<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; الإنـسـان</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d9%80%d8%b3%d9%80%d8%a7%d9%86/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>الإنـسـان خُـلُـق وعـمـل</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/09/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d9%80%d8%b3%d9%80%d8%a7%d9%86-%d8%ae%d9%8f%d9%80%d9%84%d9%8f%d9%80%d9%82-%d9%88%d8%b9%d9%80%d9%85%d9%80%d9%84/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/09/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d9%80%d8%b3%d9%80%d8%a7%d9%86-%d8%ae%d9%8f%d9%80%d9%84%d9%8f%d9%80%d9%82-%d9%88%d8%b9%d9%80%d9%85%d9%80%d9%84/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 16 Sep 2010 12:25:04 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 343]]></category>
		<category><![CDATA[تربية و تعليم]]></category>
		<category><![CDATA[أ.د.الشاهد البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[إحسان العلاقة]]></category>
		<category><![CDATA[الإنـسـان]]></category>
		<category><![CDATA[الإنـسـان خُـلُـق وعـمـل]]></category>
		<category><![CDATA[الشريعة]]></category>
		<category><![CDATA[العَمل بالعلم]]></category>
		<category><![CDATA[حسن الخلُق]]></category>
		<category><![CDATA[خُـلُـق]]></category>
		<category><![CDATA[عـمـل]]></category>
		<category><![CDATA[منهاج للفكر]]></category>
		<category><![CDATA[نشر الإسلام]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=16629</guid>
		<description><![CDATA[إن هذا الدين الذي أكرمنا الله عز وجل به، هو منهاج للفكر والتفكير، ومنهاج للتعبير وللتدبير والتسيير&#8230; فهو منهاج لتدبير شؤون الحياة الفردية والأسرية والعامة. وليس المراد منه أن يكون مجموعة أفكار توضَع في خِزانة العقل، أي في جانب من الدماغ لننفق منها في ظروف أو أوقات معينة، وإنما هو توجيهاتٌ ربانيَّةٌ، ورحمة متنـزلة من [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>إن هذا الدين الذي أكرمنا الله عز وجل به، هو منهاج للفكر والتفكير، ومنهاج للتعبير وللتدبير والتسيير&#8230; فهو منهاج لتدبير شؤون الحياة الفردية والأسرية والعامة. وليس المراد منه أن يكون مجموعة أفكار توضَع في خِزانة العقل، أي في جانب من الدماغ لننفق منها في ظروف أو أوقات معينة، وإنما هو توجيهاتٌ ربانيَّةٌ، ورحمة متنـزلة من الله عز وجل في كتابه لتحُلَّ فينا قلباً وقالباً، لتحلّ فينا في الجانب النظري أولاً : في الفكر وفي العقل وفي القلب، ثم لتتحول إلى سلوك أو إلى لباس كما في قوله تعالى: {وَلِبَاسَ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}(الأعراف:26).</p>
<p>إذن، الدين في طبيعته تطبيقي وليس نظرياً أو شيئاً فكرياً فقط، بل هو أعمال أو أفكار تظهر في سلوك وعمل، وهذا العمل نُعتبَر نحن منه ويُعتبَر الدين منه، أي يعتبَر من الدين التفكيرُ والتعبيرُ والسلوكُ والتدبيرُ&#8230; وبما أن طبيعة الدين هي هاته، كان أكمل المومنين إيماناً، أحسنهم خلقاً، وهذا يعني أن الذي لَبِس الدين، لابَسه الدين وخالطه فصار لباساً له فأصبح أحسن الناس، بل أكمل المؤمنين على الإطلاق</p>
<p>كان من أكمل المؤمنين فعلاً إذا صارت توجيهاتُ الدين -بصفة عامة- وتعاليمُه والرحماتُ النازلةُ من عند الله عز وجل ممثَّلةً فيه بنسبة عالية. أما الذي تمثَّل فيه الدين مائة في المائة، فقد كان واحداً هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شهد له الله عز وجل بذلك فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(القلم:4).</p>
<p>وشهادة السيدة عائشة رضي الله عنها كانت من هذا القبيل حينما سئلت عن خلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛، حيث قالت: &gt;كان خلُقه القرآن&lt;(رواه مسلم). إذن هو صلى الله عليه وسلم جملةً، يساوي تطبيقياً القرآنَ الكريم، لأن القرآن حالٌّ فيه بمعناه، وحَالٌّ فيه بعمله.. وهذا العمل الذي يتكون من التفكير ومن التعبير ومن التدبير -بصفة عامة- عليه مدار الإنسان، أي إنه هو الإنسان، وليس الإنسان إلا عملاً فقط. وعندما يموت هذا الإنسان لا يساوي إلا مجموعة أعمال &#8220;صالحة&#8221; أو &#8220;طالحة&#8221;. وهذه النقطة في غاية الأهمية، لأن الدين ذو طبيعة تطبيقية، وليس المقصود به هو الجانب النظري الذي يعتبَر أساساً فقط للعمل للآخرة.</p>
<p>إن الثمرة الحقيقة للدين هي العمل المحسوس في مجالات متعددة&#8230; وقد تجلت هذه الحقيقة مع سيدنا نوح \ عندما قال: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ اهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ}(هود:45)، إذ نجد أن الله سبحانه وتعالى وعَد سيدَنا نوحاً بأن ينجي أهله في الوقت الذي رأى ابنه قد غرق، فيتساءل: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ اهْلِي} وأنت وعدتني بنجاة أهلي {وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ}، وما دمتَ قد وعدتَ فأنت لم تخلف قطعاً، ولكن التفويض أدب النبوة مع الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال: {وَأَنْتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ}؛ حكمتك عالية وما فعلته قطعاً هو على مقتضى الحكمة، ولكن أريد أن أفهم يا رب؟! فأجابه سبحانه وتعالى: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ اهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}(هود:46)، وبتعبير آخر: أنت يا نوح عمل صالح، وأهلك هم الأعمال الصالحة وأصحابها هم أهلك، أي إذا وُجد مِن طينتك مَن ليس له عملٌ صالح فهو ليس من أهلك، لأن العمل الطالح ليس من جنس العمل الصالح.</p>
<p>إذن، الإنسان مجموعة أعمال، وإذا استحضرنا أيّ شخصية في التاريخ نجد هذه الحقيقة واضحة؛ إذا ذكرنا فرعون -على سبيل المثال- في القرآن، لا نرى طوله ولا قصره أو غلظه&#8230; ولكن نراه مجموعة من أعمال معينة هي التي تكوِّن فرعون. وكذلك موسى  \، فهو مجموعة أعمال معيَّنة تكوِّن لنا شخصيته في القرآن، وكذلك إبراهيم \&#8230; فكل ذلك يدل على أن الإنسان هو عبارة عن مجموعة أعمال.</p>
<p>ومن أمثلة ذلك حوار نبي من أنبياء الله سبحانه وتعالى مع قومه وهو سيدنا لوط \ : {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ}(الشعراء:167)، فهم ينظرون إلى الفعل، وهو يجيبهم بالعمل: {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ}(الشعراء:168)، ولم يقل &#8220;إني لكم من القالين&#8221;، بل أبرز العملَ الذي هو الأساس في الشخصية، وعليه المدار في الحياة والثواب والعقاب، بحيث لو افترضنا أنهم غَيَّروا عملهم لتحوّل البُغْض إلى محبة ولَما قال لهم: {إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ}.</p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 255);"><strong>الدين سلوك لا دعوى</strong></span></p>
<p>إن الإنسان في نظرة الدين عبارة عن مجموعة من الأعمال، حياً كان أو ميتاً، لأن العمل أساس الرابطة الإيمانية، وبناء كل شيء يتم عليه. إذن، الدين يتجه إلى الجانب التطبيقي بالدرجة الأولى، وهذا ما يراد من الإنسان؛ حيث لن يبقى بعد الموت إلا العمل. وعندما يوضع الإنسان في القبر، يرجع اثنان ويبقى واحد. يرجع مالُه وأهلُه ويبقى عمله، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}(الزلزلة:7). وإن صغر هذا العمل، بل نية كان أو تفكيراً أو هماً بالشيء&#8230; فكل ذلك له عند الله أجر.</p>
