<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; الخطاب النبوي</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b7%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d9%8a/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>مع سنة رسول الله &#8211; مقومات الأمن الروحي في الخطاب النبوي(2)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/02/%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%85%d9%82%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%ad%d9%8a-%d9%81-2/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/02/%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%85%d9%82%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%ad%d9%8a-%d9%81-2/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 03 Feb 2017 11:14:58 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[الحديث الشريف و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 472]]></category>
		<category><![CDATA[إخفاء النعم]]></category>
		<category><![CDATA[الأمن]]></category>
		<category><![CDATA[الأمن الروحي]]></category>
		<category><![CDATA[الخطاب النبوي]]></category>
		<category><![CDATA[الروح]]></category>
		<category><![CDATA[تنمية الأمن الروحي]]></category>
		<category><![CDATA[ذ.محمد البخاري]]></category>
		<category><![CDATA[رسول الله]]></category>
		<category><![CDATA[مع سنة رسول الله]]></category>
		<category><![CDATA[مقومات الأمن الروحي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=16371</guid>
		<description><![CDATA[عن صهيب قال: قال رسول الله : «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرا له» (صحيح مسلم). إن البحث عن الأمن الروحي أرَّق الكثير من المفكرين والباحثين منذ زمن بعيد، وصعوبة الاهتداء إليه تكمن أولا في اختيار [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>عن صهيب قال: قال رسول الله : «<span style="color: #008000;"><strong>عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرا له</strong></span>» (صحيح مسلم).</p>
<p>إن البحث عن الأمن الروحي أرَّق الكثير من المفكرين والباحثين منذ زمن بعيد، وصعوبة الاهتداء إليه تكمن أولا في اختيار جهة البحث، لذلك فالذين بحثوا عن الأمن الروحي عند غير خالق الروح، لم يظفروا بشيء لأنهم ضلوا الطريق. فما هي الوسائل التي حددها النبي لتحقيق الأمن الروحي؟ وكيف يمكن الحفاظ عليه في زمن الخوف والاضطراب؟<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>ثانيا: شكر المنعم وسيلة لتنمية الأمن الروحي:</strong></span><br />
تحدثت في المقال السابق عن بعض العناصر الأساسية لتحقيق الأمن الروحي، انطلاقا من قوله : «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير» وتبين لنا بالدليل الذي لا خلاف فيه، أن توثيق المسلم صلته بالله كفيل بتحقيق السكينة النفسية له.<br />
ومن خلال هذا الحديث أيضا؛ يظهر أن الرسول لم يكتف بتحقيق الأمن الروحي، بل اهتم أيضا بتنمية هذا الأمن واستمراره حتى لا يتعرض للفتور أو الاندثار، فيحل مكانه الخوف والاضطراب، فقال : «إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له».<br />
&#8220;السراء&#8221; في الحديث شامل لكل ما يدخل السرور على النفس، فلا نفهم منه أن المطالب بالحمد والشكر هو الإنسان الغني فقط، فهذا اعتقاد خاطئ، وجحود مبين للنعم الكثيرة التي ينعم بها المسلم من إيمان بالله تعالى، وصحة، وعقل، وحواس، وأسرة، ونسب وغيرهم، فكل يعيش في ظل نعم الله التي لا تعد ولا تحصى، فالحمد على السراء يشمل القليل والكثير، قال : «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ..» (مسند البزار).<br />
هذا الشكر على السراء هو الخير عينه، لما فيه من الشعور بالأمن؛ لأن خزائن الله لا تنفد، وهو ينعم في الدنيا، وينعم في الآخرة، فنعمه مستمرة في الحياة وبعد الموت، وهذا يجعل النفس ترتاح لأنها تعتمد على غني مطلق، لا على ضعيف محتاج؛ ولذلك فمطلوب من المسلم أن يشكر كل من قدم له معروفا ولو كان إنسانا ضعيفا، قال : «من أعطي عطاء فوجد فليجز به، ومن لم يجد فليثن، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر» (سنن الترمذي).<br />
إن شكر الله  على نعمه شامل للقول والفعل، فكل ما يظهر الاعتراف بالجميل لله تعالى فهو شكر، ومن ذلك الإكثار من العبادة والطاعة شكرا لله على نعمة الإسلام والإيمان، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: &#8220;كان رسول الله إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه، قالت عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر&#8221;، فقال: «يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا» (صحيح مسلم). فجواب النبي ﷺ يتضمن تنبيها هاما لأمته من أجل تجنب العواقب الوخيمة التي يمكن أن تترتب على الكفر بنعم الله تعالى، ومنها:<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>1 &#8211; رفض الشكر لله تعالى اتباع للشيطان ومظهر للطغيان:</strong></span><br />
لذلك ربط الرسول الشكر بالنعم «إن أصابته سراء شكر»؛ لأنه الدواء من داء الغرور والتجبر، فالشكر يعني أنك ترجع النعمة إلى مصدرها الحقيقي وهو الله، وتنزل نفسك منزلة المنعَم عليه الذي استحق بفضل الله وكرمه ما منحه إياه، فلا يعقل أن تنسب ما لغيرك لنفسك، فذاك جحود لحقيقة الأمر، وتجاهل للواقع، ومن هنا كان هذا التنبيه من النبي حتى لا تقع أمته في الغرور، وتحرص على نيل الخير عن كل نعمة.<br />
إن شكر الله ليس بالأمر الهين على النفس الأمارة بالسوء، التي تأتمر بأوامر الشيطان، وتجنح إلى إغراءاته. قال تعالى حكاية عن إبليس: قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانيهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (الأعراف: 16-17). فهو إخبار برفض الكثير من الناس شكر الله على نعمه، وقد تأكد هذا الإخبار بقوله تعالى: وقليل من عبادي الشكور (سبأ: 13). وفي المقابل تجد الكثير منهم كافر بنعم الله ، قال تعالى: وإن كثيرا من الناس لفاسقون (المائدة: 49). هذا الواقع نعيشه صباح مساء؛ لأن معظم النعم التي توجد في هذا الكون قد كفر الناس بمعطيها؛ إما عن طريق نسبتها إلى الإنسان نفسه، كما هو حال معظم المجتمعات الغربية المصنعة التي قطعت مراحل كبرى في مجال الصناعة والتكنولوجيا، واعتدت بنفسها إلى حد الغرور، كما يظهر في خطاباتها الرسمية، اتباعا لطريق الشيطان، وتبنيا لشعار الطغيان على مذهب قارون ومن هو على شاكلته، حين رد على النصيحة التي وجهت إليه: وأحسن كما أحسن الله إليك (القصص: 77) بقوله قال إنما أوتيته على علم عندي (القصص: 78). وإما عن طريق توظيفها في غير ما أراد الله تعالى، كما يظهر من تصرفاتها الفاسدة إلى حد استباحة دماء الأبرياء من النساء، والصبيان، والشيوخ، والعجزة، وكلاهما مرتبط بالآخر على نحو ما. قال تعالى: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (سبأ: 20).<br />
