العجز الاقتصادي</p>
<p>في الوقت الذي عرفت فيه بعض الدول نقلة نوعية في أدائها الاقتصادي منذ السبعينات تميز الوضع العربي بالتراجع، ويتجلى في معظم المؤشرات. قبل الحديث عن هذه المؤشرات لا بد من الإشارة إلى خصوصية البنى الإنتاجية لهذه الدول.هذه البنى تأسست على اقتصاديات ريعية (الدول النفطية) واستخراجية للمواد الأولية. وهذا النوع من أنماط الإنتاج يعتمد بالأساس على الخبرة الأجنبية مما يُقلل من آثارها الإيجابية على الاقتصاد المحلي نظرا لضعف الاتجاه نحوجعل الخبرة أكثر محلية ولتخلف الإنتاج التقليدي  المحلي. هذا الوضع ساهم في ظهور نمط اقتصادي يعتمد على الإنفاق والشراءعوض الإنتاج.بالإضافة إلى الصناعات الاستخراجية فإن البنى الاقتصادية للعالم العربي تقوم أيضا  على الصناعات الاستهلاكية (صناعة فلاحية، نسيج) لكن أهم ما يميز هذه  الصناعات هوضعف محتواها التكنولوجي مما يقلل من تأثيرها الاقتصادي. وضعية التخلف الصناعي للعالم العربي تعكسها جليا بنية الصادرات. لمعرفة فعاليات اقتصادها عادة ما يلجأ إلى حساب نسبة الصادرات الصناعية في الصادرات الكلية وكذلك  نسبة الصادرات ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع. انطلاقا من هذين المؤشرين نلاحظ اعتمادا على معطيات البنك الدولي(2)  التي تعطي مقارنة بين المناطق، أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (وهي جزء مهم  من الوطن العربي) في أسوء وضع. فنسبة الصادرات الصناعية في هذه المنطقة لا تتجاوز 18% من مجموع الصادرات (أكثر من 80% كلها صادرات أولية). أما الصادرات ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع فهي أقل من 0,3% بالمقارنة مع مناطق  أخرى  نلاحظ أن هذه  المنطقة العربية تسجل أضعف النسب فهي أقل بكثير من دول إفريقيا جنوب الصحراء وأقل من مجموعة الدول الضعيفة الدخل.</p>
<p>وكنتيجة لضعف البنى الإنتاجية فإن معظم المؤشرات الاقتصادية تعكس تراجعا منقطع النظير للاقتصاد العربي. ولنأخذ على سبيل المثال بعض هذه المؤشرات.</p>
<p>&gt;- الناتج المحلي الإجمالي : الناتج  المحلي الإجمالي لمعظم الدول العربية بلغ سنة 1999 : 531 مليار.</p>
<p>هذا الرقم تحقق دولة أوربية متوسطية أكثر منه (595 مليار). أما إيطاليا فتحقق الضعف. رغم ضآلة هذا المبلغ للمجموعة العربية التي تشمل أكبر الدول النفطية فإن المثير للانتباه هونموهذا الناتج إذ نلاحظ أن نسبة النموالسنوي للناتج المحلي الإجمالي الفردي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كانت أضعف مما هوعليه الحال في مجموعة الدول ذات الدخل المتوسط والضعيف. خلال فترات السبعينات (حيث كانتهذه النسبة أقل من 3% رغم الفورة النفطية) والثمانينات والتسعينات.</p>
<p>&gt;- الإنتاجية : المشكلة العويصة التي تواجه العالم العربي هي تراجع الإنتاجية. فحسب معطيات البنك الدولي نلاحظ أن نسب الإنتاجية (متوسط الإنتاج بكل  عامل) كانت سلبية خلال الثمانينات والتسعينات. أما إذا أخذنا الناتج القومي الإجمالي للعامل كمؤشر على الإنتاجية أن هناك فرقاً شاسعاً بين الدول العربية (ما يقرب من 5 آلاف للعامل) وبين كوريا الجنوبية والأرجنتين حيث تصل فيهما الإنتاجية إلى ما يزيد عن 22 ألف.</p>
<p>أما فيما يخص نسبة نموالإنتاجية (الناتج المحلي الإجمالي للفرد العام) فتجدر الإشارة إلى أن زيادتها السنوية ما بين 1980 و1997 قد بلغت في الصين 15%، في كوريا 8%، في الهند 6% أما في العالم العربي فلم تتجاوز بالنسبة لأفضل الدول 4%.</p>
<p>&gt;- سوء توزيع الدخل : يعاني  العالم العربي من آفة  سوء التوزيع، فالتجارب أثبتت أنسوء توزيع الدخل والثروة لا يمكن أن يحدث تنمية إلا في الدول المنغلقة. أما في الدول المنفتحة كدول العام العربي فإن سوء التوزيع قد ترتب عنه هجرة رؤوس الأموال إلى الخارج، فسوء التوزيع في العالم العربي أدى إلى تفاقم الفوارق الاجتماعية مما ساهم في انخفاض المردودية، الشيء الذي ساهم في تقليص حجم الطبقات المتوسطة لصالح الطبقات الفقيرة، وهنا يأتي مكمن الخلل الاجتماعي في الوطن العربي. فكلما اتسعت دائرة الطبقة المتوسطة في مجتمع إلا وكان أقدر على رفع التحدي الاقتصادي وذلك بإسهامها في تعميم الأداء الاستثماري وفي تدعيم الطلب الداخلي. فتقليص حجم هذه الطبقة في الوطن العربي أدى إلى ظهور فئة صغيرة من كبار الأغنياء تستحوذ على معظم الثروات وفئة عريضة معدومة مسلوبة الفعل. على الرغم من عدم وجود إحصائيات عربية تعكس حقيقة نسب الفقر فإن كثيرا من المؤشرات لا تعكس فقط النسبة المرتفعةللفقر وإنما أيضا الاتجاه نحواستفحال آفتها، وهذا الوضع لا يساهم فقط في تثبيط الأداء الاقتصادي وإنما ينعكس سلبا على العطاء العلمي والثقافي لأي مجتمع.</p>
