<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; الائتلاف</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%a6%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%81/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>بعض القواعد الضابطة لجعل الاختلاف رحمة  (2)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/07/%d8%a8%d8%b9%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b6%d8%a7%d8%a8%d8%b7%d8%a9-%d9%84%d8%ac%d8%b9%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ae%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%81-%d8%b1%d8%ad%d9%85/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/07/%d8%a8%d8%b9%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b6%d8%a7%d8%a8%d8%b7%d8%a9-%d9%84%d8%ac%d8%b9%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ae%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%81-%d8%b1%d8%ad%d9%85/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 01 Jul 2017 12:38:37 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 482]]></category>
		<category><![CDATA[الفقه و المعاملات]]></category>
		<category><![CDATA[اجتهاد]]></category>
		<category><![CDATA[الآداب]]></category>
		<category><![CDATA[الائتلاف]]></category>
		<category><![CDATA[الاختلاف]]></category>
		<category><![CDATA[الاختلاف رحمة]]></category>
		<category><![CDATA[الدكتور عصام البشير]]></category>
		<category><![CDATA[العلماء]]></category>
		<category><![CDATA[القواعد الضابطة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=17486</guid>
		<description><![CDATA[في الحلقة السابقة تناول الدكتور مفهوم الاختلاف والائتلاف ويواصل في هذه الحلقة ما يلزم مراعاته منا لضوابط والآداب في الاختلاف تحقيقا للائتلاف وجلبا للرحمة. من هنا كان لابد من أن نذكر بعض القواعد الضابطة المعينة لجعل هذا الاختلاف رحمة: أولا: لابد أن يعتقد الجميع أنه لا عصمة لأحد عند أهل الحق إلا للنبي . وأهل [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>في الحلقة السابقة تناول الدكتور مفهوم الاختلاف والائتلاف ويواصل في هذه الحلقة ما يلزم مراعاته منا لضوابط والآداب في الاختلاف تحقيقا للائتلاف وجلبا للرحمة.</p>
<p>من هنا كان لابد من أن نذكر بعض القواعد الضابطة المعينة لجعل هذا الاختلاف رحمة:</p>
<p><span style="color: #ff0000;"><strong>أولا:</strong></span><span style="color: #0000ff;"><strong> لابد أن يعتقد الجميع أنه لا عصمة لأحد عند أهل الحق إلا للنبي .</strong></span> وأهل الفضل والعلم والإمامة يؤخذ منهم ويرد، كما قال إمام دار الهجرة رحمه الله: ما منا إلا راد أو مردود عليه إلا صاحب هذا القبر. النبي عليه أفضل الصلاة والسلام له عصمتان: عصمة هداية وعصمة حماية. عصمة الهداية: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وعصمة الحماية: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ إن شانئك هو الأبتر، وغيرها من الآيات الدالة على هذا: فسيكفيكهم الله. والعصمة كذلك للأمة في مجموعها؛ لأن الله أجار أمة محمد  من أن تجتمع على ضلال. أما آحاد الناس مهما كان مقامه في العلم والفضل، فإنه يتعذر على الواحد منهم أن يحيط بالعلم كله، وبالحق كله. فهذا الصديق  الذي هو أفضل من طلعت عليه شمس الدنيا بعد النبوة فات عليه حكم ميراث الجدة حين جاءت تسأل عن نصيبها، فقال: ما أعلم لك في كتاب الله من شيء. وما أعلم أن رسول الله قد قضى لك من ذلك بشيء. حتى قام المغيرة بن شعبة فشهد أن النبي  كان يعطيها السدس. قال: هل معك من يشهد؟ فشهد محمد بن مسلمة فأنفذه لها أبو بكر. وخفي عليه حكم مقدار ما يكفن به الرجل، حتى أخبرته السيدة عائشة الصديقة بنت الصديق أن السنة قد مضت أن الرجل يكفن في ثلاثة أثواب، وكذلك عمر الفاروق  الذي قال عنه ابن مسعود: إني لأحسب أن عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم. وربما عن النبي  أعطى فضل شرابه لعمر وأول ذلك بالعلم، عمر الذي نزل القرآن بموافقته في سبعة مواضع من كتاب الله الكريم، ومع ذلك خفي عليه حكم الطاعون، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف، وخفي عليه حكم المجوس حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن السنة مضت: سنوا بهم سنة أهل الكتاب. وأن النبي  أخذ الجزية من مجوس هجر. وخفي عليه حكم الاستئذان حينما طرق عليه أبو موسى ثلاثا فلم يرد عليه، فجيء به إلى عمر مرة ثانية، فأخبره: إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع. فقال: لتأتيني ببينة. قال: أبو سعيد الخدري. فأوتي به فشهد بما قال به أبي موسى. فقال عمر أما إني لم أتهمك، وإنما أردت أن أعلم الناس التثبت؛ لأن مجالس الخلفاء يشهدها عوام الناس، فلو رأوا أصحاب رسول الله يتجاسرون على رواية النصوص فربما حملهم هذا على الرواية من غير تثبت، والرواية عن رسول الله ليست كالرواية عن آحاد الناس. «إن كذبا علي ليس ككذب على أحدكم».</p>
<p>ومن هنا غاية ما يقوله الإنسان إذا تحقق فيه هذا، أن كل إنسان من أهل العلم والفضل يمكن أن يستدرك عليه. ولكن الاستدراك على العالم وعلى أئمة الفضل ليس معناه التشنيع عليهم. أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعظيمنا قدره» والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.</p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>القاعدة الأولى:</strong> </span><span style="color: #ff00ff;"><strong>أنه لا عصمة عند أهل الحق إلا للنبي عليه الصلاة والسلام.</strong></span></p>
<p>إذا تقررت هذه القاعدة تلتها القاعدة المتممة لها أن غاية ما ينتهي إليه الإنسان من نظر واجتهاد وفكر ورأي، غاية ما يقول فيه اجتهادي صواب يحتمل الخطأ، واجتهاد غيري خطأ يحتمل الصواب. ولذلك جاء في الحديث وجاء أيضا في الأثر: أنزلهم على حكمك، ولا تنزلهم على حكم الله ورسوله فإنك لا تدري أصبت حكم الله أم لا. إذا قلت هذا حكم الله وجب التسليم: إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا. ولكن إذا قلت هذا اجتهادي في فهم حكم الله فإن صوابا فمن الله وإن خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، انتهى الأمر. هنا قابل لأن يستدرك على هذا الرأي: أن يؤخذ، أن يرد، أن يعدل، أن يصوب، هذا الذي قاله عمر لأبي موسى: &#8220;فلا يمنعنك قضاء قضيته اليوم، فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل&#8221;. سئل الإمام أبو حنيفة: هل هذا الرأي الذي ارتأيته، هل هو الحق الذي لا باطل معه؟ قال: &#8220;لعله الباطل الذي لا حق معه&#8221;. وهذا من تمام إنصافه، ومن تمام تواضعه، مع إمامته التي لا تخفى على أحد، فقد قال الشافعي: &#8220;الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة&#8221;.</p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>القاعدة الثانية:</strong></span> <span style="color: #ff00ff;"><strong> كل اجتهاد هو قابل للمراجعة والاستدراك:</strong></span></p>
