<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; البوشيخي</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%88%d8%b4%d9%8a%d8%ae%d9%8a/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>خلاصة السيرة النبوية لإبن هشام دروس ونصوص (3) وِِلاَدَةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَرَضَاعَتُهُ</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2015/01/%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d8%a5%d8%a8%d9%86-%d9%87%d8%b4%d8%a7%d9%85-%d8%af%d8%b1%d9%88%d8%b3-%d9%88%d9%86/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2015/01/%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d8%a5%d8%a8%d9%86-%d9%87%d8%b4%d8%a7%d9%85-%d8%af%d8%b1%d9%88%d8%b3-%d9%88%d9%86/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 31 Jan 2015 18:47:15 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[السيرة النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[السيرة]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[النبوية]]></category>
		<category><![CDATA[خلاصة]]></category>
		<category><![CDATA[دروس]]></category>
		<category><![CDATA[رسول الله]]></category>
		<category><![CDATA[رَضَاعَتُهُ]]></category>
		<category><![CDATA[صلى الله عليه وسلم]]></category>
		<category><![CDATA[لإبن هشام]]></category>
		<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<category><![CDATA[وِِلاَدَةُ]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=9015</guid>
		<description><![CDATA[خلاصة السيرة النبوية لإبن هشام دروس ونصوص (3) وِِلاَدَةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَرَضَاعَتُهُ أ- قال ابن إسحاق : وُلِدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الاثنين، لا ثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ من شهر ربيع الأول، عامَ الفيل(1) &#8230; فَلَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّه صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَتْ الى جَدِّه عبدِ المُطَّلب أَنْ [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #ff0000;"><strong>خلاصة السيرة النبوية لإبن هشام</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><strong>دروس ونصوص (3)</strong></span></p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>وِِلاَدَةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَرَضَاعَتُهُ</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>أ- قال ابن إسحاق :</strong></span> <span style="color: #008080;"><strong>وُلِدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الاثنين، لا ثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ من شهر ربيع الأول، عامَ الفيل(1) &#8230;</strong></span></p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>فَلَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّه صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَتْ الى جَدِّه عبدِ المُطَّلب أَنْ قَدْ وُلِدَ لك غُلام، فَأْتِهِ فَانْظُرْ إليه، فأَتاهُ فنظر اليه، وحَدَّثَتْه بما رأتْ حين حَمَلَتْ به، وما قيل لها فيه، وما أُمِرَتْ به أن تُسَمِّيَهُ (2).</strong></span></p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>فَيَزْعُمون أنَّ عبدَ المُطَّلب أخذه، فدخل به الكعبةَ؛ فقام يَدْعُو الله، وَيَشْكُرُ لَهُ ما أعطاه، ثُمَّ خرج به الى أمِّه فدفعه اليها.</strong></span></p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>والْتَمَسَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم الرُّضَعَاءُ؛ &#8230;فاسْتَرْضَعَ له امرأةً من بني سَعْدِ بن بَكْر، يقال لها : حَلِيمَةُ، ابنةُ أَبِي ذُؤَيْبٍ&#8230; عبدِ الله بن الحارث&#8230; بنِ سَعْد بن بَكْر بن هَوَازِن.</strong></span></p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>واسمُ أبيه الذي أرْضَعَهُ صلي الله عليه وسلم: الحارثُ بنُ عبد العُزَّى&#8230;بن سعد بن بكر بن هَوازِن.</strong></span></p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>وإخوتُه من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأُنَيْسَةُ..وحُذافةُ..وهي الشَّيْمَاءُ..وهُمْ لحليمةَ بهتِ أبي ذُؤَيْبٍ&#8230;</strong></span></p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>ويذكرون أنَّ الشَّيماءَ كانت تحضُنُهُ مع أُمها&#8230;</strong></span>ج1/157-161]</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>ب- مما يستفاد من النص :</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>1- اختيار الزمن الصالح للعمل الصالح،</strong> </span>والاعمال تَشْرُفُ أو تزداد شرفا بالأزمنةِ والأمكنةِ التي أُنجزت فيها، كما أنَّ الأزمنةَ والأمكنة َتَشْرُفُ أو تزداد شرفا بسبب الأعمال. ولكلِّ ذلك شواهدُ معلومةٌ ، ومنها هذا اليوم المبارك: يوم الاثنين؛ فهو يومٌ تُفتحُ فيه أبوابُ الجنَّة، وتُعرضُ فيه الاعمال كيوم الخميس &gt;<span style="color: #008080;"><strong>فيغفر الله لكل امرئٍ لا يُشركُ بالله شيئاً إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه شَحْنَاءُ، فيقول:( اتركوا هذين حتى يصْطَلِحَا)</strong></span>&lt;(رواه مسلم). لكنه يومٌ آزداد بركةً وشرفاً باختياره لولادة سيد وَلَدِ آدمَ، بل واختياره لبِعْتَثِهِ وإنزالِ أشرَفِ رسالة عليه، بل إنه هو أيضا اليوم الذي سيشرف بالتحاقه صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى،&gt;<span style="color: #008080;"><strong>حين اشْتدَّتِ الضُّحى من يومِ الإثنين، 12 ربيع الأول سنة 11 هـ، وقد تمَّ له ثلاثٌ وستون سنة</strong></span>&lt;(الرحيق المختوم ص534).</p>
<p>فاللهم صلِّ عليه وسلِّمْ عدَدَ خلقِكَ ورِضَاءَ نَفسِكَ وزِنَةَ عرشِكَ ومدادَ كلماتِكَ.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>2- الإسراع بتبشيرِ المُحبِّ بما يحبُّ تعجيلاً لإدخالِ السرور عليه</strong></span> :(فلما وضعتْ..أرسلتْ إلى جده&#8230;) وهو خُلُقٌ كريم أقرَّهُ الإسلام. قال تعالى في سورة يوسف عليه السلام:&gt; فلمَّا أَن جاءَ البشيرُ ألقاهُ على وجهِهِ، فارتَدَّ بصيراً&lt;.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>3- التَّعجيلُ بشكرِ النِّعمِ، وإنما النِّعمُ كلُّها من الله:</strong></span>&gt; ومابكم من نعمةٍ فمن اللهِ&lt;. والتعجيل بالشكرِ فِعلٌ لخيرِ البِرِّ؛ إذ خيرُ البرِّ عاجِلُهُ. وحسناً صنع عبد المطلب في زمانِهِ؛ إذ ( أخذه، فدخل به الكعبة، فقام يدعو الله ويشكرله ماأعطاه). وقد نظَّمَ الإسلامُ شكرَ نعمة الولدِ بسُنَّةِ العَقِيقَةِ وغيرها، كما هو معلوم.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>4- تأكيدُ المُستفادِ الثالث في الحلقة الأولى؛</strong></span> وهو أنَّ صُلْبَ جهلِ الجاهليةِ القرشيَّةِ الشِّركُ بالله تعالى، لاإنكارُ وُجُودِهِ (..فقام يدعو الله ويشكرله&#8230;).</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>5- اِلتماس الأصلح الأنفع للرضيع غِذاءً وهواءً،</strong></span> لَبَناً ولساناً، من حُسنِ الرِّعايةِ والنُّصْحِ له حالاً ومآلاً. وقد كانت باديةُ بني سعدِ أنقى وأصحُّ هواءً من مكَّةَ، وأصحُ وأفصحُ لساناً وبياناً، فكان بذلك صلى الله عليه وآله وسلم صَحِيحاً فصيحاً بل&gt;أفصحُ العربِ&lt; كما قال.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>6- حُبُّهُ صلى الله عليه وآله وسلم جعلَ أُمَّتَهُ تُسمِّي بالنِّسبةِ إلى كثيرمما يتَّصلُ به،</strong></span> ومن دلك التَّسميَّةُ ب&#8221; السَّعدِيَّةِ &#8221; نسبة إلى بني سعد حيثُ أرضع.</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>جـ -هوامش:</strong></span></p>
<p>1/&gt;ويوافق ذلك ..شهر ابريل سنة571م&lt;(الرحيق المختوم68) . وعام الفيل هو العام الذي قاد فيه أبرهةُ الحبشيُّ جيشه من اليمن لهدم الكعبة، فأرسل الله عز وجل &gt;عليهم طيراً أبابيلَ، ترميهِم بحِجارةٍ من سجِّيلٍ، فجعلَهم كعصفٍ ماكولٍ&lt;.</p>
<p>2/قال بن اسحاق:&gt; <span style="color: #008080;"><strong>ويزعمون -فيما يتحدث الناس والله اعلم- أن آمنةَبنتَ وهبٍ أُمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحدِّثُ أنها أُتِيَتْ، حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: إنكِ قد حملت بسيد هذه الأمَّةِ، فاذا وقع في الارض فقولي: أُعيذُه بالواحد، من شر كل حاسدٍ، ثم سمِّيه محمدا. ورأت حين حملت به أنه خرج منها نورٌ رأت به قُصورَ بُصْرَى، من أرضِ الشام</strong></span>&lt;</p>
<p>(<span style="color: #ff6600;"><strong> السيرة النبوية لابن هشام1/157-158</strong></span>)</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>أ.د. الشاهد البوشيخي</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2015/01/%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d8%a5%d8%a8%d9%86-%d9%87%d8%b4%d8%a7%d9%85-%d8%af%d8%b1%d9%88%d8%b3-%d9%88%d9%86/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>رمــضـان طـهــارة</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2012/09/%d8%b1%d9%85%d9%80%d9%80%d8%b6%d9%80%d8%a7%d9%86-%d8%b7%d9%80%d9%87%d9%80%d9%80%d8%a7%d8%b1%d8%a9/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2012/09/%d8%b1%d9%85%d9%80%d9%80%d8%b6%d9%80%d8%a7%d9%86-%d8%b7%d9%80%d9%87%d9%80%d9%80%d8%a7%d8%b1%d8%a9/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 27 Sep 2012 09:25:31 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 283]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[د. الشاهد البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[رمــضـان]]></category>
		<category><![CDATA[طـهــارة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6400</guid>
		<description><![CDATA[هذه المداخلة ألقاها الأستاذ الدكتور الشاهد البوشيخي  يوم الجمعة فاتح رمضان لعام 1428 وقد وردت في إطار ندوة نظمها المجلس العلمي المحلي بفاس تحت عنوان &#8220;رمضان طهارة&#8221; ونظراً لأهمية ما جاء فيها يسر جريدة المحجة أن تنشرها لتعميم الفائدة. مادة هذه المداخلة من إعداد هيأة التحرير أيها الأحبة نحمد الله تعالى على نعمة الإسلام، نحمد [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>هذه المداخلة ألقاها الأستاذ الدكتور الشاهد البوشيخي  يوم الجمعة فاتح رمضان لعام 1428 وقد وردت في إطار ندوة نظمها المجلس العلمي المحلي بفاس تحت عنوان &#8220;رمضان طهارة&#8221; ونظراً لأهمية ما جاء فيها يسر جريدة المحجة أن تنشرها لتعميم الفائدة.</p>
<p><strong>مادة هذه المداخلة من إعداد هيأة التحرير</strong></p>
<p>أيها الأحبة نحمد الله تعالى على نعمة الإسلام، نحمد الله حمداً كما ينبغي له، كما هو أهله، وكما حمد نفسه، وكما وفق عباده، الملائكة المقربون، والأنبياءُ المرسلون، والعباد الصالحون إلى أن يحمدوه، نحمده حمداً يحبه ويرضاه على أن أكرمنا بالإسلام، فهي النعمة الكبرى {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} فنسأل الله تعالى بفضله أن يتم النعمة علينا وعلى هذه الأمة، أسأل الله جل جلاله في شهره المبارك هذا أن يتم النعمة على هذه الأمة في هذا الزمن الصعب لتستأنف رسالتها من جديد هادية مرشدة إلى صراط الله الحميد.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>هدى الله -القرآن- أصل كل خير</strong></span></p>
<p>الأصل في كل خير في هذه الأرض هو من الله جل جلاله، الأصل في كل خير في هذه الأرض بعد ذلك هو من هدى الله جل جلاله. فمذ أهبط أبونا آدم عليه السلام وأمنا حواء قال الله جل جلاله {فإما ياتينكم منّي هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}(البقرة : 38) {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى}(طه : 123) كل خير إنما مصدره هذا الخير، هدى الله</p>
<p>قال الله جل جلاله {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفُرقان}(البقرة : 185) وقال جل جلاله : {فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقَسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسّه إلا المطهّرون}(الواقعة : 79) شهر رمضان، فرضُ صيامه وقيامه كله احتفالٌ بالقرآن، كله احتفال بنزول القرآن، كله احتفال بهدى الله الذي جمع كل الهدى منذ آدم عليه السلام حتى اليوم {مصدِّقا لما بين يديه من الكتاب ومهيْمنا عليه}(المائدة : 48) كل الهدى الذي نزل من عند الله نزل في رمضان، صحف إبراهيم عليه السلام نزلت في رمضان، التوارة نزلت في رمضان، الإنجيل نزل في رمضان، الزبور نزل في رمضان، القرآن نزل في رمضان، وقد جمع ما قبله واجتمع فيه كل ما قبله.</p>
<p>رمضان إذا كانت له هذه المنزلة بسبب القرآن لأن هذا القرآن هو سبب كل الخير في الأرض، ما تنزل من هدى الله تعالى من قبل كان سببا في الخير الذي كان من قبل وما كان من خير منذ نزول القرآن حتى تقوم الساعة فإنما سببُه هذا القرآن، هذا الأصل الكبير.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>القرآن هو النور الذي يتم به الإبصار</strong></span></p>
<p>نحن جئنا إلى الدنيا، جئنا إلى الحياة وكنا أمواتا {ربّنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين}(غافر : 11). موتة قبل هذه الحياة، وموتة بعد هذه الحياة، وحياة هي الآن بعد الموتة الأولى، وحياة ستأتي بعد الموتة الثانية. جئنا نحن بعد الموتة الأولى، جئنا إلى هذه الحياة الدنيا الكريمة الذليلة، جئنا إلى الحياة القصيرة، جئنا إلى الحياة المؤقتة، الحياة الطارئة، الحياة العابرة، نحن عابرو سبيل &gt;كن في الدّنيا كأنك غريب أو عابر سبيل&lt;(رواه البخاري) نحن عابرو سبيل في هذه الدنيا. وهذه الدنيا التي أمامنا غيبية، والغيب كله ظلام بالنسبة إلينا، ما لم يكن لنا نور من نور الله الذي نبصر به الغيب فنأتي ما فيه نفعنا وما فيه خير لنا ونتجنب ما فيه الضرر لنا كل هذا يكون بهذا النور أقول. نحن جئنا إلى هذه الدنيا الحياة الكريمة المؤقتة لنبتلى فنجازى بعد، نبتلى ونحن مستعدون مجهّزون، جئنا مجهزين تجهيزاً خاصاً، ليس تجهيز الملائكة وليس تجهيز الشياطين، الملائكة مجهزون للخير فقط، والشياطين مجهزون للشر فقط، ونحن مجهزون للأمرين معاً {ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها}(الشمس : 10) ومن رحمته بنا سبحانه وتعالى وهو يعلم طبيعتنا ويعلم ميلنا {إن النفس لأمّارة بالسّوء إلا ما رحم ربّي}(يوسف : 53) إن النفس لأمّارة، ليس آمرة، وإنّما أمّارة بالسوء إلا ما رحم ربّي الذي يعلم، هذا هو الذي أخبر به رسول الله  &gt;كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون&lt;. ونحن نسير نتلوث في الطريق، لأن الملوثات كثيرة ونحن أنفسنا المصدر الحقيقي للتلوث في الأرض، في الكون كله، لا يلوث الأرض ولا يطهرها أيضا إلا الإنسان، فالمفسدون في الأرض من الناس والمصلحون في الأرض من الناس.</p>
<p>لكن بماذا يكون الصلاح؟ وبما يُتجنب الطلاح؟ بهدى الله، ونحن نسير أقول : من رحمة الله تعالى بنا أعد لنا أعمالا كثيرة صالحة إن فعلناها فعلنا الخير وأعددنا أنفسنا للجنة، {تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون..}(الأعراف : 43)، وأعمالا طالحة إن تجنّبناها أعددنا أنفسنا للجنة، ونجونا من النار، أعتقنا من النار. هذه الخيرات التي أعدها الله تعالى لنا بهداه نُرشد إليها، وهذا الدين هو الإسلام {إن الدين عند الله الإسلام}(آل عمران : 19) فلا دين آخر يوجد على وجه الكرة الأرضية، دين الله فقط هو الإسلام، هذا دين جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لم تعرف الكرة الأرضية دينا لله عز وجل غير دين الإسلام رغم ما يقال ويقال، {إذ قال له ربّه أسلم قال أسلمت لرب العالمين، وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون..}(البقرة : 132) أقول هذه النعمة العظيمة التي هي الإسلام أرشدتنا ونظمت لنا مستقبلنا ونظمت لنا حياتنا ونظمت لنا طريقنا إلى الجنة، نظمتها ومهدتها تمهيداً.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>شرائع الإسلام وأركانه هي وسائل للإصلاح</strong></span></p>
<p>وللنظر جهة السيّئات هذه الملوثات، هذه التي تمنع من دخول الجنة، هذه التي تكبّ في النار، ننظر فيها بشرع الله عز وجل مما يمحوها مما يُزيلها، شرع لنا أعمالا يومية، أعمالاً لحظية، في كل زاوية أحببت يمكنك أن تكفر ذنوبا و لكن بالنظر فقط في الفرائض، فقد بني الإسلام على خمس، لنبتدأ بالقسم الظاهر في أربع فرائض  :</p>
<p>هناك الصلاة &gt;الصلوات الخمس كفارة لما بينهن&lt;(رواه أحمد في المسند) &gt;أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرّات  هل يبقى من درنه من شيء، قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال  : فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا&lt;(رواه مسلم) صلاة الظهر تكفر الخطايا التي فعلت منذ الفجر، وصلاة العصر تكفر ما بين الظهر والعصر، وصلاة المغرب تكفر ما بين العصر والمغرب، وهكذا. مكفّرات يومية، وهناك مكفّرات أسبوعية &gt;الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتُنبت الكبائر&lt;(رواه مسلم) وهناك مكفرات سنوية متعددة : منها صيام عاشوراء، الصيام فقط إذا وقفنا عنده، فله هذه الوظيفة السنوية، صيام يوم واحد كعاشوراء يكفر السنة التي قبلها، صيام يوم عرفة يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، صيام رمضان وست من شوال يكفر الدهر كله بمنطق الحسنة بعشر أمثالها، شهر بعشرة أشهر وستة أيام بشهرين، فالدّهر بكامله يكفره هذا العمل الذي يبدو في ظاهره بسيطاً.</p>
<p>هذه الأعمال الملوثات التي تأتينا في الطريق  أثرها السيء الخطير ما هو؟ هناك أثر آني وهناك أثر مستقبلي، الأثر الآني لأنها تمنع من الرؤية الآن، تمنع من الاهتداء بهدى القرآن، تمنع من اتباع نور الله والإبصار بنور الله، تمنع من ذلك &gt;بُنَيّ إن العلم نور ونور الله لا يؤتى لعاص&lt; هذه الذنوب والخطايا تمنع من أن يسكن القلب نور الله عز وجل، فتأتي هذه الخيرات لتطهّر الإنسان، الحج مرة في العمر بصفة عامة يخرج منه الإنسان كيوم ولدته أمه، حج مبرور يخرج منه الإنسان كيوم ولدته أمه.</p>
<p>فإذن جميع العبادات وجميع الطاعات هي وسائل لغيرها، فما هو هذا الخير في الدنيا؟ قلت هو نور الله، هو هدى الله عز وجل الذي يسكن هذا القلب، يسكن القلب البشري فإذا استوطنه أثمر الخير كله؟!</p>
<p>هناك حديث الفتن &gt;تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأي قلب أشربها نكث فيه نكثة سوداء وأي قلب أنكرها نكث فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربَداً كالكوز مجخّيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكراً إ لا ما أشرب من هواه&lt;(رواه مسلم) والاتجاه الآخر إذا رفض الفتنة فإنه تنكث في قلبه نكثة بيضاء ولا يزال الأمر كذلك حتى يبيض القلب فلا تضره فتنة أبداً.</p>
<p>الأحاديث المتضمنة لـ&gt;حتى&lt; فيها حث على الترقي الإيماني والتطهير الوجداني هناك محطة مهمة جداً نسأل الله تعالى أن يبلغنا إياها هي المحطة التي تشير إليها الأحاديث بحتى:</p>
<p>- أنظروا حديث الصدق : &gt;عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صدّيقا&lt;(رواه مسلم) إذا كتب هل يبقى شيء؟ وكذلك الأمر بالعكس نسأل الله السلامة &gt;وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذّاباً&lt;(رواه مسلم) ما بقي شيء بعد حتى، ما بقي بعد الكَتْب شيء!</p>
<p>- وحديث : &gt;من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المومن يكره الموت وأنا أكره مَسَاءته&lt;(رواه البخاري) نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من أولئك الذين ظفروا بهذه الحتى، فازوا بها في الدنيا، فإذا ابيض القلب فلا تضره فتنة نسأل الله أن يُبيّض قلوبنا حتى لا تضرنا فتنة بعد أبداً.</p>
<p>بهذه الأعمال الصالحة التي من طبيعتها أنها تمحو {إن الحسنات يُذهبن السيّئات} ولكوننا نتعرض كثيرا للبلاء، ولا ننجح، بل نرسب كثيرا في البلاء، بلاء الخير وبلاء الشر، {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} نرسب كثيرا، فقد جعل الله جزاء سيئة سيئة مثلها، بينما الحسنات أقل جزائها عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى سبعة آلاف ضعف إلى ما شاء الله من الأضعاف، حتى مثل الدرهم عندما يتقبله الله فينميه ويربيه &gt;كما يربي أحدكم فَلُوَّهُ&lt;(جزء من حديث رواه البخاري)، حتى يكون مثل جبل أحد، فالتضعيف إلى أضعاف لا حد لها ولا حصر هو فضل من الله عز وجل وحسب إخلاص العبد، هذا من رحمة الله عز وجل بنا الذي كثّر أجر الخير وهدانا إليه وقلل أجر الشر ونبهنا عليه وهيّأ لنا الأسباب لنمحو ونُزيل هذه الخطايا وهذه السيئات التي تمنعنا من أن نتنور بنوره فنسير على هدى وتمنعنا غدا بأن نفوز برحمته وندخل جنته.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>شهر رمضان احتفال بالقرآن على الطريقة الإسلامية</strong></span></p>
<p>ما علاقة هذا بما نحن فيه؟ هذا الشهر الذي اسمه شهر رمضان والذي قلت في البداية إنه عبارة عن احتفال على الطريقة الإسلامية بالقرآن، كيف احتفل رسول الله  بغرق فرعون؟ احتفل بالصوم. موسم الحج بكامله احتفال، احتفال بمواقف بعينها كانت في التاريخ لرجال ونساء كرمهم الله عز وجل فخلد أعمالهم وسن لنا أفعالهم، من باب الاحتفال وبيان أهمية تلك الأعمال، فرسول الله  لننتبه حين سئل لماذا تصوم يوم الاثنين؟ فقال : ذلك يوم ولدت فيه وأنزل عليّ فيه وأسري بي فيه الخ.. الصيام مظهر للاحتفال الإسلامي بالمناسبات، هذا أمر يحتاج إلى تدبر وتأمل فالشهر بكامله الذي أنزل فيه الوحي ونزل فيه هدى الله سن الله لنا الاحتفال به بالطريقة الإسلامية بالصيام، هذا الصيام يُعدنا إعداداً خاصاً لنستقبل القرآن ونعمل على توطين القرآن في قلوبنا ليظهر بعد ذلك أقوالا طيبة على ألسنتنا وأعمالا صالحة في جميع جوارحنا لا يمكن لهذا القرآن أن يستوطن قلب الإنسان إلا إذا خلا هذا القلب من الخبائث وخلا من النجاسات ولذلك كان هذا الترقي فينبغي أن نشعر نحن بهذه الرحمة التي تأتينا، هذا التدريب الذي يأتينا مرة في السنة، كل سنة تأتينا فرصة، فيه تسعة وعشرون يوما أو ثلاثون يوما، فرصة فيها يُتابع التأثير، فيها يحدث هذا الترقي ولأمر ما كان  يعتكف في العشر الأواخر وهو هُداه الأخير، اعتكف في أوله ثم في أوسطه ثم لزم آخره بعشر حتى إذا كانت السنة الأخيرة من حياته  اعتكف عشرين يوماً لأن القلب البشري يترقى في هذا الشهر يوما بعد يوم، وحين أخبر  أن أول هذا الشهر رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، الواضح أن هذا الترقي ينبغي أن نشعر به نحن، ونعمل على التدبر فيه حتى لا يخرج هذا الشهر إلا وقد طهرنا حقا وامتلأنا بنور الله حقا ولخصوصية التطهير في هذا الشهر أن العبد فيه لا يواجه فقط المحرمات  وإنما يُحرم على نفسه بإذن الله عز وجل المحللات وذلك ارتقاء في الدرجة، ارتقاء كبير، الأكل والشرب حلال في  غير رمضان ولكنه يصير حراماً من وقت إلى وقت في رمضان، المصدر الضخم واضح من التشريع أن هذه الشهوة التي هي الأكل والشرب هي التي تمد هذا الإنسان بالطاقة، يشحن بالطاقة، هذه الطاقة تجعله مستعدا للاستزادة من الشهوات، تجعله مؤهلا لكي يتسلط عليه الشيطان، تجعل نفسه مستعدة للتجاوب مع الشيطان، حينما قال  &gt;إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم&lt;(رواه البخاري) والله لو بحثنا عن مثال نستطيع به أن نعرف كيف يتخللنا الشيطان، يتخللنا في كل جزئية منا ما استطعنا أن نجد مثالا كمثال الدم، لأنك لو مسست أي نقطة فيك لخرج الدم، فشبكة العروق الكبرى والصغرى والشعيرات تتخلل كل جزئية في الكيان وهو يجري فيها كلها مجرى الدم &gt;فاقطعوا جريانه بالصوم&lt; هذه السَّلْسلة نستطيعها في كل لحظة في رمضان هي رحمة من الله يشير إليها بكثرة العابدين الذين يصومون فيقطعون على الشيطان الجريان، يمكن فعل هذا أيضا في غير رمضان هذا الإمساك، هذا الصوم، هذا المنع، هذا الامتناع عن الطعام، الامتناع عن الجماع بإرادة واختيار يقطع طريق الشيطان وهو حلال في غير رمضان ومعنى ذلك أن التطهير في رمضان عال جداً، لا نصل إليه في الأوقات الأخرى ولذلك أقول تحضيرا للعبد ليتلقى القرآن تصوم النهار وتتلقى القرآن بالليل تُحَضر نفسك في النهار وهذا يعني فيما يعني أن لا نستكثر من الأكل وأن نتجنب العادات السيئة الموجودة الآن، هذه الموائد التي تشحن بالمأكولات خطر وضرر ومصيبة في اتجاه التشريع، التقليل من الأكل هو المطلوب وإعادة هذا المنهج لمنع الشهوتين إعادته كمنع الأمور الأخرى &gt;من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه&lt;(رواه البخاري).</p>
<p>إن هذه الوسيلة من أعظم الوسائل للتطهر وأنتم تسمعون من الرسول  &gt;الطهور شطر الإيمان..&lt;(رواه مسلم) وقد ابتدأت كلمتي أصلا بالآية {فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقَسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسّه إلا المطهّرون}(الواقعة : 79) من جملة معاني هذه الآية أنه لن يستطيع قرب المعاني الصحيحة القرآنية، أي لا يتغلغل في أسرار القرآن الكريم ولا يشرب من نبعه الصافي إلا المطهّرون، الذين تطهّروا، تطهرت قلوبهم من أعمال القلب الفاسدة والنوايا الفاسدة بجميع أنواع أمراض القلب، وتطهرت ألسنتهم من الألفاظ الخبيثة وتطهرت جوارحهم من الأعمال السيئة.</p>
<p>أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.</p>
<p><!--StartFragment--><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. الشاهد البوشيخي</strong></em></span><!--EndFragment--></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2012/09/%d8%b1%d9%85%d9%80%d9%80%d8%b6%d9%80%d8%a7%d9%86-%d8%b7%d9%80%d9%87%d9%80%d9%80%d8%a7%d8%b1%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الأعلى</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2012/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d9%84%d9%89/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2012/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d9%84%d9%89/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 27 Sep 2012 09:14:19 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 278]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الأعلى]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6392</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الأعلى د. الشاهد البوشيخي سورة الأعلى من السور الأثيرة عند رسول الله . فقد كان -كما تعلمون- يقرأها في الجمعة والعيدين لما فيها من توجيهات مركزة. وهي في جسمها غير قابلة -تقريبا- للتبعيض والتجزيء، لأن بعضها آخذ برقاب بعض لاكتنازها وكثافة الهدى النازل فيها فهي كالقطعة الواحدة. وقد صيغت [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الأعلى</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>سورة الأعلى من السور الأثيرة عند رسول الله . فقد كان -كما تعلمون- يقرأها في الجمعة والعيدين لما فيها من توجيهات مركزة.</p>
<p>وهي في جسمها غير قابلة -تقريبا- للتبعيض والتجزيء، لأن بعضها آخذ برقاب بعض لاكتنازها وكثافة الهدى النازل فيها فهي كالقطعة الواحدة.</p>
<p>وقد صيغت صياغة شبيهة بسورة العلق.</p>
<p>وإن كان يمكن تمييز مقطعين كبيرين لها، مؤسسين على أمرين كبيرين  أيضا :</p>
<p>-  أمر التسبيح وموجباته ونتائجه.</p>
<p>- وأمر التذكير ونتائجه وقوانينه، والإعراض عنه.</p>
<p>أما النقط الكبرى التي يدور حولها الهدى المنهاجي فيها، فهي خمس :</p>
<p>الهدى الأول : رأس العلم العلم بالركنين : ركن العلم بالله تعالى، وركن العلم بالآخرة</p>
<p>أما الركن الأول : فواضح في أولها وممتد إلى آخرها، ولكنه في أولها أظهر.</p>
<p>وأما الركن الثاني فإليه إشارة خفيفة في أولها عرضا، ثم يظهر بوضوح في آخر السورة.</p>
<p>ومن العلم بالله تعالى المذكور في هذه السورة القصيرة الغنية أن تعلم :</p>
<p>&gt; أولا : أنه ربك ورب كل شيء بمعنى أن هذه السورة ذكرت عدداً مما يجب أن يعلمه عبد الله ممثلا في صورة رسول الله  عن ربه عز وجل ولكن الخطاب يتجه إلى كل مؤمن ومؤمنة من بعده حتى تقوم الساعة، ولا سيما أولئك الذين يتبعون ما أنزل عليه حق الاتباع {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته، أولئك يومنون به}(البقرة : 121) فأكثر المومنين اتباعا لرسول الله  أحقهم وأجدرهم بأن يعلم هذا العلم الذي يجب لرسول الله  عن ربه.</p>
<p>فأول ذلك أنه &#8220;ربك&#8221; ورب كل شيء {سبِّح اسم ربّك} هذا الأصل -كما سبق- نجده في هذه السور الأولى : وجدناه في {اقرأ باسم ربّك} وقد مر الكلام عن هذه السورة، ووجدناه في سورة القلم {ما أنت بنعمة ربّك بمجنون} ووجدناه بعد ذلك في السور الأخرى : في المزمل {واذكر اسم ربّك} وفي المدثر  {وربّك فكبِّر} وهكذا.</p>
<p>هذه السور كلها خطاب مركز لرسول الله  تبني عنده الرؤية بلغة اليوم، تبني عنده التصور الذي ينبغي أن يستقر في قلب المسلم، وأن يحكم حياته، وتبني عنده المنهاج أيضا.</p>
<p>فهذه النقطة : أنه ربه، وأنه ربك، وأنه ربنا ورب كل شيء، هذه الحقيقة، هذا العلم لابد أن يستقر في قلب العبد.</p>
<p>والربوبية كما سبق تتجلى في عدد من الأمور خلاصتها : أن الله عز وجل منه كل شيء، أن ربنا منه كل شيء، وبيده كل شيء، ويدبر أمر كل شيء، وإليه يرجع كل شيء، وهكذا، استمرّ على هذا، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا به. سبق يوما أن عبرت ولخصت هذه الكلمة في &#8220;مُولْ الشِّي&#8221; ربنا رب العالمين ورب الملك، هو &#8220;مُول الشِّي&#8221; بالدارجة، لا شريك له في شيء &#8220;مول الشّي اللِّي بيدُّو كُلْ شِي، كَيْمَشِّي كُلْ شِي&#8221; لِيهْ راجَعْ كلْ شي.. إلخ</p>
<p>لابد أن تستقر هذه الحقيقة في قلب المؤمن. ولاسيما المؤمن الذي يتبع رسول الله  في حمل الأمانة من بعده، وكل مؤمن تابع لرسول الله  هو كذلك.</p>
<p>لأن هذه الأمة، أمة الشهادة على الناس، فلا نبي بعد رسول الله ، وكل مؤمن من هذه الأمة هو حامل وشاهد وشهيد : هو من الشهداء على الناس بالقسط إن تأهل لذلك، إن صلح وأصلح كما تقدم ذلك في بيان المزمل والمدثر.</p>
<p>&gt; ثانيا : أنه الأعلى مطلقا : اسم التفضيل في الأحوال العادية في اللغة العربية لابد أن يذكر بعده المفضل عليه : أفضل من كذا، أكبر من كذا، أحسن من كذا، إلى آخره.</p>
<p>لكن بالنسبة لله تعالى جل وعلا كما يقولون اسم التفضيل ليس على بابه فهو على اطلاقه، فلا حديث عن أعلى ممن؟ أو ممه؟ بل، هو الأعلى مطلقا. هذه الحقيقة ينبغي أن تستقر في قلب العبد أيضا فلا شيء يساوي الله جلّ جلاله، ولا شيء يداني الله جلّ جلاله؛ وعلى قدر قرب العبد منه في سجوده يكون شعوره بعلوه لديه.</p>
<p>هاهنا نقطة لابد أن نلتفت إليها : رسول الله  يقول لنا : &gt;أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء&lt;(رواه مسلم)، والسجود هو حالة الخضوع الكامل، فلا نجد في أعمال الصلاة ما فيه الخضوع أكثر من السجود. الركوع أقل من السجود، والقيام أقل من الركوع، والصورة التي يظهر فيها خضوع العبد لربه على أقصى ما يكون هي صورة السجود، والجبهة التي هي مكان الشموخ في الإنسان، والأنف الذي هو مكان الأنفة، كل ذلك ينبغي أن ينزل إلى التراب، ويلامس التراب، ويخضع للمولى جل وعلا، هذه الصورة من الخضوع ومن الذلة.</p>
<p>هذه الصورة كلها تعبر عن حالة كون العبد أكثر قربا، وبذلك النزول الكبير يكون الرب عاليا جدا، لأن الله جل وعلا هو الأعلى.</p>
<p>وقد شرع لنا رسول الله  أن نسبح بهذا التسبيح في السجود &gt;سبحان ربي الأعلى&lt; نحن في حال الانخفاض الشديد نستحضر عُلُوّ الله الشديد، الذي لا نهاية له، وعلى قدر استحضار العبد علو الله، يكون علو هذا العبد في القرب من الله، ويكون ارتقاؤه إلى الله جل جلاله. ولما كان القرب قربا من الأعلى كان الخضوع له والنزول ارتفاعاً.</p>
<p>فعلى قدر هذا الخضوع وهذا الانخفاض يكون الارتفاع هذه حقيقة أيضا لابد أن يحس العبد المؤمن به.</p>
<p>وإذا استقرت هذه الحقيقة في القلب، انخفض كل شيء، ما بقي ارتفاع لشيء، لا في الكائنات المادية، ولا للكائنات الحية، ولا للكائنات البشرية، كل شيء منخفض ويبقى  الله جل جلاه هو الأعلى.</p>
<p>هذا المعنى إذا استقر في نفس العبد كان مما يُكَوِّن معنى الأكبرية -كما سبق في المدثر- {وربك فكبّر} ومما يكوِّن معنى الشعور بأنه جلّ جلاله الأعلى كما هنا.</p>
<p>&gt; ثالثا : أنه الذي خلق كل شيء {سبح اسم ربّك الأعلى الذي خلق}.</p>
<p>لقد قلت  إن صياغة هذه السورة تشبه صياغة سورة العلق.</p>
<p>وذلك لأن الأفعال فيها، تكاد تكون كلها مطلقة، أي لا توجد لها مفاعيل، وسبق أن قلت إذا لم يذكر مفعول الفعل فمعناه أن النص على الفعل نفسه، لا على ما يقع عليه، ومن ثم فكل ما يقع عليه الفعل هو داخل في الكلام.</p>
<p>فحين تقول {الذي خلق} لا داعي لأن تقول خلق الإنسان، خلق الحيوان، خلق النبات، خلق الأشجار.. خلق الأطيار، خلق الجبال، خلق البحار، خلق الشمس، هذا كله داخل، ما نعلمه وما لا نعلمه، كل مخلوق داخل ضمن الفعل {الذي خلق} فالخلْقُ أصلا له، صَدق على ما صَدَق، وعلى من صدق، فالخلق كله له جل جلاله.</p>
<p>فإذن : {الذي خلق} هو الذي خلق كل شيء سبحانه من الذرة إلى المجرة. من أصْغر شيء إلى أكبر شيء، من الفوتون -كما يقول الفيزيائيون- إلى الكون.</p>
<p>هذا الفوتون الذي هو ثلث الإلكترون الذي هو جزء من الذرة هذه الأشياء الدقيقة هي مما نعلمه الآن، ولكن ما لا نعلم لا حد له، ما لا نعلمه لا نهائي الوجود، فالشعور واليقين بأن الله جل جلاله خلق كل شيء،  مما يجب أن يستقر في قلب العبد.</p>
<p>&gt; رابعا: هو الذي سَوَّى خِلْقَة كل شيء سبحانه : {خلق فسوّى} سوَّى الخِلْقَة، الخلقة هي الكيفية التي خلقت عليها الأشياء فكل حيوان له خِلْقَة، كل أنواع الحيوان بل كل فرد من أفراد الحيوان، وكل فرد من أفراد النبات، وكل فرد من أفراد الإنسان، وكل فرد من أفراد الكائنات له تميز إذ خَلْقُ الله خلاف صُنْع البشر، صنع البشر يكون على نمط واحد، الكأس التي خرجت من المصنع تشبه بقية الكؤوس التي خرجت على منوالها، لكن نحن جميعا بشر، خرجنا وخلقنا خلقا سويا لكن لا أحد يشبه الآخر، لا أحد، لا أحد!!</p>
<p>ما أعظم الله!!</p>
<p>كيف؟</p>
<p>كم من ملايير البشر؟ كم  من ملايير الحيوانات؟ من الأسماك.. من الكائنات.</p>
<p>سبحانه،  سبحانه، سبحانه..</p>
<p>لا يستطيع الإنسان أن يتصور هذه القدرة هذه العظمة لا يملك الإنسان  إلا أن يقف مشدوها مدهوشا حائراً أمام عظمة الله سبحانه وتعالى.</p>
<p>&#8220;البنان&#8221; الآن آية من آيات الله سبحانه في خصوصية كل فرد في زماننا هذا، أصبح العلماء يستعملون البصمة للتأكد من هوية الأفراد لأنها خاصة في كل فرد، وفي بعض الدول يستعملون البصمة في تسجيل الشروع في العمل، فعندما يكون العامل داخلا يضع أصبعه في الماسوح -أُسَمِّيه ماسوح Scanner-  فيلتقط الصورة  قال الله تعالى {بلى قادرين على أن نسوّي بنانه}(القيامة : 4).</p>
<p>كم من أنواع هذا البنان خلق الله؟ كل بشر له بنانه الخاص إلى الحد الذي عندما كشف الإنسان هذا بدل أن يضع كثيرا من الضوابط، اقتصر على هذا الضابط.وكذلك بصمة العين الآن، لأنهم اكشتفوا أيضا خصوصية في العين وربما الأيام ستكشف عن أن لكل شيء خصوصيته، في الفرد تدل على عظمة الله في الخلق والتسوية.</p>
<p>هذا الذي سَوَّى  سوَّى هذه الخلقة على أساس أن هذا الكائن، وفق كيفية معينة لوظيفة معينة {ربّنا ما خلقت هذا باطلا سُبحانك}(آل عمران : 191)ما خُلِق خلْقٌ عبثا!! أي إن كل مخلوق خلق لغرض، خلق لهدف، خلق لوظيفة محددة عند الله سبحانه وتعالى، عرفناها أم لم نعرفها، اهتدينا إليها أم لم نهتد إليها، هي موجودة وكائنة وقائمة.. فيما نعلم وفيما لا نعلم.. من مختلف الكائنات،  كل كائن إنما خلقه الله عز وجل لهدف، خلقه لوظيفة وتلك الوظيفة أساسية عند الله سبحانه وتعالى في مجموع الكون، في توازنه العام، سبحانه سوَّى كل شيء {ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور}(الملك : 3).</p>
<p>&gt; خامسا : أنه الذي قدر كل شيء سبحانه : لا نملك إلا التسبيح له كما قال عز وجل : {سبِّح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى} كلٌّ من هذه الأفعال يستوجب التسبيح،  سبحان من فعل هذا.. إنه قدر كل شيء سبحانه، محدداً الكم والكيف بالنسبة لكل ما كان وما هو كائن وما سيكون بالنسبة لكل كائن  جميع الكائنات في حاضرها، في مستقبلها، وعلى أي صورة..  كل شيء عند الله مقدر، فقد أعد الخلق إعداداً وتسوية، حسب الهدف، وحدد كل الأمور ثم هدى ، حدد الأشياء كلها، حدد المقادير كلها قدرها تقديرا  في جميع الأمور.</p>
<p>هذه حقيقة أيضا يجب أن تستقر في قلب العبد.</p>
<p>&gt; سادسا : أنه الذي هدى : هدى أي شيء  سبحانه، جميع الكائنات مهدية إلى ماخُلقت له.</p>
<p>مهدية بمهْ؟</p>
<p>إما بالتسخير.</p>
<p>وإما بالتيسير، هدى أي شيء سبحانه مرشدا له بالتسخير أو بالتيسير اضطراراً أو اختياراً إلى ما فيه صلاحه حسب ما قدره واقتضته حكمته.</p>
<p>وهذا الكلام يحتاج إلى كلام.</p>
<p>لأننا إذا تأملنا قليلا الكائنات وجدنا فيها المسخر وغير المسخر، وغير المسخر هو الذي يُسِّرت له الأشياء.</p>
<p>فعلى رأس الكائنات التي يسرت لها الأمور هذا الإنسان. وعبر الله بتيسير الذِّكْر له فقال {ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر}(القمر : 18).</p>