<p>التخلف المعرفي والعلمي</p>
<p>المعرفة هي أساس التقدم وكل مجتمع يقاس مستوى التنمية فيه بمدى تعبئة وتنظيم وتسيير النظام المعرفي، وهذا النظام يعاني في المجتمعات العربية من أزمتين : أزمة تخلف هذه المجتمعات وأزمة القيود المجتمعية التي تقلل من تأثيرها وفعالية المعرفة.</p>
<p>العالم العربي يمتلك رصيدا تاريخيا متميزا، فالنهضة العلمية التي أثارتها الحضارة الإسلامية سمحت بتشكيل مجتمع معرفي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، رغم هذا المكسب التاريخي المهم فإن المنطقة العربية تعاني من عجز معرفي كبير ترجع أسبابه إلى عوامل عدة :</p>
<p>&gt; ما يسمى بالنهضة العربية الحديثة كان بمثابة بلقنة فكرية جعلت الساحة العربية تعيش صراعات إيديولوجية بين عدد كبير من التيارات مما أدى إلى فقدان الهوية وإلى انعدام الرؤية.</p>
<p>&gt;  انخفاض جودة النظام التعليمي نظرا لغياب استراتيجية تعليمية واضحة ونظرا لضعف التأطير وأكثر الأسلاك التعليمية معاناة هوالتعليم العالي الذي يشكومن قلة الإمكانات ومن الاكتضاض.</p>
<p>&gt; قلة ورداءة المنتوج الإعلامي العربي :  يعتبر الإعلام من أهم الوسائل لتعميم ونشر المعرفة لكنه في الوطن العربي لا يؤدي هذا الدور نظرا لعاملين أساسيين. عامل القلة : عدد الصحف لكل 1000 شخص لا تتجاوز 53 في العالم العربي بينما تصل إلى 285 في الدول المتقدمة كما أن عدد المحطات الإعلامية السمعية والبصرية يقل عن المتوسط العالمي وعن متوسط ما  هوموجود في الدول ذات الدخل المتوسط..</p>
<p>&gt; عامل الجودة : يعاني الإعلام العربي من ثلاثة معوقات مترابطة تقوض من تأثيره وهي : تردي  الجودة، انعدام الاستقلالية وضعف المهنية.</p>
<p>فإذا أخذنا مثلا  القنوات الفضائية العربيةنلاحظ أن 70% منها عمومية وأن  معظمها يستخدم للدعاية الرسمية، بالإضافة إلى ذلك فإن الإعلام العربي يمتاز بثلاث خصوصيات تتمثل في الميل نحوالسلطوية وأحادية الرأي والرسمية. وهذه عناصر تقلل من تأثيره المعرفي.</p>
<p>&gt;  ضعف التجهيز في الوسائل الحديثة لتمرير المعرفة، في المنطقة العربية يوجد أقل من 18 حاسوب لكل 1000 شخص بينما المتوسط العالمي يصل إلى 78. أما استخدام شبكة الأنترنيت فنلاحظ أن عدد المستعملين للشبكة يصل فقط إلى 16% من الساكنة سنة 2001. ويلاحظ أن عوامل التكلفة والوضع السياسي والظروف الاجتماعية كلها تحول دون انتشار هذه الوسائل الحديثة رغم أهميتها في تعميم المعرفة وانتشارها.</p>
<p>&gt; تدني مستوى الترجمة : الغالبية القصوى مما ينتج من معرفة يكتب الآن باللغات الأجنبية (85% من الإنتاج العالمي الحالي يكتب  باللغة الإنجليزية). فضعف إتقان اللغات الأجنبية في المنطقة العربية يجعل الحاجة ماسة إلى الترجمة للاستفادة من كل المسجدات المعرفية والعلمية، ولذلك أعطت الدول المتقدمة أهمية قصوى للترجمة حتى الولايات المتحدة التي يكتب 85% من الإنتاج المعرفي بلغتها، تحرص على ترجمة كل إنتاج علمي مكتوب بلغة أخرى. أما اليابان فتقوم بترجمة 30 مليون صفحة سنويا. أما الوطن العربي الذي يطرح فيه إلزامية الترجمة بشكل حيوي فالوضع يختلف تماما حيث نلاحظ أن ما يترجم في سنة داخل الوطن العربي كله لا يمثل إلا خمس ما تترجمه اليونان، وقد قدر شوقي جلال(3) ما ترجم من كتب منذ عهد المامون إلى يومنا هذا بـ 10.000 كتاب أي ما يوازي ما تترجمه إسبانيا في سنة واحدة. أما في النصف الأول من الثمانينات فقد ترجم في الوطن العربي سنويا أقل من كتاب لكل مليون شخص بينما وصل هذا العدد إلى 519 في المجر و920 في إسبانيا.</p>
<p>وقد ترتب عن هذا الوضع ضعف حاد في الإنتاج المعرفي، إذا أخذنا الإصدارات العلمية نلاحظ أن عدد هذه الإصدارات بلغ سنة 95، 26 إصداراً بينما وصل في فرنسا إلى 840. ويتزايد عدد هذه الإصدارات بوتيرة ضعيفة جدا، من سنة 81 إلى 85 ازداد عددها بـ 2,4 مليون مرة فقط بينما ازداد في الصين بـ 11 مرة وفي كوريا الجنوبية بـ 24 مرة، بالإضافة إلى أن هذه الإصدارات تغيب عنها مجالات الأبحاث المتطورة كتكنولوجيا المعلومات Biologie Moléculaire. كما أن هذه الإصدارات لا تحمل قيمة علمية إضافية نظرا لقلة الإحالة عليها. ففي سنة 87 ثلاث أبحاث عربية أحيل عليها 40 مرة بينما في الولايات المتحدة ثمة 10481 بحث أحيل عليها أكثر من 40 مرة.</p>
<p>وهذا ناتج عن سياسة الإهمال التي حظي بها البحث العلمي في الوطن العربي حيث نلاحظ أن عدد العلميين والمهندسين المنخرطين في مجال البحث والتنمية (Recherche &#8211; développement) لا يتجاوز 400 فرد  لكل مليون شخص في عشرية التسعينات، هذا العدد يصل إلى 4000 في أمريكا الشمالية و2800 في أوربا وتقريبا 1000 كمتوسط عالمي. وهذا الإهمال راجع إلى ضعف الاستثمار في مجال البحث والتنمية    (R-D) الذي لا يحصل إلا على نسبة 0,2% من الناتج الوطني الإجمالي بينما تتراوح هذه النسبة في الدول المتقدمة ما بين 2,5 و5%.</p>
