<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; الكريم</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب النزول</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 26 Sep 2010 06:05:08 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 271]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[السور]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[ترتيب النزول]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6323</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب النزول د. الشاهد البوشيخي بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربّنا آتنا من لدنك [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب النزول</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علما، اللهم افتح لنا أبواب الرحمة وأنطقنا بالحكمة واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة.</p>
<p>الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله كما حُمد، وكما يُحمد، وكما سيحمد، وكما يجب أن يحمد، وكما حمده المقربون من الملائكة والرسل عليهم الصلاة والسلام.</p>
<p>1) النظرة للقرآن من زاوية الهدى هي النظرة الكفيلة بإنهاض الأمة من جديد :</p>
<p>كانت أمنية عزيزة أن يأتي يوم ننظر فيه سوية إلى كتاب الله عز وجل من زاوية بعينها، قلما يُهْتم بها، هي زاوية الهدى التي فيها تخصص القرآن.</p>
<p>لا من زاوية أنه بيان عربيٌّ مُعْجز -وهو كذلك- ولا من جهة أن فيه علوماً كثيرة منها أخبار الغابرين في الماضي السحيق أو أخبار من سيأتي بعد -وهو كذلك- ولا من جهة الإعجاز العلمي والتشريعي -وهو كذلك- لا من هذه الزوايا كلها، بل زاوية واحدة هي زاوية الهدى.</p>
<p>كانت أمنية عزيزة أن يأتي يوم ننظر فيه إلى كتاب الله عز وجل من هذه الزاوية مع إخوة وأخوات مهتمين بهذا الأمر، يقدرونه قدره، ويعرفون حق المعرفة أنه لا سبيل إلى أن تعود هذه الأمة إلى التاريخ من جديد إلا إذا استأنفت سيرها من جديد على أساس كتاب ربها كما فعلت أول مرة، إن الذي حوَّل مجرى التاريخ زمن رسول الله  هو القرآن، أربعون سنة ومحمد  يعيش بين الناس بدون قرآن فما تحوَّل هو ولا تحوّل شيء في التاريخ.</p>
<p>ولكن بمجرد أن بدأ نزول القرآن بدأ تحَوُّل التاريخ، تحوُّلُ الإنسان، تحوُّل الجزيرة، تحوُّل الخريطة على الكرة الأرضية، تحوُّل البشرية جملة في توجهها العام، في موازينها، في فُهُومها، في كل شيء، بدأت ذلك أساسا بالقرآن الذي هو أعظم نعمة أنعمها الله تعالى على هذه الأمة {اليَوْم أكْملتُ لكُمْ دينكُم وأتْمَمْتُ علَيْكم نعْمتي ورَضِيتُ لكُم الإسلام دينا}(المائدة : 4). لذلك لابد لمن يفكر في أن يصلح نفسه ويصلح  غيره لابد أن يُوَفِّيَ القرآن حقه، لابد أن يعود إليه عودة صادقة. يستخلص منه الميزان ليزن به أشياءَ مِن حوله وليزن به نَفْسَه، وتفكيره وتعبيره وتدْبِيره بل ليزِن به جميع أموره وجميع أمور الناس، فلهذا نزل الكتاب {لَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلَنا بالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا معَهُم الكتابَ والمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاس بالقِسْط}(الحديد : 24).</p>
<p>أقول كانت أمنيةً عزيزة، أن يأتي هذا اليوم، وكنت أنتظر الرغبة، ورغبتي صادقة وقديمة حيث بدأ الإهتمام بهذا الأمر -تقريبا- منذ أكثر من ثلاثين سنة. ولكن الطلب الصادق أرجو أن يكون قد بدأ اليوم منا جميعا، ولقد سمعت من إخوتي الكرام هذه الرغبة في صحبة القرآن وعِشرتِه تتردد من حين لآخر، بل وسمعت بعْدُ من أخوات كريمات رغْبَةً أصْدَقَ وأشَدَّ في الاستماع لهذا الهدى الرباني.</p>
<p>ما هو هذا الهدى؟</p>
<p>وماذا فيه؟</p>
<p>وفكرت في أشكال من الحديث عن هذا الهدى.</p>
<p>هل يكون درساً جامعاً في مسجد من المساجد يُفْتح فيه كتاب الله تعالى من الفاتحة إلى الناس؟.</p>
<p>لكن متى يتم ذلك؟</p>
<p>إن الأمر طويل إذا صار بهذا الشكل.</p>
<p>لذلك فكرت في أن تكون هذه الأحاديث التي ستبتدئ متسعة المسافة الزمنية -وهي حسب الرغبة- فإن اشتدت الرغبة ضاقت المسافة الزمنية، وإن قلت الرغبة ازدادت اتساعاً أو انقطعت لا قدر الله.</p>
<p>هذا اللقاء سيدور عن موضوع عنونته هكذا : &#8220;نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب نزول&#8221;. وهذا اللقاء المبارك يُعْتبر مقدّمة للعمل الذي سيَبْدأ في الحصة الموالية إن شاء الله تعالى مبتدئين بأول سورة نزل مطلعها أولا هي سورة العلق.</p>
<p>أما النقط التي يشتمل عليها العنوان فهي التالية :</p>
<p>1- لماذا نظرات؟</p>
<p>2- لماذا في الهدى المنهاجي؟</p>
<p>3- لماذا في القرآن الكريم؟</p>
<p>4- لماذا حسب السور؟</p>
<p>5- لماذا حسب النزول؟</p>
<p>هذه النقط سأفصّل فيها بعْضَ التفصيل ليُعْلم على أي شيء نحنُ مُقدمون.</p>
<p>&lt; لماذا نظرات؟</p>
<p>لأنها لم تهتم بكل الجوانب فهناك جوانب كثيرة في كتاب الله عز وجل ليس لنا الوقت للاهتمام بها، وإنما سنهتم بجانب واحد هو جانب الهدى المنهاجي بالتحديد.</p>
<p>&lt; لماذا الهدى المنهاجي؟</p>
<p>- السبب الأول هو أن القرآن الكريم محْضُ هُدَى، ومعنى هذا أن أهم ما في هذا القرآن هو الهُدَى ، هو أنَّه هُدًى. لم يأت القرآن بكل الجزئيات والتفاصيل لأنها تتعلق بتغير الأزمنة والأمكنة حتى تقوم الساعة ولكن جاء بالمنهاج الذي إذا أدرك وتُمِكن منه، فإن العبد يستطيع أن يهتدي إلى ما ينبغي، إلى ما فيه رضوان الله عز وجل في مختلف المجالات، ما نص عليه فقد نص عليه، وما لم ينص عليه يمكن الاهتداء إليه في إطار ما نص عليه، من كليات تضبط الجزئيات، هناك أمور عامة، مقاصد كبرى، قواعد كبرى، قضايا كبرى، تندرج تحتها تلك الجزئيات الصغرى التي تتغير بتغير الزمان والمكان، لكن المسلم إذا تمكن من تلك الأمور الكبرى سهل عليه أن يحل مشاكله في الأمور الصغرى، وأن يهتدي إلى ما ينبغي أن يهتدي إليه في الأمور الصغرى والأمور المتغيرة.</p>
<p>إذن القرآن هدًى كله، من البداية نجد الفاتحة ليس فيها أي طلب، ما عدا طلبا واحدا هو {اهْدِنَا الصراط المستقيم} طلب الهداية فقط، هذا هو الطلب المستمر والمتكرر منذ التكليف بالصلاة إلى أن نلقى الله إنه الطلب الوحيد الذي نطلب، وليس بعد هذا الطلب إلا الجواب، نطلب من الله الهدى مباشرة فيجيء الجواب {ألم ذَلِكَ الكِتَابُ لاَرَيْبَ فِيهِ هُدًى للْمُتَّقِين} طلبتم الهدى،  فها هُو القرآن هُدًى للمتَّقِين الذين يٌؤمِنون بالغَيْب ويُقِيمون الصلاة} إلخ. فكل ما جاء بعده هو بيان لهذا الهدى في مختلف المجالات، فهو :</p>
<p>هدى في علاقة العبد بربه.</p>
<p>هدى في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان.</p>