<p>يسر لنا الأمور فعلا، بمعنى وضع الأمارات والنُّصُبَ على الأشياء، ويسر الوصول إليها عن طريق التفكير بما آتانا من أجهزة التلقي، ووسائل الحس أو مركز التحليل الداخلي الذي يقال له اليوم العقل،  سواء بإرشاد الكون أو بإرشاد الوحي، وهو يفهم بهذه الطاقة التي هي العقل أيضا.</p>
<p>أما الكائنات الأخرى فهي مسخرة لما خلقت له، دون أن تفكِّر بل تتجه اتجاها إلى المطلوب، هي كذلك خُلِقَتْ لذلك، وتقوم بذلك {وكُلٌّ في فلَكٍ يسبحون}(يس : 40).</p>
<p>فمن أعد لشغل، فهو قائم به، مهدي إليه في الكون  كله.. من جماد، ونبات، وحيوان.</p>
<p>والإنس والجن هما اللذان حُمِّلاَ الأمانة بالاختيار، فلذلك قلت : مرشدا له بالتسخير أو التيسير اضطراراً أو اختياراً، ونحن فينا القسمان معا :</p>
<p>القسم الاختياري والقسم الاضطراري.</p>
<p>اشتغال معدتنا الآن ونحن جلوس، اشتغال قلبنا واشتغال جهازنا الدموي وغير ذلك من الأجهزة الكثيرة مما فينا لا يستشيرنا، ولا يستأذننا، ولا نتحكم فيه، هو مسخر ويعمل بأمر الله اضطرارا.</p>
<p>وذلك الذي يمثل ما يسمى اليوم بالبنية التحتية في كياننا.</p>
<p>بمعنى أن القسم الاختياري عندنا قليل، إنه فرصة للابتلاء.</p>
<p>ولكن القسم المهم اللازم للحياة وللبقاء، كله رتبه الله جل جلاله وأخرجه من أيدينا نهائيا.</p>
<p>فالتجهيزات الضرورية في الكون، وفي الإنسان نفسه في علاقته بهذا الكون، كلها رتبها ا لله جل جلاله وفرغ منها. فهو &#8220;الذي هدى&#8221;..</p>
<p>&gt; سابعا : أنه الذي أخرج نبات كل شيء سبحانه، قوتا ورزقا ومتاعا للحيوان والإنسان.</p>
<p>الحياة قيامها في الأساس على النبات، لأن النبات منه يقتات الحيوان، والإنسان يقتات من النبات ومن الحيوان.</p>
<p>والأصل هو هذا الماء الذي أنزله الله عز وجل فأخرج به نبَاتَ كُلِّ شيء.</p>
<p>فهو الذي أخرج ما يُرْعَى (المرعى) أخرج ذلك النبات ونماه حتى وصل إلى درجة يصلح فيها أن يُرْعى ليكون قوتا، وليكون رزقا وليكون متاعا أيضا.. {انظرُوا إلى ثمره إذا أثمر ويَنْعِه}(الأنعام : 99) وينْعه أيضا ليس إلى الثمر فقط، فالجمال من المقاصد الكبرى في هذا الكون أيضا.</p>
<p>&gt; ثامنا : أنه الذي أيبس خضرة كل شيء سبحانه.  {فجعله غُثاءً أحوى} هذه الكائنات التي فيها طراوة الحياة وفيها خضرة الحياة  في النبات، وفي غير النبات. كلها ستصير غثاء، ومثل سبحانه بالنبات لننتقل من النبات إلى غير النبات، لنعلم أننا صائرون إلى نهاية مثل النبات. نحن أيضا سنيبس كما ييبس النبات الذي كا ن خَضِرا، سنصير غثاءً -نحن كذلك- أحوى.</p>
<p>والحُوَّة لون داكن يقترب من السواد. ومعنى الحوَّة عند العرب يتجه إلى معنيين. أحيانا ذهبوا به إلى الخضرة، وأحيانا ذهبوا به إلى جهة اليُبُوسة عندما يطول الأمد، ويبلى الكائن، ويصبح لونه يكاد يقترب من التراب. لقد صار {غثاءً أحْوى} ذهب ينعه، ذهب ما كان فيه من جمال.</p>
<p>الذي نقل تلك الكائنات من حال الاخضرار إلى حال اليُبْسِ، حتى صارت غثاء قد اسود من البلى هو الله جل جلاه.</p>
<p>لم ذلك؟ عبرة لأولي الألباب.</p>
<p>&gt; تاسعا : أنه الذي يعلم كل شيء  سبحانه ما جهر وظهر، وما خفي واستتر {إنه يعلم الجهر وما يخفى}.</p>
<p>هذه كما ترون عدة حقائق كلها مما يدخل ضمن العلم بالله جلّ جلاله، لابد أن تستقر في قلب العبد ليستطيع أن ينهض بالحمل الذي نهض به رسول الله .</p>
<p>هذا من جهة العلم بالله تعالى.</p>
<p>&lt; ومن جهة العلم بالآخرة في السورة أن تعلم  :</p>
<p>أولا : أن حرّ النار الكبرى لا يطاق {سيذّكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النّار الكُبْرى}.</p>
<p>يَصلى النار الكبرى بمعنى يقاسي حَرَّها الشديد جداً، الذي لا مثيل له ولا قبل لأحد به. و هذا الوصف للنار الشديدة الحر ورد في آيات أخرى كثيرة؛ والذي يعنينا هنا : أنه مما ذكر في  العلم بالآخرة  للتخويف.. لدفع العبد ليفر إلى ربه، ليتوب إلى الله عز وجل.</p>
<p>ثانيا : أن يعلم أن داخِلَها من الأشقياء  لا يذوقون فيها الموتَ فيستريحون، ولا يذوقون فيها الحياة فينعمون وينتفعون.</p>
<p>وضع لا نستطيع أن نتصوره بتاتا، ولكن العبارة القرآنية تشخصه تشخيصا.</p>
<p>الموت  صار نعمة.. صار حلا لكن، لا سبيل إليه {لا يذوقون فيها الموت}(الدخان : 56) فالموت صار شيئا يذاق، صار محبوباً مطلوبا مرغوبا فيه.. لكن لا سبيل إلى الوصول إليه {لا يموت فيها ولا يحيى}(طه : 74)، وإنما هو عذاب أليم، وشقاء مقيم.</p>
<p>ثالثا : أن نعلم أن حياة الآخرة أفضل من الحياة الدنيا لفناء هذه وبقاء تلك {بل توثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى}.</p>
<p>هذا العلم بالله جلّ جلاله، وهذا العلم بالآخرة هو الذي يتوسع فيه القرآن، وتتسع دائرته، ويُلَح عليه ويُلَخّص تلخيصا، إلى حدّ أنه قد يقتصر في الإيمان على الإيمان بالله واليوم الآخر.</p>
<p>كما في سورة البقرة  {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين}(البقرة : 8) فقط ذُكِر من أركان الإيمان هذان الركنان، لأنهما الأساس في ضبط حركة الإنسان في هذه الحياة.</p>
<p>الهدى الثاني : رأس العمل العمل بالواجبين : تسبيح ربنا الأعلى، وتذكير خلقه به جل وعلا.</p>
<p>أمران في هذه السورة لرسول الله  ولكل مؤمن ومؤمنة من بعده هما : {سبِّح اسم ربك} {فذكِّر إن نفعت الذكرى}.</p>
<p>{سبح اسم ربك} لماذا؟ لأنه {الذي خلق فسوى} إلخ إلخ</p>
<p>ثم {فذكر إن نفعت الذكرى} فهما أمران مطلوبان واجبان على العبد، مطلوب منه أن يقوم بهما : تسبيح ربه الأعلى، وتذكير الناس بالله جل وعلا.</p>
<p>التسبيح هو تنزيه الله جل وعلا عن النقص مطلقا&#8230; في الأسماء والصفات والأفعال.. بالجنان واللسان والجوارح.</p>
<p>وإذا حاولت أن أذوق التسبيح، قلت : كل ما يتصل بالله جل وعلا يجب علينا ألا نتصور -بوجه من الوجوه- أن به نقصا أو عيبا أو خللا، لأن الله سوَّى كل شيء، {خلق فسوى} كل شيء في الحياة فيه إتقان {صُنْع الله الذي أتقن كل شيء}(النمل : 88).</p>
<p>كل شيء مرده إلى الله. يجب أن نعتقد ألا خلل فيه، لأن هذا هو الواقع، ومعنى هذا أن الإشكال إنما جاء  منا، لا منه جل جلاله، الإشكال الذي وقع لإبليس -نعوذ بالله منه- هو أنه طَعَن في الحكمة، طعن في التدبير، قال {أرايتك هذا الذي كرّمْت عليّ}(الإسراء : 62) وما ينبغي {أأسجد لمن خلقت طينا}(الإسراء : 61) {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}(الأعراف : 12).</p>
<p>كأنه يقول : ما هذا؟ لماذا أسجد لهذا المخلوق؟ كيف وأنا خير منه؟!</p>
<p>هذا خلل!! هو الذي يجب أن يسجُدَ لي! فطعن في أصل المسألة، لذلك كانت معصيته ليست كمعصية آدم، الذي لم يطعن في أصل الأمر، قال تعالى {وكُلاَ مِنْها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة}(البقرة : 35) فقال آدم  : سمعا وطاعة، ولكنه غُلب {فوسوس إليه الشيطان}(طه : 12) فأزله {وعصَى آدم ربه فغَوى ثم اجْتَبَاه ربّه فتاب عليه وهدى}(طه : 121- 122).</p>
<p>أما إبليس فلم يعص الله وكفى وإنما &#8220;أبى&#8221; أي رفض، وفَرْق بينهما في المعنى إبليس أبَى أن يسمع للأمر ورفضه، وآدم استمع إلى الأمر وقبِلَهُ، ولكنه عند التنفيد ضعف {وخُلق الإنسان ضعيفا}(النساء : 28).</p>
<p>إبليس رفَضَ الأمر جملةً، وطعن في حكمته أصلاً، ولذلك أُبعِد إلى الأبد كليا.. {فاخرُجْ منها فإنَّكَ رجيمٌ وإن عليك اللعنة إلى يوم الدّين}الحجر : 34- 35).</p>
<p>إذن، هذه النقطة : كيف نذوقها؟ أقول : عندما أضع نفسي في الحياة، كل ما جاءني فيها من عند الله عز وجل : نزل قدَر، حدث أمر، نزلت نازلة، لا أتهم الله عز وجل بالظُّلم، أو أقول إنه أخْطَأ، أو ظلَمَ، ولا أقول ما هكذا تكون الأمور يا ربّ!! لا أفعل أبدا. بل أنزه الله جل  وعلا على قاعدة {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليْها قلتم أنَّى هذا قل هو من عند أنفسكم}(ال عمران : 165).</p>
<p>الإشكال دائما ليس في جهة الله تعالى، الإشكال في جهتنا نحن المخلوقين {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}(الأنبياء : 87).</p>
<p>التسبيح ينزه الله تعالى ويجعله بعيدا.. بعيدا جدا.. لا سبيل إلى أن يلصق به عيبٌ أو ينسب إليه نقص أو يضاف إليه خلل  سبحانه جل جلاله.</p>
<p>فما جاء من عند الله عز وجل مثلا من شرع لا سبيل إلى أن نقول عنه هذا شرع ناقص، وغير صالح، ولا نقارنه بأي دستور أو قانون أو بالشرعية الدولية مثلا هذا كلام لا معنى له. ما جاء من عند الله هو عينُ الحق، هو عينُ الصواب، ولا سبيل إلى وجود الخلل لا في الحكم ولا في الحكمة، ولا في التشريع، ولا في القضاء والقدر، ولا في غير ذلك، هذه نقطة في غاية الأهمية.</p>
<p>ولذلك فحين نسمع : &gt;سبحان الله تملأ الميزان&lt; بماذا تملأ الميزان؟ تملأ الميزان لأنها عمليًّا تنفي وتثبت، عندما نزهتُ الله عن كل نقص، تلقائيا أَثْبِتْتُ إليه كل كمال وكُلّ جمال وكُلَّ جلال، ولكن ذلك حين يقوله كيانك، ويقوله جنانُـك، ويقوله لسانُك في التعبير، ويقوله فعلك في التدبير والتسيير، حين يحدث هذا فآنذاك يكون التسبيح الحق، لأن اللفظ في القرآن يساوي معناه في الخارج.</p>
<p>فعملُ التسبيح هو العمل المؤسس في الأصل، وينبني على هذا العمل ألا تبقى حيث أنت بل تنطلق بكيانك تُجاه تذكير الآخر بهذا العمل&#8230; {فذكِّر إن نفعك الذكرى}.</p>
<p>وسبق الكلام قبل في سورة المدثر بأن هذا التذكير، تذكير بكل شيء ولكنّ جِماعَه أنه تذكير بهذا القرآن نفسه، لأنه ذكر {فذَكِّر بالقرآن من يخاف وعيد}(ق : 45).</p>
<p>لأن الذكرى هي أساس الذكر، والذكرى لا تحصل إلا بالذكر، والذكر هو القرآن لأنه هو الذكر نفسه {وقالوا يا أيها الذي نُزِّل عليه الذكر}(الحجر : 6).</p>
<p>فالذكر هو القرآن، والتذكير يكون بإيصال هذا القرآن إلى الناس&#8230; لأن فيه ما يذكِّر الناس بربهم، ما يذكِّرهم بالعهد الأول لربهم، ما يذكِّرهم بفطرتهم، ما يذكرهم بأصلهم، ما يذكرهم بمآلهم، ما يذكرهم بالغيب والشهادة، ما يذكرهم بكل شيء من الحقائق الضرورية، والأوامر والنواهي الضرورية.</p>
<p>فكل ما يذكرهم بأي شيء موجود في هذا الذكر الذي هو القرآن، {فذَكِّر} على الإطلاق &gt;ذكر&lt; من؟ مفتوح &gt;فذكر&lt; وهذا مبني على القاعدة التي سبقت : &gt;خلق&lt; &gt;سوَّى&lt; &gt;قدَّر&lt; &gt;هدَى&lt; ماذا هدى؟ ماذا قدَّر؟ ماذا سوَّى؟ كل هذا مسكوت عنه، لأن المقصود هو الفعل.</p>
<p>إذن عمل التذكير يتجلى أساساً في إيصال هذا الدين للناس، ويتجلى في تبليغ هذا القرآن إلى العالم&#8230; والناس بعد ذلك صنفان : فمن خَشي تذكّر، ومن شقِي نأى وابتعد، وجعل هذا الأمر على جنبه، وما اهتمّ به {ويتجنبها الأشقى}.</p>
<p>الهدى الثالث : رأس التزكي التطهّر من رجسين : رجس الشرك بالله تعالى، ورجس إيثار الدنيا على الآخرة.</p>
<p>الجهل بالله تعالى ذُكِر في الآية كأَنَّ أصْل الهوى نفسه، والشُّبَه والشهوات التي منها يُؤْتى العبد&#8230; مردهما إلى الجَهْل في الحقيقة. لأن الجهل يناقضه العلم، والعلم يقين، يفيد القطع في أصله اللغوي العربي وفي القرآن الكريم، بمعنى أن الأشياء التي تُعْلم على حقيقتها لابد أن تؤدي إلى نتائجها.</p>
<p>أذكر مثالا للشيخ أبي الأعلى المودودي رحمه الله في مسألة توضيح اليقين وأن العلم لا ينتج طاعة حتى يكونَ يقينا : طفل لم يرَ النار قط، ولما أوقدت نار، رآها جميلة  في الشكل ولا علم له بألمها وحريقها، فوضع أصبعه فيها فتألم فأزال أصبعه فورا، بعد ذلك تقول له : ضع أصبعك فيها فيقول : لا أبداً . لماذا؟ لأن الحادثة الأولى أورثته علما بخطورة هذا الكائن الذي اسمه النار، ذلك العلم لم يكن عنده في مستوى الوهم أو في مستوى الظن أو الرجحان بل كان عنده في مستوى اليقين القطعي الكامل.</p>
<p>فحين وصل العلم  إلى هذه الدرجة، أي صار علما، أنتج طاعة، أنتج ائتماراً وانتهاء، فالذي يحدث للإنسان أنه لا يصحب الآيات القرآنية : أوامرها ونواهيها الصحبة التي تورثه اليقين، فيصل إلى حال ذلك العبد الصالح، ذلك العبد المؤمن الذي قال له رسول الله  : &gt;كيف أصبحت يا حارثة؟ قال : أصبحت مؤمنا حقّاً..&lt;الحديث الذي تعرفونه.</p>
<p>ومثل ما ورد في حديث حنظلة : &gt;نكون عندك يا رسول الله وكأننا نرى الجنة والنار رأي العين&lt; كأننا نشاهدهما، &gt;فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا..&lt;(رواه مسلم) أي نسينا وغابت عنا الحقائق وماعُدْنا نتذكر، فقال له  : &gt;ساعة، وساعة يا حنظلة &gt;لو تبقون كما تكونون عندي وفي الذكر&lt;، و&gt;في الذكر&lt; : أي وفي تلك الحال التي تكونون وكأنكم تشاهدون الحقائق وترونها عيانا &gt;لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظة ساعة وساعة&#8230;&lt;(رواه مسلم) أو كما قال  ، لأننا بتلك الحال نرتقي ارتقاءاً نبتعد به عن الشهوات، ونقترب من الملائكة فتأتي الملائكة وقد رأت أشباها لها تأتي لتصافحهم.</p>
<p>وبعكس ذلك حين يتمكن الجهل والنسيان يقع الابتعاد عن الله والاقتراب من الشياطين نعوذ بالله منهم.</p>
<p>فلا رجز ولا رجس أعظم من عبادة غير الله.</p>
<p>قال الله عز وجل : {قُل أفغير الله تامروني أعبد أيها الجاهلون}(الزمر : 64) أيها الجاهلون الجهل الحقيقي وهو جهل الكفر، فالذي يعبدُ غَيْر الله جاهلٌ حقا، لأنه ما ذاق حقيقة وجود الله على وضوحها في هذا الكون {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون}(الطور : 35) {أم خلقوا السماوات والأرض}(الطور : 36)</p>
<p>ثم ليس بعد ذلك من رجس أعظم من تقديم العاجلة على الباقية.</p>
<p>نحن لا نقدر هذه الحقيقة حق قدرها للأسف!! ونعيش حياة أشبه ما تكون بحال الكفار : إيثار الدنيا على الآخرة لنفكر في أحوالنا عمليا، مثلا : لنأخذ أولادنا على سبيل المثال ما هو الشيء الذي نهتم به في حياتهم؟ نهتم بأكلهم، نهتم بشربهم، نهتم بلباسهم، نهتم بلهوهم ولعبهم، أي نهتم بتغليظ أجسامهم!، نهتم بتكثير شحومهم ولحومهم! نهتم بالجانب المادي فيهم، وقلما نهتم بالجانب المعنوي، بالجانب الروحي، وهو أخطر، لأن هذا الأكل الذي نهتم به أكثر من اللازم لم يوجبه الله علينا ولم يفرض علينا أن نمارس الأكل في اليوم ولو مرة واحدة. ولم يفرضه علينا حتى في اليومين أو الثلاثة أو الأربعة إلا عندما نصل إلى حال الإشراف على الهلاك، عند ذلك يجب أن نأكل،</p>
<p>لكن غذاء الروح واجبٌ خَمْس مرّات في اليوم لابد أن تتناول الروح خمس وجبات غذائية في اليوم -على الأقل-، لأن قوت الأرواح هو الروح نفسه أي هو القرآن الذي هو الوحي {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا}(الشورى : 52) {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربّي}(الإسراء : 85) {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان}(الشورى : 52).</p>
<p>الأرواح تتغذى من عالم الروح، من ذلك العالم نفسه الذي جاء منه القرآن. الروح تتغذى بالقرآن، تتغذى بالوحي.</p>
<p>الصلاة  مثلا : ماذا فيها؟ فيها هذا أساسا. سواء ما مضى -كما تعلمون- في الفاتحة التي لابد منها في كل ركعة من ركعات الصلاة، أو الألفاظ التي نكررها في كل حركة من حركات الصلاة : نركع فنقول : سبحان ربي العظيم، وهو من ألفاظ القرآن {فسبح باسم ربّك العظيم}(الواقعة : 74) وتقول في السجود : سبحان ربي الأعلى {سبّح اسم ربّك الأعلى} ونقول الله أكبر في القيام، ونقولها في الهُوِيِّ إلى الركوع وإلى السجود  كل هذه من ألفاظ القرآن ولا نقول ذلك ألفاظا بل نقولها معاني ينبغي أن نستحضر في التسبيح التنزيه، وينبغي أن نستحضر في التكبير تصغير ما سوى الله، من شأن الدنيا وما فيها وهكذا، وهكذا.</p>
<p>فإذن هذا الأمر أخطر والاهتمام به أقل&#8230; هو أخطر على الإنسان والاهتمام به أقل، وأطفالنا وأولادنا بين الميلاد والبلوغ في مرحلة انتقالية تحضيرية لما بعد البلوغ؛ فإذا اجتهدنا في ترسيخ معان بعينها إيمانية تذكروا بسرعة عند البلوغ، تذكروا الفطرة الأولى بسرعة بعد البلوغ لأنهم نشأوا في عبادة الله عز وجل، لكن إذا نشِّئُوا بالمعصية يصعب التذكر، وكما قال القائل : من شَبَّ على خُلُق شاب عليه إلا أن يشاء الله شيئا سبحانه، فهذا هكذا.</p>
<p>ثم عندما أيضا نأتي إلى أمر الحياة.</p>
<p>وعندما نحاول أن نتحدث عن المستقبل، ماذا تريد أن يكون ابنك؟ فالجواب العام والغالب هو أريده طبيبا، مهندساً، محاميا، ونعود أطفالنا على هذه الاختيارات الدنيوية! وقَلّ من يختار أن يكون إماما داعياً إلى الله عز وجل، مجاهداً، شاهدا على الناس&#8230;</p>
<p>يعني قلّ من تأتيه المعاني الشرعية، المعاني التي اختار الله لها خيرة خلقه : معنى الشهادة على الناس، معنى العلم بالله. هذه المعاني التي لها امتداد فيما بعد هذه الدنيا، المعاني الخالدة. هذه المعاني ذات الآثار الخالدة. هذه المعاني قلَّما تُذْكر وإذا ذُكِرَتْ أحيانا يُهَوَّنُ من شأنها.</p>
<p>فنحن بهذا شعرنا أم لم نشعر كأننا نحطم أبناءنا، كأننا نحضر أبناءنا للحياة الدنيا ونجعلهم يوثرونها على الآخرة وكأننا بذلك نغرس فيهم قيمة هذه الدنياونقول لهم يجب أن نستمتع بها، يجب أن نحياها، عندنا مال كثير، عندنا صحة كبيرة، عندنا جاه عندنا كذا عندنا كذا.</p>
<p>نهتم بهذه الأشياء في حين أن تلك مجرد وسائل.. تلك وسائل تستعمل لشيء آخر أهم، وهو تعمير الدنيا من أجل الآخرة، وعبادة الله عز وجل، كل هذه الأشياء التي أوتيناها ما هي إلا وسائل لعبادة الله عز وجل، وليست مطلوبة لذاتها.</p>
<p>هكذا الأمر في العلم، وهكذا الأمر في المال وهكذا الأمر في غير ذلك من الأمور التي نسأل عنْها &gt;لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه&lt;(رواه الترمذي).</p>
<p>فهذه النقطة وقفت عندها لخطورتها، وهي في حقيقتها رجس من الرجس، استعملت هذا التعبير لنشعر بخطورة هذه الخطيئة، هذا المنكر منكر كُبّار : إيثار الدنيا على الآخرة، هذا هو منهج الكفار. أما منهج المؤمنين فهو إيثار الآخرة على الدنيا إيثار الآجلة على العاجلة&#8230; الكفار يقال لهم {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها}(الأحقاف : 20) {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نُوَفِّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يُبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}(هود : 15- 16).</p>
<p>الهدى الرابع : رأس العطايا التنعم بعطيتين : إقراؤك القرآن بلا نسيان، وتيسيرك لليسرى في كل شأن&#8230;</p>
<p>هذه السورة فيها عطيتان : هديتان لرسول الله  من ربه، وهدية لكل تابع لرسول الله  من ذكر أو أنثى. طلب منه أمرين : {سبِّح اسم ربّك الأعلى} {فذكِّر إن  نفعت الذّكرى} وأعطاه عطيتين : {سنُقْرِئُكَ فلا تنْسى} {ونيَسِّرك لليُسْرى}.</p>
<p>هاتان الهديتان العطيتان، والمنتان العظيمتان، هما أعظم ما يمكن أن يُمَنّ به على العبد : أن يُقْرَأ القرآن، يعني أن يُدْخَل هذا العلم القلب، وأن يستضيء به الكيان&#8230;. وأن تتأثر به جميع الجوارح.</p>
<p>تجد القرآن في العين، وتجد القرآن  في الأذن، تجد القرآن في العين وهي تبصر ماذا تبصر؟ وكيف تُبصر؟ والأذن كذلك ماذا تسمع؟ والفم ماذا يأكل؟ وبأي شيء ينطق؟ والفرج ماذا؟&#8230;. والظهر ماذا يلبس؟.. إلخ</p>
<p>هذا هو إقراء العبد القرآن، هذا هو القرآن الذي &gt;يقال لصاحبه  اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدّنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها&lt;(رواه الترمذي).</p>
<p>هذا القرآن ليس هو القرآن الذي يجري على اللسان ولا يستقر في الجنان ولا يؤثر في جميع الجوارح.</p>
<p>&gt;إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين&lt;(رواه مسلم).</p>
<p>أهل القران هم الذين يعملون به في الدنيا، وهم الذين يكون القرآن حجة لهم لا عليهم نسأل الله أن يجعلنا كذلك. إقراء للعبد للقرآن {سنقرئك فلا تنسى} هو العلم الذي وهبه الله سبحانه وتعالى لرسوله  {ولا تعجل بالقرآن قبل أن يقضى إليك وحيه، وقل ربّي زدني علما}(طه : 114) زدني.. يمتلئ علما، ويمتلئ فهما لذلك العلم.</p>
<p>فهذه النعمة الأولى التي أشار إليها الرسول  : &gt;لا حسد إلا في اثنتين : رجل علّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار فسمعه جاره فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل  ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل&lt;(رواه البخاري).</p>
<p>ولا يمكن أن يفعل هذا وهو طالب دنيا.</p>
<p>فالقيام بالقرآن من أجل تدبره، من أجل الامتلاء به، من أجل أن يستضيء الكيان، هذا هو الأصل، والإقراء هو النعمة التي ينتج عنها كل خير.</p>
<p>ثم العطية الثانية هي التيسير لليسرى في كل شأن،  التيسير الذي ينتهي بالحُسنى في الدنيا والآخرة.</p>
<p>الله عز وجل يوضح هذه العطية بأنه يريد بعبده ا لذي يسبحه ويحمده، ويسبح باسم ربه الأعلى أن ييسر له السبل الموصلة إلى خيري الدنيا والآخرة.</p>
<p>فالتيسير هو عون من الله جلّ وعلا، تيسير في الهداية وتيسير في الممارسة، وتيسير في الكلفة، وتيسير في كل شيء.</p>
<p>فهاتان النعمتان العظيمتان، هديتان من الله عز وجل لعبده الذي يسبح باسمه. يقرئه وييسر له السبل الموصلة لخيري الدنيا والآخرة، فمن اتقى وسار على نهج التسبيح الحقّ أقرأه الله برحمة منه، ويسر له كل شيء، وهذا منطقي فحين قال سيدنا موسى \ لله عز وجل {قال ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عُقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أُشْدد به أزري وأشركه في أمري&#8230;.}(طه : 25- 31). أجابه الله تعالى جوابا فتح به الباب عن جميع النعم التي أنعم بها على موسى \، منذ ولد حتى أرسل {قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ولقد مننا عليك مرّة أخرى إذ أوحينا إلى أمّك ما يوحى أن اقذفيه في التّابوت فاقذفيه في اليمّ فلْيلقه اليمّ بالسّاحل يأخُذه عدوّ لّي وعدوٌّ له، وألقيت عليك محبّة منّي ولتُصنع على عيْنِي إذ تمشي أختك فتقول هل أدُلُّكم على من يكْفُله، فرجعناك إلى أمّك كي تقرّ عينُها ولا تحزَن، وقتلت نفساً فنجّيْناك من الغمِّ وفتنّاك فتُونا، فلبثْت سنِين في أهْل مدْين ثم جِئت على قدرٍ يا مُوسى واصطنعتك لنفسي}(طه : 36- 41). بمعنى أن الله عزوجل حين تقتضي حكمته اختيار عبد، فإنه يمُنُّ على ذلك العبد بما يسهل له القيام بتلك الوظيفة، على أساس ذلك الاختيار.</p>
<p>الهدى الخامس : رأس الفلاح أو الخسران : التذكر والاتباع لما في القرآن أو التجنب والإعراض عما في القرآن :</p>
<p>إذن المدار على القرآن.</p>
<p>{قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربّه فصلى} هذا طريق الفلاح، {ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكُبرى، ثم لا يموت فيها ولا يحيى} هذا طريق الخسران.</p>
<p>لذلك رأس الفلاح التذكر واتباع ما في القرآن {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربّه فصلى}.</p>
<p>ورأس الخسران التجنب : إلقاء القرآن على الجنب، والابتعاد عنه والنأي عنه والاعراض عما فيه.</p>
<p>ولا يتبع ما في القرآن إلا السعداء، ولا ينأى عما في القرآن إلا الأشقياء&#8230; جعلنا الله وإياكم من السعداء.</p>
<p>خـــلاصة</p>
<p>هدى السورة</p>
<p>هدى السورة باختصار شديد هو :</p>
<p>الخلاصة الأولى : عليك التسبيح والتذكير وعلى الله الإقراء والتيسير :</p>
<p>عليك بالتسبيح يا عبد الله، والتذكير {سبّح اسم ربك الأعلى}، {فذكّر إن نفعت الذِّكْرى}.</p>
<p>وعليه الإقراء والتيسير {سنقرئك فلا تنسى} {ونيسّرك لليسرى}.</p>
<p>الخلاصة الثانية : عبارة من ابن عاشر -رحمه الله- : &gt;رأس الخطايا هو حب العاجلة&lt; :</p>
<p>حب الدنيا هو رأس ا لبلاء، ورأس المصائب، لأن رسول الله  حينما شخص حال الأمة في فترة الضعف شخصها بهذا : &gt;يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها&#8230;.&lt;(رواه أبو داود) إلى أن قال  : &gt;بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله الرهبة منكم في قلوب عدوكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا : وما الوهن يا رسول الله؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت&lt;.</p>
<p>كراهية الموت نفسها بسبب حب الدنيا. لذلك حب الدنيا هو رأس البلاء، هو الخطر الشديد.</p>
<p>بمعنى آخر : لماذا نحن فيما نحن فيه الآن؟ وعلى الحال التي نحن عليها مغضوبا علينا من الله عز وجل؟</p>
<p>لماذا؟</p>
<p>لماذا سُلِّط علينا المغضوب عليهم؟</p>
<p>إنما ذلك بسبب حبنا للدنيا.</p>
<p>هذا الوهن الذي هو مسلط علينا في الكرة الأرضية، هذا الضعف، هذا الفشل، هذا الخور، هذا الجبن الذي نحن فيه ، بسبب ماذا؟ بسبب حب الدنيا وكراهية الموت&#8230;</p>
<p>لننظر عمليا كم ننفق في سبيل الله؟ كم ننفق من الوقت في سبيل الله؟ كم ننفق من المال في سبيل الله؟ كم ننفق من الطاعة في سبيل الله؟</p>
<p>بالنسبة المئوية : ما الذي نصرفه إلى الدنيا، وإلى الزيادة من زينة الحياة الدنيا وما الذي نصرفه إلى الآخرة، وإلى نصرة دين الله عز وجل؟ كل واحد يسائل نفسه ويُحاسبها لو أعطينا ما ينبغي أن نعطيه كما أمر الله عز وجل لرأينا النتائج كما ينبغي أن تُرى لذلك صدق الناظم فعلا حين قال :</p>
<p>رأس الخطايا هو حب العاجلة</p>
<p>الخلاصة الثالثة :</p>
<p>ليس الدوا إلا في الاضطرار له :</p>
<p>المخرج إذن هو العودة إلى الله عز وجل، والتوبة والإنابة إلى الله عز وجل  إنابة الاضطرار، إنابة الافتقار التام  إليه سبحانه عز وجل، هذا هو، المخرج.</p>
<p>فالله عز وجل يجيب المضطر إذا دعاه، فنسأله جلا وعلا أن يعيذنا من شر كل ذي شر ويكفينا ما أهمنا وما لا نهتم له، ويجعلنا من أهل القرآن الكريم الذين يعملون به في الدنيا.</p>
<p>اللهم أكرمنا بتسبيحك وأكرمنا بتذكير عبادك بك بجودك وكرمك، اللهم أقرئنا القرآن، ويسرنا لليسرى ويسر لنا اليسرى بفضلك وكرمك يا ربنا.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2012/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d9%84%d9%89/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>الهدى المنهاجي في سورة المسد</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2011/09/%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%af/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2011/09/%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%af/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 27 Sep 2011 09:12:44 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 277]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[المسد]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6390</guid>
		<description><![CDATA[الهدى المنهاجي في سورة المسد ورد حديث صحيح في سبب نزولها مؤداه أن رسول الله  لما نزل عليه قول الله تعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين}(الشعراء : 214) خرج ووقف على الصفا ونادى : يا بني كذا، يابني كذا.. إذا أخبرتكم أن خيلا تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا ما جربنا عليك كذبا قط فقال : إني نذير [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>الهدى المنهاجي في سورة المسد</p>
<p>ورد حديث صحيح في سبب نزولها مؤداه أن رسول الله  لما نزل عليه قول الله تعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين}(الشعراء : 214) خرج ووقف على الصفا ونادى : يا بني كذا، يابني كذا.. إذا أخبرتكم أن خيلا تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا ما جربنا عليك كذبا قط فقال : إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال عمه أبو لهب، عبارته المشهورة : &gt;تبا لك ألهذا جمعتنا؟!&lt;، فنزل قول الله عز وجل هذا {تبّت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى ناراً ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد}.</p>
<p>الهدى الأول : من عادى وليا لله عز وجل وآذاه، فقد عرض نفسه لأخطر عقوبة من الله، وهي الحَيْلُولة بينه وبين التوبة إلى الله، رجلا كان أو امرأة :</p>
<p>&gt; من هو ولي الله المحمي من الله تعالى؟</p>
<p>اصطلاح &gt;ولي الله&lt; نستعمله الآن حسب ما مضى في سورة العلق.</p>
<p>{أرأيت الذي ينْهَى عبدًا إذا صلّى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى}.   (عبداً صلى).  عبداً (على الهدى).</p>
<p>عبداً (أمر بالتقوى).</p>
<p>متى وجدت هذه الشروط الثلاثة وُجدت ولاية الله تعالى للعبد، ومن عادى وليا لله فقد عرَّض نفسه لمحاربة الله للحديث المشهور : &gt;من عَادَى لِي وليّا فقد آذنْتُه بالحرْب&#8230;&lt;(رواه  البخاري).</p>
<p>ورسولُ الله  في هذا الوضع هو أولُ الأولياء لأن ولايته تامةٌ عند الله عز وجل، لذلك حين تجرَّأ عمُّه هذا عليه، وتجرأت زوجه عليه كما هو ثابت في السيرة النبوية وآذياه كثيراً بأشكال مختلفة، وبالَغَا في الإيذاء عاقبهما الله عز وجل بأخطر عقوبة يمكن أن تُتَصور، إذ ليست العقوبة الخطيرة هي الضرب، وليست هي التعذيب. إنما العقوبة الخطيرة هي أن يُحرم من التوبة مطلقاً، لا مجال له إلى الإيمان، لا يمكن له أن يؤمن، لا يمكن أن يتوب، حتى ولو أراد التوبة لا يستطيع، فقد حيل بينه وبين أن يعود إلى الله. فتمحَّضَ للنار هو وزوجُه.</p>
<p>هذه أخطر عقوبة تتهدد من بالغ في إيذاء أولياء الله، وتتهدد كل من بالغ في إيذاء الدعاة إلى الله، فليحذَرْ كُل الحذر من يبالغ في هذا أن يُحال بينه وبين التوبة إلى الله عز وجل. وهي عند من يذوق هذا الأمر أخطر عقوبة يُمْكن أن تحل بعبد. فقد خُلِّد في النار. وانتهى أمره، وذلك الذي كان.</p>
<p>واعْتُبِر هذا من معجزات الرسول  لأن أبا لهب لم يستطع هو أو زوجه أم جميل -أخت أبي سفيان- لم يستطيعا أن يتحديا رسول الله  فيقولا مثلا : إنا نتوب إلى الله عز وجل وقد أسْلَمْنا.</p>
<p>أنت تقول : {تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه&#8230; سيصلى نارا ذات لهب} كيف ندخل النار ونحْن مسلمون؟!</p>
<p>قد أسلمنا ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.</p>
<p>لقد حيل بينهما وبين هذا، ولا سبيل إليه، وماتا كافرين، وانتهى أمرهما، فهذه نقطة خطِرة جدا يجب أن يذوقها أعداءُ الله، قَبْل أولياء الله.</p>
<p>كما يجب أن يذوق أولياء الله، أن الله عز وجل حين يتولاهم فهو يحول بينهم وبين إذاية هؤلاء، ويصْرِفُهم عنهم، وفي الآن ذاته قد يعاقبهم بهذا النوع من العقوبة الخطرة جدا.</p>
<p>الهدى الثاني : ما أعظم الخُسران إذا تعاون الزوجان على الإثم والعدوان :</p>
<p>هذه أسرة نكِدة، أسرة تعسة : الزوج والز وجة معا تواطآ واتفقا وتعاونا على الاثم والعدوان، ما تعاونا على البر والتقوى ولكن تعاونا على الإثم والعدوان، فهلكا معا.</p>
<p>وهذا النوع في الحقيقة هو أخطر أنواع التواطؤ، الموجب لأخطر أنواع العقاب لأننا قد نجد في أسرة رجلا يحارب، أو نجد امرأة تعادي، ولا يوجب الله عليها مثل هذا العقاب، ولكن هنا وجدنا أسرة تواطأت كلها على الشر، وتعاونت على الاثم والعدوان، فالله عز وجل دمّرها تدميراً، وحال بينهما وبين التوبة، وهذا هو الخُسران وما أعظمه من خسران!!</p>
<p>الهدى الثالث : ضرورة تدخل الأدب والإعلام للتشهير بالإجرام :</p>
<p>ذلك لأن القرآن الكريم إذ ذاك، كان هو الذي يقوم بكل الوظائف في حياة المسلمين، أي يصحّح الصورة، ويرسّخ المنهاج، ويدافع عن عباد الله وأوليائه، ويهاجم أعداء الله، كل شيء كان يفعله القرآن.</p>
<p>القرآن كان يواجه في جميع الجبهات، وفي جميع الواجهات، ومنها هذه الواجهة الإعلامية؛ لأن هذه السورة مثلا بمجرد نزولها سرت في مكة بين المسلمين وبين المجرمين يقرأها المسلمون فتسليهم، ويسمعها المجرمون فتهزم نفسيتهم.</p>
<p>قال الله عز وجل مبيناً الفرق بين طريق المسلمين وطريق المجرمين : {أفنجعل المسلمين كالمجرمين..}(القلم : 35) لأن الله عز وجل يسمي الكفار مجرمين، فلماذا يقابل الله عز وجل بين المسلمين والمجرمين؟ ذلك لفضح ما عليه الكفار من إجرام {يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين..}(المدثر : 41- 43)  فاصطلاح المجرم كان إذ ذاك سائدا وكانوا يعرفون : من هو المجرم؟ ورأينا كيف أن الله تعالى عَدّ أكبر جريمة على الإطلاق هي الشرك بالله، أكبر جريمة في الكون هي الشرك بالله، ما مثلها شيء : لا قتل النفس ، ولا شهادة الزور، ولا أي شيء، {إن الشرك لظلم عظيم..}(لقمان : 13) جدا.</p>
<p>فتدخل الأدب والإعلام اليوم بقصد التعريف بالدعوة والدفاع عنها والهجوم على المخالفين ضروريٌّ لأن المجرمين ينبغي أن يشهر بأعمالهم بمختلف أنواع التشهير الإعلامية كما حدث لأبي لهب، وزوجته.</p>
<p>شُهر بهما في القرآن الكريم، وذُكرا، ذُكر أبو لهب بكنيته، واستمر هذا عبر التاريخ نموذجاً للشر.</p>
<p>وهكذا بالنسبة لكل النماذج التي أصرّت على الشر، وبالغت فيه، وتعدت الحدود، وبالغت في الطغيان، وقد أعطى القرآن الكريم أمثلة كثيرة في تثبيت التشهير بمثل هذه النماذج الطاغوتية عبر التاريخ حتى تقوم الساعة.</p>
<p>وبعد أن انقطع الوحي ينبغي أن يبقى الشِّعر والقِصص والمسرحيات وكل شيء يمكن أن يتدخل بمختلف الأشكال للتشهير بجميع أشكال الشر، ونماذج الشر.</p>
<p>خلاصة هدى السورة</p>
<p>من حارب الدين فلن يضر إلا نفسه ولن يضر الدين شيئا :</p>
<p>هذه الخلاصة  واضحة جدا، فقد أصَرَّ أبو لهب وأم جميل زوجة أبي لهب أصرّا على محاربة رسول الله  ومحاربة الدين الجديد بكل سبيل، هلْ ضَرَّاه؟ هل ضرَّا المسلمين؟ هل ضرَّا الدين؟ أبدا، وإنما ضرَّا أنفسهما فوقعا فيما وقعا فيه فكان الخسران المبين، كذلك حال كل محارب لله عز وجل ومحارب لدين الله، لن يضُرّ الدين {إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً}(الطلاق : 3).</p>
<p>هذه حقيقة في  غاية الوضوح {إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} فالذي يحارب دين الله وأولياءه إنما يجعل وظيفته التاريخية ووظيفته الكونية أن يشحذ إيمان المؤمنين فقط ويقوي إيمانهم.</p>
<p>هذه وظيفته الأساسية الكونية أما أنه سيضُرّ الدّين أو سيغيّر التاريخ أو سيوجّه التاريخ وجها آخر فهذا لن يحدُث أبدا، أبدا. لأن ما هو كائن لابد أن يكون، ما هو قادم لابد أن يُقْدم لن يؤخره إجرام مجرم، ولن يقدمه كذلك. بل سيأتي في إبّانِه {قد جعل الله لكل شيء قدرا} وكما قال كعب بن مالك ] :</p>
<p>زَعَمَتْ  سَخِينةُ أن ستَغْلِب ربّها              وليُغْلبنَّ مُغَالِب الغَلاَّب</p>
<p>الغلاّب مقصود به هنا الله جل جلاله، من يغلِبُ الغلاَّب؟؟ أبدا لا أحد.</p>
<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة التكوير</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>إذا دخلنا إلى سورة &#8220;التكوير&#8221; دخلنا إلى عالم جديد، عالم جديد أبْتدئه هكذا بشيء أسميتُه بالهدى الإجمالي للسورة، لم أفعله قبل ولكن تيسَّر هكذا فاقبلوه :</p>
<p>أولا : الهدى الإجمالي للسورة :</p>
<p>لا يستقيم سَيْرُ البدايات حتى يسْتقيم تصَوُّرُ النهايات، ولا استقامة لسَيْر الإنسان بغير هدى القرآن.</p>
<p>هذا فعلا هو الهدى الإجمالي للسورة.</p>
<p>السورة إذا تشَرَّبَها عبد، وصحبها صحبة عميقة -نسأل الله التوفيق لنا ولكم ولجميع المسلمين- فإنه يخرج بهذه النتيجة.</p>
<p>لماذا ابتدأ الله عز وجل بهذه المشاهد الأولى المتعلقة بأهوال يوم القيامة؟! لمَهْ؟</p>
<p>لأنها البداية، والعبد لا ينطلق ولا يتضح لديه الاتجاه إلا إذا اتضحت النهاية.</p>
<p>آنذاك يسهل عليه السير في الاتجاه الصحيح نحوها. إذا لم تتضح القِبْلة/النهاية فإنه يظل ضاربا في غير اتجاه.</p>
<p>ولتحقيق هذا الوضوح للعبيد ها هنا، رُسم الطريق بكامله إلى العالم الآخر، إلى النهاية. من ها هنا بدأ ثم جاء بعد ذلك رسْمُ الطريق إلى هذه النهاية، وهو طريق القرآن.</p>
<p>هذه الخلا صة : لا يستقيم سير البدايات -بصفة عامة- حتى يستقيم التصور للنهايات.</p>
<p>ولا استقامة لسير الإنسان وهو يتجه إلى النهايات بغير هدى القرآن الذي هو السبيل وهو الهدى {قُل إن هُدى اللّه هو الهدى}(الأنعام : 71).</p>
<p>ثانيا : الهدى التفصيلي :</p>
<p>ويمكن تفصيله إلى ثلاث :</p>
<p>- الهدى الأول : بداية اليقظة استحضار أهوال اليوم الآخر، وكأنها تشاهد متلاحقة.</p>
<p>- الهدى الثاني : بداية الوعي القويم، التفسير الصحيح للظاهرة القرآنية، والقول القرآني</p>
<p>- الهدى الثالث : بدايةُ الاستقامة في السير العلْم بوظيفة القرآن الكريم</p>
<p>هذه هي المحطات الكبرى في السورة.</p>
<p>وقد جاء الهدى فيها ملخصا مفصّلا أيضا وتحت كل نقطة نقط فرعية، صغيرة.</p>
<p>الهدى الأول : بدايةُ اليقظة : يقظة العبد. ليخرج من عالم الغفلة، ويخرج من عالم النسيان، ويخرج من عالم سكْرَة الحياة ومن نومة الحياة.</p>
<p>فالحياة نوْمة والناس فيها نيام، فإذا ماتوا استيقظوا {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون}(الحجر : 72).</p>
<p>وليخرج العبد منها عليه أن يبتدئ في اليقظة، وليبتدئ في هذه اليقظة يحتاج إلى استحضار أهوال اليوم الآخر وكأنها تُشَاهَد.</p>
<p>فقبل أن يقول الله جل جلاله أيَّ كلمة عن هذا القرآن، وعن الرسول، بدأ في عرض هذه المشاهد متتابعات، وصورها تصويراً حيا وكأنها تُشَاهَد، معتبرا لها كأن قد مضت وكأن قد حدثت.</p>
<p>وهي خمس مراحل :</p>
<p>&gt; المرحلة الأولى : مشاهد السماء و ما يجري فيها .</p>
<p>وهذه نقطة سنجدها في عدة سور. بداية الانقلاب الكوني، بداية تبدل الأرض والسماوات، الكل يبتدئ من السماء ثم ينزل إلى الأرض، ثم يعْقبه ما يعقُبه.</p>
<p>المرحلة الأولى مرحلة السماء وما يجري فيها من لَفِّ وانطفاء للشمس، وظلمة وتناثر للنجوم والكواكب، في الآيتين {إذا الشمسُ كُوّرت وإذا النجوم انكدَرَتْ}.</p>
<p>هذا في السماء {إذا الشمس كوّرت} لُفّتْ، ودخل بعضها في بعض وانطوت، أي انتهت لأنها هي الأهم، وهي في وضع قرص كبير جداً تمتد منه ألسنة اللهب عبر آلاف الأميال. وإنما يراها العلماء الآن عند الكسوف الكلي إذ تظهر بوضوح هذه الألسنة اللهبية الممتدة بآلاف الأميال، فالشمس تظهر لنا في شكل كرة في الأحوال العادية، ولكنها جحيم، جحيم لهب كبير جدا جدا جدا، لا نستطيع تصور مقدار الحرارة والالتهاب الموجودين في الشمس، ولا هذه الألسنة &#8220;الألسنة اللهبية&#8221; التي تمتد منها آلاف الأميال.</p>
