<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; الحضارة</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>معالم الرقي الحضاري في السنة النبوية(1)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/11/%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%82%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d9%8a%d8%a91/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/11/%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%82%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d9%8a%d8%a91/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 18 Nov 2017 09:49:07 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[السيرة النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 487]]></category>
		<category><![CDATA[التحضر]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة الغربية]]></category>
		<category><![CDATA[الخواء الروحي]]></category>
		<category><![CDATA[الرقي الحضاري]]></category>
		<category><![CDATA[القيم الحضارية]]></category>
		<category><![CDATA[د محمد البوزي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=18235</guid>
		<description><![CDATA[توطــــئة: لماذا الرقي الحضاري أو القيم الحضارية في السنة النبوية ؟ لاشك أن موضوع الحفاظ على القيم الحضارية الأخلاقية والمبادئ العليا في المجتمعات الإسلامية هو موضوع الساعة، ذلك أن هذه القيم باتت مهددة في مجتمعاتنا الإسلامية نتيجة الصراع بينها وبين قيم الحضارة المادية المغرقة في الإلحاد والجشع المادي، واتباع الأهواء، وما نتج عن ذلك من [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #800000;"><strong>توطــــئة:</strong></span></p>
<p>لماذا الرقي الحضاري أو القيم الحضارية في السنة النبوية ؟</p>
<p>لاشك أن موضوع الحفاظ على القيم الحضارية الأخلاقية والمبادئ العليا في المجتمعات الإسلامية هو موضوع الساعة، ذلك أن هذه القيم باتت مهددة في مجتمعاتنا الإسلامية نتيجة الصراع بينها وبين قيم الحضارة المادية المغرقة في الإلحاد والجشع المادي، واتباع الأهواء، وما نتج عن ذلك من التفكك الأسري والانحلال الخلقي وشيوع ظاهرة الإجرام وغيرها&#8230;</p>
<p>وديننا الإسلام هو دين القيم الحضارية بامتياز، والسنة النبوية لها دور كبير في ترسيخ القيم الحضارية في المجتمع المسلم، غير أن كثيرا من جاهلي أو متجاهلي سنة المصطفى -نبي الرحمة والهدى- يحاربون السنة أو ينتقصون من قدرها أو يظنونها مصدرا للتأخر أوالتشدد، أوالإرهاب الفكري وما أشبه ذلك من نعوت لاتليق إلا بقائليها من الجهال والمارقين من الدين.</p>
<p>لذلك ارتأيت تسليط أضواء على معالم الرقي الحضاري في السنة النبوية -القولية والفعلية- باعتبارها المحجة البيضاء التي ترتقي بالإنسان نحو المكانة العليا التي اختارها الله له، لمّا كرمه وفضله على سائر المخلوقات، وجعله خليفة في الأرض ليعمرها بعبادة الله وحده، ويحقق فيها العدل والرحمة والسلام بين بني البشر.</p>
<p>وتستهدف حلقات هذا الموضوع بحول الله تعالى ما يلي:</p>
<p>- إبراز القيم الحضارية ومعالم التحضر الحق في السنة النبوية.</p>
<p>- الآثار السلبية للحضارة الغربية على شباب المسلمين.</p>
<p>- الحث على معرفة أخلاق الرسول  واتباع هديه وسنته.</p>
<p>- مقدمة تمهيدية مؤسسة للموضوع:</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong> 1 &#8211; مفهوم الحضارة والتحضر:</strong></span></p>
<p>الحضارة في اللغة: ضد البداوة و هي الإقامة في الحضر، والتحضر يطلق -في أصله- على انتقال الريفيين إلى المدن واكتسابهم تدريجياً &#8220;القيم الحضرية (الصفحة غير موجودة)&#8221; القيم الحضرية وما يرتبط بها من أنماط  &#8220;السلوك الحضري (الصفحة غير موجودة)&#8221; السلوك الحضاري التي تدل على الرقي والأناقة، والوعي والانفتاح والتسامح وغيرها.</p>
<p>وتطلق الحضارة اصطلاحا: على كل ما أنشأه الإنسان من عمران وإبداع مادي ومعنوي وهي مرحلة سامية من مراحل التطور الإنساني، وللحضارة تجليات ومظاهر منها:</p>
<p>- الرقي الحضاري المادي يتجلى في ازدهار العمران وفي التقدم الصناعي والتكنولوجي والزراعي والتجاري وغيرها مما يوفر أسباب الرفاهية وإشباع الغرائز والحاجات النفسية الجسدية.</p>
<p>- بينما تتجلى مظاهر الرقي المعنوي في مستوى الآداب والفنون والمبادئ الخلقية، والقيم الروحية وغيرها مما يحقق السلام بين الناس وطمأنينة النفوس وسكينتها أو سعادتها.</p>
<p>لذلك فالحضارات لا يقارن بينها بالعمران أو بالترف المادي والازدهار الاقتصادي فقط، وإنما يقارن بينها بالآثار الإيجابية التي تتركها في تاريخ الإنسانية، وما تحققه للإنسان من سعادة وطمأنينة، ومعلوم أن القيم الروحية والأخلاقية هي التي تخلد الحضارات، وبها تؤدي رسالتها في إسعاد الإنسانية وإبعادها من المخاوف والآلام.</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>2 &#8211; الخواء الروحي في الحضارة الغربية المعاصرة:</strong></span></p>
<p>أما الحضارة الغربية المعاصرة التي تسود عالمنا اليوم، فقد بلغت أوجها في التقدم العلمي والتكنولوجي، ووفرت للإنسان كل أسباب الرفاهية والراحة الجسدية، لكنها لم توفر له راحة النفس، ولم تحقق له السكينة الروحية، ذلك؛ لأنها قائمة على العلوم والفلسفات المادية، ويغلب عليها طابع الصراع والتنافس في استغلال الموارد الطبيعية والبشرية في الكرة الأرضية، ولا يهمها إلا الأرباح المادية والتسابق في إنتاج الأسلحة ولو كانت أسلحة الدمار الشامل، إنها حضارة الطغيان بكل معنى الكلمة، وساسة أنظمتها فراعنة نسوا الله فأنساهم أنفسهم.</p>
<p>ومن مظاهر فساد هذه الحضارة؛ هضم كرامة الإنسان واعتباره أداة من أدوات الإنتاج وشيوع ظواهر: -التفكك العائلي و الاجتماعي- الانحلال الأخلاقي، وانتشار الجريمة وغيرها&#8230;</p>
<p>ومن ثم رأينا الناس الذين يعيشون تحت سلطان هذه الحضارة يشكون من القلق، والاكتئاب، والخوف، والأسى، واليأس، والغربة النفسية، والشعور بالضياع &#8230;الخ</p>
<p>حذر كثير من العلماء والفلاسفة والمربين والأدباء والسياسيين وغيرهم، من ماديّة الحضارة الغربية، وإغراقها في الآلية الصناعية، والحياة الاستهلاكية بل ونادى بعضهم صراحة بضرورة استعادة دور الدين في الحياة، حتى يستعيد الإنسان إنسانيته ويشعر بشيء من الأمان والاطمئنان(1).</p>
<p>ونحن المسلمين نقول: نعم؛ إن الدين هو سر الوجود، وجوهر الحياة، ولا إنقاذ للبشرية بغير الدين الإسلامي الصحيح.</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>3 &#8211; في الإسلام حضارة إنسانية بديلة:</strong></span></p>
<p>لأن الإسلام يضع أسس حضارة عالمية إنسانية تليق بالإنسان الذي خلقه الله -من مادة وروح- في أحسن تقويم وكرمه وفضله على كثير من خلقه، وجعله خليفة له في أرضه، ولأن الإسلام لايعرف تعارضا بين الإيمان بالعقيدة والإيمان بالعلم&#8230; بين فعاليات الروح وفعاليات الجسد. وحضارته تسعى لتلبية حاجات الإنسان الجسدية والعقلية والوجدانية والروحية ولا تعتبر الإنسان حيوانا صاحب غرائز وشهوات ليس إلا.</p>
<p>ولايغلب الروحانيات على الماديات أو الماديات على الروحانيات بل يعطي لكل حق حقه مصداقا لقول الرسول : «إن لربك عليك حقا وإن لجسمك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا&#8230; فأعط كل ذي حق حقه»&#8230; وهذا هو التكامل الرائع الذي تستقيم معه أمور الدنيا وسبيل لسعادة الإنسان في الآخرة.</p>
<p>والحضارة الإسلامية ترتكز على أسس علمية ودينية متكاملة.</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>4 &#8211; أسس التحضر أو الرقي الحضاري في الإسلام:</strong></span></p>
<p>- اعتبار الإنسان مخلوقا مكرما ومفضلا على غيره من المخلوقات بالعقل وبالوحي، لذلك أنيطت به مسؤولية العبادة والاستخلاف في الأرض فهو سيد في الكون وليس سيدا للكون كما يدعي الملاحدة.</p>
<p>- العلم والإيمان كلاهما نعمة من الله بهما يعرف الإنسان خالقه ويعرف نفسه وعلاقته بربه وبأخيه الإنسان وعلاقته بالكون وبالمسخرات التي سخرها الله له، وموقف الإسلام الرائع من العلم والمعرفة لايحتاج إلى تأكيد فأول آية نزلت على الرسول هي قوله تعالى: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم (العلق: 1 &#8211; 5).</p>
<p>والدين قائم على علم الوحي لقوله تعالى: فاعلم أنه لاإله إلا الله.</p>
<p>- العمل الصالح -الديني والدنيوي- النافع للفرد والمجتمع وللإنسانية جمعاء&#8230;</p>
<p>- الحفاظ على كرامة الإنسان بالأخلاق الفاضلة كالعدل والإحسان والتسامح وغيرها&#8230;</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>5 &#8211; إذن فما معنى التحضر أو الرقي الحضاري في ميزان الإسلام؟</strong></span></p>
<p>إن التحضر الحق ليس هو مواكبة التمدن الصناعي الغربي وما يرتبط به من القيم الاستهلاكية والمظاهر المادية -كما يعتقده شبابنا الغافل- بل التحضر في ميزان الإسلام هو بلوغ أقصى درجة من السمو الروحي والرقي الأخلاقي، وبعبارة وجيزة هو بلوغ درجة الإحسان في كل شيء؛ في العبادة وفي العمل الصالح والخلق الحسن، وعليه، فالرقي الحضاري هو الرفعة والسمو في أخلاق الإنسان لبلوغ المكانة اللائقة بتكريم الله لبني آدم، علما أن فطرة الإنسان النقية لاتُحفظ ولا تُزكَّى إلا بالإيمان والعمل الصالح، بهما ترتقي الفطرة حتى تبلغ غاية كمالها المنشود والمقدور عليه، وذاك هو الرقي الحضاري الروحي الذي يكفل للإنسان الطمأنينة والسعادة .</p>
<p>يتبع</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #ff0000;"><em><strong>د. محمد البوزي</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;-</p>
<p>1 &#8211; (النماذج ذكرها القرضاوي في مقال: حاجة الإنسانية لحضارة إسلامية جديدة).</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/11/%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%82%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d9%8a%d8%a91/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>افتتاحية &#8211; مقومات الأمة الحضارية..</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/03/%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%aa%d8%a7%d8%ad%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d9%82%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%a9/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/03/%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%aa%d8%a7%d8%ad%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d9%82%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%a9/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 18 Mar 2017 09:49:29 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[افتتاحية]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 475]]></category>
		<category><![CDATA[الأمة الحضارية..]]></category>