<p>أما في المجالات الفكرة الأخرى كالفن والأدب مثلا فإن إنتاج العالم العربي هزيل أيضا. ففي الوقت الذي تمثل فيه ساكنة العالم العربي 5% من ساكنة العالم نلاحظ أن حصته في إصدار الكتب تقل عن 1,1%. أما في مجال الأدب والفن فإن هذه الحصة لا تتجاوز 0,8% سنة 96 وهذه النسبة تقل عما تنتجه تركيا التي تقل ساكنتها عن ساكنة العالم  العربي بأربع مرات.إضافة إلى أزمة الإصدار فإن الكتاب العربي يعاني من أزمة في التوزيع. ففي ساكنة عربية تصل إلى 270 مليون نسمة فإن متوسط ما يصدر من نسخ من كل كتاب يتراوح بين 1000 و3000 نسخة. وهذا ليس ناتجافقط عن ارتفاع نسب الأمية وعن ضعف القوة الشرائية وإنما بالأساس عن تراجع في عدد القراء مما أدى إلى انخفاض الطلب عن الكتاب. وهذا لا يتناسب مع أمة أول ما  نزل من كتابها إقرأ.</p>
<p>خاتمـــة</p>
<p>أمام التحديات الكبرى التي يواجهها العالم الإسلامي بصفة عامة والعالم العربي على وجه الخصوص، نلاحظ أن عناصر الدفع الحضاري التي ذكرناها (السياسي &#8211; الاقتصادي &#8211; الثقافي) تفتقد إلى كل مقومات المواجهة من أجل البقاء. وهذا العجز يمكن أن يفسر بوجود شرخ كبير في الوطن العربي بين القرار السياسي الذي أصيب منذ عقود بداء فقدان الذاكرة الحضارية وبين المسار الاجتماعي الذي أصيب بداء فقدان الهوية الحضارية. كثير من الناس يقول بأن المسلمين يملكون العقيدة. أكيد أن دائرة الفعل الوحيدة التي بقيت عند المسلمين هي العقيدة إن فعل دورها. لكن أداءها يبقى محدودا إذا لم يواكبها فعل حضاري. نملك عقيدة لكننا نتعامل بسلوك حضاري ينفي آثارها. ومواكبة الفعل الحضاري هوما تقصده الآية الكريمة {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}. ولا يمكن لأمة أن يكون لها فعل حضاري إذا كان النفاق قاعدة سلوكها السياسي والغش أساس ممارستها الاقتصادية والعقم خاصية أدائها الثقافي، وهذه خاصيات تنطبق على وطننا العربي. وهذا الوضع يؤهلنا في زمن العولمة إلى مرتبة القابلية المتعددة، فإذا كان مالك بن نبي في عهده قد تحدث عن قابلية واحدة وهي القابلية للاستعمار، فإن عصرنا العربي يتميز بقابليات متعددة : القابلية  للتأثر، القابلية لاستهلاك كل شيء، القابلية لانعدام رد  الفعل، القابلية للتصفيق لكل شيء. وهذه القابليات تجعلنا في مرتبة أدنى من قابلية مالك بن نبي.</p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;-</p>
<p>1- UNPD (2003), Arab Human Development Report : Building Knowledge, Society. p 28</p>
<p>2- World Bank (2002), World Developpement, Indicators Waschinton. DC</p>
<p>3- (2003) UNPD.</p>
<p>د. عبد الله الحسيني</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2005/07/%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%82%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d9%88%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%a7-%d8%a8%d8%b9%d8%af-11-%d8%b4%d8%aa%d9%85%d8%a8%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مقال : حوار الحضارات : أزمة حوار أم أزمة حضارة</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2002/07/%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%84-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a3%d9%85-%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%ad/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2002/07/%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%84-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a3%d9%85-%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%ad/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 18 Jul 2002 08:48:47 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 176]]></category>
		<category><![CDATA[د. عبد الله الحسيني]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=24687</guid>
		<description><![CDATA[كلما حلت بالعالم أزمة تبرز على السطح نداءات للحوار بين الحضارات هذه النداءات استفحل وقعها الإعلامي بعد 11 سبتمبر لتصبح شعارا يرفعه الجميع، يرفعه الضعيف خوفا من بطش القوي كما يرفعه القوي لتهدئة روع الضعيف، لكن هذا الحوار لا يعدو أن يكون حوار أزمة يلجأ إليه في الظروف العصيبة لكي يأفل أثره بعد الهدوء. لكن [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>كلما حلت بالعالم أزمة تبرز على السطح نداءات للحوار بين الحضارات هذه النداءات استفحل وقعها الإعلامي بعد 11 سبتمبر لتصبح شعارا يرفعه الجميع، يرفعه الضعيف خوفا من بطش القوي كما يرفعه القوي لتهدئة روع الضعيف، لكن هذا الحوار لا يعدو أن يكون حوار أزمة يلجأ إليه في الظروف العصيبة لكي يأفل أثره بعد الهدوء.</p>
