<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; التفقه في الدين</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%82%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>فضل العلم والتعلم وأثرهما التربوي</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2018/11/%d9%81%d8%b6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%85-%d9%88%d8%a3%d8%ab%d8%b1%d9%87%d9%85%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%88%d9%8a/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2018/11/%d9%81%d8%b6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%85-%d9%88%d8%a3%d8%ab%d8%b1%d9%87%d9%85%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%88%d9%8a/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 02 Nov 2018 13:12:43 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[الحديث الشريف و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 493]]></category>
		<category><![CDATA[التعلم]]></category>
		<category><![CDATA[التفقه في الدين]]></category>
		<category><![CDATA[العلم]]></category>
		<category><![CDATA[العلم والتعلم]]></category>
		<category><![CDATA[ذ. علي السباع]]></category>
		<category><![CDATA[رسول الله]]></category>
		<category><![CDATA[فضل العلم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=25172</guid>
		<description><![CDATA[ عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (1). يستفاد من الحديث النبوي الشريف أن من أراد الله به خيرا فقهه في الدين، ثم إن الفقه في الدين هو العلم الذي يورث الخشية في القلب ويظهر أثره على الجوارح، ويترتب عليه إنذار الغير، وهو ما يشير إليه قوله [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<h3><span style="color: #008000;"><strong> عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (1).</strong></span></h3>
<p>يستفاد من الحديث النبوي الشريف أن من أراد الله به خيرا فقهه في الدين، ثم إن الفقه في الدين هو العلم الذي يورث الخشية في القلب ويظهر أثره على الجوارح، ويترتب عليه إنذار الغير، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون(2) ومن الأحكام التي يشتمل عليها الحديث: فضل التفقه في الدين.</p>
<p>وعليه، فإن التفقه في الدين خير ما يتنافس فيه المتنافسون، فالفقه في الدين يجعل المؤمن يفرق بين الحلال والحرام ويَطَّلِعُ على شرائع الأحكام، والفقه في اللغة: هو الفهم الدقيق، والفقه في تعريفه العام: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية،  يقال: فقُه بالضم إذا صار الفقه له سجية، وفقَه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقِه بالكسر إذا فهم، ونكر &#8220;خيرا&#8221; ليشمل القليل والكثير، والتنكير للتعظيم، لأن المقام يقتضيه، فمنطوق الحديث أن من لم يتفقه في الدين فقد حرم الخير الكثير، عن ابن عباس  قال: قال رسول الله  «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد»(3).</p>
<p>من هنا نقول: إن الشرع الحنيف حث على طلب العلم ورتب الجزاء الأوفى لمن تعلم وعلَّم، عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة»(4) إذن فطلب العلم سبيل إلى الجنة، كما أن بقدر الإحاطة بالعلوم يظهر رونق العلم ويعرف، ويسمو قدر العالم ويشرف وما ذلك إلا لأن العلماء ورثة الأنبياء، زينهم الله بالحلم، ورفعهم بالعلم، قال تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات(5) قال الحافظ بن حجر في فتح الباري: قيل في تفسيرها: &#8220;يرفع الله المؤمن العالِم على المؤمن غير العالم، ورفعة الدرجات تدل على الفضل، إذ المراد به كثرة الثواب، وبه ترتفع الدرجات، ورفعتها تشمل المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصيت، والحسية في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة&#8230;، و يروى عن زيد بن أسلم أنه فسر قوله تعالى: نرفع درجات من نشاء(6) قال: بالعلم(7)، حيث يرفع الله العالم في الدنيا بعلو المنزلة، وفي الآخرة بعلو المكانة في الجنة. لذلك فإنه لا خلاف بين ذوي العقول السليمة، أن الاعتناء بالعلوم الشرعية والعلوم النافعة، والتأمل فيها من أنفس ما تصرف فيه الأوقات الثمينة والأعمار النفيسة، لأن العلم نور والجهل عار، وهذا شعار منذ زمان نجده على جدران المدارس، فهو شعار يرفع قدر العلم ويصف الجاهل بالوضيع، كما أن الشرع جعل طلب العلم الشرعي فريضة على المسلمين، عن أنس بن مالك  قال: قال رسول الله : «طلب العلم فريضة على كل مسلم»(8). سئل الفضيل بن عياض (ت 189هـ) عن قوله : «طلب العلم فريضة على كل مسلم» فقال: كل عمل كان عليك فرضا فطلب علمه عليك فرض، وما لم يكن العمل به عليك فرضا، فليس طلب علمه عليك فرض(9).</p>
<p>يكفي العلماء شرفا أنهم ورثة الأنبياء، عن كثير بن قيس، قال: كنت جالسا عند أبي الدرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجل، فقال: يا أبا الدرداء، أتيتك من المدينة، مدينة رسول الله : قال: فما جاء بك تجارة؟ قال: لا، قال: ولا جاء بك غيره؟ قال: لا، قال: فإني سمعت رسول الله  يقول: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والارض، حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر»(10). فأجل ما يتسلح به المرء هو العلم النافع، فليس بالأمر الهين أن يضحى العالِم ورثا للأنبياء، إنه لشرف عظيم أن يحتل العلماء الرتبة الثالثة بعد الملائكة، قال تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم(11) فالعلماء هم شهود على أعظم مشهود به الذي هو توحيد الله سبحانه وتعالى. قال الإمام القرطبي في تفسيره  الجامع: &#8220;هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء، فلو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن العلماء&#8221; (12).</p>