		<category><![CDATA[التدافع الحضاري]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة]]></category>
		<category><![CDATA[المجال الحضاري]]></category>
		<category><![CDATA[مراكز للدراسات]]></category>
		<category><![CDATA[مقومات الأمة]]></category>
		<category><![CDATA[مقومات الأمة الحضارية..]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=16787</guid>
		<description><![CDATA[لا توجد أمة دخلت ساحة التدافع الحضاري بغير فكرها ومقوماتها الذاتية، ولا توجد أمة ذات فكر صنعت الحضارة من غير لغتها&#8230; وإن الأمم ذوات الحضارات أو المقومات الحضارية لا تفصل أبدا بين الفكر والدين واللغة، ولا بين العلوم ولغة العلوم والفكر والدين. وإن الأمة المسلمة منذ أن ابتليت بالتراجع في المجال الحضاري وابتليت بآفة الاستعمار [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>لا توجد أمة دخلت ساحة التدافع الحضاري بغير فكرها ومقوماتها الذاتية، ولا توجد أمة ذات فكر صنعت الحضارة من غير لغتها&#8230;</p>
<p>وإن الأمم ذوات الحضارات أو المقومات الحضارية لا تفصل أبدا بين الفكر والدين واللغة، ولا بين العلوم ولغة العلوم والفكر والدين.</p>
<p>وإن الأمة المسلمة منذ أن ابتليت بالتراجع في المجال الحضاري وابتليت بآفة الاستعمار في القرنين الأخيرين والمعركة مستعرة عندها في ميدان الفكر واللغة والدين.</p>
<p>ففي ميدان الفكر أصبحت الأمة أمام موجة عنيفة من الارتداد عن أصولها الفكرية ومقوماتها الدينية ومنجزاتها الحضارية بسبب دعاوى وشبهات:</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>أولها:</strong></span> أن الفكر إبداع بشري نسبي متغير تحكمه عوامل اجتماعية تتغير بحسب حاجة كل قوم زمانا ومكانا. ومن ثم فليس من المعقول إعمال فهوم الأزمنة الغابرة، ولا استصحابها والاسترشاد بها في حل معضلاتنا الحاضرة.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>ثانيها:</strong> </span>أن فكرنا الحضاري فكر ديني صنعه الدين الإسلامي صنعا يصعب فيه فصل العلم عن الدين، ولا الفقه والقانون ولا الفلسفة والأخلاق عن توجيهات الإسلام، بينما عصرنا عصر التقدم العلمي والعقلنة والأنسنة، ومن هنا لم يعد سائغا أن نعود إلى هذا التراث الديني.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>ثالثها:</strong> </span>أن أمم العالم المتحضر ما تقدمت إلا بعد أن تخلت عن ماضيها الفكري الديني. وقطعت الصلة به، وانطلقت من مقوماتها الذاتية التي كانت نتيجة تقدم علمي وحركة اجتماعية وفكرية مواكبة له.</p>
<p>وفي ميدان اللغة تعالت الأصوات عندنا منذ فترة مبكرة برمي اللغة العربية بالقصور العلمي وعدم القدرة على الاستجابة لمتطلبات التقدم العلمي بدعوى أنها لغة أدبية ودينية، وهما صفتان تنافيان روح العلم والعصر. وأصبحت اللغة العربية في أوطاننا الإسلامية مجرد لغة الآداب، وليس لها إلا مراكز هامشية في سلم الأولويات التعليمية والرهانات المستقبلية.</p>
<p>وبسبب ذلك شنت على الأمة الإسلامية حملة هوجاء في التنقيص من تراثها العلمي وأصالته الحضارية؛ تراث تشكل من أصول حضارية ومقومات جوهرية هي اللغة والدين والفكر، كما شكلته عقول علمية جبارة في سائر العلوم والمجالات، حتى إنه لا يوجد في تاريخ الأمم الحاضرة أمة خدمت دينها مثلما خدمته أمة الإسلام، ولا توجد أمة خدمت لغتها كخدمتها لدينها حتى إنها ربطت قيمة لغتها بقيمة دينها مثل أمة الإسلام، ولا توجد أمة صاغت فكرها ومعارفها وعلومها وفق اللغة والدين مثلما كان أمر هذه الأمة.</p>
<p>وإن التراث الإسلامي بمنجزاته العلمية والحضارية تراث إنساني عالمي بجميع المقاييس، قوي الأصول ثري بالإمكانات والحلول، غني بالاجتهادات الأصيلة للعلماء الفحول، ولا يزال إلى اليوم مؤهلا للتعبير عن كل حاجات الأمة في مختلف المجالات، ولن تعود الأمة فاعلة في مسيرة التاريخ إلا يوم تجعل على رأس أولوياتها ما يلي:</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>أولا:</strong></span> دعم اللغة العربية دعما أصيلا بجعلها لغة التدريس والعلوم في مختلف مراحل التعليم وأسلاكه وشعبه وتخصصاته، والتمكين من تداولها وإشاعة استعمالاتها في مختلف ميادين المجتمع وأوصاله.</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>ثانيا:</strong></span> إعادة بناء البرامج والمقررات الدراسية بناء تحضر فيه مادة اللغة العربية بعلومها التراثية وآدابها الأصيلة التي من شأنها تكوين الملكة اللغوية العربية تفكيرا وتعبيرا وتدبيرا، وفتح باب الترجمة منها إلى غيرها من اللغات العالمية، ومن غيرها إليها وفق قواعد وأصول اللسان العربي صوتا وصرفا وتركيبا ودلالة..</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>ثالثا:</strong> </span>تمكين العلوم الإسلامية من مكانتها اللائقة بها في المنظومة التعليمة والمعرفية والفكرية في مسيرة الأمة؛ فبهذه العلوم يستقيم فهم الأمة لذاتها ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وبها لا بغيرها تجدد الأمة فكرها انطلاقا من ذاتها، وبها تخاطب غيرَها وتتفاعل التفاعل الإيجابي.</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>رابعا:</strong> </span>إنشاء مراكز للدراسات الاستراتيجية الحضارية مهمتها رصد مسيرة الأمة، وقياس درجة تفاعلها مع مقوماتها الحضارية: دينا ولغة وفكرا، وتشخيص مواطن الخلل، واقتراح الحلول والتدابير الوقائية أو العلاجية.</p>
<p>وفي الأخير نجدد التذكير بأن الأمة تحتاج اليوم إلى جهود أصيلة وإلى حلول كلية عامة وتصور حضاري شامل ودقيق لمختلف معضلاتها الخاصة والعامة التي تهدد أصولها الجوهرية: اللغة والفكر والدين. فإذا استقامت الحلول في هذه النطاقات ورشدت العقول في هذه المجالات أَمِنَت الأمة آفات الذوبان الحضاري والأفول.</p>
<p>فاللهم إنا نسألك الإخلاص في الإيمان والقول والعمل، والرشد في التفكير والسلامة في التعبير، والإحسان في التدبير.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/03/%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%aa%d8%a7%d8%ad%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d9%82%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>من فقه سنن الحضارات فقه الوراثة والتوريث الحضاريين</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/01/%d9%85%d9%86-%d9%81%d9%82%d9%87-%d8%b3%d9%86%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%82%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%b1/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/01/%d9%85%d9%86-%d9%81%d9%82%d9%87-%d8%b3%d9%86%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%82%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%b1/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 18 Jan 2017 12:22:26 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. الطيب بن المختار الوزاني]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 471]]></category>
		<category><![CDATA[تربية و تعليم]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[إغناء الحضارة]]></category>
		<category><![CDATA[الأجيال المتعاقبة]]></category>
		<category><![CDATA[الإنسان الواعي]]></category>
		<category><![CDATA[التوريث الحضاريين]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة إنجازات فكرية]]></category>
		<category><![CDATA[الطيب بن المختار الوزاني]]></category>
		<category><![CDATA[سنن الحضارات]]></category>
		<category><![CDATA[فقه الوراثة]]></category>
		<category><![CDATA[فقه سنن الحضارات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=16273</guid>
		<description><![CDATA[الحضارة إنجازات فكرية وعلمية وتقنية وأخلاقية وقانونية فنية&#8230; لأمة من الأمم على مدى زماني ومكاني واسعين لا يسهم فيه أبناء جيل واحد في مرحلة واحدة فقط وإنما تسهم فيه الأجيال المتعاقبة أنواعا من الإسهام تفضي في مجموعها إلى إغناء الحضارة. والحضارة لا توصف بوصف الحضارة إلا بهذه الصفات؛ 1 &#8211; الاشتراك الجماعي في منجزاتها بين [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>الحضارة إنجازات فكرية وعلمية وتقنية وأخلاقية وقانونية فنية&#8230; لأمة من الأمم على مدى زماني ومكاني واسعين لا يسهم فيه أبناء جيل واحد في مرحلة واحدة فقط وإنما تسهم فيه الأجيال المتعاقبة أنواعا من الإسهام تفضي في مجموعها إلى إغناء الحضارة.</p>
<p>والحضارة لا توصف بوصف الحضارة إلا بهذه الصفات؛<br />
1 &#8211; الاشتراك الجماعي في منجزاتها بين أجيال الأمة.<br />
2 &#8211; الامتداد الزماني والمكاني الواسعين.<br />
3 &#8211; الانتقال من جيل إلى جيل.<br />
4 &#8211; التطور والتقدم بإضافة كل جيل إبداعات جديدة وتجاوزه لما لم يعد صالحا من منجزات السابقين.<br />
5 &#8211; استمرار روح الأمة وفلسفتها باعتبار هذه الروح هي السمة الجوهرية الأصلية الثابثة التي تطبع مختلف منجزات الحضارة بطابعها وتسمها بسمتها وتمنحها حق الانتماء الحضاري، وما يهمنا في هذا المقام هو بيان قيمة الاشتراك الجماعي في المنجز الحضاري لأمة من الأمم وبيان كيفية انتقاله وتطوره لبيان قيمته في منظومة السنن الحضارية.<br />
لذا فالحضارة كبقية الممتلكات المادية إرث للأمة يُورَث ويُوَرَّث؛ فهو أحيانا ينتقل انتقالا اجتماعيا طبيعيا وأحيانا أخرى لا بد من تدخل الإنسان الواعي والقاصد لتنظيم عملية نقل عناصر الحضارة وتعليمها إلى الأجيال تعليما يورثها توريثا قاصدا ومنظما وبانيا، ويصبغ الأجيال اللاحقة بخصائصها. فكما تنقتل الصفات الوراثية البيولوجية تنتقل الصفات الثقافية والحضارية والاجتماعية.<br />
وإن الأمة -أي أمة- كما تورث منجزاتها المادية للأجيال المتعاقبة تورث روحها المعنوية وفلسفتها الحضارية، وإن حرص الأمم على توريث هذا الشق الثاني أشد من حرصها على الأول، وإن الأمم التي تقتصر على توريث تراث الآباء والأجداد للأبناء والأحفاد دون التراث الروحي الفكري العقدي أمة لا تدخل عالم الحضارة، وإن دخلته فبروح غيرها لا بروحها أو بروح مشوهة لا تصمد في التدافع والتداول الحضاري.<br />
وبغير الوراثة والتوريث القاصد والواعي تضيع العناصر الأساسية في الحضارة وقد يدخل فيها وإليها ما يناقض هويتها، ولذلك فإن الأمم التي تفرط في التوريث العلمي المنظم لمقوماتها الحضارية يسرع إليها الانحراف عن الأصول ويتسلل إليها مرض التشوه في السلوك والعقول، وتفقد خصوصياتها وتميزها فتميل طوعا وكرها إلى الذبول والأفول، وتكون أكثر قابلية للغزو والمحو.<br />
ومن هنا يصح الحديث -على غرار علم الوراثة البيولوجية- عن علم الوراثة والتوريث الحضاريين، فالأول علم طبيعي يخص طبيعة الأحياء وخصائصها الوراثية، وهذا يخص منجزات الأحياء وخصائصها الثقافية والحضارية، وهو علم يمكن أن يشمل الأفقاه الآتية:<br />
فقه أنواع &#8220;الجينات&#8221; الحضارية: الأساسية والثانوية، الثابت منها والمتغير، الأصيل منها والهجين&#8230; حتى ينقل منها ما هو أصلح للتأثير في الانتشار في الزمان والمكان والإنسان، ولا يضاف إليها ما يناقضها ولا يعاضدها من الجينات الحضارية الأخرى فيحدث الخلل والتشوه.<br />