<p>هدى في علاقة الإنسان بنفسه.</p>
<p>هدى في علاقة الإنسان بأسرته وأبنائه.</p>
<p>هدى في الحياة الإقتصادية.</p>
<p>هدى في الحياة السياسية.</p>
<p>هدى في الحياة الاجتماعية والتربوية، والتعليمية، و الإعلامية&#8230; في كل المجالات. هو هدى.</p>
<p>وهدى للمتقين، هؤلاء فعلا هم الذين ينتفعون بهذا الهدى ويستفيدون منه. وهم الذين حصلوا على الإستجابة إلى ما طلبوا في الفاتحة {اهدنا الصراط المستقيم}.</p>
<p>بل هو هدى لجميع الناس، لمن استجاب ولمن لم يستجب {شَهْرُ رَمَضَان الذي أُنْزِل فيه القرآن هُدًى للِناس وبَيّنات من الْهُدَى والْفُرقان}(البقرة : 184) استجاب لها من استجاب وتركها من تركها. لكنه هو هُدًى. هذه حقيقته.</p>
<p>وهُوَ هُو الهدى {قُل إن هُدى الله هو الهُدَى}(البقرة :119) {وقالوا كونوا هُوداً أو نصارى تهْتدُوا قُل بَل ملَّة ابراهيم حنِيفاً}(البقرة : 134).</p>
<p>هذا هو الهُدى لا سواه.</p>
<p>فإذن الإهتمام بالهدى المتعلق بالمنهاج يأتي في الصدارة، لأنه هو الأهم وهو الُمرَادُ، وهو الهدف من إنزال هذا القرآن {قَد جاءَكُم من اللهِ نُورٌ وكتابٌ مُبينٌ يهْدِي به اللَّهُ من اتّبَعَ رضوانه سُبل السلام}(المائدة : 17). لهذا اعْتُبِر هذا الهدى هو الأسَاسَ والأهَمَّ والآكَدَ في مختلف المجالات، هذا الهدى هو الذي يجب أن يطلب.</p>
<p>هذه النقطة الأولى.</p>
<p>&lt; لماذا في الهدى المنهاجي؟</p>
<p>2) شدة حاجة الأمة اليوم إلى استرجاع روح القرآن :</p>
<p>الأمة اليوم بعدت عن هذا الهدى لأسباب كثيرة بعضها تاريخي نتيجة تراكم المشاكل عبر العصور السابقة، وبعضها عصري نتيجة الهجمة الاستعمارية النكراء التي عرفها المسلمون في العصر الحديث ومازالوا يعرفونها، مصيبة عظمى عرفها المسلمون. ومازالوا تحت وطأتها وتتمثل في أن المسلمين أخرجوا جسد الاستعمار من ديارهم ولم يُخْرجوا روحه. فالحركات الوطنية حررت البلاد من أجساد الاستعمار لكن لم يحدث حتى الساعة تحرير أرْواح الأمة إذْ لَنْ يُخْرِجَ الروحَ إلا الروحُ.</p>
<p>فإذا حلت روح القرآن في الأمة من جديد أخرجت سواها. أما إذا لم تحل الروح القرآنية فإن الروحَ النكِدَة ستبقى -لا قدَّر الله- مستقرة متمكنة. فلذلك حاجة الأمة اليوم شديدة لحلول الروح القرآني، ولا يعرف هذا إلا من يعرف القرآن، بالقرآن وحده نعْرف فعلا مدى شساعة الفرق. بين ما ينبغي أن تكون عليه الأمة إذا استجابت للقرآن وبين ما هي عليه الآن.</p>
<p>لهذا، ولهذه الحاجة الشديدة نحتاج إلى هذا الهدى المنهاجي. نظراً لهذا البعد الذي وقع، ونظراً إلى أن نوعين من التأثير عرَفَتْهُما الأمة، تأثيران كبيران أفْسَدَا الرُّؤْيَةَ، وأفْسَدا المنهاج، وأفسدا بعدُ الحياة، فكان ما كان.</p>
<p>التأثير الأول : تأْثِير الغرب القديم فيما يُسَمَّى بالثقافة اليونانية التي بدأ دخولها للعالم الإسلامي منذ بداية القرن الثاني الهجري حيث بدأ إفسادها للرؤية القرآنية في أدمغة المسلمين، وأدمغة عدد من نخبتهم، واستمر ذلك حتى وصل إلى الأصلَيْن: أصولِ الدين، وأصُولِ الفقه. وهما الأساس في علوم الشرع لدى الأمة، ووصل تأثير المنطق اليوناني وتأثير أريسطو وأفلاطون وغيرهما، فلم يعد أخْذُ المسلمين لدينهم من النبع الصافي الخالص، نبْعِ الوحي، بل صاروا يأخذون دينهم مشُوباً مخْلُوطاً من عَدَدٍ من المصادر للأسف الشديد.</p>
<p>فهذا الواقعُ : تأثير الغرب القديم في تاريخ الأمة العلمي ظهرتْ تأثيراتة بأشكال مختلفة، في علم الكلام، وعلم السلوك، وفي مجالات أخرى.</p>
<p>هذا مؤثر خطير ترك بصمَاتٍ خطيرة على عقل الأمة، وفهم الأمة، وعمل الأمة. ومن نتائجه وُصُولُها إلى ما وصَلَتْ إليه في القرن الماضي من هجوم الاستعمار على أغلب شعوب العالم الإسلامي.</p>
<p>المؤثر الثاني : هو هذا الذي جاء مع هذا الهجوم الاستخرابي على الأمة. فهجوم الغرب الحديث على الأمة أصْبحَ حاضراً في مختلف المجالات في الإعلام، في التعليم، في الاجتماع، في التربية، في مختلف العلوم وفي مختلف المجالات ولا خروج لروح الاستعمار إلا باستعادة روح القرآن، فلهذا السبب نحن بحاجة إلى أن نقف عند هذا الهدى المنهاجي في القرآن لنستعيد أرواحنا وأرواح الأمة، خصوصاً وأن الاهتمام به فعلا قليل،. نجد أشكالا من الإهتمام بالجوانب المتعددة للقرآن، ولكن تخصيص الاهتمام بجانب الهدى وإبرازه أكثر من غيره قليل. لذلك كان لابد من إثارته والاهتمام به.</p>
<p>النقطة الثالثة : لماذا القرآن الكريم؟ : هذا الأمر قد يكون واضحا جداً :</p>
<p>أولا : لأن القرآن هو الوحي الخالص، وهو الحق المطلق : ما بقي حقٌّ في الكون إلا في القرآن، وهو مصدق لما بين يديه من الكتب ومهيمن عليها، فإذا أردنا أن نلْتَمِس الحقّ الذي لَيْسَ مِن رأْي فلان أو علان، أو من رأي المجموعة الفلانية، أو رأْي مكتب الدراسات في كذا، أو مرْكز الدراسات الاستراتيجية.. فإننا نجد هذا الحق في القرآن بدون نقاش. جهة واحدة معينة تنطق بالحق، هي جهة الله جل جلاله، هو الذي خلق وهو الذي أحاط بكل شيء علماً {قُل أنزلَهُ الذي يعْلَمُ السِّرَّ في السموات والأرض}(الفرقان : 6) هل هناك أحدٌ يشارك الله في هذا؟ لا أحد : فالذي أنزل الكتاب هو الخالق لكل شيء وهو المدبر لكل شيء، هو الله جل جلاله، فالقرآن هو الوحي الخالص، وهو الحق المطلق. أما السنة فهي تبيان له، {وأنْزَلْنا إليك الذّكر لتُبيّن للناس ما نزِّل إليهم}(النحل : 44) فالقرآن أولاً والسنة ثانياً ولا عكس.</p>
<p>ثانيا : أن القرآن هو مصدر جميع الكليات في جميع المجالات : إن القواعد الكبرى الضخمة التي تضبط السير في جميع مجالات الحياة، توجد في القرآن، توجد على شكل كليات تندرج عنها جزئيات لا تحصى، مثل {ولا تاكُلُوا أمْوَالَكُمْ بيْنَكُم بالبَاطِل}(البقرة : 187) أشكالُ الباطل كلها منهيٌّ عنها.</p>
<p>أمثال هذا كثير في كتاب الله فلذلك كان هو المصدر  الذي ينبغي أن نعود إليه إذا أردنا أن نحصل على كليات الهدى المنهاجي. لابد من الرجوع إلى كتاب الله، لا إلى كتاب فلان، أو علان، أو المجموعة الفلانية&#8230;</p>
<p>لا يسْتَطِيع أن يمدنا لا الغَرْب  الغربِيُّ ولاالغرب الشرقي بشيء من الهدى الذي نحتاج إليه، ولذلك لابد من العودة إلى المصدر الأساس الذي هو القرآن.</p>
<p>المصيبة التي نحن فيها الآن أننا لا نشعر بالمسؤولية عن انحراف أوربا وعن ضياع الغرب، لأننا لم نَعُدْ نمثل الحق لنكون حجة عليه، ونصبح أعِزَّاء، بل واقعنا صار حاجزا بينه وبين الحق، يريد أن يَرَى الحق فيجدنا في الطريق، نمنع الناس عن الحق بحكم واقعنا الذي يتبرأ من الحق، لأن الأصل أننا شهداء على الناس ولكن الشهادة لها الأهلية، والأهلية تقتضي الصلاح أولاً، قبل أن تقتَضِي الإصلاح وهذا شيء غير موجود من الناحية العملية.</p>