<p>إذن اجتهادي صواب في محل للمراجعة، والاستدراك والتصويب وليس معصوما، ولا يرفع إلى مرتبة التقديس مثل ما هو الحال مع النبي .</p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>القاعدة الثالثة: </strong></span> <span style="color: #ff00ff;"><strong>ضرورة احترام العلماء وتوقيرهم مهما كان الاختلاف معهم:</strong></span></p>
<p>وهي من القواعد المهمة التي ينبغي أن نراعيها في أدب الاختلاف وذلك بأن نعمل على التوقير والاحترام لمن أسدى إلينا علما من الأحياء ومن الأموات، فهذه الأمة أمة متراحمة، وإن تباعدت أقطارها، وتناءت ديارها، وتنوعت مذاهبها، هذا الذي كان عليه سلف الأمة الصالح، من أهل القرون الفاضلة المشهود لها بالخير والإيمان؛ لأن بعض الناس يحول اختلاف الرأي إلى تنافي القلوب، والمطلوب أن نجعل اختلاف الرأي في محله، وأما القلوب فتكون ملأى بالمحبة والمودة السابغة. فإن الشافعي جاء إلى المدينة المنورة، وأخذ العلم عن مالك رضي الله عنهما جميعا، ورأى مالك نباهة في الشافعي ونبوغا عنده، فقال: يا بني أرى أن الله قد ألقى عليك نورا من العلم فلا تطفئه بظلمة المعصية. ثم غادر الشافعي المدينة بعد أن أخذ عن مالك علما جما، أخذ عنه أدب العلم وأدب العلم. وخالفه في بعض مسائله كشأن العلماء. ومع ذلك كان يقول: &#8220;إذا ذكر العلماء فمالك النجم&#8221;، &#8220;مالك حجة الله على خلقه&#8221;، &#8220;ما تحت أديم كتاب أصح من كتاب مالك&#8221;، &#8220;لولا مالك وابن عيينة لذهب العلم من الحجاز&#8221;؛ لأن سفيان ابن عيينة كان إمام أهل مكة، ومالك كان إمام أهل المدينة. قال: لولاهما لذهب العلم من الحجاز، هذا هو الأدب.</p>
<p>وهذا عبد الله بن المبارك خالف أبا حنيفة في بعض المسائل، فسمع رجلا يتنقص من قدر أبي حنيفة، فقال:</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>يا نـــاطح الجبل العــالي ليكـرمه</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل</strong></span></p>
<p>فالذي يناطح أبا حنيفة إنما يناطح صخرة.</p>
<p>ثم الشافعي ذهب إلى بغداد قبل أن يرتحل إلى مصر، وممن تتلمذ عليه أحمد بن حنبل. وأحمد خالفه في مسائل معروفة، ولكن انظروا إلى أدب الشيخ مع تلميذه، وأدب التلميذ مع الشيخ. كان هذا الرحم الموصول، السابق بمودة الأخوة الإيمانية. قال الإمام أحمد عن شيخه الشافعي لابنه عبد الله: يا بني والله ما بت ليلة ثلاثين سنة إلا ودعوة فيها للشافعي، قال: يا أبتي لقد سمعتك تكثر الدعاء له، من هذا الشافعي؟ قال: يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف؟ أو منهما عوض؟ ومن يك علم الشافعي إمامه، فمرتعه في باب العلم واسع. أما أدب الشيخ مع التلميذ ورحمته به، فقد قال الشافعي: لقد تركت بغداد، وما خلّفت فيها أورع ولا أعلم ولا أحلم من أحمد ابن حنبل، ثم قال:</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>قالوا يزورك أحمد وتــــزوره</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>قلت المكارم لا تفارق منـــــــزلا</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>إن زارني فبفضله، أو زرتــــــه</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>فلفضله، فالفضل في الحالين لــه.</strong></span></p>
<p>أنظر إلى هذا الأدب، وانظر إلى معارض الكتاب الإسلامي في كثير من البلاد الإسلامية، تجد كأسلحة الدمار الشامل في عناوين الكتب، &#8220;السيف الصقيل في الرد على ابن النفير&#8221;، &#8220;السيف البتار في الرد على كذا&#8221;، البومب الألماني في الرد على الألباني&#8221;، ما من سلاح نووي أو غير ذلك، إلا وهو مشرع في مسائل لا تحتمل مثل هذا النزوع إلى هذه الشدة والضغائن، وإنما يمكن أن نعالجها في إطار هذه الرحمة السابغة، باعتبار أن هذا الاختلاف قد وسع من قبلنا؛ وسع الصحابة رضوان الله عليهم بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام فأقرهم على حق الاختلاف وعلى مشروعية الاجتهاد في صلاة بني قريظة، وكان بإمكان النبي  أن يصوب طائفة، ويخطئ الطائفة الأخرى. ولكن أراد أن يقر هذا الحق في الأمة، لنتناوله بهذه السعة وتلك الأريحية. ولكن بعض الناس تركوا هذا الأدب وكان بديلهم التكفير، التفسيق، التبديع، التجهيل، التضليل، وربما الإخراج من الملة بالكلية. فأدى هذا إلى ما نحن فيه؛ من هذا التشظي، وهذه الآفة من التشرذم التي أوقعتنا في التقاطع، والتهالك، والتدافع تحت عناوين ومسميات مختلفة: الولاء والبراء، وغير ذلك، وهجر المبتدع، وهنا وهناك&#8230; ويقع في مثل انحرافات كثيرة؛ لأنهم تركوا هذا الأدب الراقي الذي كان عليه سلفنا الصالح من أهل القرون الفاضلة المشهود لها بالخير والإيمان.</p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>القاعدة الرابعة:</strong></span> <span style="color: #ff00ff;"><strong>لا إنكار في مسائل الخلاف الاجتهادية:</strong></span></p>
<p>وهي من القواعد المهمة التي ينبغي أن نراعيها، وهو أن مسائل الاختلاف المشروع، الاختلاف السائر المقبول، لا ينبغي أن يقع فيه الإنكار على وجه الحسبة؛ لأن من شروط النهي عن المنكر أن يكون متفقا على كونه منكرا. فإذا كان الاختلاف معتبرا عند أهل العلم فلا يجوز الإنكار على وجه الاحتساب. وإنما غاية أن نقول: والله، أنا في المسألة رأيي كذا، ودليلي كذا، وحجتي كذا، وأنت ماذا ترى في هذه المسألة؟ فنتباحث، ونتحاور، في ضوء الأدلة، وفي ظل المحبة.</p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>القاعدة الخامسة:</strong></span> <span style="color: #ff00ff;"><strong>حسن إدارة الخلاف وتدبيره:</strong></span></p>
