<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; التشريع</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%b9/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>مفهوم التعارف بين مقصدي الخلق والتشريع (1)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2015/02/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d8%b1%d9%81-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%85%d9%82%d8%b5%d8%af%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d9%82-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d9%8a/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2015/02/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d8%b1%d9%81-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%85%d9%82%d8%b5%d8%af%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d9%82-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d9%8a/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 19 Feb 2015 12:59:32 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 434]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[التشريع]]></category>
		<category><![CDATA[التعارف]]></category>
		<category><![CDATA[الخلق]]></category>
		<category><![CDATA[القبائل]]></category>
		<category><![CDATA[شعوبا]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=8404</guid>
		<description><![CDATA[دة. كلثومة دخوش - هل التعارف مقصد شرعي : إنه من المعلوم أن الغاية من خلق الإنسان تتمثل في الخلافة في الأرض وعمارتها بالعبادة والعمل النافع، وأن الله تعالى خلق الإنسان لهذه الغاية العظمى وزوده بالإيمان والعلم والبيان، ليتمكن من القيام بهذا الدور الذي خلق من أجله كما هو مبين في كثير من آيات الذكر [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><strong><span style="color: #ff0000;">دة. كلثومة دخوش</span></strong></p>
<p>- هل التعارف مقصد شرعي :</p>
<p>إنه من المعلوم أن الغاية من خلق الإنسان تتمثل في الخلافة في الأرض وعمارتها بالعبادة والعمل النافع، وأن الله تعالى خلق الإنسان لهذه الغاية العظمى وزوده بالإيمان والعلم والبيان، ليتمكن من القيام بهذا الدور الذي خلق من أجله كما هو مبين في كثير من آيات الذكر الحكيم، أذكر منها قوله تعالى:</p>
<p>وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (البقرة:29/32).</p>
<p>وقوله سبحانه : الرَّحْمَنُ  عَلَّمَ الْقُرْآنَ  خَلَقَ الْإِنْسَانَ  عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (الرحمن 1-2).</p>
<p>فههنا -إضافة إلى الإيمان- سلاحان لا ضرورة لهما بدون تواصل مع الغير، ولا تواصل بدون تعارف، إذ ما فائدة البيان إن لم يكن بغرض التواصل مع الآخر، ومن أين يأتي العلم إن لم يُتلق عن الغير ويُتوارث.</p>
<p>لكن ما المقصود بالتعارف؟ وما حدوده؟ وما غايته؟</p>
<p>- مفهوم التعارف في القرآن الكريم :</p>
<p>لقد ورد من مادة (ع ر ف) في القرآن الكريم ثمانية وعشرون استعمالا في واحد وسبعين موضعا، منها الفعل من المعرفة بتصاريف متعددة، والفعل من التعريف والاعتراف، ومنها العرف والمعروف.</p>
<p>أما التعارف فلم يرد إلا في موضعين اثنين هما قوله سبحانه في سورة يونس: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (الآية 45).</p>
<p>وقوله تعالى في سورة الحجرات : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الآية 13).</p>
<p>وآية سورة يونس ورد تفسير التعارف فيها بمعان مختلفة منها :</p>
<p>&lt; أن التعارف كان في الدنيا ثم انقطع بالحشر، وعليه معظم المفسرين ومنهم الطبري.</p>
<p>&lt; أن التعارف بمعنى المعرفة، أي يعرف كل أحد صاحبه يوم القيامة، كما ذكر ابن أبي حاتم، والشيخ الطاهر بن عاشور.</p>
<p>&lt; أن المقصود التعارف عند الخروج من القبور ثم تنقطع المعرفة، كما جاء في بحر العلوم للسمرقندي.</p>
<p>&lt; أن المشركين يتعارفون ولكن لا أثر لهذه المعرفة يومئذ، قال الشنقيطي في أضواء البيان عند تفسير الآية : «يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَيَعْرِفُ الْآبَاءُ الْأَبْنَاءَ، كَالْعَكْسِ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ هَذِهِ الْمُعَارَفَةَ لَا أَثَرَ لَهَا، فَلَا يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا شَيْئًا، كَقَوْلِهِ : وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا».</p>
<p>&lt; أن المعرفة هي مجرد الرؤية والتعرف الخاطف، جاء في أيسر التفاسير : (أي ليرى بعضهم بعضاً ساعة ثم يحول بينهم هول الموقف).</p>
<p>يبدو من سياق الآية -والله أعلم- أنها تخبر عما يحدث يوم  الحشر،  إذ سيتعارف الناس بمصائرهم، فيدرك الكفار مدى خسرانهم عند اطلاعهم على مصير المؤمنين، كما يرضى المؤمنون عن سعيهم عند اطلاعهم على مصير الكفار، ذلك أن الله تعالى بعد أن ذكر هذا التعارف قال : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ، ذلك أن التعارف بينهم يستبعد أن يكون عائدا لما قبله وهو قوله: (ساعة من نهار) لأن الغرض من هذا التحديد هو بيان قصر الحياة الدنيا التي أفنوها في ما يرديهم في دار الخلد،  وهم لا شك لم يضيعوها في التعارف بينهم، وهذا يشبه قوله تعالى : فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُون (الأحقاف : 34). وانطلاقا من هذا الفهم للآية الكريمة يظهر أن التعارف بين الناس لمعرفة كل فرقة مصير الأخرى مقصود، لأن الغرض منه حسرة الكفار والزيادة في تعذيبهم بما يرونه من نعيم الجنة التي حرموا منها بأعمالهم، ونصوص القرآن الكريم التي تنطق بهذا المعنى كثيرة منها قوله عز من قائل : يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَاب (الحديد : 13).</p>
<p>يتحصل إذن أن الآية الوحيدة التي أشارت إلى التعارف في الدنيا هي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.</p>
<p>هذه الآية هي إحدى آيات سورة الحجرات،  التي تعد بحق سورة الأخلاق،  فهي سورة قد اشتملت من بدايتها إلى نهايتها على الدعوة إلى مبادئ المعاملات الصحيحة البانية للمجتمع الإيماني السليم المتماسك، وقبل الآية &#8211; محل الدرس- وردت مجموعة من الأوامر والنواهي التي تهدف كلها إلى حفظ جماعة المؤمنين من كل دواعي الفرقة والاختلاف كالتحذير من التقدم بين يدي الله ورسوله ومخالفة أوامرهما، والدعوة إلى التأدب مع الرسول ، والتحذير من تصديق أخبار الفاسقين التي قد تنشر الفتن بين صفوف المؤمنين.</p>
<p>الدعوة إلى الإصلاح بين المتخاصمين، والدعوة إلى الحفاظ على علاقة الأخوة بين المؤمنين، والنهي عن كل ما من شأنه تعكير هذه الأخوة كالسخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والتجسس والغيبة.</p>
<p>وقبل أن تختم السورة ببيان الفرق بين الإيمان والإسلام، جاءت الآية مخاطبة الناس جميعا بدعوتهم إلى التعارف بينهم، ومبينة أن أساس التفاضل بينهم عند الله خالقهم هو التقوى دون أي شيء آخر من تلك الامتيازات الدنيوية النابعة من أصل خلقهم، والراجعة إلى تدبير اللطيف الخبير.</p>
