<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; النهوض الحضاري</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>معالم النهوض الحضاري بين الأصل والعصر (2)   </title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/05/%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%b1-2/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/05/%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%b1-2/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 18 May 2017 10:30:28 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 479]]></category>
		<category><![CDATA[تربية و تعليم]]></category>
		<category><![CDATA[أزمة النهوض]]></category>
		<category><![CDATA[الأزمة الفكرية]]></category>
		<category><![CDATA[الدكتور عصام البشير]]></category>
		<category><![CDATA[العلم الديني]]></category>
		<category><![CDATA[النهوض الحضاري]]></category>
		<category><![CDATA[معالم النهوض الحضاري]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=18985</guid>
		<description><![CDATA[ أزمة النهوض الحضاري وعواملها &#160;  الأزمة الفكرية: بداية تقع الأزمة في عوامل بناء النهوض الحضاري الأزمة الفكرية عميقة ذلك أن الأمة تترنح بين ثلاث تيارات: تيار الغلاة، وتيار الجفاة، وتيار الغزاة. وهذا ما عبر عنه الحديث النبوي: &#8220;يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين&#8221; الغلاة:الذين بدؤا بالتكفير [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<h1 style="text-align: center;"><span style="color: #008000;"> <strong>أزمة النهوض الحضاري وعواملها</strong></span></h1>
<p>&nbsp;</p>
<h2><span style="color: rgb(128, 0, 0);"><strong> الأزمة الفكرية:</strong></span></h2>
<p>بداية تقع الأزمة في عوامل بناء النهوض الحضاري الأزمة الفكرية عميقة ذلك أن الأمة تترنح بين ثلاث تيارات: تيار الغلاة، وتيار الجفاة، وتيار الغزاة. وهذا ما عبر عنه الحديث النبوي: &#8220;يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين&#8221;</p>
<p>الغلاة:الذين بدؤا بالتكفير وانتهوا بالتفجير، كفروا ثم فجروا، هؤلاء الذين تعاملوا مع النصوص بظاهرية غفلت عن روح المقاصد، وبحرفية جمدت عن تحصيل المقصود، ولم يتلقوا هذا العلم عن الربانيين الراسخين في العلم رسوخا يزاوج بين العلم والعمل، والفقه للنصوص الجزئية مع مقاصدها الكلية، والوعي بواقع العصر وترتيب الأولويات والنظر في الذرائع والمآلات، هؤلاء وقعوا في هذه الظاهرية القاتلة التي وقع على مثلها الخوارج حينما قالوا: &#8220;حكم الرجال في دين الله، والله تعالى يقول: إن الحكم إلا لله. قال علي : &#8220;كلمة حق أريد بها باطل&#8221; ثم بعث ابن عباس ليقيم الحجة عليهم من خلال الجدال والبرهان، وهؤلاء اليوم شيخهم وإمامهم وابن بجدتهم علما وتجربة هو الشيخ كوكل عليه رحمة الله، لذلك وقع هذا الاختلال في قضية منهج الغلاة، لاسيما وأن الواقع المحبط لأمتنا جعلهم يقفزون فوق المراحل قفزا لا يراعون فيه المآلات التي تترتب عن هذا السلوك الذي سلكوه والذي أفضى بالأمة إلى شر مستطير، أكل الأخضر واليابس، وذهب بكل هذه المقاصد الكبرى التي تتغياها الأمة في حياتها.</p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 0);"><strong>عجوز تمنت أن تكـــون صبية</strong></span></p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 0);"><strong>وقد يبس الجنبان واحدودب الدهر</strong></span></p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 0);"><strong>تروح إلى العطار تبغي شبابها</strong></span></p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 0);"><strong>وهل يصلح العطار ما أفسد الدهـر</strong></span></p>
<p>يقابل هؤلاء الغلاة الجفاة:إذا كان الأولون سلكوا مسلكا ظاهريا غفل عن روح المقاصد فإن هؤلاء يريدون أن يُسقطوا الثوابت، ويضعفوا المحكمات، وينسفوا المسلمات، يريدون الإسلام عقيدة بلا شريعة، دعوى بلا دولة، دينا بلا دنيا، حقا بلا قوة جهادا بلا قتال، رحمة بلا عزة، حوارا بلا ندية، تسامحا بلا تكافؤ، يريدون أن يجعلوا القرآن عضين، وأن يقبلوا الإسلام أجزاء تفاريق، فقابل هؤلاء أولئك، وكلاهما يغذي الآخر، فإن التطرف الديني والتطرف اللاديني كلاهما يغذي الآخر وهما وجهان لعملة واحدة،</p>
<p>وبالمناسبة فكلمة التطرف لا تعني الغلو؛ التطرف يعني الوقوف عند طرف، فكل غلو يعتبر تطرفا، وليس كل تطرف يعتبر غلوا؛ لأن التطرف قد يكون تطرف إفراط وقد يكون تطرف تفريط، وقد يكون تطرف طغيان وقد يكون تطرف إخسار، قد يكون تطرف وكس وقد يكون تطرف شطط، والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان، فالميزان وسطية العدل بين الطغيان إذا زاد عن حده وبين الإخسار إذا نقص عن مقامه، وكلاهما يعتبر تطرفا، ولذلك لن نكون وسطيين إذا تحدثنا عن لون واحد من ألوان التطرف، وإذا تحدثنا عن تطرف التكفير الذي ينتهي بالتفجير، وصرفنا النظر عن تطرف التخدير الذي ينتهي بالتدمير، لن نكون وسطيين إلا إذا تناولنا التطرف بشقيه وببعديه كذلك.</p>
<p>وأما الغزاة:فهم الذين يريدون أن يفرضوا على الأمة حضارة كونية مركزية لا تعترف لأمتنا بحق الوجود، ولا بحق الخصوصية الثقافية، ولا بحق الهوية الحضارية، هم يؤمنون بالتعددية الدينية والثقافية والفكرية لمجتمعاتهم، ولكنهم يريدون أن يشكلوا واقع مجتمعنا الإسلامي؛ إن كان في عالم السياسة عبر النظام الرأسمالي، وإن كان في عالم الاقتصاد عبر اقتصاديات السوق الحر، وإن كان في عالم الاجتماع والثقافة عبر أدوات العولمة بأشكالها، حتى في مجال الأذواق والفنون والرياضة كل ذلك يريدون أن يشكلوا من خلاله رؤية كونية لا تعترف للآخرين بحق الخصوصية. فأمتنا تضيع اليوم بين غلاة وجفاة وغزاة، أو بعبارة أخرى بين تيار الانتحار أو الاشتجار الذي لا يعيش إلا في جو الخلاف، ويجعل من الحصاة جبلا، ومن الحبة قبة، وبين تيار الانبهار الذي يقع في الاستلاب والتبعية والتغريب، أو بين تيار الاجترار الذي يجتر الماضي ويستدعي معارك التاريخ التي لم نكن جزءا منها، ولم نكن شهودا عليها، ونحن أبناء اليوم ولسنا أبناء الماضي، فالماضي نأخذ منه عبرته، ومن خلال عبرته نعايش الحاضر ونستشرف من خلاله المستقبل.</p>
<p>إذن هذه الأزمة الفكرية نحاول أن نُخرج من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين، وهو الدعوة إلى إحياء فكر التوازن والاعتدال، ولكن لأن كلمة الوسطية كلمة يجعلها بعض الناس هُلَامية رَجْرَاجة مطّاطة يفسرها كل بما يريد.نقول بأن الوسطية تعود في أصل جذرها اللغوي إلى ثلاث معان:</p>
<p><strong>المعنى الأول:</strong> تعود إلى معنى الخيرية، &#8220;كان رسول الله  وسلم أوسط العرب نسبا&#8221;.</p>
<p><strong>والمعنى الثاني:</strong> تعود إلى معنى العدل «قال أوسطهم» أي أعدلهم. (هم وسط يرضى الأنام بحكمهم) أي هم عدول. وكذلك جعلناكم أمة وسطا؛ أي كما قال البخاري عدولا خيارا.</p>
<p><strong>والمعنى الثالث:</strong> هو التوازن المحمود الذي يعصم الفرد بين أن يكون فريسة بين طرفي الإفراط والتفريط أو الطغيان والإخسار أو الغلو والتقصير، والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزانوالذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها، &#8220;يا أبا بكر ارفع صوتك شيئا&#8221;،&#8221;يا عمر اخفض من صوتك شيئا&#8221;.</p>
<p>وبالتالي هذه الوسطية ليست وسطية ساجنة أنهار هينة المحبسين، الجمود على القديم أو العبودية للجديد، وليست داجنة مدجنة بفعل الضغط الحضاري، وليست ماجنة تتلون بتلون الأهواء، وإنما هي وسطية تقدم الإسلام منهجا هاديا للزمان والمكان والإنسان، موصولا بالواقع، مشروحا بلغة العصر، وهذا ضابط مهم في عوامل البناء الحضاري؛ أن نخاطب العصر بلغته وزمانه: &#8220;حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله&#8221;، واللسان ليس مجرد اللغة، أن تخاطب العربي بعربيته، اللسان أعم من ذلك، فلسان المثقف ليس كلسان العامي، ولسان رجل البادية ليس كلسان الحضري، لسان المؤمن الذي تحتج له بدليل من الكتاب والسنة فيقبله ليس كلسان غير المؤمن. فكل له لسانه. وبعض الناس يريدون أن يخاطبوا العصر بلسان عفا عليه الزمان من حيث اللغة والمصطلح. نريد كذلك أن نستهدي بمخاطبة الناس بما تدركه عقولهم وتتسع له آفاقهم، إن علي ابن الجهم لما أراد أن يمدح المتوكل كان يعيش في البادية، فما عرف أن يحسن اللغة التي يخاطب بها الملك حين أراد أن يمدحه فقال:</p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 0);"><strong>أنت كالكلب في حفاظك للود</strong></span></p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 0);"><strong>وكالتيس في قراع الخطوب</strong></span></p>
<p>قالوا له إنك ذممت ولم تمدح وأسأت ولم تحسن، فأراد الوزراء أن يبطحوه أرضا وأن يوجعوه ضربا. فقال الملك وكان أريبا حكيما فطنا عاقلا: دعوه إنما تكلم بلسان حال بيئته، ابعثوا به إلى الرُّصافة، فعاش بين البساتين الفيحاء، والرياض النضرة، والوجوه الحسان، والمياه الجارية، ليأتي بعد عام ويقول:</p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 0);"><strong>عيون المها بين الرصافة والجسر</strong></span></p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 0);"><strong>جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري</strong></span></p>
<p>إذن الوسطية أن نقدم الإسلام منهجا هاديا للزمان والمكان والإنسان، موصولا بالواقع، مشروحا بلغة العصر، جامعا بين النقل الصحيح والعقل الصريح، مستلهما للماضي، معايشا للحاضر، ومستشرفا للمستقبل ينفتح على الحضارات دون أن يذوب، يراعي الخصوصية دون أن ينغلق، ينتفع بكل قديم صالح ويرحب بكل جديد نافع، يلتمس الحكمة من أي وعاء خرجت، يعمل على تحرير المشترك الإنساني والديني والحضاري، يرتبط بالأصل ويتصل بالعصر، ومن الناس من اتصل بالعصر وانكفأ به عن الأصل، والوسطية الموضوعية الموازنة بين ارتباط الأصل واتصال العصر.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>الموقف من التراث:</strong></span></h2>
<p>ومن عوامل النهوض كذلك بعد تحرير أزمة الفكر وضبط المفاهيم والمصطلحات هي الموقف من التراث، وحينما نتحدث عن التراث نخرج الوحي المعصوم وحي الكتاب المتعبد بتلاوته ووحي بيان هذا الكتاب، وإنما نتحدث عن جهود أسلافنا، هذا الميراث الذي خلفه علماؤنا.</p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>من دلالة مفهوم السلف:</strong></span></p>
<p>ولابد أولا أن أقف عند مدلول كلمة السلف الصالح الذين ندعو جميعا إلى التأسي بهم.</p>
<p>كلمة السلف: ما مضى وتقدمك في الزمان، وأصبح هذا المفهوم مصطلحا أو علما على أهل القرون الفاضلة المشهود لها بالخير والإيمان. والسؤال هنا كيف نتأسى في عملية البناء الحضاري بالسلف الصالح؟ هل نتأسى بهم في جزئيات أقوالهم وفرعيات ألفاظهم؟ أم نتأسى بهم في مجموع منهجهم؟ التأسي بهم في مجموع المنهج، في كلياته وثوابته وقطعياته ومحكماته. ومن خصائص منهجهم أنهم كانوا يبنون على ما ينبني عليه عمل لا ما ينبني عليه جدل، وبعض الناس يحملون الانتماء إلى السلف الصالح على ما ينبني عليه جدل، والإمام مالك قال قاعدة جعلها الإمام الشاطبي في مقدماته العشرة: &#8220;كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما نهينا عنه شرعا&#8221;.</p>
<p>ثم إن السلف الصالح عاشوا عصرهم وزمانهم، ومقتضى التأسي بهم أن نعيش عصرنا وزماننا، وأن نقدم أجوبتنا لتحديات زماننا كما قدم السلف أجوبتهم لتحديات زمانهم، لا أن نردد ذات الأقوال، وأن نعلم أن السلف الصالح ليست رؤيته واحدة في الجزئيات، وليس قولا واحدا في الفرعيات، هم مدرسة واسعة اتسعت لرخص ابن عباس، وعزائم ابن عمر وأثرية ابن حنبل، وفقه أبي حنيفة، واجتهاد ابن المسيب، وظاهرية ابن حزم، ومقاصدية الشاطبي، ورقائق الجنيد، وفلسفة أبي حامد الغزالي، واجتهاد ابن القيم، وكلهم من رسول الله ملتمس غرفا من البحر أو رشفا من الدِّيَم. كلهم من هذا نأخذ وندع دون أن نعتقد عصمة لآحادهم. فالعصمة للأمة في مجموعها، والنبي  له عصمتان: عصمة هداية وعصمة حماية، عصمة الحماية: والله يعصمك من الناس، إنا كفيناك المستهزئين، إن شانئك هو الأبتر؛ وعصمة الهداية: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.</p>