<p>أقول هذه الشمس الممتدة بهذا الحجم الضخم ستَلْتَفُّ من جديد ويدخل بعضها في بعض وتنطفئ وتنتهي.</p>
<p>والعلماء أخذوا من كوْرِ العمامة ومن أمثلة أخرى هذا المعنى الذي فيه اللَّفّ، ودخولُ البعض في البعض، وذلك للتقريب لأنه لا أحد يعرف الحالة بالضبط إلا الذي أوحى إلينا هذا القرآن، هو الذي يعْرِف بالضبط ماذا يقصد بتكوير الشمس، ولكن التكوير تقريبٌ للمعنى إلينا بلغتنا وبفهمنا، وهذا من عظمة هذا القرآن الكريم، وعظمة الله جلّ جلاله الذي أوحى به، لأنه بفضله عز وجل يسّر لنا، وقرّب إلينا فهم القرآن رغم البعد الشديد الذي لا حدّ له بين المخلوق والخالق، ومع ذلك يسّر لنا الذّكر، يسر لنا القرآن باللغة المستعملة العادية لتقريب هذه المعاني الضخمة.</p>
<p>فأولا مرحلة السماء وما يجري فيها من لَفِّ وانطفاء للشمس، وظلمة وتناثر للنجوم والكواكب لأن الانكدار والكُدْرة بصفة عامة ضد الصفاء. والانكدار فيه معنى هذه الكُدرة كأنه عمل طوعي نتيجة علاقة بغيره، ومن جهة أخرى فيه معنى التناثر أيضا والتساقط، فكأنه سيحدث أيضا في ذلك الوقت انطفاء لهذه النجوم أي انكدار.</p>
<p>خصوصا إذا فهمنا أنه كان يطلق على الكواكب أيضا النجوم في ذلك الزمان أي الكواكب التي تأخذ نورها، وتسطع في السماء نتيجة انعكاس ضوء الشمس عليها، كما هو حال القمر الآن.</p>
<p>فالقمر ليس له ضوء ذاتي، والكواكب -بصفة عامة- في الاصطلاح الجغرافي الفلكي ليس لها ضوء ذاتي، بل هي تعكس ضوء غيرها من النجوم، فهي تنطفئ تلقائيا بانطفاء المصدر الضوئي الذي يعطيها الأشعة.</p>
<p>ولكن  من جانب آخر هناك معنى الانتثار والتساقط كأن خللا في النظام العام الكوني يحدث أيضا، وتزول هذه الأشياء التي ظلت تحفظ الكون إلى الآن وتجعله محفوظاً في نظام تام لا يتقدم ولا يتأخر، نحن نرى الآن على سبيل المثال الأرض في دورتها حول الشمس، أو في دورتها حول نفسها، أو في سيرها في المجرة التي تنتمي إليها، كل ذلك لا يتقدم ولا يتأخر.</p>
<p>فأمور الكون وأحواله في غاية الضبط والحفظ كما قال الله عز وجل : {ولا يؤُودُه حِفْظُهُما وهو العليُّ العظيم}(البقرة : 255).</p>
<p>هذه مرحلة السماء.</p>
<p>&gt; المرحلة الثانية : مرحلة الأرض وما يجري عليها من تسيير الجبال ونسفها، ووضع العِشَار أحمالَها، وحشر الوُحوش ذاهلةً عن فرائسها، وتفجير البحار مضطرمة نيرانها، هذه مشاهد أرضية ستحدث بعد المشاهد السماوية.</p>
<p>مشهدان للسماء كبيران : في الشمس أولا ثم في النجوم ثانيا.</p>
<p>وأربعة مشاهد في الأرض يذكرها الله عز وجل :</p>
<p>- أولا : الجبال {ويسْألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا..}(طه : 105) فهناك عُبِّر بالنسف وهنا عُبِّر بالتسيير، وقد يكون هذا التسيير بداية النسف.</p>
<p>على كل حال فالمقصود هو أن الجبال ستتزحزح عن مواقعها رغم أن الله عز وجل جعلها أوتاد الأرض، ورواسي الأرض، فهي النقط المستقرة أكثر من غيرها في الكرة الأرضية. تلك النقط المستقرة ستُسَيَّر من أماكنها، بل ستُنْسف نسفا، هذا في هذا المشهد.</p>
<p>- ثانيا : العِشار {وإذا العشار عطّلت} وضْعُ العِشار أحْمَالها، العِشار جمع عُشَراء : والعُشراء هي الناقة التي وصلت الشهر العاشر من حملها، وهي كرائم مال العرب الذين خوطبوا أول مرة بهذا الكلام.</p>
<p>خير ما يملكون هي العشار، وزينتها وحُلِيُّها ما هو؟ هو كونها عُشْرة، هو كونها حاملاً فهي في ذلك الوقت محبوبة لديهم، وأحسن منظراً وأغلى ثمنا، وأكرم عنصراً الخ هذه العشار العزيزة على النفس ستُعَطَّل من زينتها كما قال تعالى في الآية الأخرى {يَوْم تَرَونها تَذْهَل كُل مُرْضِعة عمّا أرضَعَت، وتضَعُ كلُّ ذاتِ حملٍ حمْلَها}(الحج : 2) ومنها العِشار.</p>
<p>هذا بالنسبة لمشهد العشار.</p>
<p>- ثالثاً :  الوحوش {وإذا الوحوش حُشرت}.</p>
<p>معروف أن السباع تفر من بعضها خوفا، ولكن أمام الهول لا تعرف أين تتجه، هي الآن تجتمع مع بعضها، فيجتمع الأسد مع الظبية ولا إشكال، كما قال الله عز وجل في آية أخرى بالنسبة إلى الناس كيف يُبعَثُون، وذلك حين سألته السيدة عائشة رضي الله عنها عن حال الناس في البعث فقال : الأمْرُ أدهى من ذلك أو كما قال  لا يستطيع أحدٌ أن ينظر إلى أحد.</p>
<p>فكذلك الوحوش حشرت.</p>
<p>رابعا : البحار وهي في أصلها مياه، ومع ذلك فجِّرَت، في آية أخرى {وإذا البحار فجّرت} يعني سُجِّرت : هُيِّجت. التسجير : تهييج النار، سُجِّرت النار : سُجِرت، وسجِّرت مبالغة، وتهييجُ النار إضرامُها وجعلُها مضطرمة جدا.</p>
<p>هذا الضّرم للنار، أو التضريم للنار، كيف يُتصور في البحر؟!</p>
<p>البحر الذي هو ماء يصير ناراً، يتفجر ناراً كأن الأرض قد أخرجت أثقالها.</p>
<p>وقد أصبح الآن معروفاً على مستوى الجغرافيا وعلى مستوى الجيولوجيا &#8220;علم طبقات الأرض&#8221; أن باطن الأرض نارٌ، وهذه البراكين إنما هي تنفسات لهذه النيران، تنفسات فقط لهذه النيران الموجودة في باطن الأرض، فتفجير البحار، وتسجيرها معناه أن تختلَّ الموازين، تختلّ الأنظمةُ القائمة الموجودة الآن لأن الكون سيتبدل حتما، حين سيصدر الأمر له بالتبدّل {يوم تبدل الأرضُ غيْر الأرضِ والسَّمَاوات..}(إبراهيم : 48) فهذه أربعة من المشاهد الأرضية.</p>
<p>المرحلة الثالثة : مرحلة الإنسان وما يجري له، ولأنواعه من تحضير للحساب، وتعجيل بسؤال الوائدين لبناتهم بغير ذنب، ونشر الكتب والصحف المحصية لكل كسب أو اكتساب.</p>
<p>هذه المرحلة بدايتها {وإذا النفوس زُوِّجت} التزويج : جمع شيء مع زوجه  ذكر العلماء معنيين مهمين من معاني التزويج :</p>
<p>الأول عوْدة الأرواح إلى أجسادها استعدادا للحساب ومعناه : البعث والنشور. فهذا التزويج متعلق إذن بتزويج الروح والجسد، فهما زوجان متكاملان.</p>
<p>الثاني هو : تصنيفهم أصنافا وأنواعا استعداداً لما بعد، الأنواع التي ستذهب إلى النار، والأنواع التي ستذهب إلى الجنة.</p>
<p>فهي استعدادات في مجال الإنسان : تحضير تزويج النفوس في هذا الاتجاه، هو التحضير ليوم الحساب.</p>
<p>ومن التحضير للحساب التعجيلُ بسؤال الوائدين بغير ذنب.</p>
<p>كأنه من شدة فظاعة هذا الجرم، الذي كان يفعل بالإناث من النساء بوأدهن ظلما يعجُّل النظر فيه، فقبل الحساب يُسْأل أصحابُه عنه لخطورة هذا الجرم {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قُتلت}.</p>
<p>وطبعا لا نتجه إلى تفسير، كيف كان حال الأوضاع المزرية التي وجد الإسلام عليها المرأة في الجزيرة العربية وأين رفعها في حُدودِ ثلاث وعشرين سنة، أين كانت؟ وأين صارت؟ كلام طويل في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله  والسيرة النبوية، لا سبيل إلى الحديث عنه الآن.</p>
<p>&gt; المرحلة الربعة : مرحلة نشر الكتب والصحف المحصية لكل كسب أو اكتساب {وإذا الصحف نشرت} أي : الصُّحف التي كان يكتب فيها كل شيء {وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون}(الانفطار : 10- 11).</p>
<p>كل ما نفعله يحصيه ملكان ملك عن اليمين، وعن الشمال.</p>
<p>هذا الذي يُفعل سيُنْشر إذ ذاك، هذه لحظة آتية بعد الأخرى : أُعِدَّ الناس، زوِّجوا، صُنِّفوا أصنافا استعدادا لما هو قادم، سئل من سُئل، نظرا لفظاعة هذا الجرم، بعد ذلك نُشِرت الصحُف، مباشرة استعداداً للحساب بعد {اقْرَأْ كتَابَك كفى بنفسك اليَوْم عليك حسيبا}(الإسراء : 14).</p>
<p>&gt; المرحلة الخامسة : مرحلة العالم الآخر الذي سننتهي إليه، العالم الآخر وما يجري به من إعداد لاستقبال أنواع الإنسان.</p>
<p>مِنْ كشف للغطاء عن عالم الخلود، وتضريم لطبقات الجحيم، وتقريب لجنات النعيم.</p>
<p>المشهد الأول :</p>
<p>{وإذا السماء كُشِطت} هذه السماء التي كُشِطَتْ ليست هي السماء الأولى التي كورت فيها الشمس، فبعد زوال الشمس وبعد زوال النجوم سيأتي أخيراً كشط السماء والكشط في العربية هو السَّلْخُ للإبل.</p>
<p>إذ السلخ يقال في اللسان العربي للبقر والغنم، ولا يقال كشط البقر والغنم، كما لا يقال سلخ الإبل، كل لفظ يستعمل له ما يخصه فالسلْخُ للبقر والغنم ويقابلُه الكشطُ للإبل. ومعنى كشط السماء إزالة هذا الجلد الذي لها ومعناه أيضا عملية إزالة غطاء، لتنكشف المشاهد التي ستأتي بعد ذلك مباشرة {وإذا السماء كُشِطت} فماذا نتج؟</p>
<p>المشهد الثاني والثالث :</p>
<p>{وإذا الجحيم سُعِّرَت، وإذ الجنة أزلفت} ومن الطرائف أن الجحيم في اللسان العربي هي النارُ ذات الطبقات في الوقود. هذه من الطرائف&#8230;</p>
<p>فلفظ الجحيم بحد ذاته، كان عند العرب يطلق ليس على أي نار، بل يطلق على النار المكوّنة من طبقات في الوقود، فلهبها شديد جدا، هذه الطبقات تُضَرَّم {وإذا الجحيم سُعِّرت} صارت مُسْتعرة. وجُحِّمَتْ يعني صارت جحيما أشد.</p>
<p>{وإذا الجحيم سعِّرت} {وإذا الجنة أزلفت} هاذان المشهدان الأخيران اللذان يتم الاستقبال الذي تحدثت عنْه فيهما، طبعا زُوِّجت النفوس لتصبح فريقين {فريق في الجنة وفريق في السعير}.</p>
<p>ولكن هل حدث الحساب؟!.</p>
<p>في هذه المشاهد؟ لا.</p>
<p>ما هي النتيجة إذن؟</p>
<p>الحصيلة : {علمت نفس ما أحْضَرت} وصلنا إلى الحصيلة التي هي المرحلة الأخيرة.</p>
<p>مرحلة الحصيلة الحاضرة أمام العين التي هي نتيجة مرحلة الاختبار في الدنيا، وأساس دار القرار في النار، أو في الجنة إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.</p>
<p>هذه المشاهد قُصِد بها أن تحضر في قلب المؤمن، أن تحضر في قلب المتلقي لهذا القرآن لينتقل مباشرة من مشهد إلى مشهد ليواجه في الأخير النهاية التي هي حصيلة جهده وعمره {علمت نفسٌ ما أحْضَرَتْ} ماذا أحضرت؟ خيراً كثيراً، خيراً قليلاً، شراً، ماذا؟ {يوم تجد كُلُّ نفس ما عملت من خير مُحضراً وما عملت من سوء تودُّ لو أنّ بيْنَها وبينه أمداً بعيداً}(آل عمران : 30).</p>
<p>هذا هو المشهد الذي كنت أقصد في البداية : أن بداية اليقظة استحضارُ أهوال اليوم الآخر، وكأنها تُشَاهد.</p>
<p>قبل أن يتحدث القرآن عن القرآن، ومن أين جاء هذا القرآن؟! وما وظيفة هذا القرآن؟.</p>
<p>أولا : حَضَّرَ الإنسان لاستقبال القرآن، أيقظ الإنسان، أيقظ المتلقِّي، هزَّه هزا عنيفا عبر هذه المشاهد المتتالية التي تضعه أمام المصير بصراحة ووضوح {علِمَت نفس ما أحضرت} إنها النهاية.</p>
<p>{علمت نفس}.</p>
<p>كلُّ نفْس.</p>
<p>{علِمَت نفس ما أحْضَرَت}.</p>
<p>إنها إذن خلاصة كسب الدنيا : خلاصة كسب مرحلة الاختبار {خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}(الملك : 2).</p>
<p>إذن تلقائيا : الحياة الدنيا تختصر في النهاية في نتيجة، في حصيلة، هذه الحصيلة إما النار المسعّرة، وإما الجنة المُزْلَفَةُ، هذه تنتظر الداخلين، وهذه تنتظر الداخلين، نسأل الله أن نكون من خَلْقِ الجنة بفضله وكرمه، فهذه المشاهد ذكرت مقدمة لأمر آخر هو هذا الذي سيبدأ بعد في الهدى الثاني.</p>
<p>الهدى الثاني : بداية الوعي القويم التفسير الصحيح للظاهرة القرآنية والقول القرآني، لأنه هنا سمي ب&#8221;القول&#8221;. {إنه لقول رسولٍ كريم، وما هو بقول شيطان رحيم}.</p>
<p>القول القرآني أو الظاهرة القرآنية بصفة عامة ما تفسيرها؟</p>
<p>نجد في الآيات تفسيراً بأنها نتيجة السحر والجنون، وأنها قول شيطان رجيم، وعدة أشياء ذكرها القرآن في هذه السورة، نافيا معناها.</p>
<p>إذن هناك تفسيرات كثيرة وخاطئة للظاهرة القرآنية، سواء التي ذكرت قبل، أو التي تُذكر اليوم أو غدا.</p>
<p>كلها لا تستقيم مع طبيعة هذا القرآن.</p>
<p>والتفسير الصحيح هو هذا الذي يذكره منزله سبحانه وتعالى، مُنَزِّلُ القرآن يفسر الظاهرة القرآنية عَبْر مراحل أيضا على الشكل التالي :</p>
<p>من قوله تعالى {فلا أقسم بالخنس الجوار الكُنّس، والليل إذا عسعس، والصّبح إذا تنفّس إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثَمَّ أمين وما صاحبكم بمجنون، ولقد رآه بالأفق المبين، وما هو على الغيب بضنين، وما هو بقول شيطان رجيم، فأين تذهبون}.</p>
<p>أين تذهبون يابني آدم بتفسيراتكم العجيبة الغريبة؟!</p>
<p>إذن : ما هو ذلك التفسير الصحيح؟ التفسير الصحيح جاء على الشكل التالي :</p>
<p>&gt; أولا : إن هذه الظاهرة القرآنية ظاهرة محكومة بالنظام العام لتعاقب الأزواج، لنتذكر أن الله عز وجل قال في آ ية أخرى {ومن كل شيء خلقنا زوجين} وأن نظام الزوجية نظام كوني شامل كامل عام.</p>
<p>والزوجية لها أشكال : هي نوع من الثنائية كالتي بين الرجل والمرأة والليل والنهار، والشمس والقمر.. وهناك أشياء تكون الزوجية فيها بالنسبة لغيرها، تتكامل معها، وتمثل زوجية.</p>
<p>هذه الزوجية نظامها نظام عام شامل وهذا يعني أن الظاهرة القرآنية لا تخرج عن هذا النظام أيضا  إذ القرآن هو الروح للإنسان الحي.</p>
<p>لذلك فلا عجب أن يُرى صبح قد تنفس بعد ليل قد عسعس {فلا أقسم بالخنس الجوار الكُنَّس، واللّيل إذا عسعس والصّبح إذا تنفس} وهذا القسم مقدمة تأتي بظواهر كونية، ولكن قد لا نلتفت إليها، كأنها تدفعنا دفعا لتأملها، واكتشاف النظام، أو الأنظمة التي تحكمها. يجب أن تُعرف لأنها أساس، وهذا شيء سيواجهنا في عدد من السور {والليل إذا يغشى والنّهار إذا تجلى} هو قادم إن شاء الله عز وجل، أشكال من القسم التي يبتدئ بها القرآن هي مقدمات ترسخ النظام العام الذي يتأسس عليه ما بعده، فينبغي أن يُلْتَفَتَ إليها جيدا.</p>
<p>{فلا أقسم بالخُنَّس} الذي عليه  الجمهور في {الخنس الجوار الكُنّس} أنها النجوم، هناك من قال غير هذا، ولكن الواقع أنه حسب السياق فعلا، وخصوصا في ما بعدها {والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفّس&#8230;} فعلا هذا الذي عليه الجمهور هو الذي نسير عليه باختصار.</p>
<p>والخنّس والخُنوس بصفة عامة هو الظهور ثم التواري، كما يحدث للظبية مثلا عندما تحس بخطر الصياد تخْنِس بسرعة وتتوارى عن النظر، ولكن لا تذهب إلى مخْدَعِها الأساسي، الذي يُسمى عند العرب بالكِناس كَنَسَ الظّبيُ يكْنِسُ : دخل في كِنَاسه أي بيته الذي ينام فيه.</p>
<p>والصورة هنا رائعة فعلا، الصورة هنا يحق لأهل الجمال، ومتذوقي الجمال أن يحسوا بها في هذه الآيات، كأنها تُمهد لجمال القرآن القادم {فلا أقسم بالخُنّس الجوارِ الكُنّس}.</p>
<p>وإذا تأملنا في علاقة هذا الأمر بالواقع الكوني، متى تكون النجوم خُنّساً؟ فالنجوم لها أوضاع : ذكرت بالخنس، وذكرت بالجواري، وذكرت بالكنس، طبعا إذا دخل الظبي كناسه لم يعد يُرَى : فكناسه معناه أنه كان موجودا ثم اختفى، ولم يعد يُرى، لكن حين يكون خانسا فإنه سيظهر بسرعة أو سيأتي وقت يظهر فيه، ولا يكون غائبا، فكذلك الحال في النجوم فحين تطلع الشمس تكون موجودة، لكنها مختفية وحين يأتي الليل تظهر بوضوح وتجري، وحين تأتي نهاية الليل تظهر لنا كأنها غابت بالمرة، فهذا وضع أو ظاهرة بهذا الشكل، وظاهرة أخرى كونية، هي ليل يقبل ويصبح ليلا في بدايته يتمكن من ليليته (مصدر صناعي من الليل أي يصبح ليلا) : عسعس الليل أقبل وهو ليل حقيقة عكسه في النهار : {والصبح إذا تنفّس} كأنه الصبح خرج منه نفس يشعرك بأن النهار قد بدأ بانتشار الضوء فعبر عنه ب&#8221;تنفس الصبح&#8221; وهي صورة معاكسة لعَسْعَسَةِ الليل {واللّيل إذا عسعس # والصّبح إذا تنفس}.</p>
<p>فإذن : تعاقب هذين الزوجين، ووجود النور بعد الظلمة شيء طبيعي، أن تكون مرحلة لم يكن فيها هدى، لم ينزل فيها هدى، مرحلة فترة، عرفتها البشرية لم يكن فيها نور، كانت الرسالات قد انتهت وجاءت فترة، والآن جاء النور من جديد، لاعجب في هذا، هو إشعار بأن هذا الأمر سنة كونية.</p>
<p>وهذه الظاهرة القرآنية المشابهة للظاهرة الكونية قاعدتها الكبيرة قوله تعالى : {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيئين مبشّرين ومُنْذرين}(البقرة : 213) ثم صار الأمر بعد ذلك كلما انطمس أمر الدين، كلما ضعف تدين الناس، وضَعُفَ النور في الأرض، أمد الله الأرض بنور جديد من جديد حتى جاء النور الخاتم الذي لا ينطفئ هو هذا الذي تنفس به الصبح، مباشرة {فلا أقسم بالخنّس، الجوارِ الكُنّس، والليْل إذا عسْعس، والصبح إذا تنفّس إنه لقول رسول كريم} إنه لقول.</p>
<p>&gt; ثانيا : إنها مَنَزّلة من الله جل جلاله في صو رة قول عَبْر ملك رسول {إنّه لقول رسول كريم} ملك رسول مؤهل تأهيلا خاصا لتأدية الوحي إلى رسل الله تعالى من البشر هو جبريل عليه السلام، ومؤهلاته؛ كما هي مذكورة في السورة كلها تعطيه الأهلية الكاملة لحمل هذه الأمانة من الله جلّ وعلا وآدائها إلى من وُجِّهت إليه؛ إنها خمس صفات :</p>
<p>- الصفة الأولى : أنه كريم : والكرم في كلام العرب جماع الصفات الحسنة، فهو ضد اللؤم، الكرم ليس هو الجود، الجود ضد البخل، والكرم ضد اللؤم، قال المتنبي رحمه الله تعالى :</p>
<p>إن أنت أكْرمت الكريم مَلَكْته</p>
<p>وإن أنت أكرمت الكريم تمردا</p>
<p>اللؤم جماع الأخلاق القبيحة والكرم جماع الأخلاق الحسنة. ولذلك توصف الملائكة بالكرم كما في آية أخرى {كِرام بررة}(عبس : 16) إلى غير ذلك، فهو قول رسول كريم معناه أنه يتصف بكل ما يمكن أن يخطر على بالك من الصفات الحميدة.</p>
<p>- الصفة الثانية : أنه ذو قوة : فهو مؤهل لأنه لا يستطيع حمل الأمانة إلا الأقوياء، هذه سنة الله في خلقه لا في الملائكة ولا في الرسل، ولا في البشر العادي، ما وضعت أمانة، وما وكّل الله أمانة لضعيف، فإذا وجد الضعيف كما قال رسول الله  لأبي ذر : &gt;يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها&lt;(رواه مسلم).</p>
<p>فسياق الحديث يشير إلى أن أبا ذر طلب أن يُوَلَّى ولاية فقال له رسول الله  : &gt;يا أبا ذر إنها أمانة وإنك ضعيف لا تولَّيَنَّ على اثنين&lt; معناه ليست له مؤهلات الولاية، وهو فيه ضعف من هذه الناحية، وفيه قوة من جوانب أخرى، لكن في هذا الجانب فيه ضعف، لا يصلح، وليس معنى أن الشخص ضعيف في جهة، لا قوة له في جهة أخرى، الله عز وجل جعل لكل واحد جوانب قوة وجوانب ضعف. إذن فالولاية يولاها الأقوى، ولذلك وصف الله جبريل بأنه {ذي قوة} بمعنى القوة على حمل هذه الرسالة من الله جل جلاله إلى رسول الله من البشر.</p>
<p>- الصفة الثالثة : عند ذي العرش مكين : له مكانة خاصة عالية جدا في الرتبة يقال مكُن الشخص مكانة صار متمكنا في رتبة عالية عند من مَكُن عنده فهنا عند ذي العرش : عند رب العزة، عند الله جل جلاله هو مكين، بخلاف بقية الملائكة.</p>
<p>- الصفة الرابعة : مطاع : أيضا في الملأ الأعلى، نافذ أمره عند الملائكة ولذلك فهو مطاع.</p>
<p>- الصفة الخامسة : ثم أمين : أيضا في الحمل وفي الأداء معا.</p>
<p>هذه الصفات كلها ذكرها الله جل جلاله ليبين هذه النقطة، مازلنا في الظاهرة القرآنية كيف تكونت، هذا القول القرآني، هذا القرآن، هذا الوحي، التفسير الصحيح له ما هو؟ هو أولا داخل النظام العام، ثانيا: أنه منزل من الله جل جلاله عبر ملك رسول مؤهل تأهيلات خاصة لأداء هذه الوظيفة بمعنى أنه : لا يزيد ولا ينقص عن الله عز وجل فهو ملك مختص بالوحي لذلك قال ورقة بن نوفل : &gt;هذا الناموس الذي أنزل على موسى&lt; أو كما قال.</p>
<p>&gt; ثالثا : أن الرسول من البشر الذي أوحي إليه هذا القول القرآني في غاية الأهلية أيضا للحمل والأداء (بألفاظ المحدثين واصطلاحاتهم).</p>
<p>فالرسول من الملائكة في غاية الأهلية، والرسول من البشر كذلك في غاية الأهلية للحمل والأداء.</p>
<p>كأن الله عز وجل يوثق سند القرآن بتعبير علماء أهل الحديث، فمن البشر أيضا اختار رسولا غاية في الأهلية ولذلك وصفه بأوصاف منها :</p>
<p>&lt; أولها : أنه &#8220;صاحبكم&#8221; هذا التعبير بصاحبكم مقصود، وله أهمية كبيرة فهو صاحبكم معروفة خصائص القوة والأمانة فيه لديكم حين قال {وما صاحبكم} يعني رسول الله  بمعنى : أنتم تعرفونه جيدا، {فقد لبثت فيكم عمراً من قبله}(يونس : 161) يعني مدة طويلة : أربعين سنة، وهم يعرفونه جيدا يعرفون خصائصه، يعرفون أمانته، يعرفون صدقه، يعرفون قوته ويعرفون كل شيء عنه، هو صاحبهم فعلا، هنا لابأس أن أقول : أعجبتني لفظة عند أحدهم، قال : الصُّحْبة هي الملازمة في أحوال التجمع والانفراد للمؤانسة أو الموافقة، فالصحبة هي الملازمة، في التجمع والانفراد معا وصاحب الشخص معناه : من كان يلازمه في الأحوال العامة والأحوال الخاصة، ذاك معنى صاحبكم : رأيتموه في أحوال مختلفة وتعرفونه جيدا.</p>
<p>&lt; ثانيها : أنه في تمام العقل، وليس بمجنون كما تدّعون {وما صاحبكم بمجنون} ليس فيه مرض الجنون لأن مسألة الجنون واضحة.</p>
<p>&lt; ثالثها : أنه قد أخذ عن جبريل ورآه رأي العين بالأفق المبين {ولقد رآه بالأفق المبين} فأخذ عنه، أوحى إليه ما أوحى ورآه رأي العين.</p>
<p>&lt; رابعها : أنه أمين في أداء ما حُمِّل من أمر الغيب غيرُ &#8220;ظنين&#8221; -في قراءة- وغير &#8220;ضنين&#8221; في قراءة أخرى- ولذلك نجمعهما معا : هو أمين في أداء ما حمل من أمر الغيب، غير متهم في أمانته وأدائه لما حُمِّل، وغير ضنين أي غير بخيل أو طالب لأجر أو ما أشبه، في تبليغ هذا الخير. هذا العلم الذي هو الوحي طبعا.</p>
<p>&gt; رابعا : أنها قولٌ كريمٌ يتبرأ شكلا ومضمونا من أن يكون قول شيطان رجيم، حين قال الله عز وجل {وما هو بقول شيطان رجيم} هذا النفي بهذه الطريقة ركّز فيه على القول لا على مصدره، معناه : أنه هو القولُ نفسُه إذا قرأت هذا القول وتلقيته وتلقيت مضامينه : تلقيت الشكل الذي صدر به وعليه والصورة الأدبية التي خرج عليها المبنوية والمعنوية، الشكل الذي خرج عليه هذا القرآن ليس كلام شيطان، لأن الشيطان يفسد في الأرض، يأمر بالمنكر والشيطان كلامه كله خبيث أما هذا الكلام فهو كلام طيب كلام يُرشد إلى الخير وفيه كل الخير وهو كلام حسن.. {وما هو بقول شيطان رجيم}(التكوير : 25) كيف يكون كذلك؟! لذلك قال {فأين تذهبون} كأنه يشير إلى ضرورة نفي أي تفسير آخر لهذا القول وصدوره ولهذه الظاهرة القرآنية غير ما تقدم لا يستقيم ولا ينسجم معها، لا يستقيم ولو حاول من حاول، هذه حقيقة  هذه حقيقة صدور القرآن، وإذن فمصدرية القرآن وتوثيقه، وتفسيره هنا ضبطت في هذه السورة.</p>
<p>الهدى الثالث : بداية الاستقامة في السير العلم بوظيفة القرآن الكريم أنه ذكر للعالمين، هذا هو القسم الأخير {إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ربّ العالمين}.</p>
<p>هذا المعنى الذي يوضح وظيفة القرآن. هذه الوظيفة القرآنية حُدِّدت في عدة آيات وبعدة صور، بعضها يشرح بعضا، وتظهر أيضا في الأسماء التي سمي بها القرآن.</p>
<p>ومن هذه الأسماء التي سمي بها القرآن أنه : &#8220;الذكر&#8221;، وقد مضى في سورة القلم، {وقالوا يا أيها الذي نزّل عليه الذّكر إنك لمجنون}(الحجر : 6).</p>
<p>وسبب هذه التسمية هو أن وظيفة القرآن الأساسية أن يُذَكِّر الإنسان بالحقائق الضخمة في مبتدئه، والحقائق الضخمة في مصيره، والحقائق الضخمة في سيره من مبتدئه إلى منتهاه، إلى مصيره.</p>
<p>هذه الأمور الكبيرة التي هي موضوع التذكير هي : رسم المنهاج، جواب على الأسئلة الصخمة، تذكيره بحقائق الفطرة، تذكيره بالعهد الأول، تذكيره بالله جلّ جلاله، من أين جاء؟ وإلى أين يسير؟ لأن هذا المجموع بكامله في مسيرتنا الخالدة سيحضر يوما، سيقول قائلون يوما {ربنا أمتّنا اثنتين وأحيْتنا اثنتين فاعترفْنا بذنوبِنا فهَل إلى خروج من سبيل}(غافر : 11).</p>
<p>هناك استمرار للروح، كانت قبل هذه الحياة، وكانت في هذه الحياة، وستكون بعد هذه الحياة، ثم تُبعثُ بعد ذلك في الحياة الأخرى، موتتان : موتة قبل هذه الحياة، وموتة بعد هذه الحياة، وحياة هي هذه الحياة، وحياة بعد الموتة الثانية {أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} لكن هذه حياة قصيرة صغيرة، حياة اختبار، وفرصة للعمل، أما الحياة التي هي الحياة فهي الأخرى، والتي {يوم يتذكر الانسان ما سعى} سيقول {ياليتني قدمت لحياتي} كأن هذه الحياة الدنيا لم تعد تعتبر، فهي ليست بحياة، وهذا منطقي جدا؛ لأن هذه الحياة يعقبها موت، أما الحياة الأخرى فلا يعقبها موت، {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى}(الدخان : 56) التي مضت.</p>
<p>إذن هذه هي التي تستحق أن تسمى حياة فهذا التذكير هنا لخص وظيفة القرآن، وهو يُشْعِر بأن هذه الآية، وهذه الآيات، وهذه السّورة من السور المبكّرة فلا تحدد الوظيفة بالتفصيل، ولكن تحددها بإجمال كبير. {ذكر للعالمين} في أي شيء؟ في كل شيء، ولكن كيف؟ سيأتي بعد {وكل شيء فصّلناه تفصيلا} هذا أمر سيأتي بعد، لكن المهم في البداية هو السير باستقامة إلى تلك النهاية التي رُسمت في أول السورة لجعل الـمُحْضَر خيرا لا شرا.</p>
<p>ولأن الدخول إلى الجنة التي أزلفت يحتاج إلى معرفةِ حقيقةِ القرآن : {إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم} وفق هذا الذكر ليَسِير إلى ربه {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربّه سبيلا} هذا الاتخاذ  هو تذكرة بكل شيء، لكن بالمعاني الغليظة التي من بينها التذكير بمنطلق هذا الإنسان، بمبتدأ هذا الإنسان بصفة عامة، ليعرف الإنسان من أين جاء، ليس كالشاعر أبي ماضى الذي قال :</p>
<p>جئت لا أعلم من أين، ولكني أتيت</p>
<p>ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت</p>
<p>وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت</p>
<p>كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري!</p>
<p>هذا تمام الضياع، وهذه النقطة مهمة جدا؛ إذا تأملناها؛ هذه التي ترتبط بمقدمة السورة.</p>
<p>إن الفلسفات بصفة عامة التي تسحق الإنسان وتجعله عدميا، متشائما، متوتراً هي نفسها فلسفات عدمية لا تفتح أمامه الأفق الحقيقي ليرى الحق في الأفق المبين، لا يرى النهايات السعيدة بهذا الوُضوح الذي يشرحه ويُجلِّيه القرآن، فيرسُمُ الطريق في المعاش، وفي المعاد، الطريق بكامله، في مرحلة هذه الحياة الصغيرة، وفي الحياة البرزخية، وفي ما بعد ذلك في الحياة التي لا نهاية لها. إذا أخذنا على سبيل المثال الفلسفة الوُجودية التي تحصر معنى الإنسان وحياة الإنسان في هذه الحياة الدنيا، إلى حد أنها تتصور -نظرا لانطلاقها من الإلحاد ونفي وجود الله- أن الإنسان يصنع ماهيته، ليست هناك فكرة سابقة على أساسها رسم الإنسان وخطط الإنسان، وخلق الإنسان وقدر له ما قدر كما نؤمن نحن &gt;يكتب رزقه وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد&lt; كل شيء رُتِّب {اعملوا فكل ميسر لما خُلق له، نحن نتصور الحياة منظمة مركَّزة، كل شيء مرتب في هذه الدنيا، وكل شيء مرتب فيما بعد الدنيا، وعلاقة هذه الدنيا بالآخرى أيضا في ترتيب تام وتنسيق تام، هذا الترتيب يفتح أملا كبيرا، لكن الآخر ما الذي يحدث له؟ وجوده ينتهي بالموت ومعناه هو الذي يرسمه في السير لا معنى له قبل، هو يحاول رسم معناه، في النهاية نجد حالة ألْبِير كامو وأمثاله في أسطورة سيزيفْ، أن يصْعَد بالصخرة إلى نهاية الجبل ثم تنزل، ثم يعود من جديد ليصعد بها إنه العبث كما قال الله عز وجل {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار}(ص : 27) يظنون أن الأمر عبث، هذه الدنيا!! ما هذه الدنيا؟! لماذا يعيش؟! فيحدث الضياع فعلا فيضيعون ويُضيّعون لأنه لا يوجد معنى، لماذا يعيش؟ إلى أين؟ فيقع الضياع، وتحصل العدمية، ويحدث الانتحار، ويحدث ما أشبه ذلك من الظواهر الغريبة.</p>
<p>لكن المؤمن عكس هذا تماما، بسبب هذا الأمر الذي يتعلق بالتصور الصحيح الدقيق للنهاية، بل للنهايات كلها : النهاية الأولى، والنهايات الأخرى التي تأتي بعد، في أهوال يوم القيامة وغيرها، وما تنتهي إليه، فالقرآن الكريم تذكرة بالمبتدأ، وتذكرة بالمنتهى، وتذكرة بالسبيل بين ذلك، بالسبيل إلى الله بصفة عامة بالمنهاج. كل ذلك في القرآن، هذا هو الذي جعل الكلام الأول يصاغ : في العبارة &gt;لا يستقيم سير البدايات حتى يستقيم تصور النهايات&lt; ثم جاءت بعدها عبارة : &gt;ولا استقامة لسير الإنسان بغير هدى القرآن&lt;.</p>
<p>خـــلاصــة هـــدى الســــورة</p>
<p>يمكن أن نحصره في ثلاثة أمور :</p>
<p>أولا : ضرورة الذكر والتذكُّر والتذْكير باليوم الآخر : أن نذكر نحن أولاً اليوم الآخر وما فيه، ونتذكر ثانيا، ونُذَكِّر به ثالثا، ضرورة الذكر والتذكر والتذكير باليوم الآخر لمحاربة السَّكْرة والغفلة، وتكثير حالات الصحو واليقظة في بني آدم، لأنه مع الغفلة، ومع السكرة، تأتي الخطايا &gt;لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن&lt;(رواه البخاري) لأن  &gt;الشيطان جاثم على قلب ابن آدم إذا ذكر الله خنَس وإذا غَفَل وسْوس&lt; فإذن الوسوسة لا تكون إلا في حال الغفلة، فكأنا بالغفلة نفتح بابا ونقول للشيطان تفضل ادخل فيوسوس والنفس تستجيب له {ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها}(الشمس : 7- 8) فتستجيب فيقع ما يقع، من المعصية التي بسببها ينزل الغضب.</p>
<p>بصفة عامة ينبغي الإكثار من فعل الحسنات لأنه إذا كثرت الحسنات نزلت الرحمة، وهنا نأخذ المنطق الدقيق لرسول الله  : &gt;لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق&lt;(رواه مسلم) أيعجز أحدنا أن يبتسم في وجه أخيه، تلك الابتسامة يا أحبتنا، وهي عزيزة عند عدد عديد ويعِزُّ عليه أن يبتسم في وجه أخيه، يلقاه بوجه جهم، لا!! إذا لقيت أخاك فالْقَه بوجه مبتسم، نسأل الله أن نكون ممن يتصدقون بهذه الصدقة البسيطة، وهي صدقة ابتسامتك في وجه أخيك كما في الحديث الصحيح : &gt;تبسمك في وجه أخيك لك صدقة&lt;(رواه الترمذي) هذه البسمة لا يمكن احتقارها لأنها حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وبكل حسنة تنزل رحمات، فتصور، وبكل رحمة تمحى سيئات {إن الحسنات يُذهبن السّيئات} فإذن يزداد الخير في الكون كله، وتزداد الرحمة بالبَسْمة، نعم بالبَسْمة!!.</p>
<p>والميزان يوم القيامة قد يثقل بسبب تلك البَسمة، قد نحتاج في الميزان، لكي ننجح ونفوز بالجنة، لأجر تلك البَسمة، فإذن : &gt;لا تحقرن من المعروف شيئا&lt; بمعنى : افعل ما استطعت من الخير بكل سبيل، افعله بعينك، افعله بيدك، افعله بأذنك، افعله بلسانك، افعله برجلك، افعله بكل شيء، بجَيْبِك بأي شيء، افعل الخير كما قال تعالى {يا أيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلكم تُفلحون}(الحج : 77) افعلوا الخير، افعلوا الخير! هذا مهم جدا.</p>
<p>ولذلك فمحاربة الغفلة سد لِلْبَابِ في وجه الشيطان وهي طريقه في محاربة الشيطان، هي إغلاق للباب الذي يدخل منه الشيطان، ولذلك قال الله عز وجل {يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا}(الأحزاب : 41) اذكرو الله ذكرا كثيرا، ليس بالصلاة فقط والتي هي محض ذـكْر، بل حتى خارج ذلك {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون}(الجمعة : 10).</p>
<p>والذكر حال سبق أن كان الكلام عنها في سورة المزمل&#8221;، وأنها ينبغي أن ترتقى، وترتقى.. إلى أن يصل فيها العبد إلى درجة التبتل إلى الله، أي الانقطاع إليه. {واذكر اسم ربّك وتبتّل إليه تبتيلا}(المزمل : 8).</p>
<p>هذه النقطة الأولى : ضرورة الذكر والتذكر والتذكير باليوم الآخر لمحاربة السّكرة والغفلة.</p>
<p>وتكثير حالات الصحو واليقظة&#8221; مطلوب القوة لأننا الآن كأننا سكارى، فالناس سُكارى وما هم بسكارى ولكن غضب الله شديد، نسأل الله السلامة.</p>
<p>ثانيا : ضرورة الاستيقان بأن هذا القرآن من الرحمان، وما هو بقول شيطان ولا جان :</p>
<p>تحرير هذه النقطة، وعدم الارتياب فيها بأي شكل من الأشكال، والاستيقان بحقيقتها لأنها إذا استقرت لا يمكن أن نتعامل مع القرآن على أنه نص من النصوص، نتعامل معه باستقلال تام عن الله جل جلاله، كما تدعي البنيوية، وأنه كلام من الكلام، كبقية الكلام، نستخلص منه الكلام، هذا خطأ جليل في الأفهام، هذا كلام الله جل جلاله. ولا يفهم القولُ إلا في علاقته بقائله، وكل فصل للقول عن قائله، وكل نظر فيه بمعزل عن صاحبه، فيه ضلال مبين بيّن، وهو من العبث المنهجي، إذ لا يعقل أن نعزل القول عن القائل، لابد أن ندخل إلى عالم القرآن، ونستمع إلى القرآن على أننا نُخَاطَب من الرحمان، خطاب من خالقنا لنا، إذا تلقيناه على هذا الأساس فإن حالنا سيصلح وستنالنا الرحمة {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}(الأعراف : 204) إذا تم هذا بهذا الشكل، فعلا تكون الرحمة من الله وتتنزل في القلب، وتسري في الجسد وفي العروق، ويكون كل خير، وتظهر آثارها في الخارج، أما إذا كان الأمر الآخر، أو وقع هذا الهراء، وحصل هذا الكلام الغريب فسيكون الخسران المبين.</p>
<p>فلذلك هذه النقطة أساسية أيضا &gt;ضرورة الاستيقان بأن القرآن من الرحمان وما هو بقول شيطان ولا جان&lt;.</p>
<p>ثالثا : ضرورة الاستقامة على هدى القرآن لمن شاء الفوز في الدارين :</p>
<p>{لمن شاء منكم أن يستقيم} ضرورة الاستقامة على هدى القرآن، هذه الأمة، بل البشرية مطلقاً لا سبيل إلى سعادتها في الدارين إلا بالاستقامة على منهاج القرآن {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}(الإسراء : 9) على الإطلاق، في الوصول إلى المقاصد الحسنة في الدنيا والآخرة. فسعادة الدارين ليس بالمعنى الخُرافي، بل بمعنى أن السيادة والريادة والقيادة لهذه الأمة، وسيرورتها شاهدةً بحق على هذا، ويشهد لها العالم بذلك، عن طواعية واختيار، يشهد لها بذلك لأنها تتفوق،  التفوق الآن في عددمن الدول، فاليابان مثلا في صناعة الحديد، وصناعة السيارات، هل هناك من يكابر في تفوقها في هذ المجال؟!</p>
<p>كذلك الأمر يوم يعود الناس إلى هدى القرآن، ستظهر الآثار والبراهين الساطعة الواضحة للعالم كله، ويشهد الجميع أن أهل هذا القرآن هم الأجدر بإمامة العالم، فأين هم!!؟</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2011/09/%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%af/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المدثر</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%ab%d8%b1/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%ab%d8%b1/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 27 Sep 2010 09:07:34 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 275]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[المدثر]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي ف]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6386</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المدثر د. الشاهد البوشيخي الهدى المنهاجي في سورة المدثر يمكن تبيينه في النقط التالية  : النقطة الأولى : إذا تحقق عبد الله من ما باسم ربه قرأ، وتخلّق متبتِّلاً إلى ربّه بما منه تحقق، لم يبق له إلا توديع الإدّثار للقيام بالإنذار : واضح أن هذه النقطة مترتبة على [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المدثر</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>الهدى المنهاجي في سورة المدثر يمكن تبيينه في النقط التالية  :</p>
<p>النقطة الأولى : إذا تحقق عبد الله من ما باسم ربه قرأ، وتخلّق متبتِّلاً إلى ربّه بما منه تحقق، لم يبق له إلا توديع الإدّثار للقيام بالإنذار :</p>
<p>واضح أن هذه النقطة مترتبة على آية المطلع، وعلى ما سبق في مطلع سورة العلق، ومطلع سورة المزمل؛ كأننا بهذه الآية نبتدئ مرحلة جديدة بعد مرحلة القراءة باسم ربنا، وبعد مرحلة قيام الليل، واستيعاب العمل بتلك القراءة في خاصة النفس، للتخُّلق بمقتضى تلك القراءة.</p>
<p>فإذا حدث ذلك وجب أن ينتقل العبد إلى مرحلة الإنذار.</p>
<p>ومعلوم أن الإنذار في كتاب الله عز وجل سار، كما سنرى، حسب ترتيب معين :</p>
<p>جاء الأمر عاما أولا كما في هذه السورة.</p>
<p>ثم بعد ذلك جاء {وأنذر عشيرتك الأَقْرَبين}(الشعراء : 24).</p>
<p>ثم بعد ذلك جاء {لتُنْذر أُمَّ القُرَى ومن حولها}(الشورى : 7).</p>
<p>ثم بعد ذلك جاء {لتُنْذر قوماً ماأتاهم من نذير من قَبْلك}.</p>
<p>ثم بعد ذلك جاء {ليَكُون للعالمين نذيرا}(الفرقان : 1) وهذا يجلِّي خاصية التدرج في تنزيل هذا الدين وتطبيقه والعمل به ولَهُ.</p>
<p>النقطة الثانية : صفات المنذر  خمسٌ عزائم، هُنَّ الزَّاد العاصم من القواصم :</p>
<p>&gt; الصفة الأولى : التكبير : تكبير ربه في قلبه على كل ما سواه. وهذه رأس الزاد، وعيْنُ المدد. فالله جل وعلا بعد أن قال : &gt;{يا أيها المدثر قم فأنذر} قال : {وربّك فكبّر وثيابك فطهِّرْ والزجز فاهْجُر، ولا تَمْنُن تستكثر، ولرَبِّك فاصبر} هذه الآيات/الصفات بمثابة زاد الداعية، زاد المصلح، زاد المنذر، زاد العبد الذي ينهض للقيام بما قام به رسول الله  أول مرة. هذه هي الزاد، وأول هذا الزاد هو تكبير الله جلّ وعلا في القلب، هذا التكبير يعني : ألا يبقى في قلب العبد شيء يكون أكبر من الله، ولا شيء ينافس الله، ويشاركه سبحانه في الأكبريّة في قلب العبد.</p>
<p>فقلب العبد يجب أن يخْلُص لله عز وجل في استيقانه بأن الله جل جلاله هو الأكبر مطلقا، فلا كبير أكبر منه، ولا كبير معه.</p>
<p>ومعنى ذلك أن تصير هذه الأكبرية يقينا عند العبد، ولابد لهذا اليقين من مقتضيات في الواقع، يصبح معها ما جاء من عند الله هو الأكبر دوما. هذه التشريعات هي أكبر من سواها من تشريعات بني آدم، والأخلاق التي هدى الله عز وجل هي أكبر وأحسن من جميع الأخلاق&#8230;، أي أن  كل ما جاء من عند الله، هو دائما أكبر وأفضل وأحسن مما سواه، وينبغي أن يُقَدَّم عند التعارض على ما سواه.</p>
<p>ومتى استقرت هذه الحقيقة، فإن العبد لا يحتاج إلى أن يُحْدِث هذه المعادلات، وهذه الترجيحات، بل إذا حدث شيء فإنه يتجه جهة الأكبر : جهة الله جلّ جلاله تلقائيا. وهذا الأمر في التفكير، وفي التعبير، وفي التدبير، أي في جميع جوانب تصرفات العبد على جميع المستويات، لأنه  لا شيء أكبر من الله، كل شيء صغيرٌ أمام الله عز وجل، والله وحدهُ المتفرِّد بالأكبرية.</p>
<p>وهذه الحقيقة لا تستقر بسرعة في قلب العبد، فلا بد من التدرُّج.</p>
