<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; الأمانة</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/tag/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>خطبة منبرية &#8211; الأمانة خلق الأتقياء والأمناء الأوفياء</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2017/11/%d8%ae%d8%b7%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d8%ae%d9%84%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%aa%d9%82%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2017/11/%d8%ae%d8%b7%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d8%ae%d9%84%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%aa%d9%82%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 18 Nov 2017 10:05:33 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د.عبداللطيف احميد]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 487]]></category>
		<category><![CDATA[خطب الجمعة]]></category>
		<category><![CDATA[الأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[الأمناء الأوفياء]]></category>
		<category><![CDATA[الأمين]]></category>
		<category><![CDATA[خطبة منبرية]]></category>
		<category><![CDATA[خلق الأتقياء]]></category>
		<category><![CDATA[د. عبد اللطيف احميد]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=18220</guid>
		<description><![CDATA[الخطبة الأولى: &#8230; وبعد: أيها المؤمنون والمؤمنات: يقول جلّ وعلا: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً (الأحزاب: 72)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: &#8220;عرضها الله على السموات والأرضِ والجبال؛ إن أدَّوها أثابهم؛ وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا، من غير معصية؛ ولكن [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: rgb(128, 0, 0);"><strong>الخطبة الأولى:</strong></span></p>
<p>&#8230; وبعد:</p>
<p>أيها المؤمنون والمؤمنات: يقول جلّ وعلا: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً (الأحزاب: 72)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: &#8220;عرضها الله على السموات والأرضِ والجبال؛ إن أدَّوها أثابهم؛ وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا، من غير معصية؛ ولكن تعظيماً لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضت على آدم؛ فقيل: خذها بما فيها؛ فإن أطعتَ غَفرتُ لك، وإن عصيتَ عذبتُك، قال: قبلتها بما فيها&#8230;&#8221;.</p>
<p>عباد الله: الأمانة صفة الأنبياء وأولهم نبينا محمد  الذي لقب قبل بعثته بالصادق الأمين. وهي خصلةٌ من خصال المؤمنين الصادقين، قال تعالى مثنيا على من حافظ عليها من عباده وأتقيائه المؤمنين: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُون إلى أن قال: وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (المؤمنون: 1-8).</p>
<p>فحفظ الأمانة أمر مرغوب، وأداؤها والقيام بحقها فرض مطلوب يقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا (النساء: 57)، ويقول : &#8220;أدِّ الأمانةَ إلى من ائتَمَنك..&#8221; (رواه أبو داودَ والترمذيّ وصححه الألباني).</p>