ومن مظاهر الطغيان أن تعتقد أنك حصلت على كل النعم أو بعضها بمجهودك الفردي، وتلغي توفيق الله وتوجيهه لك لما فيه من الخير، مصداقا لقوله تعالى: كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى (العلق: 6-7). فالإنسان يطغى؛ لأنه يعتقد أنه استغنى عن الله في كل شيء. قال ابن كثير: &#8220;يخبر تعالى عن الإنسان أنه ذو فرح وأشر وبطر وطغيان إذا رأى نفسه قد استغنى وكثر ماله&#8221;(1). وهو أمر نعاني منه كثيرا في واقعنا، فحقوق معظم الناس تضيع عن طريق طغيان الإنسان بماله، فهو يسلب حق هذا، ويقتل ذاك، ثم يشتري كل شيء بالمال فيكون الحكم لصالحه، سواء على مستوى المجتمعات الدولية، مثل قضية فلسطين مع اللوبي الصهيوني المسيطر بماله على كل مؤسسات العالم، أم على مستوى الأفراد كما هو حال محاكم معظم البلدان الإسلامية. فهذا توظيف لنعم الله في الظلم والتسلط، فلم يكن للإنسان فيها خير، وهذا سر تعجب النبي : «عجبا لأمر المؤمن..» لأنه لم يعرف كيف يشكر الله تعالى على ذلك، فحول النعمة إلى نقمة وبلاء عليه وعلى غيره.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>2 &#8211; إخفاء النعم اعتداء على حق المنعم:</strong></span><br />
كثير من الناس يعيشون التعاسة وهم يملكون خيرات كثيرة وهبها الله لهم، فبدل أن تكون هذه الخيرات الدنيوية عونا لهم على تنمية قيمة الأمن الروحي في مجتمعاتهم، ومصدرا مزودا لسكينة نفوسهم وراحتها، جعلوها منبع قلق وخوف لأنهم ظنوا أنهم سيمتلكونها إلى الأبد، فملكت هي نفوسهم، وتحكمت في توجهاتهم، وسيطرت على عقولهم، ففقدوا لذاتها، ولم يستمتعوا بطيباتها رغم كثرتها، بل لم يشعروا بوجودها؛ لأنهم قاموا بإخفائها وبخلوا بها حتى على أنفسهم، فلم يوظفوها فيما أمر الله تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث (الضحى: 11). قال الألوسي: &#8220;المعنى أنك كنت يتيما وضالا وعائلا فآواك وهداك وأغناك، فمهما يكن من شيء فلا تنس نعمة الله تعالى عليك في هذه الثلاث، واقتد بالله تعالى فتعطف على اليتيم وترحم على السائل فقد ذقت اليتم والفقر&#8221;(2).<br />
ويؤخذ مما سبق أن إظهار نعم الله يكون بحسب النعمة ذاتها، فالمال يتم الشكر عليه بإنفاقه فيما يعمر الأرض بالصالحات، ونعمة الصحة تنفق في السعي على الأهل وعبادة الخالق، ونعمة السلطة تصرف في مساعدة الضعفاء وتحقيق العدل؛ لأنه بذلك يحصل التحدث بنعم الله تعالى، تفاديا للفخر لأنه مذموم، والبخل لأنه ضرب من الجحود لفضل الله تعالى، حيث أصبح سيرة متبعة لدى الكثيرين، فهم يظهرون عوزهم وفقرهم ظنا منهم أن ذلك صواب وهو عين الخطأ، قال رسول الله : «إن الله يحب إذا أنعم على عبد نعمة أن يرى أثر نعمته عليه» (السنن الكبرى، البيهقي).<br />
فإخفاء النعم اعتداء على حق الله تعالى، وجحود لفضله، إلا إذا كان لسبب مشروع كالخوف من لصوص، أومن سلطان جائر، ولغير هذا ونحوه مذموم؛ لأنه سبب أيضا للاضطراب وعدم الاستقرار الروحي، فالمرء يخفي ما عنده من فضل الله ويعلق قلبه بما لدى الغير، وقد يتمنى ما عندهم وهو أفضل حالا منهم، فيعيش عذابا دائما، ويملأ قلبه الحقد والكره، ويسيطر عليه البخل، فتكون النعمة التي يجب أن تدخل إلى قلبه البهجة والسرور مصدر قلق وخوف، ولو أظهر ما أعطاه الله لتخلص من ثقل كبير تحمله دون سبب، وتأسى به الناس في شكر المنعم والثناء عليه، قال : «يا أيها الناس، ابتاعوا أنفسكم من الله من مال الله، فإن بخل أحدكم أن يعطي ماله للناس فليبدأ بنفسه، وليتصدق على نفسه، فليأكل، وليكتس مما رزقه الله » (مكارم الأخلاق، الخرائطي).</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>ذ. محمد البخاري</strong></em></span><br />
&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;-<br />
1 &#8211; تفسير ابن كثير، دار طيبة، ج 8، ص: 437.<br />
2 &#8211; روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، شهاب الدين الألوسي، ط1، 1415هـ، دار الكتب العلمية، ج 15، ص: 384.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/02/%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%85%d9%82%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%ad%d9%8a-%d9%81-2/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مع سنة رسول الله &#8211; مقومات الأمن الروحي في الخطاب النبوي (1)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/01/%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%85%d9%82%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%ad%d9%8a-%d9%81/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/01/%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%85%d9%82%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%ad%d9%8a-%d9%81/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 18 Jan 2017 11:20:23 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[الحديث الشريف و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 471]]></category>
		<category><![CDATA[استقامة العقيدة]]></category>
		<category><![CDATA[الإيمان بالله]]></category>
		<category><![CDATA[الخطاب النبوي]]></category>
		<category><![CDATA[تحقيق الأمن الروحي]]></category>
		<category><![CDATA[تذوق حلاوة الإيمان]]></category>
		<category><![CDATA[تفويض الأمر كله لله]]></category>
		<category><![CDATA[حلاوة الإيمان]]></category>
		<category><![CDATA[ذ.محمد البخاري]]></category>
		<category><![CDATA[مع سنة رسول الله]]></category>
		<category><![CDATA[مقومات الأمن الروحي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=16256</guid>
		<description><![CDATA[عن صهيب قال: قال رسول الله : «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرا له» (صحيح مسلم). إن البحث عن الأمن الروحي أرَّق الكثيرين من المفكرين والباحثين منذ زمن بعيد، وصعوبة الاهتداء إليه تكمن أولا في اختيار [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>عن صهيب قال: قال رسول الله : «<span style="color: #008000;"><strong>عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرا له</strong></span>» (صحيح مسلم).</p>
<p>إن البحث عن الأمن الروحي أرَّق الكثيرين من المفكرين والباحثين منذ زمن بعيد، وصعوبة الاهتداء إليه تكمن أولا في اختيار جهة البحث، لذلك لم يظفر الذين بحثوا عن الأمن الروحي عند غير خالق الروح بشيء. فما هي الوسائل التي حددها النبي لتحقيق الأمن الروحي؟ وكيف يمكن الحفاظ عليه في زمن الخوف والاضطراب؟<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>أولا: استقامة العقيدة أساس تحقيق الأمن الروحي</strong></span><br />
إن تحقيق الأمن الروحي للإنسان يساوي في المعادلة الشرعية الربانية ميلاد خليفة الله في الكون؛ لأن الإنسان يوزن بروحه؛ أي باستقراره روحيا، فلا يمسه اضطراب ولا ينال منه خوف. فالمقصود بالأمن الروحي هنا إدراك النفس لحقيقة وجودها، وشعورها بالاطمئنان والرضا عن الذات لما تقوم به من عمل، مع البحث المستمر عن التطور من أجل إحداث بيئة توافقية مع باقي مكونات المجتمع؛ فالأمن الروحي للمسلم يتكون من ثلاث توازنات:<br />
<span style="color: #800000;"><strong>- التوازن الداخلي مع النفس الأمارة والنفس اللوامة؛</strong></span><br />
<span style="color: #800000;"><strong>- التوازن العلوي مع خالق الكون؛</strong></span><br />