<p>ومما يدل على ذلك كوْن شعيرة الصلاة -التي هي عمود الدين- تتردَّدُ فيها باستمرار، كلمة &#8220;الله أكبر&#8221;؛ الله أكبر في القيام، وفي الركوع، وفي السجود، وهكذا، والصلاة بطبيعتها متكررة، كأن العبد يغفُل كثيرا عن هذه الحقيقة، ولا يستيقنها في قلبه كما ينبغي، ولا يطبّقها في حياته كما ينبغي، فينبغي أن يُذكَّر بها كثيرا وفي كل حين. هذا الذي يفهم من هذا التكرير الكثير ثم إنها هي رأس الزاد، وعين المدد، وهي المنطلق وكل ما سواها تبعٌ لها، من تطهير الثياب، أو هجر الرجز، أو العطاء بلا عد ولا حد، أو الصبر ابتغاء مرضاة الله، كل ذلك سبَبُه أن هذه  الحقيقة قد استقرت في القلب، حقيقة أن الله أكْبَر، ولذلك يهون  كُلّ  شيء، ويسهُل كل شيء، لأنه يُفْعَل بإذن رب كل شيء، وبحوْل ربِّ كل شيء، سبحانه.</p>
<p>&gt; الصفة الثانية : التطهير: تطهير ذات المنذر، تطهير ذاته قلْبًا وقالبا؛ بالتحلي بالخُُلق الحسن، وهذه هي الدرع الواقية للداعية، والحصنُ الحصين الذي يقطع الطريق على كل الشياطين.</p>
<p>التطهير الذاتي قلباً وقالبا بالتحلي بالخلق الحسن؛ ذلك بأن الإسلام يصنع النموذج، النموذج المحمي بالسنة. والعبدُ حين يعيش في إطار السنة، أي يعيش في إطار ما شرع الله جلّ وعلا يكون محْمِيًّا، يكون محفوظا، ولا يتسرب إليه البلاء والخطر إلا إذا خرِقت الجُنّة  أي إذا حدث ثُقْب في هذا الدرع الواقي الذي هو حياة السنة، أي الحياة وفق الشرع، وفق شرع الله عز وجل، إذا حدث ذلك كانت الحياة كلها أجرا -مأجوراً عليها- حتى النوم، وحتى إتيان الشهوات الحلال كما قال  : &gt;وفي بضع أحدكم صدقة قالوا : أيأتي أحدنا شهوته يا رسول الله ويكون له أجر قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إن وضعها في الحلال كان له أجراً&lt;(رواه مسلم). وإن اجتهد في إطار الشرع يكون مأجوراً أيضا، ويكون محفوظا من الشياطين، محفوظا بالملائكة الذين سخرهم الله تعالى للمؤمنين، يستغفرون لهم ويحمونهم ويحفظونهم.</p>
<p>إذن هذا السلاح : سلاح تطهير الذات قلبا وقالبا بالتحلي بالخلق الحسن هو التحدي، فإذا وُجد الخلق الحسن فإنه يصعب اختراقُ العبد، ويصعب بيعه أو شراؤه، لأنه لا يباع ولا يشترى، ولا يمكن أن يُتخذ مطية لأخذ أسرار المسلمين، ولا يمكن أن يُرتشى أو يُغرى، فكل الوسائل لا تنفع فيه لأنه بناء من طراز خاص، لا يُبنى بغير الإسلام، ويعْسُر ويتعذر أن يُبنى بغير شرع الله، فكأنه قيل : إذا كَبّرْت الله، فتطهّر مما لا يرضي الله عز وجل، أي تخَلّق بالخلق الحسن الذي يرضي الله.</p>
<p>وتطهير الثياب كناية عن هذا تعبير عربي مشهور. جاء في بيْت عنترة المشهور :</p>
<p>فشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأصم ثِيَابَهُ</p>
<p>ليْسَ الكَرِيمُ على القَنا بمحرم</p>
<p>الثياب هي تعبير لغوي يعبر عن الكيان جملة {وثيابك فطهر} يعني طهر نفسك مطلقاً وبصفة عامة، وتخلَّق بالأخلاق الحسنة، وابتعد عن الرذائل، هذا التطهير هو الدرع الواقية للداعية، والحصن الحصين الذي يقطع الطريق على كل الشياطين، وهو في غاية الأهمية لأنه قبل أن يتم هذا التخلُّق يكون العبد مفتوحا مفضوحا يمكن النفاذ إليه من كل جهة.</p>
<p>&gt; الصفة الثالثة : هجر الرجز : أي اجتناب كل ما هو رجس من الأوثان إلى كل ما يضطرب ويحيكُ في الصدر من الآثام وهذه التي تمنع من خرق الجُنَّة، وتحفظ الداعية إلى الله عز وجل من التلطخ بأوساخ البيئة والتلوث بها بصفة عامة. فإذا أنت تحليت بالخلق الحسن فينبغي أيضا أن تهجر كل ما يوجد في البيئة مما لا تطمئن إليه النفس فـ&gt;البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك&lt;(رواه أحمد) أي اضطرب وتردَّد &gt;وكرهت أن يطلع عليه الناس&lt;، أو كما قال .</p>
<p>الرجز فُسّر بالأوثان والأصنام،  وفسر بالعذاب، وفُسر بالأوثان والأصنام لأنها تؤدي إلى العذاب. ولكن بالتتبع للَّفظة في الاستعمالات اللغوية بصفة عامة يظهر بجلاء أن محورها الذي تدور عليه هو الاضطراب. يقال : شيء رجز بمعنى يضطرب ولا يستقر، وكأن الأشياء التي لا يطمئن قلب المؤمن إليها، فيها شيء، فيها إثم لا ينبغي أن تُجارى وإن فعلها الناس في البيئة، فكل ما لا ترتاح إليه نفس المؤمن، ولا تسكن ولا تطمئن إليه يبنغي أن يُهْجُر.</p>
<p>وهكذا فإذا ذهبنا مع اللفظة العربية، وفهمنا هذه الآية على مقتضى الاستعمال العربي للفظة الرجز في القرآن الكريم نفسه فإنّا نجد أن الرجز دائما يدور على معنى الاضطراب، حتى في العذاب الذي ينزل بالناس ينزل بهذا المعنى {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السّماء بما كانوا يفسقون}(البقرة : 59) يعني شيء فيه اضطراب.</p>
<p>والرجز يستعمل في الرعد أيضا، ويستعمل في ما يشبه ذلك فيما فيه تردد واضطراب وزلزلة، فكأن هذه الصفة أعلى من سابقتها.</p>
<p>فإذا كانت  صفة التطهير تتجه إلى أنه ينبغي أن يكون خلق المؤمن &#8211; أي خلق الداعية إلى الله- حسنا صالحا، فإن هذه الصيغة (صيغة هجران الرجز) التي تْتلو بعدُ تتّجه ليس إلى النفس في ذاتها -كما في صفة التطهير- بل في علاقة الداعية بما تفعله البيئة من الأشياء غير الصالحة التي يجب أن يهجرها.</p>
<p>إذا كانت صفة التطهير عليه أن يفعلها، فهذه عليه أن يهجُرها ويترُكها. ولذلك قلت : هذه تمنع من خرق الجُنة التي اكتسبها العبد بالصفة الثانية، وتحفظ الداعية إلى الله عز وجل من التلوث بأوساخ البيئة، وهذا كله يعطيه تميزا، ويعطيه صفاء.</p>
<p>&gt; الصفة الرابعة : العطاء بلا عَدٍّ ولا حَدٍّ : أي لا يمكن عدُّ هذا العطاء ولا يمكن حدُّه أيضا، فهو عطاء لا يقف.</p>
<p>هذه الصفة هي التي تجعل من الداعية إلى الله عز وجل نبْعاً دائم الجريان، ونجْما شديدَ اللمعان، لا يعروه فتور، ولا يقربه قصور،  لأن هذا الإشكال  كثيرا ما يحدث في حال الذي يسير إلى ربه، هذا التوجيه الإلهي في الصفة الرابعة للمنذر يدفعه إلى أن يحافظ على السرعة الممتازة باستمرار في السير. بل يدفعه إلى أقصى ما يستطيع، وهي قوله تعالى : {ولا تَمْنُن تستكثر}.</p>
<p>وقد فسرت، لا تمنن تفسيرات أهمها فيما راجعت : لا تمُنّ بما فعلت تسْتَكْثر بذلك على الناس.</p>
<p>فُسِّرت بـ&#8221;لا تعط رجاء أن تأخذ من الآخرين أكثر مما أعطيت&#8221;.</p>
<p>ولكن المن في اللغة العربية -سواء عند العالم اللغوي المشهور الذي اهتم بأصول الدلالات العربية وهو ابن فارس في المقاييس، أو في معجم الراغب الأصفهاني الذي لا أملُّ من التنويه به لأنه اهتم بالدلالة القرآنية خاصة- يرشد إلى غير هذا.</p>
<p>جاء عند الراغب أن المنة هي النعمة الثقيلة، وليست النعمة العادية : وانطلق أساساً من أن المن هو ما يوزن ويثنى، وغير ممنون :  غير موزون، بمعنى أن الأشياء التي يوزن بها، والتي توزن هي الأشياءُ الثقيلة في أصلها.</p>
<p>هذا شيء نربطه مع شيء آخر هو معنى القطع، إذ المَنُّ هو القطع أيضا، وسبق الكلام قبل في {وإن لك لأجْرًا غير ممنون}(القلم : 3) معناه : وإن لك لأجرا مستمرا، غير مقطوع.</p>
<p>{لا تَمْنُن} يعني لا تقطع، واصِل باستمرار، لا تقطع ترى أنك قد فعلت الكثير، بل استمر باذلا إلى أقصى ما تستطيع، امْنُن {هذا عطاؤُنا فامْنُن أو أمْسِك بغَيْر حساب}(ص : 39) لذلك قلت إن هذه الصفة مهمة جدا، فينبغي أن يجتهد عبد الله في التحَلِّي بها ليستطيع الوفاء، ليستطيع أن يُنْذر حقا كما أنذر رسول الله ، يبذل بلا حساب ويُعطي بلا حساب، ولا يرى يوما أنه قد فعل شيئا، أو أنه قد فعل الكثير فيكفي. إذ لاتوجد لفظة &#8220;يكفي&#8221; في السير إلى الله عز وجل والدعوة إلى الله عزو جل. بل إياك إياك أن تمنن مستكثرا لفعلك. وهي الصفة التي تجعل من الداعية نبْعًا دائم الجريان، دائم العمل باذلا باستمرار لا ينقطع ولا يعرف الانقطاع {واعبد ربك حتى ياتيك اليقين}(الحجر : 99) مستمرا على البذل حتى الموت.</p>
<p>&gt; الصفة الخامسة : الصبر لربه :</p>
<p>وهاته هي الضامنة لاستمرار السوابق، فلا يحافظ على استمرار الصفات السابقة إلا بالصبر، والصبر عادة في القرآن الكريم يأتي في الأخير بدءا من سورة الصبر {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} تتبعوا الآيات التي فيها صفات تجدون في الأخير {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}(الرعد : 24) أيضا في عباد الرحمان تجدوا الصبر في الأخير {أولائك يجزون الغرفة بما صبروا}(الفرقان :75) لأن الصبر هو الصفة التي تضمن استمرار الصفات الأخرى، ولذلك تأتي في الخواتم، فهي ضامنة استمرار السوابق، ومانعة نزول الصواعق.</p>
<p>هذه الصفة تمنع من أن تنزل البلايا الماحقة، قد تأتي فتن التّنْقية، أو فتن التّرقية، أو فتن التّقوية، لكنّ فتن الهلاك لا تأتي مع هذه الصفة بإذن الله تعالى.</p>
<p>فهذه الصفات الخمس ضرورية كلها على ترتُّبها، ضروريةٌ للعبد الذي هيأه الله عز وجل ووفقه للانذار، والاستجابة لهذا النداء الرباني {يا أيها المدّثر قم فأنذر}.</p>
<p>وهذه الآيات السبع  هي التي على أساسها رُتبت السورة في النزول، فكانت من أوائل ما نزل على رسول الله ، وفيها الحديث المشهور الذي فيه، فإذا الملك الذي جاءني بحرّاء لأن بعض العلماء جعلوا هذه السورة أول ما نزل على رسول الله  أخذا من حديث في صحيح الإمام البخاري لكن نفس الحديث في صحيح الإمام مسلم فيه هذه الزيادة التي توضِّحُ المقصود فضلا عن الحديث الخاص بنزول سورة العلق المتفق عليه.</p>
<p>بعد هذا اتجهت السورة وجهة كاملة منسجمة مع بعضها صيغت نقطها على الشكل التالي :</p>
<p>النقطة الثالثة :  إذا بدأ الإنذار بدأ الاستكبار، وهذا في  غاية المنطقية، ولا يفتر أصحابه عن المكر حتى يأتيهم اليقين فيكون منتهاهم النار :</p>
<p>أقول إذا بدأ الإنذار بدأ الاستكبار بمعنى أنه عندما يظهر في بيئة ما من يدعو إلى الله بصدق، وينذر الناس من الخطر الذي يتَهَدَّدُهم في الدنيا، والخطر الأعظم الذي يتهددهم في الآخرة. فإنه تلقائيا ردًّا لهذا الفعل يظْهَرُ ناسٌ أو أفراد، ثم بعْدُ مجموعات بشرية ترفض هذه الدعوة، وترفض أن يقال لها هذا نهائيا، وتستكبر، ترى نفسها أكبر من أن يقال لها هذا أو أن تُذعنُ له، ولذلك أسباب ستأتي بعد.</p>
<p>ومما يستفاد من هذه النقطة أن الدعوة تشتغل بالفعل وغيْرُها هو الذي يشتغل برَدِّ الفعل، فهذه نقطة تحتاج إلى التأمل.</p>
<p>النقطة الرابعة : من مظاهر الاستكبار التي ذكــرت فـــــي هذه السورة :</p>
<p>&gt; أولا  : من مظاهر الاستكبار :</p>
<p>- المظهر الأول : الكفر بالدين، وهو أول ما تشير إليه الآيات بطريقة مباشرة بعد هذه السبع آيات من {فإذا نُقِر في النَّاقُور فذلك يومئذ يومٌ عسِيرٌ على الكافرين غيرُ يسِير}.</p>
<p>وهو لا يتجه إلى أن يحدثنا عن رد الفعل لتلك النذارة بالشكل المباشر، ولكن يتجه إلى تخوِّيف هولاء الذين كان لهم هذا النوع من الردِّ، تخوّفهم من يوم القيامة.</p>
<p>- المظهر الثاني : التشغيل المركَّزُ للفِكر من أجل اختلاق مطْعَنٍ في ربانية القرآن الكريم.</p>
<p>وذلك واضح في هذا المشهد الذي تصوره هذه السورة  : مشهد الوليد بن المغيرة وهو يفكر ويقدر، ويتقدم ويتأخر، وينظر، ويعبس، ويبسر، إلى غير ذلك مما يدل على جهد كبير قد بذله هذا الرجل ليخرج بنتيجة هي : {إنْ هذا إلا سحرٌ يُوثر إن هذا إلا قَوْلُ البشر} بعد معاناة فكرية كبيرة.</p>
<p>فالوليد عندما سمع من رسول الله  القرآن، بدَا له أنه ليس بشعر، وليس بكهانة، وأنه يخالف الكلام الذي ألفه العرب، بجميع أشكاله، ولكن قومه أحرجوه، عندما اتهموه بالصَّبأ أي الخروج من الدين : هل صبأت؟</p>
<p>ولينفي عن نفسه هذه التهمة ظل يفكر ويقدِّر، وبدل أن يتَّجه الوجهة الصالحة اتجه الوجهة السيئة للأسف، وبدأ يشغل فكره بأقصى طاقة ليصل إلى النتيجة السيئة التي تسستخدمها البيئة بكاملها في حرب دعوة رسول الله  {إن هذا إلاَّ سحْرٌ يوثر}.</p>
<p>هذا أيضا من مظاهر الاستكبار في زماننا : فكم من دُور نشْر تشتغل؟! وكم من قنوات تشتغل؟! وكم من مراكز البحوث والدراسات تشتغل؟! وكم من عقول تذوب من أجل البحث عن وسائل لوقف هذا المد الإسلامي الناهض؟!، ووقف هذا الدين الصاعد؟!. ما القصة؟ كيف؟</p>
<p>إنها تشتغل ليل نهار، ولكن تبقى دائما قاعدة : &#8220;الله أكبر&#8221;. &#8220;الله أكبر&#8221;.</p>
<p>فهذا من المظاهر {إنه كان لآياتنا عنيدا، سأرهقه صعودا، إنه فكر و قدر، فقتل كيف قدّر، ثم قتل كيف قدّر، ثم نَظَر، ثم عبس وبسَر، ثم أدْبر واسْتَكبر} فوَلَد هذا الموْلُود {فقال إن هذا إلاَّ سحرٌ يوثر، إن هذا إلاَّ قَوْلُ البشر}.</p>
<p>فأقول : هذه الصورة الناطقة المشخّصة لحال هذا المستكبر الذي أدبر واستكبر، تدل على أنه قد عانى معاناة كبيرة ليخرج بهذه النتيجة التي يطعن بها في ربانية القرآن الكريم وأنه ليس من عند الله بل هو كلام البشر {إن هذا إلا قَوْلُ البشر}.</p>
<p>وهذا الأمر نعرف جميعا أنه من مجهود الاستشراق الغربي الليبرالي والاستشراق الماركسي، والاستغراب الماركسي، والاستغراب الليبرالي، كل أولئك بذلوا ويبذلون مجهودات جبارة للطَّعْن في ربانية القرآن الكريم، ولكن عبثا يحاولون {إنا نحن نزَّلْنا الذِّكر وإنّـا له لحَافظون}(الحجر : 9).</p>
<p>- المظهر الثالث  : عدم الصلاة لرب العالمين.</p>
<p>في آخر السورة {ما سلككم في سقر قالوا لم نكُ من الـمُـصلين} الصلاة لرب العالمين، أكبر مظهر لذِّلة الخضوع، والإذعان لرب الملك الصلاة، بمظهر الركوع، مظهر السجود &gt;أقرب ما يكونُ العبد من ربه وهُو ساجد فأكثروا الدعاء&lt;(رواه مسلم) مظهر الذلة، ومظهر الخضوع لرب الملك.</p>
<p>المستكبرون يرفضون الصلاة، وهي من أشق ما يشق عليهم، فلذلك كان رفضهم للصلاة مظهراً من مظاهر الاستكبار. والسورة تذكر هذه المظاهر تباعا، وأنها المظاهر التي أدْخَلتهم وورثتهم سقر.</p>
<p>ولكن ماذا يعني هذا؟ يعني من زاوية أخرى أن الصلاة فيها السِّرُّ كله في الربط بين العبد وربه، وفي النجاة، لأن عن طريقها يمر الخير، يكون الاتصال بالله جل وعلا، فالذي يرفض الاتصال ينقطع، ينْبَتُّ، فينتهي إلى جهنم.</p>
<p>- المظهر الرابع : عدم إطعام المسكين : أتى مباشرة بعد عدم الصلاة {لم نك من المُصَلِّين، ولم نك نُطْعِم المسكين} يعني من استكبارهم أيضا عدم الالتفات للمساكين، وعدم إطعامهم.</p>
<p>وسنرى مشهدا من المشاهد في سورة &#8220;عبس&#8221; {عبس وتولَّى أن جاءه الأَعْمَى وما يُدْرِيك لعله يزَّكَى أو يذكر فتنفعه الذِّكْرى، أمّا من اسْتغنى فأنْت له تصَّدَّى وما عليك ألاَّ يَزّكّى}.</p>
<p>الكبراء والوجهاء لا يريدون أن ينزلوا إلى مُستَوى الفقراء ومستوى البسطاء، وهذه الحالة تمنع من إطعام الطعام للفقراء، وتجعل في القلب قسوة، لأن إطعام المساكين هو نتيجة رقَّةٍ في القلب تُشعر الإنسان بحال هذا المسكين، وهي رقة يُنشئُها الإيمان، ويقَوِّيها، ويرَسِّخها، حين يقول  : &gt;والله لا يومن، والله لا يومن، والله لا يومن، من بات شبعان وجارُه جوعانُ&lt; أو كما قال . عدم إطعام المسكين يُـدخل إلى النا ر {أرأيت الذي يكذب بالدين فذَلك الذي يدُعُّ اليتيم ولا يحُضُّ على طعام المسْكين}.</p>
<p>هذه من الكليات في هذا الدين، الفقراء المستضعفون المحتاجون، المحرومون، هؤلاء جميعا رحمهم هذا الدين وألَحَّتْ السورة على حل مشكلتهم في البدايات واهتمت بهم في البدايات  وجعلت هذا الفرض في المال، يأتي بعد الفرض في البدن، الزكاة تأتي بعد الصلاة، وفي البدايات هذه الصلاة يأتي بعدها الإطعام، أو الحض على المسكين، أو إطعام المسكين {والذين في أموالهم حق معْلُوم للسَّائٍل والمحروم}(المعارج : 23 &#8211; 25)  فعدم إطعامُ المسكين من مظاهر الاستكبار أيضا.</p>
<p>ومن أشكال الانحراف المعاصر على سبيل المثال، حفاظا على السوق لتبقى في مستوى بعينه، خيراتٌ كثيرة تُـلْقى في البحر. المساكين في إفريقيا، في آسيا، كان يمكن أن يعطى  لهم ذلك فيستفيدوا منه، فيشبعوا ويتمتعوا، ولكن حفاظا على السوق، وعلى مستوى الكبراء، كل ذلك يُحْرق أو يُغَرّق، فينتهي، ولا يعطى للمساكين!!!.</p>
<p>- المظهر الخامس : الخوض مع الخائضين في غير ما يرضي رب العالمين -بصفة عامة- لفظة الخوض في كتاب الله عز وجل تعني الشروع في أمْرٍ ليس بحميد، أمْرٍ غير حسن، ولكن هنا المقصود أساسا {وكنا نخوض مع الخائضين} معناه : نخُوض مع الخائضين في أمُور الباطل، أمُور الضلال، أمور الكفر، والأشياء التي لا ترضي الله عز وجل، الأمور التي نهى عنها الله عز وجل. أمور الرجس، فهذا هو المعنى.</p>
<p>وأيضا : مصاحبةُ الفاسدين المفسدين {ويوم يعضّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذتُ مع الرَّسول سبيلا ياويْلََتَى ليتني لم أتَّخِذْ فُلانا خَليلاً لقد أضلّني عن الذِّكر بعد إذ جاءني}(الفرقان : 29)، مشكل الخُلطة، مشكل المجموعة التي يخالطها العبد، فهذا الخوض مع الخائضين منهيٌّ عنه طبعا، وهو من مظاهر الاستكبار، لأنه يقوي تلك الجبهة، ويكثر سوادها.</p>
<p>- المظهر السادس : التكذيب بيوم الدين {وما يكذب به إلا كل معتد أثيم} لأن الذي يصدِّقُ بيوم الدين يحسب له الحساب عمليا، إذا حدث هذا التصديق فإن العبد ينْتَصِفُ من نفسه، لأنه يضع في حسابه بيقين أنه ملاقي الله عز وجل، سيلقى الله تعالى، وسيحاسبه على النقير والقطمير، فلذلك هؤلاء المستكبرون يُلْغون من حسابهم وجود يوم آخر، وأنهم سيحاسبُون، وأن هناك يوم دين، ويوم حساب، ويوم الخضوع، يوم الدينونة للملك الديان سبحانه وتعالى {وكُنّا نكذِّبُ بيَوْم الدين} ظلوا على هذه الحالة حتى أتاهم اليقين.</p>
<p>- المظهر السابع : الإعراض بشدة، والفرار بقوة من المذكِّرين. وهذا أيضا من المظاهر التي نراها عيانا {وإذا ذُكِر اللَّه وحْدَه اشْمأزّت قُلوب الذين لا يومنون بالآخرة}(الزمر : 42) إذا جاء مذكِّرٌ ليذكر مستكبرا أو جماعة من المستكبرين ما الذي يحدث؟ يقع الإعراض بشدة {فما لَهُم عن التَّذِْكرة مُعرضين} ويقع الفرارُ بقوة من هذا المذكّر {كأنهم حُمُر مُستنفرةٌ فرَّت من قسورة} كأنهم الحُمر الوحْشيّة التي نُفِّرت من أسَدٍ هصُور، عندما رأت الأسد فرَّت في كل الاتجاهات، يُـشَبِّهُهم الله جل وعلا بأنهم يفرُّون ممّن يذكِّـرهم {فما لهم عن التَّذْكرة مُعْرضين} مع أن هذا لمصْلَحتِهم، ولنفعهم، ليس فيه شيء فيه مضرةٌ لهم، ومع ذلك {استكباراً في الأرض ومَكْر السيء}(فاطر : 43). يقع هذا الإعراض بشدة، والفرار بقوة من المذكرين.</p>
<p>هذه مظاهر الاستكبار التي ذكرت في هذه السورة.</p>
<p>النقطة الخامسة : من أسباب الاستكبار التي ذكرت في هذه السورة :</p>
<p>- السبب الأول : المال الممدود والبنون الشهود. أي : الاعتزاز بالمال والولد والجاه :{وجعلت له مالاً ممدودا} مال كثيرٌ {وبنين شهودا} أي جعلْتُ له كذلك قوَّةً بشرية حاضرة جاهزة يتقوى بها فعنده فتنتان خطيرتان : المال والجاه.</p>
<p>- السبب الثاني : الأنانية الطاغية : ويظهر ذلك في قوله تعالى : {بلْ يُرِيد كلُّ امرئٍ مِنْهُم أن يُوتى صُحُفا منشّرة}.</p>
<p>ها هنا أيضا سببٌ من أسباب الاستكبار : الأنانية الطاغية التي ظهرت، {بل يُريد كل امْرِئ منهُمْ أن يُوتى صُحُفاً مُنَشّّرة} فكل واحد من المستكبرين يريد أن يكون مِثْلَ الرسول؟! ويجب على الله أن ينزل عليه الصحف والرسالة!!.</p>
<p>هذه الأنانية الطاغية من مظاهر الاستكبار بصفة عامة.</p>
<p>- السبب الثالث : عدَمُ الخوف من الآخرة : {كلاَّ بَل لاَّ يخَافُون الآخرة}  لأنهم لا يومنون بها أصلا، فلذلك لا يخافون منها فينتج عن ذلك استكبار في الأرض.</p>
<p>النقطة السادسة : ما يعالج به الاستكبار مما ذكر في هذه السورة :</p>
<p>- العلاج الأول : التخويف بأهوال يوم القيامة عسى أن يتأثر المستكبرون فيرتدعون ويتوبون، لأن الله جل وعلا خوّف الكافرين من ذلك اليوم {فإذا نُقِر في الناقور فذلك يومئذ يومٌ عسير على الكافرين غيرُ يسير} وهذا الأمر موجود في سور أخرى بتوسع، ولكن الآن بدأت الإشارة إليه بهذا الشكل.</p>
<p>- العلاج الثاني : التخويف بسَلْب النعم، وتعويضها بالنقم، وهي المذكورة في أول المشهد الذي يصوِّر حالة الوليد بن المغيرة {ذرني ومنْ خَلَقْتُ وحيدا} خلقته وحده، ولم يكن معه  مَالٌ، ولا ولَدٌ، ولا أيُّ شَيْء، خرج من بطن أمه وحيدا {ذرْنِي ومن خلقْتُ وحيدا، وجعلت له} أنا الذي جعلت {وجعلت له مالاً ممدودا، وبنين شهودا} حضورا دائما معه {ومهَّدتُّ له تمهيدًا} يسرت له كل الأمور {ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان  لآياتنا عنيدا سأُرْهِقه صعُودًا}.</p>
<p>كان المطلوب أن يشكر هذه النعم فيؤمن بالحق الذي جاء من عند الله عز وجل ولا يستكبر، ولكنه لم يفعل ذلك، فيجب إذن أن يُؤاخد، وهذا هو التوجه، فالتخويف بسلْبِ النِّعم، وتعويضِها بالنِّقَم، هذا مّما يعالج به الاستكبار في مَنْ نفَعَ فيه العلاج، لأن العلاج قد ينفع وقد لا ينفع ولكن الله جل جلاله يُبَيّن لنا السبل.</p>
<p>- العلاج الثالث : التخويف بجهنم -وهذه التي وقع عليها إلحاح كبير في السورة- التخويف بجهنم من ثلاث جهات : جهنمَّ وهي سعيرٌ يستعر، وجهنم وهي إحدى الكُبَر نذيرا للبشر، وجهنَّمُ وهي مستقرٌّ للذين سلكوا في سقر {سأُصليه سقر، وما أدراك ما سقر، لا تُبْقي ولا تذَرُ لوّاحة للبَشَر عليها تسعة عشر} إلى أن قال : {كلاَّ والقمر والليل إذا أدْبَر والصُّبْح إذا أسْفَرَ إنها لإحدى الكُبَر نذيرا للبشر}.</p>
<p>الصورة الأولى تصوِّرها وهي تستعر {لا تُبقي ولا تذَرُ لوّاحة للبشر} يعني كثيرة الْحرْق لأن المعتمد في فهم هذه الآية هو أنها ليست كما فهمها بعضُ العلماء : أنها تلُوح للناس، وإنما القصدُ هنا والذي عليه الجمهور هو أنَّ البَشَر هنا بمعنى البشْرَة، ولوّاحة لها تجعلها لائحة يعني مُسودَّة بسبب النار. هذا هو المعنى : يعني كثيرة الحَرْق {لا تُبْقي ولا تذر لوّاحةٌ للبشر} وهذا الوصف هو للنار في حالها هي.</p>
<p>ثم بعد ذلك يشير القرآن إلى أن سبب ذكر هذه النار، هو أنها تذكر نذيرا للبشر {إنها لإحدى الكُبر نذيرًا للبشر لمن شاء منكُمْ أن يتقَدَّم أَوْ يتأَخَّر}.</p>
<p>ثم تُذْكَرُ من جهة أخرى -وهم فيها- للدّلالة على أنها جزاء المستكبرين، {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنّات يتساءلون عن المجرمين}.</p>
<p>وسبق أن لفظ &#8220;المجرمين&#8221; في سورة القلم يُـقابل لفظ &#8220;المسملين&#8221; {أفنجعل المسلمين كالـمُجرمين ما لكُمْ كَيْف تحْكُمُون} يتَسَاءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر، هم الآن مستقرون فيها {قالوا لمْ نك من المصلّين&#8230;}.</p>
<p>فالتخويف بجهنم بهذه المشاهد الثلاثة : كيف هي جهنم؟، وأنها نذير للبشر، وأن المستقرين فيها هذه هي حالهم : ماذا يقولون؟ وماذا يقال لهم؟ التخويف بها، وقد أخذت حيزا من السورة أضخم وأكبر من الأنواع الأخرى، هو نوع من العلاج.</p>
<p>- العلاج الرابع : ضرب الأمثال المنفِّرة من سوء الحال، وهو الوارد بوضوح في هذه الآية {فما لهم عن التَّذْكِرة معرضين كأَنَّهُم حمر مُسْتَنْفرة، فرَّت من قَسْوَرة} هذا المشهد ينفِّـر من حال هؤلاء الناس، فضرب المثال في القرآن الكريم يقصد منه أن الذي يعيش تلك الحال يجب عليه أن يراجع نفسه، إذا كان لا يريد أن يكون في هذا الشكل.</p>
<p>- العلاج الخامس : كشف حقائق النفسيات المريضة، وهذا واضح في {بل يريد كل امرئ منهم أن يوتى صُحفا منشرة، كلاَّ بل لاَ يخَافُون الآخرة} فليس الأمر أمر إعراض في حد ذاته، أو أمْر خطأ في الشيء الذي يُدعَوْن إليه، لا! المسألة ترجع إلى مرض النفس في كل واحد منهم {بلْ يُـريد كُلُّ امرئ منهم} كل واحد يريد أن يوتى صُحفا منشرة، فنفسُه قد تضخَّمَتْ، ويريد أن يتلقى هو الرسالة، ويخاطبه الله هو وحده، ويتلقى الوحي هو الآخر كذلك. أيضا.</p>
<p>{كلا بل لا يخَافُون الآخرة} فهذا هو سرُّ هذا الاستكبار بالدرجة الأولى. وإذا كشفت للإنسان حقائق نفْسِه فقد يراجع نفْسَه أيضا.</p>
<p>- العلاج السادس : تقرير هيمنة المشيئة الإلهية على كل المشيئات : عندما تنتهي السورة وينتهي الكلام نجد هذه النهاية {كلاَّ إنه تذْكِرةٌ فمن شاء ذكره وما تذكُرون إلا أن يشاء الله} لماذا تعرضون عن التذكرة؟ الخطاب للكفار المستكبرين لماذا تعرضون عن التذكرة؟</p>
<p>تعرضون عنها لأنكم ولأنكم ولأنكم&#8230; ليس الأمْر باستقلال تام منكم كما تزعمون، لو أردتم أن تتذكروا فإن ذلك لا يخرج عن مشيئة الله جل وعلا، وإذا لم تتذكروا فأنتم داخل المشيئة أيضاً، فلا يمكن أن تشاؤوا شيئا لم يشأه الله عز وجل، وهذه الهيمنة تجعل هذا المتلقِّي في القَبْضَة في جميع الأحوال. افْعَلْ ما بدا لك، فالله من ورائك محيطٌ.</p>
<p>تقرير هيمنة المشيئة الإلهية على كل المشيئات تجعل المستكبر يُرَاجِعُ نفسه، إلى أين يتجه؟.</p>
<p>- العلاج السابع : فتح الباب على مصراعيه للتوبة. والذي يشير إلى ذلك أمران :</p>
<p>أولا : التعبير بالتذكرة الذي أُلِحَّ عليه في الأخير {كلاّ إنه تذكرة فمن شاء ذكره}.</p>
<p>ثانيا : كون الله جل وعلا {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} بمعنى : هلاَّ تذكرتم واتقيتم الله فيغفر لكم، هلاَّ عُـدُّتم فيغفر الله جل وعلا لكم؟.</p>
<p>ففتح الباب على مصراعيه للتوبة هذا من طرق علاج حال الاستكبار أيضا عسى أن يراجع المستبكر نفسه، أو جماعة من المستكبرين، ليتوبوا إلى الله عز وجل.</p>
<p>النقطة السابعة : وظيفة المنذر التذكير، وبالقرآن أساسا يكون التذكير، فمن شاء ذكر وشكر. ومن شاء أعرض وكفر :</p>
<p>وذلـك مما يُستفاد من الآيات الأخيرة : {كلاّ إنه تذكرةٌ فمن شاء ذكرَه وماتذكرون إلا أن يشاء الله} هذا نفس  ما يقرره الله عز وجل في أماكن أخرى {إن عَلَيْك إلا البلاغ}(الشورى : 48) {فذِّكر إنَّما أَنت مُذَكر لسْتَ عَلَيْهِم بمُسيْطر}(الغاشية : 22) {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى}(الأنعام : 35).</p>
<p>مسألة الاهتداء إذن مرجعها إلى الله، {ليس عليك هُداهم ولكنَّ اللَّه يهدي من يشاء}(البقرة : 272).</p>
<p>مالذي علينا نحن؟ علينا أن نبذل أقصى الجهد للبيان، للبلاغ، للإنذار، للتبشير، إلى  غير ذلك، أي للتَّذكرة، هذه اللفظة. &gt;التذكرة&lt; تشمل كُلَّ تلك المعاني : معنى الإنذار،  ومعنى التبشير ومعني البيان إلى غير ذلك.. كل تلك المعاني تدخل ضمن إطار التذكرة التي هي وظيفة الرسول  ووظيفة من يتبع رسول الله  ووظيفة من يقوم لينذر.</p>
<p>خلاصة هدى السورة</p>
<p>عندما ننظر إلى السورة جملة نجد أن التوجيهات الأساسية التي تلخص لنا الهدى المنهاجي فـي السورة هــي هذه  :</p>
<p>أولا : وجوب القيام للإنذار، وترك الادثار، على كل من قرأ باسم ربه فتبتتل إليه .</p>
<p>فوجوب القيام للإنذار وترك الإدثار هو التوجيه الأول الكبير في السورة وهو الذي يوجد في المطلع {يا أيها المدثر قم فأنذر} فكونها جاءت بعد فواتح المزمل، وبعد فواتح العلق، تجعل هذا المعنى في غاية الوضوح : &#8220;وجوب القيام للإنذار&#8221; {يا أيها المدثر قم فأنذر} لم يبق مجال للادثار الآن، لم يبق مجال للراحة، لم يبق مجال للتأفف، أو حب الفراش بل {قم فأنذر} الآن. هذا الأمر يصير واجبا خاصة على كل من قرأ باسم ربه : أي استجاب لما طلب الله منه في سورة العلق. ثم استجاب لما طلب الله منه في سورة المزمل،</p>
<p>وعلى فرض أن عبدًا انطلق للإنذار دون أن يمُرَّ بالمرحلتين السابقتين : مرحلة العلق ومرحلة المزمل، فلن يُفْلِحَ، ولن يعرف كيف ينذر؟.</p>
<p>لابد من العلم الرباني الضروري الأساسي، لابد من العلم بالكليات الشرعية، هذا الذي تشير إليه فواتح سورة العلق، العلم بالله جل جلاله، والعلم بالإنسان كما تقدم.</p>
<p>ولابد من سير إلى الله عز وجل، ولا  بُد من صحبة لهذا القرآن كما ينبغي في جوف الليل، وفي  غير جوف الليل، استعدادا لحمل القول الثقيل، كما تشير إليه فواتح المزمل.</p>
<p>الآن في فواتح المدثر نجد شرح {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} هذا القول الثقيل هو {قم فأنذر} من قبلُ ما كان مطلوبا منه أن ينذر.</p>
<p>طُلِبَ منه أن يقْرَأُ فَقَرَأ.</p>
<p>ثم طُلِب منه أن يقوم الليل فقام الليل، وذكر ربه إلى آخر الخمس العزائم التي سبق الكلام عنها ففعل، وحصل التبتل، وحصل التوكل.</p>
<p>أماالآن فقم فأنذر بمعني أن النموذج صار صالحًا للتَّعْميم.</p>
<p>ثانيا : من نهض للإنذار فعليه بالتسلح بالزاد الذي هُدِي إليه خَيْـرُ العباد : وهو الآيات الخمس (من الآية الثالثة إلى الآية السابعة) التي تبتدئ بتكبير ربنا سبحانه وتعالى وتنتهي بالصَّبْر لربِّنَا سبحانه وتعالى، بمعنى أن ذلك الزاد وتلك الصفات  ضرورية، والهدى المنهاجي مركّز بكثافة بالغة في فواتح السورة فمن نهض للإنذار فعليه بالتسلح بهذا الزاد الذي هُدي إليه خيْرُ العباد.</p>
<p>ثالثا : المنذر مذكر : ومَتَى بَدَأ الإنْذَار بدأ الاسْتِكْبَار.</p>
<p>وخير علاج للاستكبار إبلاغ التخويف بسقر {وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر} فمن شاء تذَكَّر، ومن شاء تَأَخَّر {وما تذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة}.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%ab%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المزمل</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b2%d9%85%d9%84/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b2%d9%85%d9%84/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 26 Sep 2010 06:11:19 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 274]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[المزمل]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6329</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المزمل د. الشاهد البوشيخي سورة المزمل من أول ما نزل على الرسول  والمقصود أوائلُها أما أواخرُها أو الآية الأخيرة فنزلت في المدينة المنورة بعد الإذن بالقتال. وهي ثلاثة مقاطع : 1- مقطع فيه خطابٌ للرسول  ولكل مؤمن ومؤمنة من بعده. ماذا عليه أن يفعل مع ربه. 2- ومقطع فيه [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة المزمل</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>سورة المزمل من أول ما نزل على الرسول  والمقصود أوائلُها أما أواخرُها أو الآية الأخيرة فنزلت في المدينة المنورة بعد الإذن بالقتال.</p>
<p>وهي ثلاثة مقاطع :</p>
<p>1- مقطع فيه خطابٌ للرسول  ولكل مؤمن ومؤمنة من بعده. ماذا عليه أن يفعل مع ربه.</p>
<p>2- ومقطع فيه خطاب أيضا للرسول ، ولكن من جهة خاصة، هي كيف يعامِلُ أعداءَ الله في تلك الفترة، وهُمْ المكذبون بالدين.</p>
<p>3- ومقطع به تختم السورة وهو آية مدنية طويلة فيها خطابٌ للرسول  والمؤمنين يتناسبُ مع المرحلة المدنية التي نزل فيها.</p>
<p>إذن كالعادة لا أقف عند معاني السورة، ولكن أذهب مباشرة إلى ما نسميه بالهدى المنهاجي.</p>
<p>النقطة الأولى : لابدّ لحَمْل الأمانة والقول الثقيل من الاستعدَاد اللازم.</p>
<p>ومن اختير لذلك فليودِّع الركون إلى الراحة والإخلاد إلى النوم. لا تزمُّل بعد الحمل، وإنما هو قيامٌ وتشميرٌ.</p>
<p>هذا واضح في مطلع السورة حيث جاء الأمر لرسول الله  بقيام الليل : {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا} استعداداً لِمَا ينتظِره من القول الثقيل {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} سنلقي عليك، هذا شيء قادم، فإذن الذي سيحمل أمانة من جنس أمانة رسول الله  لابد أن يستعد لها بالزاد المناسب، وكذلك كل مسلم -في الحقيقة- ومسلمة من أمة محمد  هو حامل لأمانة الشهادة على الناس بحكم اتباعه لرسول الله ، حامل لأمانة التبليغ لهذا الدين، ولو آية كما جاء  في حديث الإمام البخاري : &gt;بلغوا عني ولو آية&lt;.</p>
<p>ليس المقصود أن تعرف كل شيء لتبلِّغ، لا، ولكن ما علمته من كتاب الله عز وجل فاعمل به أولا، ثم اجتهد في أن تبلغه إلى غيرك ثانيا.</p>
<p>فحمل الأمانة يقتضي استعدادا خاصا، والله جل جلاله هو الذي يَختار من يُختار لحمل الأمانة، وهو الذي اختار رسله عليهم السلام، {اللّه يصْطفي من الملائكة رُسلاً ومن النّاس}(الحج : 75) وكما يصطفي الرسل كذلك يصطفي أتباع الرسل أيضا. {وجاهِدُوا في الله حَقّ جهادِه هو اجتباكم}(الحج : 78) لذلك فمطلع السورة يعطيك توجيها واضحا في الآيات الثمانية الأولى، وهو أنك ينبغي حين تشْعُر بأنك مسلم من أمة سيدنا محمد ، وتُحسُّ بقيمة موقعك، وقيمة مكانتك عند الله تعالى، وأنك نائب عن الرسول  بصورة من الصور، إذاك ينبغي أن تحْمِل الأمانة إلى الناس كما حملها الرسول  لأنه أرسل إلى الناس كافة وقبضه الله عز وجل إليه في وقت مبكر بعد 23 سنة تقريبا من بداية نزول هذا الدين، والإسلام لم يجاوز الجزيرة العربية. فمن يبلغه إلى الآفاق والأجيال؟ لقد كلّف الأمة بذلك بقوله في حجة الوداع : &gt;ألا هل بلّغت اللهم فاشهد، فليبلغ الشاهد منكم الغائب&lt; فهي أمانة باقية.</p>
<p>وهكذا فهمها أصحاب رسول الله ، وفهمتها الأجيال اللاحقة، بدليل الفتوحات التي تلت بعد، وبدليل الانتشار السريع الهائل للنور الإلاهي في الكرة الأرضية في القرن الهجري الأول، إذ أكبر انتشار للنور من الجزيرة العرية كان في القرن الهجري الأول.</p>
<p>هذا الأمر الأول، وإذن فلِيستعد عبد الله وأمةُ الله لتوديع الراحة، وتوديع النوم، للاستعداد لما هو آتٍ.</p>
<p>النقطة الثانية : طريق الاستعداد الفردي اللازم هو خمس عزائم متتالية متكاملة.</p>
<p>هي بالنسبة لجيل التأسيس عزائم يجب أن يعزموها فهي أمور كالفرائض :</p>
<p>أولا : قيام الليل : وفي جوفه يبدأ الإسراء والمعراج إلى الدرجات العلى.</p>
<p>ثانيا : ترتيل القرآن : وهو وقُودُ الرواحل أولي العزم إلى التي هي أقوم.</p>
<p>ثالثا : ذكر الله جل جلاله : وهو قوت القلوب، الواقي من الذنوب المانعة من دَرَكِ المطلوب.</p>
<p>رابعا : التبتل إلى الله جل جلاله : وهو دخول عالم الحرية بتمام العبدية والخدمة المولويّة للمولى جل وعلا.</p>
<p>خامسا : التوكل على الله جل جلاله : وهو ثمرةُ الوصول ومقتضى مشاهدة الربوبية والألوهية في قلوب أهل التبتُّل.</p>
<p>هذه الخمس كلها داخلة في قوله تعالى : {قُمِ اللَّيْل إلا قَلِيلاً نصفَهُ أو انْقُصْ منه قليلاً أو زِدْ عليْه ورتِّل القرآنَ ترْتِيلا، إنّا سنُلْقِي عليك قوْلاً ثقيلاً، إنّ ناشِئة اللّيْل هي أشدُّ وطْئاً وأقْوَمُ قِيلاً. إنّ لك في النّهارِ سَبْحا طَويلاً، واذْكُر اسمَ ربِّك وتَبَتَّلْ إِليه تبْتِيلاً، ربُّ المشرق والمغْرب لا إلَه إلاّ هو فاتّخِذْهُ وكِيلاً}.</p>
<p>قبل أن يأمر الله عز وجل عبده ورسوله محمدا  باتخاذه وكيلا وهي الرتبة الخامسة من العزائم، ذكر مسألة الربوبية ومسألة الألوهية، {ربُّ المشرق والمغْرب لا إله إلا  هو} لأن الألوهية مترتبة على الربوبية.</p>
<p>والإشكال عند كفار قريش لم يكن في مسألة الربوبية وقلما يكون الإشكال في جانب الربوبية لأنهم يعرفون أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي خلقهم وهو الذي يحيي ويميت&#8230; مسألة الربوبية تتجه إلى النعم الآتية من عند الله، وإلى الأفعال القادمة من عند الله إلى عباده، سواء أكانت نعماً أو نقماً، ولكن الألوهية بالعكس تتجلى فيما يصدر من العبد تجاه مولاه، تتجه إلى القلوب، ماذا تأْلَه القلوب؟ بم تتعلق؟ هل تتعلق بالله عز وجل أم تتعلق بسواه؟ {لا إله إلا هو} يعني لا مُتَعَلَّق للقلوب إلا به تعالى رغبة ورهبة. هنا كان الإشكال، لأن القلوب كانت تتعلق بالكثير من الآلهة، سواء بشكل سحرة، أو كهنة، أو أصنام، أو أشكال متعددة، ولذلك كان عنوان الدخول في الإسلام &gt;لا إ له إلا الله&lt;. هي كلمة الدخول في هذا الدين. بمعنى أنه يجب عليك بمقتضى هذه الكلمة أن تجعل جميع أعمالك خالصة لله عز وجل لا تشُوبُها شائبة.</p>
<p>أعود إلى النقط الخمس أو العزائم الخمس :</p>
<p>&gt; أولها : قيام الليل، وفي جوفه يبدأ الإسراء والمعراج إلى الدّرجات العلى {قم الليل}.</p>
<p>هذه النقطة، أو هذا الأمر الإلاهي كان في البداية عزيمة بالنسبة لرسول الله  وللمجموعة التي آمنت به في أول مرة، رجالا ونساءاً، لأن هذا القيام كان إطاراً للشّحْن بتعبير اليوم، فداخل هذا القيام سيأتي ترتيل القرآن {ورتّل القرآن} ليس خارج الصلاة وإن كان ترتيله خارج الصلاة أيضا مطلوبٌ، لكن الكلام هنا مترتب بعضه على بعض، قم الليل ورتل القرآن في هذا القيام، لأنه بذلك الترتيل يصبح مُيسّراً للدخول إلى قلب ابن آدم، خصوصاً في هذا الظرف الذي هو جوف الليل، وأحسنه الثُّلُثُ الأخير من الليل، الذي ينزل فيه الله عز وجل إلى السماء الدنيا فيقول : &gt;هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟&#8230;&lt;(مسند الإمام أحمد.</p>
<p>ذلك الوقت يكون فيه الإنسان عادة قد استراح {إن لك في النهار سبحاً طويلاً} في النهار نَغُوصُ في كثير من الأعمال المتصلة بكل شؤوننا في الحياة، ونأتي تعِبِين، فننام لنستريح، وعندما يستريح قلب ابن آدم يصبح مؤهلا كل التأهيل لكي يستقبل، فحين يكون القلبُ في هذا الوَضْع، الله عز وجل كلف ابن آدم أن يقوم الليل ويرتل القرآن، هذا القيام أقول يكون فيه القلب متفرغا مستريحا مستعدا كل الاستعداد لتقبل النور الإلاهي فتأتي معه معانٍ كثيرة، ويكون فيه الشحن، والتغذية لروح المؤمن، لإدخال كل المعاني التي في القرآن إلى قلب المؤمن، والترتيل يزيدها ويسهِّل دخولها وخصوصاً في الليل حيث يكون الهدوء والسكينة، ولا حركة، ولا كلام إلا المناجاة التي هي أبعد ما تكون عن الرياء، العبد مع ربه فقط.</p>
<p>فلذلك هذا الظرف من أحسن الظروف لتنشيط الخميرة الإيمانية التي ستتفاعل بعد وتنْمُو لتُحْدث ما تُحْدِث بعدُ في قلب ابن آدم، وفي جوارحه وفي مَن حوله، وفي الكون كله بعد.</p>
<p>&gt; الثانية : ترتيل القرآن هو وقود الرواحل أولي العزم إلى التي هي أقوم :</p>
<p>بنو آدم قبل أن يمسَّهم القرآن عاديُّون، يعني طاقاتهم موجودة، لكنها ليست عالية، لكن بمجرد أن يُشْحَنُوا بطاقة القرآن يتحولون تحوُّلاً جذريّاً، يولَدون ولادةً جديدة، يصبحون قادرين على أعمال كثيرة جدا.</p>