<p>ينبغي أن نعرف كيف ندير هذا الاختلاف؟ ومتى نديره؟ هل ندير خلاف العلماء في المسائل الدقيقة العويصة بين عامة الناس؟ أم أن محل هذا الاختلاف هو الخاصة من أهل العلم؛ لأنهم يحسنون تنزيل النصوص في مواطنها، أما حينما نكون أمام العامة فإننا بذلك نشغب على العامة، ونؤدي بهم إلى هذا التنازع. ولذلك: &#8220;ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة&#8221;. &#8220;حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟&#8221;، حينما نحدث عامة الناس، نحدثهم بما يعقلون، بما يطيقون، بما يفقهون، بما تتسع له عقولهم، بما تطيقه نفوسهم. وحينما تأتي في مجلس علمي بين أهل الاختصاص والعلم والنظر والفكر والتأمل يمكن أن نطرح القضايا الغويصة أو العميقة. أما عامة الناس فلا نقول لهم إلا ما تتسع له عقولهم. وكان هذا هو أيضا ديدن السابقين من أهل العلم والفضل، يتخيرون لكل مقام مقالا، فأنت تخاطب الناس بالمقال الذي يتسع له الظرف.</p>
<p>وكذلك ينبغي أن نجنب المساجد خلافاتنا كي لا تكون ساحة للصراع، يسمى المسجد الجامع لاجتماع كلمة الأمة. حتى العلماء قالوا: إذا وجد إمامان في المسجد، أحد الإمامين كان فقيها متضلعا، ولكنه كان فظا غليظا جافا جلفا، شديد العبارة، قاسي الكلمات، لا تأتلف عليه قلوب المصلين، فإنه يقدم عليه من كان أدنى منه علما وفقها، إذا كان لين العريكة، رقيق العبارة، يألف ويؤلف، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا، من أم القوم وهم له كارهون..». يقدم الإمام المرجوح مع وجود الراجح، والمفضول مع وجود الفاضل، درءا لمفسدة وتحقيقا لمصلحة، والمصلحة هي اجتماع الكلمة، وتأليف القلوب ووحدة الصف. والمفسدة هي هذا التفرق الذي ينشأ من هذه الغلظة، وهذا الجفاء الذي ينعقد ببعض الأئمة. فنحيد بيوت الله تعالى عن كل خلاف وشنآن إجلالا وتعظيما وتوقيرا لها، وأماكن العلم أن تكون ساحة لمسرح الخلاف، وأن نجعل إدارة المختلف فيه في الأماكن التي تستوعبها، وبين العقول التي تستوعبها كذلك، هذا أدب ينبغي أن نراعيه.</p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>القاعدة السادسة:</strong></span> <span style="color: #ff00ff;"><strong>تعظيم المشتركات:</strong></span></p>
<p>وهي التي عبرت عنها بفقه الائتلاف، فبعض الناس دائما يبدأ بالمختلف فيه قبل المتفق عليه. والأصل غير ذلك، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، نبحث عن الكلمة السواء إذا كان هذا في العلاقة مع غير المسلمين، فكيف بالعلاقة مع المسلمين. فالجوامع المشتركة كثيرة، نبدأ بها، نبدأ بالمتفق عليه فنتعاون، ونتآزر، ونتناصر ونتعاضد، وليعن كل منا أخاه على مقتضيات تحقيق هذه المؤتلفات وهذه المشتركات الجوامع، نعظمها ونجعلها هي الأصل؛ ونجعل المختلف فيه قابلا للرد إلى المشترك، فبه يفسر ويفهم فنبدأ بالمتفق عليه قبل المختلف فيه حتى في العلاقة مع غير المسلمين. نحن حينما نتحدث عن المشترك، نحن أهل القبلة، نحن المسلمين،  عندنا جوامع كثيرة، نشترك فيها: منها وحدة المصادر، الكتاب والسنة، المرجعية؛ وحدة النبي عليه الصلاة والسلام يقتدى به، وحدة القبلة، وحدة الشعائر والشرائع والقيم، وحدة المصير المشترك. عندنا مشتركات كثيرة يمكن أن نلتقي عليها وأن نتعاون فيها، فنحمي المختلف فيه، لنفسره في ضوء هذا. وإذا أردنا أن نبحث عن المشترك الإنساني والحضاري سنجد أيضا مشتركات. بعض الناس يقول لا، العلاقة بيني وبين الكافر لا مساحة فيها للمشترك؛ العلاقة بيني وبين الحضارة الأخرى لا مساحة فيها للمشترك. وهذا ليس صحيحا، هناك مشترك إنساني وحضاري. من بين هذه المشتركات: الإيمان بوحدة الأصل الإنساني «إن ربكم، وإن أباكم واحد»، العبودية لله والبنوة لآدم؛ ومن هذه المشتركات الأخوة الإنسانية: «وأشهد أن العباد كلهم إخوة»؛ ومن هذه المشتركات الكرامة الآدمية: ولقد كرمنا بني آدم&#8230;؛ ومن هذه المشتركات ما داموا مسالمين التعامل بالبر والقسط، والبر كلمة جاءت في أجل العبادات بعد التوحيد وهي بر الوالدين، واستعملت في التعامل مع غيرهم، ثم المجادلة لهم بالتي هي أحسن، استعمل صيغة التفضيل، يعني إذا كانت هنالك طريقتان حسنة وأحسن، فنأخذ بالتي هي أحسن. ولكن بعض الناس يأخذون بالتي هي أخشن، اكتفت العلاقة بين المسلمين بالموعظة الحسنة، في العلاقة مع غير المسلمين بالتي هي أحسن؛ إذن فلنبحث عن المشترك. اليوم هنالك مشتركات حضارية، إنسانية، فالنبي  اعتبر حزب الفضول مشترك، قال: «لقد شهدت بدار عبد الله بن جدعان حلفا ما أن لي به من حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت». والعالم اليوم، الذي اختلت معاييره، واضطربت موازينه، محتاج إلى حلف الفضول؛ لأن المنظومة الدولية لم تكن عادلة اتجاه قضايانا ومقدساتنا، فأصبحت العدالة انتقائية. ليست فيها وحدة معيار، ولا استقامة ميزان:</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>تجمعتم من كل شعب وأمة ولون</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>لحفظ السلم فهل حفظ السلم؟</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>وهل رفع الحق الذليل جبينه</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>وهل نحن بتنا لا يروعنا الظلم</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>أرى الدول الكبرى لها الغنم وحدها</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>وقد عادت الصغرى على رأسها الغرم</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>متى عفت الذئبان عن لحم صيدها</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>وقد أمكنتها من مقاتلها البهم</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>ألا كل أمة ضائع حقها سدى</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>إذا لم يؤيد حقها المدفع الضخم</strong></span></p>
<p>إذن، كل الحق فلا بد له من قوة تحميه، فالأمة محتاجة إلى أن تتآزر مع أصحاب الضمير الحر، مع أحرار العالم وشرفائه، الذين ينصفون الرايات العادلة، بحثا عن حزب فضول عالمي، يقودنا إلى العدالة وإلى تحقيق السلم والأمن الدوليين، في ظل وحدة معيار، واستقامة ميزان. إذن في مشترك إنساني وحضاري، وأيضا هنا عندنا مشترك ديني. فلنبحث عن هذا المشترك، ولنعمل على تعظيمه، وتضييق حجم الاختلاف.