<p>دراسة الآية :</p>
<p>عند الرجوع إلى فهوم المفسرين للآية الكريمة وتفاسيرهم لها، نجدهم يربطونها بسبب نزولها،  ويقصر معظمهم معنى التعارف فيها على مجرد معرفة أنساب وقبائل بعضهم بعضا، قال الطبري: »وقوله لِتَعَارَفُوا يقول: ليعرف بعضكم بعضا في النسب، يقول تعالى ذكره: إنما جعلنا هذه الشعوب والقبائل لكم أيها الناس، ليعرف بعضكم بعضا في قرب القرابة منه وبعده، لا لفضيلة لكم في ذلك، وقُربة تقرّبكم إلى الله، بل أكرمكم عند الله أتقاكم.</p>
<p>وقال ابن كثير في تفسير لتعارفوا : «أي: ليحصل التعارف بينهم، كلٌ يرجع إلى قبيلته».</p>
<p>وقال النيسابوري في تفسير الآية: «ثم بين الحكمة التي من أجلها رتبهم على شعوب وقبائل وهي أن يعرف بعضهم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه فقال وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أي ليقع بينكم التعارف بسبب ذلك لا أن تتفاخروا بالأنساب».</p>
<p>أما التفاسير المعاصرة فقد توسع بعضها في ما يفهم من الآية الكريمة، فنجد مثلا في تفسير المنار عند الحديث عن مقاصد القرآن:» الْمَقْصِدُ الرَّابِعُ مِنْ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ</p>
<p>الْإِصلَاح الِاجْتِمَاعِي الْإِنْسَانِي وَالسِّيَاسيُّ الَّذِي يَتَحَقق بِالْوَحَدَاتِ الثَّمَانِ:</p>
<p>وَحْدَةُ الْأُمة، وَحْدَةُ الْجنسِ الْبَشَرِي، وَحْدَةُ الدين، وَحْدَة التَّشرِيعِ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْعَدْلِ، وَحْدَةُ الْأُخُوَّةِ الرُّوحِيَّةِ وَالْمُسَاوَاةِ فِي التَّعَبُّدِ، وَحْدَةُ الْجِنْسِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ، وَحْدَةُ الْقَضَاءِ، وَحْدَّةُ اللُّغَةِ» ثم يقول: (الْأَصْل الثَّانِي) الْوَحْدَة الْإِنْسَانِية بِالْمُساوَاة بَيْن أجْنَاسِ الْبشَرِ وَشُعوبِهِمْ وَقَبَائِلِهمْ، وَشَاهِدُهُ الْعَام قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ»</p>
<p>وقال الزحيلي مفسرا الآية الكريمة: «والمعنى أيها البشر إنا خلقناكم جميعا من أصل واحد، من نفس واحدة من آدم وحواء فأنتم متساوون لأن نسبكم واحد، ويجمعكم أب واحد وأم واحدة فلا موضع للتفاخر بالأنساب، فالكل سواء. ولا يصح أن يسخر بعضكم من بعض ويلمز بعضكم بعضا، وأنتم إخوة في النسب. وقد جعلناكم شعوبا (أمة كبيرة تجمع قبائل) وقبائل دونها لتتعارفوا لا لتتناكروا وتتحالفوا، والمقصود أن اللَّه سبحانه خلقكم لأجل التعارف، لا للتفاخر بالأنساب».</p>
<p>وقال سيد قطب في تفسير الآية الكريمة:«يا أيها الناس، والذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم من ذكر وأنثى، وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم شعوبا وقبائل، إنها ليست التناحر والخصام، إنما هي التعارف والوئام، فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطبائع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعارف للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات»، ثم يقول: «إنما هنالك ميزان واحد تتحدد به القيم، ويعرف به فضل الناس إن أكرَمَكُمْ عنْدَ الله أتقاكُمْ.. والكريم حقا هو الكريم عند الله، وهو يزنكم عن علم وعن خبرة بالقيم والموازين إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».</p>
<p>ثم يبن أن هذه القاعدة هي التي ينبغي أن يقوم عليها المجتمع الإسلامي، أو المجتمع الإنساني العالمي الذي تحاول البشرية أن تحققه دون أن تتمكن من ذلك.</p>
<p>يلاحظ أن التعارف عند سيد قطب لا يعني فقط معرفة الأنساب أو الأشخاص، بل عبر عنه بمرادفه عنده كما يظهر وهو لفظ «الوئام»، كما اجعل الغاية من التعارف هي «النهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات»،  وهذا على خلاف ما فسر به عند المتقدمين. فمن أين جاءت هذه الإضافة في معنى التعارف.</p>
<p>عند الرجوع إلى المعاجم اللغوية وجدت معظمها تعرف مادة (عرف) بالعلم،  وتذكر من المادة عدة استعمالات منها المعرفة بمعنى يقارب العلم بالشيء، وعرف الدابة، والعريف بمعنى القائم على أمور القوم، والعراف، والمعروف، والعرف بكسر العين بمعنى الصبر.</p>
<p>غير أنه في معنى المعروف عند ابن منظور وجدت لفظ الاطمئنان، وهذا اللفظ أصل من أصلي مادة عرف كما ذكره ابن فارس،  قال:</p>
<p>«العين والراء والفاء أصلان صحيحان يدلُّ أحدُهما على تتابُع الشيء متَّصلاً بعضُه ببعض، والآخر على السكون والطُّمَأنينة.</p>
<p>فالأوّل العُرْف: عُرْف الفَرَس. وسمِّي بذلك لتتابُع الشَّعر عليه.ثم قال : «والأصل الآخر المعَرِفة والعِرفان. نقول :عَرَف فلانٌ فلاناً عِرفاناً ومَعرِفة. وهذا أمر معروف. وهذا يدلُّ على ما قلناه من سُكونه إليه، لأنَّ مَن أنكر شيئاً توحَّشَ منه ونَبَا عنْه.</p>
<p>ومن الباب العَرْف، وهي الرَّائحة الطيِّبة. وهي القياس، لأنَّ النَّفس تسكُن إليها. يقال : ما أطيَبَ عَرْفَه. والعُرْف: المعروف، وسمِّي بذلك لأنَّ النفوس تسكُن إليه [...]، ويقال : النَّفس عَروف، إذا حُمِلت على أمرٍ فباءت به أي اطمأنَّت [... ] والعارف : الصابر، يقال أصابته مصيبةٌ فوُجِد عرُوفاً،  أي صابراً.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2015/02/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d8%b1%d9%81-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%85%d9%82%d8%b5%d8%af%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d9%82-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d9%8a/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>وقفات أسرية مع سورة النساء</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2008/03/%d9%88%d9%82%d9%81%d8%a7%d8%aa-%d8%a3%d8%b3%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b3%d8%a7%d8%a1/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2008/03/%d9%88%d9%82%d9%81%d8%a7%d8%aa-%d8%a3%d8%b3%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b3%d8%a7%d8%a1/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 03 Mar 2008 11:16:53 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 293]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[التشريع]]></category>
		<category><![CDATA[المنهج]]></category>
		<category><![CDATA[حليم زايد]]></category>
		<category><![CDATA[سورة النساء]]></category>
		<category><![CDATA[وقفات أسرية]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/2013/11/%d9%88%d9%82%d9%81%d8%a7%d8%aa-%d8%a3%d8%b3%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b3%d8%a7%d8%a1/</guid>
		<description><![CDATA[ذ. حليم زايد جاء في لسان العرب الأسرة: الدرع الحصينة. وأَسره يأسره أسرا وإسارة : شده بالإسار، أي الرباط الذي   يشد به الأسير. وأسرة الرجل: عشيرته ورهطه الأدنون لأنه يتقوى بهم.(1) والأسرة نواة المجتمع ، إذا صلحت صلح المجتمع وإذا فسدت فسد المجتمع. لذا أحاطها الإسلام بالعناية والرعاية، وشرع من القوانين والأحكام ما يضمن سلامتها [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: right;"><span style="color: #ff0000;"><strong>ذ. حليم زايد</strong></span><br />