<span style="color: #800000;"><strong>- التوازن الخارجي مع مكونات الوجود على اختلاف أنواعها.</strong></span><br />
هذه التوازنات الثلاثة بمجموعها تحقق للمسلم أمنا روحيا وتجعل منه فردا فاعلا، ومعطاء في بيئته، وملهما لغيره لسلوك طريق الخلاص، والانخراط في منظومة التعاون الاجتماعي.<br />
ومن أجل تحقيق هذا المبتغي يلزم توفر العناصر التالية:<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>1 &#8211; تذوق حلاوة الإيمان بالله تعالى:</strong></span><br />
لا مبالغة إذا قلت إن المعني بالأمن الروحي هو الإنسان المسلم فقط، أما غيره فلا يمكن أن يحصل له ذلك بشكل تام وصحيح، لفقده لأهم مقوماته وهو تذوق طعم الإيمان بالله تعالى، وهذا مصدر تعجب الرسول في الحديث: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن». قال الصنعاني: مراده أعجب لشأنه وحاله وما قدره الله له. إن أمره كله خير أكده بكله لأنه ذو أجزاء باعتبار تفرق صفاته، وليس ذلك أي خيرته لأحد إلا للمؤمن(1).<br />
لأن المؤمن مفروض فيه أن يكون قويا كما قال : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير..» (صحيح مسلم). هذه القوة تستمد من إيمانه بالله تعالى، لهذا ضحك النبي من حالة المؤمن الذي يضعف ويصاب بالإحباط أمام نوائب الدهر، فقد جاء في مسند أحمد عن صهيب قال: &#8220;بينما رسول الله قاعد مع أصحابه إذ ضحك فقال: «ألا تسألوني مم أضحك؟» قالوا: يا رسول الله، ومم تضحك؟ قال: «عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير..» (مسند أحمد).<br />
هذه الحالة التي أضحكت النبي تغيب عن الكثير من المسلمين الذين يعيشون قلقا واضطرابا وخوفا لا أساس له؛ لأنهم قادرون على تحويل كل شيء يصيبهم إلى صالحهم في الدنيا والآخرة، فهم دائما في تجارة مربحة مع الله سبحانه وتعالى.<br />
إن السر في تفوق المؤمن وتحكمه في الأفراح والأقراح يعود بالأساس إلى كونه مؤمنا حقا، مصدقا بأن كل ما يلم به هو بأمر الله تعالى، فذاك هو سلاحه الذي يمكن أن يحقق به الأمن والسعادة؛ لأنه ذاق طعم الإيمان، وعلم دوره في كون الخالق. قال : «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا» (صحيح البخاري).<br />
هذا التذوق لا يحصل لكل الناس بل ميز الله به فئة خاصة من المؤمنين، ومن علامته حب الله ورسوله، وكره الكفر وما يؤدي إليه. قال : «ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (صحيح مسلم).<br />
إن معظم الاضطرابات التي يعيشها الفرد تعود لضعف إيمانه؛ لذلك يمكن الجزم بأن كل مؤمن طبيب نفسه، يستطيع أن يعالج نفسه بنفسه، ويحقق لذاته توازنا في الحياة ينعم من خلاله بالسعادة والهناء، ويتذوق بفضله لذة الأمن والأمان، فلا ينام وهو قلق على غد، أو خائف من أحد، يكفيه أن يوطن نفسه على تقوية إيمانه بربه تعالى، حتى يظل قويا أمام كل المصائب كي لا تجره إلى السخط وعدم الرضا على قضاء الله وقدره، وقويا أمام كل الإغراءات فلا تسحبه إلى الغرور والعجب والكبر، فالمسلم يعيش الوسط، فلا يكون عبدا طائعا لهواه عندما يصيبه الخير فيكفر بنعم الله وينفقها فيما حرم، ولا يكون ضعيفا أمام المصائب فيتحول إلى فاشل يعيش باكيا على ما فات، ويفرط فيما هو آت.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>2 &#8211; تفويض الأمر كله لله:</strong></span><br />
لا يمكن التدخل في قضاء الله وقدره، قال تعالى: وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين (التكوير: 29). قال ابن عاشور: &#8220;ذلك لأنه رب العالمين فهو الخالق فيهم دواعي المشيئة وأسباب حصولها المتسلسلة، وهو الذي أرشدهم للاستقامة على الحق..&#8221;(2). فالمسلم المفوض يسعى للاستقامة التي يرشده الله إليها، ولا يستسلم للخوف من المجهول، بل شعار المؤمن المفوض أن يثق في الله تعالى ويتوكل عليه، ويعتقد جازما أن ما اختاره الله له هو الخير عينه، وسيجني ثماره لا محالة عاجلا أم أجلا مصداقا لقوله تعالى: ومن يتوكَّل على الله فَهو حسبه إن الله بالِغ أَمره (الطلاق: 3).<br />
إن عدم تفويض الأمور إلى الله، يجر ضعيف الإيمان إلى معاناة نفسية كثيرة قد تلقي به في براثن الشرك بالله، فيلجأ إلى أهل السحر والشعوذة وغيرهما من المحتالين على الناس؛ لأنه يظن أنه بسلوكه ذلك الطريق يمكنه أن يعرف ما يخبئه له المستقبل، أو يقدر على تغيير شيء من أمر الله، وهو اعتقاد لا يزيد الإنسان إلا اضطرابا وقلقا، ويدخله في دوامة الخوف والانتظار، غالبا ما تكون نتيجته الآلام والقنوط واليأس؛ لأنه أخطا الطريق فلم يفوض إلى الخالق الرحيم بعباده، وفوض إلى مخلوق قاس ضعيف لا يملك من أمره شيئا. وصدق رسول الله حيث قال: «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل» (سنن الترمذي).<br />
ولكوننا نعرض حاجاتنا على الناس دون الله تعالى؛ فإن واقعنا يعج بجرائم النصب، والغش، والاحتيال، وأكل أموال الناس بغير حق، فجنود الشيطان يسلبون الإنسان أمواله وراحته، وربما يشردون أسرته وأطفاله لأسباب لو استعان فيها بالله وتوكل عليه لكفاه شرها، ورزقه خيرا منها في الدنيا والآخرة، ولمنحه الصبر على ما أصابه، وصرفه إلى ما هو أفضل له؛ لأنه المالك لأمر عباده، والمتحكم في كل كبيرة وصغيرة قال : «.. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (سنن الترمذي).<br />
بهذا التفويض المطلق لله يعيش المسلم أمنا روحيا يستطيع بواسطته أن يحول كل ما يصيبه من حزن أو فرح لصالحه، يجني به الحسنات، وينال به مقامات التكريم والرضا عند الله في جنة الفردوس.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>3 &#8211; الضرب في الأرض:</strong></span><br />
مهما رقى المسلم في درجات الإيمان والتفويض لله تعالى، لا يمكنه أن يصل في ذلك إلى مقام النبي ﷺ وصحابته الكرام، ومع ذلك لم يثبت عنهم قط أنهم تركوا العمل أو استسلموا لإكراه الواقع، ولنا فيهم القدوة الحسنة، فقد واجهوا كل الصعاب بإيمانهم القوي، وعزيمتهم الثابتة، وبوسائل بسيطة تغلبوا على عداوة الشيطان وشهوات النفس، وحاربوا الجهل والشرك، فأتقنوا العمل واجتهدوا في تطويره، لاعتقادهم الجازم أن الله يراقبهم ويراهم، فلا يغشون في أعمالهم، ولا يخدعون في تجارتهم، ولا يقصرون فيما كلفوا به من مهام لارتباطهم في كل ما يقومون به بخالقهم، فلا يحتاجون إلى مراقبة أو تفتيش؛ لأن قصدهم قوله تعالى: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون (التوبة: 105).<br />
فها نحن نرى كيف انتصروا لله ورسوله بالعمل الجاد الموافق للشرع، ففتح الله عليهم ونصرهم نصرا مؤزرا، وأبدلهم في ظرف وجيز خيرا مما كانوا فيه، فعرفوا في بيئيتهم بعد ما كانوا مجهولين، وحولوا كل الهزائم إلى نصر بعد نصر، لينشئوا قوة تهابها الفرس والروم، ولم يأت ذلك من فراغ، بل بعملهم الصالح وإخلاصهم الصادق، فجعلوا أمرهم كله خير مصداقا لقوله : «إن أمره كله خي». فالمراد بالخير هنا يشمل الجانب المادي الذي يتمثل في سداد الرأي، والنجاح في العمل، ويشمل الجانب الروحي المتمثل في الشعور بالأمن والاطمئنان والرضي على الذات، فالمسلم بذلك كله يكون قد حاز الدنيا كلها كما قال : «من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا» (سنن الترمذي).</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>ذ. محمد البخاري </strong></em></span><br />
&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;<br />