<p>لكن من حقنا أن نتساءل : هل هناك فعلا حوار بكل ما تحمله الكلمة من معاني التبادل والاعتراف والاحترام؟</p>
<p>في شروط الحوار</p>
<p>الإجابة عن هذا السؤال ستنقلنا إلى الحديث عن الشروط والمبادئ التي يجب توفرها لإيجاد أرضية للحوار. فبداية نقول : إن  المبدأ الأساس لقيام حوار بناء هو التكافؤ بين الأطراف. وبالنظر إلى واقع العلاقات الدولية في عصرنا الراهن نلاحظ غياباً تاماً لهذا المبدأ. لأن هناك شمالاً وجنوباً، هناك حضارة تنتمي إليها شعوب لا تملك شيئا من عناصر القوة المادية وهي بالخصوص الشعوب الإسلامية ، وحضارة مندفعة تريد بسط سيطرتها على العالم  بفعل القوة الاقتصادية والعسكرية لشعوبها وهي الحضارة الغربية. كما أن هناك حضارة تريد تعميم قيمها على الكون وحضارات أخرى تصارع من أجل البقاء ونخص بالذكر منها الحضارة الإسلامية التي وضعت رغما عنها في واجهة الأحداث.</p>
<p>لكن رغم غياب مبدأ التكافؤ فإن فرص الحوار تبقى واردة بشرط أن يكون الطرف القوي عادلا منصفا ومعترفا بالآخر رغم ضعفه وقلة حيلته، بالنظر مرة أخرى إلى واقع العلاقات الدولية نلاحظ أن هناك انعداماً شبه تام لهذه المبادئ رغم وجود هيئات دولية تتولى  تطبيق  وتعميم هذه المبادئ. فمثلا مواقف  وقرارات الأمم المتحدة لا تطبق إلا على الدول النامية، أما الدول القوية فأحيانا تربأ من اللجوء إليها، مثال ابريطانيا في  أزمة المالوين لما طرح عليها اللجوء إلى الأمم  المتحدة قالت على لسان رئيس وزرائها:  هذا خاص بالدول المتخلفة، وأحيانا تضرب بقراراتها عرض الحائط مثال الولايات المتحدة في نزاعها مع نيكاراكوا. هذا ناهيك عن التدخلات والاعتداءات السافرة التي تمارسها هذه الدول مما يتنافى مع الأخلاق والأعراف الدولية. وهذا ما أشار إليه بوضوح نعوم شومسكي في مقال بعنوان: الإرهاب سلاح الأقوياء(1).</p>
<p>فواقع العلاقات الدولية خاصة بعد 11 سبتمبر لا يوحي بوجود أرضية خصبة للقيام بحوار بناء، لكن المتتبع لوسائل الإعلام الغربية وكذلك لتصريحات كثير من مسؤوليها ومفكريها سيخرج بنتيجة مفادها أن أزمة الحوار وسبب انتكاستها هو &#8220;الآخر&#8221;.</p>
<p>لأن هذا الآخر لا يتقن إلا لغة العنف. وقد تكرس هذا المنحى الخطير عندما قام الإعلام الغربي بالربط بين الإرهاب والإسلام. انظر مثلا مجلة نيويورك (2) التي نشرت مقالا بعنوان عريض &#8220;عصر حروب المسلمين&#8221; واضعةالصورة الخلفية للحرم النبوي وهذا فيه إيحاء بأن مهد الدعوة الإسلامية هي نقطة انطلاق الإرهاب. هذا المنحى ترجع بوادره إلى عقدين من الزمن حيث تم التركيز على أطروحة مفادها أن الغرب بحكم قيم الحداثة (دمقراطية، حرية، لبرالية) التي يحملها تجعله متفتحا على الآخر مستعدا للحوار، لكن المشكل يكمن في الآخر الذي يحمل رواسب ثقافية ويعيش ظروفا اقتصادية (تتجلى في الأزمة وضعف النمو..) واجتماعية (بطالة ، فقر) وسياسية (انعدام الحريات، القمع) تجعله ميالا إلى تبني العنف كوسيلة من وسائل التعبير عن مواقفه. ولذلك فإنه يجد في الثقافة الإسلامية أرضية خصبة لتعبئة وتزكية منحاه العدواني، ولتبرير هذه الأطروحة يتم الاعتماد على بعض  الحالات الشاذة في العالم الإسلامي كما يتم تضخيمها لإضفاء صبغة الإرهاب على كل الحركات الإسلامية في العالم أحيانا وأحيانا أخرى في حالات الأزمة، على كل من يحمل عقيدة الإسلام، مع العلم أن المجموعات التي تؤمن بالعنف كأساس للتغيير محدودة في عددها وفي عدد أفرادها ومحدودة في مجال تأثيرها. ولابد هنا من استثناء حركات المقاومة التي تؤمن كل الشرائع بشرعية نضالها. ولو قمنا بإحصاء للملل التي تقوم دعوتها على العنف في العالم الغربي فقد يكون عددها وعدد منخرطيها مقارنة مع عدد السكان أكبر مما هو عليه الأمر في العالم الإسلامي. إلا أن الصدى الإعلامي لعمليات هذه الملل يبقى محدودا. والسبب الأساسي في ذلك هو أن تلك العمليات تنسب فقط إلى أهلها أي إلى الأفراد المتورطين وقليلا ما تدان الجماعة التي ينتمي إليها المجرم لأن العملية  تدرج في إطار الجنح المدنية. وهنا يبقى تأثير القضية محليا وصداها الإعلامي باهتا. لكن الأمر يختلف تماما عندما يتعلق الأمر بالمنظمات التي تنتمي إلى الإسلام. فصك الاتهام لا يوجه فقط إلى الأفراد المتورطين، بل يعتبر هؤلاء منفذين فقط لأوامر المنظمة التي يتبنى موفقها بكونها محرضة على العنف، ثم جميع الحركات الإسلامية بصفة عامة لأنها مستنبت