<p>إذن، الدين ذو طبيعة تطبيقية وينبغي أن يظهر في المؤمن سلوكاً لا دعوى، سواء كانت الطبيعة التطبيقية قولية أو إشارية أو غير ذلك&#8230; المهم أن يظهر الدين عملاً ملموساً فعلاً.</p>
<p>وقد ذكرنا جوانب ثلاثة يتجلى فيها هذا السلوك وهذا الخلُق: جانب التفكير، وجانب التعبير، وجانب التدبير. أما الجانب التفكيري فهو في غاية الأهمية، لأن استقامة المنهج التفكيري الذي به نتلقى الأشياء ونعالجها ونُنْتج الأعمال في لحظة التفكير فيها والتخطيط لها، تؤدي إلى استقامة الفعل وطيب النتائج، وأهميته تأتي من كونه بداية الانطلاق، ثم عندما نريد إخراج ما فكّرنا فيه ينبغي أن يَخرُج بطريقة مرضية عند الله تعالى. ومن ضوابطها الكبرى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: &gt;مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقلْ خيراً أو ليصمت&lt;(رواه البخاري). أنا وأنت نُنتِج &#8220;فعلاً&#8221; اسمه &#8220;القول&#8221;، و&#8221;القول&#8221; يدخل في العمل في النظرة الإسلامية؛ فقول الإنسان من عمله، وتفكيره من عمله الذي سيؤجر عليه.</p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 255);"><strong> الإذن من الشريعة والحكمة</strong></span><strong> <span style="color: #0000ff;">شرطا القول الصواب</span></strong></p>
<p>إن القول الصواب في هذا الصدد يحتاج إلى شرطين: الإذن من الشريعة والحكمة.</p>
<p>الأول: ينبغي أن نفكر في القول قبل تصديره باللسان إلى المستهلك المتلقي أي المستمع، أو ينبغي أن نفكر فيه هل هو إذا وزنَّاه بالشريعة جائز قوله أو واجب أو مستحب أو على الأقل مأذون في قوله. نفكر فيه من هذه الجهة، ونفكر فيه من جهة الصواب ومطابقته للواقع والمناسبة، ونفكر فيه من جهة الباعث عليه، أي إن النية التي تقف وراءه تحتاج إلى التصحيح.</p>
<p>الثاني: ينبغي أن يكون صواباً، وكلمة &#8220;صواب&#8221; تعني المطابقة لأمرين: المطابقة للنصوص الشرعية من ناحية، بحيث لا تصادم الشرع، ومن ناحية أخرى المطابقة لمقتضى المقام؛ إذ لا تتم صوابية الأمر إلا بالإصابة في الناحيتين. فقد يكون الاجتهاد سائراً حسب مقاييس الشريعة، ولكن صاحبه وصل إلى ما ليس صواباً، لأنه لم يناسب ما ينبغي ولم يطابق ما ينبغي، أي لم يُصِبْ المفصل بالضبط، فأصوبُ العمل يقتضي هذين الأمرين.</p>
<p>فإذن الفعل الذي ننتجه، أي القول الذي نقوله ينبغي أن يفكَّر فيه قبل تصديره، أي يجب أن نفكر هل هو بخير أو ليس بخير، أو هل يناسب المقام أم لا؟.. هذه نقطة مهمة قد لا يُلتفَت إليها. فليس كل كلمة مشروعة يمكن قولها في أي وقت وإن كان الكلام حقاً، وهذا أمر صريح في الشريعة. فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو رسول الله، ويتلقى عن الله، ولا أحد منّا يمكن حتى أن يقاربه، مع ذلك حين قال للسيدة عائشة رضي الله عنها: &gt;لولا أن قومك حديثو عهدٍ بالإسلام، لبنيت الكعبة على قواعد إسماعيل&lt;(رواه مسلم).</p>
<p>ها هو بيت الله الذي اسمه &#8220;الكعبة&#8221;، له أساس في الجانب الذي رفعه سيدنا إبراهيم \، وفيه جانب كان سيدنا إسماعيل \ قد رفعه والذي يسمى الآن بـ&#8221;الحجر&#8221;، وحتى الحائط القصير الدائري هو من الكعبة. فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفع البيت على أصله الكامل، ولكن العرب حديثو العهد بالإسلام، أي في حالةِ ما إذا مس الكعبة وأحدث فيها ضرباً من التغيير قد تقع فتنة. فدرءاً لهذه الفتنة أوقف صلى الله عليه وسلم هذا الحق والخير العظيم. إذن لابد من مطابقة السلوك والتصرف لمقتضى الحال. وهذا ما يسمى بالحكمة.</p>
<p>إذا اختل في القول شرطٌ من الشروط السابقة، أو لم يتبين لنا لا هو خير ولا هو غير خير وحِرْنا فيه، فعندها نطبق القاعدة المعروفة للورع: &gt;دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك&lt;(رواه الترمذي). يؤول الأمر في النهاية إلى أن مَن تمحضت خيريته، هو الذي ينبغي إنتاجه وقوله، وما لم تتمحض خيريته يُترَك جانباً.</p>
<p>وكلمة سيدنا عبادة رضي الله عنه تَصبُّ في هذا المعنى، فقد قال: &#8220;منذ بايعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تكلمتُ كلمة، إلا مزمومة مخطومة&#8221;. ويعني أنه كان قبل ذلك يتكلم كما يتكلم الناس، لكن مع مجيء الإيمان أصبح الكلام عملاً وعليه ثوابٌ أو عقاب كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: &gt;ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم&lt;(رواه أحمد).</p>
<p>اللسان خطير، ولخطورته جعل الله سبحانه وتعالى له قفلين؛ قفل الأسنان، وقُفل الشفتين، حتى لا يفتح عما يقال إلا بعد وزنه والتفكير فيه.</p>
<p>إذن، لا وجود للكلمة الحرة التي يمكن أن تخرج وحدها بدون ضابط وتفكير&#8230; فإذا كان العقل يسبق اللسان فلا خوف، وأما إذا كان اللسان يسبق العقل فهناك الخوف. ولذلك فالتسرُّع ليس من خصائص أتباع هذا الدين جملةً، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِـ&#8221;أشجِ ابن عبد القيس: &gt;إن فيك خصلتين يحبهما الله عز وجل، الحِلْم والأناة&lt;(رواه مسلم)، والأناة  السير بتمهُّلٍ.</p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 255);"><strong> المسلم في وضع الشهادة والحجة</strong></span></p>
<p>إن الشريعة راعت مسألة التمهل  في مناسبات مختلفة؛ راعتها مثلاً في المشْي: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا}(الفرقان:63)، راعتها في تسيير الأمور: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً}(الإسراء:106)، أي وقسَّطناه تقسيطاً: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً}(الفرقان:32)، أي مرة واحدة.</p>
<p>التمهل في كل الأمور مراعى لسيْر المتمهل الهادئ،. نعم، تأتي ظروف استثنائية تقتضي السرعة في التصرف، ولكن تلك الظروف استثنائية.</p>
<p>يطلب إذن، أن يكيف الإنسان سلوكه وفق الدين، أي أن يماشي السلوك على حسب الدين في جميع جوانب حياته، لأن المسلم ليس إنساناً عادياً، بل إنه في وضع الشاهد والحجة، والحجة لا تقام إلا إذا استجمعت شروطها. المسلم شاهد على الناس بما أنه من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو من موقع الشاهد على غيره في هذا الموقع.</p>
<p>فإذن هل الشهادة هي اللسان فقط؟ لا، اللسان عنده قيمة فقط في التبليغ، ولكن الشهادة الحقيقية تتم بوجود الشخص على هيئة معينة، أي على أنه ممثل للدين تمثيلاً صحيحاً، وإن لم يكن كذلك يمثل تنفيراً من الدين، والمطلوب أن يكون عنصر جاذبية. المسلم له جاذبيته بحكم تمثيله للدين وبحكم خلُقه، فإذا كان خلُقه غير الخلُق الشرعي فهو يصد الناس عن الدين ويُنفرهم منه، أي يمنع الناس من الاقتراب من الدين. ونحن الآن على المستوى العالمي في هذا الموقع، فنمنع بقية العالم الذي ليس في العالم الإسلامي الذي لم يرث الدين، نمنعه من أن يدخل إلى الدين بسبب كوننا لسنا ممثلين للدين، لأننا لو طبّقنا لحصلت لنا القوة ولحصلت لنا الإمامة، وإذا حصل لنا هذا حصل لنا كمال الإيمان بإذن الله سبحانه وتعالى، وحصل لنا العلو وحصلت لنا السيادة ولم نبق في هذا الموقع الذي نحن فيه.</p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 255);"><strong>حَمْلُ العلم بدون عمل حجة علينا</strong></span></p>