<p>إذن موقفنا من التراث ليس مع الذين يقولون ليس بالإمكان أبدع مما كان، وما ترك الأول للآخر شيئا؛ وإنما نقول: كم ترك الأول للآخر، يقول العلامة ابن عبد البر في كتابه &#8220;جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله&#8221;: &#8220;ليس أضر على العلم من قولهم ما ترك الأول للآخر، بل الصواب عندنا كم ترك الأول للآخر&#8221;، والدليل: ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، ولذلك قال ابن مالك في أول كتاب التسهيل في النحو كلمة تكتب بماء الذهب: &#8220;وإذا كانت العلوم منحا إلهية ومواهب اختصاصية فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين، نعوذ بالله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف&#8221;. هذا الموقف الأول: الذين يقولون ليس بالإمكان أبدع مما كان، بل الصواب بالإمكان أبدع مما كان؛ وبين الذين يريدون أن يقيموا قطيعة مع الموروث الحضاري لأمتنا، ونحن نقول لهؤلاء وأولئك: الأمة أمة تراكمية يبني اللاحق على جهد السابق، ويقدم من بعد ذلك كسبه وإبداعه وإضافته، فلا استنامة على القديم ولا قطيعة معه، لا تقديس ولا تبخيس، بل تقدير واحترام لأفضل ما قدمه وأنتجه عقل أسلافنا الصالحين. ثم من بعد ذلك نقدم كسبنا وإبداعنا لتبني الأمة على جهود بعضها البعض، وبعبارة أخرى نقول العلاقة مع هذا التراث التخير والانتقاء بعد التحصيل والارتواء، نتخير وننتقي أطايبه بعد أن نَعُبّ منه وأن نستحصل ما ورد من معان ومفردات جميلة اجتهد فيها علماؤنا. ويكفي أن محمد بن الحسن وأبا يوسف من أصحاب أبي حنيفة خالفا أبا حنيفة في ثلث المذهب في فترة زمنية وجيزة، وقالا: لو رأى إمامنا ما رأينا لغير رأيه، وهو ما يعبر عنه فقهاء الحنفية إنه اختلاف عصر وزمان وليس اختلاف حجة وبرهان، فكيف بهذه الآماد المتواصلة في هذا الزمان. من هنا كان لابد من أن ندرك أن العلاقة مع هذا الموروث تقع بين هذه الرؤية المتواصلة المعتدلة المتوازنة دون قطيعة ودون استنامة إليه.</p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>داء التعصب المقيت:</strong></span></p>
<p>الأمر الآخر هو من المعيقات لمسألة البناء الحضاري، وهو الوقوع في داء التعصب، إن كان تعصبا فقهيا، مذهبيا، طائفيا، فكريا، حركيا،دعويا، أيا كان صور هذا التعصب. إن الانتفاع بمن تتلقى عنه العلم وتتربى عنه في المدارس الروحية أو غير ذلك لا يجعله مصدر حق مطلق. وقد وقع جيل من الشباب في هذا الداء المقيت؛ التعصب تجاه الأفكار، وتجاه الرؤى، وتجاه الاجتهادات، تعصبا ينعقد عليه الولاء والبراء. نحن كما قال إمام دار الهجرة: &#8220;ما منا إلا راد أو مردود عليه&#8221;، وكما قال الشافعي: &#8220;اجتهادنا صواب يحتمل الخطأ، واجتهاد غيرنا خطأ يحتمل الصواب&#8221;. هذا الفكر بمادته وبعطائه في كل البلاد ترك ميراثا عظيما، لكن نأخذ منه وندع، ونتحلى بداء الإنصاف في أن ننتفع بمن نخالفهم. ولذلك فنحن نخالف الحضارة الغربية في أشياء ولكن ننتفع بما عندها من أشياء، والأمير شالس ولي عهد بريطانيا أنصف الحضارة الإسلامية أيما إنصاف في محاضرته الشهيرة التي قدمها في أكسفورد، وبالتالي فنحن وجدنا في تاريخنا هذا العطاء، وهذا الموقف الذي يساعد على عوامل بناء الحضارة.</p>
<p>فالإمام علي رضي الله عنه حينما سئل عن الخوارج -رغم انحرافهم وضلالهم-: أكفار هم؟ قال: &#8220;من الكفر فروا&#8221;، أمن المنافقين؟ قال: &#8220;إن المنافقين لا يذكرون إلا قليلا&#8221;، ما شأنهم؟ قال: &#8220;إخواننا بغوا علينا&#8221;، وخرج لهم أصحاب الصحيح في الصحيح، وهذا من تمام العدل والإنصاف.</p>
<p>والإمام الزمخشري على اعتزاليته كان إماما لا يشق له غبار في باب الإعجاز البياني اللغوي، وكتاب الكشاف، وكتاب المفصل في علوم العربية، وكتاب أساس البلاغة، وكتاب الفائق في غريب الحديث والأثر يدل على علو كعبه ورسوخ قدمه، وهو القائل عن كتابه الكشاف:</p>
<p><span style="color: #000000;"><strong>إن التفاسير في الدنيا بلا عــــــــدد</strong></span></p>
<p><span style="color: #000000;"><strong>وليـــس فيها لعمري مثل كشافـي</strong></span></p>
<p><span style="color: #000000;"><strong>إن كنت تبغ الهـــدى فالزم قراءته</strong></span></p>
<p><span style="color: #000000;"><strong>فالجهل كالداء والكشاف كالشافي</strong></span></p>
<p>وكان من اعتزازه باعتزاليته أنه إذا طرق باب أحدهم، وجاءه صبي صغير قال: خَبِّرْ أباك أن أبا القاسم المعتزلي بالباب. ومع ذلك فكثير من علماء السنة الذين كتبوا في التفسير استبطنوا كتابه الكشاف، وجاء ابن المنيرة الإسكندراني فانتفع به وعلق على اعتزالياته، لكنهم انتفعوا بهذا الكتاب أيما انتفاع. فالإنصاف هو الذي يسهم في بناء الحضارة. أن تأخذ النافع من كل حضارة، من كل ثقافة، من كل بيئة. وميزة حضارتنا الإسلامية أنه لم يوجد فيها مركز واحد، فقد تعددت مراكز الحضارة في الأمة الإسلامية: المدينة المنورة، والشام، وبغداد، والكوفة، وفاس، والقيروان، وخرسان، وقرطبة، وغرناطة، وطليطلة، وتمبوكتو؛ تنوعت هذه العطاءات الحضارية في العواصم ومراكز صناعة الحضارة، وكذلك في البشر الذين سادوا هذه الحضارة. لم تكن هناك قيادة واحدة، كان العرب وكان الحبش وكان الفرس، وكان الهند، وكان الترك، وكان الماغول؛ وكل هؤلاء ساهموا في قيادة هذه الأمة. ولذلك، لابد أن ننفتح هذا الانفتاح الواعي الذي يفرق بين أهواء العصر وبين مقتضيات العصر، فيأخذ النافع المفيد، فلا عبودية لجديد، ولا عبودية لقديم؛ فالعبرة ليست بالقدم ولا بالجدة، وإنما العبرة بما كان صالحا في نفسه فينبغي أن نعقد عليه الخناصر وأن نشد عليه الوثاق. وهذا ما ينبغي أن يكون حاضرا في علمنا.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>الفصل بين العلم الديني والعلم المدني:</strong></span></h2>
<p>النقطة الأخيرة، وهي إحدى مشكلات الأمة في البناء الحضاري أنه وقع الفصل البائن بين ما سمي بالعلم الديني والعلم المدني. وما كان المسلمون من قبل يعرفون هذا الفصل البائن، والغرب نتيجة الصراع الذي وقع مع الكنيسة صوروا لنا في عالمنا الإسلامي أن رجل الدين هو الذي يرتدي جلبابا ويكور على رأسه عمامة ويسدل ذؤابته بين كتفيه ويحمل العصا، ويحفظ الحواشي والمتون، ولا شأن له بالدنيا ولا شأن له بإعمار الحياة. أما الأفندي الذي يربط بنطالا على عنقه، فهو الأفندي الذي يعرف علوم الكون والحياة، ولكنه لا يتصل بالدين.</p>
<p>والله تعالى ذكرنا في آيات؛ ذكر علم النبات، وعلم الجماد، وعلم الأحياء، ثم قال: إنما يخشى الله من عباده العلماء، فالخشية لا تنحصر في من درس علوم الشريعة، كل علم تنتفع به الأمة في دينها ودنياها وأخراها ويسخر لمنفعتها ومصلحتها فهو علم صحيح. ولذلك فابن رشد الفيلسوف هو الذي رد على الفلاسفة، وهو الذي ألف كتاب الكليات في الطب واعتمدت عليه أوربا لعدة قرون من الزمان، وهو صاحب كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه المقارن. ما عرفوا هذا الفصل بين هذه العلوم، كنا حينما ندرس الفيزياء والكيمياء والإحياء، لا نربطها بقضايا الإعجاز العلمي في القرآن، تربط بمعزل عنها. وحصة التربية الإسلامية تأتي دائما في مؤخرة الدوام حينما يكل الذهن، ولا تربط إلا بقضايا جدليات العقيدة، ولا شأن لها بعلوم الكون والحياة والعلوم النفسية والاجتماعية، وغير ذلك.</p>
<p>لا بد أن تعود مصادر المعرفة، وأن يعود العلم التوحيدي بكل شعبه ومدارسه في تناغم وتكامل وتآزر وتناصر وتعاضد لتنهض الأمة في جميع شعب الحياة. فنحن نشهد اليوم الجمود في العلم الشرعي، كما نشهد التخلف كذلك في علوم الكون والحياة. ولا نهضة نستأنف بها مسيرة الشهود الحضاري التي قبل أن نقيمها على الناس علينا أن نقيمها على أنفسنا، وإن لم نقمها على أنفسنا لم نستطع أن نقدم النموذج الذي يجسد لنا تمثلات هذا البناء الحضاري.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>النظرة القاصرة للدنيا:</strong></span></h2>
<p>إن نظرتنا أيضا للدنيا، نظرة فيها كثير من التخلف؛ لأن بعض الناس شاع عندهم أن الدنيا جاءت لتعبر لا لتعمر، وجاءت لتهدم لا لتبنى، مع أن الدنيا: ما هي؟ الدنيا ما ذمت في القرآن إلا لسببين أو لأحدهما: إذا ألهت عن ذكر الله  أو توصل الإنسان إليها بالحرام الممنوع دون الحلال المشروع، وإلا فهذه أرض الله التي نمشي عليها ونأكل من رزقه ونتأمل فيها بديع صنعه، ونحن أمرنا بأن نعمرها: هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها، لنجعل من العالم التسخيري إلى عالم التعميري، إلى عالم التثمير.</p>
<p>وحتى مفهوم الزهد الذي ذكره علماء الحقائق والرقائق أسأنا مفهومه، فالزهد ليس هو الزهد في الطيبات ولا فيما أباح الله تعالى، إنما الزهد &#8220;ألا يغلب الحلال شكرك ولا الحرام صبرك&#8221;، &#8220;إذا اغتنيت فاشكر وإذا افتقرت فاصبر&#8221;. الزهد أن &#8220;يكون ما في يد الله أوثق منك مما في يديك&#8221;، هذا هو معنى الزهد. ولكن بعض الناس زهده زهد الثعلب، لا يجد الشيء ثم يقول أنا زاهد فيه، هذا ليس بزهد صحيح، الثعلب الذي وجد عنقودا من العنب فاحتال إليه بكل سبيل، فلما أعيته الحيلة رفع يديه، وقال اللهم لا تجعل لنا نصيبا في الحرام.</p>
<p>يقول الله تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة. (إن الرجل يحب أن يكون ثوبه جميلا ونعله حسنا، أمن الكبر هو؟ قال رسول الله : «الكبر بطر الحق وغمط الناس»)، وحتى حديث: اللهم احشرني في زمرة المساكين، أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، هذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم، وعلى فرض حسنه بتتبع طرقه وأسانيده فالمقصود بالمساكين هنا التواضع، أي اجعلني من المتواضعين.</p>
<p>أيها الأحباب، إن البناء الحضاري الذي ننشده هو العقيدة الموافقة للفطرة، العبادة الدافعة للعمارة، والعقل المهتدي بالوحي، والعلم المرتبط بالإيمان، والإيمان المقترن بالعمل، والعمل الملتزم بالدعوة، والأخلاق المترقية بالإنسان، والجسد الممدود بالروح، والأسرة التي تصون الفرد، والمال المكتسب من حل والمنفق في حق، والقوة المقترنة بالحق، والتشريع المحقق للمصلحة، والآداب التي تُجَمِّل الحياة، والفن الملتزم بالقيم، والخير المتوشح بالجمال.</p>
<p>والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.</p>
<h4><span style="text-decoration: underline; color: rgb(255, 0, 0);"><em><strong>الدكتور عصام البشير</strong></em></span></h4>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/05/%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%b1-2/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>معالم النهوض الحضاري بين الأصل والعصر* (1)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/05/%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%b1/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/05/%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%b1/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 04 May 2017 10:44:31 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 478]]></category>
		<category><![CDATA[الفقه و المعاملات]]></category>
		<category><![CDATA[تربية و تعليم]]></category>
		<category><![CDATA[الأصل والعصر]]></category>
		<category><![CDATA[الأمة الجامعة]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة الشاهدة]]></category>
		<category><![CDATA[الدكتورعصام البشير]]></category>
		<category><![CDATA[السنن الفاعلة]]></category>
		<category><![CDATA[الشرعة الرافعة]]></category>
		<category><![CDATA[الصحوة]]></category>
		<category><![CDATA[العقيدة الدافعة]]></category>
		<category><![CDATA[المقاصد الحافظة]]></category>
		<category><![CDATA[النهوض الحضاري]]></category>
		<category><![CDATA[معالم النهوض]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=17138</guid>
		<description><![CDATA[بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وقدوتنا ومعلمنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. تفكيك المفاهيم والمصطلحات: نبدأ معكم في رحلة تفكيك المفاهيم والمصطلحات. النهوض: مبدؤه عملية الصحو، والصحو هو انتباه بعد ركود، والصحو قد يكون من أمر طبيعي كالنوم، ومن أمر اصطناعي كالسكر، ومن أمر معنوي [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><strong>بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وقدوتنا ومعلمنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.</strong></p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><strong>تفكيك المفاهيم والمصطلحات:</strong></span></p>
<p><strong>نبدأ معكم في رحلة تفكيك المفاهيم والمصطلحات.</strong></p>
<p>النهوض:<strong> مبدؤه عملية الصحو، والصحو هو انتباه بعد ركود، والصحو قد يكون من أمر طبيعي كالنوم، ومن أمر اصطناعي كالسكر، ومن أمر معنوي كالغفلة. يقال: صحا من نومه، صحا من سكره، صحا من غفلته. والأصل في عملية الصحو أنها مدركة بما نطلق عليه القلب أو الفؤاد:</strong></p>
<p>- أتصحو أم فؤادك غير صاح</p>
<p>عشية هَمَّ صحبك بالرواح</p>
<p><strong>- (صحا القلب عن سلمى وأقصر باطل)</strong></p>
<p><strong>ثم الانتقال من الصحوة إلى اليقظة التي تدل على الانتقال من الرقاد إلى الانتباه لما يتوجب على النفس أن تنهض به، فالنهوض ثمرة صحوة، فمن بعد ذلك يقظة، لتستجمع القوة وتتحرك في مسارين: المسار الأول هو مسار إرادة التغيير، والمسار الثاني مسار إدارة التغيير، وهذا ما عبر عنه الحديث النبوي الصحيح: «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام»؛ همام إشارة إلى الإرادة؛ لأن كل فعل يصدر عن الإنسان مبدؤه خاطرة، فتكون الخاطرة هَمّاً، فيكون الهم عزما، فيكون العزم إرادة، فتكون الإرادة فعلا.</strong></p>
<p><strong>&#8220;أصدقها حارث وهمام&#8221; إشارة إلى تواتر إرادة التغيير، وإن إرادة التغيير لا تفعل وحدها ما لم تكن لها ضميمة تتصل بها اتصالا وثيقا محكما يمكن التعبير عنه بإدارة التغيير؛ أي أن نحول إرادة التغيير إلى برامج ومشاريع وعمل وخطط تنفذ في الواقع، وهذا ما عبر عنه بحارث، فالحرث الذي هو الزرع المفضي إلى الإنتاج، والمفضي إلى حصول ثمرات يانعة وقطوف دانية.</strong></p>