<p>الأمانة سبيل لرعاية الحقوق وارتفاع النفوس عن الدنيا، ولا تتحقق إلا إذا استقرت في وجدان المرء وحافظ عليها، روى الإمام مسلم عن حذيفة بن اليمان  عن رسول الله  أنه قال: «إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة»، بمعنى أنها فطرة وخصلة جبلية في الإنسان منذ أن خلقه الله تعالى. فهي إذن تحقق وتخلق بمضامين كتاب الله تعالى وسنة رسوله  في أعمال أصحاب الضمائر والقلوب المؤمنة الحية، فإذا ذهب الإيمان انتزعت الأمانة، ولا ينفع ساعتها ادعاء بتدين وتمظهر مناقض لعدم الانتفاع بالوحي النازل من عند الحق جل جلاله من قبل أناس يزعمون أنهم أمناء على مصالح الأمة ورعاية حقوقها. ومن لم يحفظ دينه وخلقه فهيهات أن يحافظ على مصالح غيره حق المحافظة.</p>
<p>أيها المسلمون: لقد أخبرنا رسولنا الكريم  أن الحفاظ على الأمانة وأدائها بحق من علامة الإيمان؛ فقال: «لا إيمان لمن لا أمانة له»، كما أخبر  أن تضييعَ الأمانة والاستهانة بها وخيانتها نِفاقٌ وعصيان، وروى البخاري في صحيحه أن النبي  قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». فخيانة الأمانة من صفاتِ المنافقين، ودليلٌ على سوء الطوية وقبح البطانة، ودليلٌ على ضعف الإيمان بالله جل وعلا. وضياعها وعيد شديد، يوم يُضرب الصراط على متن جهنم، لاجتياز العباد عليه بعد نداء الله تعالى، وعندها تكون دعوةُ الأنبياء: اللهم سلّم سلم. فإذا ضُرب الصراط على متن جهنم &#8220;قامت الأمانة والرحم على جَنبتَي الصراط&#8221; كما جاء في صحيح مسلم عن النبي ، فتكون الخيانة سببا في السقوط في نار جهنم.</p>
<p>وأخبر النبي  أن ضياع الأمانة من علامات الساعة بعدما سأله أعرابي فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ فمضى رسول الله  يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه، قال: «أين السائلُ عن الساعة؟» قال: ها أنا يا رسول الله، قال: «فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (رواه البخاري عن أبي هريرة ).</p>
<p>عباد الله: الأمانة خلق ومنزلة عظيمة ومواطنها كثيرة، فمنها عِفّةُ الأمين عمّا ليس له بحقٍّ، ومنها تأدِيَةُ الأمين ما يجِب عليه من حقٍّ؛ سواء لله أو لخلقِ الله، وتشمل كذلك اهتمامُه بحفظِ ما استُؤمِن عليه من ودائعَ وأموالٍ وحُرمات وأسرار.</p>
<p>فالأمانة أصلٌ في جميع العبادات والمعاملات، فالصلاة أمانة مفروض تأديتها كاملة الشروط والأركان، والصيامُ أمانةٌ بينك وبين الله، والزكاةُ أمانة والله مطلعٌ عليك في أدائها كاملةً أو ناقصة، والأيمانُ والعهود والمواثيق والالتزامات والمواعيد أمانة كذلك، والصحة أمانة، وسمعك وبصرك ولسانك وفؤادك أمانةٌ عندك، وسوف تسأل عنها، قال تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (الإسراء: 36).</p>
<p>ومن أخطر صور الأمانة خيانة ما كان له علاقة بحقوق عباد الله المؤمنين، ثم حقوق أهل الذمة، بأكل أموالهم بالباطل ظلمًا وعدوانًا، أو بالكذب عليهم أو خداعهم أو غشهم أو المماطلة في إعطائهم حقوقهم.</p>
<p>أيها المسلمون: من أنواع الأمانات العظيمة والخطيرة الولايات العامة، كالإمارة والقضاء ومواقع المسؤولية في أي منصب من المناصب، وتحمل هذه الولايات أمرٌ عظيم وخطير وحسابه عند الله تعالى شديد وعسير، فعن أبي ذر  قال: قلت: يا رسولَ الله، ألا تستعمِلُني؟! (يريد أن يعمل تحت ولاية النبي ) قال: فضَرَب بيدِهِ على منكِبي ثم قال: «يا أبا ذرّ، إنّك ضعيف (يعني ضعيف القوة)، وإنها أمانةٌ، وإنها يومَ القيامة خِزيٌ وندامة، إلاّ من أخذها بحقِّها وأدَّى الذي عليه فيها» (رواه مسلم).</p>
<p>ومن صور الخيانة لهذه الأمانات في هذه الولايات وغيرها أن يصل الأمر بالمستَأمَن إلى الغِش والتدليس، روى مسلم أيضًا عن النبي  أنه قال: «ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيّةً؛ يموت يومَ يموت وهو غاشٌّ لرعيَّته إلاّ حرَّمَ الله عليه الجنة». ومن صور تضييع الأمانة استغلال الرجل منصبَه الذي عُيِّن فيه لجر منفعة إلى شخصه أو قرابته بما لا يحق له، واستعمال الشطط في سلطته، وكأن ما عين فيه ملك خاص به وينسى أنه منتخب من قبل مجتمع وموظف من موظفي الدولة. ومن الصور الظاهرة لخيانة الأمانة سرقة ونهب المال العام أو الإنفاق منه بإسراف وتبذير، وتلك جريمة نبهنا إلى خطورتها نبينا  فقال: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا؛ فما أخذ بعد ذلك فهو غُلول» (رواه أبو داود عن بريدة ، وصححه الألباني).</p>