<p>أهمية العلم تبرز في كونه حظي باهتمام بالغ من علماء السلف والخلف، حتى جعلوه شرطا في صحة القول والعمل، فهذا الإمام البخاري -رحمه الله-  في صحيحه وضع بابا في كتاب العلم &#8211; تحت عنوان: &#8220;العلم قبل القول والعمل&#8221; وذلك لأن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما لأنه مصحح للنية المصححة للعمل&#8230;. فبدأ بالعلم حيث قال: فاعلم أنه لا إله إلا الله، ثم قال: واستغفر لذنبك(13) والخطاب وإن كان للنبي  فهو متناول لأمته(14). إذن فالخطاب في الآية الكريمة خطاب عام؛ لذا كان العلم مطلوبا منا، ولا يتأتى ذلك إلا بالتعلم، فقد نقل الحافظ بن حجر في فتح الباري عن الإمام الطبراني من حديث معاوية بلفظ: &#8220;يا أيها الناس تعلموا، إنما العلم بالتعلم، والفقه بالتفقه، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين&#8221;(15).</p>
<p>والذي ينبغي استحضاره في هذا السياق: أن العلم يبقى أثره ويتعدى نفعه إلى الدار الآخرة فهو امتداد للإنسان إلى ما بعد الموت، عن أبي هريرة  أن رسول الله  قال: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»(16).</p>
<p>ثم  لا بد لطالب العلم أن يقصد بطلب علمه وجه الله تعالى، عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي  قال: «من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار»(17). لأن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وبنور الحكمة يحيي الله القلوب الميتة، كما يحيي الله الأرض الميتة بوابل السماء، فعن مالك أنه بلغه أن لقمان الحكيم أوصى ابنه فقال: &#8220;يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الله الأرض الميتة بوابل السماء&#8221; (18).</p>
<p>وصدق من قال: العلم يرفع بيتا لا عماد له والجهل يهدم بيت العز والشرف.</p>
<p>وختاما نقول: بالعلم النافع تشيد الحضارات، وترتقي الأمم، وتصنع الأمجاد، وبالتفقة في الدين يعبد الإنسان الله على بصيرة، وليس عبثا أن يكون أول ما نزل من القرآن اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم  فالقراءة رمز للكرامة، فعار على أمة اقرأ أن لا تقرأ، فالله نسأل أن يجعلنا علماء عاملين صالحين مصلحين، هادين مهتدين، وأن ينفعنا بما علمنا ويعلمنا ما ينفعنا ويزدنا علما، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم لقائه، وآخر دعونا أنِ الحمد لله رب العالمين.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong> ذ. علي السباع</strong></span></h2>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;</p>
<p>1 -  سنن ابن ماجه:  ( ت 273هـ ) باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، ج 1 ص 80، موطأ مالك، تحقيق مصطفى الأعظمي، ج 5 ص 1325، صحيح البخاري: ج 1 ص 25، صحيح مسلم: ج 2 ص 719.</p>
<p>2 &#8211; سورة التوبة: جزء من الآية 122.</p>
<p>3 &#8211; جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، باب تفضيل العلم على العبادة، ج 1 ص 127.</p>
<p>4 &#8211; جامع بيان العلم وفضله، ج 1 ص 163.</p>
<p>5 &#8211; سورة المجادلة: من الآية، 11.</p>
<p>6 &#8211; سورة يوسف: من الآية، 76.</p>
<p>7 &#8211; ينظر فتح الباري: ج 1 ص 141.</p>
<p>8 &#8211; سنن ابن ماجه: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم ، ج 1 ص 81.</p>
<p>9 &#8211; ينظر سنن أبي داود، باب فضل نشر العلم، ج 5 ص 500.</p>
<p>10 &#8211; سنن ابن ماجه: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، ج 1 ص 81.</p>
<p>11 &#8211; سورة آل عمران: الآية، 18.</p>
<p>12- الجامع لأحكام القرآن، تفسير القرطبي: ج 4 ص 41.</p>
<p>13 &#8211; سورة محمد، من الآية 19.</p>
<p>14 &#8211; فتح الباري: ج 1 ص 160.</p>
<p>15 &#8211; فتح الباري: ج 1 ص 161.</p>
<p>16 &#8211; صحيح مسلم: ج 3 ص 1255.</p>
<p>17 &#8211; سنن الترمذي: باب ما جاء فيمن يطلب بعلمه الدنيا، ج 5 ص 33.</p>
<p>18 &#8211; موطأ مالك : تحقيق مصطفى الأعظمي، باب ما جاء في طلب العلم، ج 2 ص 1002.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2018/11/%d9%81%d8%b6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%85-%d9%88%d8%a3%d8%ab%d8%b1%d9%87%d9%85%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%88%d9%8a/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>التفقه في الدين:قراءة في التوجيهات النبوية وتصورات المجتمع (2)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2016/10/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%82%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ac%d9%8a%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2016/10/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%82%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ac%d9%8a%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 17 Oct 2016 10:45:22 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الحديث الشريف و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 465]]></category>
		<category><![CDATA[التفقه في الدين]]></category>
		<category><![CDATA[التوجيهات النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[التوجيهات النبوية وتصورات المجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[تصورات المجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[ذ.محمد البخاري]]></category>