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: rgb(0, 0, 255);"><em><strong>الدكتور عصام البشير</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/07/%d8%a8%d8%b9%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b6%d8%a7%d8%a8%d8%b7%d8%a9-%d9%84%d8%ac%d8%b9%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ae%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%81-%d8%b1%d8%ad%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>د. عصام البشير يحاضر بفاس في موضوع: &#8220;رحمة الأمة بين فقه الائتلاف وأدب الاختلاف&#8221;</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/04/%d8%af-%d8%b9%d8%b5%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d9%8a%d8%b1-%d9%8a%d8%ad%d8%a7%d8%b6%d8%b1-%d8%a8%d9%81%d8%a7%d8%b3-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%88%d8%b6%d9%88%d8%b9-%d8%b1%d8%ad%d9%85%d8%a9/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/04/%d8%af-%d8%b9%d8%b5%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d9%8a%d8%b1-%d9%8a%d8%ad%d8%a7%d8%b6%d8%b1-%d8%a8%d9%81%d8%a7%d8%b3-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%88%d8%b6%d9%88%d8%b9-%d8%b1%d8%ad%d9%85%d8%a9/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 25 Apr 2017 13:59:34 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 477]]></category>
		<category><![CDATA[الفقه و المعاملات]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[أدب]]></category>
		<category><![CDATA[أدب الاختلاف]]></category>
		<category><![CDATA[إعداد: نورالدين بالخير]]></category>
		<category><![CDATA[الائتلاف]]></category>
		<category><![CDATA[الاختلاف]]></category>
		<category><![CDATA[المجلس العلمي المحلي]]></category>
		<category><![CDATA[د. عصام البشير]]></category>
		<category><![CDATA[رحمة الأمة]]></category>
		<category><![CDATA[فاس]]></category>
		<category><![CDATA[فقه]]></category>
		<category><![CDATA[فقه الائتلاف]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=17049</guid>
		<description><![CDATA[نظم المجلس العلمي المحلي لمدينة فاس تحت شعار: &#8220;الإسلام دين الوسطية والاعتدال&#8221; محاضرة علمية في موضوع: &#8220;رحمة الأمة بين فقه الائتلاف وأدب الاختلاف&#8221;، ألقاها فضيلة الأستاذ الدكتور عصام البشير وزير الأوقاف السوداني سابقا ورئيس مجمع الفقه الإسلامي بالسودان حاليا، وذلك عشية الأربعاء 14 رجب 1438 هـ/ 12 أبريل 2017م/ بقاعة الندوات بالمجلس العلمي المحلي لفاس. [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نظم المجلس العلمي المحلي لمدينة فاس تحت شعار: &#8220;الإسلام دين الوسطية والاعتدال&#8221; محاضرة علمية في موضوع: &#8220;رحمة الأمة بين فقه الائتلاف وأدب الاختلاف&#8221;، ألقاها فضيلة الأستاذ الدكتور عصام البشير وزير الأوقاف السوداني سابقا ورئيس مجمع الفقه الإسلامي بالسودان حاليا، وذلك عشية الأربعاء 14 رجب 1438 هـ/ 12 أبريل 2017م/ بقاعة الندوات بالمجلس العلمي المحلي لفاس.</p>
<p>افتتحت المحاضرة بآيات بينات من الذكر الحكيم، ثم قدم الأستاذ العلامة عبد الحي عمور رئيس المجلس العلمي المحلي لمدينة فاس فضيلة المحاضر الدكتور العالم النحرير عصام البشير نبذة من سيرته وأعماله وإسهاماته العلمية والفكرية والسياسية، ثم أحال الكلمة للمحاضر الذي أبدى سعادته بالمشاركة في هذا المحفل حيث قدم عظيم الشكر وجزيل الامتنان للمجلس العلمي المحلي لفاس على الاستضافة، كما لم يخل تنويهه وشكره من الإشادة بفاس العالمة وإعجابه بتاريخها وعراقتها وحسن ضيافة أهلها، ثم شرع فضيلته في تفكيك عنوان المحاضرة عبر التعريج على مصطلح &#8220;الرحمة&#8221; والمقصود منها، واشتقاقاتها، فالوقوف على مفهوم &#8220;الفقه&#8221; بين اليوم والأمس، والتأصيل له من مصادر الشريعة، كما راحت كلماته ترفرف لتقف على مصطلح &#8220;الائتلاف&#8221; لتبين المقصد منه والتمثيل لهذه المقاصد والغايات، لينتهي به المطاف إلى بيان مفهوم &#8220;الاختلاف&#8221; وهل هو رحمة؟ أم لا؟ كما لم تفته فرصة الإشارة إلى ضرورة عمل الأمة بحسن تدبير الاختلاف، ومراعاة أدب الاختلاف، حتى لا يكون هذا الخلاف خصما على الأخوة الإسلامية.</p>
<p>ثم انتقل فضيلته إلى الوقوف على معنى قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات..، وذلك عبر تفكيك وتفسير وتدبر هذه الآية الكريمة والتمثيل لبعض ما وقف عليه من معاني ومقاصد من خلال نماذج من الأمثلة التاريخية للسلف الصالح وأخرى من واقعنا المعاش، كما لم تخل محاضرته من نكت وطرف مع الحضور الكبير فراح كالبلبل الصداح ينثر تلاد الشعر هنا وهناك.</p>
<p>وشهدت المحاضرة حضورا كثيفا وإقبالا واسعا من طرف طلبة العلم ومحبي فضيلة الدكتور عصام البشير، وفي التفاتة كريمة قدم العلامة عبد الحي عمور رئيس المجلس العلمي المحلي لفاس هدية رمزية وتذكارية للأستاذ الدكتور البشير مفخرة السودان، كعربون محبة وإكرام.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>إعداد: نورالدين بالخير</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/04/%d8%af-%d8%b9%d8%b5%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d9%8a%d8%b1-%d9%8a%d8%ad%d8%a7%d8%b6%d8%b1-%d8%a8%d9%81%d8%a7%d8%b3-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%88%d8%b6%d9%88%d8%b9-%d8%b1%d8%ad%d9%85%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>قواعد في الاختلاف والائتلاف &#8211; الخلاف مجرد وسيلة وليس غاية في ذاته</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2016/03/%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ae%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%81-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%a6%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%81-%d9%85%d8%ac/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2016/03/%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ae%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%81-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%a6%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%81-%d9%85%d8%ac/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 03 Mar 2016 12:17:07 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. الطيب بن المختار الوزاني]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 453]]></category>
		<category><![CDATA[تربية و تعليم]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[الائتلاف]]></category>
		<category><![CDATA[الاختلاف]]></category>
		<category><![CDATA[الخلاف]]></category>
		<category><![CDATA[الطيب بن المختار الوزاني]]></category>