<p>إن الدين خلُقٌ، وهكذا ينبغي أن نفهمه، كما أن هذه الفقرة من الحديث النبوي الشريف تبيّن ذلك بوضوح: &gt;كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبِقها&lt;(رواه مسلم)، &gt;القرآن حُجَّةٌ لك أو عليك&lt;(رواه مسلم). إنْ تحوّل العلم إلى عمل صار حجة للشخص وإذا لم يتحول إلى عمل صار حجةً عليه، ونرى الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول: &gt;اللهم انفعني بما علّمتني وعلّمني ما ينفعُني وزدني علماً&lt;(رواه الترمذي).</p>
<p>إن العلم حقيقة يقتضي اليقين، وإنه لا ينفصل عن السلوك، وإذا لم يوجد سلوك وفق هذا العلم انتفى العلم. فإذا وصلت المعلومة إلى الذهن واستقرت في القلب، أنتجت درجة اليقين الذي ينتج الطاعة المطلقة: {أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الالْبَابِ}(الزمر:9). إذن الذي هو قائمٌ آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، هو العالم حقاً، وليس الذي يعرف كذا وكذا من الآيات والأحاديث ويقرأ عدداً من الكتب.</p>
<p>المهم هو عملية التحويل من الجانب النظري إلى الجانب السلوكي. فأثر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه لم يكن يأخذ كثيراً من الكلام من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يأخذ طرفاً قليلاً ثم يذهب ليحوّله، ويأتي ليأخذ طرَفاً آخر. وقد أثر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قضى ثماني سنوات وهو يتعلم سورة البقرة، أي يردها إلى واقع، ويجاهد نفسه في ذات الله سبحانه وتعالى لكي يحوّلها إلى واقع خاضع للتوجيهات القرآنية.</p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 255);"><strong> العَمل بالعلم هو الطريق لنشر الإسلام</strong></span></p>
<p>لا قيمة لما يُعلم ما لم يحوَّل إلى عمل، وإن المسلم إذا أحسن العمل بما يعلم فقد مهّد السبيل لنشر دين الله عز وجل، ومهّد السبيل كل التمهيد لجعل الناس يُقبِلون على الله وعلى دين الله سبحانه وتعالى وعلى كلمة الله سبحانه وتعالى. وإذا أساء التطبيق فساء الخلُق، أبعدَ الناسَ عن طريق الله سبحانه وتعالى، لأنه في هذه الحالة يكون قد مثّل ضرباً من اللبس والإشكال. فلذلك كانت أهمية الخلُق، الذي ألح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزله تلك المنـزلة الرفيعة فقال: &gt;إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم&lt;(رواه أحمد).</p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 255);"><strong>حسن الخلُق يشمل كل جوانب الدين</strong></span></p>
<p>يشمل حسن الخلُق كل جوانب الدين، وعلى رأس ذلك &#8220;الإيمان الحسن&#8221;، لأن الشرك سوء خلُق، أي إن الشرك الذي هو أكبر كبيرة موجودة في الدين هو عبارة عن سوء خلُق، لأن نعمة الوجود نعمة تستحق كل شكر، وإذا أضيفت إليها نعمة الإمداد بكل ما يحتاج إليه الإنسان من هواء يتمتع به، وشمس تدفئه، ومناظر تعجبه، ومأكولات تغذيه إلى غير ذلك مما لا يحصى من النعم، فكم تحتاج هذه النعم عندها من شكر؟.. هل الإنسان أوجدها؟ إذن هل يوجد شيء أقبح من الشرك؟..</p>
<p>قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الارْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(البقرة:21-22)، وقال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}(لقمان:13)، كما أن الظلم في العربية هو: وضع الشيء في غير موضعه.</p>
<p>وحسن الخلُق مع الله عز وجل يشمل بالدرجة الأولى الإخلاص، لأنه هو المقابل للشرك. ففي صريح القرآن الكريم نجد أن الذي يقابل الشرك هو الإخلاص، وليست اللفظة السائدة التي تسمى &#8220;التوحيد&#8221; التي يُتكلم عنها كثيراً، والسبب هو طبيعة هذا الدين التطبيقية، لأن التوحيد يحيل على الجانب النظري ولا وجود له في كتاب الله عز وجل، بينما الإخلاص يُحيل على سلوك قلبيٍّ. والإخلاص ليس فكرةً &#8220;قارة&#8221; في الدماغ، ولكنه ممارسةٌ للقلب البشري، أي سلوك ممارس وذاك الذي عليه المعول.</p>
<p>لأننا لما نقول لفظة الربوبية عمَلياً نكون قد استحضرنا ما هو آت من عند الله عز وجل إلى العبد من نعَم لا تُحصى؛ مثل الرحمة والخلُق والرزق&#8230; أي كل أسماء الله الحسنى التي تفيد بأن أشياء آتية من عنده سبحانه إلى العبد، فكلها تدخل في إطار الربوبية، أما الألوهية، فهي من عند العبد طالعةٌ وصاعدة إلى الله عز وجل، وثَمّ مكانُها، أي هل قلبُ العبد يتعلق بالله سبحانه وتعالى فقط أم به وبغيره أو بغيره فقط؟ لأن القلب هو محل الإخلاص ومحل الهوى أيضاً، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: &gt;لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به&lt;(رواه البخاري ومسلم).</p>
<p>يجب أن يطوّع الهوى للشريعة، والدرجة الرفيعة في هذا التطويع هي أن تجد حلاوة في ذلك: &gt;ثلاث من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله عز وجل، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار&lt;(رواه البخاري ومسلم)، وهذه درجة أخرى تسمى حلاوة الإيمان، والسعيد مَن وصلها.</p>
<p>إذن مقابل الشرك في كتاب الله عز وجل هو الإخلاص، والسبب هو طبيعة هذا الدين؛ العملية التطبيقية، لأن الإخلاص هو سلوك القلب وفيه تتجلى العبديَّة الحقيقية لله عز وجل، والعبودية الحقيقية ثمة. ولذلك هذه المنطقة (القلب) منطقة لا تُرى، وهي منطقة حرام على ما سوى الله عز وجل، &gt;إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم&lt;(رواه مسلم). وعلى هذا الشيء كان القلب هو الذي معه &#8220;الكلام&#8221;، لأن الجريمة تنبت نزغاً من الشيطان في القلب؛ في الأول تكون فقط طائفاً من الشيطان أي خاطراً أو نزغاً، ثم تتحول إلى فكرة، ثم إلى قول أو إلى فعل. فالإسلام يحاصرها في المهد، الإخلاص يحاصرها في منطقة التلقيح والنشوء في وسط القلب&#8230;</p>
<p>{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(فصلت:36)، أي انتقل إلى الله سبحانه وتعالى بسرعة واقطع على الشيطان الطريق، فإذا تم قطع الطريق عليه في القلب لم يبق له المرور إلى اللسان ثم إلى الممارسة السلوكية. وهذا السلوك القلبي -وهو الإخلاص- من أحسن الخلُق مع الله عز وجل.</p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 255);"><strong>حُسْنُ الخلُق يشمل إحسان العلاقة</strong></span></p>
<p>بالله وبالناس</p>
<p>هناك حُسْن السلوك مع الناس بدءاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك حُسْن الخلُق مع النفس&#8230; فكيف لجميع هذه الصور (أي لحسن الخلُق) أن تكون في صورتها الممتازة؟ نعم، يجب أن تتحول كلها إلى لباسٍ في القلب، أي الإحسان في العبادة سواء في التفكير أو في التعبير أو في التدبير&#8230; ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعليما لمعاذ بن جبل رضي الله عنه وللمسلمين كافة: &gt;لا تنسَ دبُر كل صلاة أن تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحُسْن عبادتك&lt;(رواه أبو داود). هذا الإحسان في العبادة كلمة جامعة كالخاتمة، والآخَرَان يمهدان لها على الرغم من أنهما منها&#8230; فحسن الخلُق هو الجانب المعتبر في الشريعة، وهو المعتبر عند الناس، وهو الذي يُشاهَد عند الناس.</p>
<p>أحْسِن إلى الناس تَسْتَعْبِد قُلُوبَهم</p>
<p>فطالـما استعبد الإنسان إحسان</p>
<p>إن الإحسان بصفة عامة هو رأس الإيمان، وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلُقاً، كما أن هذا الإحسان هو المطلوب، أي إن الإنسان يحاول أن يجاهد نفسه في ذات الله تعالى لتزكو وتستقيم على أمر الله سبحانه وتعالى؛ تفكيراً وتعبيراً وتدبيراً&#8230; ويحاول كف أذاه عن الخلق بصفة عامة، وهو يكف أذاه بجميع أشكاله عن الناس، ويصبر على أذى الآخرين، ثم ينتج الخير ما استطاع إليه سبيلاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(الحج:77).</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: rgb(0, 0, 255);"><em><strong>&gt; أ.د. الشاهد البوشيخي(ü)</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8211;</p>