		<category><![CDATA[رسول الله]]></category>
		<category><![CDATA[قراءة في التوجيهات النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15470</guid>
		<description><![CDATA[عن معاوية بن أبى سفيان  قال: سمعت رسول الله  يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله» (صحيح البخاري). &#160; التفقه في الدين ضرورة دينية وكونية؛ لأنه الساهر على حفظ مصالح البلاد والعباد، [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>عن معاوية بن أبى سفيان  قال: سمعت رسول الله  يقول: «<span style="color: #008000;"><strong>من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله</strong></span>» (صحيح البخاري).</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>التفقه في الدين ضرورة دينية وكونية؛ لأنه الساهر على حفظ مصالح البلاد والعباد، وركن أساس لبناء مجتمع تقام فيه العدالة، وتصان فيه الكرامة. هذا الأثر الكبير للتفقه غاب كثيرا عن واقعنا منذ زمن ليس بالقصير، وتكونت للناس بخصوصه تمثلات خاطئة روجت لخدمة أهداف معينة. مما يجعلنا نتساءل عن الغاية من نشر هذه الشبهات عن الفقه والفقيه؟ وهل لها مستند علمي موضوعي؟ وكيف يمكننا في المقابل إعادة الفقه والفقيه إلى قيادة سفينة المجتمع لترسو على شواطئ النجاة؟</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>أولا: التفقه في الدين بين الممانعة والإقصاء</strong></span></p>
<p>سبق الحديث في الحلقة السابقة عن الممانعة الذاتية والخارجية التي يمتلكها الفقه الإسلامي، لكونه يستمد وجوده من القرآن الكريم والسنة النبوية وما تفرع عنهما من الأدلة والقواعد الشرعية، الشيء الذي ضمن للأمة استمرارها على الخير والصلاح لقوله : «ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله»، فهو ابتداء تشريع رباني، وانتهاء تدبير واقعي يلائم ظروف الحياة العادية والاستثنائية. هذه الممانعة جعلت منه أنموذجا تشريعيا لا يضاهى، وجرت عليه هجمات شرسة لإقصائه عبر استعمال وسائل كثيرة منها:</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>1 &#8211; توظيف السلطة السياسية:</strong></span></p>
<p>تمثل التخطيط السياسي لإقصاء الفقه في الدين وتهميشه وتقليل فرص التفقه فيه في الحملة العشواء التي شنت منذ قرون عدة على الشريعة الإسلامية ذاتها، ثم تحولت إلى تدخل سافر في عهد الاستعمار لمنع البلدان الإسلامية المستعمرة من تدريس الشريعة والتضييق عليها عبر وسائل عديدة منها:</p>
<p>الاتفاقيات والمواثيق الدولية؛ وإرغام الشعوب الإسلامية المستضعفة على تطبيقها إذا أرادت أن تدخل تحت حماية المنتظم الدولي المزعوم، وتم تسخير وسائل إعلامية واقتصادية لفرض بنود هذه المواثيق على المجتمعات الإسلامية رغم مخالفتها الصريحة لما هو قطعي من أحكام الشرع، مثل بعض أحكام التشريع الجنائي الإسلامي، وبعض أحكام الأسرة، والآن يأتي الدور على أحكام الإرث لا قدر الله، واعتبر كل من يخالف هذه المواثيق متمردا على قرارات المجتمع الدولي، ويصنف ضمن لائحة المنظمات الإرهابية التي يتم صنعها وطبخها في دهاليز مؤسسات صنع القرار الدولية؛ لذلك تمت الموافقة من معظم الدول الإسلامية على هذه الاتفاقيات  لنيل رضى المستعمر مصداقا لقوله : «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه». قلنا يا رسول الله: اليهود، والنصارى. قال: «فمن» (صحيح البخاري).</p>
<p>تطبيق القوانين الوضعية في كل شؤون الحياة الاجتماعية للمسلمين؛ والبحث عن طرق لبيان توافقها مع المواثيق الدولية، وفي حالة المقاومة يتم التدخل عسكريا بشبهة حماية حقوق الإنسان، وحفظ الحريات العامة، وتأسيس مبادئ الديمقراطية، وبناء الدولة المدنية&#8230; وغيرها من الشعارات التي تبيح محاربة الأحكام الشرعية. وشجع على ذلك بعض المسلمين ممن يحمل لواء الغرب ويهتف باسمه. قال تعالى: ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (محمد: 9). وقال تعالى: ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (المائدة: 50). وبواسطة هذه القوانين تم إقصاء المدارس الشرعية، ودور القرآن، وأصبح كل من لم يدرس وفق مناهج التعليم الغربي غير معترف بكفاءته العلمية، ولا تسلم له أي شهادة، ولا يسمح له بمقتضى القانون ولوج مباراة التوظيف، وهو إقصاء واقعي للتفقه في الدين وأهله.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>2 -  فرض مناهج وبرامج تعليمية دخيلة:</strong></span></p>
<p>انتهج المستعمر منذ بدايته خطة محكمة للقضاء على كل منابع الصحوة للوجود الإسلامي، وعلى رأسها تدريس العلوم الشرعية، التي يستمد المسلم منها أحكامه، وهويته، وقيمه. ولإحكام خطته أنشأ مدارس غربية في الدول المستعمرة، وفرض فيها مناهجه وبرامجه التعليمية، وأرغم السلطات على الاعتراف بخريج هذه المدارس فقط، لتوفير فرص العمل لهم وإدماجهم في مناصب حساسة في مؤسسات البلد، وكان ذلك كافيا ليقبل أبناء البلدان الإسلامية على التعليم الغربي من أجل تحصيل لقمة العيش، وسخر المستعمر وسائل الإعلام  من أجل ربط كل جهل وتخلف بتدريس العلوم الشرعية وما يخدمها من قريب أو بعيد، ومن هنا بدأ التمييز بين التلميذ العلمي الذكي، والتلميذ الأدبي البليد، وهو تمييز مغرض مستورد، لا زال الناس يشتغلون عليه دون أن يعودوا إلى أصلهم ليكتشفوا أن التعليم الإسلامي يزاوج بين العلوم الكونية وعلوم الوحي، والتاريخ شاهد على وجود علماء في الرياضيات، والطب، والكيمياء، وهم في نفس الوقت فقهاء في معرفة أحكام شريعتهم، ولترسيخ فكرة الذكي والغبي، قام الغرب بفتح أبواب  مدارسه بالخارج لاستقطاب أبناء الأعيان &#8220;الأذكياء&#8221; ليشحنوا بقيم وقناعات غربية، كلها تصب في تهميش العلوم الشرعية، ليباشر تلامذتهم النجباء بعد التخرج تطبيق مخططاتهم واعتبار كل مطالب بتدريس الأحكام الشرعية وتطبيقها في واقع الناس عنصرا مشوشا يمكن أن يعرض لتهمة الإرهاب والتخريب.</p>