<p>والله عز وجل ذكر لنا ذلك فقال : {إن يكن منكُم عشرُون صابرُون يغلبُوا مائتيْن}(الأنفال : 65) عشرون من الصابرين يغلبون مائتين، لكن عشرون من طراز خاص، من هذه الطبقة المتزودة بزاد القيام الليلي والترتيل القرآني، عبادُ الله الذين لا يستقبلُون من غير الله عز وجل، عباد الله المنقطعون إلى الله تعالى، هؤلاء مفعَّلون بالقرآن، مخَصَّبُون بالقرآن، مشحونون بالقرآن، إنّه وقود الرواحل الذين أشار إليهم رسول الله  بقوله : &gt;النّاسُ كإِبِل مائةٍ لا تَكَادُ تجد فيها راحلة&lt;(رواه الإمام البخاري). والراحلة الناقة التي تصلح للأسفار الطويلة، والناقة الراحِلة لها أوصاف خاصة تُميزها عن غيرها من النوق، أن تكون ذَلُولاً، صبورة، قوية على الحمل إلى غير ذلك..</p>
<p>فهؤلاء الرواحل هم الذين يخْتارهم الله تعالى للبدايات لعلمه بهم {واللّه أعْلَم حيثُ يجْعَل رسالاَتِه}(الأنعام : 124).</p>
<p>فهذه النقطة الثانية : ترتيل القرآن في غاية الأهمية الآن، ترتيل القرآن له تأثير كبير، بأي شكل كان، ترتيل القرآن مطلقا له تأثير، وقراءة القرآن مطلقا لها تأثير وفيها أجر عظيم قال  :&gt;مَن قرأَ حرْفاً من كتاب الله فله حسَنَةٌ والحسنة بعَشْر أمْثالِها لا أقُولُ ألم حرْفٌ ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف&lt;(حديث حسن صحيح رواه الترمذي) يعني إذا قلت ألم أُجِرْتَ ثلاثين حسنة، وهي تُذْهِبُ ثلاثين سيئة، لأن الحسنات يُذْهبن السّيئات.</p>
<p>فالرجوع إلى ترتيل القرآن طريق، بل هو الطّريق لمن له بصيرة.</p>
<p>&gt; الثالثة : ذكر الله جل جلاله : يعني الطريق الثالث أو العزيمة الثالثة ذكر الله، وهو &gt;قُوتُ القُلُوب، الوَاقِي من الذّنُوبِ، المَانِعَةِ مِنْ دَرَكِ المَطْلُوب&lt;.</p>
<p>والمقصود بالذكر ليس الذكْر اللفظيّ، إذا ذكر الذكر فإنه أساسا ينصرفُ إلى ضد النسيان. هذا أصلُه اللغويُّ، وهو في مثل هذه المقامات يقصد به المثلُ المجَسِّم للذاكر والناسي، في هذا التشبيه الرائع : &gt;مثل الذي يذكُر ربّه والذي لا يذْكُر ربّه مثل الحيِّ والمَيِّت&lt; الذاكرُ حيٌّ، والناسي ميّت، ولهذا نهى الله تعالى عن نسيانه، فقال : {ولا تَكُونُوا كالذينَ نَسُوا الله فأنسَاهُم أنْفُسَهُم أولئِك هم الفاسِقُون}(الحشر : 19) أو تكون الحياة بالغفلة؟!.</p>
<p>يمكن أن يذكر الإنسان ما شاء الله من الأذكار وقلبه غافل، يعني غير حاضر، فهو في وضع النّسيان، في وضع الغفلة، وليس في وضْع الذكر.</p>
<p>فإذن المقصود أساساً بالذكر سواء أصاحَبَه ذكْرُ اللسان يعني النطق بالألفاظ أو كان بالقلب، فالمقصود حضور القلب، الله عز وجل حاضرٌ فيه، والعبدُ يفعلُ ما يفعلُ أو يقول ما يقولُ أو يأتي ما يأتي أو يذَرُ ما يذَرُ، في كل تلك الأحوال هو مع الله جل جلاله.</p>
<p>وهذا الأمر ليس بالعسير بإذن الله، يمكن للعبد أن يكون في مهنته وهو مستحضر الله، غير غائب عن الله، في شغله في طريقه، في سياقته، في أي شيء هو مستحضِرٌ للّه جلّ جلاله وما جُعلت الصلاةُ إلا لهذا الغرض {وأَقِم الصّلاةَ لذِكْرِي}(طه : 14) ولذلك لا يُكْتب للعبد من صلاته إلا ما عقَل منْها، أي إلا ما ذكر منها -عَقَلَ = أمْسَكَ- أما ما لم يُمسِك، وكان غائبا، فهذا لا يُكْتَبُ.</p>
<p>ومعنى ذلك أنه يوم تُبْلى السرائر وتُكْشَفُ الأمور -نسأل الله التوفيق والسلامة- ستأتي كثير من الصلوات ناقصة تجد فقط الملائكة سجلت نقطة بعينها، في ثانية في دقيقة والباقي كُلّه ضاع، يعني تجِدُ صلاة لم تُكتَبْ منها إلا ركعة، أو سجدة، والباقي ضاع، أو ضاع نصفها أو ثلثها أو ربعها، لأن الصلاة في أصلها ذكرٌ خالصٌ للّه بدون أي إشراك، فعلى الإنسان بمجرد الإحرام أن يغيب عن الدنيا، حين يكبر وحين يقرأ، وحين يركع، وحين يسجد، وحين يدعو.. إن الصلاة -كما ترون- قائمة على لفظ واحد يتردَّدُ أكثر من سواه، هو &#8220;الله أكبر&#8221; هذا التكبيرُ هو السِّر.</p>
<p>لأن ابن آدم قد يُكَبّر مع الله سواه، أو يُكبِّرُ سوى الله في قلبه من حيث لا يشعر، يكبِّر الدنيا، يكبِّر المال، يكبِّر الجاه، يكبِّر السلطة، يكبِّر أشياء كثيرة، ولكن الله لا يقْبَلُ منه أي تكْبِير لغَيْره أبداً.</p>
<p>لذلك يتكرر هذا اللفظ كأنه يقيم علينا الحجة أيْ يجبُ أن تُكبِّروا الله فقط ولذلك التكبير يقتضي الذكر، إذا كبرت فعلا، وأعلنت التكبير ينبغي أن تغادر سواه، وتنقطع له في صلاتك حتى تُسلِّم، كأنك تقول للناس : أنا أتيتُ &#8220;السلام عليكم&#8221;، فهذا الذكر لله جل جلاله هو المقصودُ، وهذا الذكر يُعينُ عليه القرآن لأن القرآن هو الذّكر، وهو طريق الذّكر، وهو الذكر الأعظم {وقَالُوا يا أَيُّهَ الذِي نُزِّلَ علَيْه الذِّكْرُ إنَّكَ لمجْنُون..}(الحجر : 6) فهو الذكر، وبه تتم عملية التذكُّر الحقيقية التي يريدها الله عز وجل منا، فذكر الله مترتب على ما سبق، وإذا حضر هذا الذكر في القلب كان هو القُوتُ، الواقِيَ من الذُّنوب، المانعة من دَرَك المطلوب.</p>
<p>- لماذا الذكر هو الواقي من الذنوب؟</p>
<p>الحديث صريح صحيح معروف هو قوله  : &gt;الشّيطان جاثمٌ على قلب ابن  آدم إذا ذَكر الله خَنسَ وإذا غَفَل وسْوَس&lt; فلا تحْدُث معصيةٌ في حال الذكر، وإنما تحْدُث في حال الغفلة &gt;لا يَزْنِى الزّاني حِين يَزْنِي وهو مُومِنٌ ولا يشربُ الخمر حينَ يشرَبُها وهو مُومِن&lt;(رواه البخاري) في تلك اللحظة يغيب، ويشتغل بباطله، أما إذا كان حاضرًا كما حدث لأحد السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظله يوم لا ظِلّ إلا ظِلُّه قال  : &gt;ورَجُلٌ دعتْه امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله&lt;(رواه مسلم) أو كما حدث لأحد الثلاثة الذين انسَدّ عليهم الغار حين قالت له ابنة عمه اتّقِ اللّه ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فتذكّر وقامَ، ولم تحْدُث الخطيئة، فارتفع بذلك الفعل الذي فعل إلى أحد السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، في حديث السبعة، وارتفع في حديث الثلاثة الذين كانوا في الغار إلى درجة التخليص من أعظم أزمة.</p>
<p>لماذا؟</p>
<p>لأن مقاومة الشهوة في عنفوانها، وإمكانها، وشدّة الرغبة فيها، لا يفعله إلا أولياءُ الله، وعبادُ الله المقربون، الذين يخشون الله حق الخشية.</p>
<p>&gt; الرابعة : التبتل إلى الله والتبتل يأتي بعد الذكر، بمعنى أنك إذا أكثرتَ من قيام الليل، وأكثرت من قراءة القرآن، وأكْثرت من الذِّكْر حدَثَ التّبتّل أي الانقطاع لله تعالى، فما عاد المتبتِّل يأْبَه إلا بالله جل جلاله، ما عاد يشعُر بسوى الله، ماذا يسْوى غيرُ الله؟ لا شيء، فلذلك يتبتّل إلى الله جل وعلا، ينقطع له، حيثما كان وأينما كان، هو بالجسد مع الناس، ولكنه في الحقيقة وبالقلب مع الله جل جلاله، بأمره كله مع الله، أتى ما أتى، وترك ما ترك، لا يُحِبُّ  إلا الله، ولا يتلقَّى إلا من اللّه، ولا يذل إلا لله.</p>
<p>فهذه الرتبة الرابعة {واذْكُرْ اسم ربّك وتبتّل إليه} ارْق إلى هذا المستوى، وهذا المستوى يُبْلغُ بناءً على الإكْثار ممّا قبله، فهو مُنْبَنٍ على ما سبق من القيام والترتيل والذكر، بعد ذلك كله جاء {وتَبَتَّلْ إليه تبْتِيلا}.</p>
<p>لنَنْتبِه إلى التعبير القرآني فالله تعالى لم يقل {تبتّل إليه} فقط بل أكّد الفعل بالمفعول المطلق المؤكد {وتبتّل إليه تبْتِيلا} أي انقطِعْ لَهُ انقطاعاً تاما كليا.</p>
<p>لأنه إذا بقي في العبد شوائب، أي جهاتٌ، وجوانبٌ، يحْكُم فيها غير الله فَسَدَ أمره، وتتسع تِلْك الدائرة مع الأيام بالشّبهات، والشهوات، فتحْدُث المصائب.</p>
<p>ويؤتى العبْدُ من تلك الجهات غير المصفاة.</p>
<p>لذلك جاءت الرتبة الخامسة : اتخاذُ الله تعالى وكِيلا : كأنها نتيجة التبتُّل والانقطاع إلى الله بيقين وعلى بصيرة وحضور لشهود الربوبية وشهود الألوهية في قلوب أهل التبتّل، بل كانت الرتبة الخامسة هي ثمرة الوصول، أي هؤلاء المتبتلون الذين انقطعوا إلى الله بقلوبهم، ما الذي ينبغي لهم؟! أن يتخذوا الله عز وجل وكيلا لهم في أمرهم كله، عليه يتوكلون وإليه يفوضون.</p>
<p>لماذَا يُتّخَذ الله وكيلا؟!.</p>
<p>لأن كل شيء بيده {ربَّ المشْرق والمغرب لا إله إلا هو فاتّخِذْه وكيلا}.</p>
<p>اتّخِذْه أنت، مطلُوب منك أن يصْدُر منك هذا الفعل : &#8220;الاتخاذ&#8221; يعني أن تجعله أنت وكيلك. ولا وصول لهذه الرتبة إلا بعد تصحيح وإنجاز العزائم الأربع التي سبقتها : قيام بالسَّحَر، وترتيل خاشع، وذكر متضرع، وتبتل منقطع لله.</p>
<p>فهذه الأمور الخمسة هي طريق الاستعداد اللازم لكل فرد مسلم ومسلمة أراد أن يتحمل أمانة الدعوة، وأمانة الشهادة على الناس، كما تحملهما رسول الله .</p>
<p>ولا يمكن طبعا أن يقوم المسلم بذلك دفعة واحدة، ولكن عليه أن ينطلق بالتدريج مقتحما كل العقبات لتحقيق العزائم الضرورية لنجاح الدّعوة الإسلامية :</p>
<p>إنْ كُنْتَ ذَا رَأْيٍ فكُنْ دا عَزِيمَةٍ</p>
<p>فإنّ فَسَادَ الرَّأْي أنْ تَتَرَدَّدَا</p>
<p>النقطة الثالثة : لابد للداعية إلى الله من أعداء، يهاجمونه ودعوته بكل الوسائل، قولاً وفعلا، كيداً ومكْراً. وذلك فتنة وابتلاءاً من الله تعالى له ولمن معه.</p>
<p>هذه سنة الله الماضية يعني من أول الكلام الذي سمعه الرسول  من ورقة بن نوفل &gt;لمْ يأْتِ أحد قَطُّ بمثل ما جِئْت بِهِ إلا عُودِي&lt; وقال : &gt;سَيُخْرجك قومك&lt; فقال الرسول  متعجبا : &gt;أوَمُخْرِجي هُمْ؟&lt; هلْ هذا سيحْدُث؟ تعجّبَ رسول الله  من هذا.</p>
<p>فالذي يعرف النواميس، ويعرف الدعوات، وعنده شيء من أخبار الكتب سابقا هو الذي قال له هذا الكلام &gt;لم يأتِ أحد قَطُّ بمثل ما جِئت به إلا عُودِيَ وإنْ يُدْرِكْنِي يومُكَ أنْصُرك نَصْراً مُؤزّراً&lt; فهذه العداوة  طبيعية لأنها تدافُعٌ بين الحق والباطل.</p>
<p>ولذلك جاء مباشرة بعد المقطع الأول قول الله تعالى {واصْبِر على ما يقُولُون واهْجُرْهم هجْراً جَمِيلا وذرْني والمُكَذِّبين أولي النّعمة ومهِّلْهُم قليلا إنّ لَدَيْنا أنْكالاً وجحِيماً وطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وعَذَابًا ألِيما، يوم ترْجُفُ الأرضُ والجبالُ وكانتِ الجِبَالُ كَثِيباً مهِيلاَ.. إلى قوله تعالى إنّ هذِه تذْكِرة فمَنْ شاءَ اتّخَذَ إلى ربِّه سَبِيلا}.</p>
<p>إنّ هذا المقطع الذي جاء بعد مطلع هذه السورة يشبه المقطع الذي جاء بعد مطلع سورة العلق، فبعد الآيات الخمس هناك جاء مباشرة {كلا إن الإنسان ليطغى} ومثل ذلك أيضا في سورة القلم، فبعد المطلع جاء مباشرة {فستبصر ويبصرون} الأعداء حاضرون، الصادّون حاضرون، المُعرضون حاضرون، المتهِمون حاضرون، المستهزئون حاضرون.</p>
<p>لكن هناك دائما موقف محدد متشابه تقريبا مُسْتمرٌّ وهو كيفية الرّدّ.</p>
<p>النقطة الرابعة إذن هي : أصُولُ الرّدِّ على المعادين خمسةُ أساليب أيضا متتالية متكاملة.</p>
<p>الدعوة إلى الله عز وجل كما كانت زمن رسول الله  في بدايتها، ورسول الله  يَعْرض الحق على الناس. في تلك المرحلة، ماذا عليه أن يصنع؟! والمخالفون يهاجمونه بالقول، والكيد، وكل شيء.</p>
<p>هاهنا كان الإرشاد يتلخص في خمسة أمور هي أصول الرد على المعادين، متتالية ومتكاملة.</p>
<p>أولُها : الصبر على ما يقولون ويفعلون من أذى، الصبرَ. الصبرَ&#8230;</p>
<p>وهو يتطور مع الزمن ففي البداية على الأذى، وفي مرحلة الجهاد يكون الصبر على البذل، بذل النفس {ولنبْلُونّكُم حتى نعْلم المجاهدين منْكُم والصابِرين ونبْلُو أخْباركم}(محمد : 31) الصبر في جميع المراحل، وفي جميع الأحوال، وبجميع أنواعه هو ضامِنُ الخيْر.</p>
<p>ولكن الصبر المطلوب هو الصبر الشرعي، وليس الصبر الشائع بين الناس الذي فيه إدْهان، وفيه التسليم بالباطل، وفيه الرجوع عن الحق، لا. لا.</p>
<p>ولكن عليك أن تعرف الحق وتعمل به وتسْكُتَ، مهما جاءت زعازع، ورياح هوجاء، وعواصف، أُثْبت، فإن النّصر مع الصبر، إذا كان الصّبْرُ كان النصر، وإذا لم يكن صبرٌ ضاع كل شيء : {فاصْبِرْ على ما يَقُولُون}.</p>
<p>ولا يكون الصبر إلا على قول مؤلم، فقد اتُّهم  بالجنون وغيره، فاصبر على القول، ومِثْله إذا فعَلُوا فِعْلاً.</p>
<p>الثاني هو الهجْرُ الجميل {واهْجُرْهُم هجراً جَمِيلا} هجرانهم بالإعراض عنهم وعدم أذاهم، هم يؤذونك وأنت لا تُؤْذهم {ولا تُطِعْ الكافِرين والمنافِقين ودَعْ أذَاهُم}(الأحزاب : 48) تحمَّلْ الأذى ولا تؤذهم.</p>
<p>انظر إلى هذه الدرجة الرفيعة التي يريد الله عز وجل أن يرقى إليها المؤمنون بدءا من رسول الله ، فالمسلم يتحمل أذى الخلْق، ولا يؤذي الخَلْق، وهذه درجة عالية، يفعَلُ الحق يعَلِّم الحق، يقول الحق، يتصف بالحق، ويقف عند ذلك الحدِّ فيصبر ويحتسب إذا أوذي، ثم لا يؤذيهم، الهجْرُ الجميل، {أعْرِض عنْهُم وقُل سلام}.</p>
<p>هذا كيف يُعَامَلُ من يعادي من أعداء الله، يعني في المرحلة التي يكون الدِّين فيها يتأسَّسُ، مازال لمْ يعُمّ، مازال لم يصل إلى مرحلة الأمة القائمة بدين الله عز وجل، تلك مرحلة ستأتينا في آخر السورة إن شاء الله.</p>
<p>فإذن أول الرّدِّ الصبرُ، والثاني الهَجْرُ الجميل.</p>
<p>وثالث وسائل الرّدِّ التخويف بالله تعالى الذي يتولى أمرهُم بكَيْدِه المتين، كما تقدم، الذي يُمهل في الدنيا ولا يُهْمل {ومهِّلْهُم قليلا}. يمكن أن نمهلهم ولكن الحساب قادمٌ في الدنيا، بكيده المتين {وأُمْلي لهُم إن كَيْدِي مَتِين} في سورة القلم. وفي الآخرة عذابه المهين الذي منه الجحيم والهول العظيم كما ذكر هنا.</p>
<p>هذا التخويف هو الذي كان الله عز وجل يزوِّد رسوله  به، به كان يتمّ الرّدُ بشكل من الأشكال، {وذَرْني والمكذِّبين أولي النّعمة ومهّلْهم قليلا إنّ لَدينا أنكالاً وجحِيماً وطعاماً ذا غُصّةٍ وعذَاباً أليما يوم ترْجُف الأرض والجبال} التخويف بأهوال يوم القيامة، يوم الحساب.</p>
<p>الأسلوب الآخر الرابع هو قصُّ القصَصِ عليهم، المشابهة لحالهم للاعتبار والاتعاظ {إنّا أرسلنا إليكم رسولا شاهداً عليكم كما أرْسلنا إلى فرعون رسولا، فعصى فرعونُ الرّسُول فأخَذْناه أخذاً وبيلا} وهذا الأخذ الوبيل يمكن أن يقع لكم أيضا، فتجنبوا هذا، احْذَرُوا هذا الأمر.</p>
<p>هذا الأسلوب أيضا من الأساليب التي كان يردُّ بها على الكفار والمشركين والمكذبين بالدّين إلى غير ذلك.</p>
<p>وخامس أساليب الرّدّ : ترغيبُهم في التوبة إلى ربهم قبل فوات الأوان.</p>
<p>وهذا مما يستفاد من قوله تعالى : {إن هذه تذكرةٌ فمن شاء اتّخَذَ إلى ربّهِ سَبِيلاَ} هذه تذكرة لكم، تُذَكِّركم بالعهد الأول، فإن تذكرتُم فمن شاء مِنْكُم اتخذ إلى ربّه سبيلا.</p>
<p>ولم يقل ومن شاء لم يتّخِذ. لا.</p>
<p>يعني بذلك أنه يقول لهم : اذْهَبُوا في هذا الاتجاه، هذا هو الطريق، هذه مجرد تذكرة فاتجهوا فسارعوا، اتخذوا سبيلا إلى ربكم.</p>
<p>النقطة الخامسة : التطور فـي الأحوال يقتضي التطور في الأعمال، دون مسٍّ بالأصْلِ الثّابِت في كل الأحوال :</p>
<p>من أين هذا الكلام؟!</p>
<p>هذا الكلام من بداية الآية الأخيرة وهي آية طويلة {إن ربّك يعْلم أنك&#8230;&#8230; أن الله غفور رحيم} آية واحدة ماذا فيها؟!</p>
<p>فيها هذا المعنى الذي أتحدث عنه وهو أن الظرف تغَيَّر الآن.</p>
<p>هذه الآية مدنية تعالج قضايا في مستوى وصول المسلمين إلى مرحلة الأمة حيث تظهر أمور أخرى فتكون طائفة من الناس مرضى؛ ويكون صنف من الناس يشتغلون بأشكال من الشغل؛ تقتضيها الحياة بصفة عامة؛ وصنف من الناس يجاهد في سبيل الله ويقاتل في سبيل الله، إذن هناك أمور جَدَّتْ لا في التطور العام لجسم الأمة، ولا في الواجبات الجديدة.</p>
<p>في مرحلة {قم الليل} لم يكن قتال، ولم يكن أشْكالٌ من طلب الضّرب في الأرض وابتغاء من فضل الله، وهو تعبير في القرآن الكريم يطلق على وجوهِ النشاط العامة، وأشْكال الشغل التي يحتاجها الإنسان لتدبير أمر معاشه.</p>
<p>في أول السورة حديثٌ في صورة فرد هو الرسول  يدعو إلى الله عز وجل ويجدُ مقاومة ثم إرشاد وتوجيه إلى ما ينبغي أن يُفْعل تجاه الطغيان والعدوان. لكن الآية الأخيرة ظرف آخر، تغيَّر الأمر، ما بقيت الدعوة في تلك المرحلة، تطورت الأحوال، وهذا التطور يقتضي تطوراً آخر في الأعمال. كان القيام قبْلُ واجباً والآن خَفَّفَه الله تعالى {عَلِم أن لن تُحْصُوهُ فَتَاب عليْكُم} النتيجة {فاقْرأُوا ما تَيَسَّر من القرآن} كررها الله مرتين.</p>
<p>الآن صار الكلام للأمة، لجميع المؤمنين، لم يعد الكلام في {قم الليل}، {ورتل}، لم يعُدْ الخطاب خطاباً فرديا، لا.</p>
<p>الكلام الآن للأمة جمعاء، لأن الوضع تغير.</p>
<p>فاقتضى التطورُ في الأحوال التطور في الأعمال دون مسٍّ بالأصل الثابت في كل الأحوال.</p>
<p>بمعنى أن هناك أشياء تتغيَّرُ، وأشياء لا تقبل التغيير.</p>
<p>النقطة السادسة : تكليف الأمة بأعمال تناسب مستواها المرحلي :</p>
<p>الناس في الأمة من حيث الشغل أصناف ثلاثة :</p>
<p>&gt; عاجزون عن الشغل بعُذْر شرعي، كالمرضى ومن في حكمهم من شيوخ وأطفال وغير ذلك وهو الذي تشير إليه الآية {علم أن سيكون منكم مرضى}.</p>
<p>&gt; مشتغلون منتجون وهم الذين عبر عنهم القرآن {يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} فضل الله في جميع أنواع الشغل، جميع أنواع الوظائف، جميع أنواع الأعمال التي تتعلق بالمعاش، فهذا الصنف هو صنف الطبقة التي تنتج، يعني تشتغل.</p>
<p>&gt; منشغلون بالجهاد في سبيل الله، ولم أقل مشغولون، يعني منشغلون عن الشغل الذي يتعلق بالمعاش، هم منشغلون بالجهاد.</p>
<p>كيف صار الأمر؟</p>
<p>الطبقة الوسطى إذن هي العمود الفقري الذي يحْمِل العجزة، ويموِّلُ المجاهدين، بتعبير آخر : كيف تصير الأمة في النهاية؟!</p>
<p>الأمة معظمها هو الطبقة التي تنتج، تشتغل، تكسب.</p>
<p>ويوجد في الأمة طبقة لا تقدر على الإنتاج. لا نقول لا تنتج، الذي يقدر على الإنتاج ولا ينتج يُجْبر على أن يشتغل، أو المطلوب أن نُوجِد لديه الرغبة الداخلية، ولكن لا نعطيه الزكاة.</p>
<p>هذا النوع القادر على الكسب ولا يكسب، الرسول  يقول فيه &gt;فو الله لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب فيحمله على ظهره فيأكل أو يتصدق&lt;(رواه الإمام أحمد).</p>
<p>انتبهوا إلى يتصدق، قاعدة قرآنية عظيمة هي {ليُنْفق ذو سعة من سعته ومن قُدِر عليه رزقه فليُنْفق مما آتاه الله}(الطلاق : 7).</p>
<p>الذي لديه الكثير ينفق من الكثير، وصاحب القليل ينفق من القليل، ولكن صاحب القليل يقول كيف أنفق وما عندي ما يكفيني؟</p>
<p>أنْفِق، والأمة عليها أن تكفيك الطوارئ.</p>
<p>إذن ههنا نقطة مهمة فيها توجيه لوضع الأمة. هو أن الطبقة العاجزة عن الكسب مكفولة حقوقها عمليا، الطبقة القادرة على الكسب هي التي تتكفل بها لذلك قال  : &gt;أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه&lt;(رواه البخاري) أي أنا أتكفل. يقول هذا بصفته ممثلا للمسلمين.</p>
<p>هذا الوضع الطبيعي لذلك قال أيضا  : &gt;والله لا يومن، والله لا يومن، والله لا يومن، من بات شبعان وجاره جوعان&lt;، &gt;لا يومن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبُّ لنفسه&lt;(رواه البخاري) لا يحبُّ أحدٌ أن يبيت جوعان، إذن حتى الآخرون يجب أن لا يبيتوا جوعى.</p>
<p>الآن وضعنا سيء للأسف. وها هنا استطراد فاس المدينة القديمة مثلا فيها الدور الكبيرة والمتوسطة والصغيرة وفيها &#8220;المصريات&#8221; معنى ذلك أن يتساكن الغني مع الفقير مع المتوسط وإذاك بسرعة تحس بهذا &gt;من بات شبعان وجاره جوعان&lt; والآن التجزيئات على الطريقة الغربية التي تُعَلِّب بني آدم حسب دخولهم المادية فتجزئة فيها كما يقال الفراعنة وتجزئة فيها &#8220;القوارنة&#8221; وتجزئة فيها &#8220;الهوامنة&#8221; يعني كل تجزئة من نوع، لا توجد أي تجزئة يسمونها مدن القصدير، هذا الوضع شاذ وينبغي على الذين يشتغلون بالتعمير أو بالهندسة المعمارية أو بالتصاميم المديرية وغيرها ينبغي أن يفهموا هذا الكلام وأن يؤسسوا البنيان على أساس إسلامي على أساس التساكن بين الطبقات الاجتماعية بين الغني والفقير والضعيف والقوي وغير ذلك. كما يحدث في الصلاة. وضع الصلاة أكبر مظهر للحياة الإسلامية في جميع مجالاتها، في العلاقة بين الرئيس والمرؤوس، بين الناس وبين القانون لا أحد يستطيع أن يقول إن عنده مكاناً في المسجد، لا أحد، الذي حضر أولاً هو صاحب المكان وهكذا وهكذا، الناس يصطفون اصطفافاً حسب وصولهم {السابقون السابقون أولئك المقرّبون..}(الواقعة : 10- 11).</p>
<p>هذا الوضع في التساكن أقول شاذ ورثناه عن الغرب ويحتاج إلى تصحيح، ولن يصححه إلا من صُنِعُوا على عين الله، الذين لهم أعْين الوحي، الذين ليست لهم الأعْيُن الزرقاء ولا الأعين الحمراء كما نسميها، ولكن الذين لهم أعين فطرية طبيعية يبصرون بدون نظارات ملونة.</p>
<p>فالأمة المسلمة إذن على ثلاث طبقات :</p>
<p>- طبقة عاجزة عن الكسب عجزاً حقيقيا. فهذه تُكْفل، وهي المرضى ومن في حكمهم من العجزة.</p>
<p>- وطبقة منتجة وهذه هي التي تتولى التكفل، هذه التي تؤخذ منها الزكاة، ومنها تؤخذ الأقوات، ومنها تؤخذ كل الأشياء التي تحتاجها الأمة، لسد حاجة العجزة، وسد حاجة المجاهدين.</p>
<p>- وطبقة حامية للأمة {وآخرون يقالتون في سبيل الله} فلا أمة بدون جيش يدافع عن كيانها، ولا جيش بدون تمويل وتجهيز وإعداد.</p>
<p>النقطة السابعة : أصول صيانة المكتسبات :</p>
<p>حين تصير الأمة بتلك الأصناف الثلاثة تأتي خمسة تكاليف متتالية متكاملة.</p>
<p>لماذا قلت صيانة المكتسبات؟</p>
<p>لأننا عندما وصلنا إلى هذه الدرجة كأنه وقع انتقالٌ من المرحلة التي كان فيها، الإسلام مازال عند فرد أو مجموعة أفراد، بل عند قلة، وهم محاصرون بالقول قبل العمل، مغلوبون، ضعاف، إلى أن صارت الأمةُ أمَّةً لا سيادة لأحَدٍ على أرضها، ولا سيادة لأحد على نفسها، وتضرب في الأرض ابتغاء مرضاة الله ، وتكفل المحتاجين، وتموِّل المجاهدين.</p>
<p>حين وصلنا إلى هذه الدرجة كيف نصون المكتسبات؟</p>
<p>معنى هذا أن القرآن المدني يتجه إلى الصورة التي ينبغي أن تستقر أمور الأمة عليها في الأخير.</p>
<p>وأولها : قراءة ما تيسر من القرآن، سواء في الصلاة أو في غير الصلاة، لاستمرار التزود بالوقود.</p>
<p>وقبلُ كان القيام فرضاً، كان قياما فيه من الثلث إلى الثلثين، أما الآن فاقرأوا ما تيسر منه، {علم أن لن تحصوه} {وعلم أن سيكون منكم مرضى} وعلم أن ستكون لكم أشغال جديدة {وآخرون يضربون في الأرض} لذا ليس لازماً عليكم الآن أن تقوموا الثلث أو النصف أو الثلثين، لا. الآن اقرأوا ما تيسر من القرآن، وقوموا ما تيسر من الليل، حفاظا على قيام الليل الذي كان في الأصل.</p>
<p>هذه هي الأولى قراءة ما تيسر من القرآن يعني في القيام وفي  غيره بصفة عامة بمعنى أن القرآن لا يمكن الإنقطاع عنه.</p>
<p>هذه نقطة جوهرية جداً، ولا ننسى ولا ينبغي أن ننسى بحال أن الصلاة فيها قرآن وتبطل إذا لم يقرأ فيها قرآن &gt;لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب&lt;(üü) لابد من الفاتحة، هذا الحدُّ الأدنى والفاتحة خلاصة القرآن {ولقَدْ آتيْناك سَبْعا من المثَاني والقُرْآن العظيم}(الحجر : 87).</p>
<p>فرض علينا قراءة ما تيسر من القرآن فرضا، أن نقرأ هذه الفاتحة سبع عشرة مرة في اليوم، اثنتين في الصبح، وأربعاً في الظهر، وأربعاً في العصر وثلاثاً في المغرب وأربعاً في العشاء.</p>
<p>ومعنى هذا أن هذا هو الحد الأدنى للقرآن الذي يجب أن يقرأ في اليوم.</p>
<p>ومعناه أيضا أن الروح، روح البشر لا تستطيع الاستغناء عن القرآن ولو يوما واحدا أو نصف يوم، فهو قُوتُها، ووقُودُها، وطاقتُها.</p>
<p>ثانيها : إقامة الصلاة لاستمرار الاتصال القوي، واستمرار لوازمه، وعلى رأسها ولاية الله تعالى للمؤمنين، الصلاة صلة بين العبد وربه، وإقامتها وأداؤها على حقيقتها هو جعلها قائمة، وهذا القيام يعني الاستواء الكامل، أي تكون في أحسن صورة، أقيموا الصلاة معناه صَلُّوا على أحسن صورة؛ في الوقت، في الطهارة، في كل شيء، في الركوع تعطيه حقه، في السجود باطمئنان أي الغَيْبة التامة عما سوى الله تعالى {وأقِم الصّلاة لذِكْرِي}(طه : 14) لا إقامة للصلاة، وقد خرج وقتها. لا إقامة للصلاة وليس فيها ذِكْرٌ، ليس فيها حضور. لا إقامة للصلاة وليس فيها طهارة كما تعلمون أو استقبال  أو.. ينبغي أن تؤدى على حقها، هذه إقامتها. والصلاة صلة وعن طريق هذه الصلة يأتي تأثُّرُ العبد بربه، تأتي النعم من الله إلى القلب البشري، تأتي الأنوار الإلاهية، تأتي عن طريق هذه الصلة التي في الصلاة لذلك يجب إقامة الصلاة لإقامة واستمرار الاتصال القوي، واستمرار لوازمه، وعلى رأسها ولاية الله تعالى للمؤمنين.</p>
<p>ثالثها : إيتاء الزكاة، لاستمرار صحة الجسد الإيماني كله وقوته وتكافله، لأنه بالزكاة نقضي على تلك المشاكل التي عند الليبراليين أو الاشتراكيين ويتلاحم المجتمع.</p>
<p>وإيتاء الزكاة لا ينبغي أن نفهم منه أن يأتي الفقير إلى الزكاة لا، إن المُزكِّي هو الذي يخرجها ويذهب بها إلى الفقير، أو تتكفل الأمة بإيصالها للفقير، لأن القرآن ما قال &gt;إذا جاؤوكم فأعطوهم الزكاة&lt;، ولكن قال {آتوا الزّكاة}. أنت عليك أن تأتي للفقير بالزكاة، لأن ذلك الحق حق الله، والله قد ملَّكَه للفقير، وليس ذلك من مالك أيها المزكِّي، فحذَارِ حَذَارِ من أكْلِ فلْسٍ أو فلْسَيْن من الزكاة لأنه مال الله ومال الغير.</p>
<p>رابعها الإنفاق في سبيل الله{وأقْرضُوا الله قرْضاً حسناً} وانظروا إلى الترغيب الكبير في الإنفاق بالمال. معناه أن المال أُعْطِي درجتين، كما أعطيت الصلاةُ درجتين في الحقيقة، لأن {اقْرأوا ما تيسّر من القرآن} ترتبط بقيام الليل في أصلها، وإقامة الصلاةِ : الصلوات الخمس.</p>
<p>وهنا الجانب المالي أيضا أخذَ الزكاة، وأخذَ ما بعد الزكاة {وأقرضُوا الله قرضا حسنا} ثم يرغب {وما تقدّموا لأنفسكم} من أنفقَ ما أنْفق لغيْره، إنما أعْطَى نفسه، {وما تقدِّموا لأنفسكم من خير تجدون عند الله هو خيراً وأعظم أجراً} تجدوه عند الله قد تضاعف أضعافاً مضاعفة.</p>
<p>ترغيب في الإنفاق في سبيل الله : الإنفاق طهارة وتزكية، الإنفاق في سبيل الله عز وجل يحُلُّ المشاكل بجميع أنواعها زيادة على أنه بالنسبة للمنفق تزكية له {خُذ من أموالهم صدقة تطَهِّرُهم وتزكِّيهم بها}(التوبة : 103) الإنفاق في سبيل الله لسد الحاجات الطارئة والإضافية أقصد، الحاجات الأساسية تحُلُّها الزكاة، ولكن ما زاد عن الحاجات الأساسية من الطوارئ أو من الأمور التكميلية يحلها الإنفاق.</p>
<p>خامسها وآخرها الاستغفار لمحو آثار الخطايا والأخطاء بعد الانتهاء من كل عمل، وهذه سنة الله أرشدنا إليها وأكرمنا بها، أنه ينبغي أن نستغفر الله في آخر الأعمال ولذلك شرع لنا عندما ننهي الصلاة أن نستغفر الله ثلاثا وهو  بعد أن ختم رسالته أخبره الله عز وجل أنه سيقبض وأمره بالاستغفار {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت النّاس يدخُلون في دين اللّه أفواجاً فسبّح بحمد ربّك واستغفره} لأننا مهما أتقنا، ومهما أحسنا، ومهما اجتهدنا، تقع أخطاء &gt;كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون&lt;(رواه ابن ماجة) فنستغفر الله تعالى.</p>
<p>خلاصة هدى الصورة</p>
<p>&gt;1) القرآن هو مصدر الطاقة كلها للصف الإيماني أفراداً وأمة (أفراداً : الآيات الثمانية الأولى) و(أمة : الآية الأخيرة) : بمعنى أن القرآن هو كل شيء. الطاقة الحقيقية التي تملكها الأمة الإسلامية هي القرآن، بشرط تفعيلها وتخصيبها أي العمل بها. إذا عملت الأمة بالقرآن فإن الطاقات الأخرى ستنتظم، ولن نهملها وسنستطيع تفعيلها فالقرآن مصدر الطاقة : والطاقة لا توجد في كلام البشر بل توجد في كلام الله وإذن فالطاقة لها مصدر وحيد بالنسبة للصف الإيماني فبالنسبة للمؤمنين لا يمكن للمؤمنين أن يأتوا بالطاقة من مكان آخر غير القرآن والصلاة إنما كانت كذلك لكونها تتضمن القرآن.</p>
<p>&gt;2) الحاجة إلى الطاقة عند الإقلاع أكثر بكثير من الحاجة إليها بعد الاستواء في السير :</p>
<p>والثماني آيات الأولى تشرح هذا لقد كان فيها تركيز على مسألة الشحن والوقود فقيام الليل كان إجباريا وفرضا وبعدد كبير يعني بثلث أقل شيء وبثلثين أكثر شيء {نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتّل القرآن ترتيلا} {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه} لكن بعد ذلك علم أنه سيكون منكم مرضى علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن ما بقي ذلك التكليف غليظا كما كان أول مرة ما بقيت الحاجة إلى التزود بالوقود والطاقة العالية كما كانت أول مرة فاللحظات الأولى لحظات إقلاع وانطلاق فرسول الله  في البداية مؤسس الخير ومن معه في البداية يؤسسونه ولذلك كما عبَّر بعضهم جيل التأسيس يكون دائما محتاجا إلى طاقة عالية وهذه الطاقة تكون عمليا نتائجها واضحة أيضا وذلك واضح في الآية الكريمة {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} بعد ذلك {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} لماذا اختلفت نسبة الطاقة؟ لأن المسلمين الأوائل كانوا يؤسسون فكان شحنهم بالطاقة عاليا. أما المتأخرون فقد صاروا أمة، وصارت لهم أشغال، وكثروا بحمد الله عز وجل فأصبح يكفيهم أن يقرؤوا شيئا من القرآن مع المحافظة على الصلوات الخمس وذلك ما سميته صيانة المكتسبات السابقة.</p>
<p>&gt;3) حسن معاملة أعداء الدين وترك الباب مفتوحا أمامهم يقوي الرجاء في توبتهم</p>
<p>ودائما الكلام في البدايات.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b2%d9%85%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة القلم</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%84%d9%85/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%84%d9%85/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 26 Sep 2010 06:08:54 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 273]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[القلم]]></category>
		<category><![CDATA[الهدى المنهاجي]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6327</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة القلم د. الشاهد البوشيخي الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، هذا اللقاء الثالث هو مع الهدى المنهاجي في سورة القلم، وكالعادة أقول في كل سورة إن كتاب الله عز وجل لا يمكن -بحال- لأحد أيّاً كان أن يستخرج منه كل ما ينبغي أن [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة القلم</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، هذا اللقاء الثالث هو مع الهدى المنهاجي في سورة القلم، وكالعادة أقول في كل سورة إن كتاب الله عز وجل لا يمكن -بحال- لأحد أيّاً كان أن يستخرج منه كل ما ينبغي أن يُسْتخرَج، ولذلك فهذا ماتيسر بفضل الله سبحانه عز وجل وهو مما في هذه السورة من الهدى المنهاجي نسأل الله سبحانه عز وجل أن ينفعنا به، وينفعنا بكتابه وسنة نبيه.</p>
<p>ثم بعد ذلك أقول : أوّلُ مستفاد :</p>
<p>1) من سُننِ الدّعواتِ اتِّهامُ الرّأْسِ بما يصْرِف الناس عن دعْوته في البدايات. وأفضل سلاح للرّدِّ : الثّبات، والتخلُّق بأحْسن الأخلاق :</p>
<p>فالله تعالى يُبْرزُ في الآيات الأربع الأولى حُسْن خــــــــلق رســول الله  {ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربّك بمجنون وإن لك لأجراً غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم}.</p>
<p>وقبلُ في سورة العلق كان الله عز وجل يدافع عن رسوله  تجاه طاغِية بعَيْنِه، فالسورة دفاعٌ عن عبد الله حين يُخْلِصُ عبادتَه لله عز وجل، فيكُون على الهدى، آمراً بالتقوى. ومتى كان عبد لله تعالى. كذلك فالله عز وجل يتولاَّهُ ويُدافِع عنه.</p>
<p>أما هنا فالسورة متصدية للدفاع عن رسول الله  تجاه جمْعٍ من الطُّغاة، وليس تجاه واحد بعينه، بل العبارة شاملة للجميع من أول السورة إلى آخر السورة تقريبا لأن الذي يغلِب عليها ويطغى عليها هو التعبير بصيغة الجمع فيمن يُواجه رسول الله .</p>
<p>وذلك يرشد إلى أن الله تعالى كما يكفي عبْدَهُ المؤمن شرَّ الطاغية الفرد يكفيه كذلك شرَّ الطغاة الجماعة، كُلُّ ذلك الله عز وجل يتولاه.</p>
<p>هذا إطار كبير للسورة يشملها بكاملها.</p>
<p>أما النقطة الأولى وهي الاتجاه للرأس</p>
<p>فهو أنه فعلا في النظام العام لسَيْر الدعوات -والأسوة والقدوة هم الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم مَنْ حمل أمانتَهم عبر التاريخ مقتديا بسيرتهم- دائما يكون التوجُّه إلى الرَّأسِ، وهذا الذي يُجَلِّي : لِم يَهتم نماذج من الطغاة في هذا العصر بالنُّشَطاء؟! لِمَ يهتمون بالرؤوس؟! لِمَ يهتمون بالذين يأمرون بالقسط من الناس؟! لأن قطْع الرأس يقضي على الدّعوة من جذورها، كما يُقال في المثل الدارجي &#8220;اقْطَع الرأس تنْقطِع الخصومة&#8221;.</p>
<p>لكن التوجيه الذي يجب التزامه أمام هذه الظروف، وأمام هذا الحال هو الثَّبَاتُ على الحق أولاً، هذه نقطة أساسية، حَذَارِ حَذَارِ من التولِّي، الثباتُ على الحق أقوى سلاح يتحَدَّى به الرُّسُلُ وأتباعُهم خُصومَ الدّعوة.</p>
<p>ثم بعد ذلك التخلُّق بأحسن الأخلاق، لمَهْ؟! لأن رسالة الدّعوة تزكيةُ الإنسان وتحسينُ أخلاقه، فإذا وجد الشيطان مدخلاً، أو ثقْباً ينْفُذُ منه فإنه سيوسع الفَتْق لتشويه الدّعوة، ولذلك كان الخُلُق الحسن بالنسبة للداعي إلى الله عز وجل هو السلاح الحقيقي الذي به يُواجِه كل هجوم، وكل تهمة كيفما كان نوعها، ولا يُسْتَطاعُ أن يُنْفَذَ إليه مهما أُلْصِق به من الأكاذيب ومن الإفتراءات ومن الترهات، لأن كيانَهُ له مناعَةٌ خُلُقية تحميه تلقائيا من كل ذلك.</p>
<p>والله عز وجل يختارُ من عباده -ولاسيما من الأنبياء والرسل- من البداية ذوي الخُلُق الحسن المؤهلين لحمل أمانة الدِّين.</p>
<p>فاختيار النماذج الرفيعة خلقاً للدّعوة هو من أول الهدى الذي يواجهنا في السورة؛</p>
<p>إذ فواتح سورة القلم من أول ما نزل، وحسب الحديث الحسن هي ثاني ما نزل على رسول الله ، وهذا منسجم فعلا، إذا تأملنا العلاقة بين مضمون هذه الآيات الأربع، ومضمون الآيات الخمس الأولى في سورة العلق، معنى هذا الكلام : أن رسول الله  وهو يُشْهد له هنا بأنه على خلق عظيم معناه أنه كان على خُلُقٍ عظيم في بداية الدعوة، وهذا يوجِّه إلى أن هذه النماذج البشرية الرفيعة ذات الخلق الحسن هي التي يجب أن تُختَار وأن تُصطفى لأنها تكون -في الوسط الذي تعيش فيه- في وضع المحبوب، في وضع المطلوب، في وضع الشَّامَة، في وضع النموذج حتى قبل أن تحمل أمانة الدين. هذه النقطة مهمة جدا.</p>
<p>ثم إن المفسرين -عادة- يتجهون في فهم هذه الآية إلى الحديث المشهور : سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله  فقالت : &gt;كان خلقه القرآن&lt; هذا الحديث ورد متأخراً، وهذه الآية نزلت قبل أن ينزل القرآن بكامله، بل نزلت قبل أن ينزل أغلبُه. آيات قليلة فقط، ومع ذلك شَهِدَ الله عز وجل لرسوله بهذا الخُلُق.</p>
<p>واستعمل لفظة {على} للدلالة على التمكن كما استعملها قبل في {على الهُدى} {أرأيت إن كان على الهُدَى} {وإنك لعلى خلق عظيم} فهو هناك في سورة العلق متمكنٌ من الهدى، وهُو ها هنا أيضا متمكنٌ من الخلق، وليس خلقا كريما عاديا، بل خلقٌ عظيمٌ، إشارة إلى عدم محْدُودية هذا الخلق، وتحجيمه في جانب كذا أو جانب كذا. ونظير هذا على بصيرة في قول الله تعالى : {قل هذه سبيلي أدعُو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتّبَعَن}(يوسف : 108).</p>
<p>فالرسول  كان على الهدى، وعلى خلق عظيم، وعلى بصيرة من أمر الدين، وأمر الدّعوة، وأمر التربية للأتباع، فعلى ورثة الرسول  أن يكونوا متمكنين أيضا من كل ذلك، وأن يتسلحوا بما تسلح به رسول الله .</p>
<p>فجميع من اتبع رسول الله  لهم طريق واحد هو الدعوة إلى الله عز وجل على بصيرة والمنتظر ولاسيما في البدايات أن يصيبهم ما أصاب رسول الله ، فعليهم أن يتسلحوا بما تسلح به رسول الله  حتى يتحصنوا من منافذ الشيطان.</p>
<p>2) الحلُّ في المستقبل والله تعالى الأعلم بالأهدى والأضل :</p>
<p>{فستبْصِر ويُبْصرون بأيّكم المفتون إن ربّك هو أعْلم بمن ضلَّ عن سبيله وهُو أعْلم بالهتدِين} في الآيات إشارة توجيهية إلى تكفل المستقبل بالحلِّ أي الزمن جزء من العلاج.</p>
<p>فستبصر ويبصرون. متى؟ يوم القيامة؟! الكلام أساسا في هذه الدنيا، سيقع هذا الأمر في الدنيا سيتجَلّى للناس كما يقول الله تعالى في آية أخرى {ولتَسْتَبِين سبيلَ المُجْرِمين} سيتّضِح الأمر بجلاء، سيُبْصِر النّاس جميعا الذين يكذبون بالدين، والذين يعارضون الدعوة إلى الله عز وجل، إذا ثَبَتَ رِجَالُها، إذا صبرَ أهْلُها، سيأتي الوقت الذي  يميِّز الله فيه الحق من الباطل، ويتميز الخبيث من الطيب، ويتضح كل شيء. آنذاك {فستبصر ويبصرون} لستَ وحْدك تبصر، ولكن : فستُبصر أنت، وسَيُبْصرُون هم كذلك {بأَيِّكُم المَفْتُون} بِأيّكم تكون الفِتنة للنّاسِ؟! من هو الذي يَفْتنُ الناس عمليّاً؟ من؟</p>
<p>لفظ المفتون جاء على صيغة اسم (مفعول) ولكنّ معْناه معْنَى المصْدَر كما قال بعض المفسرين، وهو الأفضل في المعْنى، كأنه بمَعْنَى (بأَيِّكُم الفِتْنة) (بأيِّكم تكون الفتنة للناس). وإذا تركنا اللفظ على ما هو عليه يقْبَلُ أن يُفْهم منه المراد على ما هو عليه. {بأيّكم المفتون} المفتونُ بأيكم هو؟! المفتون الذي سيُفْتَن، الذي تصيبُه الفتنة، الذي يصبح مفتوناً، بأيكم سيكون؟! هل هو بهذا أم بغيره؟! فسيُبْصَر هذا، سيُصْبح واضحاً، مَنِ الفتّانُ حقيقة؟!.</p>
<p>فخلاصة هذه النقطة :</p>
<p>هي أن المستقبل فيه الحل.</p>
<p>فيجب الثباتُ والانتظار.</p>
<p>هذا معنى الكلام.</p>
<p>الزمن كما قيل جزء من العلاج.</p>
<p>فقط ينبغي الصبر والاستمرار. الثبات والاستمرار، هذه هي النقطة كل الأمور تُبْني على هذه النقطة التي جَلَّتْها الآيات في جهة أخرى {وجَعَلْنا مِنْهم أَئمّة يَهْدُون بأمْرِنا لمّا صَبَرُوا وكانُوا بآياتِنا يُوقِنُون}(السجدة : 24).</p>
<p>إذا كان اليقين بما جاء من عند الله عز وجل ثم كان الصبر عليه، والثبات عليه كل النتائج بعد ذلك تأتي في إبّانها.</p>
<p>لكن إذا وقع اضطراب، إذا وقع اهتزاز، إذا وقع نكوص، إذا وقع، إذا وقع، إذ ذاك تتخَلَّف النتائج وتأتي العقوبات، بدَلَ أن تَأتي البشائر والنتائج السارة.</p>
<p>فإذن المقصود هُنا هو أن الزَّمَن له تأثير، والمسقبلُ كشّافُ، والحلُّ يأتي مع الزمن، فيجب الصبر. والصبر أنواعٌ منها : انتظار الفرج، بعد تحمُّل جميع ما يمكن أن يأتي في الطريق، سواء كان ذلك اختيارا أو اضطراراً، فهذه نقطة مهمة جداً أنّ في المستقبل الحل، وأن الزَّمن جُزْءٌ من العلاج.</p>