1 ـــ التَّنويرُ شَرْحُ الجَامِع الصَّغِيرِ، محمد الصنعاني، ط1، 1432هـ، دار السلام، الرياض، ج7، ص: 204.<br />
2 &#8211; التحرير والتنوير، ابن عاشور، الدار التونسية، ج 30، ص: 167.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/01/%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%85%d9%82%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%ad%d9%8a-%d9%81/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>تجليات مفهوم المسئولية والمحاسبة  في الخطاب النبوي (2)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2016/11/%d8%aa%d8%ac%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a6%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%a7%d8%b3%d8%a8%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2016/11/%d8%aa%d8%ac%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a6%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%a7%d8%b3%d8%a8%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 16 Nov 2016 09:53:00 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الحديث الشريف و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 467]]></category>
		<category><![CDATA[تربية و تعليم]]></category>
		<category><![CDATA[التأهيل المعرفي]]></category>
		<category><![CDATA[الخطاب النبوي]]></category>
		<category><![CDATA[الكفاءات العلمية]]></category>
		<category><![CDATA[المحاسبة]]></category>
		<category><![CDATA[المسئولية]]></category>
		<category><![CDATA[المسئولية والمحاسبة]]></category>
		<category><![CDATA[ذ.محمد البخاري]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم المسئولية والمحاسبة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15634</guid>
		<description><![CDATA[عن ابن عمر  عن النبي  قال: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». (صحيح البخاري). يبين الحديث تصور النبي  لمفهوم المسئولية والمحاسبة، التي تلهج بها كل الألسن في مختلف المناسبات؛ الثقافية، والسياسية، والإعلامية، دون أن يجد هذا [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>عن ابن عمر  عن النبي  قال: «<span style="color: #008000;"><strong>كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته</strong></span>». (صحيح البخاري).</p>
<p>يبين الحديث تصور النبي  لمفهوم المسئولية والمحاسبة، التي تلهج بها كل الألسن في مختلف المناسبات؛ الثقافية، والسياسية، والإعلامية، دون أن يجد هذا اللغط صداه في واقعنا اليومي، إذ معظم الناس متذمرون من سوء تسيير مرافقهم العامة، مما يدفعنا إلى البحث عن سبب توجع المواطن المسلم من مؤسساته العمومية، والكشف عن البدائل الشرعية التي فعلت ربط المسئولية بالمحاسبة، مما يجعل الاعتماد عليها حلا عمليا لمعضلات الفساد الإداري في المجتمعات الإسلامية.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>التأهيل المعرفي للفرد الراعي:</strong></span></p>
<p>إن التأهيل التربوي كما سبق بيانه لا يؤتي أكله إلا إذا صاحبه تأهيل معرفي للفرد الراعي؛ إذ بهما يكتمل بناء النظام المؤسساتي للدولة الإسلامية، ويدل على ضرورة هذا المرتكز النصوص الشرعية العامة التي نصت على مدح العلم، وذم الجهل، وجعلت التمايز بين الحسن والقبيح قائما على الترقي في سلم العلم النافع الذي يربط الراعي بخالقه، ويمكنه من الوقوف عند حدوده، قال تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (الزمر: 9).</p>
<p>فلا يعقل أن يكون هذا الاهتمام الكبير بالعلم في الإسلام مقصودا لذاته، بل غايته تحقيق العبودية لله في التعبد، وفي العمل؛ لهذا كان  يقول: «اللّهمّ انفعني بما علّمتني، وعلّمني ما ينفعني، وزدني علما..» (سنن الترمذي).</p>
<p>إن أول المخاطبين بالتأهيل المعرفي هو الراعي الذي يتحمل أمانة الأمة، وواجب عليه أن يسعى إلى توظيف ما تعلمه من معارف ومهارات في خدمة مصالح الناس، وهذا لا يحصل بالشهادات العلمية التي تمكن من الولوج إلى العمل فقط، فتوظيف هذا العلم في تنمية المرافق العامة وتطويرها هو المقصود أصالة، وغير ذلك هو تبع له. ونتيجة غياب هذا القصد الأصلي؛ أننا ما زلنا نعاني من رداءة خدمات المرافق العامة وضعفها، ومن الأسباب العملية التي ساهمت في تفاقم هذا الوضع ما يلي:</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>الأول: ربط التأهيل المعرفي بالحصول على الوظيفة فقط،</strong> <strong>ثم يتحول الراعي إلى جاهل بالنوع؛</strong></span> يحسن فقط القراءة والكتابة، ويحفظ بعض المعلومات التي تمكنه من أداء عمله مثل آلة مبرمجة، فلا ينتج أفكارا، ولا يبتكر أسلوبا، وقد حارب النبي  هذ الوضع بقوله: «منهومان لا يشبعان: منهوم في علم لا يشبع&#8230;» (المستدرك، للحاكم). لأن التكوين العلمي للراعي يمكنه من خدمة المواطنين ومساعدتهم على حل مشاكلهم، وإرشادهم إلى ما فيه صلاحهم، قال : «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة،&#8230; والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (صحيح مسلم).</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>الثاني: مرتبط بنظام الوظائف العامة الذي لا ينزل أصحاب الكفاءات العلمية منزلتهم؛</strong></span> وذلك إما:</p>
<p>- بتشغيلهم في مجالات لا صلة لها بتكوينهم الدراسي؛ فيثبط ذلك من عزيمتهم، ويضعف مردودية المرافق العامة، وهذا انحراف عن قوله تعالى: قال اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم (يوسف: 55)، وعن منهج النبي  حيث كان يختار من أصحابه ذوي المهارات القتالية والتخطيط الحربي لقيادة الجيش، وأهل الخطابة والفصاحة للدفاع عن الدعوة، وأهل العلم لتبليغها، ويذكرهم بخوف الله، ويختبرهم كما قال لمعاذ بن جبل، لما أراد أن يبعثه إلى اليمن: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» ويعمل برأي أهل الخبرة؛ حيث أمر بحفر الخندق في معركة الأحزاب تفعيلا لاقتراح سلمان الفارسي.</p>
<p>- بتعيين جهلة يديرون أمور الناس بغير علم، فَيَضِلُّون في تدبير مصالحهم، ويُضِلون غيرَهم بسوء أخلاقهم وقلة علمهم، فهم قدوة السوء يسعون في خراب المجتمع وإفساده؛ فيعتقد أصحاب الكفاءات أن العلم لا تأثير له، وإنما الأمر موكول إلى الرشوة والمحسوبية، فيركنون إلى الكسل والخمول، إلى أن يجدوا طريقا غير مشروع للظفر بوظيفة يتخذونها وكرا لإشاعة الفساد، وقد اعتبر النبي  ذلك أمارة على فساد حال الأمة حيث قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قال: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر لغير أهله، فانتظر الساعة» (صحيح البخاري).</p>
<p>ومن أجل القيام بالمسئولية على أكملها، حارب الإسلام المحسوبية والرشوة في التوظيف؛ فقال : «من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة، فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم» (المستدرك للحاكم).</p>