<p>ومن أجل ضمان عدم وجود مثل هذه المطالب مستقبلا، تمت الدعوة مرات عديدة لمراجعة مادة التربية الإسلامية؛ فقلصت حصتها لساعة واحدة في الأسبوع، وخفض معاملها، وتم إسناد مهمة تدريسها لغير أهل الاختصاص قديما، وحديثا من خلال تطبيق مذكرة المواد المتجانسة، وأفرغت هذه المادة من محتواها العلمي، فأصبحت عبارة عن مجلة للأخلاق العامة، بعد ما حذف منها كل ما له علاقة بالتفقه في الدين، ليبقى المتعلم المسلم بعيدا عن معرفة أحكام شريعته، وهذه بداية الطريق لفرض مبادئ العلمانية على واقع المسلمين. وأخشى نتيجة هذا الاستكبار عن منهج الله تعالى أن ينطبق علينا الجزء الأخير من حديثه : «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (صحيح البخاري).</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>ثانيا: آثار إقصاء التفقه في الدين ومحاصرته</strong></span></p>
<p>هذه الآثار يجسدها المفهوم المخالف لقوله : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، فعدم التفقه في الدين تحذير صريح بوجود خلل في المجتمع، وإن كانت نسبته تقل أحيانا، وتكثر أخرى؛ لقوله : «ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله» (صحيح البخاري) أن الخير لن ينقطع من هذه الأمة بمشيئة الله تعالى، لكن للانحراف عن شرع الله آثار سيئة عديدة منها:</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>أ &#8211; من الناحية النفسية؛</strong></span></p>
<p>شيوع الشعور بالانهزام والضعف، وعدم القدرة على المبادرة ومباشرة الإصلاح، لضعف الإيمان بالله، وغياب الثقة به؛ نتيجة تفريط المسلم في شريعته التي تربيه على مواصلة الاجتهاد في العمل، باعتباره عبادة ومنقذا من الذل والهوان قال : «لا يغرس مسلم غرسا، ولا يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان، ولا دابة، ولا شيء، إلا كانت له صدقة» (صحيح مسلم). فالإسلام مبني على عدم الاستسلام لأمر الواقع، والشعور بالانهزام رسخت في نفوس شبابنا الخمول والكسل، والاعتقاد بأن الخلاص يكمن في الهجرة إلى بلاد الغرب لتحقيق الرفاهية، ففقدنا طاقات بشرية هائلة قادرة على تطوير بلدها؛ فالتفقه في الدين يحارب هذا الانهزام النفسي، ويرسخ لدى المتعلم روح الاعتزاز بالإيمان ويقوي لديه الشعور بالانتماء للحضارة الإسلامية والأمة؛ لأن ذلك جزء من الإيمان بالله، وضرب من التدين الشامل.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>ب &#8211; من الناحية الفكرية؛</strong></span></p>
<p>الجهل بأحكام الشريعة العادلة، ورمي التراث الفكري الإسلامي بالتخلف، مع العلم أن الإسلام يعطي للعلم مكانة خاصة لا ينكرها إلا متكبر جاحد، قال : «.. ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة..» (صحيح مسلم)، وقال : «لا حسد إلا في اثنين&#8230; ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (صحيح البخاري). هذا الجهل بالفقه الإسلامي ورَّث لدى أجيالنا إعجابا شديدا بالحضارة الغربية المادية، وأصبحت الدعوة إلى تطبيقها على الفرد والأسرة والمجتمع حديث الساعة، ظنا منهم وجهلا بحضارتهم أن التفقه في الدين ضد المساواة، وضد الحرية، ولو كلفوا أنفسهم قراءة تراثهم الفقهي بموضوعية وتجرد، لتيقنوا أن العدل الحق، والمساواة الفطرية الشاملة، والحرية الإنسانية المتوازنة، لا وجود لها حقيقة إلا في تطبيق شريعتهم التي تضمن لهم قيمهم وكرامتهم وإنسانيتهم.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>ج &#8211; من الناحية السلوكية؛</strong></span></p>
<p>الخلط بين التصرفات النابعة من الشريعة الإسلامية والموافقة لمنهجها ومقاصدها، وبين التصرفات الفردية التي يقوم بها بعض المسلمين نتيجة جهلهم بأحكام دينهم، فينسبون كل سلوك بشري منحرف لأحكام الفقه الإسلامي، ويركزون إعلاميا وسياسيا على مثل هذه السلوكات لتنفير المسلمين وغيرهم من التعرف على مبادئ الإسلام وأحكامه، ويصفونه بالإرهاب ظلما وبهتانا؛ وفي المقابل يصرح نخبة الغربيين بعدائهم الشديد والتفقه للدين الإسلامي، ويبنون حملاتهم الانتخابية على محاربة أحكامه، دون أن يجرم أحد ذلك، في حين إذا تكلم مسلم بالسوء عن الحضارة الغربية يتم اتهامه بالتطرف ونشر الفتنة، مما أكد لنا أن الحداثة التي يتغنى بها الغرب، تحولت إلى إيديولوجيا تحاكم كل من يخالفها بالإرهاب والتطرف.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>ذ. محمد البخاري</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2016/10/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%82%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ac%d9%8a%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>التفقه في الدين: قراءة في التوجيهات النبوية وتصورات المجتمع (1)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2016/10/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%82%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ac%d9%8a%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2016/10/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%82%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ac%d9%8a%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 03 Oct 2016 11:58:25 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[الحديث الشريف و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 464]]></category>
		<category><![CDATA[التفقه في الدين]]></category>