لهذه  المنظمات ثم الشعوب الإسلامية لكونها أصل الشر ثم الحكومات لأن هذا (الإرهابي) أو ذاك يحمل جنسيتها. حتى نظم التعليم لم تسلم من الاتهام بحيث أن الدول الإسلامية مطالبة تحت الضغوط الأمريكية بإلغاء المدارس الإسلامية والقرآنية. وفي هذا الإطار فإن كل عمل ضد غربيين يقوم به أي مسلم من أجل قضية ما سوف يحول من دائرة الجنح المدنية إلى دائرة المحاكمة السياسية بل إلى دائرة محاكمة أمة من أجل تأديبها ومحاكمة حضارة من أجل تقويضها ومحاكمة دين من أجل تقليل نفوذه. هذه الازدواجية من التعامل الإعلامي تكيف الفعل الإجرامي حسب الفاعل، فإذا قام به غير المسلم يدرج في المتفرقات كحدث ويحكم على فاعله إما بالشذوذ إذا كان فردا أو طائفة أو بضرورة الدفاع عن النفس إذا كان دولة. أما إذا قام به المسلم فالحدث يدرج في العناوين الأولى والكبرى لوسائل الإعلام وتلصق به مهما كان فاعله (فرد أو دولة) ومهما كانت الدوافع صفة الإرهاب الذي يهدد أمن واستقرار العالم بأسره.</p>
<p>&#8220;ارهاب&#8221; وتعدد المعايير</p>
<p>وقد تسرب مفعول هذا التحليل إلى البحث الأكاديمي وإلى الكتابات ذات البعد التحليلي. وهذا ما دفع صامويل هو تنكنون إلى القول إن خلال العشرين سنة الأخيرة جل الأعمال الإرهابية هي من فعل المسلمين وجل الدول المدعمة للإرهاب هي دول إسلامية(3).  نفس المنحى تبنته مجلة دي إكونوميست اللندنية.</p>
<p>أمام هذا الوضع لابد من التساؤل : ما هو رد فعل المسلمين إزاء هذه الحملة التي لم تبدأ في الشهور الأخيرة وإنما تأسست قواعدها منذ عقدين من الزمن أو أكثر؟</p>
<p>المستقرئ لردود الأفعال التي يتصورها الخطاب الرسمي متبوعا بمواقف كثير من الجماعات والعلماء والمفكرين يلاحظ أن معظمها يعتمد على أساسية واحدة وهي أن الإسلام دين تسامح وتعايش وحوا ر ودين سلام. وكل ما يحدث وإن كان من فعل المسلمين فهو لا يمت إلى الإسلام بصلة. هذا الخطاب له تداعيات كثيرة.</p>
<p>- أولا هذا النوع من الخطاب فيه اعتراف ضمني باننا لا نحسن الحوار لسوء فهمنا للإسلام. وبالتالي ما علينا إلا أن  نرجع إلى الإسلام التسامحي لكي نحسن صورتنا لدى الآخر. وهذا أيضا فيه اعتراف ضمني ثان فحواه أن الآخر مستعد للحوار  ويحسن الحوار ولا يملك إلا ملكة الحوار، وبعبارة فهم حضارة حوار ونحن حضارة عنف.</p>
<p>- ثانيا  إذا سلمنا بفرضية أننا لا نحسن الحوار لقلة فهم ديننا الحنيف فإننا في نفس الوقت نسلم بالنعوت والأوصاف التي يصف بها الآخر أعمالنا، فما دام هو صاحب حوار فإنه يملك المعيار الدقيق وما علينا إلا أن نعرض عليه أعمالنا ليقر منها ما هو إرهابي وما هو غير ذلك.</p>
<p>- ثالثا يمكن إذا  أن نصل إلى النتيجة التالية وهي أن كل ما وصفه الآخر بأنه إرهابي فإنه في تقديرنا خارج عن الإسلام وما علينا إلا أن نحكم بالكفر على كل من يمارس ويدعم الإرهاب،  وبالتالي فعلينا أن نعيد النظر في إسلامية الدول والجماعات الإسلامية التي تصنفها أمريكا كمدعمة للإرهاب.</p>
<p>- رابعا: إن هذا الخطاب التبريري المفعوم بالإحساس بالذنب يعفي الآخر ويبرئه من كل مسؤولية. وهذا فيه بعد عن ملامسة خصوصية أزمة الحوار بين الحضارة الإسلامية والغرب.</p>
<p>لكن إذا سلمنا بأننا لا نحسن الحوار علينا بدل جهد من أجل تحسينه فلننظر إلى الآخر كيف أدار ويدير الحوار، فلنحاول أن نصرف هذا الفعل إلى الماضي والحاضر والمستقبل لإعطاء صورة أوضح لإشكالية الحوار عوض الدخول في إشكالية الاتهام والاتهام المضاد.</p>
<p>عندما نسأل الماضي عن الحوار نلاحظ أن بعض الكتاب الغربيين المؤمنين بفكرة الصراع  يرجعون في تحليلهم إلى أحداث العقدين الماضيين فقط للقول بأن المسلمين هم مصدر كل أحداث العنف. لكن لماذا لا نأخذ بعين الاعتبار فترة القرن الماضي (العشرين) بأكملها؟ هذا القرن الذي تميز نصفه الأول بطغيان الحرب المدمرة ونصفه الثاني بسيطرة لغة الحرب الباردة. قرن من الحرب لم يقده صراع الأديان ولكن قادته النزعات القومية والعلمانية التي أدت إلى فقدان الحوار بين المكونات التي تنتمي إلى حضارة واحدة ودين واحد.</p>
<p>وتجدر الإشارة هنا أن نظرية صراع الحضارات التي قال بها هو تنكنون ليست رأيا شاذا لا يعتد به وإنما هي من صميم مكونات السلوك الحضاري الغربي منذ قرون من الزمن. فهي تقوم على أساس مبدأ الثالث المرفوع الذي كرسه المنطق الأرسطي والذي اقتبست منه الممارسة الغربية التي تنبني على فكرة أنا أو الآخر والتعامل التاريخي للحضارة الغربية مع الآخر يؤكد ذلك، وأبلغ مثال على ذلك إبادة حضارة الهنود في أمريكا والقضاء على الوجود الإسلامي في إسبانيا. ناهيك عن الممارسة الاستعمارية التي كان من ثوابتها إلغاء كل ما هو محلي (تعليم، قيم&#8230;) واستبداله بالبرامج الاستعمارية.</p>