<p>فالتأهيل المعرفي ركن أساس لتطوير المصالح العامة للمسلمين، كما يجنبنا استيراد الأنظمة والتجهيزات الإدارية من الغرب؛ لأن ذلك يهدد وجود المسلمين واستقلالهم من زاويتين:</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>الأولى: يجعلنا أمة تعتمد على ما تنتجه الأمم الغربية للاستفادة منه والعمل به؛</strong></span> وقد حث الإسلام على الاجتهاد والتجديد، وجعل المجتهد مأجورا على اجتهاده وإن أخطأ؛ تشجيعا للبحث العلمي، وتثمينا للابتكار والإبداع الفردي.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>الثانية: يجعلنا أمة غير محصنة إداريا؛</strong></span> بحيث يمكن اختراق أنظمتها ومعرفة أسرارها بكل سهولة ويسر؛ ما دامت تعتمد على أجهزة تم تصنيعها من طرف أناس لا ثقة فيهم لعدم ارتباطهم بالله عقيدة وسلوكا، قال تعالى: {لا يتخذ المومنون الكافرين أولياء من دون المومنين} (آل عمران: 28).</p>
<p><span style="color: #ff0000;">ثالثا: الإجراءات العملية لربط المسئولية بالمحاسبة:</span></p>
<p>اعتمد الإسلام تدابير عملية قادرة على إصلاح وتحسين خدمات المرافق العامة إذا ما تم تفعيلها على أحسن وجه، ومنها:</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>1 &#8211; الرقابة الذاتية للراعي:</strong></span></p>
<p>وهي إجراء وقائي يعتمد على عقيدة المسلم وإيمانه الصادق، قال تعالى: إن اللَّهَ كان عليكم رقيبً (النساء،1). وقال تعالى: والله على كل شيء شهيد (البروج: 9).</p>
<p>إن التفريط في العمل بأي وجه كان هو أكل للسحت، واعتداء على أموال المسلمين وحقوقهم، قال : «من استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطا، فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة» (صحيح مسلم). بل إن ما يأخذه الراعي من هدايا بسبب واجب قام به يعد خيانة للأمانة، قال : «هدايا العمال غلول» (مسند أحمد).</p>
<p>إن كثيرا من المسئولين يحاولون تبرير تقصيرهم  في الواجب، أو اعتدائهم على مصالح الناس بحجج واهية تعتمد الخدع والتزوير، ولن تنفعهم حججهم تلك مع الله الذي يعلم ما في الصدور، فالحلال بين، والحرام بين، وليتق المسلم الشبهات، قال : «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس» (صحيح مسلم).</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>2 &#8211; الرقابة الخارجية على الراعي:</strong></span></p>
<p>هذه الرقابة ترتبط بتفعيل الأحكام الزجرية التي شرعها الله تعالى لمحاربة الفساد، وخيانة الأمانة، وهي نوعان:</p>
<p><span style="color: #993300;"><strong>- رقابة القيادة:</strong></span></p>
<p>يقوم بها القائد العام حسب التدرج في سلم الوظيفة، مصداقا لقوله : «والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (صحيح البخاري). وكان  يراقب عماله رغم أنهم أشد الناس خوفا من الله تعالى، والحكمة من ذلك تربية الصحابة على محاسبة كل من يتقلد أمور المسلمين مهما علا شأنه وعظم أمره، فقد استعمل  رجلاً من الأزد على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، قال: «فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر يهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعَر» (صحيح البخاري). فالنبي  بهذا الحديث فضح كل الأساليب غير الشرعية التي يتوصل بها الراعي لأكل المال العام بغير حق، وبين مصيره يوم القيامة، كما دل الحديث على وجوب انتزاعه من آخذه وصرفه في مصالح عموم المسلمين.</p>
<p><span style="color: #993300;"><strong>- رقابة الحسبة:</strong></span></p>
<p>هي ولاية شرعية قائمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وهي خاصة ذات طابع رسمي يكلف بها أهل العلم والعدل، لمراقبة أحوال الناس ومصالحهم، والأصل فيها قوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (آل عمران: 104). وقوله : «من رأى منكم منكرا فليغيره..» (صحيح مسلم).</p>
<p>وهي بهذا المفهوم تضمن للمجتمع كرامته، وتحميه من مظاهر الفساد والانحلال وفق ضوابط شرعية، تمنع المحتسب من التدخل في الحريات الفردية للناس بمفهومها الشرعي؛ كالتجسس عليهم، وتتبع عوراتهم، وتركز على المنكر الظاهر المتفق على كونه منكرا يخالف شرع الله، وينتهك حقوق الناس؛ لأن زجر المفسد ومحاربة المجرم دليل على حياة الأمة ووجودها، والسكوت عن الفساد والتشجيع عليه علامة على هلاكها وتخلفها.</p>
<p>وقد فعّل النبي  نظام الحسبة بنفسه قولًا وعملًا؛ فقد مر على صبرة طعامٍ، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني» (صحيح مسلم).</p>
<p>وهناك الحسبة التطوعية التي يمارسها عامة المسلمين، مصداقا لقوله : «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه» (مسند أحمد). إن ممارسة العامة للحسبة؛ يتم عن طريق التبليغ بأهل الفساد للسلطات المختصة لمحاسبتهم وردعهم وفق قواعد الشرع، وهذه مهمة وسائل الإعلام الصادقة مع الله، وهيئات المجتمع المدني، وأئمة المساجد، والخطباء، والوعاظ، وغيرهم من أهل التقوى والصلاح، فالنصح واجب على المسلمين إلى قيام الساعة.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>ذ. محمد البخاري</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2016/11/%d8%aa%d8%ac%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a6%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%a7%d8%b3%d8%a8%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مع سنة رسول الله &#8211;  تجليات مفهوم المسئولية والمحاسبة  في الخطاب النبوي (1)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2016/11/%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%aa%d8%ac%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a6%d9%88%d9%84/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2016/11/%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%aa%d8%ac%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a6%d9%88%d9%84/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 01 Nov 2016 10:42:24 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[الحديث الشريف و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 466]]></category>
		<category><![CDATA[الأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[الخطاب النبوي]]></category>
		<category><![CDATA[العدل]]></category>
		<category><![CDATA[القوة]]></category>
		<category><![CDATA[المحاسبة]]></category>
		<category><![CDATA[المسؤولية]]></category>
		<category><![CDATA[المساواة]]></category>
		<category><![CDATA[تجليات مفهوم المسئولية والمحاسبة]]></category>
		<category><![CDATA[تعاقد بين الخلق والخالق]]></category>
		<category><![CDATA[ذ.محمد البخاري]]></category>
		<category><![CDATA[ربط المسئولية بالمحاسبة]]></category>
		<category><![CDATA[مرتكزات]]></category>
		<category><![CDATA[مع سنة رسول الله]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15550</guid>