فقه طرق نقل هذه الجينات نقلا علميا منظما وفق قواعد وضوابط موزونة بميزان الأصول الحضارية للأمة.<br />
فقه مراحل النقل وسنه على غرار الزواج سنا ونوعا، فنقل عناصر الحضارة يحتاج إلى رشد الأمة وكفاءتها.<br />
فقه ما يلزم من المؤسسات القمينة بالنهوض بأعمدة البناء الحضاري، وفقه ما يلزم لها من الخطة والعدة.<br />
وإن عملية توريث الثقافة والحضارة لا تتم إلا عبر التربية والتعليم بمختلف أنواعهما ووسائلهما، فبهما يتمكن الإنسان من نقل عناصر الحضارة المادية والمعنوية إلى غيره سواء أكان هذا الغير أبناء أم أحفادا، أو كان أقواما آخرين من أمم وشعوب أخرى. لذلك لاحظ علماء الاجتماع والثقافة أن وظيفة التنشئة الاجتماعية الأساس ليست تأهيل الفرد للاندماج في وسطه الاجتماعي والثقافي كما يبدو في الظاهر وإنما هي إعداد الفرد والأمة الحاملين معا لمبادئ الحضارة ومقوماتها القادرين على تبليغها للآخرين وحمايتها؛ إذ قصد التنشئة الاجتماعية في نهاية المطاف إنما هو الحفاظ على المكونات الثقافية الأساس للمجتمع التي بوجودها واستمرارها يضمن المجتمع بقاءه واستمراره، وعلى قدر ترسخها في وجدان الأفراد وتصرفهم وفقها ودعوتهم إليها تكون قوة المجتمع ومناعته.<br />
وختاما نقول إن فقه التوريث الحضاري هو الذي لا يضمن البقاء فحسب، وإنما يضمن قوة البقاء للحضارة والأمة، وإن قوة التدافع والتداول مداره على قوة التوريث الحضاري، فلا قدرة للأمة أي أمة على الوجود الحضاري بله الاستمرار من غير توريث راشد، ولا تداول ولا تدافع ممكن بدون فقه الوراثة والتوريث الحضاريين.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>الطيب بن المختار الوزاني</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/01/%d9%85%d9%86-%d9%81%d9%82%d9%87-%d8%b3%d9%86%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%82%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>العلم ودوره في بناء الحضارة</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/01/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85-%d9%88%d8%af%d9%88%d8%b1%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/01/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85-%d9%88%d8%af%d9%88%d8%b1%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 02 Jan 2017 10:47:12 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. الطيب بن المختار الوزاني]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 470]]></category>
		<category><![CDATA[تربية و تعليم]]></category>
		<category><![CDATA[التعلم]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة]]></category>
		<category><![CDATA[الطيب بن المختار الوزاني]]></category>
		<category><![CDATA[العلم]]></category>
		<category><![CDATA[العلم ودوره]]></category>
		<category><![CDATA[العلم ودوره في بناء الحضارة]]></category>
		<category><![CDATA[العمارة]]></category>
		<category><![CDATA[بناء الحضارة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15982</guid>
		<description><![CDATA[خلق الإنسان مزودا بقابلية للعلم والتعلم واكتساب المعارف: الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمة البيان (الرحمن: 1-4)، ولم يكن لمجتمع حاجة لشيء أقوى من حاجته للعلم والتعلم والتعليم، وإن الحضارات لم تظهر في التاريخ البشري إلا يوم أصبح الإنسان قادرا على اكتساب العلوم والمعارف والاستفادة منها في نفع نفسه وغيره. ولم تتطور إلا بتطور العلوم، [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>خلق الإنسان مزودا بقابلية للعلم والتعلم واكتساب المعارف: الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمة البيان (الرحمن: 1-4)، ولم يكن لمجتمع حاجة لشيء أقوى من حاجته للعلم والتعلم والتعليم، وإن الحضارات لم تظهر في التاريخ البشري إلا يوم أصبح الإنسان قادرا على اكتساب العلوم والمعارف والاستفادة منها في نفع نفسه وغيره. ولم تتطور إلا بتطور العلوم، ولم تتدهور أيضا إلا بتوقف العلوم. فالحضارة متوقفة على العلم وجودا أو عدما.</p>
<p>غير أن كثيرا من الناس انحرفوا عن فهم العلوم التي تقوم عليها احتياجات الإنسان، والتي تقيم أود العمران. فقصروا ذلك على العلوم الطبيعة والكونية وحدها. متناسين أن هذه العلوم لا تنفع النفع العميم إلا إذا استرشدت بهدايات الوحي الصحيح.<br />
والعلم الذي يبني الحضارة ويقيم العمارة أنواع ثلاثة: علم بالله تعالى، وعلم بالإنسان، وعلم بالأكوان.<br />
العلم بالله تعالى وبدينه الذي أنزل وشرائعه التي شرع:<br />
علمٌ من شأنه أن يعرف الإنسان بالله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، والعلم بالله ليس له من سبيل إلا الوحي الذي هو بمثابة الدليل الذي يزود الإنسان بالمعارف الضرورية عن الله تعالى الخالق الرازق وعن المخلوقات وكيفية التعامل مع كل واحد منهما بما يليق.<br />
علم يورث الخشية من الله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء (فاطر:28) وحسن طاعته واتباع شرعه في عمارة الأرض ومعاملة الخلق بما شرع من مكارم الأخلاق الجالبة لكل النعم والدافعة لكل النقم.<br />
وهنا نقف أمام قواعد كلية ضابطة:<br />
العلم بالله هو ما يورث الخشية، والخشية ما يظهر أثرها في صلاح الإنسان حالا ومقالا، وصلاحه في التفكير والتعبير والتدبير.<br />
والإيمان بالله والعلم به ليس له من قصد إلا إصلاح علاقة الإنسان بربه وطاعته بما شرع، وإصلاح علاقة الإنسان بمخلوقاته الأولى فالأولى, وكل تصور صدر وهو قادح في حقوق الله تعالى وحقوق المخلوقات فيدل على قدح في التصور، لأن التصرفات أثر وانعكاس للتصورات, و لا تكون إلا على وزانها.<br />
ولا قيمة للإيمان الذي لا يتبعه العمل الصالح، ولا عبرة بعمل صالح لا يصدر من الإيمان بالله وشرعه.<br />
والعلم بالإنسان:<br />
علم يشمل العلم بقوانين الفعل الإنساني الفردي والاجتماعي، والعلم بأسباب ودوافع السلوك الإنساني وما يستلزمه من دفع المفاسد وجلب المنافع، وعلما يمتد ليكشف عن خصائص جوانب الإنسان وطبيعته المتفردة ويجلي السنن المتحكمة في حركة المجتمع، وتفاعل مكوناته وقطاعاته، ويبين عن النواميس المتحكمة فيها نشأة ونموا، استمرارا واندثارا ، بقاء وفناء، صلاحا وفسادا، تطورا وتدهورا، قوة وضعفا، خرابا وعمرانا، وبغير هذا العلم لا يصح علم بالإنسان ولا يصلح له عمل. ولا يستقيم تدبير شؤونه ولا إصلاح أحواله كما أن هذا العلم لا يصلح تمام الصلاح ولا ينفع النفع الراشد ما لم يهتد بما ورد في الوحي من حقائق من لدن الله تعالى رب الخلائق ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (الملك: 14) عن الإنسان ومجتمعه وخصائصهما ووظائفهما، وسننهما وعلاقاتهما بغيره من الخلائق.<br />
والعلم بالأكوان:<br />
هو العلم بأسرار الطبيعة وقوانينها؛ إذ بقدر هذا العلم تتيسر للإنسان سبل الاستفادة من خيرات الكون المادية وغير المادية، المرئية وغير المرئية. وقيام الإنسان بالبحث العلمي في الطبيعة عمل وجد مع الإنسان منذ أول وجود له في الأرض، وتطور مع التاريخ وتراكُم الخبرات وتناقُلِ المعارف بمختلف الأوعية والقنوات. وبقدر حيازة الإنسان لقوانين الطبيعة في أي تخصص بقدر ما يكتسب القوة المادية والقدرة على حفظ ذاته والسيطرة على الآخرين، والتحكم في المجتمعات كذلك.<br />
ولذلك أدركت الأمم منذ زمن قيمة المعارف والعلوم في حفظ الوجود الإنساني وتحسين معاشه وإكسابه أسباب التفوق والرفاهية.<br />
قواعد موجهة للبحث العلمي في الكونيات:<br />
غير أن الإنسان في تاريخه قد ضل عن حقيقة أساسية وهي أن البحث في الكونيات والطبيعيات لا يقتصر فيه على أغراض مادية محضة وإنما تقترن به مقاصد أخرى على رأسها ما يلي<br />
- أن البحث في الطبيعة فيه أيضا قصد معرفة الله وإدراك عظمته وإجلاله وطاعته بما شرع، فالكون إنما هو آية ودليل على وجود الله وصفاته. ومن هنا جاء التوجيه الرباني للإنسان بالنظر في الكون وآفاقه، وهنا أيضا لزم أن يكون العلم الطبيعي موجها بالوحي ضرورة.<br />
- أن البحث في الكونيات إنما هو بقصد تسخير موارد الكون تسخيرا نافعا عادلا وفق مقتضيات التوجيه الإلهي لإقامة عمران إنساني صالح مصلح.<br />
ويترتب عن هذا قواعد هي ميزان لتقويم صلاح العلوم وفسادها:<br />
الأولى: كل علم كوني خرج به أهلُه من الإيمان بالله تعالى إلى الكفران والجحود كان علما فاسدا مفسدا وجالبا للضرر مهما بدا نفعه؛ لأن الله تعالى خلق الكون ليكون دالا على وجوده تعالى، وكل ما فيه إنما هو آية ودليل يهدي الخلق لمعرفة خالقهم في صفات كماله وجلاله وجماله وتقوية إيمانهم به.<br />
الثانية: كل علم قصر أهله تسخيرَه في ما هو مادي ودنيوي دخله فساد بقدر عدم الاسترشاد بالوحي وبقدر عدم امتداد نفعه إلى الآخرة.<br />
لذلك فمن فقه سنن الحضارات فقه العلوم مبادئ ووظائف، وسائل وغايات، علاقات واحتياجات، استمدادات وامتدادات؛ لأن الحضارات إنما هي علوم، والعلوم لا تنفع النفع التام إلا إذا ظلت موجهة بالوحي، وخادمة لمقاصد خلق الإنسان وتيسير سبل الاستخلاف الحق.<br />
خلق الإنسان مزودا بقابلية للعلم والتعلم واكتساب المعارف: الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمة البيان (الرحمن: 1-4)، ولم يكن لمجتمع حاجة لشيء أقوى من حاجته للعلم والتعلم والتعليم، وإن الحضارات لم تظهر في التاريخ البشري إلا يوم أصبح الإنسان قادرا على اكتساب العلوم والمعارف والاستفادة منها في نفع نفسه وغيره. ولم تتطور إلا بتطور العلوم، ولم تتدهور أيضا إلا بتوقف العلوم. فالحضارة متوقفة على العلم وجودا أو عدما.<br />
غير أن كثيرا من الناس انحرفوا عن فهم العلوم التي تقوم عليها احتياجات الإنسان، والتي تقيم أود العمران. فقصروا ذلك على العلوم الطبيعة والكونية وحدها. متناسين أن هذه العلوم لا تنفع النفع العميم إلا إذا استرشدت بهدايات الوحي الصحيح.<br />
والعلم الذي يبني الحضارة ويقيم العمارة أنواع ثلاثة: علم بالله تعالى، وعلم بالإنسان، وعلم بالأكوان.<br />
العلم بالله تعالى وبدينه الذي أنزل وشرائعه التي شرع:<br />
علمٌ من شأنه أن يعرف الإنسان بالله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، والعلم بالله ليس له من سبيل إلا الوحي الذي هو بمثابة الدليل الذي يزود الإنسان بالمعارف الضرورية عن الله تعالى الخالق الرازق وعن المخلوقات وكيفية التعامل مع كل واحد منهما بما يليق.<br />
علم يورث الخشية من الله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء (فاطر:28) وحسن طاعته واتباع شرعه في عمارة الأرض ومعاملة الخلق بما شرع من مكارم الأخلاق الجالبة لكل النعم والدافعة لكل النقم.<br />
وهنا نقف أمام قواعد كلية ضابطة:<br />
العلم بالله هو ما يورث الخشية، والخشية ما يظهر أثرها في صلاح الإنسان حالا ومقالا، وصلاحه في التفكير والتعبير والتدبير.<br />