<p>الحضارة:<strong> في الأصل هي في مقابل البداوة.</strong></p>
<p>ومن تكن الحضارة أعجبته</p>
<p>فأي رجال بادية ترانا</p>
<p><strong>وبعبارة مختصرة يمكن أن نعرف الحضارة بأنها ثمرة تفاعل الإنسان مع الكون والحياة. فالإنسان سيد في الكون وليس سيد الكون. سيد الكون هو الله تعالى، والإنسان سيد في هذا الكون، مخلوق مكرم خلقه تعالى بيده ونفخ فيه من روحه، أسجد له الملائكة، وعلمه الأسماء التي هي مفاتيح العلوم واللغات، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه.</strong></p>
<p>داؤك فيك ومـــا تبصر</p>
<p>ودواؤك منك ومـا تشعر</p>
<p>وتزعم أنك جرم صغير</p>
<p>وفيك انطوى العالم الأكبر</p>
<p><strong>وفي الأثر وإن لم يصح سندا، ولكنه يصح معنى «ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن».</strong></p>
<p><strong>وهذه الحضارة كلها جهد تراكمي من إنجاز إنساني واجتماعي وأممي على صعيد الأفكار وعلى صعيد القيم والإبداع المادي، أو ثمرة الإنسان والفكرة والوقت كما يقول الأستاذ مالك بن نبي.</strong></p>
<p><strong>لكن هذه الحضارة لا يمكن أن يطلق عليها هذا الوصف إلا إذا وجد نسق عقدي يحدد طبيعة الإنسان والعلاقة مع عالم الغيب والشهادة، ثم بناء فكري وسلوكي يحدد نمط القيم السائدة في المجتمع وهي الأخلاقيات العامة، ثم نمط مادي يشمل الأبعاد المادية في الحياة، ثم نمط العلاقة مع الكون ومسخراته، ثم العلاقة مع الآخر.</strong></p>
<p><strong><span style="color: #993300;">أما الأصل:</span> فبالنسبة لنا معشر أهل الإسلام هوالوحي باعتباره مصدرا معرفيا حاكما يرعى الظاهر والباطن والفرد والأسرة والجماعة والأمة والحضارة، والمقصود بالتزام الأصل هو اتباع هذا الشرع الحنيف فيما أمر ونهى، وتحقيق مراد الله تعالى في الظاهر والباطن عبر منهج علمي موثق، استغرق تأصيله وضبطه أعمار جهود علماء أثبات مخلصين على مر القرون، ولا يزال يرفد العطاء المتجدد _</strong>ثلة من الاولين وثلة من الآخرين<strong>_.</strong></p>
<p><strong><span style="color: #993300;">أما العصر:</span> فهو زمان المخاطبين الذين يعيشون فيه، ومقتضاه أن نعمل على استحصال روح العصر، وتحصيل أسباب الرقي المادي والمعنوي، وأن نضرب فيه بسهم وافر في بناء الإنسانية بكل ما أتيح لها من مقدرات وموارد بشرية وجغرافية حيوية وحضارية وتاريخية ونحو ذلك.</strong></p>
<p><strong>والعصر نوعان: مقتضيات وأهواء. فمع مقتضيات العصر علينا أن نفتح عقولنا، ومع أهواء العصر علينا أن نفطم أنفسنا؛ لأن الهوى يحتاج إلى فطام النفس، أما المقتضى الذي لا بد له من وجود حيوي في حياة البشر وفي أنماط علاقاتهم فلا بد من أن تنفتح له العقول، وفرق بين التفاعل الحضاري وبين الغزو الحضاري؛ لأن الغزو اجتياح من القوي إلى منطقة الضغط المنخفض؛ أما التفاعل الحضاري فهو تقابل؛ أخذ وعطاء، تأخذ أفضل ما عند الآخرين وتمنح الآخرين أفضل ما تملك، فالمسلمون أخذوا من قبل فكرة تدوين الدواوين وتمصير الأمصار وصك العملة والمنجنيق وفكرة الخندق التي أخذوها من حضارة فارس والروم، وأخذ الغرب من علوم المسلمين وتراثهم في الأندلس وفي غيره مما يؤكد الحاجة إلى بناء المشترك الديني والمشترك الإنساني والمشترك الحضاري؛ لأن القواعد التي يتأسس عليها بناء هذه المشتركات: </strong></p>
<p><strong><span style="color: #ff00ff;">أولا:</span> الإيمان بوحدة الأصل الإنساني؛</strong><strong> «أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد».</strong></p>
<p><strong><span style="color: #ff00ff;">ثانيا:</span> الإيمان بأن الكرامة لمطلق بني آدم؛ </strong><strong>_</strong>ولقد كرمنا بني آدم<strong>_.</strong></p>
<p><strong><span style="color: #ff00ff;">ثالثا:</span> الإيمان بأن إعمال الأخوة الإنسانية أولى من إهمالها</strong><strong>؛ وأشهد أن العباد كلهم إخوة، وكثير من الناس يخطئون ويحسبون أن الإخوة الإيمانية هي فقط معقد الرابط الذي يربط بين المسلمين دون غيرهم، بيد أن القرآن الكريم الذي نستنطق منه الهداية يتحدث عن أنماط من هذه الأخوة؛</strong></p>
<p><strong>فهناك أخوة الرحم والدم والعشيرة والنسب والقبيلة، وهنالك أخوة الوطن، وهنالك أخوة الإنسانية. _</strong>وإلى عاد أخاهم هودا<strong>_ _</strong>وإلى ثمود أخاهم صالحا<strong>_ _</strong>واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالاحقاف<strong>_ </strong></p>
<p><strong>_</strong>كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون<strong>_، فإن هؤلاء جحدوا نبوة نوح _ وكذبوا رسالته، ومع ذلك أثبت عقد الأخوةبينه وبين قومه، فهذا دليل على أن الأخوة يمكن أن تنداح في سياقات متعددة؛والأخوة الإيمانية هي أوثق هذه الروابط وأعلاها؛ ولكنها لا تنافي ما سواها من أنواع الروابط التي تنشأ بين بني البشر.</strong></p>
<p><strong><span style="color: #ff00ff;">رابعا:</span> اليقين بأن الله تعالى خلق البشر وهم يتفاوتون في ألسنتهم وألوانهموعقائدهم وأفكارهم</strong><strong>؛ _</strong>ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم<strong>_، بيد أن هذا الاختلاف لا يقف عند حد اللون أو البشرة أو الجنس أو اللغة وإنما يتعداه إلى الأفكار والعقائد.</strong></p>
<p><strong><span style="color: #ff00ff;">خامسا:</span> وهو ثمرة هذا الاختلاف، وهو التعارف؛</strong><strong> ويشمل ثلاث معان، يشمل أن يعرف بعضنا بعضا، ويشمل أن نبذل المعروف إذا تعارفنا، ويشمل حصول المعارف والعلوم.</strong></p>
<p><strong><span style="color: #ff00ff;">سادسا:</span> التأكيد على أن التعامل الأصل فيه السلم، والحرب استثناء طارئ</strong><strong>؛ فالله هو السلام، وتحيتنا السلام، والجنة دار السلام، والعداء يعتبر من الأمور الطارئة التي ينبغي أن نتعامل معها في سياقها الظرفي، ومشروعية القتال ليس لإكراه الناس على الدخول في الدين، وإنما حاصلها ومجموعها هو دفع العدوان؛ تحدث القرآن عن ثلاث أنماط: _</strong>وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا<strong>_، وهذا رد عدوان _</strong>وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة<strong>_ والفتنة هي مصادرة حريات الناس واضطهادهم وقهرهم وهو عدوان، وأيضا نصرة للمستضعفين من النساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، </strong></p>
<p><strong>وهذا رد عدوان، ومن هنا كانت الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة سبيلا لإبلاغ هذه الرسالة، ولم يجعلنا الله تعالى قضاة على الناس وإنما جعلنا في مقام الهداية بالأفعال والأحوال قبل الأقوال.</strong></p>
<p><strong><span style="color: #ff00ff;"> سابعا:</span> البر والقسط</strong><strong>؛ والبر كلمة ارتبطت بأعظم عبادة بعد التوحيد وهي بر الوالدين، جاءت في سياق العلاقة مع الآخر، وأنا أقول بأن الآخر الذي يعتبره كثير من الناس حالة من العداء المستحكم ليس حالة ثابتة، وإنما حالة متحركة، فإن المحارب قد يسالم، وإن المعادي قد يصالح، وإن الكافر قد يسلم، وحالة العداء التي تكون ثابتة لا تتبدل لا تنطبق إلا على عصف واحد وهو الشيطان _</strong>إن الشيطان لكم عذو فاتخذوه عدوا<strong>_، وما عدا ذلك كله يقبل أن يكون متحركا.</strong></p>
<p><strong>إذن هذه الأسس السبعة هي التي تشكل بابا ننطلق منه في توسيع قاعدة المشترك الإنساني والديني والحضاري، والنبي _ تمنى أن لو وجد مثل حلف الفضول الذي أدركه في الجاهلية، وكان نصرة للمستضعفين من أهل مكة ومن العابرين بها. قال: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جذعان حلفا ما أن لي به مثل حمر النعم ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» ولعل عالمنا اليوم الذي يشهد انتقالية العدالة وازدواجية المعايير أحوج مايكون إلى حلف فضول يضم أشراف العالم وأصحاب الضمير الحر ليلتقوا لإقرار العدل في وحدة معيار واستقامة ميزان.</strong></p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>أسس النهوض الحضاري:</strong></span></p>
<p><strong>هذه بعض إفاضات حول دلالة عنوان هذه المحاضرة، والمساحة التي يتحرك فيها بناء النهوض الحضاري بالنسبة لأمتنا هي هذه السباعية.</strong></p>
<p><strong>أولها: العقيدة الدافعة، وثانيها: الشرعة الرافعة، وثالثها: المقاصد الحافظة، ورابعها: القيم الحاكمة، وخامسها: الأمة الجامعة، وسادسها: السنن الفاعلة، وسابعها: الحضارة الشاهدة.</strong></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>أولها العقيدة الدافعة:</strong></span><strong> العقيدة الموافقة للفطرة التي تقدم تصورا معقولا للإله الخالق وللكون وللإنسان وللحياة ولعالم الغيب وعالم الشهادة على السواء.</strong></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>ثانيها المقاصد الحافظة:</strong></span><strong> التي دل الاستقراء على أن الشريعة جاءت لرعايتها من حفظ الضروريات الخمس أو الست على قول بعضهم، وكذلك القيم الحاكمة إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. </strong></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>وثالثها الأمة الجامعة:</strong></span><strong> إن لفظ الأمة في القرآن الكريم جاء على أربعة معان. الأمة في لغة العرب هي الجماعة يجمعها حال أو وصف،وجاءت على أربع معان: المعنى الأول: أن الجماعة بمعنى الحين والزمن _</strong>وادكر بعد أمة<strong>_ _</strong>ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة<strong>_ أي إلى زمان بعينه، وجاءت الأمة بمعنى الجنس من الأجناس _</strong>وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم<strong>_؛ أي جنس من الأجناس مثلكم، والمعنى الثالث أن الأمة بمعنى الإمام الذي يقتدى به _</strong>إن إبراهيم كان أمة<strong>_، والمعنى الرابع: أن الأمة بمعنى الجماعة التي تجتمع على حال ودين، بصرف النظر عن كون هذا الدين يعتبر حقا _</strong>إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون<strong>_ أو كان على غير ذلك، ولذلك جاء وصف الأمة الجامعة الذي نستشهد به ها هنا _</strong>إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون<strong>_ _</strong>وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون<strong>_. هاتان الآيتان جاءتا في سياق الحديث عن موكب الأنبياء والرسل، فالأنبياء والرسل,,,,وأنس الفضائل ومكارم الأخلاق وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم _</strong>لكل جعلنا منك شرعة ومنهاجا<strong>_. أما أصل الدين _</strong>ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت<strong>_ _</strong>وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون<strong>_، وقد بين الحديث الشريف أن الأنبياء إخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتى، والعلة هي الضرة، إشارة إلى أن الأصل الواحد كالأنبياء الذين ينحدرون من أب واحد، وأن الأمهات شتى هي بمثابة الشرائع والمناهج العلمية التي اختلفت بين نبي ونبي، وحال هذه الأمة المحمدية هي بجنس ما وقع للأنبياء والرسل، فهي تجتمع على الثوابت والأصول والكليات والقطعيات والمحكمات، هذا بمثابة الائتلاف والمشترك، وهي تتفاوت وتتنوع في المتشابهات وفي الظنيات وفي مواطن الاجتهاد وفي مناطق العفو التي سكت الشارع عنها، وفي مناطات المصالح المرسلة وسد الذرائع وإدراك المآلات ونحو ذلك. كل هذا مما يقع فيه الاختلاف، وهذا الاختلاف متى روعيت آدابه كان من الرحمة والسعة والتيسير المفضي إلى بحبوحة هذه الأمة.</strong></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>ورابعها الشرعة الرافعة:</strong></span><strong> هي التي تبين الأحكام التكليفية، إن كان في مجال الشرائع أو الشعائر,</strong></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>وخامسها السنن الفاعلة؛</strong></span><strong> إن الأمة اليوم أهملت السنن الفاعلة السنن التي تتعلق بنهضة الحضارات وموتها، هنالك سنة النصر، وسنة الأجل المسمى، وسنة التدرج، والسنة المرحلية، وسنة رعاية الأسبقيات والأولويات&#8230; هذه السنن أغفلها كثير من المسلمين، وهي سنن تتسم بالشمول والاطراد وتتسم بالديمومة. أغفلها كثير من المسلمين وأصبحوا يستعجلون قطف الثمرة قبل نضجها، ويستعجلون القفز فوق المراحل،يريدون بين يوم وليلة أن يحققوا كل الغايات ويستهدفوا كل الآمال على نحو ما قال أحدهم في طرفة أنه أراد أن يشتري حمارا –أعزكم الله- فذهب إلى السوق وقال: إني أريد حمارا لا هو بالطويل المشتهر ولا بالقصير المحتقر، إن أكثرت علفه شكر وإن أقللته صبر، إن خلا له الطريق تدفق، وإن كثر عليه الزحام ترفق، إن ركبته أنا هام، وإن ركبه غيري نام. قال يا هذا اصبر حتى يمسخ الله القاضي حمارا فتصيب حاجتك إن شاء الله تعالى. فهؤلاء ليسوا ببالغي أمرا شأن قطف الثمرة قبل نضجها حتى يمسخ الله القاضي حمارا.</strong></p>