جاء في لسان العرب الأسرة: الدرع الحصينة. وأَسره يأسره أسرا وإسارة : شده بالإسار، أي الرباط الذي   يشد به الأسير.</p>
<p style="text-align: right;">وأسرة الرجل: عشيرته ورهطه الأدنون لأنه يتقوى بهم.(1) <span id="more-4234"></span></p>
<p style="text-align: right;">والأسرة نواة المجتمع ، إذا صلحت صلح المجتمع وإذا فسدت فسد المجتمع. لذا أحاطها الإسلام بالعناية والرعاية، وشرع من القوانين والأحكام ما يضمن سلامتها وقوامها، ومن الوصايا والتوجيهات ما يحقق أمنها ورقيها. فكلما سارت الأسرة مهتدية بهذه الأحكام والتوجيهات سعدت واطمأنت ،وكلما ابتعدت عن هذه التشريعات حارت واضطربت وخسرت دنياها وأخراها مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : ((تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك&lt;.</p>
<p style="text-align: right;">وقد تنبه أعداء الإسلام_ من الداخل والخارج _ إلى أن الأسرة نقطة ارتكاز الأمة الإسلامية، ومصدر قوتها وأصالتها، لذا حاولوا ويحاولون زعزعة هذا الارتكاز وفض البناء من أساسه، تارة بدعوى الحريات الشخصية وتارة بدعوى تحرير المرأة وثالثة بدعوى حقوق الطفل.</p>
<p style="text-align: right;">فالأسرة المسلمة مستهدفة بكل عناصرها ، ما من شك في ذلك، وإذا كانت المؤسسات التعليمية أو الاجتماعية أو غيرها_ بسبب هذا الاستهداف_ تسرب إليها التقصير وعجزت عن أداء دورها المنوط بها في التربية والتوجيه، فإن مؤسسة الأسرة ينبغي ألا ينصرف إليها هذا التقصير، فهي الرباط في وجه الرياح الهوجاء التي تريد اقتلاع قيم الحياء والتكافل والفضيلة والتعايش بين أفراد المجتمع الإسلامي.</p>
<p style="text-align: right;">فالأسرة المسلمة، وبفضل ما عندها من بقايا الايمان على علاّتها، وبفضل ما عندها من رمق الإسلام، من نفس يتردد فيها، هي الأمل الوحيد لإنقاذ أسر هذا العالم مما تعرفه من تشتت وهبوط أخلاقي أفقدها أهم خصائص الأسرة من ترابط وتواصل وتعاون، واحترام وسكن وطمأنينة.</p>
<p style="text-align: right;">ولعل سورة النساء _ كما يدل عليها اسمها_ من أهم السور القرآنية التي اهتمت بقضايا الأسرة، وذلك بما اشتملت عليه من توجيهات وقوانين منظمة للعلاقات بين أفرادها.</p>
<p style="text-align: right;">وهذه السورة مدنية، وهي أطول سور القرآن الكريم بعد سورة البقرة. تعمل بجد وجهد من أجل التقاط هذا المجتمع الإنساني من حضيض الجاهلية إلى سمو الإسلام. معتمدة على منهج رباني ثابت في أصوله ومقوماته، لأنه يتعامل مع الإنسان الثابت في كينونته مهما تغيرت وتطورت حياته. فالإنسان سيبقى إنسانا ولن تحوله هذه التطورات خلقا آخر.</p>
<p style="text-align: right;">&#8220;ومن ثم تواجه هذه النصوص الثابتة تلك الكينونة البشرية الثابتة. ولأن مصدرهما واحد، فإن هذه النصوص تواجه حياة الإنسان بظروفها المتغيرة وأطوارها المتجددة، بنفس المرونة التي يواجه بها الإنسان ظروف الحياة المتغيرة وأطوارها المتجددة، وهو محافظ على مقوماته الأساسية .. مقومات الإنسان.&#8221;(2)</p>
<p style="text-align: right;">وكما أخذ هذا المنهج بيد المجتمع العربي _ والأسرة داخل هذا المجتمع_ وارتقى به إلى القمة السامقة التي حققها الإسلام طيلة فترات حية من تاريخ البشرية، يستطيع هذا المنهج أن يأخذ بيد المجتمعات الإنسانية في كل وقت وحين إلى بر الأمان والاستقرار، بعيدا عن الحيوانية والشهوانية والفوضى والجبروت الذي تعيش فيه.</p>
<p style="text-align: right;">ونحن إذا رجعنا إلى ما قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وقارناه بعصر النبوة علمنا القفزة الهائلة والسمو الأخلاقي الذي عرفته الأسرة. فبعدما كان المجتمع تؤكل فيه حقوق الأيتام _ وبخاصة اليتيمات _ ويجار فيه على الصغار والصغيرات والنساء، ويستأثر الرجال بمعظم التركة_ إن لم نقل كلها_، وتعامل المرأة كالمتاع يورث أو يحبس فإذا مات زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبه ليحجزها، إن شاء نكحها بغير مهر وإن شاء زوجها وأخذ مهرها! ويعضلها زوجها إذا أراد تطليقها، فيدرها كالمعلقة لا هي زوجة ولا هي مطلقة حتى تفتدي نفسها منه وتفك أسرها.</p>
<p style="text-align: right;">إذا أضفنا إلى ذلك فوضى العلاقات الجنسية والعائلية، حيث شاعت اتصالات السفاح والمخادنة. عرفنا حقا الحضيض الذي كانت تعيشه الأسرة العربية قبل الإسلام_ وهو واقع يشبه كثيرا واقع الأسرة في الدول الغربية_  وعرفنا في المقابل ما فعلته التعاليم الإسلامية في النفوس لترتفع بها إلى تلك القمة التي لم تبلغها البشرية قط ، والتي ما نزال أملا لأصحاب العقول السليمة، يمكن للأمم أن تحاوله عندما يصح منها العزم على انتهاج الطريق الذي انتهجه الرسول صلى الله عليه وسلم بالمسلمين في عصر النبوة.</p>
<p style="text-align: right;">وسورة النساء في جزء كبير منها تعطينا معالم هذا المنهج الرباني الذي حول الفرد والأسرة والمجتمع من عناصر سلبية لا دور لها في صيرورة الحياة، بله المساهمة في بنائها، إلى مجموعة متكاملة إيجابية تتفاعل مع الأحداث، بل وتتحكم في نسج خيوط تاريخ جديد مضيء شيدت دعائمه على أساس العدل والفضيلة والمساواة عوض الجور والظلم والرذيلة.</p>
<p style="text-align: right;">وسنكتفي في هذه الأسطر بالوقوف عند آية الافتتاح في السورة لنستخلص بعض ما جاء فيها من إشارات ربانية عجيبة لو أحسن فهمها واستشرافها لساهمت مساهمة كبيرة في استقرار الأسرة وتكاملها، وبالتالي صلاح المجتمع ورقيه.</p>
<p style="text-align: right;">يقول الله تعالى في بداية سورة النساء: {بسم الله الرحمن الرحيم يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}.</p>
<p style="text-align: right;">الإشارة الأولى:</p>
<p style="text-align: right;">قوله تعاالى: {يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة}</p>
<p style="text-align: right;">جاء في تفسير الطبري: احذروا أيها الناس ربكم في أن تخالفوه فيما أمركم وفيما نهاكم فيحل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به(3).</p>
<p style="text-align: right;">فالناس _كل الناس _ خلقوا من نفس واحدة، فهم بدءا  مخلوقين، لم يأتوا لهذه الدنيا بإرادتهم . بل هناك إرادة أخرى قررت ذلك، وهي أعلم بهم، وأعلم بما يصلح شأنهم . فوجب اتباع منهجها وطريقها . فالرب واحد والخالق واحد، خلقهم من نفس واحدة_ آدم عليه السلام_ حتى تكون العناصر المشتركة بين الناس، بين الرجل والمرأة، بين الزوج والزوجة، بين الأب والأم والأولاد، عامل قوة لتوحد المجتمع والأسرة. وما يتميز به شخص عن آخر وجنس عن آخر ومجتمع عن آخر، عامل رحمة به يقع التكامل والتكافل والتعاون بين الأفراد والمجتمعات. قال تعالى : {يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}(الحجرات : 13).</p>