<p>3) لا طَاعَة لمكذِّبٍ بالدِّين ولا قبول لمساومته، ولا طاعة لمن كان ذا خُلُقٍ لئيم أثيم :</p>
<p>هذا القسم هو الذي يقول الله تعالى فيه : {فلاَ تُطع المكذبين ودُّوا لو تُدْهِنُ فَيُدْهِنون ولا تُطِع كل حلاف مهِين همّازٍ مشّاءٍ بنَمِيمٍ منَّاعٍ للخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بعْدَ ذلك زَنِيم}.</p>
<p>في السورة السابقة (العلق) كان الختم {كلاّ لاَ تُطِعْهُ} وها هنا {فلاَ تُطع المكذبين ولا تُطِع كل حلاف مهِين}.</p>
<p>إذن الذين يكذِّون بالدين، الذين يكذّبون بما جاء به الرسول ، الذين يُكذِّبون بالقرآن، الذين يكذِّبون بما صحَّ عن رسول الله ، الذِين يُكَذِّون باليوم الآخر، الذين يصُدُّون عن طريق الله، هؤلاء جميعاً وأمثالهم لا طاعَةَ لهُم من أهْلِ اللّه وأوْلِياء الله، ولا قبول لمساومتهم.</p>
<p>وهذه نقطة مهمة جداً.</p>
<p>إذ حقيقة الدعوة : أنّها تقوم على مبادئ ثابتة راسخة لا تقبل المساومة.</p>
<p>فلا مجال لمثل هذ الاقتراح : نعْبُد إلهك شهراً وتعْبُد إلهنَا شهراً. لا مجَالَ البتَّة.</p>
<p>ما جاء من عند الله هو الحق، ولا مجال للمساومة عليه، {فاسْتَمْسِك بالذِي أُوحِي إِلَىْك}(الزخرف : 43) ما جاء من عند الله عز وجل يجب الاستمساك به، يجب العَضّ عليه بالنواجذ، يجب قبضُه كالجَمْرِ وإن كان مُحْرقاً، وإن كان مؤلماً، وإن كان صعباً، وإن كان شَاقّاً، كيفما كان نوعه يجب الثبات عليه.</p>
<p>هذه نقطةٌ لا تقبل الكلام، في السيرة، ولا في القرآن. وطبعاً السيرةُ هي صَدًى لكتاب الله عز وجل في الواقع.</p>
<p>المؤمن كما نقول اليوم صاحب مبْدإ، والداعية مبدئي أيضاً، أيْ هناك أشياء لا مفاوضة فيها، ولا مساومة عليها، ولهذا كانت هذه السورة {قُلْ يا أيُّها الكافرُون لا أعْبُد ما تعْبُدُون ولا أنْتُم عابِدُون ما أعْبُدُ ولا أنَا عابِد ما عَبَدتُّم ولا أنْتُم عابِدون ما أعْبد لكُم دينُكُم ولِي دِين}.</p>
<p>طريقان منفصلان غير قابليْن للالتقاء، بمعنى : نعم للحوار وعلى الرَّحْبِ والسَّعَة، لكن لا تنازُلَ أثْناء الحوار عن أيِّ مبدإ من مبادئ الدِّين الأساسِيَّة القَطْعِيّة الصحِيحَة المفْرُوغِ مِنها، لا تنازل عن شيء من ذلك.</p>
<p>فهذه نقطة مهِمّة جدا، لا قبول للمساومة، ولا طاعة لمكذب بالدين، ولا لمن كان ذا خُلُق لئيم، ولا لمعتد أثيم.</p>
<p>الطاعة فقط لمن له الأهلية للطاعة، أي لمن أمر الله تعالى بطاعته، لأن الطاعة في أصلها لله، وإنما أطيع محمد بن عبد الله  لأنه رسول الله واللّه أمر بطاعته {ومَا ءاتَاكُم الرّسُول فخُذُوه، وما نهاكم عنْه فانْتَهُوا}(الحشر : 7) {يا أيُّها الذِين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}(النساء : 59) وأمراء رسول الله  يطاعون بأمر الرسول، وأولوا الأمر، إنما تجب طاعتهم بأمر الله، ماداموا آمرين بطاعة الله عز وجل؛ إذْ القَاعِدة الكُلّىة الضخمة في هذا الدين هي أنْ &gt;لا طَاعَة لمخلوق في معْصية الخالق&lt; فلذلك كان هذا الأمر من أوائل ما رُتِّب وسُطِّر ليسْتَقِرّ {فلاَ تُطع المكذبين ودُّوا لو تُدْهِنُ فَيُدْهِنون ولا تُطِع كل حلاف مهِين همّازٍ مشّاءٍ بنَمِيمٍ } يعني ذا الأخلاق السيئة المنافية للشريعة وللدِّين لا يُطاع بوجهٍ هذا ليس أهلاً للطاعة وليس صالحا للطاعة.</p>
<p>4) من أسباب التّكذيب القوة المالية والبشرية :</p>
<p>لماذا يكذِّب المكذبون؟ :</p>
<p>القوة المالية والعسكرية -بتعبير اليوم- هي السبب، الله عز وجل قال {أنْ كان ذَا مالٍ وبنين } لأَنْ كان ذا مال وبنين إذا تُتلى عليه ءايتنا قال : {أساطِيرُ الأولين} أي خرافات الناس السابقين.</p>
<p>المال قوته معروفة، فهو يرمز اليوم للقوة الاقتصادية أما البنون فهم رمز للقوة البشرية، وهم رمز للقوة العسكرية اليوم، ومن اجتمعت عنده القوة الاقتصادية والعسكرية توفرت له أسباب الطغيان، يَظْلِم ولا يُظلَم، ويُذل ولا يُذل يخْضع الناس لحُكمه، ولا يخضع لحكم أحدٍ، بل لا يخضع لحُكم الله {المالُ والبَنُون زينةُ الحياةِ الدّنيا} {أن كان ذا مَالٍ وبنين إذا تُتْلى عليه ءاياتُنا قال أساطير الأولين}.</p>
<p>سبق في السورة السابقة {إن الإنسان ليَطْغى أن رآه استَغْنى} حين يُوجَدُ المال، وتوجد القوة العسكرية فإن الإنسان يَطْغى مباشرةً، ولا يبالي، بما جاء من عند الله عز وجل.</p>
<p>فرعون من هاهُنا أتِي، فراعِنَة العصْر من هاهنا أُتُوا. الجميع في كل زمان وفي كل مكان يطغى بسبب القوة الاقتصادية والعسكرية العمياء {أن كان ذا مَالٍ وبنين إذا تُتْلى عليه ءاياتُنا قال أساطير الأولين}.</p>
<p>5) نعمة الدّين -وهي أعظم النعم- بلاء؛ فمن كفَرَها فقد ظلم وطغى وعرَّضَ نفسه للعذاب الأصغر في الدنيا والأكبر في الآخرة :</p>
<p>هذا خلاصة هذا القسم الخاص بأصحاب الجنة، لماذا جيء بهذه الآية هنا {إنّا بلوْناهُم} أي بلوْنا هؤلاء المكذبين من قريش وغيرها كما بلونا أصحاب الجنة.</p>
<p>إذا تأملنا في قصة أصحاب الجنة، وربطناها بما سبق، ورأينا أولئك الذين سبقوا، وجدنا أن الإشكال هو : كفران نعمة الوحي، ونعمة الإيمان، ونعمة القرآن بالتحديد.</p>
<p>لأن لفظة النعمة في البدايات، في بداية نزول القرآن الكريم، كانت تنصرف بالدرجة الأولى إلى القرآن.</p>
<p>هذه النعمة {وأما بنعمة ربك فحدّث} {ما أنت بنعمة ربّك بمجنون} وهي التي تمَّت بعْدُ {اليوم أكملت لكم دينكُم وأتممت عليكُم نعمتي}(المائدة : 3) نعمة القرآن تمت وانتهت، وانتهى نزُول القرآن وهي في الحقيقة تستلزم النبوة بالنسبة لرسول الله  والرسالة والإيمان وكُل شيء.</p>
<p>هذا القرآن، هو الذي به كان كُلُّ ما كان، كل ما كان حتى في رسول الله  كان بالقرآن.</p>
<p>الذي حوله مما كان عليه إلى ما صار إليه هو القرآن، أربعون سنة وهو يَعِيشُ كَبقية الناس من خير الناس، ولكن بنزول القرآن لم يبق ذلك الإنسان الذي كان يعْرفُه الناس، ولذلك اتّهِم بالجنون، واتهم بالكهانة، واتهم بالسحر، واتُّهِم بالشعر، أي اتُّهِم بالعجائب والغرائب، لأنه جاء الناس بشيء لم يأْلَفُوه ولم يعْهَدُوه، جاء بشيء ليس في طاقة البشر.</p>
<p>فنعمة الدين هي النعمة الحقيقية التي تستحق لفظ النعمة. أكْثر من سواها.</p>
<p>هذه النعمة نفسها بلاء من الله، والله يبتلي بالخير وبالشر {ونَبْلُوكُم بالشّرِّ والخَيْرِ فِتْنة}(الأنبياء : 35) والله ابتلى قريشا إذ ذاك بنمعة القرآن، بنعمة الدين، ولكنهم كفروا، والله عز وجل يهدِّدُهم ويخوِّفُهم من جهة، ويتألَّفُهم أيضاً من جهة أخرى ليعودُوا كما عادَ أصْحابُ الجنة في الأخير. ليتُوبُوا، حتى إذا أخْطَأُوا فلْيتُوبُوا، فلْيعْترفُوا بالحقّ، ولْيَعُودوا إلى الله عز وجل.</p>
<p>نحن -المسلمين اليوم- عنْدَنا هذه النعمة موجودة، هي بين أيدينا، نعمة القرآن ليْست إلا عندنا، وهي بلاءُ من الله عز وجل لنا، فإذا شكرناها وأدينا حقها فإن النعم الأخرى ستتوالى تتْرى، ولكن إذا لم نؤد شكرها، ولا يكون أداء الشكر إلا بالإيمان والعمل بها، فسيصيبنا ما أصابهم أو شرٌّ من ذلك.</p>
<p>{قَال أوسَطُهُم ألمْ أَقُلْ لكُم لَوْلاَ تسبِّحون قالوا سُبحان ربّنا إنّا كُنّا ظالمين، فأقبل بعضُهم على بعض يتلاومون قالُوا يا وَيْلنَا إنّا كنّا طاغِينَ عَسَى ربُّنا أنّ يُبدِّلنا خَيْرا منْها إنّا  إلى ربِّنا راغِبُون كذلك العذاب ولعذابُ الآخرة أكبر لو كانُوا يعْلمون}.</p>
<p>فهذه النقطة لابُدّ من وضْعِها في الاعتبار لابُدّ أن نُحسَّ بقيمة هذه النعمة وأهميتها.</p>
<p>6) المساكِينُ محْمِيُّون من قبل اللّه عز وجل، فمن حرَمَهُم من حقِّهم فِيما عِنْدَه، حرمَه الله من كُلِّ ما عِنْده :</p>
<p>ورد في الأثر (اتّقُوا مجَانِيق الضّعفاء) المنجنيق كأنه المدفع بالنسبة للعصر الماضي، يأخذ الحجر الضخم ويرمي به فيكسر الحائط والجدران والبيوت وغير ذلك، المنجنيق  : جمعه مجانيق، ومجانيق الضعفاء الدعوات؛ لأنهم لا يستطيعون الرد العملي، ولكن يتوجهون إلى الله عز وجل واللّه معهُم، وكلُّ مسْلُوب الحق هو ضعيف، والضعيف لا سند له إلا الله تعالى. أصحاب الجنة اجتهدوا بكل طاقتهم أن يمنعوا وصول أي قدر من حصيلتهم إلى المساكين، اجتهدوا بكل سبيل، ولكن الله عز وجل كان من ورائهم محيطاً فعاقبهم، لأنهم أرادوا حرمان المساكين من حقوقهم في مال الأغنياء ، فالله عز وجل عاقبهم بحرمانهم من جميع مالهم {فَأصْبَحَتْ كالصّرِيم}.</p>
<p>{إنّا بَلَوْناهم كما بَلَوْنا أصحاب الجنة إذْ أقْسَمُوا ليَصْرِمُنَّها أي ليَقْطِفُنّ ثِمَارَها مُصْبِحين &#8211; أي في الصباح الباكر- ولا يستثْنُون} أي لا يُبقون شيْئاً من حصيلتها وثمارها يُمْكن أن يُعْطوه للمساكين، وذلك مع غَيْظٍ، لأن الحرْدَ هو المنْعُ مع الغَضَب {وغَدَوْا عَلَى حرْدٍ قادِرِين}.</p>
<p>هكذا تآمَرُوا، هكذا اتَّفقُوا وتواطأُوا {ليَصْرمُنَّها مُصْبِحين ولا يَسْتَثْنون}.</p>
<p>ما الذي حدث؟!</p>
<p>{فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ من ربِّك وهمْ نائمون فأصبحتْ كالصّريم، فتنادوْا مُصْبحين -لا علم لهم بما وقع- أن اغْدُوا على حرثِكُم إنْ كُنْتُم صارِمِين فانْطَلَقُوا وهُم يتخَافَتُون ألاّ يَدْخُلَنَّها اليوم عَلَيْكُم مِسْكِين -يتكلمون بالهَمْس ويتخافتون ألاّ يدخلَنَّ اليوم عليكم مسكين- وغَدَوْا على حرْدٍ قادِرين} هكذا ظنّوا {فلَمّا رأوْهَا قاَلُوا إنّا لَضَالُّون بَلْ نحْن مَحْرُومُون} عندما رأوْها على الشكل الذي رأوا ظنوا أنهم قد أخطؤوا الطريق ثم فهِمُوا ما حَدَث، فهِمُوا وعلِمُوا أنهم قد حُرمُوا من جميع ثمار الجنة، بسَبَب إصْرارهم على أن يحْرموا المساكين من حقوقهم.</p>
<p>إنّ حُقُوق المساكين هي حُقوق اللّه {كلاّ بل لا تُكْرِمُون اليَتِيم ولا تَحُضُّون على طَعَام المسْكين} مسألة المسكين في ميزان الله تعالى شيء عظيم، المساكين باختصار محميُّون من قِبل الله تعالى ومَن حرَمهم من حقِّهم فيما عنده حرمه الله تعالى من كل ما عنده.</p>
<p>والمصائب التي نعيشها ونحياها الآن في الأمة جمعاء من أسبابها الكبرى ضياع حقوق المساكين.</p>
<p>انهَدَم ركن الزكاة على صعيد الفرد والمجتمع، وعلى صعيد الجمع والصّرْف، فضاعت حقوق المساكين، وحدثت المشاكل، ورأينا العجائب من أشكال البطالة، وأشكال البلاء، مع أن هذا الركن وحْده إذا أقيم في بلد من بلاد المسلمين فسيُصْبح البلدُ غنيا في سنوات، لأن ملايير ستتوفَّرُ بسرعة مذهلة، يمكن أن تؤسس مؤسسات إنتاجيه ضخمة، ستنشأ معامل تشغل آلاف العمال، ستنشأ مؤسسات استثمارية، ومشاريع تنمويّة بأموال الزكاة تُمَلَّك للفقراء، ويشغَّل فيها الفقراء، وبذلك تدُورُ عجَلة الاقتصاد. إذا نُظِّم أمرُ الزكاة، ولاسيما إذا أدخلنا أيضاً الأبناك نفسَها على أنها مؤسسات مالية يجب أن تؤدي الزكاة على الأموال المودعَة عندها حسب اجتهاد بعض العلماء.</p>
<p>إذا حدث ذلك وغيرُه، كم نأخُذ من أموال الزكاة؟! وكم نؤسس من مشروع؟! وكم ننفع من مسكين؟! وكم نُنْقِد من أُسَر؟!</p>
<p>7) التّسْبِيح والتوبةُ النّصُوحُ هما طوق النجاة عند تيقن الغرق :</p>
<p>إذا وقعْنا في خطأ فالتسبيح والتوبة النصوح هما طوق النجاة، وأصحاب الجنة تيقّنوا الآن أنهم قد حُرِمُوا فما المخرج؟ إذا استمروا على ما هم عليه، فإن هذا الحرمان سيتوَالى {قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبّحون} سبِّحوا الله.</p>
<p>وأول أدب كان من الملائكة مع الله عز وجل حين قَالُوا له : {أتجعلُ فِيها من يُفْسِد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدِّس لك قال إنِّي أعْلَمُ ما لا تعْلمُون وعلّم آدم الأسماء كُلّها ثم عرضَهُم على الملائكة فقال أنْبِئوني بأسمَاء هؤلاء إن كُنْتم صادقين قالوا سبحانك لا عِلْم لنا إلا ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم}(البقرة : 30- 31).</p>
<p>فأولا التسبيح : تنزيه الله تعالى عن الخطأ، تنزيه الله عن النقص، تنزيه الله عن أن يكون هذا مِنْه فيه ظُلْم بشكْلٍ من الأشكال، أو خَطإ.</p>
<p>ثم التوبة النصوح : العوْد والرجوع إلى الصراط المستقيم إلى الوضع الصحيح، معنى : أنهم قالوا : {عسى ربُّنا أن يُبدِّلَنا خَيْراً منها} ندِمُوا وتابُوا، شعَرُوا بالمشكلة وقالوا : {إنّا كُنّا ظالمين} {يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِين} بعد ذلك {عَسى ربُّنا أن يُبَدِّلنا خَيْرا منها إنّا إلى ربّنا راغِبون} رجعوا إلى الله، ، سبّحُوا الله، واعْترفُوا بخطئهم وتابوا. فالتّسبِيح والتوبَة النّصُوح هما طَوْق النجاة عند تيقُّنِ الغرق.</p>
<p>بمعنى أنه حتى ولو تبيّن أن الغرق قد وصل، فإن الإنسان إذا سبح فإن النجاة مرْجُوّةٌ كما حدث لسيدنا يونس عليه السلام، إذ أخرجه الله عز وجل من بَطْن الحوت عندما سبّح {فَلَوْلا أنّه كانَ من المُسَبِّحِين للَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلَى يَوْم يُبْعَثُون}(الصافات : 144) معنى هذا أن التسبيح طوق النجاة.</p>
<p>8) الإسلامُ سلامٌ والكُفْرُ إجْرامٌ ولا   مساوة بين المسلمين والمجرمين في ميزان الله تعالى (لا في الدنيا ولا في الآخرة) :</p>
<p>هذا المصطلح  مصطلح المجرمين في غاية الأهمية ولا نلتفت إليه، والقرآن يستعمله كثيرا، وسيأتينا في القرآن المكي كثيراً {أفنَجْعَلُ المسلمين كالمُجْرِمين} مُقَابَلةُ المسلمين بالمجرمين يصحح أكبر اعوجاج في الفهم اليوم. المسلم لا يكون مجرما بحال، المسلم مشتق من السِّلْم، ولذلك قال  : &gt;المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده&lt; وفي رواية أخرى : &gt;المسلم من سلم الناس من لسانه ويده&lt; وهذه هي التي تنْسَجِم مع الخط العام للإسلام، ولا تضاد بين الروايتن بل بينهما تكامل.</p>
<p>المسلم مصدرٌ للخير مصدرٌ لما يُحقِّقُ السِّلم في الأرض، وفي الكَوْن. هو مصدر لكل أنواع الخير لأنّه أسس حياته من أول مرَّة على الحق، على السير على هدى الله عز وجل، والله عز وجل ضمن حقُوق الجميع؛ حقوق بني آدم، حقوق الحيوانات، حقوق النباتات، حقوق ما نرَى، وحُقوق ما لا نرى، ضمِن حقوق الملائكة، وضمِن حقُوق الجن، كُلُّ ذلك مضمون عند الله عز وجل، وإذا سار الإنسان في حياته وفْقَ هُدَى الله فإنه يُسدَّدُ بإذن الله عز وجل ويُكْفى همَّه كُلّه في هذه الدنيا.</p>
<p>فالإسلام سلامٌ والكُفْر إجرام.</p>
<p>لم كان الكُفْر إجراماً؟!</p>
<p>لأن أوّل جريمة ضخمة لا مثيل لها هي أن تجعل لله نِداً وهو خلقك كما قال .</p>
<p>يعني ببساطة : أن الله أعطاهُ الوجود، وهو تلقائيا يتصور أن الله غير موجود، لا يعترف به نهائيا، لا يتصور أنه كائِنٌ مطلقاً.</p>
<p>أو يتصَوَّرُ أنّ له شريكا شارَك الله في هذا الأمر.</p>
<p>أو يتصوَّرُ بدلاً منه سبحانه وتعالى {ثـــم الذين كفروا بربّهم يعدلون}(الأنعام : 1).</p>
<p>لذلك فـ{إن الشــرك لظُلْم عظيم}(لقمان : 13).</p>
<p>الحقيقة الجلية في هذا المُلك التي ما مِثلُها حقيقة جلية، هي : &gt;لا إله إلا الله&lt; هذه الحقيقة جلية إلى حد : أن الشمس تدل عليها، والقمر يدلّ عليها، والأرض تدل عليها، والأشجار تدل عليها، والأنهار تدل عليها، والجبال تدل عليها، والأسماك والأطيار والحيوات، ما نرى وما لا نرى كل ذلك يدل على أن : &gt;لا إله إلا الله&lt; هي الحقيقة.</p>
<p>يوجد خالقٌ واحدٌ، رازقُ واحد، مُدَبِّر للملك واحد، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}(الأنبياء : 22) {ألا له الخَلْق والأمْر تبارَك الله ربّ العالمين}(الأعراف : 52).</p>
<p>الكفر إجرام لأنه يُفْسِدُ كل شيء.</p>
<p>لأنه من البداية حين يضيع منه المفتاح الأصْلُ الذي : هو لا إله إلا الله، يضيع منه كل تصرُّف صحيح في هذا الملك، ولذلك كان {والذين كفروا بربهم أعمالُهُم كرمَادٍ اشتدت به الرّيح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء}(ابراهيم : 18) {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه}(النور : 39).</p>
<p>لاشيء،  جمِيع ما يصْنَعُ مُصيبةٌ {يحْسِبُون أنّهُم يُحْسِنُون صُنعاً} {قُل هل ننبِّئُكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعْيُهُم بالحياة الدنيا وهم يحْسِبون أنَّهُم يُحْسِنُون صُنعا}(الكهف : 99).</p>
<p>لا إحسان في الصنع إلا بميزان الله، ولا سعادة ولا حياة، إلا بهُدَى الله، ولا يستطيع الكفار أن يحسنوا التصرُّف في نعْمة من نّعم الله. لا يستطيعون.</p>
<p>والذي نراه الآن ونظن أنه إحسانٌ، لَىْس بإحسان، العالم لن يستقِر على هذا الوضع أبداً. إنهم يفسدون بإحسان : نعمة العلم يُفسدون بها، نعمة القوة يُفسدون بها، أيُّ نعمة يُفسدون بها في الأرض.</p>
<p>نحن نقول : هُمْ خيرٌ منَّا في عدد من الأشياء.</p>
<p>لماذا هم خير منا؟!.</p>
<p>لأننا نحن أيضا لا نمثِّلُ الإسلام، نحن لا نمثل الآن الإسلام. أقصد  &gt;بنَحْنُ&lt; : نحن المسلمين في العالم، لا نمثل الإسلام؛ لأننا لو مثلناه حقيقة لاستحال أن يكون الكفار أعلى درجَةٍ منا في الأرض أبدا {ولنْ يجْعل اللّه للكافرِين على المُومِنين سبِيلا}(النساء : 141) والآن لهم علينا السبيل، فإذاً لا يخلو :</p>
<p>إما أن الله يقول الحق أوْ لا يقول الحق {ومَنْ أصْدَق من الله حَدِيثاً} {ومنْ أصْدَقُ من اللَّهِ قِيلا}.</p>
<p>إذن هناك إشكال؛ من أراد أن يعرف المنْكر ودركات المنكر الذي نحن فيه في العالم الإسلامي فلْيَقْرأ القرآن، ولْيَزن واقعنا بالقرآن.</p>
<p>لينظره فقط من خلال ما وصف الله به المومنين، وما وعد به المومينن.</p>
<p>حين لا يجد ذلك واقعا ويَجِدُ عكسه يتيقّن أن الله عز وجل لا يظلم أحداً {وما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ للعَبِيد} فما دامت هذه الأمور ليست موجودة فسببها الذي كان ينبغي أن تترتّبَ عليه غَيْر موجُود.</p>
<p>كيف يُتَصَوّر أن الذين ضرب الله عليهم الذّلّة والمسكنة وباءوا بغضب من الله لهم الكلِمَة العُلْيا على المسلمين.</p>
<p>كيف يُتصوّر هذا؟!</p>
<p>لا يُتَصوّر إلاّ بغَضّب من الله عز وجل على المسلمين أعْظم، فابْتلاهُم بالمغضوب عليهم منه. على قاعدة أن الأحقر هو الذي حقر بأحقر منه.</p>
<p>فهذا تأديب من الله عز وجل لنا إذا نظرْنا إلى المآل نرى أن هذا فيه خير إن شاء الله عز وجل، في هذا خيرٌ عظيم للمسلمين، بمعني أن الذي سيثبت على الحق سيأخذ أجرا عظيما. إذا حَيِيَ فسَيَحْيى في خير، وإذا مات فيسموت في خير.</p>
<p>فإذاً الإسلام سلام والكُفْر إجرام&#8221; ولا مساواة بين المسلمين والمجرمين في ميزان الله تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة.</p>
<p>9) ظنون المجرمين بربهم سَــرابٌ ستنكشف بعد فوات الأوان يوم الحِساب :</p>
<p>{يوم يُكْشَف عن ساقٍ ويُدْعون إلى السجود فلا يسْتَطِيعون خاشعة أبصارُهم ترهقُهم ذلَّة، وقد كانوا يُدْعون إلى السّجُود وهم سالِمُون}.</p>
<p>10) لاداعي لبخع النّفس على المكذبين فالله يتولاهم بكيده المتين :</p>
<p>بمعنى لا داعي للحسرة الشديدة ولا داعي للأسف الشديد على من كذّب بالدين؟! لا داعي لذلك كله، فالله يتولاّهم بكيْده المتين إستدراجا وإملاء {فَذَرْنِي ومن يُكَذِّب بهذا الحديث سنسْتَدْرِجهم من حيث لا يعْلمُون وأمْلِي لهُم} الله عز وجل يتولى ذلك بنفسه استدراجاً وإملاءً.</p>
<p>11) الدُّعـاة هُـداةٌ لا جباة ولذلك لا يجوز طلب أجر من مدْعوٍّ قبل إسلامه (فإن أسلم طولب بحق الإسلام) :</p>
<p>الدعاة هداة لا جباة، الدعوة إلى الله عز وجل ليس عليها أجْرٌ إلا مِن الله {قُل لا أسْألُكم عليه أجراً إنْ أجْرِيَ إلاَّ علَى الذِي فَطَرَنِي} هكذا جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام {أم تسْألُهُم أجراً فهُم من مغْرَمٍ مُثْقَلُون} أهذا هو السبب؟! لماذا يكذبون؟!</p>
<p>يكذبون لأنك تطالبهم بأجر على ما تصنع وهم يصْعُب عليهم هذا الأجر، فهو غليظ، وهُم مُثْقلون بالذي تطلب منهم.</p>
<p>هل هذا هو السبب؟! لا أبداً.</p>
<p>هذا استفهام إنكاري. لا شيء من هذا هو السبب.</p>
<p>فالدعاة هُداةٌ لا جُباة ولذلك لا يجوزُ طلب أجْرٍ من مدعُوٍّ قبل إسلامه.</p>
<p>لأنه بعد الإسلام أصْبح يُطالَبُ بحقٍّ الإسلام من زكاة وغيرها، لكن قبل ذلك يُعطى المال، ليُتألَّف قلبُه. لا يُطْلب منه المال، بل يُعْطَى المال، وقد أعطى رسول الله  بعض رؤساء العرب في أوقات بعينها نحو ألفٍ ناقة تألّفاً له لأنه إذا أسلم أسلمت معه قبِيلَتُهُ.</p>
<p>12) من اختاره الله تعالى لهداية خَلْقِه فــلاَ يُجُوزُ له مُغَـادَرَةُ موْقِعِه ويجب عليه الصّبْر لحكم ربه :</p>
<p>من اختاره الله عز وجل لموقع من مواقع الخير، فليعْلم أن الله تعالى اختاره، وليس بجهده كان في الخير، وذلك بدْءاً من الرّسل عليهم الصلاة والسلام، فالله عز وجل، هو الذي اختارهم للرسالة، وهو الذي اختار أتباعهم {وجاهِدُوا في الله حقّ جهاده، هو اجْتباكُم} هو اجتباكم واختاركم، اختارنا بفضله سبحانه عز وجل لنكون من أمة محمد  ونكُون من الأمة التي كُلِّفت بالشهادة على غيرها، وكُلّفت بتبليغ ما كان يبلغه رسول الله ، هذا في حد ذاته اختيارٌ من الله عظيم لا حول لنا فيه ولا طَوْل، هو محض فضل من الله سبحانه عز وجل.</p>
<p>كُلُّ عَبْدٍ وجدَ نفْسَهُ في الخير، فليعلم أن الله قد اختاره، المومنون اختارهم الله جل جلاله ومنحهم الإيمان، لكن إذا اختارهم فلا ينبغي، ولا يجوز، ولا يصح منهم، ولا يصح لهم أن يغادروا ذلك الموْقِع، مهما كانت الصعوبات فعليهم أن يصْبِروا {فاصْبِر لحُكْم ربِّك}.</p>
<p>هذا التوجيه في قصة سيدنا يونس عليه السلام {فاصبر لحكم ربّك ولا تكن كصاحب الحوت} لأنه ما صبَر لحُكْم ربّه، كلَّفَهُ الله بأن يبلغ لقومه، فما استجابوا، فتعِب منهم وضَجِر : دعا إلى الله، ثم دعا، ثم دعا، فما استجابوا فقنط وركِب السفينة كما تعلمون {فسَاهِم فكان من المُدْحضين فالتَقَمَه الحُوت وهو مُلِيم} أي أتى ما يُلامُ عليه.</p>
<p>ماهو هذا الذي يُلام عليه؟!</p>
<p>إنه مُغادرتُه موقع الدّعوة في قومه.</p>
<p>الله أرسله إلى هؤلاء فلْيقف عند هؤلاء. لا مُغادَرَة للموْقع.</p>
<p>ويجِبُ الصّبْرُ على حُكم الله، وذاك من حُكْم الله، كما قال عز وجل لموسى {فخُذْ ما آتَىْتُك وكُن من الشّاكِرِين}(الأعراف : 144).</p>
<p>13) لا تَضِقْ أيّها الدّاعي إلى الله تعالى بنظرة الكُفّار إليك : ولا تضِق بتهمتهم إليك، واعلم أن رسالتك عالمّيّةٌ :</p>
<p>هذه السورة خُتمت بقوله تعالى {وإنْ يَكادُ الذِين كَفَرُوا ليَزْلِقُونَك بأبْصَارِهِم لمّا سَمِعُوا الذّكر ويقُولُون إنَّه لمَجْنُون}.</p>
<p>في البداية كان {ما أنتَ بنعمة ربّك بمجنون} وفي الختْم كان {ويَقُولون إنّه لمجْنون، وما هُو إلاّ ذِكْر للعالَمِين}.</p>
<p>تصوّرْ رسول الله في هذه المرحلة، والقرآن في البداية، والدعوة في البداية، ومع ذلك الأفق يُفْتحُ على المُسْتوى العالمي {وما هو إلا ذِكْر للعالمين}!!!</p>
<p>أقول : عادة الإنسان عندما يرى نظرة الكفار إليه، أو نظرة الصادِّين، المحادين لله عز وجل، إليه يصيبه ضيق عظيم. والمقصود هنا بالنظرة : الموقِف كما يقولون اليوم أي من خلال موقفهم العنيد قد يُشهِّرون، قد يكتُبُون، قد يقُومون بأفعالٍ، قد يكيدون قد يتآمرون، أي لا يرْضون عنه، لا يُعْجبهم أمْرُه، يقولون فيه قولا، ينظرون إليه نظراً شَزراً، يحاصِرُونه&#8230;</p>
<p>كل هذا لا يَلْتفِت إليه، لا يضِيق به، ومهما اتّهَمُوا فلا تضق بالتّهم.</p>
<p>هذا التوجيه الذي يعطى لرسول الله  هو التوجيه الذي يعطى لكل مُبلِّغ عن الله عز وجل في أي زمان وفي أي مكان.</p>
<p>لا تضِق من نظرة الكفار إليك، مهْما كانت النظرة شديدة الحنق والحِقد، فالكفار كما صوّرهم الله تعالى من شدة غيظهم يكادُون يسقطون رسول الله  إلى الأرض بنظرهم الذي يتطاير منه الشرر {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبْصارِهم لما سمعوا الذكر}.</p>
<p>خلاصة هدى السورة</p>
<p>خـــلاصة الهدى في السورة ثلاثة أمور :</p>
<p>&gt; أولا : دين الله تعالى لمن أوتيه نعمة ربانية عظمى يجب شُكْرُها بالتحقق والتخلق بها والثبات عليها.</p>
<p>هذا الهدى الواضح من أول السورة إلى آخرها ولاسيما في القسم الأول من السورة، إذ يجليه أكثر من سواه. لكنه ممتد إلى نهاية السورة {فاصبر لحكم ربّك ولا تكن كصاحب الحوت &#8230;}.</p>
<p>الآن مع رسول الله، وبعده مَعَ أي مسلم، أو جماعة مسلمة، المهم الدين لابد من الدين، الدين خُلُق، الدين لباس يجب أن يُلْبس {ولباس التّقوى ذلك خير}(الأعراف : 26) الدين ليس كلاما، الدين فعل، الدين خلُق حسن يتخلق به العبد، وما لم يظهر الدين خُلقا فلن تكون دعوة، ولن يكون شكر، ولن يكون نصر، ولن، ولن&#8230;</p>
<p>&gt; ثانيا : الله جل جلاله يتولى أمر المجرمين المكذبين بالدين بكيده المتين، وعذابه المهين، دفاعا عن عباده المسلمين {أفنجعل المسلمين كالمجرمين}(القلم : 35).</p>
<p>بمعنى أن الجبهة المعارضة المخالفة للدين اللهُ يتولى أمرها حين يكون المسلمون قليلين ضعافا، كأن الله عز وجل يقول لرسوله  ولكل مؤمن ومؤمنة من بعده : أنا أكفيك همّ سواك، أنت عليك شيء واحدٌ هو ما قلتُ لك : فافْعَلْه وانتهى الموضوع.</p>
<p>إن العبد في بداية اتجاهه إلى الله عز وجل يأتيه الشيطان، ويزين له أشياء، ويخوفه من أشياء، ثم بعد ذلك تأتيه المشاكل من كل نوع، ولكن إذا صبر واحتسب وثبت، فإن الله عز وجل يكفيه كلّ ذلك {أليس الله بكاف عبده، ويخوفونك بالذين من دونه}(الزمر : 36) هذه النقطة مهمة جدا، أن يحسَّ المؤمن ويحسَّ المؤمنون بأن الله عز وجل معهم كما قال عز وجل لسيدنا موسى عليه السلام وسيدنا هارون {إذهبا إلى فرعون إنه طغى، قالا ربّنا إنّا نخاف أن يفْرُط علينا أو أن يطغى، قال لا تخافا إني معكما أسمع وأرى}(طه : 45)، نسأل الله عز وجل التوفيق.</p>
<p>&gt; ثالثا : الصبْرَ الصبْرَ لحكم الله، يامن اختاره الله لتبليغ دعوة الله.</p>
<p>والحمد لله رب العالمين</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%84%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة العلق</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%82/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%82/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 26 Sep 2010 06:06:25 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 272]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[العلق]]></category>
		<category><![CDATA[سورة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6325</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في سورة العلق د. الشاهد البوشيخي المفروض أن يكون كل قارئ لهذه النظرات قد رجع إلى مختلف التفاسير ليتعرف على معاني السورة حسب الطاقة لأنني ههنا لن أتحدث عن المعاني، وإنما سأتحدث عن شيء آخر زائد عن المعاني، هو هذا الهدى المنهاجي الذي يمكن أن يستفاد من هذه السور في زمننا [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في سورة العلق</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>المفروض أن يكون كل قارئ لهذه النظرات قد رجع إلى مختلف التفاسير ليتعرف على معاني السورة حسب الطاقة لأنني ههنا لن أتحدث عن المعاني، وإنما سأتحدث عن شيء آخر زائد عن المعاني، هو هذا الهدى المنهاجي الذي يمكن أن يستفاد من هذه السور في زمننا هذا في ظرفنا هذا.</p>
<p>وسورة العلق من أول ما نعمل -بحول الله وقوته- على تلمُّس الهدى المنهاجي فيها. ومن الأمور التي يمكن استفادتها من هذه السورة ما يلي :</p>
<p>أولا : أول الطريق القراءة باسم ربنا، فبلا قراءة لا علم، وبغير اسم ربنا لا قدرة ولا انتفاع أي الإبصار بعين الوحي وميزانه :</p>
<p>وذلك مما يستلزم :</p>
<p>- أن التفوق في العلم بلغة اليوم هو الخيار الاستراييجي والطريق المعبد للإمامة الحضارية.</p>
<p>- أن الإصلاح يبدأ من الأفكار قبل الأعمال، ومن الباطن قبل الظاهر، ومن الأصل قبل الفرع، ومن الفرد قبل الجماعة..</p>
<p>- أن التبرؤ من الحول والتوكل على الله الذي ليس إلا منه الحول وهو رأس الحول.</p>
<p>ويستفاد هذا الأمر من مطلع السورة الذي هو أول ما نزل من كتاب الله عز وجل.</p>
<p>فأول الطريق ليكون الإنسان مسلما، مؤمنا، صالحا، مصلحا، هو القراءة باسم الله، باسم ربنا، أي الإبْصَار بعَيْن الوَحْي وميزَانِه. فبلا قراءة لا عِلم، وبغير اسم ربِّنا لا قُدْرة ولا انتفاعَ.</p>
<p>ومعنى هذا الكلام : أني إذا أردت أنا الفرد أن أكون مؤمنا حقا من أين أبدأ؟ هل أبدأ بأن ألبس جلبابا أو أضع حزاماً أو عمامة أو أي شيْء آخر. لا.</p>
<p>البدءُ أولا يكون بالعلم، بالعلم الشرعي، لأنه لا يحل لامرئ مسلم أن يُقْدم على أمر حتى يعْلَم حُكْم الله فيه.</p>
<p>ولكن الآن ونحن في هذه النقطة بالذات نقطة من أين بدأ الله عز وجل بعبده محمد  الذي أراد منه أي يكون معَلِّم البشرية كلها، لقد أراد منه ألاَّ يُعلِّم حتى يتعلم هو، وحتى يعْمَل بما يعْلَم، أي حتى يتحقَّق مما يعلم، ويتخلَّق بما يعلم.</p>
<p>فمن أين يكون البدء إذن؟ البدْءُ من العلم، هذا أوّل الطريق للفرد رجلا كان أو امرأة يجب أن يبدأ التحوُّل فيه بالعلم، أي يجب أن يبدأ بتحويل نفسه انطلاقا من العلم، والعلم المطلوب علم الوحي. هذه هي النقطة التي منها البدء. ينْبغي ألاًّ نتَّجِه أيَّ وِجهة أخرى، ينْبَغي أن لا نعكس الأولويات، أوْ أن نأتي إلى بعض التفاصيل أو إلى بعض الأعمال فنُقدِّمها على العلم الصحيح.</p>
<p>والعلم الخالص الصافي : هو عِلْم الوحْي الذي يجب أن نرتَوِيَ منه إلى أقصى ما نستطيع، إنه هو الأول قبل كُلّ شيء.</p>
<p>هذه نقطة مركزية أساسية في السَّيْر، اختارها الله تعالى لرسوله ، واختارها الرسول  لأصحابه ذكوراً وإناثاً واختارها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لأبنائهم وأحفادهم، واختارتها الأمة على مرِّ التاريخ فلا ينبغي أن يطرأ على هذه الحقيقة أي اختلال، سواء بالنسبة للسيّر الفرْدِيّ، أو السّيْر الجماعي، لأن الخطاب القرآني وإن كان متجهاً إلى فردٍ واحدٍ هو محمد  فالمقصود به أيضا الجماعة، والأمة والدّولة.</p>
<p>ومن مُسْتلزمات هذه النقطة الأولى التي هي أولى الأولويات في حياة الفرد والجماعة والأمة والدولة الإسلامية :</p>
<p>1- أن التفوق في العلم هو الخيار الاستراتيجي ليعود المسلمون إلى التاريخ، وتعود الأمة سائدة قائدة رائدة، أي عندما تريد أن تكون حيث وضعها الله تعالى في الموقع الطبيع يلها الذي هو الشهادة على الناس، وذلك إنّما يكونُ بالعلم. إن التفوق في العلم بلغة اليوم هو الخيار الإستراتيجي، والطريق المُعَبَّدُ للإمَامَة الحضارية.</p>
<p>ومعنى هذا أن أكبر حظ في مِيزانية الدولة ينبغي أن يتجه إلى العلم، وإلى تكْوين الأطر العلمية، فإن ذلك ينبغي أن يُقَدّم على ما سواه في الأمة الإسلامية، كما أن البحث العِلْميّ ينبغي أن تكون له الميزانية الضّخمة التي لا تُعَادِلها ميزانية أخرى لأن العلم له الريادة، فالعلمُ هو الذي يشُقُّ الطريق في الصخر، والعلم هو الذي به يتم الإبتكار، هو الذي به يتم تعبيد الطريق تجاه التفوق، تجاه الإمامة الحضارية، إذ لا يمكن لأمَّةٍ أن تنطلق تجاه المسار الصحيح الذي يؤهلها لأن تدرك ما سواها وتتَفَوَّق عليه، بدون علم. لهذا كان الانطلاق من العلم هو الخيار الإستراتيجي. هذا الخيار لن تندم الأمة إذا دفعت فيه أقصى ما تستطيع، لأنّه الشيء الذي ينْبني عليه ما سواه. وهو لا ينْبني على سواه.</p>
<p>2) النقطة الثانية من مستلزمات الانطلاق من العلم : أن الإصلاح يبتدئ من الفكر وليس من السلوك، السلوك تابعٌ لما في القَلْب، لما في العقل، سَمِّهِ ما شئت، المُهِم البدْءُ من الداخل الذي يسميه بعضُهم : التصوُّر، ويسميه بعضهم بالعقيدة أو ما شاء أن يُسَمِّيه، المُهم تلك الأمور التي تكون في الداخل، نوع الأفكار التي عندك في الداخل هي التي ينبغي أن يطْرأ عليها التّصْحيحُ أولا. لأن السلوك ينبني على ما هُنالك من فكر، فالفكْرُ الأعوجُ يُعْطي السُّلُوك الأعوجَ. والفكر الصحيحُ يعطي السلوك الصحيحَ، والتصَوُّر الصحيحُ ينتُجُ عنه السلوكُ الصحيح، ولذلك فالعملُ تابعٌ للعلم ولا عكس، ولذلك أقول : الباطنُ مقدَّمٌ على الظاهر، وهذا واضح في قول رسول الله  : &gt;ألاَ وَإِنّ في الجَسَدِ مُضْغَة إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّه، ألاَ وَهِي القَلْب&lt; لأن {اقْرَأْ} لا تخاطبُ الأنْفَ، أو الأذْن، أو الرِّجل، ولكنها تخاطب القلب البشري الذي تُحْدِثُ فيه التحوّل، تخاطبُ باطن الإنسان، على حسب ما يقع في هذا الباطن من تحوُّلٍ من الفساد إلى الصلاح، من المرض إلى الصحة يكون التحوُّل بعْدُ في السلوك، وعلى حسب الرُّسوخ الذي يقع في هذه الحقائق الصحيحة يكون الثباتُ في الخارج عند الابتلاء.</p>
<p>3) ومن مستلزمات النقطة الأولى كذلك : البَدْءُ بالأصل قبل الفرع.</p>
<p>فالفردُ أصل، والجماعة فرع، لأن الجماعة مكوّنة من أفراد، والدولة مكونة من أفراد، والأمة مكونة من أفراد، وهكذا، وكذلك الفرد مكوّن من قلب وجوارح، فإذَنْ دائما الأصْل يقدَّم على الفرع لأننا حين نصلح النقطة المركزية تلقائيا ينصلح ما سواها تبعاً لها، فإذن إصلاح الفرد هو الذي يتَّجِه له الأمر أولاً، ثم إصلاح الأُسر والجماعات يأتي تلقائيا، ثم الأسرة الصالحة والجماعة الصالحة تصبح أصلا لما يَتْلُو بعد من كُتَلٍ، وكُلُّ كُتْلَة تكون نواة لغيرها تُعتَبَرُ أصلا لغيرها وفرعاً عن أصلها، فدائما نِظامُ الأولويات يحْكُمه هذا المبدأ : &gt;الأصْلُ قبل الفرع&lt; والأصْلُ الأول قبل الأصل الثاني، والأصل الثاني قبل الثالث، والثالث قبل الرابع وهكذا وهكذا.. ولذلك كان الخطاب لرسول الله  ليقرأ ويُقرئ غيره، ويعْلَم ويُعلِّم غيره.</p>
<p>4) ومن مستلزمات اقرأ باسم ربّك : التبرُّؤ من كل حَوْل وطوْل، هذه نقطة مهمة جدّاً، لأن الأمْر بالقراءة ليس أمراً تكْليفيا بما لا يُسْتطاعُ، فالرسول  لم يكن متعلما القراءة حتى يقرأ شيئا مكتوبا، ولكنه أمرٌ تكوينيٌّ، أي &gt;صِرْ قَارئا&lt; بحول الله وقوته.</p>
<p>لأن المفعول حين يُحْذَف يكون التركيز على الفعل، وهنا حُذِف المقرُوء، فكان التركيز على فعل القراءة، أي &gt;كُنْ قارئاً&lt; باسْم ربّك، لتكون قراءتك باسم ربك -وأنت أُمِّي- من أعظم المعجزات الدّالة على نبوتك، ويكون إقراؤك لأمتك وتزكيتُها بالعلم الرباني لتصبح خير أمة من أعظم معجزات الوحي الصانع لأمة فريدة في التاريخ الحضاري.</p>
<p>وهذا التعبير {اقرأ باسم ربّك} يراد منه أمران كبيران لابد أن نستصحبهما باستمرار، وهما : الاستئذان، واستمداد الحوْل، كأنك تقول : أستأذن الله تعالى وأتوكل عليه، أي لا أمارس فعل القراءة إلا بعد استئذان الله، ولا أمارسه بحولي، ولكن أمارسه بحول الله وقوته وقدرته.</p>
<p>وإذا كان من المعلوم تاريخياً أن الأحكام كانت تصْدُر باسم الكاهن، أو الساحر أو ما أشبه، فإن الواقع أيضا يعرف أحكاما تصدر باسم مجلس الثورة أو باسم رئيس الجمهورية أو ما أشبه. فالتعبير إذن هنا {باسم ربك} يُرادُ منه تصحيح هذا.</p>
<p>وفي مقامنا هذا، ما أمرت به الشريعة يجب أن نُقْدم عليه متوكلين على الله وحده كائنا ما كان، لا عَلى حوْلنا ولا على قوتنا إذ لا حول لنا ولا قوة مهما أعددنا.</p>
<p>وهذه النقطة مركزية، خصوصاً وأن الله تعالى علّم المسلمين درساً من حُنَيْن في ظروف صعبة حيث قال لهم : {ويَوْمَ حُنَيْن إِذْ أعْجبَتكُم كثرتُكُم فلَمْ تُغْنِ عنْكُم شَيْئا}(التوبة  : 25) التفات القلب إلى غير الله يجْلُب الهزيمة. فقلبُ المؤمن لا ينبغي أن يتوكل إلا على الله، وألا يتجه إلا إلى جهة واحدة لا شريك لها هي جهة الله جل جلاله وإنْ أعَدَّ ما أعَدَّ، وإن أعْدَدْنا ما أعْدَدْنا أفراداً، أو جماعة أو دولة أو أمة. قال الله تعالى {وأعِدُّوا لهُم ما اسْتَطَعْتُم من قوّة}(الأنفال : 61) ولكن مع الإعداد لابد من التوكل على الله، لأن التوكل هو القوة التي لا قوة فوقها.</p>
<p>هذا الر سول  لم يكن قارئا {ومَا كُنْت تتْلُو مِن قَبْلِه من كتاب ولا تخُطُّه بَيَمِينك إذاً لارْتَابَ المُبْطِلُون}(العنكبوت : 48) ولكنه صار قارئا بحول الله وقوته.</p>
<p>ثانيا : أول العلم العلم بربنا : خالقًا ومعلِّما لنا ثم العلم بالإنسان (من حيث هو انسان) مخلوقا ومعلّما من ربنا :</p>
<p>وذلك مما يستلزم :</p>
<p>- ذكر نعم الله تعالى طريقا للعلم به والخشية له وعلى رأس تلك النعم نعمتا الخلق والتعليم.</p>
<p>- تركيز الاهتمام بالانسان لتميزه موقعا وتكريما وتعليما.</p>
<p>- التعليم أكبر مظهر للتكريم.</p>
<p>العلمُ مهمُّ، ولكن أيّ عِلْم نطلب أولا؟ هل هو علمُ النحو؟ هل هو علم الفزياء؟ هل هو علم الفلك؟ العلم الأول الذي به تتم الرؤيا ويستطيع البصر أن يبصر الحقيقة، هو العلم بالله جل جلاله، لأن المسألة لها علاقة بشيء مركزي إذا تحدد ذلك الشيء تحددت التوابع، وإذا لم تستقر الحقيقةُ الضخمة كُلُّ الأمور الأخرى لن تأْخُذ مواضعها. فأول نقطة يجب أن تستقر في موضعها استقراراً تاما هي العلم بالله لأننا نجد أن الله جل جلاله في الآيات الخمس الأولى، لم يتحدثْ عن شيء، غير الله سبحانه، قال {اقْرَأْ باسْمِ رَبِّك} بمجرد أن ذكر {ربِّك} ليس بعدها إلا التعريف بهذا الرب، الذي خلق، خلق الإنسان من علق، هذا الرّبُّ الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.</p>
<p>ماذا في هذه الآيات؟ ما هو هذا الشيء الذي له الصدارة في هذه القراءة أو في أمْر العلم، أو في أمْرِ التعلم، أو في أمْر التعليم، إنّه أساساً العلمُ بالله جل جلاله، وبالتحديد العلمُ بربنا الذي لم يَرِد في القرآن إلا مضافاً {ربنا} {ربكم} {رب العالمين} للإشعار دائماً بعظمة الإنعام الرباني على كل شيء في الوجود وبالأخص نعمتي الخلق والتعليم بالنسبة للإنسان. الأولى فيها وجوده، إذ لو لم يُخْلق لم يوجد، والثانية فيها سر قدراته كلها، كل ما يفعله عُلِّمَه من قبل المعلِّم الذي هو الله جل جلاله {الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بالقَلَم علَّم الإنْسَان ما لَمْ يَعْلَم} علّمه بالقلم وبغير القلم. ولكن الله تعالى أبْرَزَ أداةَ التعليم بالقلم، لأن القلم كان وما زال سبب ما اكتسبه الإنسان من علوم ومعارف على مرّ العصور.</p>