		<category><![CDATA[قواعد]]></category>
		<category><![CDATA[قواعد في الاختلاف والائتلاف]]></category>
		<category><![CDATA[ليس غاية]]></category>
		<category><![CDATA[وسيلة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=11705</guid>
		<description><![CDATA[بيان هذه القاعدة يحتاج منا النظر في مسألة الخلاف من جهة إثارة الأسئلة الآتية: هل الخلاف مقصود لذاته أو هو مجرد وسيلة؟ وما هو الأولى للأمة هل هو تحصيل الوحدة وائتلاف أفرادها على المصلحة العليا واجتماع كلمتها أم أن مصلحتها في اختلافها وتفرق أبنائها طوائف وأحزابا وتشبثهم بأفكارهم ومذاهبهم وعدم فبول المخالف؟ ولماذا حرم الشارع [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>بيان هذه القاعدة يحتاج منا النظر في مسألة الخلاف من جهة إثارة الأسئلة الآتية: هل الخلاف مقصود لذاته أو هو مجرد وسيلة؟ وما هو الأولى للأمة هل هو تحصيل الوحدة وائتلاف أفرادها على المصلحة العليا واجتماع كلمتها أم أن مصلحتها في اختلافها وتفرق أبنائها طوائف وأحزابا وتشبثهم بأفكارهم ومذاهبهم وعدم فبول المخالف؟ ولماذا حرم الشارع بعض الأنواع من الخلاف خاصة الخلاف في القطعيات والأصول؟ ولماذا منع الشارع من الخلاف في القطعيات في الفروع وفي المعلوم من الدين بالضرورة؟ ألا يدل ذلك على أن الخلاف ليس مقصودا لذلك؟ أليس في المنع من هذا الخلاف دلالة على أن الأمة وإن اختلفت فعليها ألا تختلف في أصولها وقطعياتها وعليها أن تبقي على مجال رئيس للوحدة والاجتماع هو مجال الأصول والقطعيات والمعلوم من الدين بالضرورة، وأن الخلاف إن حصل فلا ينبغي أن يلحق هذه المجالات لأنه إن أصابها فقد أصاب الأمة في مقتلها ولن تجتمع كلمة على شيء بعد ذلك؟ ثم ألا يدل فعل الشارع في تقليل مساحة الخلاف وحصرها في مجال الظنيات القابلة لتفاوت الأنظار دون غيرها على أن مقصود الشارع الحكيم توسيع دائرة الاتفاق وأن غاية العباد القصد إلى وحدة الأمة؟ ثم أليس في الأمر الشرعي وتوجيهه للمختلفين برد المختلف فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله دلالة على توحيد الأمة والحرص على وحدتها وأن الخلاف ليس مقصودا لذاته؟ وما الحكمة التي تقف وراء جواز الاختلاف في مساحة الظنيات؟ وهل الخلاف فيها فرض لازم أم هو مجرد ترخيص يصار إليه عند تعذر الاتفاق والإجماع؟<br />
<span style="color: #0000ff;"><em><strong>انطلاقا من هذه التساؤلات نبني الكلام في هذه القاعدة على الشكل التالي:</strong></em></span><br />
<strong><span style="color: #ff00ff;">- كل اختلاف في الكون إلا وهو تجل للوحدة:</span></strong><br />
اختلاف الموجودات بجميع أجناسها وأنواعها وأشخاصها إنما هو اختلاف ظاهري ليس مقصودا لذاته ولا هو غاية في ذاته وإنما يطوي وراءه حكما أخرى عديدة منها الدلالة على وحدة الصانع وبديع صنعه ، ففي الاختلاف وحده تتجلى القدرة والإبداع ولقد قرن الباري سبحانه صفة إبداعه بتعدد المخلوقات فقال تعالى: بديع السماوات والأرض وكثيرا ما نبه الله جل وعلا عباده إلى قدرته على خلق الموجودات مختلفة ومتفاوتة ومتنوعة ومتباينة للدلالة على وحدته وتفرده بالخلق والأمر ويقول ابن تيمية: المخلوقات كلها آيات للخالق والفرق بين الآية والقياس إن الآية تدل على عين المطلوب الذي هو آية وعلامة عليه (مجموع الفتاوى،1/ 48).<br />
فجسم الكائن الحي يتكون من مجموعة أعضاء مختلفة، ومجموعة أنسجة متباينة، ومجموعة خلايا متنوعة ولكن وراء هذا الاختلاف وحدة الجسم وكليته.<br />
وعالم النبات عالم مختلف أنواعا وأشكالا وأحجاما وثمارا ولكنه مع ذلك يدخل تحت وحدة كلية، وكل أفراد النوع يخضعون لقانون الكل ووحدته، وفضائل النبات وأنواعه مندرجة تحت قانون كلي للنباتات.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>- كل خلاف في عالم الحياة الإنسانية دليل النقص والافتقار ووسيلة للتسخير والتكامل ودليل على وجود الكامل:</strong></span><br />
يفيد النظر في عالم الموجودات جامدها وحيها، وفي عالم الإنسان أن كل مخلوق منها ناقص في ذاته ومحتاج للآخرين من جنسه ومن غير جنسه، ولا يوجد كائن مكتف بذاته اكتفاء تاما ومستغن عن الآخرين استغناء مطلقا، واحتياجه إلى الآخرين دليل على النقص الذاتي في المخلوق، وفي اختلاف المخلوقات بعضها عن بعض يجد كل مخلوق ما يكتمل به عند الآخر، فثبت بهذا أن الاختلاف دليل نقص أولا، ووسيلة للتكامل: تكامل الاحتياجات، وتكامل الوظائف، ووسيلة لتحقيق التوازن البيئي. وقد بين القرآن الكريم هذه القاعدة حينما قال تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (الزخرف : 32).<br />
وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾(11).<br />
فثبت بهذا أن اختلاف الموجودات إنما هو مجرد وسيلة لتكاملها، ووسيلة الاستدلال بها على وجود الكامل، وأنها من آياته الدالة على وجوده. لذا فكل اختلاف عاد على غاية التكامل بالتآكل فهو باطل، وكل اختلاف عاد على أصل التوحيد بالنفي فهو باطل مثل دعوى وجود آلهة متعددة، وكل خلاف ناقض كمال الصانع فهو باطل.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>- الاختلاف وسيلة للعمران:</strong></span><br />
العمران البشري قائم على العنصرين المادي والبشري: (الكون وما فيه من موجودات + الإنسان) ولا يصح الاستخلاف والتعمير إذا لم يكن هناك اختلاف الذوات والصفات، اختلاف الكميات والكيفيات أنواعا ومقادير، لذلك فكل مظاهر الاختلاف وأنواعه بين عالم الموجودات وعالم الإنسان إنما هو وسيلة داخلة في التسخير؛ تسخيرها للإنسان المكلف بالإعمار والاستخلاف. وكل مظاهر الاختلاف داخل عالم الإنسان إنما هو وسيلة للإعمار، ووسيلة للتدافع في العمران البشري الذي لا يكون فيه الابتلاء بالاستخلاف إذا لم يكن الاختلاف والتدافع بين الناس: ظلما وعدلا، علما وجهلا، قولا وفعلا، طبعا وشرعا، وامتثالا وعصيانا&#8230;<br />
وهكذا يظهر أن الاختلاف مجرد وسيلة لإغناء الحياة وتنويع الخير اللازم للعمران، وإذا تعدى هذه الوظيفة ليصير هادما للأصل صار باطلا واقتضى الأمر الاحتكام إلى الأصول، وفي هذا يقول الإمام الشاطبي: «كل تكملة فلها -من حيث هي تكملة- شرط، وهو أن لا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال، وذلك أن كل تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلها؛ فلا يصح اشتراطها عند ذلك» (الموافقات: كتاب المقاصد: القسم الأول مقاصد الشارع: النوع الأول في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة: المسألة الثالثة شرط كل تكملة أن لا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال).<br />