<p>إذا، من المنظور التاريخي لا يمكن اعتبار الحضارة الغربية التي صنعت أحداث التاريخ خلال القرون الماضية حضارة حوا ر بل الحوار فيها لا يشكل إلا جزيرة مغمورة في بحر ممتد من الحرب والعنف والإرهاب. من المنظور التاريخي أيضا يمكن  اعتبار  الحضارة الغربية غير مؤهلة لإدارة الحوار لأنها لم تحسنه  تاريخيا حتى بين مكوناتها وفترة محاكم  التفتيش والحروب العالمية شاهدة على ذلك. من الأجدر بالأستاذية في الحوار : حضارة حافظت على وجود &#8220;الآخر&#8221; لمدة أربعة عشر قرنا (نموذج أقباط مصر) أو حضارة ألغت وجود الآخر خلال قرنين أو ثلاثة (نموذج الأندلس)؟</p>
<p>موقع العالم الإسلامي</p>
<p>ولنرجع إلى القرن العشرين وما ميزه من حروب ساخنة وباردة لنتساءل عن موقع العالم الإسلامي، خلال هذه الفترة كانت أطراف العالم الإسلامي كأحجار على رقعة شطرنج تستخدم حسب ما تمليه لغة الحروب السائدة، فقد استعمرت  جل بلدانه وقطعت أوصاله ومزقت أطرافه إربا إربا وشوه تعليمه وعلمنت شرائعه وأهينت حضارته ودينه وقيمه. وقد جندت كل الطاقات لتجريده من كل مقومات الوجود الثقافي والحضاري كما فعل بحضارة الهنود في أمريكا.</p>
<p>هذا الأسلوب من التدخل في الرقعة الإسلامية  يمكن أن يوصف بكل النعوت غير أسلوب الحوار، بل هو نية القتل (بالمفهوم الحضاري) مع سبق الإصرار والترصد. أمام هذا الوضع لابد من انتظار ردود الفعل التي قد تأخذ في بعض الأحيان أبعادا دموية وجنونية. لابد من انتفاضة فردية أو جماعية هنا وهناك قد تكون دوافعها احتلال، تدخل أجنبي، قهر سياسي، دكتاتورية مظلمة، حكم فردي مستبد، قمع لحرية الرأي، أو تكون مسبباتها ظهور الفقر وانتشار البطالة، والتفكك الاجتماعي. هذه الأعراض المرضية كلها متفشية في البلدان الإسلامية. فتفاعل الوضع الداخلي الذي يتميز بالفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتدخل الخارجي الذي يتعامل مع هذه الدول بعقلية الشيخ والمريد من شأنه أن يخلق أوضاعا مشحونة ستدفع تلقائيا بعض الأفراد والجماعات إلى تبني ممارسات مثل تلك التي حدثت أخيرا. وليس هذا تبريرا لما حدث ولكن قراءة لبعض مسبباته. هذه المسببات كلما توفرت عناصرها في مجتمع ما إلا ودفعت إلى نفس القراءة ولو اختلفت الديانة والثقافة خاصة إذا كان هذا المجتمع يحرص على الحفاظ على خصوصيته الثقافية.</p>
<p>خصوصية الحوار في الوضع الراهن</p>
<p>ولنرجع الآن إلى الحاضر ولنتساءل عن الوضع العالمي الراهن لمعرفة خصوصية الحوار الذي يسوده، قلنا فيما سبق بأن القرن الذي ودعناه كان قرن حروب، وهذه الحروب لم تضع أوزارها إلا في عشريته الأخيرة عند انتهاء  الاتحاد السوفياتي والذي غاب معه عالم ذو قطبين ليحل محله عالم ذو قطب واحد. وقد استبشر العالم بانتهاء  عهد الحروب وبقدوم عهد السلام والحوار. وظن ا لجميع أن الغرب قد تعقل واستفاد وأصبح أكثر حضارة بانتقاله إلى عهد يسوده السلم و الحوار بين مكونات الحضارة الإنسانية. لكن هذا لم يحدث، إذ بمجرد القضاء على (محور الشر) الذي تمثله الإيديولوجية الماركسية بدأ البحث عن محور آخر ليدار حوله الصراع. وهذا الآخر هو ما يسميه الغربيون أنفسهم الخطر الأخضر عوض الخطر الأحمر الذي تمثله الشيوعية، وقد سلك الغرب من أجل إدارة هذا الصراع الذي يسميه الغرب حواراً عدة سبل:</p>
<p>- في المجال الجيوسياسي ظهرت مقولة النظام العالمي الجديد الذي يكرس مفهوم هيمنة القطب الواحد والذي تم تحت  تطويع المؤسسات الدولية لخدمة هذه الهيمنة بما فيها الأمم المتحدة.</p>
<p>- في المجال الاقتصادي برز إلى السطح مفهوم العولمة الذي روج له بشكل منقطع النظير في العشرية الأخيرة. وهذا المفهوم في عمقه ليس إلا رفعاً للقيم الأمريكية (في مجال الأعمال والسوق والاستهلاك والثقافة&#8230;) إلى مستوى الكونية وبالتالي تصبح مفروضة على الشعوب والثقافات الأخرى، وهنا يصعب الحديث عن الحوار بل الذي يحكم منطق العولمة هو الغزو بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وقد جندت حتى المؤسسات المالية لتحقيق ذلك بحيث بدأ البنك العالمي وصندوق النقد الدولي يختار في الدول النامية بعض المنظمات غير الحكومية المتناغمة مع المشروع الغربي ويمولها  لطرح -تحت مظلة حقوق الإنسان- مشاريع تستهدف الوجود الثقافي المحلي في العمق، ويأخذ هذا التوجه صيغاً مختلفة  منها الدفاع عن الطفولة أو المرأة&#8230; هذه المؤسسات المالية التي كان دورها يقتصر عن الجانب الاقتصادي بدأت تستعمل ضغوطها على كثير من الدول لحملها على تغيير منظومتها التشريعية والقانونية والتربوية.</p>