<p>(*) الأمين العام لمؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع).</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/09/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d9%80%d8%b3%d9%80%d8%a7%d9%86-%d8%ae%d9%8f%d9%80%d9%84%d9%8f%d9%80%d9%82-%d9%88%d8%b9%d9%80%d9%85%d9%80%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>2</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>إلـى أيـن أيـهـا  الإنـسـان؟!</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2009/07/%d8%a5%d9%84%d9%80%d9%89-%d8%a3%d9%8a%d9%80%d9%86-%d8%a3%d9%8a%d9%80%d9%87%d9%80%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d9%80%d8%b3%d9%80%d8%a7%d9%86%d8%9f/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2009/07/%d8%a5%d9%84%d9%80%d9%89-%d8%a3%d9%8a%d9%80%d9%86-%d8%a3%d9%8a%d9%80%d9%87%d9%80%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d9%80%d8%b3%d9%80%d8%a7%d9%86%d8%9f/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 17 Jul 2009 10:50:09 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 323]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[إلـى أيـن أيـهـا  الإنـسـان؟!]]></category>
		<category><![CDATA[الأجداد]]></category>
		<category><![CDATA[الأمراض]]></category>
		<category><![CDATA[الإنـسـان]]></category>
		<category><![CDATA[البركة]]></category>
		<category><![CDATA[المثل العربي]]></category>
		<category><![CDATA[ذ. محمد بن شقرون]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=18032</guid>
		<description><![CDATA[رحم الله تعالى قائل المثل العربي : (يداك أوكتا وفوك نفخ) أنتم تزرعون وأنتم تحصدون. ليس منا من لم يسمع ولم ير وضع العالم الآن. والكل يقول : سلم يا ربي سلم. بالأمس القريب جدا مرض جنون البقر، وبعده أنفلونزا الطيور، واليوم أنفلونزا الخنازير، وغدا يعلم الله ما ذا سيكون، وذلك كله ما هو إلا [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #0000ff;"><strong>رحم الله تعالى قائل المثل العربي : <span style="color: #008080;"><span style="color: #0000ff;">(</span>يداك أوكتا وفوك نفخ</span>)</strong></span></p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>أنتم تزرعون وأنتم تحصدون.</strong></span></p>
<p>ليس منا من لم يسمع ولم ير وضع العالم الآن. والكل يقول : سلم يا ربي سلم. بالأمس القريب جدا مرض جنون البقر، وبعده أنفلونزا الطيور، واليوم أنفلونزا الخنازير، وغدا يعلم الله ما ذا سيكون، وذلك كله ما هو إلا مسمى واحد لأفعال كثيرة. المسمى غضب الله، والعياذ بالله، والثاني أعمال البشر يترجمها الواقع المر الذي عليه العالم الآن.</p>
<p>الكل يتساءل مع نفسه أو مع الغير : ما بال الدنيا اليوم؟! لم يكن الآباء والأجداد رحمهم الله تعالى يعرفون مثل ما يعرفه جيل اليوم.</p>
<p>ما للزمان يطوى ويمر بهذه الكيفية السريعة؟؟ كأن اليوم ساعة، والأسبوع يومٌ، والشهرَ أسبوعٌ، والسنة شهرٌ، أين البركة التي تمتع بها السابقون من الآباء والأجداد؟! أين البركة في المال والنفقة؟ حيث كان الفرد يربح القليل ويدفع الكثير.</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>أين البركة في العمر؟!</strong></span></p>
<p>أين اللذة في الطعام والشراب؟! حيث كانت المنتوجات الفلاحية طبيعية، لا تعرف أدوية ولا غيرها.</p>
<p>أين التكافل الاجتماعي بين طبقات الأمة الواحدة؟! لم نكن نعرف هذا الثراء الفاحش عند البعض، بينما البعض الآخرُ يتخبط في الويلات والفقر المذقع، حيث لا يجد أبسط وسائل العيش من مأكل ومشرب وملبس ومسكن.</p>
<p>أين هي حقوق الإنسان التي تملأ المجلدات والصحف والمجلات؟! ما أكثر الحقوق تدوينا وأقلها تطبيقا!!</p>
<p>كيف ظهرت الأمراض الفتاكة بين المجتمعات أفرادا وجماعات؟!</p>
<p>حتى الأدوية صارت مسكنات لا علاجية. ترى الشباب في عنفوان العمر، والكثير منهم يشتكي ضعف الصحة وبعض الأمراض. الهموم كثيرة والحلول ضعيفة.</p>
<p>لماذا لا يقف إنسان اليوم ويراجع حسابه مع ربه ومع نفسه ومع عالمه؟ هذه الكوارث والمصائب ما هي إلا نتائج لما زرعت يداه.</p>
<p>لماذا تتمرد أيها الإنسان، على خالقك ومولاك؟ لماذا تقابل الإحسان بالإساءة والنعم بالجحود؟ لما ذا لا تحسن إلى غيرك من البشر؟ لما ذا تخون أمانة الاستخلاف على الأرض؟ أسئلة تكاد لا تنتهي مطلقا.</p>
<p>قال تعالى : { يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك}(الانفطار : 8).</p>
<p>إنني أكتب هذه الخواطر، وكلي أسف وألم وحسرة على ما أسمع وأرى، أينما حللت وارتحلت، مشاهد مخزية، خاصة في وسط الشباب والشابات، أوكار للفساد، منتشرة في كل مكان، بل في كل حي، يرتادها جيل في مقتبل العمر من الصنفين معا، من أجل قضاء وقت ممتع  كما يسمونه في شرب الشيشة والسجائر ويعلم الله وحده ماذا هناك.</p>
<p>لم يعد الكثير من الناس يخافون خالقهم وأسرهم والمجتمع. وإذا سألت أحدا منهم أجاب بأنني حر في تصرفاتي. ألم يعلم هذا أن للحرية حدودا، إذا تعداها صارت فوضى؟</p>
<p>ألم يعلم أن الحياء إذا نزع من أحد فقد قيمته كإنسان، بل شابهالحيوانات العجماء؟!</p>
<p>ومن هنا، ومن غيره كثر الخبث وقل الصلاح، وهذا ما نقرأه في قول معلم البشرية، عليه أفضل الصلاة وأزكى  التسليم.</p>
<p>فعن أم المؤمنين زينب رضي الله عنها أن النبي  دخل عليها فزعا يقول : &#8220;ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتِحَ اليوم من ردم يا جوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها. فقلت يا رسول الله : أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : نعم إذا كثر الخبث&#8221; (رواه البخاري ومسلم).</p>
<p>لقد أطلع الله تعالى  رسوله الكريم  على عالم الغيب، فرأى عالم الغيب : ورأى عالم الدنيا كلها شرقها وغربها وشمالها وجنوبها، رأى ما يقع للعرب في المستقبل القريب. وها نحن نرى  ما أخبر به الصادق المصدوق  من كثرة الفتن والنكبات على العرب والمسلمين والبشرية جمعاء. وما ذلك كله إلا  بسبب استبدال التعاليم السماوية الإلهية بالقوانين الأرضية الضعيفة، فلما غيروا الحقيقة الربانية، غير الله ما بهم. قال عز وجل : {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}(الرعد : 11)</p>
<p>فلما كثر الفساد في البر والبحر طغى على القليل من الصلاح، فصار أهل الصلاح كالنجوم في واضحة النهار. وهذا سبب سؤال سيدتنا زينب رضي الله عنها حين قالت لرسول الله  : &gt;أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : نعم إذا كثر الخبث&lt;.</p>
<p>صدقت يا معلم البشرية، يا طبيب القلوب  يا قرة أعين المؤمنين، يا من أنطقك الله بكلامه العظيم.</p>
<p>إن دخولك إلى بيتك الشريف، وأنت في حالة من الفزع والاضطراب يبين حزنك العميق وأنت تردد : &#8220;لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب&#8221;.</p>
<p>إن توالي النكبات والمصائب على الدنيا وأهلها كان بكناية لطيفة من رسول الله ، في إشارة إلى ابتداء ثقب سَدِّ (ياجوج وما جوج) الذي يحجز وراءه أقواما متوحشة إذا خرجت أهلكت الحرث والنسل.</p>