<p>وقد شدد الإسلام في رفض المكاسب المشبوهة، والأموال العامة المسروقة فعن عدي بن عميرة الكِندي  قال سمعت رسول الله  يقول: «من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوق كان غُلولاً يأتي به يوم القيامة» (رواه مسلم).</p>
<p>ومن صور خيانة الأمانة أخذ الرشاوى مطلقا وخاصة في مقابل عمل هو في الأصل واجب. جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام استعمل رجلاً من الأزد على جمع صدقات بني سُليم، فلما رجع حاسبه وقال: هذا لكم وهذا أُهدي إلي. فقال رسول الله : «فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيَك هديتُك إن كنت صادقا؟»، فقام رسول الله  فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولانيَ الله، فيأتي فيقول: هذا لكم وهذه هدية أهديت لي، فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه؛ حتى تأتيَه هديتُه إن كان صادقا، والله لا يأخذُ أحدٌ منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرةً لها خوار، أو شاةً تيعر» ثم رفع عليه الصلاة والسلام يديه حتى رؤي بياض إبطيه يقول: «اللهم بلغت» (رواه البخاري ومسلم، عن أبي حميد الساعدي ). إنه توجيه نبوي رشيد يحرم الخيانة ويمقتها ويأمر بالحفاظ على الأمانة وصيانتها.</p>
<p>بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة&#8230;</p>
<p><span style="color: #800000;"><strong>الخطبة الثانية:</strong></span></p>
<p>الحمد لله على إحسانه&#8230;</p>
<p>عباد الله: من الأمانات العامّةِ التي يجب على كل مسلم أن يحافظ عليها ويراقب الله فيها الوظائفُ بشتَّى أنواعها والمسؤوليَّات بمختَلفِ صوَرِها في جميع قطاعات المجتمع والدولة، لكن مع الأسف يوجد بعض الناس اليوم ممن لا يعبؤون بالأمانة، ترى بعض الموظفين وبعض العمال لا يقومون بأعمالهم على الوجه الصحيح، ويتباطؤون فيها، ولا يؤدونها في أوقاتها، ولا يبالون بظروف الناس ومعاناتهم. كما أن بعض الناس لا يقدرون ظروف مجموعة من الموظفين والعمال المخلصين في أعمالهم.</p>
<p>ومن الأمانات العظيمة التي يجب الوفاء بها مسؤولية الوالدين على أبنائهم فالرجل أمين على أهله، والمرأة أمينة، والخادم أمين، روى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله  يقول: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته..»، ومن الأمانة ما يتصل بوسائل التأثير والتوجيه مثل الثقافة والإعلام والإرشاد والتعليم، فعلى القائمين عليها أن يراعوا حقوق هذه الأمانات، ويجتهدوا في أدائها بما يرضي الله جل وعلا. ومن الأمانات العظيمة حفظ شريعة الله تعالى وعلومها، فهي أمانة في عُنق علمائها ومعلميها ومربيها، يجب تبيانها للناس وعدم كتمانها. ومِن الأمانةِ الواجبِ مراعاتُها والقِيامِ بحقِّها إسداءُ النصيحةِ للمسلمين وإرادةُ الخير لهم، يقول جرير بن عبد الله : &#8220;بايعت رسول الله  على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم&#8221; (رواه البخاري)، فالمؤمن الحق يحب الخير لأخيه المسلم كما يحبه لنفسه وتتأكد هذه النصيحة عند طلبها؛ روى أبو داود وصححه الألباني عن أبي هريرة  أن النبي  قال: «المستَشار مؤتَمَن».</p>