وحاصل الأمر أن الاختلاف وسيلة للإعمار وليس للدمار، وكل اختلاف أدى إلى تنازع وأفضى إلى نقض أصل التعمير فهو مردود ولا أصل له.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>- الاختلاف وسيلة للمعرفة:</strong></span><br />
ركب الباري جل وعلا العقل البشري على الإدراك والمعرفة، إدراك خواص الموجودات وأعراضها، وجعل الاختلاف بينها سببا لمعرفتها وتمايزها؛ ولو لم تختلف لما أمكن الإدراك ولما حصلت المعرفة، لذلك قيل: «بضدها تتمايز الأشياء» والضد أقصى درجات الاختلاف، فلو قيل: «باختلافها تتمايز الأشياء» لصح إذ أن أدنى نسبة من التغاير والاختلاف والتفاوت كافيا لإثبات الاختلاف وثبوت المعرفة، ولو كانت الموجودات على هيئة واحدة لما تميزت ولما كانت قابلة لأن تعرف وتدرك. فالمعرفة مستحيلة بدون الفروق والاختلافات بين الأشياء والموجودات. وبهذا صح أيضا أن الاختلاف ليس إلا وسيلة لغيره.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>- الاختلاف وسيلة للتعارف:</strong></span><br />
إذا كان اختلاف المخلوقات وسيلة للمعرفة، فالاختلاف بين الناس وسيلة لمعرفة بعضهم بعضا وهو مقتضى «التعارف»؛ فلو لم يخلقهم الله تبارك وتعالى مختلفين أجساما وألوانا وأحجاما وطبائع وعقولا وقدرات&#8230; لما أمكن لواحد أن يعرف الآخر، ولا أن يحصل التمايز والتعارف، وقد ركب الخالق الأشياء على خصائص خاصة بكل شيء وبكل مخلوق تعتبر «عَرْفَه» وسمته وعلامته المميزة له عن غيره، بل جعل فيه سماتٍ متعددةً وصفاتٍ متفاوتةً في التعريف به والدلالة عليه. لذلك نبه الحق سبحانه إلى هذه المسألة فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ؛ فخلْقُ الناس «من ذكر وأنثى» فيه إشارة إلى اختلاف صفات جنسي الذكورة والأنوثة، وجَعْلُهم «شعوبا وقبائل» فيه إشارة إلى اختلاف الخصائص البشرية الراجعة إلى العوامل الجغرافية والاجتماعية والثقافية والحضارية والتاريخية التي تسم كل شعب وتخص كل أمة وبهذه الخصائص الفطرية في الجنس والصفات الثقافية المتمايزة بين الشعوب صار التعارف ممكنا.<br />
والنتيجة من هذا أن اختلاف الموجودات إنما هو وسيلة للتعارف وليس للتناكر، وكل اختلاف أدى إلى نقيض هذا الأصل كان غير معتبر.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>- الاختلاف وسيلة للابتلاء:</strong></span><br />
إذ لو كان الناس كلهم على شاكلة واحدة، ولو كان الخلق كله واحدا لما أمكن تسخير، ولما أمكن تكليف، ومن ثم لما امكن ابتلاء، فاختلاف الناس أساسا اختلاف من مقاصده الابتلاء والاختبار:<br />
• لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب (الأنفال: 37).<br />
• وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُون (الفرقان: 20).<br />
• وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ (محمد: 4).<br />
إذن فخلق الناس مختلفين أشكالا من الاختلاف والتباين ليس غاية في ذاته إنما هو مجرد وسيلة للابتلاء والاختبار.. وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرا .<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>- الاختلاف وسيلة للجمال والإحساس بالجمال:</strong></span><br />
لا يشك عاقل في القيمة الجمالية التي يضفيها التنوع والاختلاف إضفاء الجمال على الأشياء والموجودات، ولا يشك عاقل متذوق للجمال في القول بأن أجمل لوحة رسمت في الوجود هي لوحة الوجود ذاته، ولم تكن أجمل إلا لكونها احتملت على تناسق بديع الألوان والموجودات والأشكال والهيئات&#8230; ولذلك لو لم يكن هناك اختلاف لما أمكن تذوق الجمال ولا الإحساس به. صنع الله الذي أتقن كل شيء.<br />
فالجمال هو غاية خلق الموجودات مختلفة، وبالتالي فاختلافها ليس مقصودا لذاته.<br />
وعليه فاختلافات الناس كل الناس ينبغي أن تتأطر ضمن هاتين الحقيقتين:<br />
<span style="color: #ff9900;"> 1 &#8211; اختلاف الأكوان دليل وحدة المكون وتفرده بالألوهية والعبادة.</span><br />
<span style="color: #ff9900;"> 2 &#8211; واختلاف الناس دليل إلى العمران الصالح الذي لا يصلح إلا باجتماع الناس على الإقرار بالخالق إلها واحدا وما يتبع ذلك من الدخول في سلك الطاعة والشكر اختيارا كما هو حاصل اضطرارا.</span><br />
يتبع</p>
<p><strong><em><span style="text-decoration: underline;"><span style="color: #0000ff; text-decoration: underline;">الطيب بن المختار الوزاني</span></span></em></strong></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2016/03/%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ae%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%81-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%a6%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%81-%d9%85%d8%ac/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>سر الوحدة والائتلاف</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2007/11/%d8%b3%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ad%d8%af%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%a6%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%81/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2007/11/%d8%b3%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ad%d8%af%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%a6%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%81/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 16 Nov 2007 11:52:43 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 286]]></category>
		<category><![CDATA[خطب الجمعة]]></category>
		<category><![CDATA[الائتلاف]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة الاسلام]]></category>
		<category><![CDATA[الحضارة الغربية]]></category>
		<category><![CDATA[الشيخ الدكتور سعود الشريم]]></category>
		<category><![CDATA[الفضائل]]></category>
		<category><![CDATA[الوحدة]]></category>
		<category><![CDATA[سر الوحدة]]></category>
		<category><![CDATA[قيمة الأخلاق]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=18755</guid>