<p><strong>ومن هنا كان لا بد من إدراك هذه السنن _</strong>وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا<strong>_. فالمعرفة بهذه السنن، إدراك هذه السنن، إعمال هذه السنن، فقه هذه السنن، وحسن التعاطي مع هذه السنن هو أمر بالغ الأهمية في مسألة النهوض الحضاري.</strong></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>ثم سادسها الحضارة الشاهدة:</strong></span><strong> والشهود يعني الحضور، والأمة المسلمة اليوم موجودة ولكنها ليست حاضرة، وفرق بين أن تكون موجوا وبين أن تكون حاضرا، ليست حاضرة؛ لأن الحضور حضوران: حضور في الزمان، وحضور في المكان. وحضور الزمان هو الفعل الثقافي المؤثر، وحضور المكان هو الفعل العمراني الرشيد. وبهذين المعيارين فالأمة ليست حاضرة، الأمة ليست فاعلة، وليست مبادرة، وليست مبادئة، الأمة مفعول بها، الأمة متخلفة، الأمة متخلفة عن الركب، تعيش في منطقة الضغط المنخفض تعيش في منطقة قاع حضاري، ولذلك لابد لها من إعمال هذه السنن لكي تستأنف مسيرتها الحضارية مرة أخرى، وهي مؤهلة من حيث أنها تملك مصادر الوحي المحفوظة، وتملك كذلك الإمكانات البشرية الهائلة، وتملك الموارد الحيوية، وتملك الثروات في باطن الأرض وظاهرها، تملك الموقع الجغرافي المتميز في سرة الدائرة ومركزها، وتملك كذلك قوة التاريخ وقوة الجغرافيا وقوة الحضارة، وتملك هذا الرصيد الزاخر، ولكن نود أن ننتقل الأمة من دائرة الإمكان الحضاري إلى دائرة الفعل الحضاري من خلال إعمال هذه السنن.</strong></p>
<p><!--StartFragment--><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>الدكتورعصام البشير</strong></em></span><!--EndFragment--></p>
<p>يتبع</p>
<p><strong>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8211;</strong></p>
<p>* الأص لفي هذا الموضرع محاضرة افتتاحية في المؤتمر العالمي الرابع للباحثين في القرآن الكريم وعلومه في موضوع<strong>: &#8220;</strong>المصطلح القرآني وعلاقته بمختلف العلوم<strong>&#8221; </strong>المنعقد بفاس أيام<strong> 15-16-17 </strong>رجب<strong> 1438</strong>هـالموافقل<strong> 13-14-15 </strong>أبريل<strong> 2017</strong>م ونظرا لقيمتهاالعلمية والتربوية أعدتها جريدة المحجة للنشر<strong>.</strong></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/05/%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>الدكتور عصام البشير يفتتح أعمال المؤتمر العالمي الرابع للباحثين في القرآن الكريم وعلومه بمحاضرة في موضوع:</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/04/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d8%b9%d8%b5%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d9%8a%d8%b1-%d9%8a%d9%81%d8%aa%d8%aa%d8%ad-%d8%a3%d8%b9%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a4%d8%aa/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/04/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d8%b9%d8%b5%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d9%8a%d8%b1-%d9%8a%d9%81%d8%aa%d8%aa%d8%ad-%d8%a3%d8%b9%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a4%d8%aa/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 25 Apr 2017 13:58:34 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 477]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[الدكتور عصام البشير]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[النهوض الحضاري]]></category>
		<category><![CDATA[معالم النهوض الحضاري]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=17046</guid>
		<description><![CDATA[معالم النهوض الحضاري بين الأصل والعصر &#160; افتتح المؤتمر العالمي الرابع للباحثين في القرآن الكريم وعلومه بمحاضرة افتتاحية عامة ألقاها الدكتور عصام البشير رئيس المجمع الفقهي بالسودان ووزير الأوقاف سابقا في موضوع &#8220;معالم النهوض الحضاري بين الأصل والعصر&#8221; وقد استهل المحاضر كلمته بتقديم تحديدات مفهومية منها بيان مفهوم الحضارة يقابل البداوة وأنها خلاصة تفاعل الإنسان [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #ff0000;"><strong>معالم النهوض الحضاري بين الأصل والعصر</strong></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>افتتح المؤتمر العالمي الرابع للباحثين في القرآن الكريم وعلومه بمحاضرة افتتاحية عامة ألقاها الدكتور عصام البشير رئيس المجمع الفقهي بالسودان ووزير الأوقاف سابقا في موضوع &#8220;معالم النهوض الحضاري بين الأصل والعصر&#8221;</p>
<p>وقد استهل المحاضر كلمته بتقديم تحديدات مفهومية منها بيان مفهوم الحضارة يقابل البداوة وأنها خلاصة تفاعل الإنسان مع الكون والحياة. ومنها التميز بين التفاعل الحضاري والغزو الحضاري</p>
<p>ثم انتقل إلى عرض الأسس الذي تقوم عليه الحضارات البشرية وهو المشترك الديني/ الإنساني/ الحضاري ويتجلى ذلك في قواعد :</p>
<p>- الإيمان بوحدة الإنساني</p>
<p>- الإيمان بأن الكرامة لمطلق بني البشر</p>
<p>- الإيمان بأن إعمال الأخوة الإنسانية أولى من إهمالها</p>
<p>- الإيمان بأن اختلاف البشر</p>
<p>- الإيمان بالتعارف بين البشر</p>
<p>- التأكيد على أن الأصل في التعامل  السلم وليست الحرب إلا استثناء</p>
<p>وقد فصل المحاضر هذه القواعد وأصلها من خلال القرآن السنة والسيرة وصحح من خلالها اختلالات الواقع وكثير من الفهوم الرائجة.</p>
<p>إضافة إلى ذلك تناول المحاضر مفهوم الوعي الحضاري من خلال ما أسماه بسباعية تتكون من سبعة مبادئ عرضها كالآتي ومن خلالها أيضا بين المنهج السليم والحكيم لاكتساب وعي صحيح وسلوك سليم يؤطره الاعتدال والوسطية والحكمة الواقعية، وهذه السباعية هي:</p>
<p>- العقيدة الدافعة</p>
<p>- الشرعة الرافعة</p>
<p>- المقاصد الحافظة</p>
<p>- القيم الحاكمة</p>
<p>- الأمة الجامعة</p>
<p>- السنن الفاعلة</p>
<p>- الحضارة الشاهدة</p>
<p>والواقع أن جمهور المؤتمر عاش لحظات علمية وتربوية توجيهية غنية بالدرر والفوائد وتوجيهات العالم البصير والداعية الخبير في تصحيح المفاهيم والتوجيه الراشد.</p>
<p>ولقيمة المحاضرة سنعود لنشرها في الأعداد القادمة إن شاء الله تعالى.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/04/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d8%b9%d8%b5%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d9%8a%d8%b1-%d9%8a%d9%81%d8%aa%d8%aa%d8%ad-%d8%a3%d8%b9%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a4%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>منهج القرآن في التربية على شروط النهوض الحضاري</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2008/12/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-4/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2008/12/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-4/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 03 Dec 2008 16:44:17 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 308]]></category>
		<category><![CDATA[تربية و تعليم]]></category>
		<category><![CDATA[أحكام النظام]]></category>
		<category><![CDATA[الاستجابة الطوعية]]></category>
		<category><![CDATA[التربية]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[المنهج]]></category>
		<category><![CDATA[النهوض الحضاري]]></category>
		<category><![CDATA[د. محمد ناصري]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/2014/02/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-4/</guid>
		<description><![CDATA[د. محمد ناصري &#8211; أستاذ بدار الحديث الحسنية - المبحث   الثالث  : منهج القرآن في التربية على الاستجابة الطوعية لأحكام النظام لقد قدمنا أهمية النظام في النهوض الحضاري، وبينا المقصود منه، وأن غيابه هو الفساد بعينه، وأنه لا يقوم إلا بتحقيق أمور مطلوبة واجتناب أمور ممنوعة. وكل مصلح يريد أن يسهم في النهضة الحضارية إنما [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="color: #ff0000;"><strong>د. محمد ناصري &#8211; أستاذ بدار الحديث الحسنية -</strong></span></p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #0000ff;"><strong>المبحث   الثالث  : منهج القرآن في التربية على الاستجابة الطوعية لأحكام النظام</strong></span></p>
<p style="text-align: right;">لقد قدمنا أهمية النظام في النهوض الحضاري، وبينا المقصود منه، وأن غيابه هو الفساد بعينه، وأنه لا يقوم إلا بتحقيق أمور مطلوبة واجتناب أمور ممنوعة.</p>
<p style="text-align: right;">وكل مصلح يريد أن يسهم في النهضة الحضارية إنما يسعى إلى تحقيق النظام بالعمل على تحجيم الفساد، وتحقيق أكبر قدر من الصلاح، ولا سبيل له إلى ذلك إلا بتعريف المخاطَبين بما يُفْسِد وما يُصْلِح، وأي غافل لهذه القاعدة سيظل سعيه بورا، لأن السعي سوف يكون بدون هدف وهو محال.</p>
<p style="text-align: right;">وما لم يستجب المخاطبون طواعية من غير إكراه فان العمل أيضا معرض للفتور وربما التراجع. ومن ثم لا يتحقق نظام ولا نهوض حضاري.</p>
<p style="text-align: right;">ومادام الأمر بهذه الخطورة فإن الحاجة ماسَّةٌ إلى ما يكفل الثبات على هذه الاستجابة لما قد يتطلبه الأمر من وقت قد يطول كثيرا. حتّى يحصل التأثير الطبيعي إذ لا خلاف في تبادل التأثير بين الطباع والأحاسيس، الذي يصير معه حال أفرادٍ نمط حياةٍ لجماعة ، والأمر هنا ليس بالعدد ولكن بالصفة، فكم من واحد تأثرتْ به جماعات، وكم من جماعة لم تؤثر في واحد.</p>
<p style="text-align: right;">ولقد وجه القرآن لهذه المسألة عناية المسلمين بالأمثال والسنن فمن ذلك  قوله تعالى: {ألَمْ تَرَ كَيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيِّبَة أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّمَاء، تُؤتي أُكْلَها كل حين بإذْن ربِّها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون.  ومثلُ كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتُثَّت من فوق الأرض مالها من قرار}(إبراهيم : 24- 26).</p>
<p style="text-align: right;">وقصة قارون حيث تمنَّى من رآه أن يكون مثْلَه قبل أن يعلم حاله.</p>
<p style="text-align: right;">وقال  :&gt;مثَلُ الجليس الصالح وجليس السوء كبائع المسك ونافخ الكير&#8230;&lt;(1).</p>
<p style="text-align: right;">وهذه كلها أدلة على صفة القدرة على التأثير.</p>
<p style="text-align: right;">وهكذا فإن الاستجابة الطوعية شرطٌ لازمٌ لتحقيق الإصلاح، لأن حظوظ النفس دائمة المنازعة، فلابد من وسائل لمقاومة نزعات النفس والتدافع القائم بسبب التأثير المتبادل بين الطباع والإكراه المعنوي المسلط على الفئة المستهدفة، إذ كُلٌّ من المتدافعَيْن يسلط على الآخر إكراها معنويا بما يراه صحيحا، سواء أكان ذلك صحيحا في نفسه أو إغراء واستدراجا. وهذا التدافع أشار إليه ربنا في صور منها: {ولولا دفاعُ الله الناس بعضهم ببعضٍ لفسَدَت الأرض}(البقرة : 249) وقال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا شياطين الإنس والجن}(الأنعام : 112).</p>
<p style="text-align: right;">ولما كان الأمر هكذا، والصلاح مطلوبا والإصلاح واجبا فقد جاء القرآن بما يحقق التحلية بالصلاح والتخلية من الفساد، معتبرا كل هذه الموانع، متحديا لها، بمنهج واضح لخصه سبحانه في قضيتين:</p>
<p style="text-align: right;">أولاهما العلم،</p>
<p style="text-align: right;">وثانيهما الخشية؛</p>
<p style="text-align: right;">قال تعالى لموسى وهارون: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينًا لعله يتذكَّرُ أو يخشى}(طه : 44).</p>
<p style="text-align: right;">فطلب منهما إحداثَ واحدة من الغايتين: إما التذكير وهو العلم، وإما الخشية، وهو الخوف من الله وتقواه.</p>
<p style="text-align: right;">وقال تعالى : {وكَذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرَّفْنا فيه من الوعيد لعلهم يتَّقُون أو يُحْدِث لهم ذكرا}(طه : 113) وهكذا تتلخص معالم هذا المنهج في:</p>
<p style="text-align: right;">&gt; أولا: وجود الفئة الوارثة علم النبوة :</p>
<p style="text-align: right;">وهي لم تكتسب هذه الصفة وحيا أوحي إليها، أو سلعة اشترتها، أو ملكا ورثته، بل كُلُّ الناس في تحصيل واكتساب ما اتصفتوا به وبوأهم ذلك المقام سواءٌ. وقد تقدم الحديث عن أهم صفاتها، وكيفية تحصيل أوصافها.</p>
<p style="text-align: right;">&gt; ثانيا : تحقيق العلم بهذه الأوصاف والأحكام :</p>
<p style="text-align: right;">ويشمل ذلك معرفة أعيان الأحكام وأثرها الدنيوي والأخروي وحتى أهل القانون يقولون بأنه لا يحمي المغفلين.</p>
<p style="text-align: right;">وهذا العلم بهذه الصفات والأحكام يحصُل بعرضها مؤصلةً، وقد يبدو الأمر مستشكلا إذ هذه الطريقة تخص فئة المجتهد أو طالب علم ذلك على سبيل التفقُّه، وجوابه أن تحقيق العلم يكون لكل الناس على اختلاف قدراتهم العقلية، ومراحلهم العمرية، إذا علمنا أن العلم بالشيء يحصُل بطرق متعددة:</p>
<p style="text-align: right;">فمنها ما يرجع إلى المصدر أي المشرع والواضع فكَوْن الأمر من الله تعالى أو من رسوله  لدى المسلم هو  كاف لأن يُتقبَّل ويمتثل له ويحصل له العلم الداعي للعمل.</p>