<p>اللهم وفقنا لأداء ما حملنا من أمانات على الوجه الذي يرضيك عنا. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد&#8230; ووفق اللهم عاهل البلاد..</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #ff0000;"><em><strong>د. عبد اللطيف احميد</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2017/11/%d8%ae%d8%b7%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d8%ae%d9%84%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%aa%d9%82%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مع سنة رسول الله &#8211;  تجليات مفهوم المسئولية والمحاسبة  في الخطاب النبوي (1)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2016/11/%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%aa%d8%ac%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a6%d9%88%d9%84/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2016/11/%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%aa%d8%ac%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a6%d9%88%d9%84/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 01 Nov 2016 10:42:24 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[الحديث الشريف و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 466]]></category>
		<category><![CDATA[الأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[الخطاب النبوي]]></category>
		<category><![CDATA[العدل]]></category>
		<category><![CDATA[القوة]]></category>
		<category><![CDATA[المحاسبة]]></category>
		<category><![CDATA[المسؤولية]]></category>
		<category><![CDATA[المساواة]]></category>
		<category><![CDATA[تجليات مفهوم المسئولية والمحاسبة]]></category>
		<category><![CDATA[تعاقد بين الخلق والخالق]]></category>
		<category><![CDATA[ذ.محمد البخاري]]></category>
		<category><![CDATA[ربط المسئولية بالمحاسبة]]></category>
		<category><![CDATA[مرتكزات]]></category>
		<category><![CDATA[مع سنة رسول الله]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15550</guid>
		<description><![CDATA[عن ابن عمر  عن النبي  قال: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». (صحيح البخاري). &#160; يبين الحديث النبوي الشريف تصور النبي  لمفهوم المسئولية والمحاسبة، التي تلهج بها كل الألسن في مختلف المناسبات؛ الثقافية، والسياسية، والإعلامية، دون [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>عن ابن عمر  عن النبي  قال: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». (صحيح البخاري).</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>يبين الحديث النبوي الشريف تصور النبي  لمفهوم المسئولية والمحاسبة، التي تلهج بها كل الألسن في مختلف المناسبات؛ الثقافية، والسياسية، والإعلامية، دون أن يجد هذا اللغط صداه في واقعنا اليومي، إذ معظم الناس متدمرون من سوء تسيير مرافقهم العامة، مما يدفعنا إلى البحث عن سبب توجع المواطن المسلم من مؤسساته العمومية، والكشف عن البدائل الشرعية التي فعلت ربط المسئولية بالمحاسبة، مما يجعل الاعتماد عليها حلا عمليا لمعضلات الفساد الإداري في المجتمعات الإسلامية.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>أولا: المسؤولية والمحاسبة تعاقد بين الخلق والخالق</strong></span></p>
<p>استعمل العرب لفظة رعى للدلالة على الحفظ، والمراقبة، والتدبير، والحماية(1). وسمي الوالي بالراعي؛ لأنه يجب أن يقوم بمهمة الحفظ والمراقبة، ولا يتأتى له ذلك إلا بتدبير حكيم، وحماية فعالة، قال ابن حجر: &#8220;والراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه؛ فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه&#8221;(2).</p>