والإيمان بالله والعلم به ليس له من قصد إلا إصلاح علاقة الإنسان بربه وطاعته بما شرع، وإصلاح علاقة الإنسان بمخلوقاته الأولى فالأولى, وكل تصور صدر وهو قادح في حقوق الله تعالى وحقوق المخلوقات فيدل على قدح في التصور، لأن التصرفات أثر وانعكاس للتصورات, و لا تكون إلا على وزانها.<br />
ولا قيمة للإيمان الذي لا يتبعه العمل الصالح، ولا عبرة بعمل صالح لا يصدر من الإيمان بالله وشرعه.<br />
والعلم بالإنسان:<br />
علم يشمل العلم بقوانين الفعل الإنساني الفردي والاجتماعي، والعلم بأسباب ودوافع السلوك الإنساني وما يستلزمه من دفع المفاسد وجلب المنافع، وعلما يمتد ليكشف عن خصائص جوانب الإنسان وطبيعته المتفردة ويجلي السنن المتحكمة في حركة المجتمع، وتفاعل مكوناته وقطاعاته، ويبين عن النواميس المتحكمة فيها نشأة ونموا، استمرارا واندثارا ، بقاء وفناء، صلاحا وفسادا، تطورا وتدهورا، قوة وضعفا، خرابا وعمرانا، وبغير هذا العلم لا يصح علم بالإنسان ولا يصلح له عمل. ولا يستقيم تدبير شؤونه ولا إصلاح أحواله كما أن هذا العلم لا يصلح تمام الصلاح ولا ينفع النفع الراشد ما لم يهتد بما ورد في الوحي من حقائق من لدن الله تعالى رب الخلائق ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (الملك: 14) عن الإنسان ومجتمعه وخصائصهما ووظائفهما، وسننهما وعلاقاتهما بغيره من الخلائق.<br />
والعلم بالأكوان:<br />
هو العلم بأسرار الطبيعة وقوانينها؛ إذ بقدر هذا العلم تتيسر للإنسان سبل الاستفادة من خيرات الكون المادية وغير المادية، المرئية وغير المرئية. وقيام الإنسان بالبحث العلمي في الطبيعة عمل وجد مع الإنسان منذ أول وجود له في الأرض، وتطور مع التاريخ وتراكُم الخبرات وتناقُلِ المعارف بمختلف الأوعية والقنوات. وبقدر حيازة الإنسان لقوانين الطبيعة في أي تخصص بقدر ما يكتسب القوة المادية والقدرة على حفظ ذاته والسيطرة على الآخرين، والتحكم في المجتمعات كذلك.<br />
ولذلك أدركت الأمم منذ زمن قيمة المعارف والعلوم في حفظ الوجود الإنساني وتحسين معاشه وإكسابه أسباب التفوق والرفاهية.<br />
قواعد موجهة للبحث العلمي في الكونيات:<br />
غير أن الإنسان في تاريخه قد ضل عن حقيقة أساسية وهي أن البحث في الكونيات والطبيعيات لا يقتصر فيه على أغراض مادية محضة وإنما تقترن به مقاصد أخرى على رأسها ما يلي<br />
- أن البحث في الطبيعة فيه أيضا قصد معرفة الله وإدراك عظمته وإجلاله وطاعته بما شرع، فالكون إنما هو آية ودليل على وجود الله وصفاته. ومن هنا جاء التوجيه الرباني للإنسان بالنظر في الكون وآفاقه، وهنا أيضا لزم أن يكون العلم الطبيعي موجها بالوحي ضرورة.<br />
- أن البحث في الكونيات إنما هو بقصد تسخير موارد الكون تسخيرا نافعا عادلا وفق مقتضيات التوجيه الإلهي لإقامة عمران إنساني صالح مصلح.<br />
ويترتب عن هذا قواعد هي ميزان لتقويم صلاح العلوم وفسادها:<br />
الأولى: كل علم كوني خرج به أهلُه من الإيمان بالله تعالى إلى الكفران والجحود كان علما فاسدا مفسدا وجالبا للضرر مهما بدا نفعه؛ لأن الله تعالى خلق الكون ليكون دالا على وجوده تعالى، وكل ما فيه إنما هو آية ودليل يهدي الخلق لمعرفة خالقهم في صفات كماله وجلاله وجماله وتقوية إيمانهم به.<br />
الثانية: كل علم قصر أهله تسخيرَه في ما هو مادي ودنيوي دخله فساد بقدر عدم الاسترشاد بالوحي وبقدر عدم امتداد نفعه إلى الآخرة.<br />
لذلك فمن فقه سنن الحضارات فقه العلوم مبادئ ووظائف، وسائل وغايات، علاقات واحتياجات، استمدادات وامتدادات؛ لأن الحضارات إنما هي علوم، والعلوم لا تنفع النفع التام إلا إذا ظلت موجهة بالوحي، وخادمة لمقاصد خلق الإنسان وتيسير سبل الاستخلاف الحق.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>الطيب بن المختار الوزاني </strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/01/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85-%d9%88%d8%af%d9%88%d8%b1%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>إثارة الأرض وعمارتها في ضوء المنهج الحضاري الإسلامي</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2016/10/%d8%a5%d8%ab%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%b6-%d9%88%d8%b9%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%ad/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2016/10/%d8%a5%d8%ab%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%b6-%d9%88%d8%b9%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%ad/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 03 Oct 2016 10:44:04 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 464]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[إثارة الأرض]]></category>
		<category><![CDATA[إثارة الأرض وعمارتها]]></category>
		<category><![CDATA[الأرض]]></category>
		<category><![CDATA[الأرض في ضوء المنهج الحضاري الإسلامي]]></category>
		<category><![CDATA[الإنسان – الأشياء- المنهج]]></category>
		<category><![CDATA[الجسد]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة]]></category>
		<category><![CDATA[الروح]]></category>
		<category><![CDATA[العق]]></category>
		<category><![CDATA[القوة علم والعلم قوة]]></category>
		<category><![CDATA[الكون]]></category>
		<category><![CDATA[المنهج الحضاري الإسلامي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15329</guid>
		<description><![CDATA[تقوم الحضارة على ثلاثية متكاملة هي (الإنسان – الأشياء- المنهج)، فـ &#8220;الإنسان بثلاثيته: الجسد، الروح، العقل&#8221; هو ركن العملية الحضارية ومحورها الأول حيث هو مكلف، سخر الله تعالى له الكون، وتحدث في كتابه عن هذا التسخير، ليلفت نظر هذا المكلف إلى الركن الثاني المبثوث في الكون وهو &#8220;الأشياء&#8221; في سماء الله وأرضه ليقوم بإثارة الأرض [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>تقوم الحضارة على ثلاثية متكاملة هي (الإنسان – الأشياء- المنهج)، فـ &#8220;الإنسان بثلاثيته: الجسد، الروح، العقل&#8221; هو ركن العملية الحضارية ومحورها الأول حيث هو مكلف، سخر الله تعالى له الكون، وتحدث في كتابه عن هذا التسخير، ليلفت نظر هذا المكلف إلى الركن الثاني المبثوث في الكون وهو &#8220;الأشياء&#8221; في سماء الله وأرضه ليقوم بإثارة الأرض والنظر في الكون ليحقق العمارة المرجوة، ولا يكون ذلك تاما ولا راشدا إلا بـ &#8220;منهاج صحيح&#8221;.</p>
<p>وإذا كانت مهمة الإنسان في هذه الدنيا تنحصر في عبادة الله وعمارة الكون، فهي مهمة لا تقوم إلا بجناحين: العبادة والعمارة، وعندما يسعي المسلم لتحقيق تلك المهمة لابد أن يدرك أن الله تعالى فصَّل له كيفية التعبد، إذ ليس هذا مجال اجتهاده البشري، وترك له تفصيل كيف يُعمِّر في إطار جملة من القواعد الكلية والمسالك الجملية، منها:</p>
<p>- ضرورة النظر في الكون نظرة عميقة لا ساذجة، وسذاجتها أن تقف عن قول سبحان الله، وعمقها أن يرى الناظر مكنون خيرات الله المسخرة للإنسان في كل شيء من الكون.</p>
<p>- التوسل بإثارة الأرض إلى مكنوناتها: وهي تقليبها لا للزرع فقط وإنما لاستخراج كافة مكنوناتها التي تكتشف يوما بعد يوم.</p>
<p>- تسخير المستخرج من تلك المكنونات في خدمة المهمة (العبادة والعمارة).</p>
<p>- حماية المنجزات الحاصلة بما سبق لخدمة الرسالة، والاستمرار في العبادة، وصولا إلى إقامة حضارة ربانية عالمية.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>وأثاروا الأرض وعمروها:</strong></span></p>
<p>لقد تحدث القرآن عن أمم أقامت حضاراة وعُمِّروا في الأرض طويلا، وكانوا أُولِي قوة وأولي بأس شديد، وقد وصلوا إلى هذه الحالة الحضارية بعملين:</p>
<p>أثاروا الأرض وعمروها، يقول الطبري: &#8220;وَأَثَارُوا الأرْضَ&#8221; واستخرجوا الأرض، وحرثوها وعمروها أكثر مما عمر هؤلاء&#8221;.</p>
<p>ومن هؤلاء قوم سبأ حيث امتلكوا قوة حضارية، عبر عنها الجنود بقولهم نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد يقول ابن عاشور: &#8220;والقوة: حالة بها يقاوم صاحبها ما يوجب انخرامه، فمن ذلك قوة البدن، وقوة الخشب، وتستعار القوة لما به تُدفع العادية وتستقيم الحالة؛ فهي مجموع صفات يكون بها بقاء الشيء على أكمل أحواله كما في قوله : نحن أولوا قوة (النمل: 33)،  فقوة الأمة مجموع ما به تدفع العوادي عن كِيانها وتستبقي صلاح أحوالها من عُدد حربيّة وأموال وأبناء وأزواج&#8230;.</p>
<p>ويعلق على قوله تعالى: أثاروا الأرض بقوله في معنى الإثارة: &#8220;وهي تحريك أجزاء الشيء، فالإثارة: رفع الشيء المستقر وقَلْبُه بعد استقراره&#8230; وأطلقت الإثارة هنا على قلب تراب الأرض بجعل ما كان باطناً ظاهراً وهو الحرث&#8230; ويجوز أن يكون أثاروا هنا تمثيلاً لحال شدة تصرفهم في الأرض وتغلبهم على من سواهم بحال من يثير ساكناً ويهيجه، ومنه أطلقت الثورة على الخروج عن الجماعة. وهذا الاحتمال أنسب للمقصود الذي هو وصف الأمم بالقوة والمقدرة من احتمال أن تكون الإثارة بمعنى حرث الأرض لأنه يدخل في العمارة&#8230; ومعنى عمارة الأرض: جعلها عامرة غير خلاء وذلك بالبناء والغرس والزرع&#8221;.</p>
<p>إن الأمم غير الإسلامية تثير الأرض اليوم وتعمرها، وتتمكن من مفاصل الحياة ومراكز القوى والتأثير فيها في حين تقف أمتنا بعيدا وكأنها في حالة سكر وغياب عقل، حتى غدت تستورد غذاءها ودواءها وسلاحها من عدوها، وهذا لا يليق بأمة نادها ربها بكمَّ هائل من التوجيهات الحضارية والتي أبرزها &#8220;إثارة الأرض وعمارتها&#8221;.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>القوة علم والعلم قوة:</strong></span></p>
<p>قالوا إن العلم قوة والقوة علم، وقد فهم أعداؤنا ذلك وقرروا أن يحجبوا عن المسلمين العلوم والتقنيات والمعارف المؤثرة، ومن يقرأ وثيقة هنري كامبل رئيس وزراء بريطانيا 1907 يجد مخططا ثلاثي الأبعاد أحد أجنحته &#8220;حجب التكنولوجيا عن المسلمين والعرب&#8221;، باحتكار المعرفة وأسرار العلوم والتقنيات وعدم تمكينهم منها، وبالتقصير في تحصيل التكنوجيا والمعلومات فقدت الأمة مفاتيح الإثارة والاستخراج والعمارة، حتى إن بلدا كمصر مثلا بها قريب من ستة ملايين مريض بالسكر، وتستورد دواءه من الدانمارك، وإذا ما قامت بعض الصحف الدانماركية برسوم مسيئة لرسولنا الكريم  قلنا في حالة ثورتنا وغضبنا يجب مقاطعة البضائع الدانماركية، ونسينا أننا مهددون بقطع الدواء عن هذه الملايين المريضة، هذا نموذج فقط يمكن القياس عليه في كل المجالات العسكرية والصحية والغذائية والتكنولوجية في كافة دولنا الإسلامية.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>واجبنا:</strong></span></p>
<p>من الواجب الشرعي والوطني والإنساني توجيه الأبناء توجيها ليسهموا في صناعة التغيير والإصلاح والبناء الحضاري، وهؤلاء طبقتان:</p>
<p>الأولى: طبقة العامة. والثانية: طبقة الخاصة والنخبة.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>أما العامة فيجب أن نوجههم إلى أمرين:</strong></span></p>