		<description><![CDATA[الخطبة الأولى الفضائل كمال يجب طلبه والرذائل نقص يجب تجنبه أمّا بَعدُ : فيا أيُّها النّاسُ، إنَّ لِلمَرءِ المسلِمِ كَمالاً في الفضَائلِ يَنبَغي لَه أن يَطلُبه حَثيثًا، كَمَا أنّه في الوَقتِ نفسِه عُرضةٌ لِنَقصٍ وخلَلٍ بسَبَبِ رَذائلَ يجِب عَليه التَّرفُّع عنها، فكَمالُ المرءِ المسلِمِ يَكمُنُ في استِيفاءِ أَكبرِ قَدرٍ منَ الفَضائِلِ، ونَقصُه يَبرُز جَليًّا في [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: rgb(128, 0, 0);"><strong>الخطبة الأولى</strong></span></p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>الفضائل كمال يجب طلبه والرذائل نقص يجب تجنبه</strong></span></p>
<p>أمّا بَعدُ : فيا أيُّها النّاسُ، إنَّ لِلمَرءِ المسلِمِ كَمالاً في الفضَائلِ يَنبَغي لَه أن يَطلُبه حَثيثًا، كَمَا أنّه في الوَقتِ نفسِه عُرضةٌ لِنَقصٍ وخلَلٍ بسَبَبِ رَذائلَ يجِب عَليه التَّرفُّع عنها، فكَمالُ المرءِ المسلِمِ يَكمُنُ في استِيفاءِ أَكبرِ قَدرٍ منَ الفَضائِلِ، ونَقصُه يَبرُز جَليًّا في التِياثِه بِرَذيلةٍ منَ الرذائل. ثمَّ إنَّ الفَضَائلَ المحمودةَ ما هي إلا سَجايَا للنَّفسِ المؤمنة، من مُقتضاها التَّأليفُ والتآلُفُ بين المتَّصِفِين بها على حدٍّ سَواء، فالعَفيفان منَ الناسِ مثلاً يَعرِفان حدودَ العفَّةِ فيَقِفان عندها، ولاَ يتَزاحمان على مُشتَهًى مِنَ المشتَهَيات؛ لأنَّ مِن خُلُق كلٍّ منهما التَّجافي عنِ الشَّهوةِ وحبِّ الذّات، وكذا الباحثان عن الحقيقةِ، لا يَتَنازَعان، ولا يَتَشاحَنان؛ لأنَّ غايتَهما واحِدَة وهي الحقّ، فَالحقُّ ضالَّة المؤمن، متى وَجَدَها أخذَ بها، وسجِيّة الباحِثَين عن الحقيقةِ هيَ بَذلُ الوُسع في الوصولِ إلى الحقِّ، فلا يوجد حينئذٍ مَوضوعٌ للنِّزاع عند مُعاطَاةِ الوَسائل المؤدِّيَة إلى الحقيقةِ التي أرادها الله وأرادَهَا رسوله .</p>
<p>وقولُوا مثلَ ذلكم -عبادَ الله- في جميعِ ما عُدَّ من الفضائل في شَريعتِنا الغرّاء، حيث نجِد أنَّ مِن لوازمِ كلِّ فضيلةٍ من الفضائل التآلفَ بين المتّصِفين بها مِن حيثُ الأثرُ الناشِئ عنها، ولا غَروَ حِين نجِد الفضيلةَ إذا توافَرَت في شَخصَين مالَت نفسَاهما إلى الاتِّحادِ والالتِئام في الأعمالِ والمقاصِدِ، ودامَت الوحدَةُ بينهما بمقدارِ تمكُّن تِلكم الفضائلِ فيهما.</p>
<p>وعَلى هذا النَّحوِ يَنتقِل الأمرُ مِن الأفرادِ إلى الأسَر المكوَّنةِ من الأفراد، ثمّ إلى المجتمع المكوَّن منَ الأسَر، ثم إلى الأمّة المكوَّنة من المجتَمَعات، فمَناطُ الوحدَةِ بين هؤلاء جميعًا هي القِيمةُ المعنويّة للفضائِلِ الرّاسخة فيهم، حتى يُرَى الجُمهورُ منَ الناس كواحدٍ منهم؛ يتحرَّك بإرادَة واحدةٍ، ويطلُب غايةً واحِدَة وهي الصراط المستقيم الذي أوصى الله به في قَولِهِ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(الأنعام: 153).</p>
<p>وإذا مَا كانَتِ الغايةُ واحدةً فإنَّ مجموعَ الفضائل يُعَدّ هو العِدلُ في جميع الأعمال، فلا يمكِنُ أن يَتَجاوَزَ أحدٌ مِنَ الجمهورِ في عَملِه ما يمسُّ به حقًّا للآخر الذي يشترِك معه في الوسيلةِ الموصِلة إلى الغايَةِ وهي الحقّ عند كلٍّ.</p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>المقارنة بين قيمة الأخلاق في الحضارة الغربية والاسلام</strong></span></p>
<p>إذا عُلِم ذَلكم -عِبادَ الله- فإنَّ الفضائلَ في بعضِ معايير الحضارةِ الوافِدَة كغيرها من القِيَم الأخلاقيّة التي تحدِّدها النّسبيّةُ، مع القابليَّةِ لأن توزَن بميزانَين أو تُكال بمكيَالَين عند من ابتَغَى غيرَ الإسلام دينًا.</p>
<p>أمّا الفضائلُ في الإسلام فَهي قيمةٌ مُطلَقَة لا مجالَ للنسبيّة فيها، فالقَبيحُ قبيح، والحَسَن حسنٌ، وهناك فضائلُ مشتركَةٌ يستوي في التكليف بها جميع آحادِ المسلِمين، وهناك فَضَائلُ تختَصّ بكلِّ وَاحدٍ وفقَ مهنَتِه وصنعَتِه وفنّه، فقد يُطلَب شيءٌ من الطبيبِ ويُعدّ من الفضائل، ولا يطلَب مثلُ هذا الطّلَب من النجار، وقد يطلَب من العالِم ولا يطلَب من الورّاق، وقد يُطلَب من الحاكِم ولا يُطلَب مِنَ السّوقَة، غيرَ أن المصبَّ الأخير يكون في القيمةِ المطلَقَة للفضائِل التي تؤلِّف بين أفرادِ المجتمع في مَنظومةٍ واحدة يعمُّها اسمٌ واحد، والأفرادُ في هذه المنظومة كأعضاءٍ تختلِف في وظائِفِها وأشكالها، وكلٌّ يؤدِّي عملَه لبقاءِ البنيةِ الجامعةِ، كما أودَعَ الله في أعضاءِ أبدانِنا ما يقوم به كامِلُ الجسَد مع وقوفِ كلِّ عضو عندَ حدِّ وظيفتِه، فلاَ يُطلَب من اليدِ أن تُبصِر، ولا يطلب من العَين أن تبطِش، ولا يُطلب من الأذُن أن تمشي، ولا يطلَب من الرِّجل أن تَسمَع، مع أنَّ الكلَّ حيٌّ بحياةٍ واحِدَة، غيرَ أنَّ اليد بها البَطش، والعين بها الإبصَارُ، والأذنَ بها السَّمعُ، والرِّجل بها المَشيُ، وأيُّ اختلالٍ يموج بهذِهِ الوظائفِ فهُوَ اصطِفَاف في مصافِّ الأنعامِ، بل هُوَ أضلّ كَمَا قَالَ تَعَالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ}(الأعراف: 179).</p>
<p>وقُولُوا مِثلَ ذلِكم ـ عِبادَ الله ـ في وظائِفِ المجتَمَع المتَنَوِّعَة؛ إذ لاَ يَسوغ للطَّبِيب أن يُنصِّبَ نَفسَه مفتيًا، ولا يُطلَب مِنه ذلك، ولا للمفتِي أن يكونَ طَبيبًا، ولا للصّحَفي أن يكونَ فقيهًا، ولا يُقبَل مِنه ذلك، فالحاكم للحُكم، والفَقِيه للفَتوى، والطَّبيب للطّبِّ، والصّحفيُّ للصحافة، وإلاَّ فستَختَلّ المعايير، وتنقلِب الفضائِلُ، ولن يُلامَ بعد ذَلك من يَأكل المِلحَ ليدفعَ به العَطَش، ولا مَن يَشرَب الماء ليدفَعَ به الجوعَ، ولا مَن يستنشِق الغازَ ليتنفَّس.</p>
<p>إنَّ أيَّ أمةٍ يَكون الدَّافِع فيها والرَّافعُ والحارِثُ والزارعُ والعالِمُ والحَاكِم إنما هم بَنوها وأفرادُها مِن هَامَاتِها أو مِن لهازِمها وليس هو الأجنبيّ عَنها، ويكون كلُّ فَردٍ مِنها آخذًا بحقِّ الكُلّ، لا يسلُك مقصدًا يعكِس مقصدَ الكلّ، ولا غايةً تميل بِهِ عن غايةِ الكلّ التي خلَق الله العبادَ لأجلِها، فهِي الأمّةُ التي علَت فيها الفضائلُ، وسادَت في أوسَاطها مكارمُ الأخلاق، وما يكون في تِلكم الأمّة من اختِلافٍ في التنوُّع لا في التّضادّ فإنما هو مِن بابِ تنوّعِ جلب المنافِعِ واستِكمالِ المصالح، كالجَداول التي تمُدّ البحرَ لتستَمِدّ مِنه. ولا يحقرنَّ أحدٌ منَّا نفسَه وَسطَ هذا الكمّ الهائل من أفرادِ الأمة، فالواحِدُ منّا وإن كان صَغيرًا فلاَ أقلّ من أن يَكونَ لبِنةً أو حَجَرة صغيرةً في هذا البنيانِ الكبير رُبَّما كان بَعضُ الهدم بِسبَب سُقوطِهَا.</p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>ثمرات التخلق بالفضائل على الأمة</strong></span></p>