		<category><![CDATA[التوجيهات النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[التوجيهات النبوية وتصورات المجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[تصورات المجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[ثمرات التفقه في الدين]]></category>
		<category><![CDATA[ذ.محمد البخاري]]></category>
		<category><![CDATA[رسول الله]]></category>
		<category><![CDATA[قراءة في التوجيهات النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15342</guid>
		<description><![CDATA[عن معاوية بن أبى سفيان  قال: سمعت رسول الله  يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله» (صحيح البخاري). التفقه في الدين ضرورة دينية وكونية واجتماعية؛ فهو الساهر على حفظ مصالح البلاد والعباد، [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>عن معاوية بن أبى سفيان  قال: سمعت رسول الله  يقول: «<span style="color: #008000;"><strong>من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله</strong></span>» (صحيح البخاري).</p>
<p>التفقه في الدين ضرورة دينية وكونية واجتماعية؛ فهو الساهر على حفظ مصالح البلاد والعباد، وركن أساسي لبناء مجتمع تقام فيه العدالة، وتصان فيه الكرامة. هذا الدور القيادي للفقه غاب عن واقعنا منذ زمن ليس بالقصير، وتكونت للناس بخصوصه تمثلات خاطئة روجت لخدمة أهداف معينة. مما يجعلنا نتساءل: ما الغاية من نشر هذه الشبهات عن الفقه والفقيه؟ وهل لها مستند علمي موضوعي؟ وكيف يمكننا في المقابل إعادة الفقه والفقيه إلى قيادة سفينة المجتمع لترسو على شواطئ النجاة؟</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>أولا: التفقه في الدين وأهم مقومات تحقيقه:</strong></span></p>
<p>يقول : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» فالتفقه في الدين خاضع لإرادة الله تعالى، قال ابن حجر: &#8220;هذا الحديث مشتمل على ثلاثة أحكام: &#8230;ثانيها: أن المعطي في الحقيقة هو الله(1)&#8221;، وللتوافق مع هذه الإرادة يلزم مريد التفقه تحصيل ما يلي:</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>1 ــ إخلاص النية لله تعالى في طلب العلم الشرعي؛</strong></span> لأنه وسيلة لتحقيق معرفة الله وعبادته، قال النووي معلقا على هذا الحديث: &#8220;فيه فضيلة العلم.. وسببه أنه قائد إلى تقوى الله تعالى&#8221;(2). فهو يخرج الإنسان من دائرة الشهوات المنحطة، إلى مدار التكليفات الشرعية، فيكون هواه تبعا لما شرع الله، ويؤكد هذا الشرط قوله : «من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار» (سنن الترمذي, وقال: هذا حديث حسن).</p>
<p>فإذا كان قصد مريد التفقه في الدين إنذار الناس وتحذيرهم فلا شك أن الله سيفتح له باب المعرفة، ويضيء قلبه بنور الإيمان، فيدرك حقيقة الأشياء ويعلم بواطنها؛ لقوله : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي»، فالله هو المعلم والمعطي لعبده.</p>
<p>إن تعلم الأحكام الشرعية واجب على كل مسلم ومسلمة بحسب القدر الذي يضبط به عقيدته، ويصحح به عبادته، ويعرف به ما ينظم شؤونه اليومية مما لا غنى له عنه، قال : «طلب العلم فريضة على كل مسلم» (سنن البيهقي). أما التخصص والتبحر في الفقه فهو فرض كفاية، لقوله تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون(التوبة: 122).</p>
<p>وعليه؛ فالتفقه في الدين أمر ضروري؛ لأنه لا تستقيم حياة المسلمين بدون ذلك، فهو السبيل للنجاة من عقاب الله تعالى، أما باقي العلوم الدنيوية فهي خادمة له، ومعينة على تحقيق مقاصده؛ فالعلوم الكونية لوحدها دون معرفة شرع الله والالتزام به، تحقق فقط مصالح الدنيا الفانية، فهي بهذا المعنى لا تعدو أن تكون حرفا متطورة للتكسب، فعلم الطب، والهندسة، والكيمياء، والفيزياء، والرياضيات وغيرها.. من العلوم التي تيسر حياة الناس في الدنيا إذا لم توصل لمعرفة الخالق ولتطبيق أحكامه، فهي من قبيل الحرف والمهن؛ ولا يدخل صاحبها في شرف قوله تعالى: فاعلم انه لا اله إلا الله واستغفر لذنبك(محمد: 19).</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>2 ــ التلقي المباشر عن الفقهاء الراسخين في العلم؛</strong> </span>أقصد بذلك الاعتماد على العلماء الربانيين، المشهود لهم بالكفاءة العلمية، والملكة الراسخة، والمنهج القويم في استنباط الأحكام وتنزيلها، فهم وقاية المجتمع من الوقوع في الزلل؛ لأنهم حققوا شرط الصلاح والتقوى، والعدالة والتزكية، لقوله : «إنما أنا قاسم والله يعطي» فالله فتح عليهم أبواب الفهم وخصهم به، فالأخذ عنهم أسلم للأمة، لتحقق الاستقلالية التامة لهم، فلا يتأثرون بسلطة، أو مال، أو انتماء لجهة ما.</p>
<p>فالفقيه الرباني يضمن للأمة تربية سليمة موافقة لشرع الله، إذ لا تربية صحيحة مع الجهل بأحكام الشرع، قال : «فقيه أشد على الشيطان من ألف عابد» (سنن الترمذي)، قال: هذا حديث غريب. وهذا مدخل آخر تساهل فيه الناس فكثرت مفاسده؛ نتيجة ما تقوم به بعض الجماعات التي تتبنى التربية المجردة عن الأحكام الفقهية، فيكون منهجها بعيدا عن الشرع، وخاضعا لهوى المربي، والغريب أنهم يتبنون أطروحة عدم الحاجة إلى معرفة الأحكام الفقهية، بل يكفيهم كما يزعمون معرفة القيم والمقاصد الشرعية المجردة، ولست أدري كيف تؤسس القيم والمقاصد دون معرفة الأحكام الشرعية؟</p>
<p>كان النبي  يوحى إليه، ووفق هذا الوحي يعلم ويربي؛ فبالعلم نعرف الله تعالى، ونعرف الحلال والحرام، ثم نعمل وفق ذلك، فتكون التربية صحيحة، وهذا ما أكده البخاري بقوله : «باب العلم قبل القول والعمل» (صحيح البخاري). فلا يمكن الفصل بين الفقه والتربية، فكل فقيه مربي بالضرورة، ولا نتصور تربية دون فقه؛ لأن التربية سلوك وعمل ولا عمل موافق لمراد الله دون فقه. فالمنهج ثلاثي: التلقي من الوحي بواسطة التفقه، ثم التبليغ والتعليم، ثم العمل والتربية.</p>