<p>ورصيدُ الهدى الذي تفضل الله به علينا من خلال العلم الذي تعلمناه من الوحي بالقلم وبغير القلم، هذا العلم كان هو سر نهوض الأمة سابقا، وكان هو سر سيادة آدم وبنيه على سواه قبل ذلك. {أتَجْعَلُ فِيها منْ يُفْسِد فِيها ويَسْفِك الدّماء ونحْنُ نُسَبِّح بحمْدك ونُقَدِّسُ لك، قَال إنِّيَ أعْلمُ مَالاَ تعْلَمُون، وعَلَّم آدم الأسماء كلّها}(البقرة : 29- 30) فهذا التعليم لآدم هو أسرار الخلافة {إنِّي جاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفة}(البقرة : 29).</p>
<p>وإذا كان الله تعالى أبرز في أول آيات المطلع نعمة الخلق مطلقاً فإن التركيز جاء بعد ذلك على الإنسان بصفته مخلوقاً ومعلّماً من ربِّه الأكرم.</p>
<p>فإذن هناك أمران كبيران لابد من العلم بهما كما ينبغي :</p>
<p>- الأمر الأول هو الله جل جلاله، وهو عنوان هذا المعنى، هو عنوان على جميع العلم الذي جاء من عند الله، فإذن العلم بالملائكة وبالكتب والقدر وبالرسل والآخرة، العلم عموما الذي جاء من عند الله عز وجل داخل في العنوان الأول.</p>
<p>- والأمر الثاني العلم بكل ما له صلة بالإنسان تسخيراً وتيسيراً وتدبيراً كله أيضا داخل في العنوان الثاني، الذي هو العلم بالإنسان، الذي سخر الله تعالى له الكون بأجمعه {ألَمْ تَرَوا أنّ اللّهَ سَخَّر لكُمْ ما فِي السماوات وما في الأرض}(لقمان : 19) فحين نعلم الإنسان، ووظيفة الإنسان، وموقع الإنسان، وما هو الإنسان، تلقائيا يستلزم أن نعرف ما سُخِّرَ لهذا الإنسان ونتجه إلى أن نعرف كيف سُخِّر ما سُخِّر، وكيف نُسَخِّر ما سُخِّر لهذا الإنسان.</p>
<p>فهذه هي النقطة الكبيرة والمهمة، فما أهميتها بالنسبة للفرد؟!، بالنسبة للجماعة، بالنسبة للأمة؟! أو للدولة بصفة عامة؟!، أهميتها بالنسبة للفرد والأمة والدولة هي أن يضع الكل في حسابه أولَويّات العلم، والعلم الشرعي لا سواه، العلم الشرعي هو رأس الأمر، ورأس العلم الشرعي هو الوحي، ورأس الوحي هو كتاب الله تعالى، هذه حقيقة ضخمة، كلية أساسية مهمة، يجب أن تكون في غاية الوضوح ويجب أن ننطلق منها أفراداً وننطلق منها أسراً وجماعات ودولاً وننطلق منها أمة.</p>
<p>داخل هذا الإطار -إطار العلم الشرعي- يأتي العلم بالله جل جلاله كأي معلومة تقدم على سواها، لأنك حين تعرف الله يصغر عندك كل ما سواه ولا يكبر إلا هو وتنتهي أهمِّيةُ ما سواه، بل تبقي أهمية ما سواه بقدر ما أعْطَاه الله تعالى من أهمية، وإذّاك تبتدئ العبديّة، وإذّاك تبتدئ العبودية، وإذّاك تبتدئ العبادة على وجهها الصحيح، وإذّاك يتبدئ الوجود الإيماني الحقيقي للعبد.</p>
<p>قبل أن يتم هذا الاتصال المباشر بالله جل جلاله كما عرف نفسه بنفسه في كتابه، لا إيمان ولا عبديّة ولا عبادة، أي لا عبادة -على الحقيقة- لله قَبْل معرفة الله تعالى على وجْه اليقين.</p>
<p>فإذن عندما نفكر في أن نعرف الناس بالله يجب أن نعرفهم به عن طريق كتابه أي عن طريق الآيات المتعلقة بالتعريف بالله جل جلاله كهذه الآيات نفسها وأشباهها في كتاب الله تعالى وذلك هو التوحيد الحقيقي، التوحيد أو الإيمان يؤخذ من الآيات المتعلقة بالله جل جلاله، ومن الآيات المتعلقة باليوم الآخر، بالملائكة، بالرسل، بالكتب، بالقدَر. ما أشد خَيْبَتَنا وخسراننا حين تركنا القرآن جانبا أو نُزَيّن به الجدران، أو نطبعه، ونوزعه مزينا منمقا والمطلوب أن يسكن القلوب. هذا المطلوب هو الذي فعله الرسول  كتَبَه في القلوب، ورسَّخه في الأعمال، هذا هو المنهاج.</p>
<p>وهذه النقطة الثانية تستلزم :</p>
<p>1) تذكُّر النّعم للوصول للعلم بالله عِلْماً يورّث الخشية منه لأن العلم الذي لا يورث الخشية ليس بعلم أبداً.</p>
<p>2) تركيز الاهتمام بالإنسان لتميزه موقعا وتكريماً وتعليما، لأن الإنسان هو الأساس في النجاح أو في الفشل في أي خطة، أو عمل، أو في أي شيء، وبإصلاح الإنسان اشتغل الرسل، لم يشغلوا بتأليف الكتب عليهم السلام، وإنما اشتغلوا بتأليف الرجال، اهتموا بالبشر، بالتحويل اللازم لبني آدم من الفساد إلى الصلاح لوضع نماذج بشرية صالحة راضية مرضية عند الله تعالى في الواقع العملي وبعد ذلك فليبلغ الشاهد الغائب.</p>
<p>هذا محل التحدي عمليا، فلذلك الإنسان هو المحور، في أي عملية إصلاح، في أي عملية يراد القيام بها ينبغي التركيز أولا على العنصر البشري فيها. فيا خيبتنا ويا خسارتنا يوم نرى أن الثروة البشرية تصير عندنا أهون من الثروة الحيوانية، وأهون من الثروة المعدنية، ونرى البشر يتسكع في الطريق ونراه يقتل الوقت ويقتله الوقت وكائنات بشرية كثيرة لا تعرف ما تصنع ولا تعرف ماذا يصنع بها، مع أن تلك الكائنات نفسها إذا فُعِّلت التفعيل الصحيح وأُوقِد فيها السِّرُّ الذي يفعّل الإنسان، إذا خولطت كينونتها بالوحي فإنها تصير خلقا آخر، وتفعل في التاريخ العجب العجاب كما فعله العرب في الجزيرة العربية، فعلوه في التاريخ في شرق الكرة وجنوبها وغربها، مع أنهم كانوا أعرابا بداة لا يكادون يفقهون شيئا، ومع ذلك صنعوا ما صنعوا بالوحي لا بسواه، فانظر إلى أثر هذا العلم في النفوس، هذا العلم الذي يعتبر أكبر مظهر للتكريم بعد الخلق.</p>
<p>وهَلْ تميَّز آدمُ و بنوه إلا بهذه النقطة؟! نقطة  التعليم الذي علمه الله عز وجل، إن أكبر ما تميَّز به آدم وبنوه، هو العلم والتعليم وما يندرج تحتهما من تفاصيل جزئية لا تخرج عن دائرة العلم والتعليم.</p>
<p>ثالثا : الطغيان أبرز أدواء الإنسان، وفي توهم الشعور بالاستغناء سر الداء، وفي الاستيقان بالرجوع إلى ربنا سر الدواء :</p>
<p>وذلك مما يستلزم :</p>
<p>- ملازمة الشعور بالافتقار إلى الله تعالى.</p>
<p>- ملازمة ذكر الموت والآخرة والرجوع إلى الله تعالى.</p>
<p>- ملازمة الوقوف عند حدود الله تعالى وعدم التعدي.</p>
<p>المقطع الموالي من قوله تعالى : {كلاَّ إنّ الإنسان ليَطْغَى أن رَآهُ اسْتغْنَى} إلى قوله تعالى : {إنّ إلَى ربِّك الرُّجْعَى} يستفاد منه حقيقة أن الطغيان أبْرزٌ أدْواء الإنسان وأن توهُّمِ الشعور بالاستغناء، هو سِرُّ الدّاء. وأن الإستيقان بالرجوع إلى ربنا هو سِرُّ الدّواء.</p>
<p>هذه الآيات فيها ذكر المرض، وفيها سَبَبُ المرض، وفيها الدَّواء لهذا المرض. مع أنها آيات صغيرة {كلاّ إن الإنسان ليطْغى أن رآه استغنى إنّ إلى ربِّك الرّجْعى} ومع ذلك تضمنت هذه المعاني الكبيرة.</p>
<p>{كلاّ إن الإنسان ليطْغى} الدّاءُ الخطير الذي إذا أصاب فرداً أو جماعة سبّبَ البلاء العظيم ومنه يأتي كل بلاءٍ، إنه الطغيان، فما هو الطغيان؟ الطغيان بصفة عامة هو تجاوُزُ الحَدِّ، والله تعالى ضبط الأمور، وحَدّ الحدود ثم قال : {تِلْك حدُودُ اللَّهِ فلا تعتدوها}(البقرة : 227) وقال أيضاً : {فلا تقربوها}(البقرة : 186)، هناك أمور منظمة : لكل جزء فينا حدُود، للسمع حدودٌ، للنظر حدود، للكلام حدودٌ، للفرج حدودٌ، للبطن حدودٌ، إلى غير ذلك.</p>
<p>الحدود حدّها الله في كل مجال فمن تجاوز الحدّ فقد طغى، أيُّ تجاوُزٍ هو طغيان، الإنسان بصفة عامة هِوَايَتُه الطغيان أيْ تجاوز الحدود بالنسبة للآخرين بالدرجة الأولى، وبالنسبة للنفس.</p>
<p>هذا الداء سبَبُه توهُّمُ الاستغناء {أن رآه استغنى} هل الإنسان يستغي؟ مستحيل، لا يوجد المستغني الكل مفتقر بشَكْل من الأشكال. من لديه شيء ليس لديه شيء آخر. ولكن الاستغناء هنا هو الشعور بالاستغناء عن الله فهُوَ مستقلٌّ بنفسه فالذي {قالَ أنَا رَبُّكم الأعْلَى}(النازعات : 24) كان يحتاج إلى الله؟ ولكنه في نظر نفسه لا يحتاج إلى الله جل جلاله فـ{أن رآه استغنى} معناها تخيُّلُ الاستغناء، فالقرآن في غاية الدقة بمعنى أن الاستغناء مستحيل. لا أحد يستطيع الاستغناء، إذن ما الذي يبقى؟ يبقى توهُّم الاستغناء، لأنّ الإنسان يرى نفسه أنه قد استغنى، هذا التوهُّم هو سرُّ البلاء، أما سر الشفاء فهو هذا الدواء {إنّ إلى ربِّك الرّجْعى} إذا تذكّر بأَنّه عائد إلى ربّه حقيقة حصل له اليقين بالضُّعف الذي يمكن أن يُوقظ الضمير الميت.</p>
<p>هذا الكلام يساوي حقيقته الأخروية والدنيوية، حين تقول {إن إلى ربّك الرّجعى} فإن إلى ربك الرجعى. ويجب أن تصير في القلب إلى الحد الذي يحدث لك الزلزال في كيانك، لأنه إذا حدث هذا اليقين قطعا يتم التوقف عن الطغيان.</p>
<p>هذا العلمُ اليقينيُّ هو الذي يحدث السلوك الحقيقي لذلك قــال الـرسول  : &gt;لا يزني الزاني حين يزني وهو مومن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مومن&lt; معناه لا يكون في تلك اللحظة لديه الحضور اليقيني للمعلومة أن الله سيأخذه وأن هذا سيؤدي به إلى عذاب عظيم لا يخطر له على بال، إذا كان الإنسان لا يطيق أن يضَع أصْبعه على شمعة موقدة فكيف يطيق جهنم، وكيف يطيق الخلود فيها؟ وكيف يطيق الاحتراق الدائم؟ {كُلَّما نضِجَتْ جلُودهم بدّلناهم جلوداً غيْرها ليذُوقوا العَذَاب}(النساء : 55) المشكلة أننا نتعامل مع الألفاظ تعاملا عاديا بارداً لا ينتج ثماراً ولا انتهاء عن الطغيان.</p>
<p>فهذه النقطة : أن الطغيان هُو أبْرزُ أدواءِ الإنسان هي التي وُضَعِتْ الآن في البُؤْرة باعتبارها سِرّ الأدْواء التي تُهْلِك النفس، وتهلك الأُسَرَ والمجتمعات، والمطلوب {فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَنْ تَابَ معَكَ ولا تطغوا}(هود : 112) لكيْ لا يكون طُغْيان أبداً {ولا تَطْغَوْا فِيه فَيَحِلَّ عَلَىْكُم غَضَبِي ومَنْ يَحْلل عليهِ غَضَبِي فقد هوَى}(طه : 79) ولا تطغوا، هذه نقطة مركزية {كلاّ إنّ الإنسان ليطْغَى} ومتى يحْدُث ذلك {أنْ رَآه اسْتَغْنَى} بشكل من الأشكال والإستغناء عن الله أخطر الاستغناءات، ورأس البلاءات وهو يحدث للكفار الخُلَّص الذين شُرِحت صُدُورهم للكفر ويتبع الكفار من استغنى بسبب جاهه، أو ماله، أو علمه، أو أي شيء يتوهَّم أنه غير محتاج للآخرين، وليتخلص من ذلك حقا عليه أن يعلم علما يقينيا أنه محاسبٌ ومؤاخذ.</p>
<p>ومما تستلزم هذه الحقيقة ثلاثة أمور :</p>
<p>1) ملازمة الشعور بالإفتقار إلى الله تعالى مع التبرؤ من كل حول وقوة &gt;فلا حول ولا قوة إلا بالله&lt; هذه كلمة جامعة مانعة في بابها مع مصاحبة الاستئذان الدائم من الله تعالى، فإذا لم يأذن لك با لكلام فلا تتكلم، وإذا لم يأذن لك بالنظر فلا تنظر، وإذا لم يأذن لك بالسير فلا، وإذا لم يأذن لك بالتفكير فيما لا يرضاه فلا تفكر فيه.</p>
<p>فملازمة الشعور بالافتقار لله عز وجل هي عين الهدى المنهاجي العاصم من الطغيان.</p>
<p>2) ملازمة ذكر الموت والآخرة وذكر الرجوع إلى  الله تعالى {إنّ إلى ربِّك الرُّجْعى} يجب أن نتذكر ذلك باستمرار لأنك في كل لحظة قد تنتقل، إذا أصْبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، هذا الشعور يجب أن يكون، ليكون المومن مستعداً للقاء ربه في أي وقت.</p>
<p>فملازمة الذكر للآخرة والرجوع لله تعالى ضروري أيضا في ضبط نبض القلب البشري الإيماني، كالأمر الأول الذي هو الشعور بالافتقار.</p>
<p>3) ومن مستلزمات ذكر الرجوع لله الوقوفُ عند حدود الله تعالى وعدم التعدي، هذه نقطة في  غاية الأهمية فلكل شي ء حدٌّ يجب عدَم تخطِّيه وتجاوزه.</p>
<p>رابعا : الله تعالى يتولى الدفاع بنفسه عن عبده إذا استجمع ثلاثة شروط :  إذا صلى، وكان على الهدى، وأمر بالتقوى :</p>
<p>أي إذا كان موصولا به في قلبه/سائرا على هداه في حياته/ داعيا  غيره إلى تقوى ربه.</p>
<p>{أرايْت الذي ينْهى عبداً إذا صلّى، أرايْت إن كان على الهُدَى أوْ أمَرَ بالتٍّقْوى أرَايْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلَّى ألمْ يعْلمْ بأنّ اللّه يرَى} الله تعالى يتولى الدفاع بنفسه عن عبده إذا استوفى ثلاثة شروط :</p>
<p>1) إذا صلَّى صلاة حقيقيّة نطمح إليها، صلاة فيها ارتباط بالله تعالى، يناجي فيها ربه، يغيبُ عن الكون من حوله، يقع له الاتصال المباشر كأنه يتكلم مع الله محققا قول الله تعالى {وأَقِم الصّلاة لذِكْرِي}(طه : 13). فإذا كان أولُ العلم العِلْم بالله تعالى، فإن الصلاة أولُ تطبيق لهذا العلم، عِلم الخشية من الله، علم التضرع لله، علم الاعتماد على الله تعالى وحده إنه العلم الذي به تحول العرب، وبه حولوا العالم، به تعلموا كيف يركعون ويسجدون لله وحده، ولا يلتفتون إلى غيره أبداً، به حَوَّلُوا التاريخ، وحوَّلُوا الناس من الخضوع لغير الله إلى الخضوع لله تعالى وحده.</p>
<p>إن علم الخشوع والاستكانة لله تعالى في الصلاة أشرفُ العلوم على الإطلاق ولذلك كانت عمود الدّين، فإذا سقط العمود سقطت الخيمة، وإذا انهار العمود انهار البناء، فمن الصلاة بدأ المسلمون الأُولُ تعْبيد الطريق للتمكين، ومنها ينبغي أن يَبْدأ الطريق من جديد، ولهذا نحن نحتاج إلى أن نُصَلِّي من جديد. نعم نحتاج إلى أن نصلي لأننا لم نُصَلِّ، فنحن مثل ذلك الصحابي الذي قال له الرسول  : &gt;صَلِّ فإِنَّك لمْ تُصَلِّ&lt; ولأهمية الصلاة نرى في السورة أن الله تعالى جعلها الصفة الحقيقيّة للعبديّة الحقيقيّة المتمثلة في هيأة الصلاة الخاشعة {أرَايْت الذِي ينْهَى عبْداً إذا صلى}.</p>
<p>2) الشرط الثاني أن يكون  مستقيما على أمر الله تعالى في كل شؤون الحياة {أرَايْت إنْ كَان على الهُدَى}.</p>
<p>3) الشرط الثالث أن يكون داعياً غيره إلى الصلاح :  لَيْسَ مُصلحاً لنفسه فقط، وليس مُحوِّلا لنفسه فقط، ولكنه عبد أصلحَ نفسه ودعا غيره إلى الصلاح، فهو صالح مصلح، ومُهتدٍ وهادٍ، ومُصَلٍّ وآمراً غيره بالصلاة {أوَ أمَر بالتّقْوى}، حين يكون العبد مصليا مستقيما على الهدى داعيا غيره إلى الهدى والصلاح يتولاه الله تعالى ويرعاه ويحميه ويدافع عنه سبحانه بنفسه.</p>
<p>فهذا هدى منهاجي واضح.</p>
<p>خامسا : دفــاع الله تعالى عن عبده يكون بأمور :</p>
<p>الهدى الذي يليه نأخذه من هذه الآيات {أرَايت إن كان على الهُدى أو أمر بالتقوى أرايت إن كذّب وتولى ألم يعلم بأن الله يرَى كلاّ لئن لم ينْته لنسفعن بالنّاصية ناصية كاذبة خاطئة، فليدع ناديه سندع الزّبانية}، وذلك يكون بـ :</p>
<p>1- فضْح لطُغْيان الطاغي، بدون ذكر اسمه، لأن القرآن صاغه الله تعالى بصورة نموذجية لا يحدها زمان ولا مكان، حيث هَجَم هذا الطاغي على عبد صالح بدون مبرّرٍ أو ذنب اقترفه العبد الصالح.</p>
<p>2- بيان اتصاف عبده بكل ما يقتضي الاحسان إليه بدل الإساءة إليه.</p>
<p>3 &#8211; تخويف الطاغي عليه برؤية الله تعالى لامحالة :</p>
<p>في الآيات تعجيب من شناعة فعل الطاغية الذي هجم على العبد الصالح حين تلبُّسه بفعل الصلاة، الذي هو أشرف فعل، وأزكى فعل، فبدل الإحسان إليه وإكرامه يُسيء الطاغية إليه.</p>
<p>إنه دفاع يورث الرعب والزلزلة في كيان كل طاغية كافر، ويورث الاطمئنان في نفس كل عبد صالح. هذه مرحلة.</p>
<p>المرحلة الثانية : أن هذا الطاغية إن تمادى ولم يتُب ولم يرتدع تأتي مرحلة أخرى فيها ثلاث مراحل :</p>
<p>1) التهديد بالأخذ المباشر {كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية} والسفع في اللغة العربية هو الضرب بالنار حتى يُحْدِث سواداً يكون من النار أو من حِدّة حرارة الشمس، {لنسفعن بالناصية} لأن تلك الناصية هي مَكْمَنُ التكبُّر، في الطاغية وهي في الأصل ينبغي أن تكون مكمَن الخضوع والسجود والطاعة.</p>
<p>2) ثم بعد ذلك الهُجُوم على الطاغية بالقول المباشر {ناصية كاذبة خاطئة} هذا سبٌّ وقَذْفٌ وهجوم مباشر.</p>
<p>3) وأخيرا التحدي {فليدع ناديَه} فليدع جماعته وأتباعه، فإذا فعل فإن الله سيأخذه أخذاً مباشراً، والأخذ المباشر سيكون على أشكال متعددة لا يعلمها إلا الله تعالى، ولكن المذكور في هذه الآيات شكلان كبيران هما :</p>
<p>أ- السفع بالناصية، وسفعها تلويحُها بالنار، وإحراقها بالنار وتسويدها بالنار مقابل عُلوِّها وتكبرها عن الخضوع لله، ومقابل تهديدها للناصية العابدة الساجدة، ناصية العبد الصالح ومقابل توهّمها الاستغناء عن الله بشيء قليل من المال، والصحة، والأولاد، والأتباع.</p>
<p>فالناصية التي يجتمع فيها كل تلك الاستغناءات المتوهَّمة، هي ناصية كاذبة خاطئة.</p>
<p>ب- دعوة الزبانية خزنة جهنم للإسراع بالطاغية إلى مصيره ومستقره، وبيس المصير والمستقر.</p>
<p>وإذا ائْتَسَيْنا بفعل الله تعالى يجب أن يتدخل الإعلام لصالح أهل الإيمان، فيظهر أن ماهُمْ عليه هو خير ما يكون عليه بشر، وأن ما يُفعل بهم هو أسوأ ما يمكن أن يُفْعل ببشر مستقيم على الهُدَى.</p>
<p>ثم يقع الوعظ والتذكير بالله تعالى، ثم التخويف من عذابه.</p>
<p>سادسا : واجب عبد الله تجاه أي طاغية ينهاه عن فعل ما أمر به الله عز وجل هو :</p>
<p>- عدم الطاعة له</p>
<p>- والسجود لله</p>
<p>- والاقتراب من الله.</p>
<p>وبعد ذلك يأتي الهدى النهائي الموجّه إلى العَبْد الصالح.</p>
<p>أي ماذا ينبغي أن يفعل عَبْدُ الله إذا وُوجه بكل هذه المشاكل ووُوجه بهذا الطغيان، ووقع الهجوم عليه، وبدأ يُمنع من الصلاة، ويُمنع من السير على هدى الله، ويُمنع من أن يكون على التقوى، وآمِراً بالتقوى؟&#8230;</p>
<p>واجب عبد الله أمام هذه الحالات، واجبه شيء واحد هو الفرار إلى الله تعالى بكثرة الطاعات، وكثرة الصلوات والتضرعات، وكثرة الصبر والثبات والعصيان لأوامر الطغاة {كلا لا تُطعه واسجُد واقترب}.</p>
<p>سابعاً : خـــــــلاصة هدى السـورة للعبد المؤمن :</p>
<p>يمكن تلخيصه في نقط ثلاث :</p>
<p>1- تعلُّم الحق كما هو خالصاً من عند الله جل جلاله :</p>
<p>يعني هذه السورة تقول : أول ما ينبغي فعلُه تعلُّم الحق، يجب تعلُّمُ العلم الذي هو الحقُّ كما جاء من عند الله خالصا مصفَّى.</p>
<p>2- العملُ بالحق والثباتُ عليه كما أمر الله جل جلاله اتصالاً به وسيراً على هداه أمراً بتقواه :</p>
<p>ومتى وجد عبدٌ يصلي لربّه على هدى ربّه، آمراً بتقوى ربه، ولا يبالي بسوى ربّه، حين يوجد هذا العبد يوجد هذا الرّب وهو موجود -سبحانه وتعالى- فإذَنْ النقطة الثانية بعد تعلُّم الحق، الذي هو واضح في المطلع يأتي العملُ بالحق الذي هو واضح في الوسَطِ، فالثباتُ عليه كما أمر الله جل جلاله اتصالاً به وسَيْرا على هداه وآمراً بتقواه.</p>
<p>3- الصبر على أذى الطغيان دون طاعة له ولا ردٍّ مادي عليه، إلا رَدُّ البيانِ لحق المحِق وخطر مصير المبطل :</p>
<p>هذا الذي نجده في هذه المرحلة، فحين يكون ظرفٌ كهذا الظرف، يكون وصفٌ كهذا الوصف، وتكون وصفة كهذه الوصْفة، وهذا هو المقصود بالهدى المنهاجي، أن نعُود إلى كتاب ربنا لنَسْتَخْلِص منْه ما ينبغي فعْلُهُ.</p>
<p>فالصبر على أذى الطغيان هو السبيل وهذه نقطة أساسية.</p>
<p>في كتاب &#8220;كيف ندعو الناس&#8221;  نقطة انقدحت في ذهن مؤلفه الأستاذ محمد قطب هي الواردة في سورة الأنعام {ولِتَسْتبِين سبيلَ المُجْرمِين} وفي قراءة حفص {ولتستبين سبيلُ المجرمين} أي تتضح سبيل المجرمين متى تتضح؟ لا تتضح في البداية، تتضح عندما يطبقها عبد أو عباد تطبيقا تاما قويا جدا لا يصرفه ولا يصرفهم عنها صارف، ومع أنهم يتعرضون لبلاء عظيم، مع ذلك لا يتزلزلون ولا يتزحزحون نهائيا، ويتبين أيضا بالمقابل الصورة المظلمة للطغاة، يتضح طغيانهم للجميع فلا يبقى الالتباس فيتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، يتضح الحق من الباطل، يتضح الأمر كل الإتضاح، لا يمكن أن يتم ذلك إلا بعد مرحلة من الصبر على البلاء ، هناك أمران يسيران جنبا إلى جنب : العمل بالحق، والثبات على الحق، ومع العمل بالحق والثبات عليه يأتي البلاء {ألم أحَسِب النّاس أن يُتْركُوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفْتَنُون}(العنكبوت : 1) لابد من الفتْن بأشكال مختلفة فهذا الفَتْن ما الموقف منه : الصبرُ على الأذى، {واصْبِرْ حتَّى يحكُم الله}(يونس : 109) &gt;صَبراً آل يَاسِر فإنّ موْعِدَكم الجنّة&lt;.</p>
<p>ممنوع الرد، لأن الإنسان إذا لم يُرّد.</p>
<p>أولا قضيتُهُ تَرْبحُ أكثر.</p>
<p>والحق يتَبَيَّنُ أكثر.</p>
<p>ويزداد الأنصارُ أكثر عمليًّا.</p>
<p>ثم هو يعظم إيمانه أكثر.</p>
<p>أما عندما يرد كل ذلك ينقص، وأحيانا يَلْتَبس الأمْر تماما ويختلط ولا يعْرف الناس الحقّ من الباطل.</p>
<p>فلذلك الله عز وجل في البداية اختار لرُسله ولأتباع رُسله أن يعرفوا الحَقَّ، ويعملوا بالحق، ويثبتوا على الحق، ويصبروا، حتى يأتي الفرج وبالله التوفيق.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب النزول</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 26 Sep 2010 06:05:08 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 271]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[السور]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[ترتيب النزول]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6323</guid>
		<description><![CDATA[نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب النزول د. الشاهد البوشيخي بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربّنا آتنا من لدنك [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب النزول</p>
<p>د. الشاهد البوشيخي</p>
<p>بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علما، اللهم افتح لنا أبواب الرحمة وأنطقنا بالحكمة واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة.</p>
<p>الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله كما حُمد، وكما يُحمد، وكما سيحمد، وكما يجب أن يحمد، وكما حمده المقربون من الملائكة والرسل عليهم الصلاة والسلام.</p>
<p>1) النظرة للقرآن من زاوية الهدى هي النظرة الكفيلة بإنهاض الأمة من جديد :</p>
<p>كانت أمنية عزيزة أن يأتي يوم ننظر فيه سوية إلى كتاب الله عز وجل من زاوية بعينها، قلما يُهْتم بها، هي زاوية الهدى التي فيها تخصص القرآن.</p>
<p>لا من زاوية أنه بيان عربيٌّ مُعْجز -وهو كذلك- ولا من جهة أن فيه علوماً كثيرة منها أخبار الغابرين في الماضي السحيق أو أخبار من سيأتي بعد -وهو كذلك- ولا من جهة الإعجاز العلمي والتشريعي -وهو كذلك- لا من هذه الزوايا كلها، بل زاوية واحدة هي زاوية الهدى.</p>
<p>كانت أمنية عزيزة أن يأتي يوم ننظر فيه إلى كتاب الله عز وجل من هذه الزاوية مع إخوة وأخوات مهتمين بهذا الأمر، يقدرونه قدره، ويعرفون حق المعرفة أنه لا سبيل إلى أن تعود هذه الأمة إلى التاريخ من جديد إلا إذا استأنفت سيرها من جديد على أساس كتاب ربها كما فعلت أول مرة، إن الذي حوَّل مجرى التاريخ زمن رسول الله  هو القرآن، أربعون سنة ومحمد  يعيش بين الناس بدون قرآن فما تحوَّل هو ولا تحوّل شيء في التاريخ.</p>
<p>ولكن بمجرد أن بدأ نزول القرآن بدأ تحَوُّل التاريخ، تحوُّلُ الإنسان، تحوُّل الجزيرة، تحوُّل الخريطة على الكرة الأرضية، تحوُّل البشرية جملة في توجهها العام، في موازينها، في فُهُومها، في كل شيء، بدأت ذلك أساسا بالقرآن الذي هو أعظم نعمة أنعمها الله تعالى على هذه الأمة {اليَوْم أكْملتُ لكُمْ دينكُم وأتْمَمْتُ علَيْكم نعْمتي ورَضِيتُ لكُم الإسلام دينا}(المائدة : 4). لذلك لابد لمن يفكر في أن يصلح نفسه ويصلح  غيره لابد أن يُوَفِّيَ القرآن حقه، لابد أن يعود إليه عودة صادقة. يستخلص منه الميزان ليزن به أشياءَ مِن حوله وليزن به نَفْسَه، وتفكيره وتعبيره وتدْبِيره بل ليزِن به جميع أموره وجميع أمور الناس، فلهذا نزل الكتاب {لَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلَنا بالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا معَهُم الكتابَ والمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاس بالقِسْط}(الحديد : 24).</p>
<p>أقول كانت أمنيةً عزيزة، أن يأتي هذا اليوم، وكنت أنتظر الرغبة، ورغبتي صادقة وقديمة حيث بدأ الإهتمام بهذا الأمر -تقريبا- منذ أكثر من ثلاثين سنة. ولكن الطلب الصادق أرجو أن يكون قد بدأ اليوم منا جميعا، ولقد سمعت من إخوتي الكرام هذه الرغبة في صحبة القرآن وعِشرتِه تتردد من حين لآخر، بل وسمعت بعْدُ من أخوات كريمات رغْبَةً أصْدَقَ وأشَدَّ في الاستماع لهذا الهدى الرباني.</p>
<p>ما هو هذا الهدى؟</p>
<p>وماذا فيه؟</p>
<p>وفكرت في أشكال من الحديث عن هذا الهدى.</p>
<p>هل يكون درساً جامعاً في مسجد من المساجد يُفْتح فيه كتاب الله تعالى من الفاتحة إلى الناس؟.</p>
<p>لكن متى يتم ذلك؟</p>
<p>إن الأمر طويل إذا صار بهذا الشكل.</p>
<p>لذلك فكرت في أن تكون هذه الأحاديث التي ستبتدئ متسعة المسافة الزمنية -وهي حسب الرغبة- فإن اشتدت الرغبة ضاقت المسافة الزمنية، وإن قلت الرغبة ازدادت اتساعاً أو انقطعت لا قدر الله.</p>
<p>هذا اللقاء سيدور عن موضوع عنونته هكذا : &#8220;نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب نزول&#8221;. وهذا اللقاء المبارك يُعْتبر مقدّمة للعمل الذي سيَبْدأ في الحصة الموالية إن شاء الله تعالى مبتدئين بأول سورة نزل مطلعها أولا هي سورة العلق.</p>
<p>أما النقط التي يشتمل عليها العنوان فهي التالية :</p>
<p>1- لماذا نظرات؟</p>
<p>2- لماذا في الهدى المنهاجي؟</p>
<p>3- لماذا في القرآن الكريم؟</p>
<p>4- لماذا حسب السور؟</p>
<p>5- لماذا حسب النزول؟</p>
<p>هذه النقط سأفصّل فيها بعْضَ التفصيل ليُعْلم على أي شيء نحنُ مُقدمون.</p>
<p>&lt; لماذا نظرات؟</p>
<p>لأنها لم تهتم بكل الجوانب فهناك جوانب كثيرة في كتاب الله عز وجل ليس لنا الوقت للاهتمام بها، وإنما سنهتم بجانب واحد هو جانب الهدى المنهاجي بالتحديد.</p>
<p>&lt; لماذا الهدى المنهاجي؟</p>
<p>- السبب الأول هو أن القرآن الكريم محْضُ هُدَى، ومعنى هذا أن أهم ما في هذا القرآن هو الهُدَى ، هو أنَّه هُدًى. لم يأت القرآن بكل الجزئيات والتفاصيل لأنها تتعلق بتغير الأزمنة والأمكنة حتى تقوم الساعة ولكن جاء بالمنهاج الذي إذا أدرك وتُمِكن منه، فإن العبد يستطيع أن يهتدي إلى ما ينبغي، إلى ما فيه رضوان الله عز وجل في مختلف المجالات، ما نص عليه فقد نص عليه، وما لم ينص عليه يمكن الاهتداء إليه في إطار ما نص عليه، من كليات تضبط الجزئيات، هناك أمور عامة، مقاصد كبرى، قواعد كبرى، قضايا كبرى، تندرج تحتها تلك الجزئيات الصغرى التي تتغير بتغير الزمان والمكان، لكن المسلم إذا تمكن من تلك الأمور الكبرى سهل عليه أن يحل مشاكله في الأمور الصغرى، وأن يهتدي إلى ما ينبغي أن يهتدي إليه في الأمور الصغرى والأمور المتغيرة.</p>
<p>إذن القرآن هدًى كله، من البداية نجد الفاتحة ليس فيها أي طلب، ما عدا طلبا واحدا هو {اهْدِنَا الصراط المستقيم} طلب الهداية فقط، هذا هو الطلب المستمر والمتكرر منذ التكليف بالصلاة إلى أن نلقى الله إنه الطلب الوحيد الذي نطلب، وليس بعد هذا الطلب إلا الجواب، نطلب من الله الهدى مباشرة فيجيء الجواب {ألم ذَلِكَ الكِتَابُ لاَرَيْبَ فِيهِ هُدًى للْمُتَّقِين} طلبتم الهدى،  فها هُو القرآن هُدًى للمتَّقِين الذين يٌؤمِنون بالغَيْب ويُقِيمون الصلاة} إلخ. فكل ما جاء بعده هو بيان لهذا الهدى في مختلف المجالات، فهو :</p>
<p>هدى في علاقة العبد بربه.</p>
<p>هدى في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان.</p>
<p>هدى في علاقة الإنسان بنفسه.</p>
<p>هدى في علاقة الإنسان بأسرته وأبنائه.</p>
<p>هدى في الحياة الإقتصادية.</p>
<p>هدى في الحياة السياسية.</p>
<p>هدى في الحياة الاجتماعية والتربوية، والتعليمية، و الإعلامية&#8230; في كل المجالات. هو هدى.</p>
<p>وهدى للمتقين، هؤلاء فعلا هم الذين ينتفعون بهذا الهدى ويستفيدون منه. وهم الذين حصلوا على الإستجابة إلى ما طلبوا في الفاتحة {اهدنا الصراط المستقيم}.</p>
<p>بل هو هدى لجميع الناس، لمن استجاب ولمن لم يستجب {شَهْرُ رَمَضَان الذي أُنْزِل فيه القرآن هُدًى للِناس وبَيّنات من الْهُدَى والْفُرقان}(البقرة : 184) استجاب لها من استجاب وتركها من تركها. لكنه هو هُدًى. هذه حقيقته.</p>
<p>وهُوَ هُو الهدى {قُل إن هُدى الله هو الهُدَى}(البقرة :119) {وقالوا كونوا هُوداً أو نصارى تهْتدُوا قُل بَل ملَّة ابراهيم حنِيفاً}(البقرة : 134).</p>
<p>هذا هو الهُدى لا سواه.</p>
<p>فإذن الإهتمام بالهدى المتعلق بالمنهاج يأتي في الصدارة، لأنه هو الأهم وهو الُمرَادُ، وهو الهدف من إنزال هذا القرآن {قَد جاءَكُم من اللهِ نُورٌ وكتابٌ مُبينٌ يهْدِي به اللَّهُ من اتّبَعَ رضوانه سُبل السلام}(المائدة : 17). لهذا اعْتُبِر هذا الهدى هو الأسَاسَ والأهَمَّ والآكَدَ في مختلف المجالات، هذا الهدى هو الذي يجب أن يطلب.</p>
<p>هذه النقطة الأولى.</p>
<p>&lt; لماذا في الهدى المنهاجي؟</p>
<p>2) شدة حاجة الأمة اليوم إلى استرجاع روح القرآن :</p>
<p>الأمة اليوم بعدت عن هذا الهدى لأسباب كثيرة بعضها تاريخي نتيجة تراكم المشاكل عبر العصور السابقة، وبعضها عصري نتيجة الهجمة الاستعمارية النكراء التي عرفها المسلمون في العصر الحديث ومازالوا يعرفونها، مصيبة عظمى عرفها المسلمون. ومازالوا تحت وطأتها وتتمثل في أن المسلمين أخرجوا جسد الاستعمار من ديارهم ولم يُخْرجوا روحه. فالحركات الوطنية حررت البلاد من أجساد الاستعمار لكن لم يحدث حتى الساعة تحرير أرْواح الأمة إذْ لَنْ يُخْرِجَ الروحَ إلا الروحُ.</p>
<p>فإذا حلت روح القرآن في الأمة من جديد أخرجت سواها. أما إذا لم تحل الروح القرآنية فإن الروحَ النكِدَة ستبقى -لا قدَّر الله- مستقرة متمكنة. فلذلك حاجة الأمة اليوم شديدة لحلول الروح القرآني، ولا يعرف هذا إلا من يعرف القرآن، بالقرآن وحده نعْرف فعلا مدى شساعة الفرق. بين ما ينبغي أن تكون عليه الأمة إذا استجابت للقرآن وبين ما هي عليه الآن.</p>
<p>لهذا، ولهذه الحاجة الشديدة نحتاج إلى هذا الهدى المنهاجي. نظراً لهذا البعد الذي وقع، ونظراً إلى أن نوعين من التأثير عرَفَتْهُما الأمة، تأثيران كبيران أفْسَدَا الرُّؤْيَةَ، وأفْسَدا المنهاج، وأفسدا بعدُ الحياة، فكان ما كان.</p>
<p>التأثير الأول : تأْثِير الغرب القديم فيما يُسَمَّى بالثقافة اليونانية التي بدأ دخولها للعالم الإسلامي منذ بداية القرن الثاني الهجري حيث بدأ إفسادها للرؤية القرآنية في أدمغة المسلمين، وأدمغة عدد من نخبتهم، واستمر ذلك حتى وصل إلى الأصلَيْن: أصولِ الدين، وأصُولِ الفقه. وهما الأساس في علوم الشرع لدى الأمة، ووصل تأثير المنطق اليوناني وتأثير أريسطو وأفلاطون وغيرهما، فلم يعد أخْذُ المسلمين لدينهم من النبع الصافي الخالص، نبْعِ الوحي، بل صاروا يأخذون دينهم مشُوباً مخْلُوطاً من عَدَدٍ من المصادر للأسف الشديد.</p>
<p>فهذا الواقعُ : تأثير الغرب القديم في تاريخ الأمة العلمي ظهرتْ تأثيراتة بأشكال مختلفة، في علم الكلام، وعلم السلوك، وفي مجالات أخرى.</p>
<p>هذا مؤثر خطير ترك بصمَاتٍ خطيرة على عقل الأمة، وفهم الأمة، وعمل الأمة. ومن نتائجه وُصُولُها إلى ما وصَلَتْ إليه في القرن الماضي من هجوم الاستعمار على أغلب شعوب العالم الإسلامي.</p>
<p>المؤثر الثاني : هو هذا الذي جاء مع هذا الهجوم الاستخرابي على الأمة. فهجوم الغرب الحديث على الأمة أصْبحَ حاضراً في مختلف المجالات في الإعلام، في التعليم، في الاجتماع، في التربية، في مختلف العلوم وفي مختلف المجالات ولا خروج لروح الاستعمار إلا باستعادة روح القرآن، فلهذا السبب نحن بحاجة إلى أن نقف عند هذا الهدى المنهاجي في القرآن لنستعيد أرواحنا وأرواح الأمة، خصوصاً وأن الاهتمام به فعلا قليل،. نجد أشكالا من الإهتمام بالجوانب المتعددة للقرآن، ولكن تخصيص الاهتمام بجانب الهدى وإبرازه أكثر من غيره قليل. لذلك كان لابد من إثارته والاهتمام به.</p>
<p>النقطة الثالثة : لماذا القرآن الكريم؟ : هذا الأمر قد يكون واضحا جداً :</p>
<p>أولا : لأن القرآن هو الوحي الخالص، وهو الحق المطلق : ما بقي حقٌّ في الكون إلا في القرآن، وهو مصدق لما بين يديه من الكتب ومهيمن عليها، فإذا أردنا أن نلْتَمِس الحقّ الذي لَيْسَ مِن رأْي فلان أو علان، أو من رأي المجموعة الفلانية، أو رأْي مكتب الدراسات في كذا، أو مرْكز الدراسات الاستراتيجية.. فإننا نجد هذا الحق في القرآن بدون نقاش. جهة واحدة معينة تنطق بالحق، هي جهة الله جل جلاله، هو الذي خلق وهو الذي أحاط بكل شيء علماً {قُل أنزلَهُ الذي يعْلَمُ السِّرَّ في السموات والأرض}(الفرقان : 6) هل هناك أحدٌ يشارك الله في هذا؟ لا أحد : فالذي أنزل الكتاب هو الخالق لكل شيء وهو المدبر لكل شيء، هو الله جل جلاله، فالقرآن هو الوحي الخالص، وهو الحق المطلق. أما السنة فهي تبيان له، {وأنْزَلْنا إليك الذّكر لتُبيّن للناس ما نزِّل إليهم}(النحل : 44) فالقرآن أولاً والسنة ثانياً ولا عكس.</p>
<p>ثانيا : أن القرآن هو مصدر جميع الكليات في جميع المجالات : إن القواعد الكبرى الضخمة التي تضبط السير في جميع مجالات الحياة، توجد في القرآن، توجد على شكل كليات تندرج عنها جزئيات لا تحصى، مثل {ولا تاكُلُوا أمْوَالَكُمْ بيْنَكُم بالبَاطِل}(البقرة : 187) أشكالُ الباطل كلها منهيٌّ عنها.</p>
<p>أمثال هذا كثير في كتاب الله فلذلك كان هو المصدر  الذي ينبغي أن نعود إليه إذا أردنا أن نحصل على كليات الهدى المنهاجي. لابد من الرجوع إلى كتاب الله، لا إلى كتاب فلان، أو علان، أو المجموعة الفلانية&#8230;</p>
<p>لا يسْتَطِيع أن يمدنا لا الغَرْب  الغربِيُّ ولاالغرب الشرقي بشيء من الهدى الذي نحتاج إليه، ولذلك لابد من العودة إلى المصدر الأساس الذي هو القرآن.</p>
<p>المصيبة التي نحن فيها الآن أننا لا نشعر بالمسؤولية عن انحراف أوربا وعن ضياع الغرب، لأننا لم نَعُدْ نمثل الحق لنكون حجة عليه، ونصبح أعِزَّاء، بل واقعنا صار حاجزا بينه وبين الحق، يريد أن يَرَى الحق فيجدنا في الطريق، نمنع الناس عن الحق بحكم واقعنا الذي يتبرأ من الحق، لأن الأصل أننا شهداء على الناس ولكن الشهادة لها الأهلية، والأهلية تقتضي الصلاح أولاً، قبل أن تقتَضِي الإصلاح وهذا شيء غير موجود من الناحية العملية.</p>
<p>ثالثا : الأمة منصرفة عن تلَمُّس الهدى في القرآن : الهدى يُتَلَمَّسَ الآن في الدراسات والبحوث بصفة عامة فَلَوْ قُمْما بعملية احصائية للنظر كم تساوي نسبة الدراسات المتعلقة بالقرآن في علاقتها بمختلف البحوث في مختلف العلوم، لوَجَدْناها لا تكاد تمثل شيئا فضلا عن قيمة ما يُنْجَزُ. فهذه قضية.</p>
<p>النقطة الرابعة : لماذا حسب السور؟</p>
<p>لا يمكن أن ننسى أن الله عز وجل عندما تحدى الناس بالقرآن جملة، وتحداهم بعشر سو ر، ثم تحداهم بسورة، وهنا وقف. ولم يتحَدَّاهُم بآية، فإذن القرآن مبين بالشكل التالي.</p>
<p>من حيث وحداته الكبرى. أولا هو كتاب، هذه وحدة كبرى {ألم ذلك الكتاب}.</p>
<p>هذا الكتاب مكون من وحدات أصغر منه لها شخصياتها المستقلة هي التي تسمى بـ&gt;السور&lt; من أقصر صورة كسورة الكوثر إلى أكبر سورة كسورة البقرة، كل سورة لها شخصيتها المتميزة، هل يعني ذلك أنها منفصلة عن القرآن؟ أبداً. هي في مكانها في علاقتها بسواها منسجمة مع سواها، لا يمكن زحزحتها من موقعها، ولكنها هي في حد ذاتها لَهَا شخصيتها كحال أي واحد منا لا يمكن خلطه بسواه ولكن من المجموع، من تلك القطع المُتنَاثِرة التي تبدو كأنها منفصلة يتكون مجموع منسجم هو &#8220;جماعَةٌ ما&#8221; أو &#8220;جَمْعِيَّة ما&#8221; أو &#8220;حزّبٌ ما&#8221; أو أي شيء آخر.</p>
<p>فالسور فيها سر وذلك السر هو الذي تمّ به التحدّي، والإعجاز، فإذن إذا أردنا أن نفهم آية أو نستنبط هُدًى فإننا نستنبطه في إطار السياق الخاص داخل كل سورة بدون إغفال إطار السياق العام الذي هو كتاب الله عزوجل ولكِنّ السياق القريب مقدَّمٌ على السياق البعيد، فلذلك السُّور مُهِمَّة جدا وهذا ما كنتُ آمل أن يقع به الاهتمام، أن نهتم بالنظر إلى السور، لا إلى الآيات مُفْرَدَة، بل إلى السُّور مجملة، لأن هذه السُّور بمثابة خلقة سويّة كلُّ سورة بمثابة خِلقة سوية لها شخصيتها المستقلة، لها بداية ولها نهاية، ولها وحْدَةٌ عُضويَّة لا تقْبَلُ أن يُقْتَطَع مِنها شيء أو أن يُفْصل  منها أي شيء فلذلك سنسير إن شاء الله عز وجل على هذا النظام، سورة سورة. هذه واحدة.</p>
<p>ثم لأن الله عز وجل اختارها في البناء العام مكونا بارزاً، لهذا الكتاب لكونها ذات خصوصية خاصة، وبها تحدى الله عز وجل المعاندين، ولكونها اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون هي المكونات الأساسية لكتابه، لذلك نحن نَنْسَجِم مع هذا الواقع فنهتم كذلك بالوقوف عند السور.</p>
<p>&lt; النقطة الخامسة : لماذا حسب النزول؟</p>
<p>هذه نقطة أيضا تشبه الحديث عن الهدى المنهاجي، معنى هذا أنها قضية كبيرة ابتدأت من الشعور بأن المسلمين في حاجة إلى قراءة السيرة على أنها منهاج لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وليس لمُجَرَّد التبرك، ولهذا السبب ظهرت دراسات باسم &#8220;فقه السيرة&#8221;  هذا المصطلح يراد به أساسا النظر الخاص في السيرة النبوية على أساس أنه المنهاج النبوي في إخراج الناس من الظلمات إلى النور في التجربة الأم.</p>
<p>فلماذا ظهر هذا في هذا الظرف؟ وفي العصر الحاضر بالضبط؟ أو لماذا ظهر بعده على استحياء بعْضُ الاهتمام بهذا الجانب التنزيلي في القرآن الكريم؟ ولماذا وصل الاهتمام عند البعض إلى حد إخراج تفسير في هذا الاتجاه، كحال &#8220;محمد عزت دروزة&#8221;؟ الذي رُبَّما كان أول من أقبل على هذه التجربة؟؟ والآن تبعه ناس رُبّما من آخرهم : &#8220;عبد الرحمن حبنكة الميداني&#8221; الذي مات ولم يتم تفسيرة رحمه الله.</p>
<p>لماذا ظهر هذا؟ لماذا ظهر هذا النوع من النظر في السيرة؟!  وظهر هذا النوع من النظر للقرآن؟.</p>
<p>لأن الأمة لَمْ تمر بمرحلة تاريخية يمكن أن نقول أن عمارة الإسلام سقطت إلى الأرض على أنها بنْيانٌ عمَلِيٌّ، لا بنيان نَصِّيٌّ.</p>
<p>النّصِّي لم يقعْ له شيْء لأنه محفوظ بحفظ الله {إنا نحن نزّلنا الذّكر وإنا له لحافظون}(الحجر : 9) لكن ما يجلِّي هذا النص في الواقع في صُورة بنيان واحد يشمل الأمة كلها من أقصى الأرض إلى أقصاها لها رأسٌ واحدة، أرضٌ واحدة نظام واحدٌ يحْكُمُها، هذا الشيء لم يبق.</p>
<p>وآخر عهد الناس بما يشبه هذا ما وقع سنة 1924 حين أنهى مصطفى كمال أتاترك مسألة الخلافة الإسلامية رسميا، وقانونيا، وورقيا.. أما من الناحية العملية فكانت مشلولة قبل ذلك. فهذه الخلافة تشبه الأصل. وحين أنهت أوربا هذه الخلافة دخلت الأمة في مرحلة جديدة هي غرس وترسيخ الحواجز في أعماق ضاربة في الأرض تمنع عودة الخلافة، هي هَذِه القيودُ وهذه الحدود التي توضع بأشكال مختلفة في الأرض. لتجعل من بقايا الأمة شيئاً اسمه &#8220;منظمة المؤتمر الإسلامي&#8221; يضم سبعا وخمسين دولة لكل دولة رايةٌ وحدود وجمارك وجوازات وتأشيرات.. إلى غير ذلك.</p>