<p>- تعبيد سعيهم لله تعالى بحيث تكون نواياهم في ذلك السعي الدنيوي، لله تعالى، ويكون ذلك دافعا ليتقنوا أعمالهم وينضبطوا في أوقاتهم ومواعيدهم، ويبدعوا في وظائفهم وحرفهم وصنائعهم، ويقصدوا نفع الناس بتلك الأعمال، ولا يفصلوا ولو شعوريا بين الشعائر التعبدية والأعمال الدنيوية فالكل في سبيل الله حسب تقرير الإسلام.</p>
<p>- تهيئة أناس من بينهم  ليقوموا بفروض الكفايات، وهي الأعمال والصنائع والعلوم والتخصصات المتنوعة التي تقوم عليها الحياة، والتي يمكن أن تسهم في انعتاقنا من ربقة الاستعباد الغربي في مجالات الحياة الحيوية التي أشرت إليها.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>وأما الخاصة فعليهم واجبان كذلك:</strong></span></p>
<p>- صناعة وعي العامة بتقديم ثقافة إسلامية تستنهض هممهم بعيدا عن تلك المهاترات الحزبية أو الفكرية التي تزيد في ضعف الأمة ويأسها.</p>
<p>- الخروج من دائرة التفكير في مصلحة الذات إلى دوائر أكبر حيث مصلحة الأسرة، والمجتمع والوطن بل والبشرية، وحينئذ يعظم السعي ويتضاعف الجهد في تحقيق فروض الكفايات التي بها قيام الحياة.</p>
<p>إن الحياة الإسلامية لا تقوم بالشعائر وحدها، وإنما امتلاك أسباب الحياة ومفاصلها المؤثرة وقوتها الفاعلة هي الحياة الإسلامية الحقيقية.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. أحمد زايد</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2016/10/%d8%a5%d8%ab%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%b6-%d9%88%d8%b9%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%ad/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>شؤون صغيرة</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2014/10/%d8%b4%d8%a4%d9%88%d9%86-%d8%b5%d8%ba%d9%8a%d8%b1%d8%a9/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2014/10/%d8%b4%d8%a4%d9%88%d9%86-%d8%b5%d8%ba%d9%8a%d8%b1%d8%a9/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 01 Oct 2014 23:01:29 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 426]]></category>
		<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[الاسراف]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة]]></category>
		<category><![CDATA[الماء]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=7575</guid>
		<description><![CDATA[يلتقطها د. حسن الأمراني حد يــثــان: يقول تعالى: وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم. وفي حديث رسول الله ، عن اللذين مر بهما وهما يعذبان في القبر: «وما يعذبان في كبير، بل كبير». ومن هذا المعنى غرف الأدباء والشعراء، فقال شاعر معاصر: شؤون صغيرة تمر بها أنت دون التفات تساوي لدي حياتي جميع حياتي. وكم [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><strong><span style="color: #ff0000;">يلتقطها د. حسن الأمراني</span> </strong></p>
<p>حد يــثــان:</p>
<p>يقول تعالى: وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم. وفي حديث رسول الله ، عن اللذين مر بهما وهما يعذبان في القبر: «وما يعذبان في كبير، بل كبير». ومن هذا المعنى غرف الأدباء والشعراء، فقال شاعر معاصر:</p>
<p>شؤون صغيرة</p>
<p>تمر بها أنت دون التفات</p>
<p>تساوي لدي حياتي</p>
<p>جميع حياتي.</p>
<p>وكم نحن بحاجة إلى إعادة النظر في الأشياء والمواقف، بحيث نضعها موضعها الذي ينبغي أن توضع فيه، فلا نستصغر الكبير ولا نستعظم الحقير. وقد نغفل عن أشياء هي من صميم وجودنا ومن صلب حضارتنا، ثم لا نعود للالتفات إليها إلا إذا نبهنا إليها غيرنا. وليس معنى ذلك أننا لا نعرفها، بل نحن نعرفها ونحفظ نصوصها، وربما استشهدنا بها في بعض المواقف، ولكن لأننا لا نطبقها فكأننا صرنا غرباء عنها وصارت هي غريبة عنا.</p>
<p>إلى عهد قريب حملت إلينا الأنباء أنه في أستراليا ظهر إعلان عام في الساحات مكتوب عليه:</p>
<p>لا تسرف في الماء ولو كنت على نهر جار. التوقيع: محمد رسول الله.</p>
<p>أليس هذا بعض ما يمكن أن نفهمه من قول الله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. وآيات الله كثيرة، منها المسطور، ومنها المنظور. ومن المسطور كتاب الله تعالى وحديث رسول الله . وكم في الحديث النبوي من آيات صار المسلمون يمرون بها وهم عنها غافلون. فها هي دولة غير مسلمة تسترشد بحديث لرسول الله من أجل توعية مواطنيها بأهمية الاقتصاد في الماء والنهي عن الإسراف فيه. فهل وعينا نحن الدرس؟ أم أننا ـــ كما قال الشاعر ــ :</p>
<p>كالعيس في البيداء يقتلها الظما      ***       والماء فوق ظهورها محمول</p>
<p>كم من الأزمات تنفرج، وكم من المشاكل تُحلّ، وكم من المآسي ترفع، لو أنا وعينا حديث رسول الله هذا وعملنا به؟ أليس قيل : إن الحرب القادمة هي حرب مياه لا حرب نفط؟ أوليس الماء سلاحا من الأسلحة التي تستعملها إسرائيل ضد الدول العربية المجاورة لها، فتجعلها تستخذي وتستجدي خانعة ذليلة؟ ولنبق في وطننا.. كم من المشاكل كانت ستحل لو وعى المواطن أهمية عدم الإسراف في الماء؟ كم كنا سنقتصد من الطاقات؟ وهل كان المواطن في البادية وما يسمى العالم القروي سيعاني ما يعاني لو التزمنا بروح الحديث النبوي؟ ولماذا يكون الماء عندنا أغلى من دول لا تملك موارد المياه؟ إن دول الخليج تقول: (لو كلفنا الماء ما يكلفنا النفط لكنا من الفائزين)، ذلك بأن تحلية مياه البحر تكلف أكثر مما يكلف استخراج النفط. ومع ذلك نجد زجاجة الماء المعدني عندنا تكلف ــ على الأقل ـ ضعف ما تكلفه في دول الخليج. هذا ونحن دولة غنية بالعيون والآبار، ولا نحتاج إلى تحلية مياه البحر.</p>
<p>التوجيهات الرسمية التي تدعو إلى الاقتصاد في الماء كثيرة، ومحمودة، ولكن علينا ــ بالإضافة إلى ذلك ــ أن نوقظ في نفوس الناس إحساسا آخر، وهو الشعور الديني، حتى يحس المواطن أنه عندما يقتصد في استعمال الماء يتقرب بذلك إلى الله تعالى. وأن ثواب الآخرة مرتبط بالفعل الإنساني الدنيوي، المقترن بخدمة الناس. فالمرء إذ يقتصد في الماء يكون قد ساعد أخاه المسلم في توفير قطرة ماء قد يتوقف عليه نظام حياته.</p>
<p>وفي ألمانيا وقع حدث مماثل، إذ ظهرت حافلات عليها لافتة تقول: (تبسمك في وجه أخيك صدقة: محمد رسول الله). هكذا..حافلات تطوف في الشوارع وهي تحمل هذا الحديث لمعالجة ظاهرة التجهم التي تسود المجتمع..التجهم الذي يدل على القطيعة، وعلى استغناء كل فرد بهمومه الخاصة، وكأنه يعيش بمفرده وإن كان يعيش مع الناس.. شعور يجسده قول شاعر يتحدث عن مدينة بلا قلب:</p>
<p>هذا الزحام&#8230;لا أحد.</p>
<p>وقديما قال دعبل الخزاعي:</p>
<p>إني لأفتح عيني حين أفتحها     ***       على كثير ولكن لا أرى أحدا</p>
<p>حديث رسول الله حديث ثمين عظيم، لو طبقناه لشاعت المحبة بين الناس، ولو شاعت المحبة لزالت البغضاء ومظاهرها المتعددة من مجتمعنا.. ولكن لأننا ولينا وتولينا، صار المرء إذا تبسم في وجه أخيه ينظر إليه بريبة، وربما سأله: (أتعرفني؟) مستنكرا. كما أنه إذا سلم على من لا يعرف، كما أمر رسول الله ، فكأنه جاء بشيء مستغرب.</p>
<p>التبسم في وجه أخيك دلالة اللين والرحمة، وما يشهده العالم الإسلامي من مظاهر الكراهية، المتمثلة في التصرفات النفسية والجسدية التي يبرأ منها الله ورسوله، هي نتيجة لغياب مظاهراللين والرحمة التي من أجلى صورها التبسم في وجه أخيك.</p>
<p>فهل ننتظر أن يعلمنا البعداء ديننا؟</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2014/10/%d8%b4%d8%a4%d9%88%d9%86-%d8%b5%d8%ba%d9%8a%d8%b1%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>عالمية الحضارة الإسلامية</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2014/07/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%aa%d8%a7%d8%ad%d9%8a%d9%80%d9%80%d8%a9-%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2014/07/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%aa%d8%a7%d8%ad%d9%8a%d9%80%d9%80%d8%a9-%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 03 Jul 2014 10:16:19 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[افتتاحية]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 423-424]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلامية]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة]]></category>
		<category><![CDATA[عالمية]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6426</guid>
		<description><![CDATA[تتفاوت تعريفات الحضارة من شخص إلى شخص ومن أمة إلى أخرى، وإن كانت كل هذه التعريفات أو جلها على الأقل تلتقي أو تكاد في أن الحضارة جُهد بشري يُقدَّم لخدمة بني البشر في كل نواحي الحياة، بما في ذلك الجانب النفسي. وإذا كانت الحضارة الإسلامية تنطلق من الجهد البشري وإنتاجه، فإنها في المقابل لا تنطلق [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>تتفاوت تعريفات الحضارة من شخص إلى شخص ومن أمة إلى أخرى، وإن كانت كل هذه التعريفات أو جلها على الأقل تلتقي أو تكاد في أن الحضارة جُهد بشري يُقدَّم لخدمة بني البشر في كل نواحي الحياة، بما في ذلك الجانب النفسي.</p>
<p>وإذا كانت الحضارة الإسلامية تنطلق من الجهد البشري وإنتاجه، فإنها في المقابل لا تنطلق من التصور البشري للحياة، ولكن من تعاليم الإسلام وتوجيهاته.</p>
<p>ذلك أن الإسلام رسَم معالم هذه الحضارة وأنار سبيلها، وحدد مقوماتها، ورتَّب أولوياتها، من خلال ما نُزِّل من الوحي وما شُرع فيه من شرائع خدمةً للإنسان لأنها جاءت من خالق الإنسان جل وعلا.</p>
<p>وفي الوقت الذي رسم فيه هذه المعالم وحددها ترك للناس مجالات واسعة للاستزادة مما يفيد الإنسان في معاشه ومعاده، عن طريق التنافس في عمارة الأرض التي سخرها الله تعالى مع السماوات لهذا الإنسان. تلك العمارة التي ينبغي أن تتم اعتمادا على توظيف العقل توظيفا سليما من خلال التفكر والتدبر في هذا الكون:﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الارْضِ جَمِيعًا مِنْهُ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 12).</p>
<p>ومعنى هذا أن الإسلام قد حبب للناس  بأن يسلكوا  كل السبل المؤدية إلى أنواع التقدم والازدهار الحضاريين، وأن يجتهدوا في ذلك كل الاجتهاد، ورغَّبهم في ذلك ترغيبا، إلا فيما يتعلق بالأمور التي يعجز فيها عن مباشرتها أو البت فيها، أو مما يمكن أن يجلب المضرة له بصورة فردية أو جماعية بجهله لعواقبها، فإن الله تعالى قد تولاها بنفسه، بتوضيحها وبيان الشرائع فيها، تحقيقًا لحِكمة الابتلاء التي يَكمُن فيها سرُّ خلقِ الله تعالى للإنسان بحكم أنه صاحب عقل وإرادة وقُدرة على التنفيذ، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: 2)، وتمحيصا لعمله في هذه الحياة، ليلقى الجزاء في الأخرى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (النجم: 30). وبذلك تُتَجنب كل أشكال الظلم والعدوان والتكالب على الشهوات واللذات، حتى يكون التقدم الحضاري فضلا ونعمة وليس خسرانا ونقمةً.</p>