<p style="text-align: right;">ومنها ما يصير أثره الحسن معلوما ضرورة بالحس والمشاهدة لصيرورته عُرْفًا وعادة مؤثرة، وذلك كله لما علم واقعا نفعه للأفراد والجماعة، كصفة الصدق، إذا بلغت للشخص أنَّها سبيلٌ للجنة، وسبيل لتحقيق ما يرجع إلى حظوظ النفس من نفع عاجل وأمن بين الناس؛ وأن الاتصاف بخلافها سبيل للنار. وهذا العلم مما يرغب في العمل بها.</p>
<p style="text-align: right;">والسرقة إذا أُخبر المرء بأن الله تعالى حرمها وأن حدها شرعا كذا وكذا وأنها سبيل إلى النار، وسبب للترويع والفوضى حصل العلم بضرورة تجنبها.</p>
<p style="text-align: right;">والعلم في مثل هذا درجات متفاوتة، إذ كلما كثر تردادُُّ هذا على الألسن والمسامع، ووجد العدد من الناس الذين يشتركون في اعتقاد هذا، كلما تحقق العلمُ الذي يكُف عن ارتكاب هذا الممنوع، ويحمل أداء هذا الواجب، وهكذا سائر الصفات الحسنة المطلوبة والصفات السيئة الممنوعة.</p>
<p style="text-align: right;">&gt; ثالثا: دوام التذكير والوعظ :</p>
<p style="text-align: right;">إن هذا العلم الذي سبق الحديث عنه قد يطرأ عليه ما يكون مانعا من امتثال مقتضياته، منها الهوى أو إغراء أو فتور، أو غفلة ونسيان، فيحتاج الأمر حينها إلى التذكير والوعظ، والأمر هنا من أجل إحداث الخشية المطلوبة، لأنه لولاها لن يكون امتثال طوعيٌّ. وأهم عناصر التذكير والوعظ :</p>
<p style="text-align: right;">- التهوين من أمر الدنيا المبنية على الحرام.</p>
<p style="text-align: right;">- تعظيم شأن الآخرة وما فيها من حساب وما يترتب على ذلك من جزاء.</p>
<p style="text-align: right;">ولقد ذكرت الآخرة في القرآن بنفس العدد الذي ذكرت به الدنيا حوالي 136 مرة إيذانا بضرورة دوام التذكير.</p>
<p style="text-align: right;">وذكر الله والآخرة في القرآن تكرر في سياق الترهيب والترغيب مع كل الأحكام التي يتشكل منها النظام إيذانا بضرورة استحضارهما في حياة الإنسان اليومية لتحقيق أكبر نسبة للاستجابة الطوعية، التي بها يكون النظام متحققا.</p>
<p style="text-align: right;">وإن الذي يجمع هذا ويجعله مختلطا بالدم هو حِفْظ القرآن الذي هو أصل العلوم حفظا مقترنا بروح النبوة التي تنتقل مع معلميه، فإن النفس تبقى منتعشة ما بقي القرآن يتلى منها، ولقد جعل الله تعالى تلاوته عبادة، وإنما ذلك لآثاره التي دل عليها في كتابه العزيز، وأيُّما إغفال عن هذه الأمور فلا امتثال لقانون ولا إصلاحَ لأحوال.</p>
<p style="text-align: right;">وأيضا تحفيظ الأحكام الشرعية وتلقينها للناشئة بالأسلوب الذي يفيد العلم واليقين على نحو ما أشرت إليه، لأن النظام لايختل عادة إلا بتمرُّد هذه الفئة عليه، لفراغها من معاني النظام، وهشاشة بنيتها الفكرية الضابطة للنزوات. وقد رأينا مع لقمان الحكيم عليه السلام هذا المنهج الحكيم، فلنعتبر.</p>
<p style="text-align: right;">وقد عُلم بالحس والمشاهدة وعادة الناس أن المحفوظ يكون له تأثير قلّ أو كثر، فلنتصور  كيف سيكون التأثير إذا كان القرآن محفوظا علما وعملا.</p>
<p style="text-align: right;">وواقع العالم لدى أعرق المجتمعات في التربية على القانون خير دليل، فقد فشلت معها كل أساليب التربية، لعدم وجود المحفز الداخلي. والتهاون في التلقين بسبب موقفهم من المسلمات والمطلقات، فصار كل شيء نسبيا غير ثابت فلم يجد القرارَ في النفس، ولا اطمأنت إليه، فخلطوا بين ما لا يصلح فيه إلا التلقينُ والحفظُ، ومالا يصلح فيه ذلك، وهو ما يكفي فيه الفهم، وإن كنت أرى أن أصل العلوم كلّ العلوم لابد فيه من قدر من الحفظ.</p>
<p style="text-align: right;">والله أعلم والحمد لله رب العالمين.</p>
<p style="text-align: right;">&#8212;</p>
<p style="text-align: right;">1- أخرجه البخاري كتاب البيوع باب في العطار وبيع المسك.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2008/12/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-4/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>منهج القرآن في التربية على شروط النهوض الحضاري: المبحث  الثاني : رسالة القرآن وشرط تأثيرها في النهوض الحضاري</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2008/11/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-3/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2008/11/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-3/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 16 Nov 2008 16:32:59 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 307]]></category>
		<category><![CDATA[تربية و تعليم]]></category>
		<category><![CDATA[أمانة الدين]]></category>
		<category><![CDATA[الأقوياء]]></category>
		<category><![CDATA[الأمناء]]></category>
		<category><![CDATA[الإمامة]]></category>
		<category><![CDATA[التربية]]></category>
		<category><![CDATA[الخلف]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[المنهج]]></category>
		<category><![CDATA[النهوض الحضاري]]></category>
		<category><![CDATA[رسالة القرآن]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/2014/02/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-3/</guid>
		<description><![CDATA[د. محمد ناصري &#8211; دار الحديث الحسنية - أهم معالم هذا المنهج: &#62; أولا : الإيمان بأهمية الإمامة في العلم والتقوى: أما التقوى فمعلومة، وأما العلم فإنما نقصد به هنا علم الكتاب والسنة، أما غير ذلك فهو تبع، و العلوم الأخرى مطلوبة بالجبلة لمن سلمت فطرتهم، واستقامت عقولهم، وما يمكن حصوله من تقصير فيعود إلى [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="color: #ff0000;"><strong>د. محمد ناصري &#8211; دار الحديث الحسنية -</strong></span></p>
<p style="text-align: right;">أهم معالم هذا المنهج:</p>
<p style="text-align: right;">&gt; أولا : الإيمان بأهمية الإمامة في العلم والتقوى:</p>
<p style="text-align: right;">أما التقوى فمعلومة، وأما العلم فإنما نقصد به هنا علم الكتاب والسنة، أما غير ذلك فهو تبع، و العلوم الأخرى مطلوبة بالجبلة لمن سلمت فطرتهم، واستقامت عقولهم، وما يمكن حصوله من تقصير فيعود إلى فساد الطبع، لكن الإمامة في العلوم الأخرى إنما تكون تبعا لرسالة  الأمة، فإن لم تكن لها رسالة قابلة للعرض والمنافسة، فلن تحلم بإمامة الأمم إلا ما يكون من الأفراد.</p>
<p style="text-align: right;">فإذا تقرر هذا فإن الإمامة في علم الكتاب والسنة هي المدخل لأية إمامة في العلوم الأخرى بالنسبة للأمم الإسلامية ما دامت تقر بهذه الصفة، ومن الصعب التنكر لها. وأرى هذا أيضا بالنسبة للأمم المتخلفة اليوم حضاريا إذا لم تكن لشعوبها موانع في استنباط رسالتها من الإسلام&#8230;</p>
<p style="text-align: right;">والإيمان بأهمية الإمامة في العلم والتقوى من صفات عباد الرحمن قال تعالى واصفا عباد الرحمن،  {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما}(الفرقان : 74). فهي صفة مميزة، لأن الإمامة تكون بقدر زائد من العمل، وفي ذلك يتنافس الناس؛ ولم يكن المدح بهذه الصفة إلا لأجل تحقيق الشهادة المطلوبة من أمة الإسلام، ولا تخفى أهمية ماذكر قبلها، لكن كل ذلك وارد في معرض الصفات القاصرة، التي لا تتحقق إلا باستجابة الشخص ذاته، بخلاف هذه الأخيرة، فإن نفعها متعد لأن تحقيقها مستلزم لغيره الذي به تحصل الجماعة ويكون بها إماما، ولاتحقق لذلك إلا بالائتمام به من قبل غيره.</p>
<p style="text-align: right;">وقد رأينا في دعاء  عباد الرحمان-الذي هو دعوة لتحقيقه- أن المنطلق هو الأسرة وتحقيق الاستمرارية في الولد.</p>
<p style="text-align: right;">ولقد وردت هذه الصفة محققة في إسوة أمة الإسلام إبراهيم عليه السلام، فقد قال له الله تعالى ممتنا عليه حين ابتلاه بتجربة شروط صلاح الجماعة الإنسانية(1)، ونجح فيها : {إني جاعلك للناس إماما}(البقرة : 124) فقال إبراهيم:  {ومن ذريتي} فبين الله تعالى له من يكون له هذا الطلب فنفاه عن الظالمين.</p>
<p style="text-align: right;">وكان إبراهيم عليه السلام يريد أن يبقى الجميع أئمة ودعاة وقدوة، فظهر بذلك اهتمام إبراهيم عليه السلام بهذا الشأن في الحال والمآل، وهو ما يفيد حرصه على نقل أمانة الرسالة ولوازمها إلى الأجيال وقد طلب ذلك صراحة من ربه حين قال : {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} إلى أن قال تعالى: {وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(البقرة : 132).</p>
<p style="text-align: right;">فبهذا تنبعث الهمم من البيوت وتتربى الأجيال المقبلة التي يجب أن يسبق إليها الخير فقد قال تعالى عندما ذكر المصطفين: {ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم}(آل عمران : 24). فهذا الانشغال داخل الأسرة والمشاركة كتفا بكتف هو أول عامل تنبعث به الهمم والأمم قال تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم}(البقرة  :  128).</p>
<p style="text-align: right;">&gt; ثانيا: التلقين المباشر لمبادئ أمانة الدين.</p>
<p style="text-align: right;">وهو أمر لازم في رسالة القرآن، لاتقوم إلا به، ولا عبرة بما يشاع من أن أسلوب التلقين غير نافع، فإن الاعتبارات مختلفة، والمراحل كلا يتطلب أسلوبا، وأيضا أفراد العلم تختلف بحسب ما يعمل به يوميا وما ليس كذلك، وبحسب الغاية منه فإن الأحكام العملية اليومية إذا لقنت منذ الصغر تصير عادة وجزءا من السلوك اليومي الذي لاتقوم حياة الفرد إلا به، مما يجعل هذا السلوك عادة اجتماعية، فلا يبقى إلا التذكير من حين لآخر لكي لاتفقد الصفة العبادية.</p>
<p style="text-align: right;">فهذا لقمان الحكيم  عليه السلام يوجه ابنه حاملا إليه الأمانة ومبلغا له {يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون يابني  إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير، يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور، ولا تصاعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير}(لقمان : 13- 19)&#8230;</p>
<p style="text-align: right;">فهذه أسرة تحملت مهمة الحفاظ على الرسالة، وما يضمن استمرارية عطائها واستجابة الناس لها، بالحفاظ على التصور والمبادئ الثابتة التي تميز كيان الجماعة المتدنية بها، والتي عنها تصدر في التقويم والتشخيص ومنها تستمد العلاج والتخطيط، والتنظير للمستقبل. فالأب بعدما لقن لابنه أصول العلم جعل يلقنه المبادئ الثابتة وأصول رسالة القرآن -لأنه مهيمن على الكتاب كله- ونلاحظ أنه اعتنى بالتفصيل، بل نبهه إلى تفاصيل لأمور لازمة كما ينتج عن الأمر والنهي، وهذا محل لم يشبهه غيره في التوجيه الأبوي في القرآن من حيث التفصيل، فإبراهيم اكتفى بالتنصيص على أن الله اصطفى لهم الدين وعليهم التمسك به وأن يمسكوا به. وهو اعتقاد من هؤلاء أن الإمامة لاتكون إلا بهذا الأسلوب من التربية والتعليم.</p>
<p style="text-align: right;">وجانب الخلل هنا يكمن في أن الأب نجده قد توجه إلى العلوم الشرعية ولا يأخذ منه أبناؤه جميعا شيئا مما هو فيه وربما وجههم خارج المنظومة التي نحن بصددها مع أن الجمع ممكن بقدر من الصبر والمجاهدة ؛ وكأنه يوحي إلى أبنائه وإلى من حوله بقلة جدوى ما هو فيه ولست أنفي قيمة العلوم الأخرى التي أؤكد إمكانية الجمع بين الحسنيين وقد وصار ظاهرة  والحمد لله.</p>
<p style="text-align: right;">وهذه امرأة عمران تنذر ما في بطنها للرسالة الإلهية  قبل خروجه إلى الدنيا.</p>
<p style="text-align: right;">والخلاصة أن الاهتمام بتنشئة الفئة الوارثة علم النبوة، المتمكنة من رسالة القرآن لا انطلاق له إلا من الأسرة التي أقرت بهذا، لأن واجبات الإنسان توزعت على قدر عمره والإخلال بعنصر الزمن ينتج عنه خلل بوجه ما.</p>
<p style="text-align: right;">&gt; ثالثا: البحث عن الخلف لإعداده.</p>
<p style="text-align: right;">فقد يتعذر وجود من يحمل هذه المهمة أو من يعين عليها، فيلزم البحث في القرابة، والعمل على ما يوصل إلى النتيجة.</p>
<p style="text-align: right;">فهذا زكريا الشيخ الكبير يريد أن تبقى الإمامة قائمة حتى تستمر العبودية ولوازمها، فلم يجد بدا من التضرع إلى الخالق ليهبه وارثا قال تعالى: {قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا}(مريم : 4- 6).</p>
<p style="text-align: right;">وعلمنا أن الأنبياء لا يورثون إلا العلم والعلماء هم ورثة الأنبياء، فكان البحث المضني أن قاد إلى من يكون قريبا إليه يسهل بهذه القرابة أمر الإرث.</p>
<p style="text-align: right;">وموسى عليه السلام يستعين بأخيه، وإبراهيم يسنده ابنه وحفدته. وكل واحد يأخذ ممن قرب منه.</p>
<p style="text-align: right;">&gt; رابعا: الاهتمام بتكوين الأقوياء الأمناء من الناشئة.</p>
<p style="text-align: right;">من السنن الربانية في الخلق المكلف باعتبار الأمانة التي كلفوا بها أنهم عندما يطول عليهم الأمد ويبتعدون عن آثار النبوة ومهد الرسالة زمانا ومكانا يحل الفتور بهم، فيبدأ الاختلاف في مراتب الأعمال والتكاليف من حيث القوة, ومن حيث ترتيبها في التنزيل وكلما طال الزمان اتسعت رقعة الاختلاف حتى يدب الهوى، وهذا الأمر سبب رئيس في الاختلاف في تقدير الحسنات والسيئات، وخصوصا في الجانب السياسي وهذا أيضا سببه تناقص آثار النبوة وكلما ازداد النقص ازدادت المسائل المختلفة ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة.</p>