<p style="text-align: right;">فلو تذكر الناس هذه الحقيقة البديهية التي يغفلون عنها، لما وقعت هذه الحروب والصراعات بين بني آدم. ولو تمثلت الأسر هذه الحقيقة :أن الزوج والزوجة، الآباء والأبناء، الإخوة والأخوات والأقارب، كلهم من أصل واحد، وأن ما يجمعهم فزيولوجيا وعقليا وروحيا أكثر مما يميز بعضهم عن بعض، وأن الموهبة التي خص الله بها أحدهم دون الآخر يجب أن تكون داعمة ومكملة لمواهب بقية العناصر، لو استطاعت أسرنا ومجتمعاتنا فقه هذه الحقيقة المشار إليها في هذا الجزء العظيم من الآية لكفت نفسها عناء الكثير من المواجهات والصراعات والمشاحنات المدمرة.</p>
<p style="text-align: right;">هذه وقفة أولى في هذه السورة تؤكد وحدة الأصل، وتنبهنا إلى أن كل إنسان، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، فيه من العناصر المشتركة مع بقية البشر ما يسهل عملية التوافق والتفاهم لا عملية الاختلاف والتضاد.</p>
<p style="text-align: right;">الإشارة الثانية :</p>
<p style="text-align: right;">قوله تعالى: {وخلق منها زوجها}</p>
<p style="text-align: right;">جاء في تفسير الطبري: يعني حواء التي خلقت من ضلع من أضلاعه_أي آدم_ ليسكن إليها(5).</p>
<p style="text-align: right;">فالمرأة حواء ، خلقت من ضلع الرجل آدم ، ولو شاء الله عز وجل لخلقها ابتداء (كن فيكون)،</p>
<p style="text-align: right;">ولكنها الحكمة الإلهية التي يجب أن يتدبرها الرجل والمرأة على السواء ليعلموا أن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم، فيأنس كل منهما للآخر ويكمل كل منهما نصفه الآخر.</p>
<p style="text-align: right;">فالإسلام عكس الاعتقادات والفلسفات الأخرى، لا ينظر للمرأة نظرة دونية تجعلها رجسا أو نجاسة أو أصل الشر والبلاء، (فهي من النفس الأولى فطرة وطبعا، خلقها الله لتكون لها زوجا يخرج منهما رجالا كثيرا ونساء  فلا فارق في الأصل والفطرة ، إنما الفارق في الاستعداد والوظيفة)(6).</p>
<p style="text-align: right;">ولا نريد أن نطيل في هذه النقطة، فالنساء شقائق الرجال في الإسلام ،  والمرأة إنسان ونفس خلقت لإنسان ونفس، وشطر مكمل لشطر، وهي مع الرجل ليسا فردين متماثلين، إنما زوجان متكاملان.</p>
<p style="text-align: right;">الإشارة الثالثة :</p>
<p style="text-align: right;">الزواج هو الأساس الذي تبنى عليه الأسرة كما أشارت إلى ذلك الآية السابقة، فقد رغب الإسلام في الزواج وحث عليه، وجعله عبادة يثاب عليها المؤمن ويؤجر، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((وفي بضع أحدكم صدقة&lt;.</p>
<p style="text-align: right;">والإسلام بهذا يخالف تصور أولئك الذين يرون أن الغريزة الجنسية يجب أن تكبح إلى الأبد، ويفتخرون بالرهبانية ، بل ويجعلونها من أعلى مراتب الفضيلة.</p>
<p style="text-align: right;">والأساس أن طبيعة الفضيلة العموم والنفع، فإذا قلنا مثلا أن الصدق فضيلة ، هذا يعني أنه إذا عم الصدق والأمانة ارتقى الناس وانتفعوا وإذا قلت مع القاصرين: الرهبانية فضيلة. فإذا عمت الرهبانية باد الجنس البشري وتلاشى.</p>
<p style="text-align: right;">فلا فضيلة إذن في الرهبانية. ولهذا جاء رده صلى الله عليه وسلم على الثلاثة الذين ألزموا أنفسهم بما لا يجوز شرعا: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) رواه البخاري باب الترغيب في النكاح.</p>
<p style="text-align: right;">كما يخالف الإسلام تصور أولئك الذين أطلقوا العنان لغرائزهم الجنسية حتى هبطوا في مجتمعاتهم إلى درجة الحيوان، بل هم أضل. فأباحوا الزنا واللواط والسحاق ،  وأجازوا سفها زواج المثلين، وهو شذوذ عن الفطرة السليمة لا يختلف في نتائجه عن الرهبانية، بل ويفوقها ضررا ودمارا.</p>
<p style="text-align: right;">فالإسلام دين الفطرة السوية، ضبط الغرائز البشرية ونظم الغريزة الجنسية، فلم يقيدها التقييد الذي يبيد البشرية، ولم يطلق لها العنان لتحول البشر إلى حيوانات. بل أباح الزواج وأعان عليه بكل جهده، وبنى للغريزة الجنسية السلوك الوحيد النافع للبشرية : وهو الزواج الشرعي الذي يثبت الواقع والعلم يوما بعد يوم أنه الإطار الوحيد الذي يضمن قضاء الغريزة الجنسية بعيدا عن الخوف والقلق والاضطرابات والأمراض المميتة التي تفرخها العقائد والتصورات الأخرى الفاسدة والمنحرفة.(7)</p>
<p style="text-align: right;">الإشارة الرابعة:</p>
<p style="text-align: right;">قوله تعالى:{ وبث منهما رجالا كثيرا ونساء}</p>
<p style="text-align: right;">أي خلق من آدم وحواء &#8211; الزوج والزوجة-  بقية البشر، فالأسرة إذن  هي قاعدة البشرية، وقد شاءت الحكمة الربانية أن تبدأ هذه البشرية من زوج وزوجة إشارة من جهة إلى قيمة الزواج الشرعي كما أسلفنا، ومن جهة أخرى إلى أن الأسرة والاجتماع هو الأساس وليس الأنانية وانفراد كل جنس عن الآخر . ولو شاء الله لخلق- في أول النشأة-   رجالا كثيرا ونساء، وزوجهم فكانوا أسرا شتى من أول الطريقة، لا رحم بينهم من مبدأ الأمر. ولكن حكمته عز وجل قضت بأن يضاعف الوشائج،  فتقوم الأسرة الأولى من ذكر وأنثى هما من نفس واحدة وطبيعة واحدة وفطرة واحدة. ومن هذه الأسرة الأولى ينشأ بقية الخلق.</p>
<p style="text-align: right;">ولهذا الغرض جاءت تلك العناية الكبيرة بالأسرة داخل النظام الإسلامي، فشرعت جميع الأحكام والقوانين التي تضمن سلامة هذه الأسرة وتوثق عراها وتقوي بنيانها وتحميها من جميع المؤثرات السلبية التي تزعزع كيانها. وفي مقدمة هذه المؤثرات السلبية مجانبة الفطرة بالتخلي عن الزواج الشرعي، وتجاهل استعدادات كل من الرجل والمرأة ، وتناسق  هذه الاستعدادات مع بعضها البعض، وتكاملها لإقامة أسرة من ذكر وأنثى.</p>
<p style="text-align: right;">الإشارة الخامسة :</p>
<p style="text-align: right;">قوله تعالى:{واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيب{&#8220;</p>
<p style="text-align: right;">لعلماء التفسير في كلمة (والأرحام) أقوال تؤكد كلها القيمة الكبرى لذوي الرحم في الإسلام، منها أنها معطوفة على (به) أي تقديرها: تساءلون بالله وتساءلون بالأرحام. بمعنى القسم.</p>
<p style="text-align: right;">والله إذا أقسم بشيء من مخلوقاته إنما يفعل ذلك لإظهار عظمة ذلك المخلوق خاصة، كي نتفكر فيه ونهتم به ونوليه العناية التي تليق به. فصلة الرحم من هذه الجهة عظيمة ولها مكانة خاصة عند الله تعالى وجب الحفاظ عليها وعدم فعل أو تشريع ما يضر أو يفسد هذه العلاقة. قال الله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه عبد الرحمن بن عوف عن الرسول صلى الله عليه وسلم : ((أنا الله الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي ، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته&lt;(أخرجه الترمدي).</p>
<p style="text-align: right;">ومن العلماء من عطفها على (واتقوا الله) بمعنى : واتقوا الأرحام(8).</p>
<p style="text-align: right;">وتقوى الله وخشيته بفعل أوامره واجتناب نواهيه مفهومة لتكرارها في القرآن الكريم. أما تقوى الأرحام فهي تعبير عجيب يجعل المسلم يقف طويلا أمامه، يتدبره ويفكر فيه مليا ليستنبط منه ما عساه يحقق أمر ربه. فيجد نفسه مضطرا إذا ما أراد تحقيق تقوى ربه ونيل رضاه إلى المرور بالإحسان إلى أسرته الكبيرة -الأقارب- ، لأن الله قرن تقواه بتقوى دذي الأرحام. فيسارع المؤمن إلى بر أقاربه ماديا ومعنويا: فيساعدهم ويقف بجانبهم ويتواضع لهم ويقوي وشائج المحبة والمودة بينه وبينهم، ويبتعد عن كل ما يخدش كرامتهم أو يجرح مشاعرهم، ويتقي هضم حقوقهم أو ظلم ضعيفهم.</p>