<p>كما أن أخذ الفقه من بعض الكتب، أو الأشرطة، أو المواقع مباشرة دون اعتماد منهج التدرج في التعلم على الفقهاء طريق إلى الزلل؛ فالفقه صنعة تحتاج إلى صانع حاذق يعلم الناس، ثم إن أخذ الفقه بمجالسة العلماء يتم بعد معرفة كفاءتهم وحالهم من الصلاح والتقوى، وهذا لا يتأتى بالاقتصار على الكتب، والأشرطة، والمواقع، ولا يضمن الفهم السليم للأحكام، لذلك فهذا المنهج يؤدي إلى نشر الفتن بين الناس وتمييع الفتاوى الفقهية عبر وسائل الإعلام المغرضة.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>ثانيا: ثمرات التفقه في الدين:</strong></span></p>
<p>تظهر هذه الثمرات في قوله : «مَن يرد الله به خيرًا يُفقِّهه في الدين&#8230; ولن تزال &#8230;الخ»، فتنكير «خيرا» في الحديث يفيد أن أي تفقه صحيح في الدين قليلا كان أم كثيرا فإنه يحقق للناس مطلق الخير ليشمل بذلك:</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>1 &#8211; الوقوف عند حدود الله تعالى:</strong></span></p>
<p>بمعرفته حقا وصدقا؛ مما يضمن عقيدة سليمة وصحيحة، قال تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم(آل عمران: 18)؛ لأن كل اعتقاد خاطئ تعقبه تصرفات اجتماعية منحرفة فاسدة؛ كالشرك بالله، والشعوذة، والسحر&#8230; وكل ذلك يفوت سعادة الدنيا والآخرة معا.</p>
<p>بعبادته كما أراد أن يعبد؛ بعيدا عن البدع وشطحات الهوى؛ فالعبادة الصحيحة تضبط  سلوك الأفراد وتحميهم من الانغماس في المعاصي، وهذا لا يحصل إلا إذا كانت العبادة بعلم، لهذا قال : «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» (سنن الترمذي)؛ لأن الفقيه يحقق في عبادته الشروط كاملة.</p>
<p>بتمييز الفرق بين المنكر فيحاربه وبين المعروف فيدعو إليه؛ لقوله : «وإن العلماء ورثة الأنبياء..» (صحيح مسلم). لأن مهمتهم التبليغ والبيان، مما يضمن تحقيق التوازن في العلاقات الاجتماعية، والحفاظ على المصلحة العامة.</p>
<p>بنشر القيم النبيلة الموافقة لضوابط الوحي ومقاصده؛ ونبذ المفاهيم والتصورات الغربية المتطرفة، التي تحميها قوانينهم، وتروج لها وسائل إعلامهم، مثل الزواج المثلي، وحرية الدعارة&#8230; لتعارضها مع أحكام الإسلام والفطرة السليمة، قال : «إن مثل العلماء في الأرض كمثل نجوم السماء، يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم يوشك أن تضل الهداة» (مسند أحمد).</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>2 &#8211; الحفاظ على مصالح العباد:</strong></span></p>
<p>ببناء مجتمع آمن مستقر؛ يتحقق فيه التكامل بين الجسد والروح، وبين العقل والقلب، وبين العبادة والعمل، وبين العلم الرباني والمعرفة الكونية، لتحقيق خلافة الله في أرضه، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتفقه في الدين، فبدونه تنفلت الأمور من عقالها وتعظم المصائب؛ فمهما تقدم الناس في تحصيل العلوم الكونية؛ فهي وحدها دون رقابة شرعية تهدم المجتمع ولا تبنيه؛ لأن أهلها يؤمنون بأن البقاء للأقوى وليس للأصلح، ومن يشكك في ذلك فليبحث في التاريخ كيف اشتعلت حروب الإبادة؟ ومن أين انطلقت؟ ومن استعمل الأسلحة النووية؟ ولأي غرض تم ذلك؟ فأين اختفت قيمهم الإنسانية حينما قتلوا الملايين من الناس لأسباب واهية؟</p>
<p>بتحقيق تنزيل الشريعة على واقع الناس وتوجيهه نحو الخير؛ وفق ما تسمح به قواعدها المرنة، ومقاصدها المستوعبة؛ فالتفقه السليم في الدين يضمن للأمة الحكم الشرعي الصحيح الذي يساير واقع الناس، وينبذ كل واقع منحرف غريب عن شريعتنا يستهدف غزو هويتنا وحضارتنا.</p>
<p>فوظيفة الفقيه المتقي والمستقل بناء الواقع السليم، وهدم الواقع السقيم بالحكمة، وهذا ما يفيده قوله : «ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله».</p>
<p>بتطهير البلاد من الفساد؛ فالطبيب، والمهندس، والتاجر، والمدرس، والسياسي، إذا كان متفقها بقدر ما يعرف به ما علم من الدين بالضرورة، وبقدر ما يعرف به حكم الله في طبيعة عمله؛ فإنه سيحصل فيه قدر من الخير وسيتوقف ولا شك عند هذه الأحكام، ويعمل وفق قيمها ومقاصدها، ولن يقدم مصالحه الخاصة على حساب مصالح العامة؛ لأنه يعلم حكم الله في ذلك. هذه الاستقامة التامة لم تتحقق في واقعنا تحققا تاما وشاملا؛ لأننا تعلمنا في مدارس الغرب، ووفق برامجه ومناهجه التي تركز على ضمان سيطرته وتقوية نفوذه، فصرنا عالة عليهم نعيش تحت رحمتهم التشريعية والاقتصادية، والصناعية، والخدماتية&#8230;</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>ذ. محمد البخاري</strong></em></span></p>
<p>(يتبع)</p>
<p>===================</p>
<p>1 &#8211; فتح الباري، ابن حجر، ج1، ص:164</p>
<p>2 &#8211; شرح مسلم، النووي، ج7 ص128.</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2016/10/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%82%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ac%d9%8a%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>التفقه في الدين دلالات ومقاصد</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2015/10/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%82%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b5%d8%af/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2015/10/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%82%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b5%d8%af/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 18 Oct 2015 16:20:07 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 444]]></category>