<p>ثالثا : الأمة منصرفة عن تلَمُّس الهدى في القرآن : الهدى يُتَلَمَّسَ الآن في الدراسات والبحوث بصفة عامة فَلَوْ قُمْما بعملية احصائية للنظر كم تساوي نسبة الدراسات المتعلقة بالقرآن في علاقتها بمختلف البحوث في مختلف العلوم، لوَجَدْناها لا تكاد تمثل شيئا فضلا عن قيمة ما يُنْجَزُ. فهذه قضية.</p>
<p>النقطة الرابعة : لماذا حسب السور؟</p>
<p>لا يمكن أن ننسى أن الله عز وجل عندما تحدى الناس بالقرآن جملة، وتحداهم بعشر سو ر، ثم تحداهم بسورة، وهنا وقف. ولم يتحَدَّاهُم بآية، فإذن القرآن مبين بالشكل التالي.</p>
<p>من حيث وحداته الكبرى. أولا هو كتاب، هذه وحدة كبرى {ألم ذلك الكتاب}.</p>
<p>هذا الكتاب مكون من وحدات أصغر منه لها شخصياتها المستقلة هي التي تسمى بـ&gt;السور&lt; من أقصر صورة كسورة الكوثر إلى أكبر سورة كسورة البقرة، كل سورة لها شخصيتها المتميزة، هل يعني ذلك أنها منفصلة عن القرآن؟ أبداً. هي في مكانها في علاقتها بسواها منسجمة مع سواها، لا يمكن زحزحتها من موقعها، ولكنها هي في حد ذاتها لَهَا شخصيتها كحال أي واحد منا لا يمكن خلطه بسواه ولكن من المجموع، من تلك القطع المُتنَاثِرة التي تبدو كأنها منفصلة يتكون مجموع منسجم هو &#8220;جماعَةٌ ما&#8221; أو &#8220;جَمْعِيَّة ما&#8221; أو &#8220;حزّبٌ ما&#8221; أو أي شيء آخر.</p>
<p>فالسور فيها سر وذلك السر هو الذي تمّ به التحدّي، والإعجاز، فإذن إذا أردنا أن نفهم آية أو نستنبط هُدًى فإننا نستنبطه في إطار السياق الخاص داخل كل سورة بدون إغفال إطار السياق العام الذي هو كتاب الله عزوجل ولكِنّ السياق القريب مقدَّمٌ على السياق البعيد، فلذلك السُّور مُهِمَّة جدا وهذا ما كنتُ آمل أن يقع به الاهتمام، أن نهتم بالنظر إلى السور، لا إلى الآيات مُفْرَدَة، بل إلى السُّور مجملة، لأن هذه السُّور بمثابة خلقة سويّة كلُّ سورة بمثابة خِلقة سوية لها شخصيتها المستقلة، لها بداية ولها نهاية، ولها وحْدَةٌ عُضويَّة لا تقْبَلُ أن يُقْتَطَع مِنها شيء أو أن يُفْصل  منها أي شيء فلذلك سنسير إن شاء الله عز وجل على هذا النظام، سورة سورة. هذه واحدة.</p>
<p>ثم لأن الله عز وجل اختارها في البناء العام مكونا بارزاً، لهذا الكتاب لكونها ذات خصوصية خاصة، وبها تحدى الله عز وجل المعاندين، ولكونها اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون هي المكونات الأساسية لكتابه، لذلك نحن نَنْسَجِم مع هذا الواقع فنهتم كذلك بالوقوف عند السور.</p>
<p>&lt; النقطة الخامسة : لماذا حسب النزول؟</p>
<p>هذه نقطة أيضا تشبه الحديث عن الهدى المنهاجي، معنى هذا أنها قضية كبيرة ابتدأت من الشعور بأن المسلمين في حاجة إلى قراءة السيرة على أنها منهاج لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وليس لمُجَرَّد التبرك، ولهذا السبب ظهرت دراسات باسم &#8220;فقه السيرة&#8221;  هذا المصطلح يراد به أساسا النظر الخاص في السيرة النبوية على أساس أنه المنهاج النبوي في إخراج الناس من الظلمات إلى النور في التجربة الأم.</p>
<p>فلماذا ظهر هذا في هذا الظرف؟ وفي العصر الحاضر بالضبط؟ أو لماذا ظهر بعده على استحياء بعْضُ الاهتمام بهذا الجانب التنزيلي في القرآن الكريم؟ ولماذا وصل الاهتمام عند البعض إلى حد إخراج تفسير في هذا الاتجاه، كحال &#8220;محمد عزت دروزة&#8221;؟ الذي رُبَّما كان أول من أقبل على هذه التجربة؟؟ والآن تبعه ناس رُبّما من آخرهم : &#8220;عبد الرحمن حبنكة الميداني&#8221; الذي مات ولم يتم تفسيرة رحمه الله.</p>
<p>لماذا ظهر هذا؟ لماذا ظهر هذا النوع من النظر في السيرة؟!  وظهر هذا النوع من النظر للقرآن؟.</p>
<p>لأن الأمة لَمْ تمر بمرحلة تاريخية يمكن أن نقول أن عمارة الإسلام سقطت إلى الأرض على أنها بنْيانٌ عمَلِيٌّ، لا بنيان نَصِّيٌّ.</p>
<p>النّصِّي لم يقعْ له شيْء لأنه محفوظ بحفظ الله {إنا نحن نزّلنا الذّكر وإنا له لحافظون}(الحجر : 9) لكن ما يجلِّي هذا النص في الواقع في صُورة بنيان واحد يشمل الأمة كلها من أقصى الأرض إلى أقصاها لها رأسٌ واحدة، أرضٌ واحدة نظام واحدٌ يحْكُمُها، هذا الشيء لم يبق.</p>
<p>وآخر عهد الناس بما يشبه هذا ما وقع سنة 1924 حين أنهى مصطفى كمال أتاترك مسألة الخلافة الإسلامية رسميا، وقانونيا، وورقيا.. أما من الناحية العملية فكانت مشلولة قبل ذلك. فهذه الخلافة تشبه الأصل. وحين أنهت أوربا هذه الخلافة دخلت الأمة في مرحلة جديدة هي غرس وترسيخ الحواجز في أعماق ضاربة في الأرض تمنع عودة الخلافة، هي هَذِه القيودُ وهذه الحدود التي توضع بأشكال مختلفة في الأرض. لتجعل من بقايا الأمة شيئاً اسمه &#8220;منظمة المؤتمر الإسلامي&#8221; يضم سبعا وخمسين دولة لكل دولة رايةٌ وحدود وجمارك وجوازات وتأشيرات.. إلى غير ذلك.</p>
<p>هذا من صنع أوربا من صنع الغرب فلهذا أقول : هذا البنيان انهدم وبقيت قطع غيار صالحة &gt;لاتزال طائفة من الأمة&lt; فهذه القطع هي التي تنتظر الرعاية على مقتضى النص المحفوظ. بمعنى أن النص محفوظ، وبعض النماذج البشرية الصالحة لا تزال على وجه الأرض منتشرة في الأمة، و تحاول، لكن البنيان العام سَقَط. سواء وعَتْ الأمة أمْ لَمْ تَعِ، أحَسَّتْ بالحاجة أم لم تحس.</p>
<p>ولسد هذه الحاجة بدأت المحاولة للْعَوْدة من جديد على شكل النموذج الأول، وهذا يحتاج إلى فقه المنهاج الأول. كيف صنع رسول الله  الأمة؟ ماذا صنع لإخراج الناس من الظلمات إلى النور؟! ماذا صنع لإنْتاج المسلم الفرد؟ ماذا صنع لإنتاج الأسرة المسلمة؟ ماذا صنع لإنتاج الأمة المسلمة؟ فلذلك بدأوا يتفَقَّهون في التجربة التاريخية المثلى. &gt;السيرة النبوية&lt; : فسيرة رسول الله  أهم من قصة نوح، وقصة ابراهيم، وقصة موسى، وقصة شعيب، وقصص جميع الأنبياء سواء فَصَّل فيها القرآن أو لمْ يُفَصِّل لأن سيرة محمد  تمثل النموذج الأمثل لإخراج ا لأمة الوارثة والشاهدة.</p>
<p>إذن الظرف التاريخي الذي نجتازه هو الذي يدفعنا دفعا شئنا أم أبينا إلى أن ننظر إلى هذه التجربة الأم، وكيف كانت تلك التجربة الأم؟! وبم صنعت؟!.</p>
<p>فما هي السيرة؟</p>
<p>السيرة ما كان ينز ل من الوحي وكان يتحول إلى واقع، والواقع يؤثر في الواقع، والأمور تسير إلى أن تم تنزُّلُه وتمَّتْ السيرة بتمام تنزُّلِه، وعندما انتهى تنزل الوحي انتهت القصة. هذه هي السِّيرة، فهي عبارة عن ترجمة عملية للوحي المنزل أقساطاً، وعكْسِ ذلك على الأرض سلوكا وضبطا لتصرفات الإنسان.</p>
<p>هل نزل القرآن على الكيفية التي توجد عليها في المصاحف اليوم؟ لا،  أبداً، لم ينزل كذلك نزل بطريقة أخرى، والسنة التي هي صدًى وبيانٌ للكيفية التي نزل بها هي التي نسميها نحن بالسيرة. لو نظرت إلى القرآن وهو يتنزّل بحسب النزول قطعةً قطعة، جُزْءاً جُزْءاً، هذه المرة تنزل آية، وهذه المرة تنزل سورة، كسورة الأنعام دفعة واحدة يُشَيِّعُها سبعون ملكاً..الخ.</p>