<p>فمَا عَلينا -عِبادَ الله- إلاَّ أَن نَنظُرَ في حقائقِ الفضَائل؛ لنَحكمَ بما ينشَأ عنها من الأثَرِ عَلَى حَاضِر الأمّة ومُستَقبَلها، فالعِفَّةُ والسَّخاء والرحمةُ والتَّواضع والقناعَةُ والدَّماثة وعلوُّ الهمَّة والتعقُّل والتروِّي والحِلم والإيثارُ والشَّجاعَة في الحقّ مع الوَفاءِ والصِّدقِ والأمانَة وسَلامةِ الصَّدر وغيرِ ذلكم من الفضائل تُرَى لَو عَمَّت هَذهِ الصِّفاتُ جُلَّ أفرادِ المجتمعاتِ أَيبقَى بَعدَ ذَلِكم لِلفُرقةِ سَبيلٌ؟! أمَا وَالله، إنَّ تَوافرَها ليُحيِي مَواتَ المجتمعاتِ وينبِت قفرَها ويمطِر جَدبها. وأيُّ أمة أولَى بأن تَبلغَ مثلَ هذا الكمالِ في السّجايا غَير الأمّة التي قالَ نبيُّها : &gt;إنما بُعِثتُ لأتمِّمَ صَالحَ الأخلاَق&lt;(رواه أحمد والبخاريّ في الأدب المفرَد)؟!</p>
<p><span style="color: rgb(0, 128, 128);"><strong>واجب حملة الدين في تثبيت الفضائل وحماية الأمة</strong></span></p>
<p>والحاصلُ -عبادَ الله- أنَّ أصولَ الأخلاق أو التحلِّي بحِليةِ الفَضَائِل وتطوِيعَ القوى في المجتمَعَات على العَمَل بآثَارِها إنما يَكونُ بالدِّين، ولن يكملَ أثَرُ الدّين في نفوسِ الآخذين بهِ والمنتَمِين إليه فيُصيبُوا به حظَّيِ الدنيا والآخرةِ إلاّ إذا قامَ حمَلةُ الدين ورُؤسَاؤه وحفَظَته بأداءِ ما أوكَلَ الله إليهم مِن تَبيِين أوامره ونواهيه وتَثبِيتِها في العقولِ والقلوب ودَعوةِ الناس إليه وتهيِئَة السّبُل لهم للعمَل به وتذكيرِهم بأيّامِ الله، إنهم لَو فَعَلوا ذَلِك لرأَينا الأمّةَ الإسلاميَّة ناشطةً من عِقالها، وليس للنَّاس على الله حُجّة، فلا بدّ من تَوجِيه العنايةِ إلى رَتق الفَتق قبل اتِّسَاعه وتدارُك العلَّة قبل استِحكامها، وإلاّ فسيَمِيل ميزانُ الاختيار مع الهوَى، فَتَعُمّ الشّهوَةُ، وتحكُمُ الشبهةُ، ويصير منطِق الناس: &#8220;الدّنيا أولاً ثم الآخِرَة&#8221;، والله جلَّ وعلا قال في كتابِهِ : {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(القصص: 77).</p>
<p>بارَك الله لي وَلَكُم في القُرآنِ العَظيم، ونَفَعَني وإيّاكُم بما فِيهِ مِنَ الآياتِ والذّكرِ الحَكِيم، قد قُلتُ ما قلت، إن صوابًا فمِنَ الله، وإن خطأً فمن نفسِي والشَّيطان، وأستغفِر الله إنّه كانَ غفّارًا.</p>
<p><span style="color: rgb(128, 0, 0);"><strong>الخطبة الثانية</strong></span></p>
<p><span style="color: rgb(0, 128, 128);"><strong>الرذائل مقتضاها جلب الفرقة والنفرة</strong></span></p>
<p>الحمدُ لله وَحدَه، والصّلاةُ والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.</p>
<p>وبعد: فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ في مُقابِلِ الفضائلِ التي ترتَفِع بالمجتمعاتِ المسلِمة رَذائلَ تعرِضُ للأنفُس بكَيفيَّات خبيثة، من مُقتضاها النُّفرة والتَّفريق بين النّفوس التي غَشِيَتها تِلكم الرذائلُ؛ كقِلّة الحياء والبَذاء والطَّيش والسَّفَه والتعالي والجُبنِ والدَناءة والأثَرَة والحِقد والحَسَد والخُصومة والمِراء والغَدر والكَذِب والنّفاق، فما من نَفسَين تَلتَاثان بِصفةٍ من هذه الصفاتِ إلاَّ أغرت بينهما العَدَاوةَ والبَغضَاء، وذَهَبت بهما مَذَاهبَ الفُرَقَاء حَيث لا يَبقَى بَعدَ ذَلِك أمَلٌ في الوِفَاق؛ إمّا لأنَّ مَن طَبع أحدِهما أو كِليهما مجاوزةَ الحدود في الاعتِداء على الحقوق، وإمّا السُّقوط إلى ما لاَ يمكن مَعَه لواحدٍ منهما أداءُ الواجِبِ من الفضائل عليه لمن يشارِكه مِن بني جنسِه وملته. فما ظنّكم -يا أجَارَكم الله- بشَخصَين وَقِحَين ألَدَّين خَصِمَين جَبَانَين بَخِيلَين حاقِدين حَاسدين، هل يُمكن أن يجمَعَهما مَقصِد أو توحِّد بينهما فِكرة؟! كلاَّ؛ لأنَّ هَذهِ الرَّذائلَ إذا فشَت في مجتمعٍ مَا قوّضَت بُنيانه وبَدّدَته شَذَر مَذَر، فاستَطَالَ الأمر برُمَّتِه إلى جمهور أفرادِ المجتَمَعات، وساعَدَ المخذِّلون والمرجِفون وبعضُ الإعلاميّين اللاهِثِين وراءَ البَلبَلَة في إذكاءِ مِثلِ هَذِه السَّواقِط، ومِن ثَمَّ تتقاذَفها المجتَمَعات في كلّ اتجاهٍ حتَّى تصيرَ سَجِيّة يتخلَّق بها الكثيرُ من الناس، فيستدعِي مثلُ هذا الطَّبع الاجتماعيّ أن تَسطوَ على هذِهِ الأمّة قوّةٌ أجنَبِيّة عنها لتأخذَها بالقَهرِ وتصرِفها في أعمال الحياة بالقَسر تحت غِطاء الحرّيّة القَاتِم.</p>
<p>إنَّ مثلَ هذه الرَّذائل إذا رَسَخت في نفوس أقوامٍ صارَ بَأسهم بينهم شديدًا، تحسَبُهم جميعا وقلوبهم شتَّى، يراهم كلُّ رامِقٍ بعينِه أعزّةً بعضُهم على بعض، أذلّةً للأجنَبيّ عنهم، يدعونهم للسِّيادةِ عليهم، ويفتَخِرون بالانتماءِ إليهم، حتى يُبدِّلوا بهذه الرَّذائل جملةَ المفاهيم الرَّفيعة تجاهَ الفضائل، فلا عَجَبَ إذا انقلَبَتِ المعايير حينئذ، فرَأوا كلَّ حسنٍ من أبناءِ ملَّتِهم ومجتمعهم قَبيحًا وكلَّ جَليلٍ حقيرا، إذا نطَق الأجنبيُّ عنهم عَدّوا منطقَه من جوامع الكَلِم ونفائِس الحِكَم، وإذا صَدَق الواحد منهم ربما عَدّوه من سقطِ المتَاع وقالوا بلسان حالهم أو مقالهم: لا يمكِن أن يكونَ بيننَا عارِفٌ أو خبير. يكثُر ارتِيابُ أمثالِ هؤلاء في الصادِقين المخلِصين في خِدمةِ دينهم ومجتَمَعاتهم وإن قامَت على صِدقِهم البراهين.</p>
<p>هَذِه هي أسبابُ عِثار المجتمعاتِ المسلِمة والعَقَباتُ القاعِدةُ بِكُلّ صراطٍ توعِد وتَصدّ عَن رِفعةِ الأمَّةِ والنّهوض بها إلى سفينةِ النَّجاة الماخِرَة.</p>
<p>ألا فاتَّقوا الله رَحمَكم الله، واعتَصِموا بحبلِ الله جميعًا تُفلِحوا، والتَزِموا بِدينِه تَغلِبوا، وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}(محمد: 38].</p>
<p>هذا وصلُّوا ـ رَحِمَكم الله ـ عَلَى خير البريّة وأَزكَى البَشريَّة محمّد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بِنَفسِه، وثنَّى بملائِكتِه المسبِّحة بِقُدسِه، وأيَّه بِكم أيّها المؤمِنون، فقال جَلّ وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(الأحزاب: 56).</p>
<p>اللَّهمَّ صَلِّ على محمَّد صاحب الوجه الأنوَر والجبين الأزهر، وارضَ اللّهمّ عن خلفائه الأربعة&#8230;</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: rgb(255, 0, 0);"><em><strong>الشيخ الدكتور سعود الشريم</strong></em></span></p>
<p>خطبة ألقيت بالحرم المكي يوم الجمعة 22 شوال 1428هـ، وأعدتها للنشر هيئة تحرير الجريدة</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2007/11/%d8%b3%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ad%d8%af%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%a6%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%81/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