		<category><![CDATA[تربية و تعليم]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[فقه العبادات]]></category>
		<category><![CDATA[التفقه في الدين]]></category>
		<category><![CDATA[الدلالات]]></category>
		<category><![CDATA[المقاصد]]></category>
		<category><![CDATA[ذ. ميلود الخطاب]]></category>
		<category><![CDATA[فلولا نفر من كل فرقة..]]></category>
		<category><![CDATA[واقع الأمة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=9770</guid>
		<description><![CDATA[إن واقع الأمة اليوم غير مرض بسبب فشو الجهل بين أهلها، وزهدهم في العلم الشرعي، والمطلع على تاريخ أمة الإسلام يدرك بجلاء أنها كانت متفقهة ولا يمكن لها أن تكون بغير التفقه في الدين، لأنه ضرورة شرعية وحضارية، وهو علامة الخير؛ و»من يرد الله به خيرا، يفقهه في الدين»، ويوفقه إلى حسن الامتثال. قال الله [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>إن واقع الأمة اليوم غير مرض بسبب فشو الجهل بين أهلها، وزهدهم في العلم الشرعي، والمطلع على تاريخ أمة الإسلام يدرك بجلاء أنها كانت متفقهة ولا يمكن لها أن تكون بغير التفقه في الدين، لأنه ضرورة شرعية وحضارية، وهو علامة الخير؛ و»من يرد الله به خيرا، يفقهه في الدين»، ويوفقه إلى حسن الامتثال.<br />
قال الله تعالى : {وَمَا كَانَ الْمُومِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون}(التوبة : 123)، لقد جمعت هذه الآية بين أمرين عظيمين لا يصلح أمر الدين والدنيا إلا بهما، وهما الأمر بالنفير للجهاد، والأمر بالتفقه في الدين والتحريض عليهما؛ فالدنيا لا تصلح بدون تدين، والدين لا يصلح العباد بدون التفهم والتفقه فيه.<br />
لذلك سنتفيأ ظلال هذه الآية الكريمة قاصدين بيان ما فيها من جليل المعاني، وهنا تجدر الإشارة إلى سياق الآية، وإلى معاني بعض مفرداتها ومفاهيمها، ليستقيم لنا توجيه الآية بما يخدم قصدنا في بيان معنى التفقه في الدين وشيء من مقاصده ولوازمه. فغالب ما تقدمها من الآي جماعه تحريض على الجهاد وتنديد على المقصرين في شأنه، ودعوة إلى الصدق، وختم بتبرئة أهل المدينة والذين حولهم من التخلف عن رسول الله [ في الجهاد ساعة العسرة، ثم يعقب هذا التحضيض العميق على النفرة للجهاد بيان لحدود التكليف بالنفير العام، وقد اتسعت الرقعة وكثر العدد، وأصبح في الإمكان أن ينفر البعض ليقاتل ويتفقه في الدين؛ ويبقى البعض للقيام بحاجيات المجتمع كله من توفير للأزواد ومن عمارة للأرض، ثم تتلاقى الجهود في نهاية المطاف(1) تفقها ونفيرا وإصلاحا.<br />
والنفر في الآية: مصطلح يستعمل غالبا في الحرب والجهاد، وذلك هو المراد به في الموضعين منها، ويجوز أن يكون المراد من النفر في قوله: {لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} نفرا آخر غير النفر في سبيل الله؛ وهو النفر للتفقه في الدين، وقد نقل عن أئمة المفسرين وأسباب النزول أقوال تجري على الاحتمالين(2)، ونحن نستند هاهنا إلى الاحتمال الثاني.<br />
أما الفرقة فهي الجماعة من الناس الذين تفرقوا عن غيرهم في المواطن؛ فالقبيلة فرقة، وأهل البلاد الواحدة فرقة. والطائفة: الجماعة من غير تحديد للعدد، «والذي يستقيم عندنا في تفسير الآية: أن المؤمنين لا ينفرون كافة، ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة -على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون- لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة؛ وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم، بما رأته وما فقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة في ظلال القرآن»(3)، فيتحقق التفقه على الكفاية لعامة المؤمنين على درجاتهم ومراتبهم.<br />
ثم دعت الآية إلى التفقه في الدين وهو بيت القصيد عندنا، وقبل بيان أهميته لابد من بيان معنى الفقه في اللغة والاصطلاح، يقول ابن منظور: فقه: فَقِهَ يَفْقَهُ معناه فهِمَ يفْهَمُ.. وفَقِه فِقْهاً بمعنى عَلِم عِلْماً(4)، وقال الجرجاني: الفقه في اللغة عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه، وفي الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية(5)، فالفقه بمعنى العلم والفهم العميق للشيء، وقد غلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم كما غلب النجم على الثريا والعود على المَندَل.<br />
ومنه التفقه؛ ف«تَفَقَّه الأمرَ»: تفهَّمه وتفطَّن له، ويقال: تفقّه فيه؛ فالتفقه في الدين تفهمه، وهو إما فرض على الأعيان؛ كالصلاة والزكاة والصيام، وما لابد منه من المعاملات، أو فرض على الكفاية؛ كتحصيل الحقوق وإقامة الحدود والفصل بين الخصوم ونحوه..<br />
وأدلة الحث على التفقه في الدين كثيرة، وقد تستعمل فيها ألفاظ ومصطلحات أخرى غير الفقه والتفقه، وهذا دليل على عظيم شأنه، فهو أصل كل خير، وقد دلت آية النفر على وجوبه على الكفاية، «أي على طائفة كافية لتحصيل المقصد الشرعي منه، وأن تركه متعين على طائفة كافية منهم لتحصيل المقصد الشرعي مما أمروا بالاشتغال به من العلم في وقت اشتغال الطائفة الأخرى بالغزو.. ولذلك كانت هذه الآية أصلا في وجوب طلب العلم على طائفة عظيمة من المسلمين وجوبا على الكفاية»(6)، وفي الحديث: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»(7).<br />
والمتأمل في آية سورة التوبة كما تقدم يجدها تكاد تسوي بين النفير للتفقه في الدين، والنفير للجهاد لما لهما من مقاصد عظيمة؛ «ومن محاسن هذا البيان أن نقابل صيغة التحريض على الغزو بمثلها في التحريض على العلم إذ افتتحت صيغة تحريض الغزو بلام الجحود في قوله: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ} الآية وافتتحت صيغة التحريض على العلم والتفقه بمثل ذلك إذ يقول: {وَمَا كَانَ الْمُومِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}»(8)، وهي إشارة قوية إلى أن شأن التفقه في الدين لا يقل منزلة عن الجهاد في سبيل الله، فالأول يقصد إلى بناء دين الأمة وإقامته على أسسه المتينة، في حين يقصد الثاني إلى حفظه وحمايته لها، وكلاهما عمل لتأييد الدين، ولذلك كانت هوية الأمة محفوظة بتحقق هذين المقصدين.<br />