<p style="text-align: right;">وقد دعا إبراهيم عليه السلام ربه أن يبعث رسولا تاليا للكتاب ومعلما ثم مزكيا.ولكن الله تعالى استجاب وقدم التزكية على التلاوة والعلم. والتزكية ضامن لاستمرار العلم بالكتاب.</p>
<p style="text-align: right;">ولذلك فإذا وقع الاختلال بطول الأمد أو بحصول الفترة بعد الشرة(2)، فإن التجديد والتبديل من اللوازم لأن المتعلم الجديد يأخذ الكتاب بقوة ، وهاهو ذا زكريا عليه السلام يطلب ذلك لأجل ولده فخاطبه الله تعالى &#8220;خذ الكتاب بقوة&#8221; وكذا رسولنا  أشار إلى هذا بحديث من يجدد الدين، وإني أرى أن هذا التجديد هو من جنس أخذ الكتاب بقوة لأن به تحصل التزكية المطلوبة التي تترتب عليها الاستجابة التلقائية من الفئة التي تدين بما جاء به القرآن.</p>
<p style="text-align: right;">وأصل التبديل قوله تعالى : {وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}. وقوله تعالى {من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم}(المائدة : 54). وقد جاء هذا في سياق الزجر عن التردد بين الولاء لرسالة القرآن ومبادئه ورسالات الأمم الأخرى(3). لأن هذا مما يضعف المردودية، وكمال الشخصية.</p>
<p style="text-align: right;">والخلاصة أن رسالة القرآن اشتملت على مثل عليا لا نهاية لدرجاتها، ولاينازع أهل العقل في أهميتها للحياة، وتمتاز بالقدرة على ربط المؤمنين بالآخرة، مما يغني عن التفكير في إحداث قضية جديدة تسوغ رسالة لتسويقها.</p>
<p style="text-align: right;">وقد اشتملت على ما يحكم النظام، ويعزز قيمة الوقت وتقديره حق قدره إذا مكنت فئة العلماء من القيام بمهمتها.</p>
<p style="text-align: right;">&#8212;&#8212;-</p>
<p style="text-align: right;">1- وهي الأوامر والنواهي قال السعدي:&#8221; إن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات أي بأوامر ونواهي كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده ليبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق الذي ترتفع درجته ويزيد قدره..&#8221;  تيسير الكريم الرحمن 1/102.</p>
<p style="text-align: right;">فكان بهذا النجاح العالم بالكتاب الإمام بذلك العلم والامتثال قال تعالى: &#8220;إني جاعلك للناس إماما&#8221;</p>
<p style="text-align: right;">2- بتشديد الراء وهي الإقبال على الأمر بحزم وشدة قال  :&#8221;إن للكل عمل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كان غير ذلك فقد هلك &#8220;44 والشرة  القوة في الشيء  والفترة ماتستحيل إليه تلك القوة الزائدة من الضعف.</p>
<p style="text-align: right;">3- وهذا في سياق خطاب الفئة الخاصة التي نحن بصددها وقد أعرضت عن سوى هذه الآيات لأنها في سياق إثبات العظمة والقوة والقدرة على البعث.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2008/11/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-3/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>منهج القرآن في التربية على شروط النهوض الحضاري 3/2</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2008/11/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-2/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2008/11/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-2/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 01 Nov 2008 15:46:32 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 306]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[التربية]]></category>
		<category><![CDATA[الجماعة]]></category>
		<category><![CDATA[الفرد]]></category>
		<category><![CDATA[النهوض الحضاري]]></category>
		<category><![CDATA[منهج]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/2014/02/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-2/</guid>
		<description><![CDATA[د. محمد ناصري &#8211; أستاذ بدار الحديث الحسنية - إذا أيقنا بشرطية الرسالة التي تمد الفئة الراغبة في الرقي بالمبادئ والنظام، وهو ما أكده حال من تقدم -أي تقدم مادي أو روحي أو هما معا- وحال من لم يجد الطريق إلى التقدم بعد، فإن الأمة الإسلامية التي تأسست منذ نزول القرآن لن تقوم لها قائمة [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="color: #ff0000;"><strong>د. محمد ناصري &#8211; أستاذ بدار الحديث الحسنية -</strong></span></p>
<p style="text-align: right;">إذا أيقنا بشرطية الرسالة التي تمد الفئة الراغبة في الرقي بالمبادئ والنظام، وهو ما أكده حال من تقدم -أي تقدم مادي أو روحي أو هما معا- وحال من لم يجد الطريق إلى التقدم بعد، فإن الأمة الإسلامية التي تأسست منذ نزول القرآن لن تقوم لها قائمة بصفتها الإسلامية التي لن تستطيع التنكر لها، إلا بالاستمداد من القرآن: الرسالة والمبادئ والمظاهر التي تحفظ الشعور بوحدة المصير.</p>
<p style="text-align: right;">وقد لخصت رسالة القرآن في مقدمة هذه الورقة بأنها عمارة الأرض وتسخير مافيها لتحقيق العبودية المطلقة لله تعالى، على وفق المنهج الذي جاء به القرآن لضبط العلاقات التي أشرنا إليها هناك.</p>
<p style="text-align: right;">وهذه جملة من أهدافها التي أرى أن العالم في أمس الحاجة إليها بالنسبة للفرد و الجماعة:</p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #0000ff;"><strong>&gt; أولا : بالنسبة للفرد:</strong></span></p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #800000;"><strong>1-</strong></span><span style="color: #993366;"><strong> تحقيق التوازن الروحي والمادي،</strong></span> من خلال تعليمه ما يحدث له اليقين بوجود الله، وأنه أوجده لغاية العبادة، وما سخر له الدنيا إلا ليتيسر له القيام بأعمال ظاهرة وأخرى باطنة من العبادات المحضة. التي تحدث قدرا من الاتفاق الروحي والنفسي بين المجموعات الانسانية.</p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #800000;"><strong>2-</strong> </span><span style="color: #993366;"><strong>تلقين مبادئ الفضيلة ذات المصدر الإلهي،</strong></span> لتكتسب صفة الإطلاق، وتزول الحيرة الناتجة عن النسبية، والشك.</p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #800000;"><strong>3-</strong> </span><span style="color: #993366;"><strong>الترويض على الانضباط،</strong></span> والقابلية للتعايش مع الآخر، من خلال تلقينه فعل المأمورات واجتناب المنهيات التي تضمن المصالح العامة، ويتحقق بها النظام. من خلال ربطها بأصلها الشرعي الإلهي لتكتسب صفة القوة.</p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #800000;"><strong>4-</strong></span> <span style="color: #993366;"><strong>الانتماء الجماعي</strong> </span>من خلال ترسيخ قيم رابطة الأسرة المتكاملة، بدل الأسرة المتجزئة، لأنها المدخل للانتماء الجماعي المتكامل.</p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #800000;"><strong>5-</strong></span> <span style="color: #993366;"><strong>بناء النشء على عقيدة أبويه أولا،</strong></span> بناء يمكن من تقييم ماحوله على ضوئها، مع تزويده بأدلة صدقها، وصدق مبادئها. لما لذلك من استقرار نفسي للأسرة والمجتمع.</p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #0000ff;"><strong>&gt; ثانيا : بالنسبة للجماعة:</strong></span></p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #ff00ff;"><strong>1-</strong></span> <span style="color: #800000;"><strong>تحديد المقدسات</strong></span> والعمل على إشاعة حرمتها، وعدم التساهل في الطعن في رموزها.</p>
<p style="text-align: right;">ضبط حرية الأشخاص بحقوق العامة. وما ذكر سابقا في حق الأفراد يعين على إحداث العادة الفاضلة، التي تكون لها القوة في التـأثير على النفس، منعا أو استجابة.</p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #ff00ff;"><strong>2-</strong></span> <span style="color: #800000;"><strong>احترام حق الأغلبية</strong></span> في اختيارها في التشريع، مع احترام ماله علاقة بالمقدسات.</p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #ff00ff;"><strong>3-</strong></span> <span style="color: #800000;"><strong>تنظيم العلاقات</strong></span> تنظيما يندمج فيه أفراده لاتفاقهم على مسألة التقديس وإن اختلفت الكيفية. وهو قدر تتم به وحدة المشاعر والأحاسيس، وتوفر أكبر قدر من الوفاق وتقارب وجهات النظر.</p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #ff00ff;"><strong>4-</strong></span> <span style="color: #800000;"><strong>الانتساب إلى العلم والعلماء</strong></span>، وهي روح ترفع من قدر المواطن وتنأى به عما يحط من قدره، وتخفف عن الدولة عبء الأمن، ذلك أن الذين لهم سابقة من العلماء ومحيطهم قليلة، خصوصا من لهم الطموح الكبير، والمفروض أن الكل لا بد فيه من قدر من ذلك، له أو لأبنائه.</p>
<p style="text-align: right;">وفي القرآن الكريم المنهج العجيب في تحقيق هذه الأهداف وغيرها مما لم يذكر</p>
<p style="text-align: right;">وقد علمنا بالخبر اليقين أن القرآن وحده وإن كان يتضمن هذا فإنه ليس يفعل فعله تلقائيا، فقد بعث الله به محمدا  نبيا معلما ومربيا وإماما، وأخبر أن العلماء هم ورثة الأنبياء، ولا شك أن الموروث ليس إلا صفات النبوة التي لاتقوم الرسالة إلا بها.</p>
<p style="text-align: right;">والنبي  بين بما لايدع مجالا للشك أن وجود القرآن وحده لاينفع بل لابد ممن يعلمه فيعين على تنزيله، وهم فئة خاصة، هذه الفئة هي التي يلزم أن تحمل موروث النبوة، وهو ما عبر عنه  حين قال أن العلم يختلس، فعن أبي الدرداء ] قال : &#8220;كنا مع رسول الله  فشخص ببصره إلى السماء ثم قال هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء فقال زياد بن لبيد الأنصاري كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: &#8220;ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم&#8221; قال جبير فلقيت عبادة بن الصامت قلت ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء قال صدق أبو الدرداء إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس، الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعا&#8221;(1). قال الطيبي فكأنه عليه الصلاة والسلام كوشف باقتراب أجله فأخبر بذلك. قال ابن الملك &#8220;على شيء&#8221; أي من رسول الله (2). وهذا يشير إلى أن المختلس العلم المتوارث بالتعلم من النبي ، وهو ماتدل عليه النصوص والواقع. وقد اشتغل العلماء قديما وحديثا بهذا الصنف من العلماء وهم الذين يعتنون بعلم القرآن وسنن نبي الرحمن، وهم علماء الشريعة الذين يرجع إليهم في أحكام الشريعة.</p>
<p style="text-align: right;">إلا أنهم خصوا فئة بالذكر والتعيين، وقربوا صفاتها حتى تصير جلية لمن كان يسعى لتحقيقها ومن أهم هذه الصفات: التجرد لهذه المهمة وهي حفظ الشريعة مع الإعراض عن كل ما يتسبب في صرف الجهد أو القلب، وقد عبر الشاطبي رحمه الله تعالى عنهم بأنهم&#8221; الذين صار لهم العلم وصفا من الأوصاف الثابتة بمثابة الأمور البديهية في المعقولات الأول أو تقاربها، ولا ينظر إلى طريق حصولها فإن ذلك لا يحتاج إليه، فهؤلاء لا يخليهم العلم وأهواءهم إذا تبين لهم الحق بل يرجعون إليه رجوعهم إلى دواعيهم البشرية وأوصافهم الخلقية(3).</p>
<p style="text-align: right;">وقد استدل بما يفيد القطع على أن هذه المرتبة تأبى للعالم أن يخالف ما علم غالبا، وهذه الفئة حكم الله تعالى أنها لا تنقطع أبدا وإنما قد يطرأ ما يخفت صورتها، ويضعف تأثيرها.</p>
<p style="text-align: right;">ولا أرى ما نص عليه رسول الله  حين قال : &gt;لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق&lt;(4) إلا دعوة وإلزاما للأمة بالسعي إلى القيام بما يضمن استمراريتها ظاهرة، وإلا فإنها لن تنقطع، على أن العلماء لم يخلوا فترة افتراض غيابها من توجيه وعناية، وهو ما يؤكد بقاءها بوجه ما مادام طالب علمها قائما(5).</p>
<p style="text-align: right;">ورسالة القرآن لن يكتب لها قيام إلا إذا ظهرت هذه الفئة، وإن المناهج التي تكونت بها الأجيال السابقة من العلماء وهو يقين، لم نر أنها عقمت بين عشية وضحاها وإن لم نجعل العصمة لها، لكن يبدو أن الأمانة التي هذه المناهج جسر لها هي التي وقع بها الإخلال، ولا يخلو من وجود إضرار أيضا بالحاملين والمحمولة إليهم.</p>
<p style="text-align: right;">والدليل على أنها فئة خاصة- باعتبار الانتداب الطوعي لا بأي اعتبار يجعلها تحتكر هذه الخصوصية إذ كل مسلم يمكنه بقدر استجابته الانخراط في سلكها- وهذا مادلت عليه نصوص القرآن قال تعالى : {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}(آل عمران : 104). وقال تعالى : {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}(التوبة : 122). وقال تعالى : {واجعلنا للمتقين إماما}(الفرقان :74).</p>
<p style="text-align: right;">وقد دل النص والعقل وسنة الله في خلقه أنه لن يكون الجميع داعيا معلما على سبيل الهداية والإمامة، لاضطرار الناس في حياتهم لأهل الصنائع، ولتفاوت الناس في القدرات العقلية، ولأن الإمامة في الدين تتطلب قدرا زائد من الوقت والجهد. وسنة الله ألا تتعطل الحياة فلابد من أن يكون أئمة في إصلاح المال الذي به قوام الحياة، وهما إمامتان قلما تجتمعا.</p>