<p>فالرعاية تفيد المسئولية بمعناها العام المتداول، وهي تكليف والتزام يتحمله الجميع كل حسب قدراته، مصداقا لقوله : «كلكم راع» دخل في هذا العموم، المنفرد الذي لا زوج له ولا خادم ولا ولد؛ فإنه يصدق عليه أنه راع على جوارحه&#8230; فعلا ونطقا واعتقادا، فجوارحه وقواه وحواسه رعيته(3). ثم إن قوله : «وكلكم مسئول عن رعيته» يدل على معنى المحاسبة، ويؤيد هذا قوله تعالى: فَوَرَبِّك لنسأَلَنّهم أجمعين عمَّا كانوا يعملون(الحجر: 93). قال القرطبي: &#8220;والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم&#8221;(4). وقوله تعالى: فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين(الأعراف: 6). فالجميع محاسب، لقوله : «إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ أم ضيع» (صحيح ابن حبان).</p>
<p>وبناء على ما سبق؛ فإن المسئولية والمحاسبة في الإسلام تعاقد بين الخلق والخالق؛ لأنهما تكليف اختياري ينبثق عن الخلافة العامة في الأرض، قال تعالى: يا داود إنا جعلناك خليفة في الاَرض فاحكم بين الناس بالحق(ص: 26). فالحكم بالحق تعاقد مستمر مع الخالق، بيَّنه  بقوله: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». وهو يستمد وجوده من أصل خلقة الإنسان، لقوله تعالى: وإذا اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى(الأعراف: 172). فالجواب بالعبودية كان فطريا، والعبودية هي الضامن لحفظ بنود هذا التعاقد أثناء التطبيق. أما ما يسمى &#8220;بالضمير المهني&#8221; وغيره من المصطلحات الخادعة التي تخضع لمزاج صاحب الضمير، ونزواته، وحالاته النفسية من غضب وإرهاق، هو سبب بلاء الناس في مرافقهم العمومية؛ لأن العبادة هي أساس الخلافة في الأرض، وهي خاضعة للمحاسبة المطلقة في قوله تعالى: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد(ق: 18). لذلك كان التعاقد العام توحيد الله تعالى وعبادته، فكلما كان هذا مرعيا، كانت العقود الأخرى المتفرعة عنه محفوظة، وهذا معنى قوله تعالى: وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون(الذريات: 56). فالراعي ليس مطلوبا لذاته، وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك، فينبغي أن لا يتصرف إلا بما أذن الشارع فيه(5). وما دام هو على هذا المنهج؛ فإن دعوة النبي  ستشمله في قوله: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً، فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» (صحيح مسلم).</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>ثانيا: مرتكزات ربط المسئولية بالمحاسبة.</strong></span></p>
<p>هذه المرتكزات تستنبط من قوله : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». ومن النصوص الشرعية التي لها صلة بهذا الموضوع؛ وهي بالرغم من تعددها وتنوعها يمكن حصرها في التأهيل التربوي، والتأهيل المعرفي.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong> التأهيل التربوي للفرد الراعي:</strong></span></p>
<p>كل إنسان راع باعتبار، ومرعي باعتبار، فلا يخلو مكلف من وظيفة ملقاة على عاتقه؛ فكلما عظم شأنها ازدادت مسئوليتها؛ ومن أجل إتقان هذه الوظيفة، واتخاذ القرار الصالح، والتسيير الرشيد لشؤونها، يجب أن يؤهل الفرد الراعي تربويا بشكل مستمر؛ في الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والإعلام، والمجتمع، حتى يمتلك الصفات اللازمة للقيادة والتسيير، وعلى رأسها:</p>