<p>وهنا نتساءل مرة أخرى، هل هذا التعامل فيه ولو حبة خردل مما يمكن أن يوصف بالحوار؟ بل أكثر  من ذلك لم يتعامل الغرب دمقراطيا مع التيارات المناهضة للنمط الذي تفرضه العولمة أو الأمركة على العالم إذ جندت وسائل الإعلام ضد كل رأي مناهض إما بالتعتيم عليه حتى يبقى في حكم الشاذ الذي لا يقاس عليه وإما بالتشهير به ونعته بالأوصاف المشينة (تطرف، إرهاب، أصولية&#8230;)</p>
<p>- في المجال الاستراتيجي والعسكري، من إفرازات النظام العالمي الجديد هي بروز مفهوم &#8220;دركي العالم&#8221; و&#8221;شرطي العالم&#8221; والذي بموجبه أعطي الحق لدولة أن تصنف أقطار العالم إلى أقطار خير وأقطار شر وكل من دخل في التصنيف الثاني أو اقترب منه يستحق التأديب. والتأديب يتم عبر وسيلتين: الحصار الاقتصادي أو الضرب العسكري. في خضم هذه الممارسات لا أجد لكلمة الحوار وجودا اللهم إذا اعتبرنا أن هذه الممارسات هي معنى الحوار عند الغرب.</p>
<p>- في المجال الثقافي، إذا أردنا أن نقيس نسبة الميل للحوار عند الغرب فلننظر إلى أكثر النظريات شيوعا فيه، النظريات الأكثر رواجا في هذا المجال هي:</p>
<p>نظرية صراع الحضارات لهوتنكتون والتي تقول بأن المستقبل سيكون عبارة عن صراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، ولا ننسى أن هذه النظرية اقترحها الكاتب لأول مرة في تقرير قدم للخارجية الأمريكية، ولا يستبعد أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة مؤطرة من طرف هذه النظرية والتي سوف تكون لها تداعيات على البانتكون.</p>
<p>نظرية نهاية التاريخ لفوكوياما والتي تقول إن مصير العالم سيؤول إلى انتصار وتعميم القيم الغربية على بلدان العالم. وهذه النظرية لا تختلف في عمقها عن الفكر التوسعي الاستعماري الذي حمله الغرب للدول المستعمرة بحجة أنه جاء ليقدم للناس حضارة سامية تخلصهم من أدران ثقافتهم المحلية.</p>
<p>وقد أدلى هذان الكاتبان بدلوهما(4) في أحداث 11 سبتمبر، فجاء الأول يقول إن هذا الحدث يؤكد نظريته. أما الثاني فقد قال أن تعميم القيم والنظم الغربية سائر  المفعول  في كل المناطق باستثناء  الرقعة الإسلامية التي تقف عائقا أمام امتداد النموذج الرأسمالي الديمقراطي. وقد حرص الكاتب أن يستثني من البلدان الإسلامية المتمردة عن هذا النموذج دولة تركيا التي اعتبرها مثالاً لنجاح المشروع الديمقراطي  في العالم الإسلامي.  ومن حقنا أن نسأل الكاتب : هل النموذج الديمقراطي العلماني الذي تبنته تركيا بفضل اختيار ديمقراطي  للشعب  التركي أم أنه فرض ولا زال يفرض من طرف دكتاتورية عسكرية؟ ويبدو أن الكاتب مستعد أن يصفق حتى للنظام الشمولي إذا كان هذا الأخير يسعى إلى فرض القيم الغربية على شعبه رغم رفضه لها.</p>
<p>- النموذج التركي  يشاد به لأنه حاول أن يمحي من الوجود الثقافة المحلية حتى في أبسط مظاهرها ويستبدلها بالثقافة الغربية، حتى اللغة المحلية بدأت تكتب بالحروف اللاتينية. هل هذا هو الحوار الذي يريده الغرب مع الثقافات الأخرى؟ إذا كان هذا هو الحوار في منطق الغرب فإنه غير ذلك في منطق العقلاء وفي منطق التاريخ، لأن ما وقع في  تركيا ويقع في بلدان إسلامية أخرى يعتبر إجراما حضاريا لا يقل خطورة عما تفعله اسرائيل بالموروث الحضاري الإسلامي في فلسطين.</p>
<p>الغرب وحوار المستقبل</p>
<p>قلنا فيما سبق إن الغرب لم يحمل ثقافة حوار  مع الآخر لا ماضيا ولا حاضرا فهل مستقبلا يمكن أن يغير من موقفه؟ كل الدلائل والمؤشرات تدل على أن الغرب بزعامة أمريكا ليس على استعداد للحوار  مع الآخر، بل نلاحظ أنه بعد أحداث سبتمبر قد زاد من عدوانيته -ويستشف ذلك من خلال كثير من الجوانب منها :</p>
<p>ميزانية التسلح فالولايات المتحدة ستنفق في غضون السنة المقبلة مليار دولار يوميا في المجال العسكري. وهذا مؤشر أساسي على النية العدوانية لأن من شروط الحوار كما يقال عند العرب وضع السيوف في أغمادها.</p>
<p>الحملة ضد الإرهاب التي وضعتها أمريكا من أساسيات سياستها الخارجية وسينتج من الممارسات الأمريكية الراهنة كون هذا البلد يسعى مستقبلا لإعطاء مفهوم مطاط وواسع للإرهاب يمكنه أن يسع كل الآراء والثقافات والشعوب والحكومات التي لا تتجاوب والمشروع الغربي. والحملة ضد الإرهاب سوف لن تتخذ فقط شكل الاستعراض العسكري كما  وقع في أفغانستان وإنما ستتفرع إلى مجموعة متداخلة من السياسات سيتم إخراج مستوى عدوانيتها  حسب البلد أو الشعب أو الجماعة المستهدفة.</p>
<p>وكبداية لهذا المسلسل لجأت أمريكا إلى استعمال مصطلح محور الشر لتحديد نوعية تعاملها مع مجموعة الدول الأكثر مناهضة للمشروع الأمريكي. كما قامت بالضغط على السعودية لتغيير نمطها التعليمي وبصفة غير مباشرة هذا الضغط يعني حمل هذا البلد على نفض يده من الحركة الوهابية حتى يتسنى تقويضها عالميا هذا دون اعتبار الترابط التاريخي الموجود بين الأسرة الحاكمة في السعودية  وهذه الحركة التي وصفها فوكوياما بالإسلام &#8211; الفاشي مضيفا إليها كل الحركات الإسلامية، ولا يستبعد مستقبلا أن تخضع كل الدول الإسلامية لتصنيفات أمريكية متفرعة عن حملة مكافحة الإرهاب.</p>