<p>فهذا السد إن تم خرابه، نسأل الله سبحانه اللطف، كان لا محالة سببا في القضاء على الأرض ومن عليها.</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>بعض المستفادات:</strong></span></p>
<p>1- كل مؤمن على وجه الأرض يتألم ويتحسر بسبب ما حصل ويحصل لساكنة الكرة الأرضية من فساد وخبث ، وبجميع الأشكال التي يبغضها الله سبحانه.</p>
<p>2- إن السكوت عن مقاومة المنكر من الأسباب الرئيسية التي تنتج عنها النكبات والمهالك التي تلحق بالبشرية قاطبة.</p>
<p>3- كل فرد من أفراد المجتمع مسؤول عما استرعاه الله عليه، فمن صلح أصلح الله على يديه، ومن فسد، تعدى فساده إلى غيره.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #ff0000;"><em><strong>ذ. محمد بن شقرون</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2009/07/%d8%a5%d9%84%d9%80%d9%89-%d8%a3%d9%8a%d9%80%d9%86-%d8%a3%d9%8a%d9%80%d9%87%d9%80%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d9%80%d8%b3%d9%80%d8%a7%d9%86%d8%9f/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>القـرآن والإنـسـان</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2007/09/%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%80%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d9%80%d8%b3%d9%80%d8%a7%d9%86/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2007/09/%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%80%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d9%80%d8%b3%d9%80%d8%a7%d9%86/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 16 Sep 2007 09:24:17 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 282]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الإنـسـان]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[القـرآن]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6398</guid>
		<description><![CDATA[بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً}(الكهف: 10) ، اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علما. اللهم افتح لنا أبواب الرحمة، وأنطقنا بالحكمة، واجعلنا من الراشدين، فضلا منك ونعمة. {الْحَمْدُ لِلَّهِ [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً}(الكهف: 10) ، اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علما. اللهم افتح لنا أبواب الرحمة، وأنطقنا بالحكمة، واجعلنا من الراشدين، فضلا منك ونعمة. {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}(لأعراف: 43). {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}(الأنعام:1).  {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا}(الكهف:1).  الحمد لله الذي {له الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالآخِرَةِ }(القصص: 70)  سبحانه سبحانه. لا إله إلا هو.</p>
<p>موضوع هذا الدرس : &#8220;القرآن والإنسان&#8221;، وهذا العنوان في حد ذاته يشعر بوضوح، أن هناك علاقة بين هذا القرآن وهذا الإنسان، وأن الذي هو في البؤرة هو هذه العلاقة، فما هو هذا الإنسان؟ وما هو هذا القرآن؟</p>
<h2><span style="color: rgb(128, 0, 0);"><strong>طبيعة الإنسان ووظيفته</strong></span></h2>
<h3><span style="color: rgb(0, 128, 128);"><strong>أ- الطبيعة :</strong></span></h3>
<p>الذي يخبرنا بالحق في ذلك، هو من خلق هذا الإنسان، فهو العليم الخبير به {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}(الملك:14)</p>
<p>طبيعة هذا الإنسان، أنه مخلوق من طين وروح، {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طين فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}(سورة ص : 71)، {وَلَقَدْ خَلَقْنَا االإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ}(المؤمنون:12) فأصلنا جميعا من الطين، إلا أن الله تعالى نفخ فيه من روحه،  فتكوّن أبونا آدم عليه السلام، ثم تكوّن من سلالته هذا الإنسان، الذي صار بتلك النفخة خلقا آخر، كما أشارت الآية {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَر}(المؤمنون: 14) وذلك بعد مرحلة النطفة، والعلقة، والمضغة المخلقة وغير المخلقة، وبعد أن أُرسِل إليه الملك،  فنفخ فيه الروح؛ إذ ذاك نصير خلقا آخر، مغايرا كل المغايرة لما كان عليه الحال قبل ، مخالفا كل المخالفة للأصل الطيني.</p>
<p>بهذه النفخة الربانية نصير خلقا آخر، تتلاحم جزئياتنا؛ لتكون هذا الكائن، وخصائص هذا الكائن، بكل ما تعطيه الروح لهذا الكائن من مظاهر الحياة، وخصائص الحياة.</p>
<p>وإذن فهذا الإنسان ليس من طين فقط، وليس من روح فقط، إن طبيعته مزدوجة، تخلقت من انسجام هذين العنصرين، وتركبهما بطريقة خاصة، أعطت هذا الإنسان كل الخصائص التي له.</p>
<h3><span style="color: rgb(0, 128, 128);"><strong>ب- الوظيفة :</strong></span></h3>
<p>وبهذه الطبيعة المزدوجة استخلفه الله عز وجل في الأرض، قال جل من قائل : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}(البقرة:30) فقبل أن يخلق آدم، حددت الوظيفة التي له في الأرض ((خليفة))، وحدد المكان الذي سيمارس فيه هذه الوظيفة ((الأرض))، وكل ذلك جعلاً من الله تعالى، ومادة {الجعل} عموما في القرآن الكريم، تتجه إلى إرساء، وتنظيم الشأن العام الكوني، قال تعالى في أول سورة بعد الفاتحة : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً}(البقرة: 21- 22) هو الذي جعل لنا الأرض فراشا، ممهدة لنا تمهيدا، كما يمهد الفراش، وهو الذي جعل إبراهيم عليه السلام إماما للناس، وهو الذي جعل البيت مثابة للناس، وهو الذي جعل وجعل سبحانه، ومن ذلك جعل آدم خليفة،  وجعل ذريته من بعده تتوارث هذه الوظيفة، يخلف بعضها بعضا {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ}(الأنعام: 133).</p>
<h3><span style="color: rgb(0, 128, 128);"><strong>ج- من مستلزمات الاستخلاف تسخير المخلوقات للمستخْلف :</strong></span></h3>
<p>فالإنسان مستخلف في الأرض ، وطبيعة الخلافة تقتضي أن هناك مستخلفا له، وأن هناك عهدا وميثاقا لهذه الخلافة ، وأن هناك ما تتجلى فيه هذه الخلافة، وذلك هو الشطر الثاني المحدد لطبيعة المهمة  في هذه الخلافة، وهي: العبادة  {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(الذاريات:56)</p>
<p>لم أخلقهم لشيء آخر، كل الكائنات خلقت لغيرها، وكلها خلقت لهذا الإنسان؛ كثير من الأشياء خلقت للنبات، والنبات خلق للحيوان، والحيوان والنبات والجماد، وكل ما في هذا الكون سُخر للإنسان، وخُلق للإنسان، وهذا الإنسان إنما خلق لله عز وجل، خلق لعبادة الله سبحانه وتعالى {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}(لقمان: 20) {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه}(الجاثية : 12) {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً}(البقرة: 29)  ((خلق لكم))، ((سخر لكم))، ((جعل لكم))، الكل في هذا الكون أُعد للإنسان، حتى الشمس والقمر {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}(ابراهيم:33- 34)</p>
<h3><strong>د- من مستلزمات التسخير العبدية لله :</strong></h3>
<p>هذا يدل على أن موقع هذا الإنسان عند الله كبير وعظيم جدا في هذا الكون ، وحسبنا أنه خليفة، وأن وظيفته في هذه الخلافة، أن يعبد الله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ}(الذاريات:56- 57)</p>