<p style="text-align: right;">ففئة أئمة الدين هي قلب الأمة النابض، ولمن أراد أن يعرف مكانتها بلغة زماننا ومن منطلقات غيرنا من الأمم فليتأمل فإنه لا يوجد بلد ذو رسالة أية رسالة إلا وتجد فيه هذه الفئة هي التي تقود أي تسويق للسلع والأفكار والتصورات، مواكبة حاجات الناس الداخلية والخارجية؛ لكنها محكومة بما استقر من ثوابت لا تحيد عنها لمعرفتهم بقيمتها في ضمان الاستمرارية، ولا أحد اليوم ينكر وظيفة الفيلسوف، والمفكر في الدول المتقدمة فقد جعل مهمته هي صياغة النظريات وتوليدها، وهذا المفكر ليس طبيبا، ولا مهندسا ولا مشرعا غالبا&#8230; وإن كان له العلم الكافي بمجال التشريع، لكنه يتميز بالقدرة على امتلاك تصورات الأمة التي عنها يصدر في التقدير والحكم، أو نقول بدقة هم الخبراء الذين تشربوا العقائد التي يصدر عنها غالبا أهل السياسة في سلوكهم فهم كالحراس لعقائد أممهم وتصوراتها.</p>
<p style="text-align: right;">فلا عجب إذا أن نعتني بمن يحمي عقائدنا من التسفيه بغير علم، ويمدنا بما يربطنا برسالتنا، والذي منه نصدر في أحكامنا، وما به نقرأ واقعنا، ونحلل قضايانا ومشاكلنا&#8230;</p>
<p style="text-align: right;">وتحلية المجتمع بهذه الفئة تتطلب وقتا طويلا تنبعث فيه الهمم، لأن الحديث عن فئة تؤثر الآخرة على الدنيا، وتخلص لمبادئها وعقيدتها، وتتمتع بأكبر قدر من الاستقلالية المادية، وتكون قد أعدت منذ الصغر لهذه المهمة، وتجردت لها حال الكبر.  ونؤكد على إعدادها من الصغر لأن العمر وزعه الله تعالى متناسبا مع الواجبات التي كلف بها الإنسان، وأيما إخلال في سيؤثر لا محالة، على القيام بهذه المهمة وبقدر تطور الإنسان ونموه بقدر ما يتعقد أداء الواجبات لا العكس، ذلك أن الواجبات حينئذ تتراكم. ولأن الإمامة قدر زائد على مجرد اكتساب المعارف المطلوبة. قال تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون}( النحل :78). فدلت الآية والله أعلم على أن تعلم الإنسان يبدأ من مراحل مبكرة من العمر، ليتمكن من الإعداد الطبيعي، إذ لااستعجال ولا ارتجال في هذا الأمر.</p>
<p style="text-align: right;">ومن الصفات الثابتة لهذه الفئة صفة العلم بالكتاب المنزل الذي هو القرآن: العلم الذي تحصل معه النذارة، وتتحقق به بلوغ الرسالة، ويثبت به النظام. قال تعالى: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ}(الأنعام : 19). وقال تعالى:  {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}(المائدة : 67). وقال تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين}(التغابن: 12). وقال تعالى:  {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى والرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا}(النساء : 83).</p>
<p style="text-align: right;">وسائر ما ورد فيه ذكر العلم إنما هو في سياق تحقيق العبادة أو الشهادة الحضارية أو القيادة أو تحذير من التولي لما يترتب عن ذلك من فساد، أو خبر عما مضى من أثر البغي وهو وجه من وجوه التحذير.</p>
<p style="text-align: right;">وإذا ما نظرنا إلى قوله تعالى &#8220;يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين آتوا العلم درجات &#8221; وقيدنا الذين أوتوا العلم بما أشرنا إليه من أنه من صار العلم صفة لهم تتحقق به الخشية التي أخبر عنها الله في قوله تعالى:  {إنما يخشى الله من عباده العلماء}(فاطر: 28). وعلمنا أن علم الكتاب في نفسه لا يتحقق به حظ نفسي دنيوي لأن موضوعه لا يتجه إلا إلى تكليف الأنفس التي جبلت على الإباء-بخلاف علم الطب مثلا أو الهندسة أو الإعلاميات أو غير ذلك مما موضوعه صالح لأغراض متنوعة من أمور الدنيا-. إذا علمنا ذلك فإننا نعلم  يقينا سبب قلة من يتجه إلى هذا العلم nمالم تشجع عليه الجماعة المعنية- ومن ثم ما يترتب عليه من ضعف النخبة العالمة عددا أو قوة لأن عددها عادة ما يكون قليلا بالنسبة لغيرها. وليست قلتها من هذا فحسب بل تأتيها القلة من جهة كون صفاتها لا تكتسب إلا بجهد مضني قل من يتحمله، على أن من قاربها أو سار في فلكها يناله من فضلها. ولقد عبر الله تعالى عن قلتها بقوله : {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله  إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون}(الأنعام : 116) وهذا لا كما يفهم أنه بسبب الكفر فقط بل أيضا بسبب اعتماد الظن والخرص بدل اليقين واعتماد الثوابت، والحقائق، وذلك لقلة الخبرة وعدم تمكن الصفات التي بها يسدد الرأي وأولها المحافظة على الواجبات والاجتهاد في النوافل بعد اكتمال تحصيل شروط الفهم الصحيح للخطاب من جهة اللغة أولا، ثم القواعد الشرعية ثانيا، والملكة التي لاتتأتى إلا بالتدريب على المحقق من المنتوج الفقهي، وهو أسلوب يمارس في كل علم، كما هو معلوم ومقرر.</p>
<p style="text-align: right;">وإذا ما أردنا أن نهتدي بالقرآن لاصطناع هذه الفئة لأن الله تعالى قال: {ولتصنع على عيني}(طه:39) وقال تعالى: {واصطنعتك لنفسي}(طه :41) قال السعدي رحمه الله: وإذا كان الحبيب إذا أراد اصطناع حبيبه من المخلوقين، وأراد أن يبلغ من الكمال المطلوب له ما يبلغ، يبذل غاية جهده، ويسعى نهاية ما يمكنه في إيصاله لذلك فما ظنك بصنائع الرب القادر الكريم، وما تحسبه يفعل، بمن أراده لنفسه، واصطفاه من خلقه&#8221;(6).</p>
<p style="text-align: right;">وقد قال تعالى عقب هذا الاصطناع &#8220;اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري، اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى&#8221;(طه : 44). فأخبرهم أن يعلماه إن أراد لأن التذكر من لوازم العلم، وإلا فليعظاه لتحدث له الخشية، وهما أمران يتقدمهما علم كاف، وحكمة، وتقوى وخشية، لأن فاقد أحد هذه الأمور لن يحدث في الآخر علما ولا خشية.</p>
<p style="text-align: right;">فإذا أردنا اصطناع هذه الفئة فإن العلاقة الأسرية التي ذكرت في القرآن عند ذكر أسر الأنبياء والصالحين تمدنا بمنهج هام لاأرى لمن أيقن بضرورة ما نحن بصدده بدا من سلكه.</p>
<p style="text-align: right;">وسوف نرى في الحلقة القادمة بحول الله أهم معالم هذا المنهج.</p>
<p style="text-align: right;">&#8212;&#8212;&#8211;</p>
<p style="text-align: right;">1- أخرجه الترمذي في أبواب العلم  باب ما جاء في ذهاب العلم وقال حسن غريب. وهو عند ابن ماجة في السنن وعند الدارمي</p>
<p style="text-align: right;">2- تحفة الأحوذي 7/345   //  3- الموافقات 1/70</p>
<p style="text-align: right;">4- أخرجه البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، يقاتلون وهم: أهل العلم.ومسلم كتاب الإمارة باب لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق.</p>
<p style="text-align: right;">5- أنظر كتاب غياث الأمم في التياث الظلم  للإمام الجويني فقد خصه لهذا الأمر.</p>
<p style="text-align: right;">6- تيسير الكريم الرحمن3/205</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2008/11/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-2/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>منهج القرآن في التربية على شروط النهوض الحضاري</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2008/10/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2008/10/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 17 Oct 2008 15:22:35 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 305]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[التربية]]></category>
		<category><![CDATA[النظام]]></category>
		<category><![CDATA[النهوض الحضاري]]></category>
		<category><![CDATA[د. محمد ناصري]]></category>
		<category><![CDATA[دار الحديث الحسنية]]></category>
		<category><![CDATA[منهج]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/2014/02/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6/</guid>
		<description><![CDATA[المبحث الأول: شروط النهوض الحضاري تــقـديـــم القرآن الكريم خطاب الله لخلقه أنزله إليهم لتحقيق الغاية من خلقهم وهي العبودية المطلقة له قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}(الذاريات : 56). و هي غاية تشتمل على تحقيق كل ما يرقي حياة الإنسان ويسعده في الدنيا والآخرة في خضوع تام لبارئه. إذا حصل الإيمان بها. ولما [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="color: #0000ff;"><strong>المبحث الأول: شروط النهوض الحضاري</strong></span></p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #800000;"><strong>تــقـديـــم</strong></span></p>
<p style="text-align: right;">القرآن الكريم خطاب الله لخلقه أنزله إليهم لتحقيق الغاية من خلقهم وهي العبودية المطلقة له قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}(الذاريات : 56).</p>
<p style="text-align: right;">و هي غاية تشتمل على تحقيق كل ما يرقي حياة الإنسان ويسعده في الدنيا والآخرة في خضوع تام لبارئه. إذا حصل الإيمان بها.</p>
<p style="text-align: right;">ولما كان تحقيق هذه الغاية لا يحصل إلا بضبط علاقات محددة وهي علاقة الإنسان بخالقه وعلاقته بأخيه الإنسان وعلاقته بغيره من الخلق من أرض وسماء وما بينهما، فإن الله سبحانه أنزل كتابه هدى للناس مشتملا على ما يحتاجونه من الأحكام لتنظيم هذه العلاقات، ليبقى الخلق كله في نظام تام ليس فيه ما يفسده، إذ أيما إخلال بهذا النظام ينتج عنه إفساد بوجه ما؛ فالنظام لا يحميه إلا الأحكام من واجب وممنوع.</p>
<p style="text-align: right;">ولما كان من طبع الإنسان التفلت من التكاليف التي هي سبيل النظام فقد جعل الله له من جنسه من يقوم بحماية هذه الأحكام وذلك بالسهر على القيام بالواجب وتعطيل الممنوع.</p>
<p style="text-align: right;">ولا عجب في هذا ولا استئثار ولا تحكم ولا وصاية، لأنه إذا كانت كل جماعة تضع لنفسها جملة من الأحكام التي تراها كفيلة بتحقيق النظام الذي تقوم به مصالحها(1) وتنتدب من يسهر ويتابع تنفيذ هذه الأحكام حتى لا يتسيب الوضع وتضيع المصالح فإننا نجزم بحكمة العليم الخبير فيما أعد من حُمَاة لشرعه وللسهر على تحقيق الحق وإزهاق الباطل.</p>
<p style="text-align: right;">وإذا كانت الفئة المنتدبة من المخلوقين للسهر على أحكام النظام هي المحفِّزَ على أداء الواجب وترك الممنوع وذلك بالتدخل لإنزال المستحَقّ من الوعيد بالمخالف عندهم(2)؛ فقد تميز تشريع القرآن بكون أحكامه تؤدَّى على وجه العبادة، فيرجو المرءُ الأجْرَ على الامتثال، ويخشى العقوبة إذا لم يمتثل، وهذا مايضمن الاستمرارية والامتثال التلقائي تحجيما لسلطة الفئة الساهرة على التنفيذ، فكان هذا ما تميزت به رسالة القرآن عن غيرها من مصادر التشريع.</p>
<p style="text-align: right;">ولقد حصل العلم الضروري بتحقق هذه الاستمرارية والامتثال التلقائي الذي هو مظهر الاستمرارية للتشريع ذي المصدر الإلهي، وإن اختلف قدْرُ هذا الامتثال التلقائي-الاستجابة- الذي لا يخفى أثرُه عبر القرون.</p>
<p style="text-align: right;">وفي ظل هذا التفلت من القانون وما ينتج عنه من فوضى وضياع للمصالح، وتخلُّف حضاري، صار مُلِحًّا البحث عن ضمانات الاستمرار ودواعي الاستجابة.</p>
<p style="text-align: right;">في هذه الورقة محاولة للبحث عن هذه الضمانات والدواعي تخليةً للمجتمع من السلبية السائدة وتحليةً للأفراد بالإيجابية المطلوبة؛ تحقيقا للرقي المنشود، والنهوض الحضاري المطلوب.</p>
<p style="text-align: right;">وذلك في مباحث :</p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #000000;"><strong>المبحث الأول : شروط النهوض الحضاري</strong></span></p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #000000;"><strong>المبحث الثاني : رسالة القرآن وشرط تأثيرها في النهوض الحضاري</strong></span></p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #000000;"><strong>المبحث الثالث : منهج القرآن في التربية على الاستجابة الطوعية لأحكام النظام.</strong></span></p>
<p style="text-align: right;">عند الحديث عن النهوض الحضاري في مفهوم القرآن الكريم نجد معاني كثيرة تتلخص في &#8220;تحقيق أعلى درجات التكريم لبني آدم باستعمال ماسخره الله لفائدته تحقيقا لأعلى درجات التقوى&#8221;، قال تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا}(البقرة : 29). وقال تعالى : {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}(الحجرات : 13) وهذا يدل على أن أرقى إنسان وأكرمه هو أتقى الناس لله. وفي قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا}(النور : 55) يتأكد أن الغاية من التمكين تحقيقُ العبودية لله تعالى، وأعلى صُورها التقوى. وبقدر ماتحققت التقوى بقدر ما يتحقق من التكريم.</p>
<p style="text-align: right;">وقد ذكر الله تعالى في نحو 22 آية ما سخره لبني آدم، والمسخَّرَات تنوعتْ لتشمل ما في السماوات والأرض مما استطاع الوصول إليه، منها ما ذُكر تفصيلا ومنها ما ذكر إجمالا.</p>
<p style="text-align: right;">فلم يُخْلق شيء مما سُخِّر للإنسان إلا تيسيرًا لتقوى الله التي تجمع كل معاني العبودية من خضوع ومحبة.</p>