		<description><![CDATA[عن ابن عمر  عن النبي  قال: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». (صحيح البخاري). &#160; يبين الحديث النبوي الشريف تصور النبي  لمفهوم المسئولية والمحاسبة، التي تلهج بها كل الألسن في مختلف المناسبات؛ الثقافية، والسياسية، والإعلامية، دون [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>عن ابن عمر  عن النبي  قال: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». (صحيح البخاري).</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>يبين الحديث النبوي الشريف تصور النبي  لمفهوم المسئولية والمحاسبة، التي تلهج بها كل الألسن في مختلف المناسبات؛ الثقافية، والسياسية، والإعلامية، دون أن يجد هذا اللغط صداه في واقعنا اليومي، إذ معظم الناس متدمرون من سوء تسيير مرافقهم العامة، مما يدفعنا إلى البحث عن سبب توجع المواطن المسلم من مؤسساته العمومية، والكشف عن البدائل الشرعية التي فعلت ربط المسئولية بالمحاسبة، مما يجعل الاعتماد عليها حلا عمليا لمعضلات الفساد الإداري في المجتمعات الإسلامية.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>أولا: المسؤولية والمحاسبة تعاقد بين الخلق والخالق</strong></span></p>
<p>استعمل العرب لفظة رعى للدلالة على الحفظ، والمراقبة، والتدبير، والحماية(1). وسمي الوالي بالراعي؛ لأنه يجب أن يقوم بمهمة الحفظ والمراقبة، ولا يتأتى له ذلك إلا بتدبير حكيم، وحماية فعالة، قال ابن حجر: &#8220;والراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه؛ فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه&#8221;(2).</p>
<p>فالرعاية تفيد المسئولية بمعناها العام المتداول، وهي تكليف والتزام يتحمله الجميع كل حسب قدراته، مصداقا لقوله : «كلكم راع» دخل في هذا العموم، المنفرد الذي لا زوج له ولا خادم ولا ولد؛ فإنه يصدق عليه أنه راع على جوارحه&#8230; فعلا ونطقا واعتقادا، فجوارحه وقواه وحواسه رعيته(3). ثم إن قوله : «وكلكم مسئول عن رعيته» يدل على معنى المحاسبة، ويؤيد هذا قوله تعالى: فَوَرَبِّك لنسأَلَنّهم أجمعين عمَّا كانوا يعملون(الحجر: 93). قال القرطبي: &#8220;والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم&#8221;(4). وقوله تعالى: فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين(الأعراف: 6). فالجميع محاسب، لقوله : «إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ أم ضيع» (صحيح ابن حبان).</p>
<p>وبناء على ما سبق؛ فإن المسئولية والمحاسبة في الإسلام تعاقد بين الخلق والخالق؛ لأنهما تكليف اختياري ينبثق عن الخلافة العامة في الأرض، قال تعالى: يا داود إنا جعلناك خليفة في الاَرض فاحكم بين الناس بالحق(ص: 26). فالحكم بالحق تعاقد مستمر مع الخالق، بيَّنه  بقوله: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». وهو يستمد وجوده من أصل خلقة الإنسان، لقوله تعالى: وإذا اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى(الأعراف: 172). فالجواب بالعبودية كان فطريا، والعبودية هي الضامن لحفظ بنود هذا التعاقد أثناء التطبيق. أما ما يسمى &#8220;بالضمير المهني&#8221; وغيره من المصطلحات الخادعة التي تخضع لمزاج صاحب الضمير، ونزواته، وحالاته النفسية من غضب وإرهاق، هو سبب بلاء الناس في مرافقهم العمومية؛ لأن العبادة هي أساس الخلافة في الأرض، وهي خاضعة للمحاسبة المطلقة في قوله تعالى: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد(ق: 18). لذلك كان التعاقد العام توحيد الله تعالى وعبادته، فكلما كان هذا مرعيا، كانت العقود الأخرى المتفرعة عنه محفوظة، وهذا معنى قوله تعالى: وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون(الذريات: 56). فالراعي ليس مطلوبا لذاته، وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك، فينبغي أن لا يتصرف إلا بما أذن الشارع فيه(5). وما دام هو على هذا المنهج؛ فإن دعوة النبي  ستشمله في قوله: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً، فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» (صحيح مسلم).</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>ثانيا: مرتكزات ربط المسئولية بالمحاسبة.</strong></span></p>
<p>هذه المرتكزات تستنبط من قوله : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». ومن النصوص الشرعية التي لها صلة بهذا الموضوع؛ وهي بالرغم من تعددها وتنوعها يمكن حصرها في التأهيل التربوي، والتأهيل المعرفي.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong> التأهيل التربوي للفرد الراعي:</strong></span></p>
<p>كل إنسان راع باعتبار، ومرعي باعتبار، فلا يخلو مكلف من وظيفة ملقاة على عاتقه؛ فكلما عظم شأنها ازدادت مسئوليتها؛ ومن أجل إتقان هذه الوظيفة، واتخاذ القرار الصالح، والتسيير الرشيد لشؤونها، يجب أن يؤهل الفرد الراعي تربويا بشكل مستمر؛ في الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والإعلام، والمجتمع، حتى يمتلك الصفات اللازمة للقيادة والتسيير، وعلى رأسها:</p>
<p><span style="color: #993300;"><strong>- القوة والأمانة: </strong></span>فالقوة البدنية، والفكرية، والسلوكية، تساعد الفرد على أداء ما كلف به على أحسن وجه، والأمانة تربطه بمراقبة الله تعالى في حفظ مصالح المسلمين من الضياع؛ فيحميها من جشعه وجشع من يعمل معه، قال تعالى: إن خير من استاجرت القوي الامين(القصص: 26). فلا يمكن لمن يتولى وظائف الدولة العامة أو الخاصة، أن يكون ضعيفا في مواقفه وقراراته، أو خائنا مفرطا في وظيفته؛ لأن أهل الفساد سيطمعون في ضعفه وخيانته ويعيثون فسادا في مصالح المسلمين؛ لهذا لا يكفي أن يكون الراعي أمينا لا يختلس مال المسلمين، بل يجب أن يكون قويا أيضا ليحميه من اللصوص، وإن لم يفعل فهو مشارك، قال : «إذا رأيت أمتي تهاب، فلا تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم» (المستدرك للحاكم). أي تركهم الله. فصفة الأمانة تستلزم حفظ المال العام، وتنميته، وصرفه في مصالح المسلمين، وصفة القوة تستلزم الدفاع عنه، وانتزاعه من يد الغاصبين؛ لذلك منع النبي  بعض الصحابة من تولي وظائف الدولة لأنهم غير أقوياء، رغم أنهم أمناء، فعن أبي ذر  قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ &#8230;قال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» (صحيح مسلم).</p>
<p>فالمنصب له تبعات بدنية وفكرية هائلة؛ لتحقيق النجاعة في طرق الحكم والتسيير، وتطوير وتنمية المرافق العامة للمسلمين، لذلك استحق سيدنا يوسف  أن يكون مسئولا عن الشؤون المالية والاقتصادية لمصر، قال تعالى: فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم(يوسف: 54-55) فبهاتين الصفتين سيحفظ ثروات مصر وينميها، ويدافع عنها لمنع المفسدين من سرقتها.</p>
<p><span style="color: #993300;"><strong>- العدل والمساواة:</strong></span> فبالعدل يضمن الراعي تمتع المواطنين بحقوقهم، قال تعالى: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل(النساء: 58). فالعدل يمنع الظلم لخدمة أهداف سياسية، أو قبلية، أو غيرها. قال تعالى: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى(المائدة: 8). وبالعدل استحق الراعي أن يكون أحب الخلق إلى الله تعالى قال : «إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل» (سنن الترمذي). فمحبة الله شرف عظيم، وهي الوسام الذي يجب أن يسعى إليه رعاة هذه الأمة؛ لأنها دائمة ومنجية، فلا يكون مطمحهم تحقيق مصالحم الخاصة التي تدفعهم للنهب والسرقة، قال : «إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة..» (صحيح البخاري).</p>