<p>المجال الاستراتيجي، فالسعي إلى تطويق العالم الإسلامي وضبط أنفاسه ليس رؤية وهمية يروجها أصحاب نظرية المؤامرة بل هي ممارسة واقعية لا يمكن إغفال مراميها وأبعادها سواء تعلق الأمر بالتدخل في منطقة الخليج أو بالسلوك المريب للمضاربين (5) الماليين والذي نتج عنه افتعال أزمة مالية في دول الشرق الأقصى، كانت الدول الإسلامية أكثر تأثيرا بها. أما الاستعراض العسكري الذي حدث في أفغانستان فلم يكن هدفه هو محاربة الإرهاب ولكنه تمهيد لأخذ موقع أهم في آسيا الوسطى لمراقبة الوضع هناك عسكريا واقتصاديا. كما أنه تمهيد للتحكم في القوى النووية في المنطقة خصوصا باكستان، إضافة إلى كون أمريكا تريد أن تقترب من أبواب الصين للضغط عليها عسكريا بعد أن تمكنت من الضغط عليها اقتصاديا: نظرا لحجم الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة التي تبلغ 50 مليار دولار فإن أمريكا دائما تهدد بالتضييق على هذه الصادرات.</p>
<p>من خلال قراءتنا لتفاعلات 11 سبتمبر وما تمخض عنها من سيناريوهات مستقبلية نلاحظ أن الوضع  مرشح للتصعيد خاصة من طرف أمريكا  التي لم تنس سوابقها الحضارية لما  لجأ رئيسها إلى استخدام مصطلح الحروب الصليبية. مما يدل على أن الغرب سوف يتبارى لخوض حوار من نوع جديد مع الآخر. حوار لن يترك فيه للآخر إلا خيارين إما أن يكون مع أمريكا أو أن يكون مع الإرهاب. لكن هذين الخيارين ليس الآخر هو الذي يحددهما بمحض إرادته، وإنما أمريكا هي التي ستحدد الطرف الذي تنتمي إليه.</p>
<p>كما أن أمريكا بممارساتها الراهنة قد قامت بتحيين قانون العقاب الجماعي الذي طبقته الحضارة الغربية خلال القرون الوسطى ونبذته بعد ذلك مع ظهور الحرية والدمقراطية. ويقوم هذا القانون على مبدأ أن أي أمة تتحمل أوزار كل جرم يقوم به أحد أعضائها. وهذا القانون سرى وسوف يسري مستقبلا على الأمة الإسلامية، سرى من الناحية الإعلامية وسوف يسري من الناحية الدبلماسية والعسكرية. أفصح من ذلك هو أن أمريكا تؤسس الآن وضعا &#8220;قانونيا&#8221; يتنافى وكل الأعراف المتداولة حول حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية. هذا الوضع يمكن أمريكا من أن تسجن دون اتهام وأن تعذب دون رقيب وأن تصدر الحكم دون محاكمة أو دفاع أو صك اتهام، فما يقع في قاعدة كوانتانامو أبشع من أن يوصف نظرا لنوع التعذيب الذي يتلقاه السجناء، فالقاعدة المعروفة في التعذيب مهما كانت صنوفه تقضي بتعذيب الحواس، أما أمريكا فقد ابتكرت نوعا جديدا من التعذيب وهو إلغاء الحواس أو الحرمان منها، إذا كان المغرب قد أسيئت سمعته بسبب وجود معتقل تازممارت فإن أمريكا تلمع صورتها بمعتقل كونتنامو وصنوف التعذيب في هذا الأخير أشرس وأبشع من الأول.</p>
<p>هذه الأساليب الجديدة التي تنوي أمريكا التعامل بها مستقبلا ظنا منها أنها ستؤدي إلى ردع كل من تسول له نفسه تحدي أمريكا إضافة إلى كونها تفضي إلى اقبار مبدأ الحوار فإنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية لأن هذه الممارسات المنبعثة من عقلية الكووبوي  Cowboy سوف لن تغذي في نفوس الشعوب الأخرى حب أمريكا بل الحقد والكراهية والإحساس بالانتقام،  ولا يستبعد أن تجد كل إيديولوجية عنف تناهض أمريكا ما يكفي من الاتباع لضرب مصالح أمريكا. كما لا يستبعد أن تنشأ منظمات أخرى على غرار القاعدة أو أشد بأساً منها.</p>
<p>وهنا لابد من تصحيح المبدأ الأمريكي القائم على  النظرة الاستعمارية  للشعوب والتي تتلخص فيما يلي: كلما زاد البطش الأمريكي زاد خنوع وخضوع الشعوب الأخرى. وهنا لابد من تذكير أمريكا أن الشعوب هي أيضا تخضع لمبدأ فيزيائي بسيط يقول: كلما ازداد الضغط تولد الانفجار، فلا مناص من تأسيس عالم يسوده الأمن والسلام من ارصاء قواعد الحوار. أما من جهتنا نحن فقد كنا حضارة حوار والتاريخ شاهد لنا على ذلك إذ لا زالت بين ظهرانينا  لحد الآن ثقافات الآخر تنبض بالحياة لمدة أربعة عشر قرنا أو يزيد. فإذا كنا الآن لا نحسن الحوار كما يقول الغرب فلأننا قد نهلنا من ثقافته هذا السلوك، فأصابنا الغرب (نتيجة التلاقح الاستعماري) بداء فقدان المناعة الحوارية.</p>
<p>د. عبد الله الحسيني</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2002/07/%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%84-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a3%d9%85-%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%ad/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