<p style="text-align: right;">والدليل على ذلك الاحتفالُ بعد آيات المسخَّرات بذكر التقوى طلبا لتحقيقها، أو تحقيق أسبابها، ولوازمها، أو ذكر موانعها، تحذيرا منها، متضمنة صورا من الذم، من قبيل الجَهُول والظلُوم وقلة العقل والفقه&#8230;</p>
<p style="text-align: right;">قال في سورة الرعد بعد ذكر المسخَّرات {لعلكُم بلقاء ربكم توقنون}(الآية : 2).</p>
<p style="text-align: right;">وقال في سورة إبراهيم {إن الإنسان لظلوم كفار}(الآية 34).</p>
<p style="text-align: right;">وقال في سورة النحل في مطلعها إيذانا بالغاية مما سيذكر من المسخرات {أن أنذروا أنه لاإله إلا أنا فاتقون}(النحل : 2) وقال : {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}(النحل : 12) وقال : {ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون}(النحل : 14).</p>
<p style="text-align: right;">هذا هو مفهوم القرآن للنهوض الحضاري ويمكن صياغته أيضا بأنه عمارة الكون واستثمار ما فيه تيسيرًا لتقوى الله وعبادته.</p>
<p style="text-align: right;">ومتى اختل شرْطُ التقوى في بني آدم جملةً دَلَّ ذلك على أن التسخير استحال إفسادًا أو المسخَّر صار فاسدا بوجه ما.</p>
<p style="text-align: right;">وبالنظر في تاريخ البشرية نجد أن أسباب التقدم والنهوض -وماينتج عنه من رقي للإنسان، والذي لايحصل إلا باستثمار ما خلق الله وسخره-، ترجع إلى ثلاثة أسباب لابد أن تتحقق وهي:</p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #ff00ff;"><strong>أولا :الرسالة  :</strong></span></p>
<p style="text-align: right;">والرسالة هي العقيدة ومايتفرع عنها من الأخلاق والقيم والمثُل العليا التي يشترك في اعتقادها الأفراد أو الجماعة أو الأمة، ويكون في مُثلها مايَحْفِز على العمل بفضل ما تحققه من رغبات قد تكون دنيوية أو أخروية؛ وتكون في أصولها غير قاصرة على الفئة التي تؤمن بها بل قابلة لنشرها بفضل ماتتضمَّنُه من مبادئ وقيم مقبولة عقلا ليكون ذلك مُسوّغًا لحملها وتبليغها.</p>
<p style="text-align: right;">فكل الأمم التي تقدمت، والتي نعيش معها جنبا إلى جنب في هذا الكون تستمد قوتها من رسالة تحملها إلى غيرها، وهي تبذُل كل ما تملك من قوة لتجاوز العوائق وما يحول دون ذلك.</p>
<p style="text-align: right;">وإذا أردنا أن نقف مع الأمم المعاصرة ذات الحضارات المتميزة كاليابان و الصين أو أوروبا و أمريكا أو اليهود فإننا ندرك هذا بأدنى جُهْد فجارتنا أوروبا مثلا استفاقت في عهدها الفيودالي على وقع رسالة الإسلام التي زعزعت كيانها؛ وبقيت زمنا تستقبل الوافد الجديد الذي كان متحمسا لرسالته مستعدا للإمامة في كل شيء في دقيق العلوم وجِلِّها؛ فلما استوعبت الدرسَ لم تجد بدًّا لتحقيق رغبتها في التقدم ومنافسة الغير الذي يزاحمها -في ما كانت تعتقده سلطانها- من التسلح بالرسالة التي تحملتها سابقا وهي رسالة المسيحية.</p>
<p style="text-align: right;">فكانت هذه الرسالة الهدف الذي توحدتْ عليه قلوبُ شعوب أوروبا. ولإحكام السيطرة على المنافس لابد من العدة اللازمة لذلك، فسخَّرت كُلَّ الطاقات لامتلاك القوة المطلوبة، وكل ذلك من ورائه رجُلُ الدين.</p>
<p style="text-align: right;">والحملات التبشيرية إلى اليوم  أكبر مقنع.</p>
<p style="text-align: right;">ولا ننفي أثَرَ الرغبة في الاستكثار المادي الذي وظف لتقاطع الأهداف؛ فكانت النتيجة إسقاط الخلافة الإسلامية مرتين، الأولى سنة 656هـ، والثانية سنة 1921م.</p>
<p style="text-align: right;">ولما كان قبول الرسالة لدى الآخر وما يراه من خيره فيها شَرْطًا لتحقيق الأهداف بأقل كلفة، فقد عمد الغرب إلى الحفاظ على المحفز الأول-الذي هو العقيدة الدينية- وحتى تضعف المنافسة وحِدَّة المواجهة خصوصا مع الإسلام وضَعَ رسالة أخرى هي الديمقراطية على الطراز الليبرالي غربا، وعلى الطراز الاشتراكي شرقا(3)؛ وقادوا حروبا لأجلها؛ فلما استجاب الناس لذلك وأصبحت الديمقراطية تفرِزُ مالا يسر انتهى الأمر إلى أن هذه الرسالة ليست مقصودة لذاتها!! ا لأن الديمقراطية  بالمفهوم الغربي لايتفوَّقُ فيها إلا أصحاب الرسالة وهم يدركون ذلك جيدا؛ لأنهم أصحاب المنتوج وهم أعرف بخباياه، وإنما عمدوا إلى هذه الرسالة لمعرفتهم أن المجتمعات والأمم غيرهم ليس عندهم هذا المنتوج، وهو الشرط الذي سلف ذكره.</p>
<p style="text-align: right;">فلما انتهوا إلى هذه النتيجة -وهم محتاجون إلى الاستمرار في التفوق والسيطرة- جاءت رسالة الحرب على الإرهاب&#8230; وهكذا البحث في المثُل التي تكون قيماً عليا تتوق إليها الأنفس ويتم من خلالها تسويق التفوق.</p>
<p style="text-align: right;">والنتيجة أن غياب رسالة واضحة للأمة يتم من خلالها رسْمُ معالم المستقبل، مع التخطيط لتحقيق أهداف تتفق مع مبادئ هذه الرسالة هو سبب حتمي للبقاء في مؤخرة صف الأمم ذات الرسالة -أية رسالة.</p>
<p style="text-align: right;">ولابد أن نشير إلى أن الاستمرار في التفوق على الآخر رهينٌ بالرقيِّ الداخلي الذي تعكسه القيم الاجتماعية، والمثل العليا لذلك المجتمع أو تلك الأمة. وكل إخلال بمعالم الرسالة ومبادئها التي منها انطلقت الأمة في رقيها يسَبِّب الانهيار.</p>
<p style="text-align: right;">ومقدارُ القوة حينَها يُقَاس بعدد العلماء والخبراء الذين يحملون تلك المبادئ كما وكيفا، وبالخلف الناشئ على ما نشأ عليه أسلافهم.</p>
<p style="text-align: right;">وكل هذا واضح لايخفى على ذي بصر أو بصيرة في عالمنا.</p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #ff00ff;"><strong>ثانيا: النظام والتنظيم :</strong></span></p>
<p style="text-align: right;">النظام هو عبارة عن حالة الاستقرار الاجتماعي بفضل العلاقة المنضبطة بين أفراده وجماعاته بما يتفقون عليه من الأحكام المنظمة قال ابن تيمية رحمه الله في معرض حديثه عن مصادر التشريع لدى الجماعات البشرية حيث قسمها إلى أقسام ثلاثة عقلي وملي وشرعي &#8220;ووجه القسمة أن جميع بني آدم العقلاء لابد لهم من أمور يأمرون بها، وأمور ينهون عنها، فإن مصلحتهم لا تتم بدون ذلك، ولا يمكن أن يعيشوا في الدنيا بل ولا يعيش الواحد منهم لو انفرد بدون أمور يفعلونها تجلب لهم المنفعة، وأمور ينفونها تدفع عنهم المضرة، بل الحيوان لابد فيه من قوتي الاجتلاب والاجتناب، ومبدؤها الشهوة والنفرة، والحب والبغض، فالقسم المطلوب هو المأمور به والقسم المرهوب هو المنهي عنه&#8221;(4).</p>
<p style="text-align: right;">والتنظيم عبارة عن ضبط المجتمع في مجموعات أو جماعات تشترك في مهنة أو حرفة، أو تجمعها صفة من الصفات، كالعلماء والمفكرين وهم أيضا يمكن تنظيمهم بحسب التخصصات، وكالفلاحين ويمكن تنظيمهم بحسب المنتوجات التي ينتجونها، وأيضا من لم يعد قادرا على العمل فقد وضع لهم في المجتمع الغربي المنظم دور العجزة&#8230;</p>
<p style="text-align: right;">وغاية التنظيم تقوية الجهد لتحسين المردودية، والتفكير في التطوير والإبداع، وكسب المنافسة، والزيادة في ضبط النظام. وقد أبانت تجربة الأمم المتقدمة ضرورة اجتماع كل فئة انتظمت في تنظيم جنبا إلى جنب لتحقيق الألفة المطلوبة لتحصيل المردودية المرغوبة.</p>
<p style="text-align: right;">وعلم ضرورة أن النظام ظرف مكاني لازم لأي تطوير أو إبداع أو تسخير بل هو شرط لا غنى عنه، إذ الفوضى عائق لكل ذلك، وقد تفننت الأمم عبر التاريخ في أشكال وصور النظم التي تقوم حامية للمكتسبات وداعية للاكتشافات. ونتائج هذا في المجتمع الغربي مما لايخفى ولا يحتاج إلى تأمل.</p>
<p style="text-align: right;">ولاشيء يضمن هذا الانضباط للأحكام المنظمة سوى الشعور بالعدل في أصوله، ومبادئه؛ ومالم تشترك هذه الجماعة بهذا الإحساس، وأيضا في الأهداف، فإن التصدع حتما واقع، والتفلت جزما متحقق. وكلما وقع ذلك تدخلت الفئة السالفة الذكر الساهرة على النظام واحترام القانون، وكلما اتسعت مساحة تدخلها كان إيذانا بانهيار الاستقرار.</p>
<p style="text-align: right;">وكلما صار احترام النظام عادة كانت التلقائية في الخضوع لأحكامه، وهو أمر يحتاج إلى تربية عليه، والتذكير به وبالوعيد الذي يلحق المخالف له. وهذا مما لايخالف فيه عاقل.</p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #ff00ff;"><strong>ثالثا : تقديس الوقت والزمن :</strong></span></p>
<p style="text-align: right;">والزمن عند الله وفي قاموس الحضارة هو عبارة عن جزء من عمر الكون والإنسان وقيمته تقدر بقيمة ماتحقق فيه من قبل الإنسان من بناء؛ وعلى هذا التحديد قد تكون السنوات القليلة أعظم من القرون العديدة، وذلك أن طفلا مبدعا سيكون عمره أطول ممن عاش مئة سنة بين الأكل والشرب واللامبالاة؛ قال تعالى  :{أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}(الأنعام : 122) فاعتبر الله تعالى الفترة الزمنية التي تقدمت بدون رسالة وبالتالي بدون عمل صالح موتا، وجعل من لم يأخذ في طريق العمل الصالح النافع في ظلام دائم لم يطلع عليه فجر اليوم الأول من حياته، بينما من أخذ بنور الرسالة وشرع في البناء يعد لبناته اعتبره حيا، والحياة معنى للحركة والحركة لاتكون إلا في ظرف زماني.</p>
<p style="text-align: right;">ولهذا صار الزمن ذا قيمة يباع ويشترى وقيمته تزيد وتنقص بحسب المنفعة التي تتحقق فيه. والمجتمعات الغربية تقاضي على التأخر عن الموعد المحدد للسلعة، أو الخدمة احتسابا لقيمة ما كان سينجز بذلك لو كان في الموعد. وبهذا الاهتمام بالزمن تراكمت المنتجات، وكانت المردودية، وحصل التفوق والإمامة.</p>
<p style="text-align: right;">وقد اعتنى بعنصر الزمن المعاصرون دراسة وتقويما لمعرفة أحسن الأوقات للصحة، وللعمل وغير ذلك. وقد أكد التاريخ الإسلامي قيمة أوقات العمل التي كانت منضبطة بمواقيت العبادات، ولا ينازع في مردودية الإنسان في تلك الأوقات إلا جاهل بها أو مكابر.</p>
<p style="text-align: right;">فهذه فيما نرى أهم أسباب التفوق والترقي والنهوض الحضاري، فإذا أردنا تثبيت هذه العوامل وتحلية المجتمع بها وتخليته من أضدادها فإننا مطالبون بتحليل نفسي، واجتماعي لواقعنا لكي نتمكن من المداخل الصحيحة، ولا شك أن هذا حاصل بدرجات متفاوتة وكانت نتائجه متناسبة مع ذلك.</p>
<p style="text-align: right;">وأرى في اعتقادي أن الله تعالى عليم خبير بخلقه الذي لم يخلقه عبثا، قال تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}(الملك : 14)، انه كفانا مؤنة كثير من الوقت والجهد الذي سيصرف لذلك، والذي إنما يؤكد قواعد وسننا هي بين أيدينا ضمنها كتابه سبحانه وتعالى ونحن مطالبون باستخراجها وتوظيفها.</p>
<p style="text-align: right;">هذا الكتاب الذي تحقق به مراد الله تعالى من خلقه باستعمال المسخرات لتحقيق غايات التقوى في فترة يقينا، فإنه لا يزال قادرا على ذلك يقينا، حتى يدل دليل يقينا على عجزه وهو ما لن يكون جزما، لأن الله تعالى ضمنه ما يكفل استمرارية أهداف إنزاله.</p>
<p style="text-align: right;">وما يكفل ذلك يتلخص فيما يلي:</p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #ff6600;"><strong>1-</strong> </span>الفئة العالمة به الوارثة خصائص النبوة التي بها تحققت هذه الرسالة أول مرة، وهي الأمانة التي يلزم أن تبلغ أصحابها وتؤدى إليهم {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}(الأحزاب : 72). هذه الأمانة هي إرث النبوة الذي يشمل العقيدة وما يتفرع عنها ومنهج تنزيل ذلك.</p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #ff6600;"><strong>2-</strong></span> والاستجابة الطوعية لأحكامه بما انطوت عليه من مرغبات في تحقيقها مادية ومعنوية، وأيضا من مرهبات لمن تخلف عنها مادية ومعنوية، دنيا وآخرة، مما لا يمكن لأي نظام أو فكر أن يتضمنها.</p>
<p style="text-align: right;">وسنرى في المبحثين الباقيين إلماعات تتضمن كيفية ذلك.</p>
<p style="text-align: right;"><span style="text-decoration: underline; color: #ff0000;"><em><strong>د. محمد ناصري &#8211; أستاذ بدار الحديث الحسنية -</strong></em></span></p>
<p style="text-align: right;">&#8212;&#8212;</p>
<p style="text-align: right;">1- قال ابن تيمية رحمه الله في معرض حديثه عن مصادر التشريع لدى الجماعات البشرية حيث قسمها إلى أقسام ثلاثة عقلي وملي وشرعي &#8220;ووجه القسمة أن جميع بني آدم العقلاء لابد لهم من أمور يأمرون بها، وأمور ينهون عنها، فإن مصلحتهم لا تتم بدون ذلك، ولا يمكن أن يعيشوا في الدنيا بل ولا يعيش الواحد منهم لو انفرد بدون أمور يفعلونها تجلب لهم المنفعة، وأمور ينفونها تدفع عنهم المضرة، بل الحيوان لابد فيه من قوتي الاجتلاب والاجتناب، ومبدؤها الشهوة والنفرة، والحب والبغض، فالقسم المطلوب هو المأمور به والقسم المرهوب هو المنهي عنه&#8221;. الفتاوى 40/20</p>
<p style="text-align: right;">وهو يعني ما تعارف الناس عليه اليوم من الحقوق والواجبات، فالمطلوب والمنهي لا يراعى فيه إلا تحقيق ذلك.</p>
<p style="text-align: right;">2- ودليله أنك ترى وجود الشرطي يمنع من ارتكاب المخالفة، والقاضي يمنع من السطو.</p>
<p style="text-align: right;">3- ولانغفل أن العقيدة الشيوعية استمرت زمنا في الجهة الشرقية حتى استنفذت ما عندها.</p>
<p style="text-align: right;">4-  الفتاوى لابن تيمية20/40</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2008/10/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