<p>وإذا كان العدل إعطاء كل ذي حق حقه، فالمساواة تستلزم عدم التمييز بين المواطنين في الحكم بسبب دينهم، أو جنسهم، أو لونهم، أو عرقهم، أو انتمائهم، فهدف الراعي تطبيق حكم الله على الجميع، وبذلك نطهر مرافقنا العمومية من الرشوة، والزبونية، والمحسوبية، وغيرها من مظاهر الفساد التي انتشرت في جسم إدارتنا، لعدم تربية أولادنا على العدل والمساواة؛ لذلك أنكر النبي  على من أراد أن يشفع في حدود الله، لكون المحكوم عليه من علية القوم، وقال : «إنما أهلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (صحيح مسلم). وهذا ما يهلك الأمة الإسلامية الآن مع كل الأسف، وقد حكم  على الدول التي لا تراعي ذلك بالفشل فقال: «.. وإن الله لا يترحم على أمة لا يأخذ الضعيف منهم حقه من القوي..» (المستدرك للحاكم).</p>
<p>وتطبيقا لهذا المبدأ قام عمر  بإعطاء أوامره بحفظ حقوق الضعفاء والفقراء من المسلمين وغيرهم؛ فقد مر بباب قوم وعليه سائل يسأل -شيخ كبير ضرير البصر- فقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. قال: فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه؛ فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شيبته ثم نخذله عند الهرم&#8230; ووضع عنه الجزية وعن ضربائه(6).</p>
<p>فإذا كان عمر  قد مضى زمنه كما يروج البعض؛ فإن العدل والمساواة في الحكم لم يمض زمنهما، بل إن التحجج بهذه المقولة هو محاولة بائسة للتنصل من المسئولية مع الخلق، وهي لن تنجي أي مفرط أو منتهك لحقوق الله، وحقوق العباد قال : «ما من وال يلي رعية من المسلمين، فيموت وهو غاش لهم، إلا حرم الله عليه الجنة» (متفق عليه).</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>ذ. محمد البخاري</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8211;</p>
<p>1 &#8211; مقاييس اللغة ابن فارس كتاب الراء، باب الراء والعين وما يثلثهما، مادة &#8220;رعى&#8221;. القاموس المحيط، فيروز ابادي، باب الواو والياء، فصل الراء. تاج العروس، الزبيدي، مادة &#8221; رعى&#8221;.</p>
<p>2 &#8211; فتح الباري، ابن حجر، دار المعرفة، 13/112.</p>
<p>3 &#8211; المصدر نفسه، 13/ 113.</p>
<p>4 &#8211; الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار الكتب المصرية. 10 / 60.</p>
<p>5 &#8211; فتح الباري، 13/ 113.</p>
<p>6 &#8211; الخراج، لأبي يوسف، 139.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2016/11/%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%aa%d8%ac%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a6%d9%88%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>التوجيه النبوي لحفظ كرامة الأرامل والمساكين في المجتمع الإسلامي</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2015/11/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ac%d9%8a%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d9%8a-%d9%84%d8%ad%d9%81%d8%b8-%d9%83%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2015/11/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ac%d9%8a%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d9%8a-%d9%84%d8%ad%d9%81%d8%b8-%d9%83%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 19 Nov 2015 11:20:25 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[الحديث الشريف و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[السيرة النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 446]]></category>
		<category><![CDATA[تربية و تعليم]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[شؤون عامة]]></category>
		<category><![CDATA[فقه العبادات]]></category>
		<category><![CDATA[لغة و آداب]]></category>
		<category><![CDATA[التوجيه]]></category>
		<category><![CDATA[الخطاب النبوي]]></category>
		<category><![CDATA[المجتمع الإسلامي]]></category>
		<category><![CDATA[المساكين]]></category>
		<category><![CDATA[النبوي]]></category>
		<category><![CDATA[النبي محمد]]></category>
		<category><![CDATA[حفظ كرامة الأرامل]]></category>
		<category><![CDATA[حكم الرسول]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=10130</guid>
		<description><![CDATA[عن أبي هريرة ] قال: قال رسول الله [: «الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله -وأحسبه قال- وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر»(1). هذا الحديث يؤسس لمبدأ حفظ كرامة الإنسان المسلم المحتاج بصفة عامة، ويدافع عن حق الأرملة والمسكين في الحصول على العيش الكريم بصفة خاصة؛ وذلك بهدف خلق توازن اجتماعي قائم على [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>عن أبي هريرة ] قال: قال رسول الله [: «الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله -وأحسبه قال- وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر»(1).<br />
هذا الحديث يؤسس لمبدأ حفظ كرامة الإنسان المسلم المحتاج بصفة عامة، ويدافع عن حق الأرملة والمسكين في الحصول على العيش الكريم بصفة خاصة؛ وذلك بهدف خلق توازن اجتماعي قائم على الرحمة والتضامن بين أفراد الأمة الإسلامية. وسنقف مع هذا الحديث لنستنير بإرشاداته وتوجيهاته من خلال النقط التالية:<br />
1 &#8211; مفاهيم الحديث ومضامينه.<br />
الساعي: السعي في اللغة يفيد بذل الجهد في العمل لتحصيل الكسب من الطعام وغيره(2).<br />
الأرملة: المرأة التي لا زوج لها لافتقارها إلى من ينفق عليها. قال ابن الأنباري: الأرملة: التي مات عنها زوجها، سميت أرملة لذهاب زادها، وفقدها كاسبها، ومن كان عيشها صالحا به (3).<br />
المسكين: من سكن المتحرك سكونا ذهبت حركته، والمسكين مأخوذ من هذا لسكونه إلى الناس. فالمسكين هو الذي لا شيء له (4).<br />
ومن المضامين التي يمكن استفادتها من الحديث:<br />
- ترغيب الرسول [، في الإنفاق على الفئة المعوزة كالأرامل والمساكين لتحقيق تماسك المجتمع الإسلامي.<br />
- حث الرسول [ المسلمين عامة، وأولياء الأمور خاصة، على إحداث آليات التوازن في الإنفاق بين الفئات الاجتماعية داخل الأمة الإسلامية.<br />
- نوَّع الإسلام وسائل التحفيز على أعمال الخير وبين أجرها ومكانتها عند الله تعالى؛ لضمان التكافل بين أفراد الأمة المسلمة.<br />
2 &#8211; السعي بالخير على المحتاج تحقيق لمعنى العبودية لله.<br />
لاشك أن الأفراد الذين ذكروا في الحديث هم فئة محتاجة داخل الهرم الاجتماعي؛ فالأرملة فقدت من يعولها فهي محتاجة إلى سند تركن إليه، والمسكين محتاج إلى من يمد إليه يد المساعدة ليتغلب على متطلبات الحياة وإكراهاتها. فهؤلاء قلما يلتفت الإنسان إلى ضعفهم؛ لهذا جعل الرسول [ أجر من يساعدهم عظيما يوازي أجر المجاهد في سبيل الله بماله ونفسه، أو أجر قائم الليل كله للصلاة دون توقف، وهذا من صفة المتقين قال تعالى:{إنَّ المتَّقين في جنَّات وعيون آخذين ما آتَاهم ربهم إِنَّهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قَليلا من الليل ما يهجعون}(الذاريات: 15-17). أو أجر الصائم الذي قال فيه الرسول [: «من صام يوما في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا»(5).<br />
وقال رسول الله [:«الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي القربى ثنتان: صدقة وصلة»(6).<br />