<p>خلافا لما يشتغل به بنو آدم ويهتمون، كلا ثم كلا، إني أريدهم لي لا لغيري، وطلبت منهم أن يعبدوني لا أن يعبدوا غيري، وسخرت لهم تيسيرا لذلك غيري، الملائكة أنفسهم مكلفون بأمور في هذا الكون، بها يتم حفظ نظامه العام، وذلك الكون، إنما أعد ليخدم هذه الأرض، التي أعدت هي نفسها؛ لتستقبل الإنسان.</p>
<p>فالمركزية في هذا الكون المنظور حتى الساعة، هي: للأرض، والمركزية في هذه الأرض هي: للإنسان، وهذا الإنسان ذو طبيعة خاصة، وذو وظيفة خاصة، وذو رسالة خاصة، وذلك هو شأنه، فما شان القرآن؟</p>
<h2><span style="color: rgb(128, 0, 0);"><strong>طبيعة القرآن ووظيفته</strong></span></h2>
<h3><span style="color: rgb(0, 128, 128);"><strong>أ- الطبيعة :</strong></span></h3>
<p>يقول الله جل وعلا : {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}(الشورى: 52).</p>
<p>ويقول جل من قائل : {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(المائدة: 15- 16).</p>
<p>الطبيعة الأولى للقرآن : أنه روح، هذا القرآن إذن أول خصائصه، مما يجلي طبيعته، أنه روح من أمر الله، وهو نفس التعبير الذي عبر به القرآن عن الروح التي نعرفها {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً}(الاسراء:85).</p>
<p>{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا}(الشورى: من الآية52). {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ}(غافر:15).</p>
<p>القرآن روح من أمر الله، وخاصية الروح أنها تمنح  كل خصائص الحياة للكيان، فهو روح حين تحل في الإنسان الفرد تمنحه الحياة بعد الموت، فيصير بها خلقا أخر.</p>
<p>وهو روح حين تحل في جمع من الناس، يصيرون جسدا واحدا، وأمة واحدة. وما صارت هذه الأمة: أمة الإسلام ،خير أمة أخرجت للناس، إلا بحلول روح القرآن في أفرادها جميعا، وفي كيانها العام جميعا، &gt;مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى&lt;(متفق عليه) وما صنعت هذه الأمة ما صنعته في التاريخ، إلا حين حلت في أفرادها روح القرآن، وحلت في مجموعها روح القرآن.</p>
<p>الطبيعة الثانية للقرآن : أنه نور {جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}(الشورى: 52). {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ}(المائدة:15) {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ}(لأعراف:157) .</p>
<p>هذه طبيعته، أنه  نور من نور الله، و{الله نور السماوات والأرض}(النور : 35)، ولا نور لأحد إلا من نوره {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}(النور: 40) وشأن النور أن يعطي الأمان، وأن يوضح الرؤية، وأن يبرز الأشياء على حقيقتها.</p>
<p>بواسطة النور، نرى الأشياء بأحجامها الطبيعية، وألوانها الطبيعية. مع النور يكون الأمن والأمان، ومع الظلمة تكون الرهبة والخوف. مع النور يكون الوضوح،  ومع الظلمة يكون الغموض. مع النور تُعرَف الحقائق،  ومع الظلمة تُطمس الحقائق.</p>
<p>إن هذا القرآن نور للقلوب، ونور للعيون، ونور للألسنة، ونور للجوارح، ونور للفرد، ونور للأسرة، ونور للجماعة، ونور للأمة، ونور للبشرية. حين يحضر تحضر كل خصائص النور ومزايا النور، وحين يغيب تحضر كل مصائب الظلام وأخطار الظلام. ولا سبيل إلى حضوره والانتفاع به إلا باتباع رضوانه {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام&#8230; }(المائدة : 15- 16).</p>
<p>هذان الأمران يجليان، بإيجاز وتركيز، طبيعة هذا القرآن : أنه روح من أمر الله، وأنه نور من الله جل جلاله.</p>
<h3><span style="color: rgb(0, 128, 128);"><strong>ب- الوظيفة :</strong></span></h3>
<p>فما وظيفة هذا القرآن بناء على تلك الطبيعة؟ إنها باختصار &#8220;الهداية&#8221;، قال جل جلاله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}(الاسراء: 9). هذه الكلمة الجامعة تحدد وظيفة القرآن الجامعة؛ ولذلك كان هذا الدعاء الوحيد الفريد الذي ندعو به الله جل وعلا في سورة الفاتحة كل يوم سبع عشرة مرة إجباريا، وإلا لاتصح صلاتنا : {اهدنا الصراط المستقيم..} ماذا نطلب من الله تعالى في هذا الدعاء الوحيد الفريد؟ نطلب الهداية. كل ما قبلها في الفاتحة مقدمة لها، وكل ما بعدها تفصيل لها. أما الدعاء الوحيد المستمر، والطلب الوحيد المتكرر، إنما هو شيء واحد وحيد، هو الهداية، فأين الجواب عن هذا الطلب؟ ذلك ما نجده أول ما ندخل إلى سورة البقرة، أوَّلِ سورة بعد الفاتحة التي هي بمثابة المقدمة لهذا الكتاب العظيم : {ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ}(البقرة:  1- 2)، كأن الله تعالى يقول لنا : أنتم تطلبون الهداية؟ تفضلوا، ها هو الكتاب أمامكم، فيه ما تريدون، هو محض هدى، على الوقف على &#8220;لا ريب فيه&#8221; وهو يتضمن الهدى على الوقف على &#8220;لاريب&#8221;، لكن لمن هو هداية؟ لمن اتقى، للمتقين، لمن اتبع رضوانه {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رضوانه}(المائدة: 16) أما الذي لم يتبع رضوانه فلن يهتدي {جَزَاءً وِفَاقاً}(النبأ:26).</p>
<p>ذلك بأنك إذا سألت عن مكان بعينه، فرُسِم لك الطريق إليه بدقة من خبير، بكل التفصيلات، ثم لم تتبع أنت ذلك الرسم، وذلك الإرشاد، وسرت بعكسه، هل ستصل إلى المقصود؟ كلا ثم كلا. لن يحصل لك المقصود إلا بالاتباع، أي بالتقوى، {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ}(البقرة:2).</p>
<p>فالقرآن من حيث هو دلالة وإرشاد هو هدى للناس جميعا, ولكن لا يهتدي وينتفع به إلا المتبعون المتقون {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ }(البقرة: 185). {فإما ياتينكم مني هدى فمَن اتّبع هُداي فلا يضِلّ ولا يشقى ومَن أعرَض عن ذِكري فإنّ لهُ معيشةً ضنكاً}(طه : 120- 122).</p>
<p>وظيفة القرآن الهدى والإرشاد إلى كل ما فيه صلاح العباد، آمرا بما ينفع داعيا إليه، ناهيا عما يضر محذرا منه.  فما من خير إلا ودلنا عليه القرآن، وبينه لنا رسول الله ، وما من شر إلا ونهانا عنه القرآن، وبينه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنه محض هدى، فهل يطلب الهدى في غيره؟ كلا ثم كلا {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى}(البقرة: 120) بالحصر, فلا هدى للإنسان في غير القرآن، ومن طلب الهدى في غيره أضله الله.</p>
<p>فلنفقه هذه الحقيقة الضخمة الواضحة الصريحة الصحيحة.</p>
<p>هذا القرآن هو الهدى، وهو الميزان لكل هدى، حتى هدى العقل الذي أودعه الله في بني آدم، حين {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}(طـه: 50) إذ لا يمكن الاستفادة من ذلك إلا إذا وزن بميزان القرآن الذي هو الهدى {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}(الكهف:103- 104).</p>
<p>ذلكم كان عن طبيعة الإنسان والقرآن.</p>
<p>فماذا عن علاقة القرآن بالإنسان؟</p>
<h2><span style="color: rgb(128, 0, 0);"><strong>علاقة القرآن بالإنسان</strong></span></h2>
<p>ما أسهل أن نتصور تلك العلاقة بعد أن عرفنا الطبيعتين: طبيعة الإنسان وطبيعة القرآن، وعرفنا الوظيفتين : وظيفة الإنسان ووظيفة القرآن.</p>
<p>وأهم ما يُمثِّل تلك العلاقة ثلاث :</p>
<h3><span style="color: rgb(0, 128, 128);"><strong>1- علاقة الروح بالجسد}(الحياة والموت) :</strong></span></h3>
<p>قال الله عز وجل : {أوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}(الأنعام: 122). أومن كان ميتا فأحييناه، الإنسان بدون قرآن ميت، حتى تحل فيه روح القرآن، وبالقرآن يتم إحياء الإنسان، فأول علاقة بين القرآن والإنسان هي علاقة الروح بالجسد، ذلك بأن الإنسان كما تقدم، مكون من عنصرين: طين وروح، والعنصر الطيني مسيَّر من  العنصر  الروحي، فهو الذي يقود الإنسان إلى الخير، أو يقوده إلى الشر {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا  قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}(الشمس:7- 100)</p>