<p>هذه الطريقة هي التي مثلت السيرة صَدَاها فإذن سُنَّةٌ مرْبُوطةٌ بالزمان والمكان هي السيرة، ويمكن أن نستخرج من السنة الأخرى التي صُنِّفَتْ حسَبَ أبواب الفقه سيرة مربوطة بالأحوال والكيفيات.</p>
<p>لهذا السبب نحن بحاجة ماسة الآن لأن ننظر هذا النظر ونهتم هذا الإهتمام في عملية الإصلاح.</p>
<p>من يريد أن يُصْلِح ما أفْسَد الناسُ يحْتاج أن ينظر كيف أصْلَح رسُول الله  بوَحْيِ الله، وبِهُدَى الله، كيف أصْلَح ما كان فاسداً في الجزيرة العربية. وكيف أسَّسَ ما أسَّسَ نحن بحاجة إلى ذلك، كما نحتاج أيضا إلى أن نقْترب من تلك الأجواء، لأن القرآن الذي نزل أول مرة اهتم بالقضايا الكلية الكبرى الأساسية التي يتم منها البدء، اهتم بالرؤيا، اهتَمّ بالتصور، اهتم بما يسمى الآن العقيدة، اهتم بالإيمان الذي هو المصطلح القرآني الصحيح، اهتم بالإيمان بجميع أسُسِه وأركانه.</p>
<p>هذه الكليات هي التي تم بها الاهتمام لأن هاته الأمور هي التي ينبغي منها البدء، لا البدء بما كان في نهاية البناء، فرسول الله  حينما قال &gt;بني الإسلام على خمس&lt; ينبغي أن نحس أن الإسلام بناءٌ، فعلا، هو بناء إذا نظرتَ إليه وهُوَ تَامٌّ، وهو بناء إذا نظرت إليه في الزمان، وهو يُبْنى فهو بناء. ولذلك إذا كان ذلك كذلك فلا بد أوّلاً من الأرض، ولابد من حَفْر الأرض ووضْعِ القواعد الكبرى في البدايات، وبعد ذلك وَضْعِ الهيكل العام:</p>
<p>أولا الأمور الكبرى والأساسية تنتهي وبعد ذلك تأتي تلك الأمور التي تعطي الصورة النهائية وتتمُ بها النعمة على الأمة أي الكماليات. البناء أيضاً بصورة طبيعية يتم كذلك، وإذا نظرنا إ لى الوحي سنرى هذا بوضوح في السيرة، وفي القرآن حين تنظر إليه من هذه الزاوية، ترى كذلك ما الذي كان الإهتمام به في البدايات وما الذي جاء الإهتمام به فيما بعد، وما الذي تأخر. لأن الأمر كان يتم بطريقة بناء والبناء تلقائيا يقتضي التقديم والتأخير. هل هذا الكلام يعني أن القرآن الآن لمَّا يتنزل؟! كلا ثم كلا ثم كلا. لكنه ليس مَعْمُولا به في الواقع، ولكي يُعْمَل به في الواقع يحتاج إلى أن يُعمل به بالتدريج.</p>
<p>وإذا كان التدرج في كل شيء سنة ربانية للفهم والتعلم والعمل الميسر، فإن الله عز وجل قال -مشيراً إلى سنة التدرج- {وقُرْآنا فرَقْنَاه لتَقْرَأَهُ على النَّاسِ  على مُكْث ونزّلناه تنزيلا}(الإسراء : 106) هذا واقع الحالة التي كان يتنزل فيها القرآن ليُطبق وهو واقعنا اليوم، ولهذا كان الاختيار للسّير على حسب طريقة النزول، اقتداء بالمرحلة الأولى. لابد أن تعلمه بالتدريج وتعلمه بنظام، كما يقال صغار العلم قبل كباره.</p>
<p>فإذا عدت إلى هذه النقطة لماذا حسب النزول؟! لأن صانع التجربة المثلى الأولى التي نسميها التجربة الأم هو هذا التنزل للقرآن حسب الظرف، وحسب المناسبة، فذلك التقسيط للقرآن هو الذي صنع السيرة، وصنع ما صنع في الجزيرة العربية، وصنع ما صنع للتاريخ، فنحن لابد أن نعرف ذلك، ثم مِن جهة أخرى أنّنا الآن بحاجة إلى أن نعود أفراداً وجماعات، إلى هذا الدين كما يحب الله تعالى غير منفصل عن واقعنا.</p>
<p>ينبغي أن نمارس الإسلام في الواقع الذي نحن فيه، في الظرف الذي نحن فيه، لأن الله أوجدنا في هذا الوقت في الظرف الذي نحن فيه في الوقت الذي نحن منه، فيجب أن نسْتخْلص الهدى المناسب لزماننا هذا انطلاقا من كتاب الله عز وجل، لذلك كان الطريقُ الأنسب لاستنباط المنهج هو النظَر من هذه الزاوية.</p>
<p>لأن كتاب الله عز وجل في الصورة التي تمت بها النعمة هي الصورة التي ينبغي أن يبقى عليها، صورة الإعجاز الكامل وصورة الحفظ التام حتى تقوم الساعة، لكن عمارة الأمة الساقطة تحتاج إلى إعادة البناء على صورة النموذج الأكمل الذي به تمت النعمة، وكمل البناء.</p>
<p>لذلك فالأساس لاستنباط المنهاج هو هذا النظر، ولأنه -كما قلت- به صُنِعَتْ التجربة الأخيرة وأخيراً إعادة البناء يحْتاج إلى القرب من تلك الأجواء، هذا طبيعي لأن العيش مع هذه السور والتي تليها والتي تليها يجعلنا قريبين من تلك الأجواء الأولى التي كان يتم فيها التنزيل ويتم فيها البناء في بدايته ثم بعد ذلك، ثم بعد ذلك، وهذا شيء مهم يعيننا على أنفسنا ويعيننا في السير عموما في عملية الصلاح  والإصلاح جملة وتفصيلا.</p>
<p>هذا النظر إلى كتاب الله عز وجل من هذه الزاوية تقريبي ومعنى تقريبي، إن هذا الترتيب في هذه السور لا يوجد حديث واحد صحيح يدل على أن هذا الترتيب هكذا كان، أهمُّ ما عندنا في الموضوع حديثٌ حسن، وطبعا تعلمون أن العلماء يعملون بالحديث الحسن، لا إشكال في ذلك.</p>
<p>ولكن أن تعلم أن هذه الآية الفلانية أو أوائل السورة الفلانية نزلت في وقت كذا أو في غزوة كذا أو كذا هذا سهل وعندنا فيه الأحاديث الصحيحة، ولكن أن تضبط الأمر من أوله إلى آخره لتعرف كيف كان الترتيب هذا متعذر.</p>
<p>وقد شرحت يوما لماذا لا ينبغي أن يبقى هذا الترتيب، والله عز وجل اختار أن لا يبقى، لأنه لو بقي لفتن الناس، وقالوا : أن هذا هو الطريق الذي ينبغي أن نسير عليه في زمان كذا، وذلك ليس كذلك، والظرف العالمي ليس جامدا ولا ثابتا يمكن أن يبقى حتى قيام الساعة. أبداً التغيير مستمر فإذن المعالم الكبرى بقيت ليُسْتهْدَى بها لكن التنزيل الدقيق الجزئي التفصيلي هذا متغير ويبقى للاجتهاد.</p>
<p>أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مفهوم الأمن في القرآن الكريم</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2008/10/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2008/10/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 17 Oct 2008 15:25:48 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 305]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الأمن]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/2014/02/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85/</guid>