<p><span style="color: #993300;"><strong>- القوة والأمانة: </strong></span>فالقوة البدنية، والفكرية، والسلوكية، تساعد الفرد على أداء ما كلف به على أحسن وجه، والأمانة تربطه بمراقبة الله تعالى في حفظ مصالح المسلمين من الضياع؛ فيحميها من جشعه وجشع من يعمل معه، قال تعالى: إن خير من استاجرت القوي الامين(القصص: 26). فلا يمكن لمن يتولى وظائف الدولة العامة أو الخاصة، أن يكون ضعيفا في مواقفه وقراراته، أو خائنا مفرطا في وظيفته؛ لأن أهل الفساد سيطمعون في ضعفه وخيانته ويعيثون فسادا في مصالح المسلمين؛ لهذا لا يكفي أن يكون الراعي أمينا لا يختلس مال المسلمين، بل يجب أن يكون قويا أيضا ليحميه من اللصوص، وإن لم يفعل فهو مشارك، قال : «إذا رأيت أمتي تهاب، فلا تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم» (المستدرك للحاكم). أي تركهم الله. فصفة الأمانة تستلزم حفظ المال العام، وتنميته، وصرفه في مصالح المسلمين، وصفة القوة تستلزم الدفاع عنه، وانتزاعه من يد الغاصبين؛ لذلك منع النبي  بعض الصحابة من تولي وظائف الدولة لأنهم غير أقوياء، رغم أنهم أمناء، فعن أبي ذر  قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ &#8230;قال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» (صحيح مسلم).</p>
<p>فالمنصب له تبعات بدنية وفكرية هائلة؛ لتحقيق النجاعة في طرق الحكم والتسيير، وتطوير وتنمية المرافق العامة للمسلمين، لذلك استحق سيدنا يوسف  أن يكون مسئولا عن الشؤون المالية والاقتصادية لمصر، قال تعالى: فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم(يوسف: 54-55) فبهاتين الصفتين سيحفظ ثروات مصر وينميها، ويدافع عنها لمنع المفسدين من سرقتها.</p>
<p><span style="color: #993300;"><strong>- العدل والمساواة:</strong></span> فبالعدل يضمن الراعي تمتع المواطنين بحقوقهم، قال تعالى: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل(النساء: 58). فالعدل يمنع الظلم لخدمة أهداف سياسية، أو قبلية، أو غيرها. قال تعالى: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى(المائدة: 8). وبالعدل استحق الراعي أن يكون أحب الخلق إلى الله تعالى قال : «إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل» (سنن الترمذي). فمحبة الله شرف عظيم، وهي الوسام الذي يجب أن يسعى إليه رعاة هذه الأمة؛ لأنها دائمة ومنجية، فلا يكون مطمحهم تحقيق مصالحم الخاصة التي تدفعهم للنهب والسرقة، قال : «إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة..» (صحيح البخاري).</p>
<p>وإذا كان العدل إعطاء كل ذي حق حقه، فالمساواة تستلزم عدم التمييز بين المواطنين في الحكم بسبب دينهم، أو جنسهم، أو لونهم، أو عرقهم، أو انتمائهم، فهدف الراعي تطبيق حكم الله على الجميع، وبذلك نطهر مرافقنا العمومية من الرشوة، والزبونية، والمحسوبية، وغيرها من مظاهر الفساد التي انتشرت في جسم إدارتنا، لعدم تربية أولادنا على العدل والمساواة؛ لذلك أنكر النبي  على من أراد أن يشفع في حدود الله، لكون المحكوم عليه من علية القوم، وقال : «إنما أهلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (صحيح مسلم). وهذا ما يهلك الأمة الإسلامية الآن مع كل الأسف، وقد حكم  على الدول التي لا تراعي ذلك بالفشل فقال: «.. وإن الله لا يترحم على أمة لا يأخذ الضعيف منهم حقه من القوي..» (المستدرك للحاكم).</p>
<p>وتطبيقا لهذا المبدأ قام عمر  بإعطاء أوامره بحفظ حقوق الضعفاء والفقراء من المسلمين وغيرهم؛ فقد مر بباب قوم وعليه سائل يسأل -شيخ كبير ضرير البصر- فقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. قال: فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه؛ فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شيبته ثم نخذله عند الهرم&#8230; ووضع عنه الجزية وعن ضربائه(6).</p>