<p style="text-align: right;">هذه أيها الإخوة قيمة الأسرة في الإسلام من خلال آية واحدة فقط في كتاب الله عز وجل ، تبين لنا بالملموس الذي لا شك فيه أنها مكانة عظيمة ومقدسة، وفر لها الحق سبحانه جميع أسباب التآلف والتواصل والتكامل، إذ جعل الخلق كلهم من أصل واحد وزوج واحد ورحم واحدة. فلا يجوز لأي كان أن يقض أركان هذه المؤسسة ، أو يشرع تشريعات تناقض ما أراد خالق ورب البشر.</p>
<p style="text-align: right;">ويكفينا دلالة على المكانة العظيمة للأسرة في هذه الآية الكريمة ، أن هذه الإشارات التي وقفنا عندها جاءت بين (تقويين) أي أمرين بالتقوى: حيث بدأت الآية بقوله تعالى: {يأيها الناس اتقوا ربكم} وختمت بقوله: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام}.</p>
<p style="text-align: right;">وكأن الله ينبهنا إلى أنه لا تقوى بدون رعاية وحماية مقومات هذه الأسرة، وأن طاعة الله لا تكتمل  إلا بتوثيق أواصر المحبة والتعاون والتكافل والتناصح بين أفراد الأسرة الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، فكلنا لآدم وآدم من تراب.</p>
<p style="text-align: right;">&#8212;&#8212;&#8212;</p>
<p style="text-align: right;">(1) &#8220;لسان العرب&#8221;،:4/ 19 و20</p>
<p style="text-align: right;">(2) &#8220;في ظلال القرآن&#8221;،سيد قطب:1/556</p>
<p style="text-align: right;">(3) &#8220;تفسير الطبري&#8221;:4/223</p>
<p style="text-align: right;">(4) &#8220;تفسير الطبري&#8221;:4/224</p>
<p style="text-align: right;">(5) &#8220;في ظلال القرآن&#8221;1/574.</p>
<p style="text-align: right;">(6)  &#8220;خطب الشيخ محمد الغزالي&#8221;: 4/150- 151</p>
<p style="text-align: right;">(7) &#8220;تفسير القرطبي&#8221;:5/2 و 3.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2008/03/%d9%88%d9%82%d9%81%d8%a7%d8%aa-%d8%a3%d8%b3%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b3%d8%a7%d8%a1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>خصائص التشريع الإسلامي في الصوم وفضله وأحكامه(2/2)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2006/10/%d8%ae%d8%b5%d8%a7%d8%a6%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d9%85-%d9%88%d9%81%d8%b6%d9%84%d9%87-2/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2006/10/%d8%ae%d8%b5%d8%a7%d8%a6%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d9%85-%d9%88%d9%81%d8%b6%d9%84%d9%87-2/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 01 Oct 2006 10:17:44 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 262]]></category>
		<category><![CDATA[فقه العبادات]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[التشريع]]></category>
		<category><![CDATA[الصوم]]></category>
		<category><![CDATA[ذ. أبو الحسن الندوي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=20358</guid>
		<description><![CDATA[تفريط المسلمين في مقاصد الصوم، وجناية العادات على العبادات ولكن المسلمين قد جنوا في كثير من الأحيان على أنفسهم وعلى مقاصد الصوم وفوائده بالعادات التي يبتدعونها، وبجهلهم وإسرافهم في الإفطار والطعام، الإسراف الذي يفقد الصوم الشيء الكثير من فائدته وقوته الإصلاحية والتربوية. الصيانة من التحريف والغلو كان رمضان مظنة للغلو والتعمق في الدين، فقد يفهم [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>تفريط المسلمين في مقاصد الصوم، وجناية العادات على العبادات</p>
<p>ولكن المسلمين قد جنوا في كثير من الأحيان على أنفسهم وعلى مقاصد الصوم وفوائده بالعادات التي يبتدعونها، وبجهلهم وإسرافهم في الإفطار والطعام، الإسراف الذي يفقد الصوم الشيء الكثير من فائدته وقوته الإصلاحية والتربوية.</p>
<p>الصيانة من التحريف والغلو</p>
<p>كان رمضان مظنة للغلو والتعمق في الدين، فقد يفهم كثير من الناس أن موضوعه وغايته قهر النفس، وترويضها على ترك الشهوات والرغبات، وإجهادها إلى أقصى حد ممكن، فكلما أمعن الإنسان في إجهادها وقهرها، وكلما طالت الفترة في الأكل والشرب والتمتع، وطالت مدة الجوع والظمأ، وكلما أظهر الصبر والاحتمال، كان أقرب إلى الله وأحب إليه، وأبعد عن المترفهين المترفين والمتنعمين المتمتعين، وأدخل في غمار المتقين الصابرين.</p>
<p>وهذا الفهم الخاطئ السطحي هو الذي زين لكثير من المتدينين والمتقشفين في الأمم السابقة، والديانات القديمة الغلو في العبادات عامة، وفي الصوم خاصة، فأطالوا مدة الإمساك عن الطعام والشراب، وأخروا الفطور، وعجلوا السحور، أو تحرجوا عن التسحر مطلقاً، ورأوه عجزاً في الدين، وضعفاً في الصائمين، أو وصلوا الصوم بالصوم، والليل بالنهار، وقلدهم في ذلك غلاة المسلمين، والطوائف المبتدعة المتشددة، فكان كل ذلك تحريفاً في الدين، وجهاداً في غير جهاد، ورهبانية ابتدعوها، وباباً واسعاً لفساد شامل، وتحدياً لقول الله تعالى : {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقوله : {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وقوله : (إن الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا).</p>
<p>لذلك كله سدت الشريعة الإلهية الأخيرة الخالدة هذا الباب، فحثت على السحور أولاً، ورغب فيه رسول اللهواستحبه، وجعلهسنة للمسلمين، فقد روى أنس بن مالك عنه : (تسحروا فإن في السحور بركة) وعن عمرو بن العاص &#8211; رضي الله عنه &#8211; أن رسول الله، قال : (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر) وحذر عن تأخير الفطر، وجعل التأخير فيه آية للفساد، والوقوع في الفتن، وشعاراً لغلاة أهل الكتاب، فعن سهل بن سعد، قال : قال رسول الله (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) وعن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه، قال : (لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون).</p>
<p>وكذلك كان من سنته وسنة أصحابه تأخير السحور، فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال : (تسحرنا مع رسول الله، ثم قمنا إلى الصلاة، قيل : كم كان بنيهما ؟ قال : خمسون آية) وعن ابن عمر &#8211; رضي الله عنهما &#8211; قال : كان لرسول الله : (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، قال : ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقىهذا)</p>
<p>وقد بسط شيخ الإسلام أحمد بن عبدالرحيم الدهلوي الكلام، في هذا الموضوع فذكر عناية الشريعة الإسلامية، والسنة النبوية، بهذا الجانب الإصلاحي في علم جم وفقه دقيق، قال :</p>
<p>&#8221; إن من المقاصد المهمة في باب الصوم سد ذرائع التعمق، ورد ما أحدثه فيه المتعمقون، فإن هذه الطاعة كانت شائعة في اليهود والنصارى ومتحنثي العرب، ولما رأوا أن أصل الصوم هو قهر النفس تعمقوا وابتدعوا أشياء فيها زيادة القهر، وفي ذلك تحريف دين الله.</p>