		<description><![CDATA[المصطلح في كتاب الله عز وجل أي ألفاظ هذا الكتاب هي ألفاظ هذا الدين، عليها المدار، والقرآن نفسه بيّنها في مواطن كثيرة، ورسول الله  بيّنها أيضا في مواطن كثيرة، والراسخون في العلم عبر القرون اجتهدوا أيضا في بيانها في مواطن كثيرة، ولكن حال زماننا هذا بما هو عليه من قدر غير يسير من البعد عن [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: right;">المصطلح في كتاب الله عز وجل أي ألفاظ هذا الكتاب هي ألفاظ هذا الدين، عليها المدار، والقرآن نفسه بيّنها في مواطن كثيرة، ورسول الله  بيّنها أيضا في مواطن كثيرة، والراسخون في العلم عبر القرون اجتهدوا أيضا في بيانها في مواطن كثيرة، ولكن حال زماننا هذا بما هو عليه من قدر غير يسير من البعد عن كتاب الله عز وجل: بُعد لغوي وبعد إيماني وبعد مفهومي وبعد مصطلحي&#8230; هذا البعد يجعل الاهتمام وتركيز الاهتمام على هذه الكلمات اليوم من أوجب الواجبات، وهذه الكلمات لا نستطيع اليوم أن نقترب وأن نلج عالم القرآن وأن نتغلغل في أعماقه إلا بعد الاقتراب منها ومحاولة التمكن من مضامينها ومن مفاهيمها، وهي لا تتأثر بالعصور، فهي ثابتة في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله ، وإن هذا الكتاب يحمل معجمه ويحمي معجمه، فلو حاولنا ما حاولنا، وحاول المحاولون ما حاولوا أن يُحْدثوا التغيير في أي مفهوم لكتاب الله عز وجل، فلن يستطيعوا ذلك، وذلك من حفظ الله عز وجل لكتابه مما ينص عليه قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر:9).</p>
<p style="text-align: right;">ومن تلك الكلمات المهمة جدا في كتاب الله عز وجل -والتي نحتاج إلى فهمها وتبيّن المراد منها لنعرف كيف نكسب مضمونها، ونتصف بمفهومها- كلمة &#8220;الأمن&#8221;. وهذه الكلمة، حاجة البشرية إليها اليوم شديدة جدا، فالقلق مسيطر على البشرية اليوم في كل مجال، الاضطراب والحيرة وقلق البال واضطراب الحال، حال القلوب خاصة، هذا الأمر متمكن غاية التمكن من البشرية اليوم، وذلك شيء طبيعي، لأن الشيء الذي به يسكن القلب البشري ويطمئن ويرتاح، والذي به تسعد الروح البشرية في هذه الدنيا وفي الآخرة أيضا، ليس هو الذي له السيادة اليوم وليس هو الذي منه تقتات البشرية، وإليه ترجع، فالمرجعية اليوم لغير كتاب الله عز وجل، بينما هو الروح -روح البشرية حقيقة- كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(الشورى:52).</p>
<p style="text-align: right;">فالقرآن هو الروح الذي يجمع هذه القطع المتناثرة من أمة الإسلام ليجعل منها-بإذن الله تعالى- جسدا واحدا له كل مظاهر الحياة التي أشار إليها رسول الله  في الحديث الصحيح المشهور: &gt;مثل المومنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى&lt;(رواه مسلم).</p>
<p style="text-align: right;">فبغير روح القرآن لا يكون هذا الجسد، ولن تجتمع هذه القطع في كيان واحد حي يرى ويسمع ويفقه، له أعين يبصر بها وله آذان يسمع بها وله قلوب يفقه بها. بغير هذا القرآن لن تكون حياة، ولن يكون اجتماع، لنحظى برؤية الأمة من جديد، أمة الإسلام، فما أكثر الحواجز كما نرى اليوم بين أطرافها جغرافيا وتاريخيا ومذهبيا وفكريا وسلوكيا وغير ذلك، ولكن إذا وقع الاجتهاد لإعادة روح القرآن وإحلالها في كيان الإنسان في كل مكان من أرض الإسلام، فإن هذه القطع وهذه الأجزاء ستجتمع بإذن الله عز وجل ليتخلق منها جسد واحد حي له كل خصائص الحياة. وليحدث هذا فنحن بحاجة إلى أن نتبين المداخل إلى هذا القرآن الكريم. ومن تلك المداخل: مفهوم الأمن في كتاب الله عز وجل، وسننظر إليه من زوايا متعددة:</p>
<p style="text-align: right;">الأمن لا يقبل التبعيض</p>
<p style="text-align: right;">مما يثير الانتباه في كتاب الله عز وجل أن هذا اللفظ (أي الأمن) لم يَرِدْ إلا في خمسة مواضع : ثلاثة منها ورد معرَّفا في الصورة المطلقة وذلك في قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}(النساء:83)، وقوله تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}(الأنعام:80- 82)، ومرتين ورد منكرا، منها قوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}(النور:55). وورد على غير الصورة الاسمية أضعاف ذلك سواء بصيغة الماضي أو صيغة المضارع أو في صيغة المشتق كاسم الفاعل المفرد أو الجمع. وقد ورد اللفظ بعدة أشكال لكنه لم يرد مقيدا بشيء لا بوصف ولا بإضافة، ومعنى ذلك أنه غير قابل للتبعيض، فالأمن شيء كلي شامل لا يقبل التبعيض، فهذه نقطة مهمة وهو أن الأمن نعمة يتنعم بها الناس إما أن تكون وإما أن لا تكون، ولا يمكن أن تكون مبعضة، بمعنى ينعمون بنوع من الأمن ولا ينعمون بأنواع أخرى ولا سيما بالنسبة لأهل الإيمان، لأن المنطق الذي يحكم دائرة الإيمان بعد سيدنا محمد  هي دائرة التكليف ودائرة الشهادة على الناس، بينما الدائرة الأخرى ليست مكلفة، ولذلك إذا تمت الاستجابة للتكليف تكون النتائج وتكون الآثار الطيبة وتكون الثمرات وتكون الخيرات، وإذا لم تتم الاستجابة تكون العقوبات. بينما في دائرة غير الإيمان قد يتم التنعم الدنيوي حتى يرتحل الناس ولا يكون إشكال لأنهم ليسوا مكلفين بهذه الأمانة.</p>
<p style="text-align: right;">والأمر عندنا جميعا واضح فلا نبي بعد محمد ، وأمتُه من بعده هي حاملة للأمانة، ولذلك إذا لم تقم بها تحاسَب على ذلك أفرادا وأمة، تحاسب على ذلك حسابا عسيرا في الدنيا وفي الآخرة، والفسادُ الذي يحدث في غير المسلمين هو في الحقيقة بسبب تقصير المسلمين، لأن شرطة الأرض المنظمة للسير في الكرة الأرضية هي الأمة الإسلامية، هذا موقعها لا واقعها، ولكنها للأسف لم ترتق الآن إلى الموقع وهي الآن في واقع نعرفه جميعا، فلذلك إن مفهوم الأمن بالنسبة لهذه الأمة لا يتبعض لأن مقره القلب كما سنرى في النظرة الموالية.</p>
<p style="text-align: right;">الأمن سكينة القلب</p>
<p style="text-align: right;">إنْ تتبعنا لمفهوم الأمن يوصلنا إلى حقيقة مفادها أنه مستقر في القلب، ومدار مادة &#8220;أمن&#8221; في اللسان العربي على سكينة يطمئن إليها القلب بعد اضطراب، وأنقل هاهنا قول الراغب الأصفهاني فإنه يكاد يكون جامعا لما في غيره مع تدقيق، يقول رحمه الله: &#8220;أصل الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف&#8230; و&#8221;آمن&#8221; إنما يقال على وجهين: أحدهما متعدّيا بنفسه، يقال: آمنته أي جعلت له الأمن، ومنه قيل لله مؤمن؛ والثاني: غير متعدّ، ومعناه صار ذا أمن&#8230; والإيمان هو التصديق الذي معه أمن&#8221;. كأن الإمام الراغب رحمه الله لا يتصور أن يكون هناك مؤمن وليس عنده أمن، أي سكينة واطمئنان، أي استقرار لا اهتزاز ولا اضطراب ولا قلق ولا حيرة، لأنه مطمئن إلى ربه {أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(الرعد:28). {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ}(الفتح:4). فالمدار إذن على وجود سكينة في القلب في جميع ما دارت فيه المادة سواء في صورة &#8220;أمن&#8221; أو &#8220;آمن&#8221; المتعدي واللازم، المدارُ على هذه السكينة وعلى هذه الطمأنينة التي تأتي في حقيقتها بعد نوع من القلق والاضطراب، وتأتي بعد قدر من الخوف، وهذا الخوف عبر عنه بالخوف نفسه، وعبر عنه بالبأس، وعبر عنه بالفزع {وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}(النمل:89)، وعبر عنه بألفاظ أخرى غير هذه الألفاظ، ولكن مؤداها جميعا هي أنها تُحدث لدى الإنسان ضربا من الخوف، فإذا جاء الأمن أزال ذلك الخوف، هذا الأصل وهذا المدار الذي تدور عليه المادة يجعلنا نتجه إلى أن المعنى الذي للأمن هو أنه حال قلبية تجعل المتصف بها في الدنيا يرتاح ويطمئن، والموصوف بها في الآخرة يسعد وتحصل له السعادة الأبدية.</p>