<p>هذا من صنع أوربا من صنع الغرب فلهذا أقول : هذا البنيان انهدم وبقيت قطع غيار صالحة &gt;لاتزال طائفة من الأمة&lt; فهذه القطع هي التي تنتظر الرعاية على مقتضى النص المحفوظ. بمعنى أن النص محفوظ، وبعض النماذج البشرية الصالحة لا تزال على وجه الأرض منتشرة في الأمة، و تحاول، لكن البنيان العام سَقَط. سواء وعَتْ الأمة أمْ لَمْ تَعِ، أحَسَّتْ بالحاجة أم لم تحس.</p>
<p>ولسد هذه الحاجة بدأت المحاولة للْعَوْدة من جديد على شكل النموذج الأول، وهذا يحتاج إلى فقه المنهاج الأول. كيف صنع رسول الله  الأمة؟ ماذا صنع لإخراج الناس من الظلمات إلى النور؟! ماذا صنع لإنْتاج المسلم الفرد؟ ماذا صنع لإنتاج الأسرة المسلمة؟ ماذا صنع لإنتاج الأمة المسلمة؟ فلذلك بدأوا يتفَقَّهون في التجربة التاريخية المثلى. &gt;السيرة النبوية&lt; : فسيرة رسول الله  أهم من قصة نوح، وقصة ابراهيم، وقصة موسى، وقصة شعيب، وقصص جميع الأنبياء سواء فَصَّل فيها القرآن أو لمْ يُفَصِّل لأن سيرة محمد  تمثل النموذج الأمثل لإخراج ا لأمة الوارثة والشاهدة.</p>
<p>إذن الظرف التاريخي الذي نجتازه هو الذي يدفعنا دفعا شئنا أم أبينا إلى أن ننظر إلى هذه التجربة الأم، وكيف كانت تلك التجربة الأم؟! وبم صنعت؟!.</p>
<p>فما هي السيرة؟</p>
<p>السيرة ما كان ينز ل من الوحي وكان يتحول إلى واقع، والواقع يؤثر في الواقع، والأمور تسير إلى أن تم تنزُّلُه وتمَّتْ السيرة بتمام تنزُّلِه، وعندما انتهى تنزل الوحي انتهت القصة. هذه هي السِّيرة، فهي عبارة عن ترجمة عملية للوحي المنزل أقساطاً، وعكْسِ ذلك على الأرض سلوكا وضبطا لتصرفات الإنسان.</p>
<p>هل نزل القرآن على الكيفية التي توجد عليها في المصاحف اليوم؟ لا،  أبداً، لم ينزل كذلك نزل بطريقة أخرى، والسنة التي هي صدًى وبيانٌ للكيفية التي نزل بها هي التي نسميها نحن بالسيرة. لو نظرت إلى القرآن وهو يتنزّل بحسب النزول قطعةً قطعة، جُزْءاً جُزْءاً، هذه المرة تنزل آية، وهذه المرة تنزل سورة، كسورة الأنعام دفعة واحدة يُشَيِّعُها سبعون ملكاً..الخ.</p>
<p>هذه الطريقة هي التي مثلت السيرة صَدَاها فإذن سُنَّةٌ مرْبُوطةٌ بالزمان والمكان هي السيرة، ويمكن أن نستخرج من السنة الأخرى التي صُنِّفَتْ حسَبَ أبواب الفقه سيرة مربوطة بالأحوال والكيفيات.</p>
<p>لهذا السبب نحن بحاجة ماسة الآن لأن ننظر هذا النظر ونهتم هذا الإهتمام في عملية الإصلاح.</p>
<p>من يريد أن يُصْلِح ما أفْسَد الناسُ يحْتاج أن ينظر كيف أصْلَح رسُول الله  بوَحْيِ الله، وبِهُدَى الله، كيف أصْلَح ما كان فاسداً في الجزيرة العربية. وكيف أسَّسَ ما أسَّسَ نحن بحاجة إلى ذلك، كما نحتاج أيضا إلى أن نقْترب من تلك الأجواء، لأن القرآن الذي نزل أول مرة اهتم بالقضايا الكلية الكبرى الأساسية التي يتم منها البدء، اهتم بالرؤيا، اهتَمّ بالتصور، اهتم بما يسمى الآن العقيدة، اهتم بالإيمان الذي هو المصطلح القرآني الصحيح، اهتم بالإيمان بجميع أسُسِه وأركانه.</p>
<p>هذه الكليات هي التي تم بها الاهتمام لأن هاته الأمور هي التي ينبغي منها البدء، لا البدء بما كان في نهاية البناء، فرسول الله  حينما قال &gt;بني الإسلام على خمس&lt; ينبغي أن نحس أن الإسلام بناءٌ، فعلا، هو بناء إذا نظرتَ إليه وهُوَ تَامٌّ، وهو بناء إذا نظرت إليه في الزمان، وهو يُبْنى فهو بناء. ولذلك إذا كان ذلك كذلك فلا بد أوّلاً من الأرض، ولابد من حَفْر الأرض ووضْعِ القواعد الكبرى في البدايات، وبعد ذلك وَضْعِ الهيكل العام:</p>
<p>أولا الأمور الكبرى والأساسية تنتهي وبعد ذلك تأتي تلك الأمور التي تعطي الصورة النهائية وتتمُ بها النعمة على الأمة أي الكماليات. البناء أيضاً بصورة طبيعية يتم كذلك، وإذا نظرنا إ لى الوحي سنرى هذا بوضوح في السيرة، وفي القرآن حين تنظر إليه من هذه الزاوية، ترى كذلك ما الذي كان الإهتمام به في البدايات وما الذي جاء الإهتمام به فيما بعد، وما الذي تأخر. لأن الأمر كان يتم بطريقة بناء والبناء تلقائيا يقتضي التقديم والتأخير. هل هذا الكلام يعني أن القرآن الآن لمَّا يتنزل؟! كلا ثم كلا ثم كلا. لكنه ليس مَعْمُولا به في الواقع، ولكي يُعْمَل به في الواقع يحتاج إلى أن يُعمل به بالتدريج.</p>
<p>وإذا كان التدرج في كل شيء سنة ربانية للفهم والتعلم والعمل الميسر، فإن الله عز وجل قال -مشيراً إلى سنة التدرج- {وقُرْآنا فرَقْنَاه لتَقْرَأَهُ على النَّاسِ  على مُكْث ونزّلناه تنزيلا}(الإسراء : 106) هذا واقع الحالة التي كان يتنزل فيها القرآن ليُطبق وهو واقعنا اليوم، ولهذا كان الاختيار للسّير على حسب طريقة النزول، اقتداء بالمرحلة الأولى. لابد أن تعلمه بالتدريج وتعلمه بنظام، كما يقال صغار العلم قبل كباره.</p>
<p>فإذا عدت إلى هذه النقطة لماذا حسب النزول؟! لأن صانع التجربة المثلى الأولى التي نسميها التجربة الأم هو هذا التنزل للقرآن حسب الظرف، وحسب المناسبة، فذلك التقسيط للقرآن هو الذي صنع السيرة، وصنع ما صنع في الجزيرة العربية، وصنع ما صنع للتاريخ، فنحن لابد أن نعرف ذلك، ثم مِن جهة أخرى أنّنا الآن بحاجة إلى أن نعود أفراداً وجماعات، إلى هذا الدين كما يحب الله تعالى غير منفصل عن واقعنا.</p>
<p>ينبغي أن نمارس الإسلام في الواقع الذي نحن فيه، في الظرف الذي نحن فيه، لأن الله أوجدنا في هذا الوقت في الظرف الذي نحن فيه في الوقت الذي نحن منه، فيجب أن نسْتخْلص الهدى المناسب لزماننا هذا انطلاقا من كتاب الله عز وجل، لذلك كان الطريقُ الأنسب لاستنباط المنهج هو النظَر من هذه الزاوية.</p>
<p>لأن كتاب الله عز وجل في الصورة التي تمت بها النعمة هي الصورة التي ينبغي أن يبقى عليها، صورة الإعجاز الكامل وصورة الحفظ التام حتى تقوم الساعة، لكن عمارة الأمة الساقطة تحتاج إلى إعادة البناء على صورة النموذج الأكمل الذي به تمت النعمة، وكمل البناء.</p>
<p>لذلك فالأساس لاستنباط المنهاج هو هذا النظر، ولأنه -كما قلت- به صُنِعَتْ التجربة الأخيرة وأخيراً إعادة البناء يحْتاج إلى القرب من تلك الأجواء، هذا طبيعي لأن العيش مع هذه السور والتي تليها والتي تليها يجعلنا قريبين من تلك الأجواء الأولى التي كان يتم فيها التنزيل ويتم فيها البناء في بدايته ثم بعد ذلك، ثم بعد ذلك، وهذا شيء مهم يعيننا على أنفسنا ويعيننا في السير عموما في عملية الصلاح  والإصلاح جملة وتفصيلا.</p>
<p>هذا النظر إلى كتاب الله عز وجل من هذه الزاوية تقريبي ومعنى تقريبي، إن هذا الترتيب في هذه السور لا يوجد حديث واحد صحيح يدل على أن هذا الترتيب هكذا كان، أهمُّ ما عندنا في الموضوع حديثٌ حسن، وطبعا تعلمون أن العلماء يعملون بالحديث الحسن، لا إشكال في ذلك.</p>
<p>ولكن أن تعلم أن هذه الآية الفلانية أو أوائل السورة الفلانية نزلت في وقت كذا أو في غزوة كذا أو كذا هذا سهل وعندنا فيه الأحاديث الصحيحة، ولكن أن تضبط الأمر من أوله إلى آخره لتعرف كيف كان الترتيب هذا متعذر.</p>
<p>وقد شرحت يوما لماذا لا ينبغي أن يبقى هذا الترتيب، والله عز وجل اختار أن لا يبقى، لأنه لو بقي لفتن الناس، وقالوا : أن هذا هو الطريق الذي ينبغي أن نسير عليه في زمان كذا، وذلك ليس كذلك، والظرف العالمي ليس جامدا ولا ثابتا يمكن أن يبقى حتى قيام الساعة. أبداً التغيير مستمر فإذن المعالم الكبرى بقيت ليُسْتهْدَى بها لكن التنزيل الدقيق الجزئي التفصيلي هذا متغير ويبقى للاجتهاد.</p>
<p>أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>الـمضامين التنموية للثقافة الإسلامية</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%85%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%85%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 25 Sep 2010 06:57:18 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 198]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[الـمضامين]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلامية]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[التنموية]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[للثقافة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6248</guid>
		<description><![CDATA[الدكتور الشاهد البوشيخي في حـــــوار لمجلة البيان اللندنية يتحدث عن : الـمضامين التنموية للثقافة الإسلامية أجرت مجلة البيان حوارا مطولا مع الدكتور الشاهد الوشيخي في عددها 189 الصادر في يوليوز 2003، ولأهمية الحوار نعيد نشره في هذا العدد. فضيلة الأستاذ الدكتور الشاهد البوشيخي حفظه الله- مدير معهد الدراسات المصطلحية بفاس ورئيس وحدة القرآن والحديث بالدراسات [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #ff0000;"><strong>الدكتور الشاهد البوشيخي</strong></span> في حـــــوار لمجلة البيان اللندنية يتحدث عن : الـمضامين التنموية للثقافة الإسلامية أجرت مجلة البيان حوارا مطولا مع الدكتور الشاهد الوشيخي في عددها 189 الصادر في يوليوز 2003، ولأهمية الحوار نعيد نشره في هذا العدد.</p>
<p>فضيلة الأستاذ الدكتور الشاهد البوشيخي حفظه الله- مدير معهد الدراسات المصطلحية بفاس ورئيس وحدة القرآن والحديث بالدراسات العليا بجامعة محمد بن عبد الله بفاس/ المغرب ، معلمة حية نابضة بهموم العلم والثقافة ليس في الواقع المغربي فقط ، وإنما في واقع الأمة الإسلامية .</p>
<p>له عدة إسهامات في تحريك الحس الحضاري وإيقاظ الشعور الجماعي للأمة من خلال ما يكتب وما يحاضر به في المحافل الثقافية والعلمية.</p>
<p>إن الذي يتدبر خطاب الرجل في كل ما يكتب وما يقول يشده هذا التفكير والنظر الطويل في البحث عن أسباب وعلل الأزمات المحدقة بالأمة ، واقتراح الحلول والعلاج لها . ويأسره هذا التعبير المتين والأسلوب الرصين الذي يختزل المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة وهو يقبس من القرآن الكريم  و من البلاغة العربية. والأستاذ البوشيخي إلى جانب ذلك كله داعية إسلامي قدير يحمل هم الدعوة إلى الله .ويسعى إلى استرداد ذات الأمة المهربة وحمل أبناء الإسلام على  الرضاع من لبنه الخالص بتصور شامل يستوعب فقه الدين وفقه الواقع ويتسلح بالعلم والعمل.</p>
<p>إننا بحق أمام رجل وهبه الله عز وجل من الطاقات والملكات ، ناهيك عن تواضعه الجم وخلقه الرفيع الذي يشهد له بالقدوة والحكمة.</p>
<p>أن تدخل إلى رحاب عقل العلامة الدكتور الشاهد البوشيخي فأنت تفتح عينيك على مدى مساحة الأفق الرحب الذي يختزن عمق الرؤى وشمولية التطلعات صوب الحياة والإنسان، صوب الأفكار الأصيلة المنبثقة من القرآن الكريم والسنة النبوية .</p>
<p>وإذ نقدم-في هذا الحوار- رائدا من رواد الدعوة  الإسلامية المغربية فإننا نتوخى التواصل مع الأفكار الأصيلة التي تفسح لنا المجال للتأمل فيما هو مستمر في العقلية الإسلامية السائدة وكلنا رجاء في أن يجد القراء في هذا الحوار بعض الفائدة حتى تبقى رحلتنا الإسلامية في خط الفكر والعمل منفتحة على المستقبل ومنطلقة في الآفاق &#8220;نبراسا&#8221; من أجل ثقافة بانية- على حد تعبير الدكتور حسن الأمراني- على هدي الإسلام الذي ندعو إليه كقاعدة للفكر والسلوك والعاطفة والحياة.</p>
<p><strong> أجرى الحوار : محمد البنعيادي</strong></p>
<p>يقول الله تعالى : {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}( الأعراف :96).</p>
<p>هذه الآية الكريمة تشير إلى القانون العام الضابط للحركة و للعلاقة بين الثقافة والتنمية من وجهة نظر إسلامية أو في الرؤية الإسلامية. ونحب في هذا الحوار أن نبسط معكم القول في هذا الموضوع حسب النقط التالية :</p>
<p><strong>1- مفهوم الثقافة.</strong></p>
<p><strong>2- مفهوم التنمية.</strong></p>
<p><strong>3- علاقة الثقافة بالتنمية.</strong></p>
<p><strong>4- طبيعة الثقافة الإسلامية.</strong></p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>في مفهوم الثقافة </strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>1- حداثة المصطلح والمفهوم  :</strong></span> &gt; لقد شاع منذ عقود مصطلح  الثقافة  في الدراسات العربية وكذا الإسلامية،  وبحكم اهتماماتكم المشهودة بالدراسات المصطلحية،  نرجو منكم إلقاء الضوء على هذا  المصطلح ؟ &lt; أول ما يسترعي الانتباه في مصطلح الثقافة كونه مصطلحا حديثا.ليس من الشائع في ما عرفناه من علوم قبل هذا القرن أو القرن الماضي، وإنما وفد ضمن ما وفد علينا في مرحلة الغزو التي لاتزال مستمرة، ولذلك هو أيضا لايزال مستمر اللفظ ومستمر المفهـوم، وحسبك أن لنا وزارة اسمها وزارة الثقافة.فاللفظ مقترح حديثا ليترجم ألفاظا أخرى تعبر كلها عن مفهوم واحد، مفهوم واحد له صور متعددة، ولكن أوسعها انتشارا هو الدي ينتمي في التصنيف العام  إلى ما يسمى &#8220;علم الإنسان&#8221; عند الغرب. وعلم الإنسان في تصور الغرب العلم الدارس له، وتبعا لذلك فمفهوم الثقافة  هو مجموع المعارف والعلوم والعادات والممارسات والسلوك ونمط الحياة التي تحكم وتطبع مجتمعا بعينه، وذلك موجود أساسا في أذهان أبنا ء هذا المجتمع،  قد يدون بعضه وقد يعبر عن بعضه دون تدوين (ما يسمى بالثقافة الشعبية السائدة)، وقد لا يكون شيئا من ذلك وإنما هو واقع معيش نتيجة تصور هو الذي منه المنطلق، وهذه الثقافة هي التي تميز -في نظر أصحاب هذا المفهوم- مجتمعا عن آخر، والتي يزرعها مجتمع في مجتمع عبر عملية &#8220;التثاقف&#8221; -حسب تعبيرهم- أو هي التي يتحاور أحيانا على أساسها. هذا المفهوم الوافد، فبحث من بحث عن لفظ له في العربية فاقترح لفظ&#8221; الثقافة &#8220;.ويزعم سلامة موسى أنه هو أول من اقترح هذا اللفظ.</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>2 -غرابة المصطلح والمفهوم :</strong> </span>&gt; من خلال قولكم هذا،  يبدو أنكم ترفضون مصطلح  الثقافة ،  فماذا تقترحون كبديل ؟ &lt; حداثة  المصطلح تجعله غير راسخ في ذاتنا وشخصيتنا ولغتنا بهذا المعنى، إذ لا ينفصل اللفظ عن المعنى في المصطلح والمفهوم نفسه،  لأن هذا التصور عموما للمعاني التي تؤخذ من تفاعل الإنسان مع الأرض، وتُـزرع من جديد في الأرض،  هذا المعنى كذلك جديد وغريب على الأمة الإسلامية. إذ أصل التلقي في هذه الأمة ليس من الأرض ولكن من الله جل جلاله. والتلقي أساسا من الوحي كتابا وسنة واسمه العلم، وهو هو العلم وما يستنبطه الإنسان منه أو ما يستطيع الوصول إليه نتيجة اهتمامه بتسخير الكون من حوله.ذاك كله إذا كان تحت هيمنة هذا العلم النازل من عند الله يصير علما وإلا كان ظنونا وتخر صات {إن هم إلا يخرصون) [الأنعام :116)، {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم}(النجم : 29).علم السطوح والقشور، علم الأشكال،  العلم الذي هو الحق المحض الخالص هو الوحي وما اشتق منه واستنبط هو من جهد البشر،  وعلميته تابعة لمدى انضباطه للرؤية الموجودة في العلم الأصل ومدى التزامه بالضوابط التي حددها ذلك العلم الأصل .</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>3 &#8211; محاولات التأصيل للمصطلح والمفهوم :</strong> </span>وإذن،  فاللفظ الأصيل غير المؤصل إنما هو &#8220;العلم&#8221; :وهذا اللفظ الذائع الشائع ( ثقافة )  حاول من حاول أن يؤصله، وهناك جهود طيبة لتأصيله أي لاستحداث أصل له وربطه بأصل ما من جهة اللغة على أساس أن مادة &#8220;ثقف&#8221; تدور على معان أبرزها التقويم والتهذيب، وإلا ففيها الإمساك والمنع والحذق والفطانة، ولكنها بصفة عامة لا تتجه إلى الجانب العلمي النظري لكن تتجه إليه مطبقا في الواقع، ولهذا قلت إن البعض   حاولوا بجد أن يؤصلوا هذا المفهوم انطلاقا من أصل الاستعمال القرآني أو الحديثي أو الاستعمال اللغوي العادي في كلام العرب، ولكن تظل المحاولة والمحاولات بصفة عامة حتى الساعة غير كافية وغير منتجة الإنتاج المطلوب لأنها تنطلق من أساس هو أن هذا الواقع ينبغي أن يُقبل وأن يبحث له عن أصل. وهذا المنطلق بصفة عامة في العلاقة بثقافة الكافر، في العلاقة برؤية غير المسلم، هذا المنطلق بصفة عامة يقتضي التسليم بالأساس ثم بعد ذلك يقتضي الدخول في الإطار الذي رسمه الآخر، وبعد ذلك تبدأ المحاولات في تحسين ما هو بداخل الإطار، ولكن الإطار العام يكفي للعزل،إذ الوضع الطبيعي للأشياء هو أن تنبت نباتا طبيعيا من أصولها وجذورها، فهذه هي المواليد الشرعية للمفاهيم الحضارية. وإذن الثقافة بالمفهوم المستهلك الآن المستعمل الذائع الشائع لا نتعجب إذا رأيناها غريبة الوجه واليد واللسان، إذا رأيناها غريبة عنا فلا نتعجب أن نرى ما يصنف ضمن دائرة الثقافة في التلفزة أو في الإذاعة أو فيما يدخل تحت اختصاص وزارة الثقافة في العالم الإسلامي بصفة عامة لأنه مفهوم مسطر في الأصل، ولا يزال يمثل استمرار الغزو المصطلحي واستمرار الغزو المفهومي  أيضا،وإن وزارات متعددة الآن أو قل اختصاصات متعددة لو نظرنا إليها من النظرة الأصل من جهة العلم لاجتمعت وما افترقت. هذه كلمات أو نظرات في مفهوم الثقافة.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>فــي مفــهوم التنمية </strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>1- تنمية ماذا ؟</strong> </span>&gt; هل الموقف نفسه تقفونه من مصطلح [ التنمية ]؟ &lt; أهم الأسئلة في نظري عن هذا المفهوم لا تتجه إلى ما هو أفضل لفظا ومعنى كما كان الأمر في الثقافة من قبل، إذ ذلك اللفظ-لفظ الثقافة- جاء ليزيح شيئا آخر،  ينطلق من تصور مغاير، بينما التنمية لفظ اشتق اشتقاقا عربيا عاديا في مجال الترجمة ليدل على عملية النمو الإرادية :نما الشيء،وينميه، جعله ينمو ويزداد ويكبر، وهذا المعنى السائد الشائع أيضا الذي هو تنمية الموارد والثروات بصفة عامة، وتنمية قدرات الإنسان في تسخيرها للكون من حوله بصفة  خاصة، وما ينتج عن هذا الأمر من وسائل في البر والجو والبحر، من وسائل التسخير التي تدل على نمو قدرات الإنسان على هذا التسخير،  وهذه التنمية من حيث لفظها لا تثير هذه الأشياء،  لا تثيرها بهذه الضخامة، نعم في المضمون سنختلف ؟هل المقصود بالتنمية ما يتعلق بشخصية الإنسان  وقدراته، أم ما هو حول الإنسان من أشياء في علاقتها بهذا الإنسان. إن الثروة  البشرية هي أعظم ثروة،وإن الذي يحد من نسل الإنسان أو الذي يذهب في اتجاه تحديد نسل الإنسان ويكثر من الأبقار ومن الأشجار و من الأطيار ما ترك من الجهل شيئا. إن الذي يسخر ما سواه هو الإنسان وليس ما سوى الإنسان هو الذي يسخر الإنسان،والإنسان حين يخرج إلى الوجود يخرج في غاية التزود بكل اللوازم لإحداث فعل التسخير في هذا الكون ،  {قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة}(الملك23 : ) إنها العناصر الثلاثة التي ركز عليها القرآن أكثر مما ركز على ما سواها والتي تشير إلى وسائل الاستقبال، بالإضافة إلى  الوسيلة الضخمة التي هي وسيلة التحليل والتعليل المنطقي، هناك وسائل لجمع المعطيات وهناك وسائل لاستثمار المعطيات واستخراج ما ينبغي استخراجه منها : المسموعات والمرئيات أو المبصرات والمحسوسات،. بصفة عامة يعني هي مجال لاستخلاص المعلومات، مجال لجمع المواد الخام للمعلومات، لكن الوسائل التي بها يتم استثمار تلك المعلومات مجموعة وتوظيفها معا، هذه  بها يتميز الإنسان عن غيره من الحيوان وهي التي لها صلة  بالإيمان بالغيب بالمعنى الإيماني أي التي تميز إنسانية الإنسان عن حيوانية الحيوان، وإلا فمن عرف الإنسان بأنه حيوان ناطق فقد اعتبر الإنسان حيوانا منذ البداية.  ومنذ  تلك اللحظة عدل الإنسان عن إنسانيته،أضيف إليه النطق أم لم يضف، والصواب أنه منذ البداية كائن متميز، {إني خالق  بشرا من طين  فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} تميز كامل في الخلق والخلق. والنظرة المادية هي التي جعلت هذا الإنسان حيوانا،ولذلك لا عجب أن نجد أفكارا كأفكار دارون وفرويد ودوركايم، لاعجب، لأن الحيوان يتعامل فقط مع المحسوسات التي هي الأساس في حياته،  ولا يستطيع تجاوز المحسوس إلى ما سواه، لكن التنمية لا تستطاع بالوقوف عند المحسوس،لابد من استثمار المحسوس للوصول إلى ما ليس بمحسوس،لإحداث عملية التنمية.</p>
<p>إن صلب الموضوع والأساس في القضية هو الإنسان، هو الإنسان نفسه الذي يؤثرفيما سواه، نعم قديتأثربغيره، ولكن موقعه الطبيعي هو أن يؤثر،  وإنما يتأثر من جهة واحدة في الأصل هي جهة الخالق، وهذا هو الأصل فيه، أما أن يتأثر بما هو أدنى منه وما هو مسخر له، وما خُلق إلا له فهذا غير منطقي  {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض}(لقمان : 20)  {خلق لكم ما في الأرض جميعا}(البقرة : 29)،  فأن تصير هذه الأشياء هي المُمْلِية،،  سواء كانت من المخلوقات التي وجدها الإنسان أم من المخلوقات التي صنعها، كحال المال اليوم الذي يوزن به الإنسان، بدلا من أن يوزن المــال بالإنســان، فهنا نختلف اختلافا جذريا، لاختلاف المنطلق واختلاف الرؤية، فإذن المدار في التنمية على الإنسان من جهة تزكية شخصيته هو وتنميتها، ذلك هو تعبير القرآن عن التنمية، أي إن تنميته لشخصية الإنسان هي التزكية،  وهو تعبير جميل لأن النمو يدل على شيء واحد هو ذات النمو بينما التزكي لا يدل فقط على النمو، وإنما يدل على نوع هذا النمو، فهو نمو زكيٌّ وليس برديء ولا قبيح،أي إن   هذه التزكية تنمي شخصية هذا الإنسان،  تنمي في الإنسان إنسانيته،   تنمي في ابن آدم آدميته، وابن آدم ابن النبي الرسول ابن المهدي الراشـد، آدم عليه السلام الذي أوتي الهدى. هذه التزكية تنمي الشخصية من هذا الجانب ثم تنمي في الإنسان الجانب الآخر، الذي به يؤثر فيما سواه،  فيسخر ما سواه في الوظيفة الأساسية من خلق هذا الإنسان وهي العبادة، أي ينمي قدرات الإنسان على التسخير ؛ ولكن هل موضوع هذه التنمية هو الإنسان من جهة كونه ذا نفس طيبة أو خبيثة، ومن جهة كونه إنسانا قادرا على التأثير فيما حوله والتأثر بما حوله، أم إنه الإنسان متأثرا من جهة و مؤثرا من جهة أخرى، لكن ببعد واحد هو البعد الجسدي المادي، هذا أمر في غاية الأهمية إذا تأملناه. إن مراجعة شاملة يجب أن  تتم على آدمية الإنسان، مراجعة شاملة للتاريخ والمفاهيم الكلية، كالحضارة والثقافة. إننا في تاريخنا نقول -تبعا للاستشراق- إن القرن الرابع الهجري هو عصر الازدهار الثقافي والازدهار الحضاري، ذاك مقياس مادي شَيْئِيٌّ، أما بالمقياس الآدمي فإن أزهى العصور هو عصر الرسول  وعصر الخلفاء الراشدين من بعده،هو الذي ارتفع فيه معنى الإنسان إلى درجة عالية،  فتحضر الإنسان، أما بعْد ذلك فتحدر وانحدر.</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>2- الـتـنـمــــية لمـــاذا ؟</strong> <strong>أو هدف التنمية.</strong> </span>&gt;  لكن ما هو هدف التنمية من المنظور الإسلامي؟ &gt;&gt; هل ننمي من أجل أن نصبح وحشا ضخما كالنظام العالمي الجديد، يستطيع أن يمص ما أمكن من الدماء في مختلف أنحاء العالم، ويغرز خراطيمه في نقط متعددة في الكرة الأرضية وفي أجواء العالم، ألهذا ننمي؟ كلا ثم كلا، إن الهدف من التنمية هو أن نرفع مستوى الإنسان إلى معنى الإنسانية، أي نرفع إنسانيته بالتعبير المتداول اليوم، وأنا أفضل أن نرفع&#8221; آدميته&#8221;  لأن لفظ&#8221; الآدمية&#8221; عندي أفضل وأبعد معنى من لفظ &#8220;الإنسان&#8221;، إذ يغلب- ولا أقول دائما- على لفظ الإنسان في القرآن الكريم أن يرد في سياق الذم، قلما يرد &#8220;الإنسان &#8220;في القرآن في حالة طيبة، فهدف التنمية الحقيقية في الرؤية الإســلامية هو تحصيل ما يسـعد به الإنسان هنا وهناك، أو لنقل السعادة، الآن يقال الرفاهية الاقتصادية، الرخاء الاقتصادي،الأمن الاجتماعي، السلام العالمي&#8230; وهذا الكلام بصفة عامة نعلم جميعا، أن فيه الكيل بمكاييل كما يقال، فالسلام سلامك وليس سلامي، أي سلامك يعني حربي، وأمنك يعــــني خوفي. .. أقول : السعادة التي في ظلها- عمليا- يعيش الإنسان الفرد والإنســـان المجتمع، والمؤمن وغير المؤمن حالة من التوازن العام التي بها يشعر بمقدار من الراحة، فإن كان كافرا فذلك حسبه والدنيا جنة الكافر، وإن كان مؤمنا نَعِمَ بما هو أعظم وذلك يوم القيامة، وهذا الهدف لا يتحقق أبدا انطلاقا من رؤيا ناقصة لمفهوم الإنسان. الإنسان الآن في علم الاجتماع أو  في علم النفس في النظرة الغربية،،  أو في غير ذلك  بصفة عامة ليس هو الإنسان الذي نعرف نحن انطلاقا من الرؤية القرآنية، شتان بين الإنسانين، وبسبب ذلك شتان بين ما يصدر عن الأول وبين ما يصدر عن الثاني، فتحصيل السعادة هنا يحتاج إلى شروط كثيرة تعتبر وسائل .</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>3 &#8211; التنــمية بمـــاذا ؟ أو وسـيلة التنـمـية:</strong></span> &gt;  إذن ما هي هذه الشروط ،  ما هي وسيلة التنمية في نظركم ؟ &gt;&gt;  التنمية بالمعنى الذي تحدثنا عنه لا بالمعنى المادي الخالص، لا تتم بالسيطرة على الطاقة المائية والطاقة الكهربائية فقط، وإنما تتجلى أكثر ما تتجلى، زيادة على التسخير والتمكين، في نوع التوظيف لهذه الطاقة، هنا تتجلى التنمية الحقيقية، و ها هنا يأتي الهدف الكبير لهذا الدين  الذي خلق من أجله ابن آدم، حتى قيام الساعة وهو العبادة، {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}(الذاريات : 56).  والعبادة لا معنى لها إذا اقتصرت على الأشكال دون استقرار خشية الله في القلب وتقواه لأن الغاية من العبادة التي هي غاية الخلق شيء آخر  {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم}(البقرة : 21) لِشَيْءٍ آخر هو:{لعلكم تتقون}.والتقوى أيضا ليست مرادة في حد ذاتها،وإنما هي مرادة لشيء أعظم أيضا هو الرحمة،  ولا شيء بعد الرحمة {واتقوا الله لعلكم ترحمون}(الحجرات : 10) والرحمة هي ما طلبه الأنبياء والصديقون {ربّ اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك}(الأعراف :151) {وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين}(الأنبياء :86 ) &gt;ولن يدخل أحدكم الجنة بعمله  قالوا ولا أنت يا رسول الله، قال : ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته&lt;.أو كما قال . فهذه السعادة التي تحدثت عنها، لا تحصل إلا بوسيلة العبادة، لأن هاته العبادة ضُبطت ممن خلق الكون، ضُبطت ضبطا مدققا من خالق الكون، حين كان يشرع كان واضعا في حسابه سبحانه وتعالى، القَبْل والبَعْدَ، وما كان وما سيكون، وما فوق وما تحت، والباطن والظاهر وكلّ شيء، ما لاتعلمه أنت، وما لا أعلمُه أنا، وما لا يعلمُه هذا القرن وما لاتعلمه القرونُ القادمة، كل ذلك معلوم عند الله عز وجل، وحين شرع، شرع  على أساس ذلك، وما لم يُكْتَشَفْ في الإنسان حتى الآن. في الإنسان مجاهيل ضخمة جدا جدا {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}(الداريات :21). العلم بالمعنى الشائع اليوم (العلم المادي) مازال يتغلغل ويواصل الحفر في أجواء الفضاء للإنسان، محاولا الوصول إلى بعض المعلومات، وسيظل قاصرا لا بالنسبة للإنسان، ولا بالنسبة للكون من حول الإنسان، برغم التقريب الشديد والتكبير الشديد، الذي وصلنا إليه،كلما حصل ذلك اتسعت دائرة المجهول، لأنه على قَدْرِ علم الإنسان تتسع دائرة جهله. فهذا التشريع للعبادة ضَبَط الإنسانَ ضبطا تامًّا من الخارج والداخل ضبْطًا يضمن فيه جميع الحقوق بسبب فَرْضِه جميع الواجبات، إد العلاقة بين الحق والواجب، علاقةُ تلازم، بل ما هو واجب على إنسان هو حق لآخر عليه،وما هو حق له على آخر هو واجب على ذلك الآخر، فلو اشتغلنا وجعلنا الناس يشتغلون بأداء الواجبات لاسترحْنا كثيرا من المطالبة بالحقوق، وإن النكسة كبيرة جدا في نقل اهتمام الناس بالمطالبة بالحقوق بدل شغلهم بأداء الواجبات، لأن الذي يشتغل بطلب الحق يستريح والذي يشتغل بأداء الواجب في نصَبٍ (في تعب) لا يستريح وحين يؤدي الواجبات تلقـائيا يضمن حـــق الّآخر تلقائيا،ويا ليت قومي يعلمون في الأحاديث النقابية كيف أن هذا الأمر معكوس منكوس في العالم كله، ولذلك حين قال الرسول  : &gt;ستَكُون بعدي أثَرَةٌ&#8230;قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال : تؤدُّون ما عليكم (الواجبات) وتسألون الله الذي لَكُمْ&lt; تسألونه بسبب وبغير سبب هذا موضوع آخر حسب الظرف وحسب القدرة، ولكن تؤدون ما عليكم هي الأُولى وبها تترتَّب أمورٌ كثيرة. فإذن العبادة بمفهومها الشامل، لا بمفهومها الضيق الصغير، العبادة التي هي وظيفة الخلق، العبادة التي تجعل جلستنا هاته عبادة، وتجعل استماعنا عبادة، وتجعل نطقنا عبادة، وتجعل إبصارنا عبادة، تجعل كل فعل نفعله وكل خاطرة تخطر ببالنا عبادة، إما للرحمن وإما للشيطان. 4 &#8211; مم تـنـطـلق التـنــمية ؟ أو منطلقات التـنمية: وعليه، فمنطلق التنمية الذي تبتدئ منه الحركة في الاتجاهات كلها، هو شيء بسيط وعظيم، شيء واحد اسمه -العلم- إذا حضر، حضر ما سواه، وإذا غاب، غاب ما سواه، خاصة إذا نظرنا إليه بالمعنى الذي تقدم أي أن العلم هو علم الوحي، لأنه المهيمن على ما سواه من العلوم، والعلوم أصناف ثلاثة :</p>
<p><strong>1- العلوم الشرعية.</strong></p>
<p><strong>2-  العلوم الإنسانية.</strong></p>
<p><strong>3- العلوم المادية.</strong></p>
<p>واليوم، نظرا لطغيان المادة، العلم المادي هو الذي صار يطلق عليه لفظ &#8220;العلم&#8221;،لذلك سميت كُلِّيات العلوم. ولكن الوضع الطبيعي للأشياء هو أن العلم علمُ الوحي، الذي فيه اليَقين المطلق، وفيه الحقُّ المطلق، وهو الذي يهيمن على ما سواه، والتفكير في العلوم الإنسانية يجب أن يكون من داخل دائرة الوحي، والتفكيرُ في العلوم المادية من جهة التسخير خاصة إنما ينضَبِطُ بعلم الوحي، قد يصل الكافر إلى الحقائق وهو واصل في الطاقات وفي غير الطاقات ولكن التوظيف الذي تحدثتُ عنه، ونوع التوظيــف ذاك لا يتم إلا بعِلْم الوحي، هل بالذّرة نسهّل للناس العيش أم ندمّر الكون ؟هل بالطاقة الذرية وكل أنواع الطاقات (وسائل التسخير) هل بها نعبد الله أم بها نعْبد الشيطان؟ فالمنطلق إذن هو العلم، والعلم علمان :</p>
<p>&lt; علم الوحي الذي تحدثنا عنه.</p>
<p>&lt; وعلم يليه في الرتبة له أهمية كبيرة في منطلق التنمية وهو علم الكون، لأنه عندنا عِلْم القرآن وعلم الأكوان، الأول يستخلص بالتدبر والثاني بالتفكُّر، بكل أشكال التفكُّر ومنها التجربة والملاحظة، علم الكون هذا في جانب الماديات أساسيٌّ للتسخير، أساسي لتنمية ورفع قدرات الإنسان على التسخير، فإذا أعْمل فيه النظر بما يلزم له، ووقع به الاهتمام، فإن النمو يحصُل بسرعة، لأن الإنسان  مثلا إذا حمل بنفسه شيئا بوسائله الذاتية فإن لذلك حدا، لكن بأشكال الرَّوافع العصرية تتغيَّر قدرةُ الإنسان، إنها نفس القدرة لكنها نَمت، كيف نميت؟ بتركيز النظر بالتفكير في هذا الكون ونواميسه وسننه ونظامه، فإذا علمت طبائع الأشياء كما خلقها الله سبحانه وتعالى علمت كيفية تسخيرها. فإذا لم ينظُر في ذلك لا يتم علم، وإذا نظر نظرا صحيحا يتم العلم، حصول العلم. ويبقى التوظيف الذي يتحكم فيه العلم الأول (العلم الشرعي)، قد يكتشف العالم المادي كشوفاتٍ عظيمةً جدا ولكن يمكن أن يوظفها توظيفا ضارًّا جدا. علاقة الثقافة بالتنمية &gt; بعدما عرفتم الثقافة &#8211; أو العلم حسب رأيكم -والتنمية،  ما هي طبيعة العلاقة الممكنة بينهما؟ &gt;&gt; إنها علاقة الفكر بالسلوك، علاقة لها صورتان كبيرتان: -علاقة سلبية. -علاقة إيجابية. &lt; العلاقة السلبية/التثبيط : ينتج عنها موت الإنسان ولا نقول نُمُوه بل قَتْله. وقد عبر عن ذلك أحدهم متحدثا عن البنيوية ب&#8221; فلسفة قَتْل الإنسان&#8221;.</p>
<p>إن الإنسان الموجود الآن فيه الميت وفيـــه الحي، وإن الأمواتَ أكثر من الأحْياء. القرآن صريح في هذه النقطة حينما يقول : {أَوَ مَنْ كَانَ مَيِّتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا َيْمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ في الظُّلُمَات لَيْسَ بخَارِجٍ مِنْهَا}(الأنعام : 122) فالموجود في الظلمات ميتٌ، لأنه لا يستطيع تبيُّن شيء بوجوده في الظلمات، لا يرى الأشياء بأحجامها الطبيعية لا يُبْصِر لاَ شرقا ولا غربا ولا يمينا ولا يسارا ولاتحت ولا فوق، إنه ضالٌّ مُضِل، إذا كان العلم الذي يُغذَّى به الإنسان عبر وسائل الإعلام والتثقيف، عبر وزارات الثقافة والإعلام، إذا كان ما يصدر عنها يؤدي -بعد أن يُخْزن في عقل الإنسان-إلى أن ينمِّيَ الشخصية الإنسانية الآدميةَ ويؤدي بها إلى تنمية قُدرة الإنسان على تسخير الكون لصالح الإنسان فأبْشِر، واعْلَم أن هذه العلاقةَ طبيعية. وإذا لم يحدث شيءٌ من هذا أو يحدُث بعضُه في صورة متخلفة فالخَلَـُل عـلـى قـدر الخلل. اعتبرها مثل حالات القلوب : القلب الحيّ، والقلب الميّت، والقلب المريض، الإنسان  شبيه بهذه الصور: فإذا كانت المعلومات التي بُثَّتْ فيه قاتلة لشخصيته فهي علاقة سلبية من جهة نوع العِلم الذي يُغَذِّي هذا الإنسان، فبدل أن يرفعه وينمِّيه فإنه يخْفضه ويُدْنِيه أي بدل أن يزكِّيه يُدسيه. هذه العلاقة تُعتبر  سلبيةً سواء جاءت من أن الشيء غير صالح، فأدَّى إلى عدم صلاح النّتيجة، أم أن الشيء المرسل صالحٌ ولكن المتَلَقِّي لا يَسْتَقْبِل،. وبذلك تبقى العلاقَةُ سلبيةً فلا انتفاع. وتبقى الحالات : مرضيةً أو موتًا أو تُلْحق بالموت. &lt; العلاقة الإيجابية /التنشيط  :وهي العلاقة التي أشار إليها الرسول ، عندما تحدّث عن الطائفة الطيبة (مثَلُ ما بعثني به الله من الهُدى والعلم كمثل غيثٍ أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قَبلت الماء (أولا هو ماء ثانيا قُبِلَ ) فأنبتت الكلأ والعشب الكثير). وتكون العلاقة إيجابية بين &#8220;الثقافة&#8221; والتنمية حين تكون تلك &#8220;الثقافة&#8221; أو العــلم غير مغيّرة لواقع الكَوْن كما خلقه الله،أي غير مُحْدِثة فيه أمرَ  إبليس {ولأَمَُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الّله}(النساء : 119)  خَلْق الله الذي هو الفطرة {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخَلْق الله ذلك الدين القيم}(الروم : 30) إذن   فإما أن يكون هذا العلم منسجما مع هذا الخلْق موظِّفًا له في نفس توجه وجوده، أو أن يكون بعكس ذلك، وتلك هي الكارثة. في طبيعة الثقـافة الإسلامية &gt; ما هي مظاهر العلاقة التنشيطية التي تتحدثون عنها ؟وما هي طبيعتها ؟ إنها في الأساس طبيعة تنموية ؛لأن العلم الشرعي الإسلامي  طبيعته تنْمَوِيَّةٌ  ؛هذا العلم (الوحي) إذا أُرْسِل أو استُقْبل يقوم بوظائف أساسية:</p>
<p>أ- يحرِّر ولا يعبِّد : يحرر عبد الله مما سوى الله، مثل ما قال ربعي بن عامر :&#8221;جئنا لنُخْرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد.&#8221; إنها ثقافة محرِّرة تجعل الإنسان حرًا بعبوديته لله، وعكس ذلك إن عَبَدَ باستقلاله عن الله  سيكون عبدًا لسوى الله شاء أم أبى، فلا فراغ في الكوْن، ولا فراغ في القلب، ابن آدم شاء أم أبى إما يعبُدُ الله، وإما يعبُد غَيْر الله، فلا فراغَ ولا توسط، حتى الذي لا يعبد مالا ولاشهوة ولا جاها، فإنه يكون عَبْد نفسه {أرأيت من اتخذ إلهه هواه}(الفرقان : 43). وحين يحرر الإنسان مما سوى الله،  أي من مختلف الضغوط، يصير في أقوى أحواله، تصير قدرتُه في أعلى درجاتها من التوهُّج على الإطلاق، لأنه لا يشعر بغير الله،  فوحده يمكن أن يواجه العجَب العُجاب، وهذا المعنى هو الذي سكن قلب رجل كبلال رضي الله عنه عندما كان يقول :&#8221;أحد، أحد&#8221; مواجها به كل الضغوط الموجودة.  {اقرأ باسم ربك}، من تأمَّلها  يجد نفسه قادرًا على أن يواجه بها كُلَّ مأمور به شرعا، ولو ظهر لك أنه مِثْلُ جبل لأنك لا تواجهُه بك، بحولك وطوْلك وإنما بحول الله وقوته، ولذلك تصير مضروبا فيما لا نهاية بتعبير الرياضيِّين.</p>
<p>ب- يعمر ولا يدمر : وهو ما تحدثنا عنه في إطار نوع التوظيف والتسخير. لماذا ننمي ؟ لإسعاد الإنسان الذي بسعادته يسعد ما سواه. يقول تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(الأنبياء : 107)  المسلم الحق رحمةٌ، على قدر حلول معنى علم الوحي فيه، يكونُ حُلول معنى الرحمة فيه، وتصير بذلك الرحمة معنى شاملا للحيوان والنبات والبشر والحجر والعدو والصديق. وأوسع المعاني هو معنى الرحمة في أسماء الله الحسنى {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}(الإسراء : 110). فهي ثقافة معمِّرة بالمعنى العام، للكون وللأرض بحكم أنها دافعةٌ للعبادة. والثقافة بهذا المعـنى، ما أشبهها بلفظ (الشريعة) ولذلك أحبِّذ لفظ الشريعة بدل &#8220;الثقافة&#8221; في هذا المقام.</p>
<p>ج- يرفع ولا يضع : إذا كان معنى التحرير يفجر الطاقات، ومعنى التعمير يوجه ذلك التفجير، فإن معنى الرَّفْع يُشْعِر بالأمانة ويؤهِّلُ للشهادة. قال الرسول  &gt;اليد العليا خير من اليد السفلى&lt; تأمل هذا المعنى على عمومه : المسلم في موقع العطاء، موْقِع الإرسال، لا في موقِع الأخْذ والاستجداء. إن وضعنا الفردي والجماعي الآن غريبٌ عن الحس الإسلامي، هذه الأمة أمة الشهادة على الناس، كيف يمكنها ذلك وهي تشهدُ من تحت ؟ هذه الأمة رفعها الله بالكتاب، ووضعها في موقع عليٍّ : &gt;إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين&lt;، من علم ما فيه وعمل به رفع {يَرْفَعُ اللهُ الذين آمَنُوا مِنْكُمْ والذِينَ ُأوُتوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ} وإذا لم يحدث هذا يقع الخفض،والخفض تدسية.</p>
<p>كلمة أخيرة إن المنطق الذي يحكُم في التنمية دارَ الإسلام ليس هو المنطق الذي يحكم في التنمية دار الكفر، لماذا؟ لأمر واحد بسيط هو أن المسلمين حملهم الله الأمانة، ووضع في أيديهم الرسالة، وغيرُهم لم يحمل هذه الأمانة وإنما ينتظرُ أن تصل إليه، فذاك يعيش بمنطق الغاب والحيوان. وهذا المفترَضُ فيه أن يعيش بمنطِقِ الآدمية، فيصير رحمةً للعالمين، لذلك حين ينتكس، فبدل أن يأخذ العلم من مصدره يأخذه من غَيْره، ولذلك  يُعاقب، والآخر لا يعاقب على ذلك لأنه غير مكلّف، والمكلفون الآن بالشهادة على الناس بأمانة الإنسانية بصفة عامةٍ هم المسلمون لو يَعْقِلُون.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%85%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