<p>والمتتبع لتاريخ الأمم يجد أنه تكاد لا تخلو أمة من وضع بصمات في تاريخ الحضارة الإنسانية، غير أن ما تتمايز به حضارة عن أخرى هو القوة الدافعة لها والأسس التي قامت عليها، ومدى تأثير هذه الأسس في توجيه بوصلة الحضارة، لتكون كلها في صالح الإنسان وخدمته باعتبار أنه مستخلف في هذا الكون. وكلما كانت الحضارة عالمية في رسالتها، إنسانية في نزعتها، خلقية في اتجاهاتها، واقعية في مبادئها، كان ذلك أدعى لأن تكون خالدة في التاريخ وأبقى على الزمن وأجدر بالتكريم، وأقدر على خدمة الإنسان.</p>
<p>والحضارة الإسلامية هي الحضارة الوحيدة  التي تتوفر فيها هذه الشروط العالمية الإنسانية والخلقية الفردية والاجتماعية، والواقعية القابلة للتطبيق، ومن ثم فهي الحضارة المؤهلة لتحقيق هذه الأهداف النبيلة للإنسان، بحكم أن الإنسانية جمعاء ذاقت من فضل عطائها وثمارها، ثم بحكم الأسس المتينة القائمة عليها. وهي أسس يمكن أن نبرز بعضها من خلال ما يلي:</p>
<p>1 – أنها تنطلق من الوحي:</p>
<p>ذلك الوحي الذي يتجلى في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والسيرة العطرة. وبما أن مصدر هذا الوحي إلهي فمن الطبيعي أن يكون كل ما ينطلق منه ويعتمده صالحا للإنسان، كل الإنسان، لأن الله تعالى الذي خلق هذا الإنسان وخلق الكون وكل ما فيه، هو العارف بمصالحه، المدرك لكل ما يحتاجه نفسيا وجسديا، فردا وجماعة.</p>
<p>ذلك الوحي الذي نادى في العالمين منذ بدء نزوله أنه ذِكر للعالمين أجمعين، لمن شاء منهم أن يستقيم على النهج الذي أرسى أسسه هذا الوحي: ﴿ِإنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ (التكوير: 27 – 28)</p>
<p>ذلك الوحي الذي حرر الانسان من التبعية والتقليد الأعمى، ودعاه إلى التفكر والتدبر في ملكوت السموات والأرض، ليستخلص العِبر، ويستنبط الدروس، حتى يكون فعلا خليفة في الأرض، ومؤهلا لحمل الأمانة التي كُلِّف بها: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُومِنُون﴾(يونس : 101).</p>
<p>ذلك الوحي الذي سَوَّى بين الناس عربيهم وأعجميهم، أحمرهم وأسودهم، ودعاهم إلى التعارف والتعاون، وأنكر عليهم الظلم والاضطهاد واستعباد الناس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰوَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾(الحجرات: 13)</p>
<p>ذلك الوحي الذي أمر -قبل كل ما سبق وبعده- بعبادة الله الواحد الأحد، والإخلاص في تلك العبادة، مؤكدا أن الإسلام يعني أن يُسْلم المسلم وجهه لله رب العالمين، وهو يعتقد اعتقادا راسخا أن الله تعالى هو المدبِّر لكل شيء وهو الفاعل لكل شيء، لا شريك له في الملك سبحانه وتعالى، وأنه عز وجل هو المشرِّع وليس غيره، إلى غير ذلك مما يقتضيه الإخلاص في العبادة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة : 5).</p>
<p>2 &#8211; أنها حضارة غير مادية:</p>
<p>أي أن منطلقها ليس ماديا، وليس القصد أنها لا تعنى بالماديات، وذلك انطلاقا من قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ، وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 77)، أي أن المسلم يعيش في هذه الحياة الدنيا طلباً للآخرة، وكل حركة أو سكون فيها يكون وفق أوامر الله تعالى ونواهيه، ومن ثم فإن الهدف من الجانب المادي هو الانتفاع الشرعي وليس الانتفاع المادي، أي أنه وسيلة وليس غاية. ولذلك تحتل المبادئ الخلقية المرتبة الأولى، تشريعا وتطبيقا، في كل نظم الحضارة الإسلامية وفي كل مجالاتها ، بما في ذلك المجال الحربي.</p>
<p>ومن باب عنايتها بالجانب الخلقي أنها لم تراع للجانب العرقي أي وزن على الإطلاق، بل كان المعيارُ دائما هو الجانب الخلقي، كما هو ظاهر في آية الحجرات السابقة الذكر، وكما في خطبة حجة الوداع: «يا أيها الناس! ألا ‏إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا ‏ ‏لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى» (أخرجه الإمام أحمد). ولذلك كان من طابع الحضارة الإسلامية أنها بإمكانها أن تفاخر بالعباقرة الذين أقاموا صرحها من جميع الأمم والشعوب. فأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والبخاري والخليل وسيبويه والكندي والغزالي والفارابي وابن رشد ومحمود قشغري وابن البناء المراكشي والحسن اليوسي والأفغاني والمختار السوسي وأمثالهم كثير ممن سطروا وجه الحضارة الإسلامية المضيء عبر التاريخ، قد اختلفت أصولهم وأعراقهم، وتباينت أوطانهم وبلدانهم، ولكنهم عباقرة كبار، قدَّمت من خلالهم الحضارة الإسلامية إلى الإنسانية أروع نماذج الفكر الإنساني السليم.</p>
<p>3 – أنها حضارة تنطلق من الفطرة :</p>
<p>إنها الفطرة التي تنطلق من فطرة الإسلام سواء في العبادات والمعاملات: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم : 29)إنها الفطرة القائمة على البساطة بعيدا عن كل تعقيد، إذ أن الدين يسر لا عسر، ومن هنا كان اعتناق الإسلام، وما يتلوه من توجه المسلم إلى الخالق في الصلاة أو أثناء الدعاء، يأتي مباشرة دون وساطة أو وكالة، وهذا ما يفسر انتشار الإسلام بشكل طبيعي في أكثر من منطقة في العالم، وإقبال الناس حاليا عليه في ديار الغرب.</p>
<p>4 &#8211; أنها قائمة على العدالة الكاملة :</p>
<p>ذلك أن الإسلام مصدر هذه الحضارة، جاء بالشرائع العادلة التي تكفل لكل فرد ولكل جماعة ولكل قوم حقوقهم، دون ميل مع الهوى أو زيغ عن الحق، ودون تمييز بين قوي وضعيف أو بين حاكم ومحكوم، أو حتى بين مسلم وغير مسلم، مما هو واضح في العديد من الآيات، منها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾(المائدة: 9)، وقوله عز وجل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾(النساء: 134). ومن باب العدل مبدأ كرامة الإنسان التي تبدو أساسا في الحرية: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ (الإسراء: 70). تلك الحرية التي عبر عنها عمر بن الخطاب رضي الله حينما قال: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟»،  ولذلك عاش في ظل الحضارة الإسلامية أقوام عديدون لا يدينون بالإسلام، بل احتلوا فيها مراكز قيادية وفكرية وعلمية، فكان منهم الوزراء والكتاب والشعراء وغيرهم.</p>
<p>وانطلاقا من هذه المبادئ وغيرها تبرز قيمة شعائر الإسلام – ومنها الصوم– مترجمة بحق ذلك البُعد الحضاري العالمي الإنساني للإسلام، بحكم ما تتميز به من يُسر وموافقة للفطرة وإمكانية للتطبيق على الواقع بسهولة مهما اختلفت طبيعة هذا الواقع وتمايزت بيئاته وأشكاله.</p>
<p>فلو نظرنا إلى فريضة الصوم نجد أنه بَعد كونها أمْرا ربانيا، كتبها الله تعالى علينا، كما كُتبت على الذين من قبلنا، نجد أنها فطرة</p>
<p>كونية. ذلك أن العديد من الكائنات تصوم صياما يتفاوت زمنه ووقته حسب نوعية هذه الكائنات، إذ أن هناك أنواعا من العناكب والحشرات والطيور والضفادع والأسماك والحلزون وغير ذالك مما لا يعلمه إلا الله تصوم أوقاتا مختلفة؛ منها ما يكون في الصيف ومنها ما يكون في الشتاء. وحتى إن كان صوم هذه الكائنات أمرا غريزيا فإنه مع ذلك لا يخرج على الفطرة العامة الموجودة في الخليقة، أي أن الصوم باعتباره إمساكا ليس غريبا عن مخلوقات الله في هذا الكون الكبير، ومن ثَم فإن صيام ابن آدم استجابة للأمر الرباني هو توافق مع هذه الفطرة، كما أن صوْمَه حِمْيةً استجابة لتوجيه طبي، هو تربية طبية لجسم الإنسان على هذه الفطرة&#8230; مما يعني أن كل ما يرتبط بالإسلام من عبادات ومعاملات وتشريعات هي أسس نظرية فطرية إنسانية للحضارة الإسلامية، الأمر الذي يجعل هذه الحضارة فعلا حضارة إنسانية عالمية بامتياز.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2014/07/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%aa%d8%a7%d8%ad%d9%8a%d9%80%d9%80%d8%a9-%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>من حضارة الأدب إلى أدب الحضارة</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2012/04/%d9%85%d9%86-%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%af%d8%a8-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a3%d8%af%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2012/04/%d9%85%d9%86-%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%af%d8%a8-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a3%d8%af%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 02 Apr 2012 13:28:45 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 377]]></category>
		<category><![CDATA[لغة و آداب]]></category>
		<category><![CDATA[أدب الحضارة]]></category>
		<category><![CDATA[الأدب]]></category>
		<category><![CDATA[البيان]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة]]></category>
		<category><![CDATA[حضارة الأدب]]></category>
		<category><![CDATA[د. حسن الأمراني]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=13348</guid>
		<description><![CDATA[هل أدركت الحيرة الأدب حقا في عصر العلم، كما يرى عثمان نُوَيه، وهل فقد الأدب رسالته أمام هذه الثورات العلمية الهائلة التي تكاد تذهل الإنسان عن نفسه؟ أم أن الإنسان اليوم صار بحاجة أكثر إلى ظل يأوي إليه من لأواء المدينة وهاجرتها؟ وهل توقف الأدب عن رسالته في الحضارات السابقة، وهي حضارات بلغت ما بلغت [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>هل أدركت الحيرة الأدب حقا في عصر العلم، كما يرى عثمان نُوَيه، وهل فقد الأدب رسالته أمام هذه الثورات العلمية الهائلة التي تكاد تذهل الإنسان عن نفسه؟ أم أن الإنسان اليوم صار بحاجة أكثر إلى ظل يأوي إليه من لأواء المدينة وهاجرتها؟ وهل توقف الأدب عن رسالته في الحضارات السابقة، وهي حضارات بلغت ما بلغت من الرُّقي الذي يكاد يقف الإنسان اليوم في نهاية القرن العشرين من منجزاته مذهولا، حتى يتوقف عن رسالته اليوم؟ ويحدثنا القرآن الكريم عن حضارات سالفة بلغت من الآثار والقوة والرسوخ ما لم نبلغه، فقال تعالى : {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(غافر: 82). لقد أوتي داود، وذريته من بعده، ملكا عظيما وألان الله له الحديد، وصنع حضارة مادية خارقة، وكذلك حال ولده سليمان عليهما السلام، بل لقد أوتي سليمان ما لم يؤت أحد من العالمين، لقد آتاه الله تعالى ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وبلغت حضارته ما لا يمكن تصوره اليوم على الحقيقة، لا في سرعة الاتصال المسموع والمرئي فحسب، بل العيني أيضا، وتشهد على ذلك، إن كان الأمر بحاجة إلى شهادة، قصته مع بلقيس ملكة سبأ، صاحبة العرش العظيم، بالوصف القرآني.<br />
ومع ذلك كانت مزامير داود، رمز الروح والأدب والفن، وكان إعجازها الباهر، فقال تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ}(الأنبياء: 79)، {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ}(سبأ: 10). وبقي على الدهر من عهد سليمان نشيد الإنشاد، أو بقي ذكره على الأقل، إذا كانت صورته المتداولة اليوم لا يجوز أن تنسب إلى نبي من أنبياء الله تعالى. وكل ذلك دليل على ضرورة تضافر أشواق الروح وصرامة المادة من أجل بناء حضارة إنسانية متزنة ومتوازنة.<br />