<p>وهو إما بزيادة الكم أو الكيف، فمن الكم قوله : (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم يوماً، فليصم ذلك اليوم)، ونهيه عن صوم يوم الفطر ويوم الشك، وذلك لأنه ليس بين هذه وبين رمضان فصل، فلعله إن أخذ ذلك المتعمقون سنة، فيدركه منهم الطبقة الأخرى، وهلم جرا، يكون تحريفاً، وأصل التعمق أن يؤخذ موضع الاحتياط لازماً، ومنه يوم الشك.</p>
<p>ومن الكيف، النهي عن الوصال، والترغيب في السحور، والأمر بتأخيره وتقديم الفطر، فكل ذلك تشدد وتعمق من صنع الجاهلية&#8221;.</p>
<p>والصوم كله خضوع للأمر الإلهي، فلا أكل ولا شرب، ولا متعة بما حظر على الصائم بعد تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر إلى غروب الشمس مهما جمحت النفس، وطغت شهوة الطعام والشراب، ولا إمساك عن الطعام والشراب وما حظر في النهار، بعد غروب الشمس، مهما جمحت طبيعة الزهد والنسك، فليس الحكم للنفس والشهوة والعادة، إنما الحكم لله، ولا تجلد مع الله، ولا مصارعة مع الدين، وكلما كان الصائم متجرداً عن هواه، منقاداً للحكم، مستسلماً لقضاء الله تعالى وشريعته، كان أصدق في العبودية، وأبعد من الأنانية، وقد أحسن العارف الكبير، والمصلح العظيم، الإمام أحمد بن عبدالأحد السرهندي، في الإشارة إلى هذه النكتة، إذ قال في إحدى رسائله :</p>
<p>&#8221; يتجلى في تأخير التسحر وتعجيل الإفطار، عجز الصائم وحاجته، وهو ملائم للعبودية محقق لغرضها &#8220;.</p>
<p>الاعتكاف</p>
<p>والاعتكاف في رمضان متمم لفوائده ومقاصده، متدارك لما فات الصائم من جمعية القلب، وهدوء النفس، واجتماع الهم، والانقطاع إلى الله تعالى بالقلب والقالب، وحقيقته الفرار إلى الله، والاطراح على عتبة عبوديته، والارتماء في أحضان رحمته.</p>
<p>يقول شيخ الإسلام الدهلوي رحمه الله عليه :</p>
<p>&#8221; ولما كان الاعتكاف في المسجد سبباً لجمع الخاطر، وصفاء القلب، والتفرغ للطاعة، والتشبه بالملائكة، والتعرض لوجدان ليلة القدر اختاره النبيفي العشر الأواخر، وسنه للمحسنين من أمته&#8221;.</p>
<p>لذلك داوم عليه، وحافظ عليه المسلمون في كل جيل، وفي كل عصر ومصر وأصبح من السنن المأثورة ومن شعائر رمضان، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها : (أن النبيكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه، من بعده).</p>
<p>وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (كان النبييعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً).</p>
<p>دور الإسلام الإصلاحي</p>
<p>في تشريع الصوم</p>
<p>قام الإسلام بنفس الدور الإصلاحي الذي قام به في جميع العبادات والفرائض والمناسك، وكان إصلاحاً جذرياً، في مفهوم الصوم وآدابه وأحكامه ووضعه، جعله أعظم يسراً وسهولة وقرباً إلى الفطرة السليمة، وأضمن بالفوائد الروحية والاجتماعية، وأعمق تأثيراً في النفس والمجتمع.</p>
<p>فمن إصلاحاته الكثيرة المتنوعة هو التحويل في مفهوم الصوم، فقد كان رمزاً للحداد والحزن، وتذكاراً للكوارث والمآسي في الديانة اليهودية &#8211; كما أسلفنا &#8211; فحوله الإسلام من هذا المفهوم القاتم الذي يغلب عليه التشاؤم، إلى مفهوم منشط مشرق تغلب عليه روح التفاؤل، وجعله عبادة عامة، يتمتع فيها الصائم بالنشاط والفرح، ويستبشر بما وعده الله تعالى وثوابه الجزيل، ورضاه، ووردت الآيات، والأحاديث المبشرة بالثواب، المتضمنة بالفرح الطبعي تثير في الصائم هذا الشعور وهذه الثقة، فقد جاء في حديث قدسي : (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) وورد في هذا الحديث : (للصائم فرحتان : فرحة عند فطوره، وفرحة عند لقاء ربه) وقد أحاط الصائم بجو من السمو، والحظوة، والمكانة عند الله تعالى، فقال : (لخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك) وذلك جو يخالف جو الحداد والمآتم والحزن والتشاؤم.</p>
<p>وقد كان الصوم عند اليهود مرادفاً لتذليل النفس والعقوبة، وقد شاع هذا التعبير في أسفارهم وصحفهم، فقد جاء في اللوايين أو سفر الأحبار :</p>
<p>&#8221; ويكون لكم فريضة دهرية أنكم في الشهر السابع في عاشر الشهر، تذللون نفوسكم وكل عمل لا تعملون، الوطني والغريب النازل في وسطكم، لأنه في هذا اليوم يكفر عنكم لتطهيركم من جميع خطاياكم، أمام الرب تطهرون &#8220;.</p>
<p>وجاء في موضع آخر.</p>
<p>&#8221; وكلم الرب موسى قائلاً، أما العاشر من هذا الشهر السابع، فهو يومالكفارة، محفلاً مقدساً، يكون لكم، تذللون نفوسكم وتقربون وقوداً للرب، عملاً ما لا تعلمون في هذا اليوم عينه، لأنه يوم كفارة للتكفير عنكم أمام الرب إلهكم &#8220;.</p>
<p>وجاء في سفر العدد :</p>
<p>&#8221; وفي عاشر هذا الشهر السابع، يكون لكم محفل مقدس، وتذللون أنفسكم، عملاً ما لا تعلمون&#8221;.</p>
<p>أما الشريعة الإسلامية فلم تعتبر الصوم إيلاماً للنفس، ولا عقوبة من الله، ولم ترد في القرآن ولا في السنة كلمة تدل على ذلك، بل اعتبرته عبادة، يتقرب بها العبد إلى الله، ولم تشرع من الأحكام الغليظة المجحفة، ومن القيود القاسية العنيفة ما تجعله مرادفاً لتعذيب النفس وإرهاقها، وحملها على ما لا طاقة له به، بل سنت التسحر، واستحبت تأخيره إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وسنت تعجيل الفطور، وأباحت النوم والراحة من الليل والنهار، والاشتغال بالصناعة والتجارة، والأعمال المفيدة المباحة، خلافاً لليهودية التي فرضت الإضراب عن العمل، والانقطاع إلى العبادة.</p>
<p>وكان الصوم في كثير من الديانات القديمة &#8211; ولا يزال &#8211; مختصاً بطبقة دون طبقة، فكان في الديانة البرهمية فريضة على البراهمة في أكثر الأحيان، وعند المجوس على العلماء والكهنوت (دستور) وعند اليونان بالإناث دون الذكور.</p>
<p>أما الإسلام فقد عمم وأطلق، فنزل : {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وبجانب هذا التخصيص &#8211; الذي عرفت به الديانات القديمة &#8211; لم يستثن المعذورين، أما الإسلام فقد استثنى أصحاب العذر، وقال الله تعالى : {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} وقال : {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين}.</p>
<p>وقد كان في بعض الديانات جوع أربعين يوماً، لا يتناول فيها الصائم غذاءاً، وبالعكس من ذلك توسعت بعض الديانات توسعاً زائداً، فاقتصرت على تحريم تناول اللحوم، وأباحت الفواكه والمشروبات، أما الإسلام فقد جاء تشريعه وسطاً بين الشدة والرقابة، وبين الإرهاق والإطلاق، فجاء صومه صوماً متزناً عادلاً، ليس فيه تعذيب أبدان، ولا إزهاق أرواح، وليس فيه كذلك إرخاء عنان، ولا تسريح في روح وريحان.</p>
<p>وكان اليهود يقتصرون على ما يأكلونه عند الفطر، ثم لا يعودون إلى أكل أو تمتع، أما العرب فكانوا لا يأكلون ولا يتمتعون بالمباحات إذا ناموا، أما الإسلام فقد ألغى هذه القيود كلها، ونزل القرآن : {وكلوا واشربوا حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} وكذلك عفا عن الخطأ والنسيان، وكذلك لا يفسد الصوم أفعال اضطرارية : كالقيء والرعاف، والاحتلام خلافاً لبعض الديانات.</p>