<p style="text-align: right;">هذه الحال هي نعمة من الله عز وجل، وإذا ربطنا الكلام ببعضه، فإننا نجد من أسماء الله الحسنى &#8220;المؤمن&#8221;، وقد فهم الراغب الأصفهاني -كما مر في نصه السابق- أن معنى اسم الله المؤمن: الذي يمنح الأمن ويعطيه، فهذه الحال -التي هي نعمة من الله عز وجل- هو الذي يعطيها: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}(قريش: 1- 4)، ومعنى ?آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ? أي أعطاهم الأمن، وللمكان طبيعته الخاصة، وسره الخاص، وقد وصف القرآن الكريم ذلك المكان في مواطن متعددة بأنه &#8220;آمن&#8221; {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا}(البقرة:126)، {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا}(إبراهيم:35)، {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا}(العنكبوت:67). ذلك سر جعله الله في ذلك المكان تفضلا منه سبحانه وتعالى، وإنا لنرى ذلك حتى الساعة، إذ كيف نفسر -على سبيل المثال- اندياح موجة الاستعمار الغربي على جميع ديار الإسلام -تقريبا- ولكن لم يحدث هذا الأمر بالنسبة للبلد الحرام، لا لأن تلك المنطقة كانت قوية، فعسر على الاستعمار أن يحتلها، ولكن هناك سر الله عز وجل في هذا الأمر، جعله آمنا {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}(آل عمران:97)، هذا شيء نراه عبر التاريخ، وهذه الملحوظة بالتحديد تلفت النظر بقوة، فالجزيرة تنقصت من أطرافها واحتلت شوائطها الشرقية وجنوبها وغربها وشمالها وبقي وسطها. والأمر كذلك بالنسبة للفُرس والروم زمن رسول الله  وقبله، فالمكان له وضعيته وله حال خاصة هبة من الله تعالى لا تزال مستمرة، لكن بالنسبة للإنسان حصول تلك الحال مرتبط بأسباب وشروط. وهنا نقف في النظرة الثالثة على أسباب وجود الأمن وشروط استمراره.</p>
<p style="text-align: right;">الأمن ثمرة من ثمرات الإيمان</p>
<p style="text-align: right;">السبب الأول لوجود الأمن في هذه الأمة -وهو شرط في نفس الوقت- هو الإيمان. والأمر في غاية الوضوح، هناك علاقة بين الإيمان والأمانة والأمن، وهذه الألفاظ الثلاثة تنتمي لنفس المادة. والأصل الذي يتفرع منه كل شيء هو الإيمان، والإيمان يعطي الأمانة ويعطي أداء الأمانة و&gt;لا إيمان لمن لا أمانة له&lt;(رواه الإمام أحمد)، والله أمر بأداء الأمانات وحرم خيانة الأمانات {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(الأنفال:27)، وكل المسؤوليات أمانات، فما نسميه اليوم بالمسؤولية هو أمانة.</p>
<p style="text-align: right;">وهناك الأمانة العظمى التي أشارت إليها الآية الكريمة بالنسبة لآدم وبنيه (أي للإنسان) في الآية المشهورة {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً}(الأحزاب:72). هذه أمانة الاستخلاف العامة، فالأمانة العامة هكذا على إطلاقها هي أمانة الاستخلاف في الأرض، فبنو آدم غيرُهم مسخر لهم، وكل ما سواهم يخدمهم، وعليهم هم أن يخدموا الله عز وجل وأن يعبدوا الله جل جلاله. هذه الأمانة}(أمانة الاستخلاف) تليها أمانة أخرى أعظم منها وهي أمانة &#8220;الشهادة على الناس&#8221; بالنسبة لهذه الأمة خاصة؛ لأن الأمم السابقة ما حمّلت تبليغ الدين فرضا، نعم، كان نفلا وكان مطلوبا من المسلمين قبل مجيء الرسول الخاتم، لأن جميع من مضى من المؤمنين كانوا مسلمين أنبياء وغير أنبياء، لكن لم يكونوا مكلفين فرضا بالتبليغ إلا في هذه الأمة فقد انتهى إرسال الرسل وانتهت النبوات، وصارت الأمة كلها مكلفة بما كان مكلفا به رسول الله . ولذلك جعلها الله في مستوى معين {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}(البقرة:143)، هذه الأمانة إلى جانب الأمانة الأخرى، كلها إنما تؤدى على حقيقتها بالإيمان، إذا وجد الإيمان أُدّيت، وإذا لم يوجد لا تؤدى هذه الأمانات، وهذه الأمانة على عمومها تحتها أمانات: فالصلاة أمانة والزكاة أمانة وتربية الأولاد أمانة&#8230; وكل تكليف من تكاليف الشرع أمانة من الأمانات، والله يأمر بأداء الأمانات بصفة عامة، وكلها مسؤوليات -بتعبير اليوم- يجب أن تؤدى، وإنما تؤدى على وجهها الصحيح بسبب الإيمان، فالهدف من الإيمان أن تؤدى الأمانات على أحسن وجه، وفي الحديث &gt;لا إيمان لمن لا أمانة له&lt;(رواه الإمام أحمد).</p>
<p style="text-align: right;">وعندما يوجد الإيمان وتؤدى الأمانة يأتي الأمر الثالث بصورة طبيعية وهو حال: يجد المؤمنون أنفسهم فيها، قلبا وقالبا: قلبا من حيث ما يشعرون به هم من طمأنينة وسكينة وراحة بال، ويشعرون بالراحة الكاملة نتيجة الإيمان وأداء الأمانة أو بالتعبير الآخر: الإيمان والعمل الصالح، ومن حيث القالب يجدون ما يسمى بـ&#8221;السلم&#8221; -وهو نوع من الأمن-؛ فالأمن محله القلب أساسا، والصورة التي ينتجها ما في القلب في الخارج هي &#8220;السلام&#8221;. فالأمن إذن نتيجة وليس فعلا يمكن أن نفعله، وإنما هو نتيجة طيبة ونعمة من الله عز وجل يتفضل بها علينا إذا آمنا وهو الشرط الأول، وإذا عملنا الصالحات وهو الشرط الثاني، وذلك ما نص عليه الوعد السابق {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}(النور:55). فيأتي الأمن نتيجة ما سبق، ويأتي نتيجة أسباب معينة، ويأتي نتيجة حصول شروط معينة على رأسها الإيمان الصحيح والعمل الصالح، فإذا وجد هذا بالنسبة للفرد وبالنسبة للجماعة جاءت هذه النتيجة وإلا اختفت.</p>
<p style="text-align: right;">ولا بأس من الإشارة في هذا المقام إلى سبب آخر من أسباب الاستمرار تشير إليه الآية الأخرى في سورة النحل، قال عز وجل: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}(النحل:112)، حين اختفى الإيمان واختفى العمل الصالح واختفى الشكر وحل محله شيء آخر سماه القرآن {كَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ}، وهذا الأمر سنفصل فيه الحديث بعد قليل عندما نتحدث عن موانع حصول الأمن، لكن هاهنا الإشارة إلى أن كفران النعمة يسلب نعمة الأمن، فالله عز وجل يعطي الأمن لكن عندما لا يقع الشكر على هذه النعمة فإنها تنقطع.</p>
<p style="text-align: right;">فالأمن يأتي بشروط محددة تفضلا من الله على كل حال، ويأتي بالإيمان وبالعمل الصالح، لكن هل يستمر أو لا يستمر؟ والجواب عن ذلك هو أن الأمن يستمر بشكر النعمة وينقطع بكفران النعمة، وهنا نأتي إلى النظرة الأخرى التي هي في موانع الأمن فما الذي يمنع الأمن أن يكون بالقلوب وفي الحالة العامة للأمة.</p>