ومن مقاصد التفقه في الدين تحقيق تقوى الله ومخافته، باعتباره معرفة لأحكام الشريعة بأدلتها، وفهما لمعانيها، وعملا بمقتضى ذلك، يورث صاحبه الخشية من الله تعالى، واستشعار معيته في السر والعلن، لأن «الفقه في الدين : فهم معاني الأمر والنهي، ليستبصر الإنسان في دينه، ألا ترى قوله تعالى: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} فقرن الإنذار بالفقه؛ فدل على أن الفقه ما وزع عن محرم، أو دعا إلى واجب، وخوف النفوس مواقعه المحظورة»(9).<br />
ثم إن هذه الآية ربطت بين التفقه في الدين والإنذار، بل جعلته مقصدا من مقاصده؛ والإنذار هو الموعظة، فإن من تفقه في الدين علم مآل أعمال العباد خيرها وشرها، فوجب عليه الإخبار بما يتوقع منه شر، وتحذير أهله منه ليتجنبوا الهلاك والخسران، وهو أصل عظيم في الدين يعدي الهدى إلى الحيارى والغافلين.<br />
هذا ولا يخفى أن تحقق تلكم المقاصد رهين بجملة لوازم لا يكون التفقه إلا بها، سواء كانت لازمة للذات أم لغير الذات، فأول اللوازم إصلاح النية لله، وقد قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ(البينة : 5)، وعن معاذ رضي الله عنه: أنه قال لرسول الله حين بعثه إلى اليمن أوصني، قال: «أخلص دينك يكفك القليل من العمل»(10)، وهذا ما نحتاج إلى تعلمه في البيت والعمل والمدرسة والجامعة، وفي مراكز القرار حين وضع السياسة التعليمة والتنظير لها.<br />
ثم الخشية والامتثال، فلا قيمة لفقه ولا لعلم غير وظيفي، لأنه لا يجوز أن يوقف به عند مجرد الفهم، لأنه يحمل صاحبه على الامتثال أمرا ونهيا، قال ابن تيمية «كل من أراد الله به خيرا لا بد أن يفقهه في الدين، فمن لم يفقهه في الدين لم يرد به خيرا، والدين ما بعث الله به رسوله، وهو ما يجب على المرء التصديق به والعمل به، وعلى كل أحد أن يصدق محمدا [ فيما أخبر به، ويطيعه فيما أمر تصديقا عاما وطاعة عامة»(11)، وهنا أمر لازم آخر يساعد على الامتثال؛ وهو أخذ الفقه عن أهله العاملين به، لا عن المتفقهين الأدعياء، فإنهم يحسنون الكلام ويسيئون العمل.<br />
وهاهنا لازم آخر من أخطر لوازم التفقه -والذي يغفل عنه الكثيرون- وهو التفقيه، المترتب على الإنذار، إذ «يدخل في معنى الإنذار تعليم الناس ما يميزون به بين الحق والباطل وبين الصواب والخطأ، وذلك بأداء العالم بث علوم الدين للمتعلمين»(12)، لأن الفقه أولا يأبى أن يكون لازما في سلوك من تحمله بقواعده من الفرقة النافرة، ولأنه لا ينسجم مع روح المسلم الرسالي بطبعه، ولا مع فكره المؤطر ب«بلغوا عني ولو آية»، ولأنه ثانيا أصل كل خير كما في الحديث، وطبيعة الخير أنه فياض، حين يصدر يعم أهله و من حولهم.<br />
ونختم بأعظم اللوازم التي لا يمكن أن يتحقق بدونها تفقه الفرقة النافرة في دينها في هذا الزمان؛ وهو الإرادة العليا، وإعداد العدد والعدة: العنصر البشري المؤهل، والمؤسسات العلمية الكفيلة بتخريج الفئة الموكول إليها التفقه في الدين والإنذار والتعليم والتبليغ، وهي مسئولية القائمين على تأطير الشأن الديني، والمسئولين عن وضع الفلسفة التعليمية، وتنزيل البرامج، ودليله تنكير «طائفة» في الآية الكريمة، فهو «مؤذن بأن النفر للتفقه في الدين وما يترتب عليه من الإنذار واجب على الكفاية، وتعيين مقدار الطائفة وضبط حد التفقه موكول إلى ولاة أمور الفرق، فتتعين الطائفة بتعيينهم فهم أدرى بمقدار ما تتطلبه المصلحة المنوط بها وجوب الكفاية»(13)، لأن رسول الله تولى أمر العلم بنفسه، وهو من بعث في الأمصار صحابة التفقيه، فلا جرم أن كان هذا مؤذنا بوجوب تمحض المسئولين بعلم الدين، والاهتمام بالمسالك الشرعية في التعليم بجميع أسلاكه، وفي جميع مؤسساته الأكاديمية وفي المجتمع المدني، قصد تثقيف أذهان المسلمين، لكي تصلح سياسة الأمة على ما قصده الدين منها.<br />
ختاما إن التفقه في الدين واجب على المسلمين رعاة ورعية على الكفاية، وإن حظ القائم بواجب التعليم تنظيرا وتنزيلا ليس دون حظ الغازي في سبيل الله، فليأخذ المسلم التفقه في الدين بقوة، وليربط الوسائل بالغايات لتتحقق مقاصد هذا التفقه، تمكينا للإصلاح المنشود والصلاح المعهود، والله من وراء النوايا والقصود.<br />
<span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>ذ. ميلود الخطاب</strong></em></span><br />
&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;<br />
1 &#8211; انظر : في ظلال القرآن، لسيد قطب، ج4 / ص82.<br />
2 &#8211; انظر التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور، ج 10 / 225.<br />
3 &#8211; انظر : في ظلال القرآن، ج 4 /ص 108.<br />
4 &#8211; لسان العرب، ج: 13/ ص: 549.<br />
5 &#8211; التعريفات ، ص: 175.<br />
6 &#8211; التحرير والتنوير، ج 10 / 227.<br />
7 &#8211; متفق عليه .<br />
8 &#8211; التحرير والتنوير، ج 10 / 227.<br />
9 &#8211; الفتاوى الكبرى، لابن تيمية، ج 6 / ص 171.<br />
10 &#8211; رواه الحاكم وصححه .<br />
11 &#8211; مجموع الفتاوى ، لابن تيمية، ج 28 / ص 80.<br />
12 &#8211; التحرير والتنوير، ج 10 / 227.<br />
13 &#8211; التحرير والتنوير، ج 10 / 229.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2015/10/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%82%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b5%d8%af/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