هذا، ويصف كولن ولسن الواقع الحضاري المعاصر فيقول: +لقد بلغ الإنسان مركزه الحالي الرفيع في هذا العالم بفضل كونه أكثر المخلوقات عدوانية وعشقا للمغامرة في الأرض. وها هو الآن بعد أن خلق لنفسه حضارة يسرت له الرفاهية، يواجه مشكلة لم يكن يتوقعها. فالحياة المريحة تنقص من قدرته على المقاومة والصمود، وبالتالي يجد نفسه مترديا في حمأة تنعدم فيها البطولة. (الشعر والصوفية، ص: 8) ويتحدث عن الشعر الذي يمكن أن يكون حلا لهذا الواقع المتردي فيقول: ((والشعر يجلب راحة عاطفية في طريق التخييل، وهو يعلم الإنسان الثناء، لا عن طريق الإشارة إلى عجائب الكون، كما يفعل العلم، بل بفضل خلق خيالات تحقق رغباته))(م.س، ص: 28). هذه الرسالة التعليمية هي التي أكدها تراثنا العربي، وقد قال أبو تمام:<br />
ولولا خلال سنها الشعر ما درى      بُناةُ العلا من أين تُؤتى المكارم<br />
كانت الحضارة العربية قبل الإسلام حضارة أدب، يحتفل العربي بالبيان ويحتفي به احتفاء عظيما، ويحدثنا ابن رشيق القيرواني عن منزلة الشعر خاصة، والبيان بعامة، عند العرب فيقول: ((العرب أفضل الأمم، وحكمتها أشرف الحكم، لفضل اللسان على اليد..)) (العمدة، 1/72) وقال مبينا مكانة الشاعر العربي في قومه: ((كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها بذلك&#8230;))(العمدة، 1/153) إلى آخر ما ذكر من مظاهر الاحتفاء. وما ذلك إلا لما كان يقوم به الشاعر من دفاع عن قبيلته ونشر لمحامدها وتخليد لذكراها في الصالحين.<br />
ولكن الشاعر الذي كان يجد من قبيلته حل مظاهر الاحتفاء قد يتحول فيصبح وبالا عليها ولعنة، ويجر عليها من المخازي شيئا كثيرا. كما أن قصيدة من شعره قد تشعل حربا ضروسا تأتي على الأخضر واليابس، وقد يكون الشعر وبالا على صاحبه، وقد ذكر ابن رشيق، أيضا عددا من الشعراء الذين كان شعرهم سببا في مصرعهم.<br />
ولكون حضارة العرب في الجاهلية حضارة أدب، لم يكن يعنيها الحق بقدر ما كان يعنيها الدهشة وما يحمله الأدب في نفسه من صفات تدعو إلى الإعجاب، فكان بعض ذلك الأدب حاملا لقيم الباطل والانحراف والشر. وارتبط كثير من البيان بالكهانة والسحر، وكانت زمزمة الكاهن وجها من أوجه ذلك&#8230; إلخ.<br />
ولما جاء الإسلام صحح هذه العلاقة، علاقة الأدب بالحضارة، فاستنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم سجع الكهان، لما يحمله من قيم الباطل وما يسقطه من الحق، ونعى القرآن الكريم على فئة من أهل البيان زُخرف القول، وجعله مرتبطا بالشياطين، فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ. وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ}(الأنعام: 112- 113).<br />
وقد أسس الإسلام، قولا وفعلا، أدب الحضارة، فجعل الأدب رساليا، ونزهه عن العبث، وتلك خصيصة من خصائص الإسلام التي تشمل الوجود كله، فكيف إذا تعلق الأمر بالكلمة التي جعلها الإسلام مدار الحياة في الدنيا، وبها تتأكد المنزلة في الأخرى، إذ لا مجال للفوز والنجاة إلا بتكريم الكلمة التي أعلاها كلمة التوحيد.<br />
ولم تكن توجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم للشعراء غير تأكيد لهذا التوجه الرسالي للكلمة الجامعة بين الحق والجمال، فلم يعد الجمال نقيضا للحق، بل مؤازرا له ومتمما، ولا جمال أصلا إلا مع الحق. وكذلك انتهت تلك الثنائية المجحفة النكدة التي تتساءل: أيهما أولى، المتعة أم الفائدة، الحق أم الجمال؟.<br />
ولكن الأدب العربي، أصابته بعد ذلك- في مراحل معينة من تاريخه- مظاهر من الانحراف، إما بفعل التآكل الداخلي، وإما بفعل العوامل الخارجية نتيجة الاستضعاف الحضاري. واليوم وفي هذه المرحلة من تاريخنا المعاصر، وفي ظل العولمة وآثارها، والتجاذب بين الحوار الحضاري وصراع الحضارات وما ينتج عن ذلك كله من آثار تنعكس سلبا وإيجابا على كياننا الحضاري نحن مدعوون إلى تصحيح مسيرة الأدب، والانتقال من حضارة الأدب إلى أدب الحضارة، من أجل أن نجعل الأدب مساهما حقيقيا في البناء الحضاري الذي لا يستكمل شروطه الإنسانية إلا بالعناية بالروح، ومن أعظم تجليات تلك العناية الروحية العناية بالأدب والفن.<br />
ولا بأس من الاستعانة مرة أخرى بكلام لكولن ولسن، وهو يتحدث من داخل المدنية الغربية ويرى آثارها المدمرة، ويبحث عن ملاذ في الشعر الذي هو قرين التصوف: ((إن الرؤيا الصوفية تتم حين يزاول الإنسان نظرة عصفورية على الحياة. أي حين ينسحب منها، ولو للحظة واحدة، فيرى منها قدرا أكبر، بدلا من بقائه محصورا ضمن البؤرة الضيقة، بؤرة نظرته الدودية المعتادة)). (الشعر والصوفية، ص: 42).<br />
إن التوازن في كل شيء شرط حضاري، فالحياة التي أرادها الله تعالى حياة قويمة تحقق الاستخلاف الإنساني في صورته المثلى، إنما تقوم على الزوجية، لا على الثنائية التي تفرض الانتصار لعنصر من العنصرين، الثنائية تضاد، والزوجية تكامل، وقد قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}(الذاريات: 49- 50). وهذا الإطلاق (ومن كل شيء) خليق بأن يبصرنا بحقائق الأمور المادية والمعنوية على السواء، كما أن من مظاهر ذلك الفرارَ إلى إقامة سننه. ونحن إنما وقعت نكستنا الأدبية يوم غفلنا عن هذه الحقيقة، وعطلنا سنن الخالق في الخلق، فجنح بعضُنا إلى الثنائية المانوية بدلا من الاستعانة بقانون الزوجية. ورحم الله أبا الطيب القائل:<br />
وكم لظلام الليل عندك من يد    تخبر أن المانوية تكــذب<br />
وعلى أساس تلك المانوية المختفية ظهرت المفاضلة بين المنظوم المنثور، والمعني والمبني، والشكل والمضمون، والوضوح والغموض، والمتعة والفائدة، والحق والجمال، والذاتية والموضوعية، والفردية والجماعية، والحرية والالتزام، وما إلى ذلك من الثنائيات التي انعكست على الأدب ومجالاته. وهكذا، بدلا من البحث عن خصائص كل عنصر ووظيفته وضرورته وعلاقته بطبيعة القول الأدبي، جنح الجانحون إلى إثارة المعارك الوهمية التي ألهتهم عن تحديد عناصر المعركة الحقيقية المتمثلة في طبيعة الأدب ورسالته، ودوره في البناء الحضاري.<br />
<span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. حسن الأمراني</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2012/04/%d9%85%d9%86-%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%af%d8%a8-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a3%d8%af%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مفهوم الحضارة والتحضر في ميزان القرآن</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2011/07/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%b6%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2011/07/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%b6%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 19 Jul 2011 12:48:04 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 363]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[التحضر]]></category>
		<category><![CDATA[التحضر في ميزان الإيمان والتقوى]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة والتحضر في ميزان القرآن]]></category>
		<category><![CDATA[تعريف الحضارة]]></category>
		<category><![CDATA[حقيقة التحضر ومعاييره]]></category>
		<category><![CDATA[د محمد البوزي]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم الحضارة والتحضر]]></category>
		<category><![CDATA[ميزان القرآن]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=14223</guid>
		<description><![CDATA[أ-  تعريف الحضارة : لفظ  (الحضارة) لم يرد في القرآن الكريم، وإنما وردت مشتقات (حضر) في عدة مواضع منه، بمعنى الحضور والشهود أي : ضد الغياب، ولم يرد بالمعنى الاصطلاحي للحضارة.. وعليه فلا نجد في القرآن مصطلحا يدل على مفهوم محدد للحضارة بصورة ما، لكن  مؤشرات المفهوم وعناصره تستفاد من مفاهيم أخرى تشترك معه  في [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>أ-  تعريف الحضارة :</strong></span></p>
<p>لفظ  (الحضارة) لم يرد في القرآن الكريم، وإنما وردت مشتقات (حضر) في عدة مواضع منه، بمعنى الحضور والشهود أي : ضد الغياب، ولم يرد بالمعنى الاصطلاحي للحضارة.. وعليه فلا نجد في القرآن مصطلحا يدل على مفهوم محدد للحضارة بصورة ما، لكن  مؤشرات المفهوم وعناصره تستفاد من مفاهيم أخرى تشترك معه  في الدلالة، كالأمة، والعمران، والاستخلاف، والشهود، وغيرها من المفاهيم التي تتأسس عليها رسالة الإسلام للبشرية منذ آدم إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، هذا فضلا عن ما ورد  في القرآن  من المبادئ والقيم والتشريعات كلها تشكل أسسا ومرتكزات  لبناء حضارة إنسانية وإيمانية متميزة، كما سيأتي بيانه لاحقا.</p>
<p>أما(الحضارة) بمعناها الاصطلاحي عند المختصين فلها تعار يف عدة، تختلف باختلاف مذاهب الباحثين واتجاهاتهم، وتتعدد بتعدد الجوانب الحضارية التي يركز عليها كل باحث، غير أن المهتمين بالموضوع -مسلمين وغير مسلمين- يكادون يتفقون على أن الحضارة لاتقوم إلا على فكرة فلسفية أوعقيدة دينية، تنبثق عنها مبادئ وقيم وآداب تتجلى في أفكار الناس وفي سلوكهم وإنتاجا تهم العلمية والأدبية والفنية وغيرها،</p>
<p>يقول المفكر والداعية المسلم مالك بن نبي رحمه الله  :&#8221;ومن المعلوم أنه حينما يبتدئ السير إلى الحضارة لا يكون الزاد بطبيعة الحال من العلماء والعلوم، ولا من الإنتاج الصناعي، تلك الأمارات التي تشير إلى درجة ما  من الرقي، بل إن الزاد هوالمبدأ الذي يكون أساسا لهذه المنتجات جميعا(1).</p>
<p>وهوما يؤكده  المفكر الألماني مؤرخ الحضارات (ألبرت أشفيتسر) الذي يعرف الحضارة تعريفا موجزا بقوله :&#8221; الحضارة هي التقدم الروحي والمادي للأفراد والجماهير على حد سواء..&#8221;(2)  ويضيف قائلا في مكان آخر :</p>
<p>&#8220;ولما بحثت في ماهية الحضارة وطبيعتها تبين لي في ختام المطاف أن الحضارة في جوهرها أخلاقية&#8221;(3).</p>
<p>وعلى منواله درج باحثون ومفكرون مسلمون، كالمفكر التربوي د. مقداد يا لجن الذي يرى أن أهم مايميز الحضارة في نظر الإسلام هي : &#8220;تقدم المجتمع وتفوقه من الناحية المادية والمعنوية في جميع مناحي الحياة الإنسانية، بروح خيرة، ونحوغاية خيرة في ضوء القيم الإسلامية&#8221;(4)، وكذا د. هاشم بن علي بن أحمد الأهدل في قوله: &#8220;الحضارة تتمثل في تقدم المجتمع وتفوقه من الناحية المادية والمعنوية والتنظيمية في جميع مناحي الحياة الإنسانية لإعمار الأرض وفق حاجات الأمة في ضوء المنهج الإلهي&#8221;(5).</p>
<p>وإذا كانت الحضارة أنماطا ومستويات ولها تعاريف عدة، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: ما حقيقة التحضر في السلوك الإنساني ؟ وهل للتحضر معيار محدد؟</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>ب -  حقيقة التحضر ومعاييره :</strong></span></p>