<p>فإذا كان عمر  قد مضى زمنه كما يروج البعض؛ فإن العدل والمساواة في الحكم لم يمض زمنهما، بل إن التحجج بهذه المقولة هو محاولة بائسة للتنصل من المسئولية مع الخلق، وهي لن تنجي أي مفرط أو منتهك لحقوق الله، وحقوق العباد قال : «ما من وال يلي رعية من المسلمين، فيموت وهو غاش لهم، إلا حرم الله عليه الجنة» (متفق عليه).</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>ذ. محمد البخاري</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8211;</p>
<p>1 &#8211; مقاييس اللغة ابن فارس كتاب الراء، باب الراء والعين وما يثلثهما، مادة &#8220;رعى&#8221;. القاموس المحيط، فيروز ابادي، باب الواو والياء، فصل الراء. تاج العروس، الزبيدي، مادة &#8221; رعى&#8221;.</p>
<p>2 &#8211; فتح الباري، ابن حجر، دار المعرفة، 13/112.</p>
<p>3 &#8211; المصدر نفسه، 13/ 113.</p>
<p>4 &#8211; الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار الكتب المصرية. 10 / 60.</p>
<p>5 &#8211; فتح الباري، 13/ 113.</p>
<p>6 &#8211; الخراج، لأبي يوسف، 139.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2016/11/%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%aa%d8%ac%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a6%d9%88%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>خروق في سفينة المجتمع  (6) خيانة الأمانة</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2012/01/%d8%ae%d8%b1%d9%88%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%81%d9%8a%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%b9-6-%d8%ae%d9%8a%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2012/01/%d8%ae%d8%b1%d9%88%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%81%d9%8a%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%b9-6-%d8%ae%d9%8a%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 16 Jan 2012 11:17:17 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. عبد المجيد بنمسعود]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 372]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[أمانة الدين]]></category>
		<category><![CDATA[الأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[الأمانة أم الفضائل]]></category>
		<category><![CDATA[المغاربة]]></category>
		<category><![CDATA[خروق في سفينة المجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[خيانة]]></category>
		<category><![CDATA[خيانة الأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[د.عبد المجيد بنمسعود]]></category>
		<category><![CDATA[سفينة الخير]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=13887</guid>
		<description><![CDATA[اشتد ألم المخاض على سفينة الشعب المغربي المكدود، في بحر الربيع العربي، لتضع مولودها الموعود، في محطة تاريخية فارقة، ويوم مبارك  مشهود، هو يوم الجمعة 25 نوفمبر2011، وقد جاء المولود هذه المرة يحمل قدرا طيبا من قسمات الأجداد والآباء، وخصائص ميراثهم الأصيل، بعد تشريق وتغريب وتسكع طويل، عبر محطات للزمن الرديء، تمخضت عن مواليد تحمل [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>اشتد ألم المخاض على سفينة الشعب المغربي المكدود، في بحر الربيع العربي، لتضع مولودها الموعود، في محطة تاريخية فارقة، ويوم مبارك  مشهود، هو يوم الجمعة 25 نوفمبر2011، وقد جاء المولود هذه المرة يحمل قدرا طيبا من قسمات الأجداد والآباء، وخصائص ميراثهم الأصيل، بعد تشريق وتغريب وتسكع طويل، عبر محطات للزمن الرديء، تمخضت عن مواليد تحمل قدرا كبيرا من التشوه والتعويق، فضلا عن خلق كثير أودت بهم ما حملته رياح التجارب العابثة الهوجاء، من سموم ناقعة سوداء.</p>