<p>هذه الروح هي التي تقود الإنسان إلى المسجد، أو تقوده إلى الحانة، هذه الروح هي التي تزين له الخير، أو تزين له الشر، هذه الروح بم تتغذى؟  نحن نغذي أجسامنا عادة كل يوم ثلاث مرات، فماذا نغذي؟ نغذي العنصر الطيني، أما العنصر الروحي، فإنما يُغذى بغذاء من جنسه هو الوحي، الوحي فقط هو الذي يغذي الأرواح، وإنما يكون في الكلام ضرب من غذاء الأرواح على قدر ما فيه من روح القرآن، وهدى القرآن. قد نتأثر بكلام رباني غير القرآن، وغير السنة البيان، وما ذلك إلا لما فيه من ذلك الأصل، الذي هو روح من أمر الله ونور من الله؛ بسبب ذلك كان ذلك، هذه هي الحقيقة.</p>
<p>ولنعرف خطورة غيبة هذا الغذاء الروحي، يكفي أن ننظر في تشريع الصلاة : لماذا أوجبها الله تعالى في اليوم خمس مرات؟. لم يوجب علينا، أن نفطر في الصباح ، ولم يوجب علينا أن نتغذى، ولم يوجب علينا أن نتعشى، ولكن أوجب علينا أن نصلي صلاة الصبح، وأوجب علينا أن نصلي صلاة الظهر، وأوجب علينا أن نصلي صلاة العصر، وكذا صلاة المغرب، وصلاة العشاء، وكل ذلك في أوقات معينة {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً}(النساء: 103) لمه؟ لأن العنصر الروحي في الإنسان يحتاج ضرورة إلى التزود بالطاقة خمس مرات في اليوم، وبذلك الترتيب، وإلا لم تبق فيه طاقة، وصار مهددا بالانطفاء والموت. الجوع الديني في الإنسان أكبر من الجوع الطيني، بدليل هذا التشريع، وعبر الصلاة يتم التزود، فنحن نقف بين يدي المولى جل وعلا لنتزود ونستمد من أسمائه الحسنى المعاني الحسنى : نستمد من اسمه العليم العلم، ومن اسمه الحكيم الحكمة، ومن اسمه النور النور&#8230; وهكذا. إذا لم يقع اتصال، لا يقع استمداد ولا إمداد، تماما كما نُدخِل القابس (بريز)  للاتصال بالدائرة الكهربائية لتزويد بطارية ما بالطاقة، عندما لا يكون اتصال وتزويد، فإن الطاقة القديمة تستهلك، والجهاز يتعطل عن العمل، كذلك الأمر في هذا الإنسان. ألا ما أشبهنا بهاتف محمول تحتاج بطاريته إلى شحن مستمر، وبصورة منظمة منتظمة، كما شرع الله عز وجل، وهو الخبير بنا، العليم  بما يصلح لنا ويصلحنا.</p>
<p>وعليه، فأي ضرر وأي خطر يتهدد البشرية حين لا تصلي لربها، وأي ضرر وأي خطر يلحق الفرد حين لا يصلي الصلاة التي شرع الله،  وأمر بها الله، بشروطها وحقوقها  وعلى رأسها الذكر {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}(طـه:14)</p>
<p>ذلكم الذكر هو الذي به يحدث الاتصال، فإذا كان هناك سهو {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ}(الماعون: 4- 5).</p>
<p>سواء كان هذا السهو عنها جملة، أو عن بعضها فيها؛ إذ يوجد الشبح ولا توجد الروح، وإنما روح الصلاة الذكر {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}(طـه: 14) ? لا لذكر سواي، لا للغفلة عني، فبذلك الذكر فقط يحدث الاتصال، وبالاتصال يحدث التزود بالطاقة حقا.</p>
<p>إن علاقة هذا القرآن بهذا الكيان الذي هو الإنسان كعلاقة الروح بالجسد، فإذا لم تُغذَّ الروح التي في الجسد، بالروح التي في القرآن بانتظام، كما أمر الله تعالى، فإنها تموت. وأغلب البشرية للأسف اليوم أموات غير أحياء. قال  : &gt;مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت)}(رواه البخاري). فـ{يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}(الأنفال : 24).</p>
<p>هذه العلاقة الأولى. أما العلاقة الثانية فهي :</p>
<h3><span style="color: rgb(0, 128, 128);"><strong>2-  علاقة النور بالإبصار}(الرؤية والعمى) :</strong></span></h3>
<p>وهي التي تشير إليها آيات الوظيفة، {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(المائدة:15- 16) القرآن نور، وبالنور نبصر، إذا ذهب النور، نصبح في ظلام دامس، فلا نبصر طريقا، ولا خطرا، ولا أي شيء. لنتصور أنه لم يبق نور، ليس فقط نور الكهرباء، لم يبق لا نجوم، ولا قمر، ولا أي شيء، وأصبح الظلام مطبقا، ما الذي يحدث ؟ الاضطراب الكامل، التخبط التام، الهلع والفزع، يصطدم هذا بهذا، ويدفع هذا هذا، وتحدث جلبة، ويحدث عراك، وتحدث عجائب وغرائب، ولن يهتدي الناس إلى سبيل، لمّا يعرفوا حتى الباب أين هو؟</p>
<p>فبالنور إذن تتم الرؤية، ويتم وضوح الرؤية. و حاجة الإنسان إلى هذه الرؤية الواضحة، كحاجته إلى الهواء والماء؛ لأننا جئنا من غيب، ونتجه إلى غيب. نحن الآن لا ندري شيئا من الغيب {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت}(لقمان : 34)، علاقتنا بالدقيقة القادمة أو بالدقائق القادمة لا نعرف عنها شيئا، نتواجه في كل لحظة مع الغيب، الغيب أمامنا يحجب رؤيتنا للمستقبل، ونحن في كل لحظة نخترق ظلامه اختراقا, شِئنا أم أبينا. فكيف إذن نتصرف في هذا الواقع بأمان واطمئنان؟ الله عز وجل أرشدنا بهذا النور إلى أن نتصرف تصرفا يكفل لنا أن نُحفَظ ونحن نخترق عالم الغيب : &gt;احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك&lt;(رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح) ذلك بأن الغيب وإن كان مستورا عنا، فهو معلوم لله جل وعلا، فإذا تصرفنا كما أمر الله تعالى في كتابه وسنة رسوله ، حُفظنا بأمر الله من أمر الله.</p>
<p>فاللهم اجعل في قلوبنا نورا، وفي أبصارنا نورا، وفي أسماعنا نورا، ، وعن يميننا نورا، وعن يسارنا نورا، وتحتنا نورا، وأمامنا نورا، وخلفنا نورا، وفوقنا نورا، واجعل لنا نورا}(الدعاء بصيغة المفرد في صحيح البخاري).</p>
<p>أجل، إنه النور الربّاني، إذا صرنا وفق هداه ربحنا دنيانا وأخرانا، وإلا خسرناهما معا،  {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ  إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وتواصوا بالحقّ وتواصَوا بالصّبر}(العصر: 1- 3) {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}(التين:1- 6) {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}(الزمر: 15)،  {كلاّ إذا دُكّت الأرض دكّا دكا وجاء ربك والملك صفّا صفّا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}(الفجر:23- 27).</p>
<p>فلا حياة إلا تلك الحياة : {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى}(الدخان:56) تلك هي الحياة حقا وصدقا، {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الحَيوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}(العنكبوت:64) فيجب الاستيقاظ الاختياري قبل الاستيقاظ الاضطراري. فقد روي أن عليا كرم الله وجهه قال : &gt;الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا&lt;.</p>
<h3><span style="color: rgb(0, 128, 128);"><strong>3- علاقة الماء بالأرض (الخصوبة والجدب) :</strong></span></h3>
<p>العلاقة الثالثة : علاقة الماء بالأرض. وأحسن بيان لها بيان رسول الله  في حديث الهدى المشهور الذي ذكر أول الدرس : &gt;إن مَثَلَ مَا بَعَثَنِي الله(عز وجل) بِهِ من الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ غيث أَصَابَ أرضا فَكَانَ مِنْهَا طائفة طيبةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنبتت الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِير،َ وَكَان مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَت الماء فنفع الله بها الناس فَشربوا  منها وسَقَوْا ورَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طائفة أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كلأ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ الله عز وجل، وَنَفَعَهُ بمَا بَعَثَنِي الله بِهِ من الهدى والعلم، فَعَلِمَ وَعَلَّم،َ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ&lt;(متفق عليه واللفظ لمسلم).</p>