<p style="text-align: right;">موانع الأمن</p>
<p style="text-align: right;">في الحقيقة من خلال آية سبأ يمكن أن نتلمس ثلاثة موانع هي تفصيل لكفران النعمة، ولا شك أن النعمة العظمى هي نعمة الأمن التي يقع كفرانها، وعندما نأتي إلى آية سورة الحجرات، حيث يقول عز وجل: {وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}(الحجرات:7). فهذه الأنواع الثلاثة كلها كفران لأنعم الله على رتب متفاوتة: الرتبة الأولى: والخطيرة: هي رتبة الكفر الصراح، وتأتي بعدها رتبة ثانية خطيرة أيضا ولكنها دون الأولى، وهي الخرق المستمر للطاعة ورفض الامتثال مطلقا ليس إنكارا لله عز وجل، فهناك إيمان واعتراف بوجود الله، ولكن صاحب هذا النوع يرفض طاعته نهائيا. ولو تأملنا حال كفر إبليس وإلى أي نوع من أنواع الكفر ينتمي، لتبين أنه من هذا النوع، قال عز وجل: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}(الكهف:50) أي رفض أن يطيع. لكن معصية آدم عليه السلام قبل أن يتوب الله عليه كانت من نوع آخر قال عز وجل: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}(طه: 121- 122)، فمعصيته نتيجة خطأ ونتيجة زلل، وكانت معصية عارضة فقط، وليس معها إصرار على رفض الطاعة مطلقا، بينما معصية إبليس معها رفض لأصل الطاعة مطلقا، فهي فسق والفسوق درجة عليا في المعصية، ولم يكن إبليس ينكر وجود الله عز وجل؛ بل بالعكس كان دائما يعتبره ربه ويدعوه ويرجوه أن ينظره إلى يوم البعث، ولكنه رفض مبدأ الطاعة، وطعن في نفس الأمر وأنه ليست فيه حكمة {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}(ص:76)، فإذن كيف يسجد له! هذا ليس بمنطق! وهذا ليس عدلا! ولا ينبغي أن يكون الأمر هكذا! هذا تصرف إبليسي متى حدث، لأنه يطعن في أسماء الله عز وجل وصفاته: في حكمته وعدله. هذا هو الفسوق، وهو أيضا نوع خطير من كفران النعم كما بينت، ويأتي بعده العصيان وهو يكون ممن يطيع أحيانا ويعصي أحيانا، مع هذا إذا كانت المعصية موجودة فإنها كذلك تمنع -بقدر وجودها- حصولَ الأمن عند العاصي سواء كان فردا أو جماعة أو أمة، ويصير مانعا من حصول حال الأمن، وهذه النقطة في غاية الأهمية لأنها تشير تلقائيا إلى كيف نكتسب الأمن، وكيف نقي أنفسنا من خطر انعدام الأمن.</p>
<p style="text-align: right;">معيات الأمن</p>
<p style="text-align: right;">إنه حين يوجد الأمن توجد أشياء أخرى معه، وترافقه خيرات وبركات، نجد آيات تتحدث عن هذا المعنى منها قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ}(النحل:112)، وقوله عز وجل: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا تُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}(القصص:57). فمع وجود الأمن في قلوب الأفراد وفي المجتمع، تأتي خيرات ويقع ازدهار اقتصادي وتقع حركة نشيطة في التجارة. واليوم نرى -على سبيل المثال- أن الأماكن والمناطق التي يضطرب فيها الأمن يفر المقاولون الكبار بأموالهم منها، ولا يستثمرون فيها، بينما إذا حدث العكس فإنهم يطمئنون على أموالهم ويتحركون بأمان. فهذا الازدهار الاقتصادي والراحة النفسية التي تكون للناس، تجعلهم يمارسون حياتهم في اطمئنان كامل، آمنين على أموالهم وعلى أعراضهم وعلى أنفسهم ويقع السلم الاجتماعي العام.</p>
<p style="text-align: right;">إذن، هذه النعمة التي اسمها &#8220;الأمن&#8221; هي نعمة مشروط وجودها بوجود الإيمان وبوجود العمل الصالح، وترتفع تلقائيا إذا وجد العكس، إنه لا يتبعض، وهو في القلب. وحينما نقول: &#8220;في القلب&#8221; فهو تلقائيا يمتد إلى باقي الجوارح وإلى جميع الجسد على القاعدة المشهورة التي أشار إليها رسول الله  بقوله: &gt;ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب&lt;(متفق عليه).</p>
<p style="text-align: right;">وما حدث في زماننا هذا، من الحديث عن أنواع كثيرة من الأمن، جعله كتاب الله عز وجل حالة واحدة إما أن تكون، وإما أن يكون عكسها وهو الخوف والفزع والقلق والاضطراب والحيرة والبأس&#8230; وغيرها مما ذكر الله تعالى في كتابه. فيمكن إذن أن نخلص إلى أمر عام هام هو أن هذه النعمة العظيمة التي هي الأمن، إذا أردنا أن ننعم بها حقيقة فإن علينا أن نتوب توبة نصوحا أفرادا وجماعات في مختلف أقطار الأمة، أن نعود إلى القرآن ونتوب إلى الله عز وجل، ونشتغل بما كان يشتغل به رسول الله ، أي نمارس حياتنا في إطار شرع الله عز وجل&#8230; إذا كان ذلك كذلك جاءت العزة بالاستخلاف في الأرض، وجاء ما يعقبها من التمكين في الأرض، وجاءت النعمة الكبيرة الأخيرة الثالثة وهو تبديل الخوف القائم الآن في جميع أنحاء الأمة الإسلامية، تبديل ذلك أمنا.</p>
<p style="text-align: right;">نسأل الله تبارك وتعالى أن يكرمنا بهذه النعمة، ويكرمنا بأسباب وجودها، ويكرمنا بسبب استمرارها.</p>
<p style="text-align: right;">&gt;  مجلة حراء ع 13</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2008/10/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>القرآن الكريم أصل الأصول 2/4</title>
		<link>http://almahajjafes.net/1995/02/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d8%a3%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%88%d9%84-24/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/1995/02/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d8%a3%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%88%d9%84-24/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 01 Feb 1995 18:41:11 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أحمد الريسوني]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 23]]></category>
		<category><![CDATA[أصل]]></category>
		<category><![CDATA[الأصول]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الكريم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=8923</guid>
		<description><![CDATA[القرآن الكريم أصل الأصول 2/4 3- كل تشريع نحتاجه فأصله في القرآن : وقد عدد الإمام الشاطبي أدلة كثيرة على ذلك ولا سيما في المجال الفقهي وهو مجال كلامه، وكلامه في أصولِ الفقه، ومصادِر الفقه، فقال ما من حكم فقهي إلا وله أصل في القرآن وسَرَدَ على ذلك أدلة كثيرة فقال : ومن هذه الأدلة [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>القرآن الكريم أصل الأصول 2/4</p>
<p>3- كل تشريع نحتاجه فأصله في القرآن :</p>