<p>وكان الصوم في أكثر الديانات القديمة مضبوطاً بالشهور الشمسية، وكان ذلك يحتاج إلى العلوم الرياضية والفلكية، وإلى وضع التقاويم، ثم كانت تلك الأيام مستقرة دائمة في فصول خاصة، لا تجور ولا تنتقل.</p>
<p>أما الصوم الإسلامي فهو مضبوط بالشهور القمرية، ومربوط بالهلال فقد جاء في القرآن : {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج}، وقال النبي (لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دون غيابة، فـأكملوا ثلاثين يوماً)، وجاء في حديث آخر : (لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له) فاستطاع المسلمون، في مشارق الأرض ومغاربها، وفي البوادي وقلل الجبال وفي الدور الممعن في البداوة والأمية، وفي أمكنة منقطعة موغلة في الغابات والآجام أن يبدأوا الصوم ويختموه من غير مشقة وتكلف وبحث علمي عميق، وكانت فائدته كذلك أن رمضان يدور في فصول مختلفة، من شتاء وصيف، فلا يكلف المسلمون بالصوم في حر لافح، وفي قيظ شديد، ولا في برد قارس وشتاء كالح، دائماً وفي كل سنة، فيتمتعون بتغير الفصول واختلاف الطقوس، ويتعودون كل ذلك، وهم في كل ذلك صابرون محتسبون، أو شاكرون حامدون&#8221;.</p>
<p>ومن عرف أوضاع الصوم ومناهجه في الأمم القديمة، والديانات المعاصرة ودرس تاريخها وفلسفتها، وشاهد أحوال الصائمين فيها على قلتهم وتشتت أحوالهم وقارن ذلك بالصوم الإسلامي ووضعه ومنهجه، وفقهه وآدابه، وأكرمه الله بالدخول في هذه الأمة المسلمة، والعمل بالشريعة الإسلامية السمحة نطق لسانه بالحمد والثناء، والشكر على نعمة الإسلام، وكان حقيقاً بأن يقول وهو صائم.</p>
<p>{وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ}.</p>
<p>ذ. أبو الحسن الندوي</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2006/10/%d8%ae%d8%b5%d8%a7%d8%a6%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d9%85-%d9%88%d9%81%d8%b6%d9%84%d9%87-2/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>خصائص التشريع الإسلامي في الصوم وفضله وأحكامه</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2006/09/%d8%ae%d8%b5%d8%a7%d8%a6%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d9%85-%d9%88%d9%81%d8%b6%d9%84%d9%87/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2006/09/%d8%ae%d8%b5%d8%a7%d8%a6%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d9%85-%d9%88%d9%81%d8%b6%d9%84%d9%87/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 16 Sep 2006 16:38:19 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 261]]></category>
		<category><![CDATA[فقه العبادات]]></category>
		<category><![CDATA[التشريع]]></category>
		<category><![CDATA[الصوم]]></category>
		<category><![CDATA[خصائص]]></category>
		<category><![CDATA[ذ. أبو الحسن الندوي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=20335</guid>
		<description><![CDATA[جاء التشريع الإسلامي للصوم أكمل تشريع وأوفاه بالمقصود، وأضمنه للفائدة، وقد تجلت فيه حكمة العزيز العليم الحكيم الخبير، الذي خلق الإنسان {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}. لماذا خص رمضان بالصوم ؟ جعل الله الصوم في رمضان،  لأن رمضان قد أنزل فيه القرآن، فكان أحق شهور الله &#8211; بما خصه الله من يمن وسعادة [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>جاء التشريع الإسلامي للصوم أكمل تشريع وأوفاه بالمقصود، وأضمنه للفائدة، وقد تجلت فيه حكمة العزيز العليم الحكيم الخبير، الذي خلق الإنسان {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.</p>
<p>لماذا خص رمضان بالصوم ؟</p>
<p>جعل الله الصوم في رمضان،  لأن رمضان قد أنزل فيه القرآن، فكان أحق شهور الله &#8211; بما خصه الله من يمن وسعادة وبركة ورحمة، وبما بينه وبين القلوب الإنسانية السليمة من صلة خفية روحية &#8211; بأن يصام نهاره، ويقام ليله.</p>
<p>وبين الصوم والقرآن صلة متينة عميقة، ولذلك كان رسول الله  يكثر من القرآن في رمضان، يقول ابن عباس ] :</p>
<p>(كان رسول الله  أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فرسول الله  حين يلقاه جبريل، أجود بالخير من الريح المرسلة).</p>
<p>يقول العارف بالله، العالم الرباني الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي ((1034هـ)) في بعض رسائله :</p>
<p>&#8221; إن لهذه الشهر مناسبة تامة بالقرآن، وبهذه المناسبة كان نزوله فيه، وكان هذا الشهر جامعاً لجميع الخيرات والبركات، وكل خير وبركة تصل إلى الناس في طول العام قطرة من هذا البحر، وإن جمعية هذا الشهر سبب لجمعية العام كله، وتشتت البال فيه سبب للتشتت في بقية الأيام وفي طول العام، فطوبى لمن مضى عليه هذا الشهر المبارك، روضي عنه، وويل لمن سخط عليه، فمنع من البركات، وحرم من الخيرات &#8220;.</p>
<p>ويقول في رسالة أخرى :</p>
<p>&#8221; إذا وفق الإنسان للخيرات والأعمال الصالحة في هذا الشهر، حالفه التوفيق في طول السنة، وإذا مضى هذا الشهر في توزع بال وتشتت حال، مضى العام كل في تشتت وتشويش &#8220;.</p>
<p>وقد روى أبو هريرة ] عن رسول الله ، قال :</p>
<p>(إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وأغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين) والأحاديث في الباب كثيرة.</p>
<p>موسم عالمي، ومهرجان عام، للعبادات، والخيرات</p>
<p>وهكذا أصبح رمضان موسماً عالمياً للعبادة والذكر والتلاوة والورع والزهادة، يلتقي على صعيده المسلم الشرقي مع الغربي، والجاهل مع العالم، والفقير مع الغني، والمقصر مع المجاهد، ففي كل بلد رمضان، وفي كل قرية وبادية رمضان، وفي كل قصر وكوخ رمضان، فلا افتيات في الرأي، ولا فوضى في اختيار أيام الصوم، فكل ذي عينين يستشعر جلاله وجماله أينما حل ورحل في العالم الإسلامي المترامي الأطراف، تغشى سحابته النورانية المجتمع الإسلامي كله، فيحجم المفطر المتهاون بالصوم عن الانشقاق عن جماعة المسلمين، فلا يأكل إلا متوارياً أو خجلاً، إلا إذا كان وقحاً مستهتراً من الملاحدة، أو الماجنين، أو كان من المرضى والمسافرين، الذين أذن الله لهم في الإفطار، فهو صوم اجتماعي عالمي، له جو خاص، يسهل فيه الصوم، وترق فيه القلوب، وتخشعفيه النفوس، وتميل فيه إلى أنواع العبادات والطاعات، والبر والمواساة.</p>
<p>الجو العالمي، وما له من تأثير في النفوس والمجتمع :</p>
<p>وقد لا حظ ذلك شيخ الإسلام أحمد بن عبدالرحيم الدهلوي بنظره الدقيق العميق، فقال وهو يشرح حديث : (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة) إلخ : &#8221; إذا التزمته أمة من الأمم، سلسلت شياطينها، وفتحت أبواب جنانها، وغلقت أبواب النيران عنها &#8220;.</p>
<p>الفضائل : وما لها من تأثير وقوة</p>
<p>إن الحياة في صراع دائم بين الشهوات الحبيبة إلى النفس، والمنافع المقررة عند العقل، وليست الشهوات هي التي تنتصر دائماً في هذه المعركة &#8211; كما يعتقد بعض الناس &#8211; فذلك سوء ظن بالطبيعة البشرية، وإنكار للواقع.</p>