<p>هذا الحديث في غاية الوضوح في بيان وجه من وجوه العلاقة بين القرآن والإنسان، إذا كانت العلاقة الأولى: تقوم بوظيفة الإحياء، والعلاقة الثانية: تقوم بوظيفة الإبصار، فإن هذه العلاقة تقوم بوظيفة  التخصِيب، إذ بها يُحدِث الإنسان فعله الحضاري النافع.</p>
<p>ذلك بأن الوحي (الهدى والعلم) الذي أوتيه محمد  إسعاداً للناس ورحمة للعالمين، مثله كمثل الماء النازل من السماء إغاثة للناس، بعد اشتداد الحاجة إليه نشرا للرحمة في الأرض. كما قال تعالى : {وهُو الذِي ينزّل الغيث من بعد ما قنطُوا وينشُر رحمته وهو الولي الحميد}(الشورى : 26).</p>
<p>فكما أنه لا خصوبة في أي أرض بغير ماء، بل لا حياة {وجَعَلنا مِن المَاء كُلّ شيء حي}(الأنبياء : 30) فكذلك لا هداية في أي قلب، بل لا حياة بغير قرآن. ولن تستفيد أرض من ماء ما لم تقبله ، ولن يستفيد قلب من قرآن ما لم يقبله {قُل هو للذِين آمنُوا هُدى وشِفاء والذين لا يومنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك يٌنادون من مكان بعيد}(فصلت : 43). فإذا لم تُنبِت الأراضي السِّبخَة الملساء التي لا تقبل أن يستقر بها الماء وهي القيعان، فإن العيب فيها وليس في الماء، وكذلك حال قلب الإنسان عند عدم الإيمان بالقرآن.</p>
<p>إن القرآن غيث عام ورحمة شاملة، والناس في استقبالها طوائف ثلاثة :</p>
<p>1) طائفة طيبة، قبلت الماء ، أي سمحت له بأن يتخلل كيانها، وأن ينفذ إلى أعماقها ليحدث الأثر المطلوب، كما قال تعالى : {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وأَنبَتَت من كُلِّ زوجٍ بهِيج}(الحج:5)</p>
<p>هي طائفة استقبلت هدى الله  ووعته، وعملت به، ثم أرسلته، وبلغته، وعلَّمته؛ تعلمته بجميع معاني التعلم، وعلمته بجميع معاني التعليم، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكان منها خير كثير للبلاد والعباد. فهي أفضل الطوائف.</p>
<p>2) (طائفة) أجادب صُلبة لا ينفذ إلى باطنها الماء، فما قبلت الماء، لكن أمسكته، فاستفاد الناس من مائها، وإن لم تستفد هي منه. فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وهذا النوع من الحاملين للعلم، وإن كان غير منتفع فهو نافع.</p>
<p>3) طائفة قيعان سَبخَةٌ ملساء، لا يستقر فيها الماء، إذا نزل عليها الماء لا تمسكه كالطائفة الثانية، بَلهَ أن تنبت كالطائفة الأولى، فهي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، وهذه لا تنفع ولا تنتفع. فهي أسوأ الطوائف.</p>
<p>هذه الأنواع الثلاثة. ما السر في أحوالها الصالحة والطالحة.</p>
<p>إنه الفقه في دين الله تعالى أو عدمه. الفقه في دين الله تعالى هو سر التفعيل، وسر العطاء، قال  : &gt;من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين&lt;(متفق عليه) وقال أيضا : &gt;الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا&lt;(رواه البخاري) الفقيه في الدين منتفع نافع، الفقيه في الدين عالم عامل معلّم للناس الخير؛ إذ الرسالة مستمرة، والأمة شاهدة على الناس، وهذه الشهادة لا تتيسر بغير التعلم والتعليم معا، &gt;إنما العلم بالتعلم&lt; كما في الحديث الصحيح}(صحيح الجامع للألباني)، ولا بد لمن تعلم أن يُعلم لتتواصل الأمانة، وتتواصل الشهادة، حتى قيام الساعة، فذلك مثل من فقه في دين الله فعَلِم وعَلَّم، أما من لم يقبل هدى الله، فمن أين له فقه الدين، حتى ينتظر منه الخير الكثير أو القليل؟.</p>
<p>وعليه، فإن المخصِّب لهذا المعدن البشري ، ولهذا الصلصال، إنما هو هذا القرآن، هو الذي يخصّبه، فيحدث الفعل الحضاري الصالح، من جنس  ما أحدثه رسول الله ، وأحدثه الصحابة رضوان الله عليهم من بعده، و أحدثه الجيل الراشد الذي حمل النور في الكرة الأرضية شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، في ظرف قياسي لم تعرفه أمة من الأمم قط.</p>
<h2><span style="color: rgb(128, 0, 0);"><strong>خــاتـمــة</strong></span></h2>
<p>وأخيرا ما الذي يجب على هذه الأمة الآن لكي تتوب من هجر القرآن؟ إننا نحتاج إلى توبة نصوح، ولا سيما في جبهة التعليم؛ ذلك بأن التعليم هو: الذي ينزل الغيث أو ينزل القحط،  ويسجله في قلوب الأطفال، وقلوب الشباب، وقبل التعليم توجد الأسرة، ومع التعليم يوجد الإعلام. فالمعلمون الكبار للخير أو للشر مؤسسات ثلاث:</p>
<p><span style="color: rgb(0, 128, 128);"><strong>1) مؤسسة الأسرة:</strong></span> لقول الرسول  : &gt;كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه&#8230;&lt;(رواه البخاري) والفطرة هي الإسلام، لقول الله تعالى : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}(الروم:30) ولقول الله عز وجل في الحديث القدسي : &gt;خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم&#8230;&lt;(رواه مسلم).</p>
<p>لماذا الأبوان؛ لأن الاحتكاك الأول بهما؛ فإذا قام الأبوان بوظيفتهما في غرس روح القرآن، وفي غرس نور القرآن، وفي غرس هداية القرآن، فإن شوطا كبيرا سيقطع في اتجاه إعادة الأمة إلى التاريخ، وإلى الرشد والعطاء الحضاري.</p>
<p><span style="color: rgb(0, 128, 128);"><strong>2) مؤسسة التعليم :</strong> </span>لأن التعليم يتلقى الطفل في سن مبكرة، ويحدث التأثير فيه بطرق متعددة، بطريق القدوة الذي هو الأستاذ أو الأستاذة، وبطريق الوسائل والوسائط السمعية والبصرية، وبطرائق المعلومات التي يقدمها له، وبطرائق وطرائق&#8230; كل ذلك يدفع في اتجاه واحد هو: جعل هذا المتعلم قد خزن فيه وأعد لما ينفع الناس ويمكث في الأرض، أو خزن فيه وأعد لما يضر الناس ويفسد الأرض، وهذه حقيقة تثير تساؤلا ضخما، عن رسالة التعليم ووظيفة التعليم في الأمة اليوم، ما هي تلك الرسالة؟ وما هي تلك الوظيفة؟ ما نوعية الخريج الذي ينبغي أن يصنعه التعليم في الأمة اليوم، التعليم معمل، فأي إنتاج ينتج؟ وأي خريج يُخرِّج؟ لابد أن نتساءل عن هذه النقطة، ولا بد أن نتعاون على جعل التعليم مؤسسة لتربية وتكوين الخريج الذي أصله ثابت ورأسه في السماء يوتي أكله كل حين بإذن ربه.</p>
<p><span style="color: rgb(0, 128, 128);"><strong>3) مؤسسة الإعلام :</strong></span> الإعلام اليوم أصبحت له وسائل لا تستأذن أحدا، ولا تقبل محاصرة أو تحديداً، أصبحت تدخل إلى عمق البيت، وتدخل إلى عمق المدرسة، وتكتسح الشوارع، وتكتسح المؤسسات&#8230; هذا الإعلام ما رسالته الحقيقية أيضا؟ إن رسالته : أن يعلم الناس الخير، إن رسالته أن يعلّم ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، إن رسالته التمكين لروح القرآن ونور القرآن وهدى القرآن لإنقاذ هذا الإنسان.</p>
<p>ولو يعلم الإعلاميون كم أعد الله لهم من الأجر حين يحسنون تعميم الخير لطاروا من الفرح، فالله الله في الأمة أيها الإعلاميون. وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.</p>
<p>والحمد لله رب العالمين.</p>
<h2><span style="text-decoration: underline; color: #ff0000;"><em><strong>د. الشاهد البوشيخي</strong></em></span></h2>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2007/09/%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%80%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d9%80%d8%b3%d9%80%d8%a7%d9%86/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