<p>وقد عدد الإمام الشاطبي أدلة كثيرة على ذلك ولا سيما في المجال الفقهي وهو مجال كلامه، وكلامه في أصولِ الفقه، ومصادِر الفقه، فقال ما من حكم فقهي إلا وله أصل في القرآن وسَرَدَ على ذلك أدلة كثيرة فقال : ومن هذه الأدلة التجربة نفسها، ونحن نعرف أن الإمام الشاطبي كان يعيش في أواخر  القرن الثامن الهجري معنى هذا ثمانية قرون يتحدث عنها الشاطبي، يقول أمامنا تجربة ثمانية قرون، الأمة الإسلامية لم تحتج أبداً أن تَسْتَوْرِد تشريعاً ما، من دولة ما، كما أنها لم تقف عاجزة، ولم يقف فقهاؤها عاجزين في أي مسألة، لم يحدث أن قال الفقهاء المجتهدون جماعات أو فرادى. هذه المسألة لانجد لها حكما في الشريعة، فابحثوا عند الروم والفرس، أوعند نصارى أوربا أو عند كذا، لم يحصل أن عجزوا، لم يحصل أن أخذوا حكما من غيرهم.</p>
<p>يقول الإمام الشاطبي ومنها (أي من هذه الأدلة التي تدل على أن في القرآن كل شيء بالمعنى الذي ذكرت) التجربة قال &gt;هو أنه لا أحد من العلماء لجأ إلى القرآن في مسألة إلا وجد لها فيه أصلا، وأقرب الطوائف من إعْواز المسائل النازلة أهْلُ الظواهر، الذين ينكرون القياس، ولم يثبت عنهم أنهم عجزوا عن الدليل في مسألة من المسائل&lt;، قال أقرب الطوائف التي كان يمكن أن تعجز عن الاستدلال على المسائل هم الظاهرية لأنهم ليس فقط يقتصرون على النصوص دُونَ إجماعٍ ولاقياس ولاأقوالِ صَحَابَةٍ، بل حتى من النصوص لا يأخذون إلا ما كان ظاهراً جليا صريحا ناطقا بنفسه، أي لا يتعمقون ولا يتأولون، ولايستنبطون ما خفي ولا يأخذون بمفهوم الكلام إلى آخره قال : كان من المفروض أن يعجز هؤلاء ويقولون هذه مسألة لا نجد لها في ظواهر القرآن والسنة دليلا، ومع ذلك قال ولم يثبت عنهم أنهم عجزوا عن دليل في مسألة من المسائل &gt;وقال ابن حزم الظاهري، كل أبواب الفقه، ليس منها باب إلا وله أصل، في الكتاب والسنة نعلمه والحمد لله حاشا القِراض، فما وجدنا له أصلا فيهما البتة&lt; فَكَأنَّ هذه مسألةٌ وحيدة، ابن حزم قال لا أجد لها أصلا لا في الكتاب ولا في السنة وهي مسألة القراض. والقراض هو نوع من الشركات يُعْطي أَحَدُ الشريكين مالاً ويُعْطي الآخرُ عَمَلاً، عَمَلَه البَدَنيَّ. واحِدٌ يعمل وواحدٌ يُمَوِّلُ. واحدٌ له رأسمالٌ وواحدٌ له العمل، هذا هو القراض، قال ابن حزم هذا لم نجد له أصلا في الكتاب والسنة ويستدرك عليه الشاطبي قائلا : &gt;وأنتَ تَعْلَمُ أن القراضَ نوعٌ من أنواع الإجارة وأصْلُ الإجارة ثابتٌ في القرآن. وقد يبِّن ذلك إقرارُه عليه الصلاة والسلام وعمَلُ الصحابة&lt;.</p>
<p>ابن حزم لفرط ظاهريته لم يجد في القرآن والسنة شيئا اسمه القراض لكن مضمون القراض موجود والعبرة ليست بالأسماء والألفاظ، العبرة بالمعنى فإذا قال له الشاطبي، وقال لنا نحن : القراض نوع من الإجارة، فصاحب المال، استأجَرَ صاحبَ العمل، فأخذ هذا نصيبًا وأخذ هذا نصيبًا، فالقِراضُ في جوهره بِغَضِّ النظر عن اللفظ وعن الاصطلاح الخاص به نوعٌ من الإجارة، والإجارةُ ثابتةٌ في القرآن من ذلك (قالت يا أبت استأجره) إذن استئجارُ الإنسانِ بَذْلُ المال لإنسانٍ ليعمَلَ على مصلحة مشتركة تُقْتَسَم بكيفية من  الكيفيات هذا أمرٌ ثابت في القرآن، إذن فأصله موجود في القرآن، وأيدته السنة التقريرية وابن حزم بحث في السنة القولية، يبحث في : قال رسولُ الله.. قال رسولُ.. قال رسولُ.. فَلَمْ يجد. لكن القراض والإجارة في السنة التقريرية، بمعنى أن الصحابة كانوا يمارسون القراض. والرسول يرى ويسمع ويعيش بين ظهرانيهم فهذا إقرار منه وإقراره صلى الله عليه وسلم يصبح سنة تقريرية إذن القراض موجود في القرآن وموجودٌ في السنة، أصل في القرآن، والسُّنَّةُ أقرتْهُ أي أقرتْ فِعْلَ الصحابة ثم قال الإمام الشاطبي : &gt;وعلى هذا لابد في كل مسألة، يراد تحصيل علم بها على أكمل الوجوه أن يُلْتَفَتَ إلى أصلها في القرآن&lt; تستطيع أن تحصِّلَ مسألةً مَا مُباشرة من كلام العلماء، هذا تحصيلُ قاصِرٍ، فكل مسألة يقول الشاطبي يراد تحصِيلُ علمها على أكمل الوجوه، فانْظُرْ أَصْلَهَا في القرآن لتَكُونَ الخُطْواتُ العِلميَّةُ ثابتةً كاملَةً</p>
<p>وهذا المعنى تضمنه القرآن الكريم ونبَّه عليه، أي شمولية القرآن، إما بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، لكل ما نحتاجه في حياتنا وتفكيرنا، تضمنه القرآن في قوله تبارك وتعالى (ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) القرآن يقدم أموراً جاهزة تهديك إلى أمورتصل إليها بنفسك، في هذه الآية حتى نفهمها جيداً يقول أحد أئمة العلماء وأحد أئمة المفسرين الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور يقول موضحا هذه الآية، ولاسيما منها قوله تعالى (تبيانا لكل شيء) ما معنى تبيانا لكل شيء حتى لا نغلط في فهمها، وحتى لا نتقول ولانبالغ والمبالغةُ تجلب التشكيك،  تشكك السامع عادة، فلا ينبغي المبالغة في شيء ولا الإفراط فيه يقول &gt;وكل شيء، كلمة كل شىء هذا اللفظ يفيد العموم إلا أنه عموم عُرْفِيٌّ في دائرة ما تجيء لمثله الأديان والشرائع&lt; إذن القرآن فيه تبيان لكل شيء لكن كل شيء مما هو عادةً تَنْزلُ له الرسالات والشرائع &gt;من إصلاح النفوس وإكمال الأخلاق وتقويم المجتمع المدني وتبيين الحقوق وماتتوقف عليه الدعوة من الإستدلال على الوحدانية وصِدْق الرسول صلى الله عليه وسلم وما يأتي في خلال ذلك من الحقائق العلمية والدقائق الكونية ووصف أحوال الأمم وأسباب فلاحها وخسارها والموعظة بآثارها&lt; إلى أن يقول  &gt;وفي خلال ذلك كله أسْرَارٌ ونِكَتٌ من أصول العلوم (لا من تفاصيلها) من أصول العلوم والمعارف، صالحة لأن تكون بيانا لكل شيء. إن على وجه العموم الحقيقي، إن سُلك في بيانها طريقُ التفصيل واستُنِيرَ فيها بما شَرَحَ الرسول (ص)، وما سار عليه أصحابُه وعلماءُ أمته من بعده، ثم ما يعود إلى الترغيب والترهيب من وصف ما أعد للطائعين وما أعدّ للمعرضين، وَوَصْفِ عالم الغيب والحياة الأخرى، ففي كل ذلك بيان لكل شيء يقصد بيانه للتبصر في هذا الغرض الجليل&lt; فيؤول ذلك -أي البيان إلى العموم العُرْفيِّ في البداية، وإلى العموم الحقيقي من حيثُ المنهَجُ- &gt;فيؤول ذلك العمومُ العرفيُّ بصريحِهِ إلى عُمُومٍ حقيقيٍّ بضِمْنِهِ ولوازمه. وهذا من أنواع الإعجاز&lt;.</p>
<p>إذن فيه بيان لكل شيء على نحو ما ذكرت من قبل : إما أمور بَيَّنَها بتفاصيلها وجُزْئِياتها، يقدم لنا حقائقها وأحكامها جاهزة، وإما أمور يعطينا أصولها وقواعد الوصول إليها، إذن إذا أدخلنا هذا وهذا صار العموم في قوله تعالى : &#8220;تبياناً لكل شيء&#8221; صار عموما حقيقيا لا يخرج منه شيء.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/1995/02/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d8%a3%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%88%d9%84-24/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