<p>إن القوة التي تدير عجلة الحياة بسرعة، وتفيض على هذا العالم الحياة والنشاط هي الإيمان بالنفع، ذلك الإيمان هو الذي يوقظ الفلاح في يوم شاتٍ شديد البرد فيحرم عليه الدفء، ويبكر به إلى الحقل، وفييوم صائفٍ شديد الحر يهون عليه وهج الشمس ولفح السموم، ويفصل بين التاجر وأهله، ويتوجه به إلى متجره، ذلك الإيمان هو الذي يزين للجندي الموت في ساحة القتال، وفراق الأحبة والعيال، فلا يعدل به راحة ولا ثروة ولا نعيماً، إن كل ذلك أيمان بالمنافع وحرص على الخير، وهو القطب الذي تدور حوله الحياة.</p>
<p>وهنالك إيمان أعظم سلطاناً على النفوس، وأعمق أثراً من الإيمان الذي ضربنا له بعض الأمثال، ذلك الإيمان بمنافع أخبر بها الأنبياء والرسل، ونزل به الوحي، ونطقت به الصحف، وهي تنحصر في رضا الله وثوابه، وجزائه في الدنيا والآخرة.</p>
<p>لقد علم الجميع أن الإمساك عن الطعام في بعض الأيام مفيد للصحة، وخير للمرء أن يصوم مراراً في كل عام، وقد أسرف الناس في الأكل والشرب، واتخموا بأنواع من الطعام والشراب فأصيبوا بأمراض جسدية وخلقية، كل ذلك معروف ومشاهد، وآمن الناس بفوائد الصوم الطبية، وآمنوا بأنه ضرورة صحية، وآمنوا كذلك بفوائد الصوم الاقتصادية.</p>
<p>ولكن إذا سأل سائل : ما عدد الصائمين في هذه السنة لفوائد طبية، ومصالح اقتصادية ؟ وما عدد الأيام التي صاموها طمعاً في الاعتدال في الصحة أو الاقتصاد في المعيشة ؟ كان الجواب المقرر إنه عدد ضئيل جداً، ضئيل حتى في الشتاء مع أن الصوم فيه سهل هين، ورغم أن الصوم الطبي أو الاقتصادي أسهل بكثير من الصوم الشرعي.</p>
<p>ثم ننظر في عدد الصائمين الذين يصومون، لأنهم يعتقدون أن الصوم فريضة دينية، قد وعد الله عليه بثوابه ورضاه، وتكفل بجزائه، فنرى أن هذا العدد &#8211; مهما طغت المادية، وضعف الدافع الديني &#8211; عدد ضخم لا يقل عن ملايين، وأن هؤلاء الملايين من النفوس لا يمنعهم الحر الشديد في الأقاليم الحارة من أن يصوموا في النهار، ويقوموا في الليل ؛ لأن الإيمان بالمنافع الدينية التي أخبر بها الأنبياء عند أهل الإيمان أقوى من الإيمان بالمنافع الطبية التيأخبر بها الأطباء، ومن الإيمان بالمنافع الاقتصادية التي لهج بها الاقتصاديون.</p>
<p>ذلك لأن المؤمنين سمعوا في الصوم ما هون عليهم متاعب الصوم، وشجعهم على احتمال الحر والجوع والعطش، فقد روى أبو هريرة ] عن النبي  قال :</p>
<p>(كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى : إلا الصوم، فإنه لي، وأنا اجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان عند فطوره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائف أطيب عن الله من ريح المسك) وروى سهل بن سعد عن البني  قال : (في الجنة باب يدعى الريان، يدعى له الصائمون، فمن كان من الصائمين دخله، ومن دخله لم يظمأ أبداً) وعن أبي هريرة ] رفعه : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه).</p>
<p>العناية بروح الصوم، وحقيقته، ومقاصده، والجمع بين (السلب) و(الإيجاب)</p>
<p>إن صوم رمضان لهيئته الاجتماعية وشيوعه في المجتمع الإسلامي عرضة لأن يتغلب عليه التقليد واتباع العادة، وأن لا يصومه كثير من الناس، إلا مسايرة للمجتمع والبيئة، وتفادياً من الطعن والملام، وأن يشار إليهم بالبنان، ولا يرافقه الإيمان والقصد، والتفكير في عظم شأنه وموقعه من الله وأجره وثوابه، أو يصومه بعض الناس لغايات مادية، أو مقاصد صحية واقتصادية، فكان من حكمة النبوة الباهرة، وفقه الرسالة العميق أن اشترط النبي  للصوم المقبول عند الله الإيمان والاحتساب، فقال : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).</p>
<p>وقد يتساءل الرجل الذي لم يعرف دخائل النفس الإنسانية والأنماط البشرية المختلفة : إن رمضان لا يصومه إلا المسلمون، ولا يدعوهم إلى ذلك إلا الإيمان والاحتساب، فلماذا قيده لسان النبوة بصفة الإيمان والاحتساب، فهو من قبيل تحصيل الحاصل ؟ ولكن الذي توسعت دراسته للحياة، وتعمقت معرفته للدوافع النفسية، والعوامل الخلفيةوالاجتماعية، وقف خاشعاً أمام هذه الحكمة، والعلم الدقيق العميق، وشهد بأنه {وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحى يوحى}.</p>
<p>وقد جاء تفسير الإيمان والاحتساب في حديث آخر، بأن يكون الإنسان راجياً للثواب، مصدقاً لما وعد الله على هذا العمل بالمغفرة والرضا&#8230;</p>
<p>ثم إن التشريع الإسلامي لم يكتف بصورة الصوم، بل اعتنى بحقيقته وروحه كذلك، فلم يحرم الأكل والشرب والصلات الجنسية في الصوم فحسب، بل حرم كل ما ينافي مقاصد الصوم وغاياته، وكل ما يضيع حكمته وفوائده الروحية والخلقية، فأحاط الصوم بسياج من التقوى والأدب وعفة اللسان والنفس، فقال النبي  :</p>
<p>(إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، وإن سابه أحد، أو قاتله، فليقل إني صائم) وقال : (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) وذكر أن الصوم الذي يخلو من روح التقوى والعفاف وصورة مجردة من الحقيقة، وجسم بلا روح، فقال : (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامة إلا السهر) وعن أبي عبيدة رفعه، قال : (الصوم جنة ما لم يخرقها).</p>
<p>وليس الصوم الإسلامي مجموعة من أمور سلبية فقط، فلا أكل ولا شرب، ولا غيبة ولا نميمة، ولا رفث ولا فسوق ولا جدال، بل هو مجموع أمور إيجابية كذلك، فهو زمن العبادة والتلاوة والذكر والتسبيح، والبر والمواساة، وقد قال النبي  : (من تقرب فيه بخصلة من الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه، كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة).</p>
<p>وعن زيد بن خالد الجهني ] عن النبي  قال : (من فطّر صائماً كان له مثل أجره، غير أن لا ينقص من أجر الصائم شيء).</p>
<p>وألهم الله الأمة للمحافظة على صلاة التراويح، التي ثبت أصلها عن النبي  وقد تركها بعد ثلاثة أيام، لئلا تفرض على أمته فرضاً فتشق عليها، روىابن شهاب قال : أخبرني عروة أن عائشة ]ا أخبرته : أن رسول الله ، خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله  فصلى فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال : (أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها)، فتوفي رسول الله ، والأمر على ذلك.</p>
<p>وقد قام بها الصحابة رضي الله عنهم وعضت عليها الأمة بالنواجذ في أعصارها وأمصارها، حتى أصبحت شعاراً لأهل السنة، والصالحين من الأمة، وكان للتراويح فضل كبير في شيوع حفظ القرآن في الأمة، ومحافظتها عليه، وبقائه في الصدور، وفضل كبير في توفيق العامة والجماهير لقيام الليل والعبادة.</p>
<p>وبذلك كله أصبح شهر رمضان مهرجاناً للعبادة، وموسماً للتلاوة، وربيع الأبرار والمتقين، وعيد العباد والصالحين، تتجلى فيه عناية هذه الأمة بإقامة أحكام دينها وغرامها بالعبادة، وإخباتها إلى الله، ورقة القلوب، والتنافس في البر والمواساة في أروع مظاهره، لا تبلغه، ولا تبلغ عشر معشاره أمة من الأمم، أو طائفة من طوائف بني آدم، {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}.</p>
<p>ذ. أبو الحسن الندوي</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2006/09/%d8%ae%d8%b5%d8%a7%d8%a6%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d9%85-%d9%88%d9%81%d8%b6%d9%84%d9%87/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