فالأجر عظيم، والثواب كثير، وإقبال الناس عليه قليل، إنه ضعف الإيمان، وقلة حسن التوكل على الله، والتعلق بحب الدنيا الفانية، وقد أخبر الرسول [ بهذا فقال:«فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم»(7).<br />
وفي واقعنا نجد الناس في تعاملهم مع هذه الفئة ثلاثة أصناف:<br />
- الصنف الأول: يتخذ الاهتمام بهم والاعتناء بمطالبهم مطية للتفاخر وإظهار الكرم كي يشكر عند الناس ويذكر بالخير، فإذا لم يُقدَّم له ذلك وخاصة ممن يساعدهم غضب وتوقف عن المساعدة. وقد غضب أبو بكر الصديق ] من أحد الصحابة الذي كان ينفق عليه، يقال له مسْطَح، لأنه تكلم في حادثة الإفك، فحلف أبو بكر ألا ينفق عليه، فأنزل الله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم}(النور:21). فعاد إلى الإنفاق عليه. وهذا باب واسع للرياء والسمعة يقع فيه الكثير من الناس. روي أنَّه مر على النبي [ رجلٌ، فقال الصحابة يا رسول الله، لو كان هذا في سبيلِ الله، فقال [ : «إن كان خرجَ يسعى على وَلَدِه صغارًا، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه، يَعُفُّها، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومُفاخرة، فهو في سبيل الشيطان»(8).<br />
- الصنف الثاني: يساعدهم قليلا ويستغلهم كثيرا؛ فيعطهم ما فضل عليه من الطعام واللباس، ويفرض عليهم مقابل ذلك القيام بأعمال شاقة، أو أعمال دنيئة أحيانا كلما احتاج إليهم أو إلى أولادهم، فإذا لم يلبوا مطالبه توقف عن المساعدة، بل ربما عاقبهم على ذلك. وهذا استغلال وظلم، والله لا يحب الظالمين فهذا الصنف جعل ضعفهم وسيلة لتحقيق أهدافه الخبيثة.<br />
- الصنف الثالث: هدفه ابتغاء وجه الله؛ وهو الذي يستحق الأجر الذي ذكر في الحديث؛ أي أجر الجهاد في سبيل الله، أو أجر قائم الليل للصلاة والتضرع إلى الله، أو أجر الصائم الذي لا يفطر، قال الله تعالى في حديث قدسي «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»(9).<br />
إن حديث الساعي على الأرملة؛ يحقق مقصدا أصليا هو الفوز بالجنة، ومقصدا تبعيا دنيويا هو تحقيق التوازن والتماسك بين جميع طبقات المجتمع الإسلامي؛ فيكون كالجسد الواحد يرحم فيه الغني الفقير، ويحب الفقير الغني، فيعيش المجتمع في كون أرضه محبة وسماؤه رحمة. بهذا المنهج وبهذا السلوك تعمنا جميعا رحمة الله، قال رسول الله [: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»(10).<br />
3 &#8211; الوسائل الشرعية لحفظ كرامة الأرامل والمساكين.<br />
من المتفق عليه؛ أن الإسلام دين الحلول العملية التي يسهل تطبيقها في واقع الناس وفق مبادئ العدل والإحسان، لذلك أمر الله تعالى بإعطاء كل ذي حق حقه من الميراث قويا كان أو ضعيفا، ذكرا أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، قال تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون}(النساء: 6). لكن في واقعنا غالبا ما تحرم الفئة الضعيفة من الأرامل والمساكن ومن هو على شاكلتهم من الميراث، فتصبح عرضة للضياع. وقد حرم الله تعالى أكل أموال الناس بالباطل، واعتبر مصير آكله جهنم والعياذ بالله.<br />
ولحفظ حقوق هؤلاء؛ يجب على الدولة أن تضع هيئة خاصة لحمايتهم، فتسهر على تقسيم تركتهم وتضمن وصول حقوقهم إليهم؛ إذ ربما يعجزون أو يخافون من الوصول إلى القضاء لرفع مظالمهم والدفاع عن حقهم، فضمان حصول هذه الفئة على ميراثها، وسيلة شرعية لحفظ كرامتها دون الحاجة إلى مساعدة مادية من أحد.<br />
ومن الوسائل الشرعية أيضا لحفظ كرامتهم، تفعيل بيت مال المسلمين وتطوير مؤسسة الزكاة وتوظيفهما لصالحهم، فيأخذ الضعيف منهم ما يستحقه مما يضمن له حقه في العيش الكريم، كتوفير السكن اللائق، والتعليم الجيد، والحق في العلاج، للعاجز منهم عن العمل، وخلق فرص الشغل للقادرين منهم على العمل، فيشعرون بعزة الإسلام ونصرته لأنه أخذ بيدهم في وقت الشدة، وساعدهم على النهوض حين أوشكوا على السقوط، قال رسول الله [ : «أنا أَولى بكل مؤمن من نفسه؛ من تركَ مالاً فلأَهله، ومن ترك دينا أو ضياعًا فإِليّ وعليّ»(11).<br />
ومعنى هذا أن من ترك عيالا أو دينًا وليس له وفاء، فإن وفاء دَينِه وكفالة عياله مِن بيت مال المسلمين.<br />
لكن للأسف الشديد؛ أين نحن من هذا كله؟ والذي يستفيد من الثروات في الدول الإسلامية طبقة قوية متحكمة في رقاب البلاد والعباد، تأكل أموال الناس بالباطل، وتعتبر أخذ حقهم مساعدة اجتماعية يضمنها صندوق التضامن، أو صندوق التكافل، أو غيرها من المسميات. مع أن الأصل يجب أن يكون لهم مبلغ مادي قار، وخدمات اجتماعية إلزامية توفرها لهم الدولة؛ لأنهم مسلمون ينتمون إلى الإسلام. قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}(النساء:58). وقال [: «ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسئول عن رعيته..»(12).<br />
فالثروات يجب أن توزع بشكل عادل يستفيد منها كل أبناء الأمة الإسلامية دون تفضل من أحد.<br />
بل الإسلام صان كرامة المساكين من غير المسلمين أيضا؛ فقد كتب خالد بن الوليد في عهد الصديق ] في وثيقة الصلح مع أهل الحيرة: وجعلت لهم أيُّما شيخ ضَعُفَ عن العمل أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر حتى صار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته، وَعِيلَ من بيت مال المسلمين، وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام (13).<br />
كما أن عمر ] مر بباب قوم وعليه سائل يسأل وهو شيخ ضرير، فقال له عمر: من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي. فقال: ما الذي ألجأك إلى ما أرى؟ فقال الرجل: أسأل الجزية، والحاجةَ والسنَّ، فأَخذ عمر بيده ، وذهب إلى منزله فأعطاه شيئا من المال، ثم أرسل إلى خازن بيت المال وطلب إليه أن يُجريَ عليه رزقاً مستمراً من بيت المال، وقال للخازن: انظر إلى هذا وأمثاله، فو الله ما أنصفنا إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم. وأسقط عنه الجزية وعن أمثاله (14).<br />
لأن الإسلام يأبى أن تحط كرامة الإنسان أو تهان، إذا كان تحت وصايته وحكمه وإن كان من غير المسلمين. وقد روي أن رسول الله [، كان: «لا يأنف أن يمشي مع الأرملة، والمسكين فيقضي له الحاجة»(15).<br />
هذا نهج نبينا، ومبادئ ديننا، كل منهما قائم على الرحمة وحفظ كرامة الإنسان.</p>
<p><span style="text-decoration: underline;">ذ.محمد البخاري</span><br />
&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8211;<br />
1 &#8211; صحيح مسلم، 2982/صحيح البخاري، 6007.<br />
2 &#8211; لسان العرب، مادة سعا.<br />
3 &#8211; تاج العروس، مادة رمل.<br />
4 &#8211; المصباح المنير، مادة سكن.<br />
5 &#8211; مسلم، 1153.<br />
6 &#8211; النسائي، 2582.<br />
7 &#8211; البخاري،4015.<br />
8 &#8211; المعجم الكبير. 282.<br />
9 &#8211; البخاري، 5927.<br />
10 &#8211; الترمذي، 1924.<br />
11 &#8211; مسلم 867.<br />
12 &#8211; مسلم،1829.<br />
13 &#8211; الخراج لأبي يوسف، ص: 157.<br />
14 &#8211; الخراج؛ لأبي يوسف، ص: 159.<br />
15 &#8211; النسائي، 1414.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2015/11/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ac%d9%8a%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d9%8a-%d9%84%d8%ad%d9%81%d8%b8-%d9%83%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