<p>إذا كان لفظ التحضرفي جانب السلوك الإنساني يعني التلبس بنمط حضاري معين بامتصاص قيمه الحضارية والتفاعل معها وإظهارها في السلوك والمعاملات، وإذا كانت الحضارة أنماطا ومستويات حضارية متنوعة، فالسؤال الوارد هو: ما نوع الحضارة التي ننسب إليها السلوك المتحضر؟ وما مقياس التحضر المطلوب؟؛ في أي منحى وفي أي اتجاه يكون؟ أهوفي تغيير السلوك والعادات والتقاليد مسايرة لنمط المجتمعات المتقدمة ثقافيا وصناعيا؟ وهوما يسمى بالتطور والتمدن العصري؟ أم هوالتحضر في الفكر والسلوك المنضبط بالأخلاق والقيم المثالية والدينية معا؟ أم هوالتحضر العلمي والثقافي في مختلف جوانب الحياة مجردا عن القيم..إلى غير ذلك من التساؤلات؟</p>
<p>ولعلنا بالرجوع إلى المستويات الأولى للحضارة وقارنا حياة الحضريين وسلوكهم بحياة البدويين وسلوكهم، يتضح لنا الفرق بين السلوك المتحضر والسلوك غير المتحضر، إذ بضدها تتميز الأشياء، كما يقال، وهوما ذهب إليه  ابن خلدون لما عقد فصلا للمقارنة بين حياة البدويين، وحياة الحضريين، ويرى أن البداوة أصل الحضارة في قوله  : (فصل في أن البدوأقدم من الحضر وسابق عليه وأن البادية أصل العمران والأمصار مدد لها)، ومما جاء تحت هذا العنوان في مقدمته قوله : ((قد ذكرنا أن البدوهم المقتصرون على الضروري في أحوالهم العاجزون عما فوقه، وأن الحضر المعتنون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم، ولاشك أن الضروري أقدم من الحاجي والكمالي، وسابق عليه، لأن الضروري أصل والكمالي فرع ناشئ عنه، فالبدوأصل للمدن والحضر، وسابق عليهما لأن أول مطالب الإنسان الضروري، ولاينتهي إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلا، فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة، ولهذا نجد التمدن غاية للبدوي يجري إليها وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها، ومتى حصل على الرياش الذي يحصل له به أحوال الترف وعوائده، عاج إلى الدعة وأمكن نفسه إلى قياد المدينة وهكذا..))(6).</p>
<p>وإن كان هذا النص لا يشمل كل مميزات أخلاق الحضريين عن أخلاق البدويين، فقد ورد فيه ما يمثل الأهم والأصل لغيره، وهومقارنة حياة التقشف -عند البدويين- والاقتصار على ضروريات العيش وما يرتبط بذلك من مظاهر الخشونة، بحياة التنعم والترف -عند الحضريين- التي تهتم بالحاجيات والكماليات وما ينتج عن ذلك من عوائد الترف والتنعم والميل إلى الدعة والمسالمة، علما أن ابن خلدون ذكر بالتفصيل ـ في الفصول الأخرى من المقدمة ـ ما يميز أخلاق البدومن الكرم والشجاعة على أخلاق الحضر المتواكلين على حماية الولاة..الخ</p>
<p>ومعلوم أن أهم ما يميز الحياة البدوية هي؛ ظروف العيش في بيئة قاسية غالبا، وفي وسط يتسم بالعزلة وقلة الاختلاط، وانتشار الأمية وقلة العلم، وسياد ة ثقافة سطحية، والشعور بالحرية أوالتحرر من القيود والأنظمة الاجتماعية، إلا ما تفرضه الأعراف القبلية أوالمحلية، هذه الظروف لاشكأنها تفرز أنماطا من السلوك والقيم منها ما هوإيجابي كالصدق والشجاعة والوضوح والعفوية، والكرم، وما أشبه، ومنها ما هوسلبي مثل: التحفظ مما هوطارئ وأجنبي، وحب الانفراد والتفرد بالملكية أو بالكلام والزعامة، والتعصب وعدم التسامح مع الغير، وقلة التعارف والتعاون، وضعف الانسجام والتكيف مع الوسط الجديد أو مع الفكر الآخر&#8230;الخ</p>
<p>وبذلك يكون التحضر في مستواه الأدنى هو: العيش مع الجماعة في وسط حضري مستقر يحكمه نظام اجتماعي أو أنظمة معينة -قد تكون قسرية- وينتشر فيه العلم وتبادل الخبرات فتتسع دائرته الثقافية إلى حد ما. والعيش في هذا الوسط له انعكاس على سلوك الناس وأخلاقهم حيث تشيع فيه قيم واتجاهات وعادات متطورة أومحدثة، وأهم ما يميزسلوك الناس في مثل هذا الوسط المتحضر، قيم : الانضباط مع النظام والجماعة، ومراعاة الذوق العام ، الانفتاح والتسامح مع ثقافة الآخرين وعدم التعصب للرأي الخاص، ثم الاستعداد للتعاون والشعور بالمسؤولية العامة وهكذا.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong> ج -  التحضر في ميزان الإيمان والتقوى :</strong></span></p>
<p>وحيث إن المقام يحرز -كما يقال- فلا يهمنا التحضر بمعناه العصري الذي يفيد مواكبة التمدن الصناعي الغربي وما يرتبط به من القيم الاستهلاكية والمظاهر المادية، وعليه، فالمقياس الذي  نحدد به التحضر هنا هومقياس إسلامي شامل لما هو (فكري، أخلاقي، اجتماعي)، ونقول : إن التحضر في ميزان الإيمان والتقوى هو:  بلوغ أقصى درجة من السموالروحي والرقي الأخلاقي،  وبعبارة وجيزة هوبلوغ درجة الإحسان في كل شيء؛ في العبادة وفي العمل الصالح والخلق الحسن، فالمحسنون هم الذين يجسدون قيم التقوى في أداء الحقوق والواجبات وفي كل العلاقات الاجتماعية، وبذلك فهم يمثلون أرقي صفات النوع البشري، وكما لا يخفى فإن السمو الأخلاقي أوالفعالية السلوكية، هي غاية ومصب الفعاليات الأخرى كلها؛ الفكرية والروحيةوالإنجازية، كما يستفاد من قول الرسول  صلى الله عليه وسلم : ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))(7) وكذا من قوله تعالى : {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}(الملك :2).</p>
<p>فالأحسن عملا هم الأقدر على المنافسة على مراتب الإحسان التي يبلغ فيها الإنسان أرقى وأكمل مستويات تكامله النفسي، وانسجامه الاجتماعي وعطائه الحضاري، الذي تفيض خيريته على البشرية بل وعلى كل المخلوقات.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. محمد البوزي</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8211;</p>
<p>1- شروط النهضة ص 55 عن د هاشم بن علي بن أحمد  الأهدل في كتابه (أصول التربية الحضارية في الإسلام)  طبعة  جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية   ضمن (سلسلة الرسائل الجامعية) المملكة العربية السعودية  1428 هـ / 2007 م  ص : 224.</p>
<p>2- فلسفة الحضارة  ترجمة د زكي نجيب محمود  ص 34 عن  دمقداد يا لجن في كتيب( دور التربية الأخلاقية الإسلامية في بناء الفرد والمجتمع والحضارة الإنسانية( ط، دار الشروق أولى 1983 ص :  83.</p>
<p>3- نفس المرجع والصفحة.</p>
<p>4- ي نفسه.</p>
<p>5- في بحثه القيم: (أصول التربية الحضارية) سبق ذكره.</p>
<p>6- المقدمة ص 97.</p>
<p>7- مسند أحمد المستدرك والأدب المفرد للبخاري،  صححه الألباتي في السلسلة الصحيحة 45.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2011/07/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%b6%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>حول نهاية التاريخ</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/03/%d8%ad%d9%88%d9%84-%d9%86%d9%87%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/03/%d8%ad%d9%88%d9%84-%d9%86%d9%87%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 15 Mar 2010 23:16:42 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. عماد الدين خليل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 336]]></category>
		<category><![CDATA[تـاريـخ و سير]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة]]></category>
		<category><![CDATA[نهاية التاريخ]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6763</guid>
		<description><![CDATA[يتساءل المثقف المعاصر وهو يجد نفسه قبالة معطيات جديدة في فلسفة التاريخ وتفسيره وبخاصة نظرية &#8221; نهاية التاريخ &#8220;.. هل أن التاريخ -فعلاً- إلى انتهاء ؟ للإجابة على السؤال نجد أنفسنا قبالة المدلول اللغوي والاصطلاحي للعبارة إياها.. فعلى المستوى الأوّل تعني في المنظور الديني عموماً نهاية الحياة الدنيا والتهيؤ ليوم الحساب، وهذا من الغيب الذي [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>يتساءل المثقف المعاصر وهو يجد نفسه قبالة معطيات جديدة في فلسفة التاريخ وتفسيره وبخاصة نظرية &#8221; نهاية التاريخ &#8220;.. هل أن التاريخ -فعلاً- إلى انتهاء ؟</p>
<p>للإجابة على السؤال نجد أنفسنا قبالة المدلول اللغوي والاصطلاحي للعبارة إياها..</p>
<p>فعلى المستوى الأوّل تعني في المنظور الديني عموماً نهاية الحياة الدنيا والتهيؤ ليوم الحساب، وهذا من الغيب الذي لا يعلمه إلاّ الله سبحانه.. فالساعة التي هي نهاية التاريخ بهذا المفهوم {لا يجلّيها لوقتها إلاّ هو} سبحانه كما يشير القرآن الكريم في أكثر من مكان. وكل محاولة للتكهن بالوقائع المستقبلية لا تعدو أن تكون ضرباً من الظن الذي لا يغني عن الحق شيئاً. وإن كان التغيّر التاريخي والتبّدل الاجتماعي مبنيين على معطيات محدّدة ترتبط بالفرد والجماعة وتسمح بقدر من التعليل العلمي للحركة التاريخية ومصائرها. هذا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قدّم في أحاديثه الشريفة شبكة من العلامات التي ترتبط زمنياً بنهاية التاريخ فيما يعرف بأشراط الساعة الصغرى والكبرى، والملاحم والفتن، والتي تعين الإنسان في مرحلة تاريخية قادمة على ترتيب توقعّاته بخصوص هذه النهاية.</p>
<p>أما على المستوى الاصطلاحي فإن الجواب يقودنا إلى نظرية فرنسيس فوكوياما حول (نهاية التاريخ) التي تتزامن لسبب أو آخر مع المتغيّرات السياسية والإيديولوجية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفرّد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم وفق مبدأ القطبية الواحدة، فيما يعرف بالنظام العالمي الموحّد أو الجديد. ولعّلها تتزامن كذلك مع سياسات (التطبيع) التي يراد منها تدمير الحاجز النفسي والثقافي والعقدي بيننا وبين إسرائيل تحت مظلة عالم موحّد تنسلخ فيه كل أمة عن تاريخها وتنتمي لمقولات التنمية الاقتصادية، والرفاهية المادية، ومنطق التكاثر بالأشياء وارتفاع معدّلات النموّ.. وهي حالة، أو معادلة، مكتوب علينا فيها نحن العرب والمسلمين أن نخرج منهزمين وأن نسلّم مصائرنا لأمريكا والصهيونية تصوغانها كما تشاءان.</p>
<p>إن انسلاخنا عن تاريخنا بحجّة &#8220;نهاية التاريخ&#8221; سينطوي بالضرورة على تخلّينا عن مقوّماتنا، بما فيها خصائصنا العقدية، والانخراط في نظام استلابي يأخذ بأعنّته ويحصد زرعه وضرعه الأمريكان واليهود.</p>
<p>وعلى ذلك يصعب التسليم بمقولات فوكو ياما حول نهاية التاريخ، لأنها تنطوي على الكثير من الخطأ على المستويين الذاتي والموضوعي.. والخطأ ـ كما يقول السياسي الفرنسي تاليران : أكبر من الجريمة، وسنكون مجرمين بحق أنفسنا إن سلّمنا بمعطيات كهذه.</p>
<p>من جهة أخرى، فإن مما هو معروف لدى دارسي التاريخ والحضارات، استحالة خضوع التاريخ لنمطية واحدة.. فليس ثمة ثبات أو سكون تاريخي على الإطلاق، وقد ثبت بطلانه يوم حاولت النبوءات الماركسية أن تقود التاريخ إلى نهايته تحت مظلة حكم (البروليتاريا).. والقرآن الكريم بواقعيته المعجزة يرفض هذا &#8220;التأحيد&#8221; ويقول : {ولا يزالون مختلفين -إلاّ من رحم ربك- ولذلك خلقهم} {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض..}. فالاختلاف والتغاير سنة من سنن الله في التاريخ، وهو في الوقت نفسه ضرورة من ضرورات تحريك الحياة.</p>
<p>فنهاية التاريخ بهذه الصورة النمطية السكونية، ووضع البشرية كلّها في خانة واحدة، أمر لا ينسجم مع مطالب العلم ولا مقاصد الدين.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/03/%d8%ad%d9%88%d9%84-%d9%86%d9%87%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