<p>استبشر المغاربة الأصلاء، بهذا المولود على علاته خيرا، ورأوا فيه إرهاصا بالغد المشرق المجيد، يوم أن تصفو مشارب السفينة من السموم والأكدار، ويتنفس ركابها الصعداء.</p>
<p>تعرضت ألواح السفينة عبر متاهات البحار، لكثير من الخروق، ومحركاتها لكثير من الأضرار والحروق، بسبب عبث الربابنة وغفلة أهلها عن حقيقة المسار، وخريطة الإبحار. لم يكن هناك مفر من ذلك الحصاد الوبيل: قتلى بالألوف، لفظتهم السفينة التائهة ليكونوا طعاما سائغا للحيتان، وضواري الوحوش والعقبان، وجرحى بالملايين، يشكون من جروح بليغة غائرة، تركوا لأنينهم المكتوم، عبر الأرصفة المنثورة في مجاهل الفراغ السحيق.</p>
<p>ها هي ذي السفينة قد أقلعت عشية الثالث من يناير بعد تفكير وتدبير، وصراع مرير، أطلقت صفيرها المدوي الجهير، وقد توزع القوم إزاءها بين محبين مشفقين يرجون لها السداد والتوفيق، وشانئين حاسدين يتمنون من الأعماق، أن تغرق في الأعماق. صادف انطلاق السفينة في عهدها الجديد، إجدابا من الماء، فخرج الناس يستسقون ويجأرون لرب السماء، أن يمدهم بفيض العطاء، وقدموا عند بابه من وابل الاستغفار وخالص الثناء، رأوا عجبا من القائد الربان، رأوا عينيه تذرفان، فأيقنوا أن أوان السقيا قد حان، بفضل الواحد الرحيم المنان، وما أكثر ما رأوا أعينا ناطقة بالخيانة، ناضحة بالفجور والعصيان، ذبحت عند أقدامها الأخلاق، فضجت الأسواق بالشقاق والنفاق.</p>
<p>تبحر السفينة الآن في لحظة تاريخية عصماء،، زادها الصدق والإيمان، وعنوانها الأمل الكبير في استعادة الكرامة وتحرير الإنسان، تبحر وعلى طاولة ربابنتها ركام من الملفات التي ظلت مطمورة في دهاليز الاستخفاف والنسيان، فلم تحظ بمن يحسن قراءتها وفك رموزها، فتحول مدادها إلى أصداء من الأنين، وأنهار من الدموع، لفقدان جوهر عزيز، اسمه الأمانة، وصنف عزيز من الناس، هم الأقوياء الأمناء.</p>
<p>تبحر سفينة 25 نوفمبر وسط الأعاصير والأنواء: جحافل من الحاقدين الأعداء، لا يضيرهم أن يروا شرائح الشعب المخدوع مفرقة الأهواء ممزقة الأشلاء، إذا لم يكن بين أيديهم بقرة حلوب أو شاة جلحاء.</p>
<p>على متن السفينة المثقلة بالأعباء، تزاحمت أمانات تنوء بثقلها رواسي الجبال: تعليم منخور وصحة جرباء، إعلام موبوء وميزانية خرقاء، سكن مهزوز وثقافة شوهاء، فساد طام وفتن هوجاء، تداهم المدن والقرى، وتقتحم المداشر والأحياء، خطوب ودواه، تدع الحليم حيران، فمن لكل هذه البلايا غير الأيادي النظيفة البيضاء، والعزائم السائرة على المحجة البيضاء؟</p>
<p>لقد صح في سليم القرائح والأذهان، أن لا صلاح لحاضر أمة العدنان، إلا بما صلحت به، يوم أن استدار الزمان، كهيئته يوم خلق الله الأكوان.</p>
<p>لا شرقية، ولا غربية، إنما هي إسلامية، بهية قدسية، ترسل أنوارها في كل الآفاق، فإليها لا لغيرها ترنو العيون، وتشرئب الأعناق، شعارها الخالد الميمون: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق}.</p>
<p>في غياب تطبيق شريعة الرحمن، تولت الغربان، وجفت الوديان، واختلت الألحان، وانهدت الأركان، وضل كثير من الرجال والنسوان، وعمت الأحزان.</p>
<p>في غياب شرع الله، استأسد الحمل، واستنوق الجمل، وساقها هبل، فضاقت السبل، وعزت الحيل.</p>
<p>في غياب شرع الله غابت الأمانة، وانقضت الخيانة، فضاعت الأعراض، وكثرت الأمراض.</p>
<p>وجارت الإهانة، وخيم الوجوم وغارت النجوم، واجتاحت الهموم، وهبت السموم، ولم يبق للسفينة غير مخرج وحيد، يحرر البلاد والعبيد: أن تغتسل من الأدران والأوضار، وتخلص وجهتها للواحد القهار.</p>
<p>لم يبق أمام أهل السفينة المكلومين، إلا التمسك بالكتاب المبين، طوقا للنجاة، ونهجا لليقين.</p>
<p>كفى ارتكاسا وانتكاسا إلى أسفل سافلين، كفى ارتماء في أفواه الأفاعي والثعابين.</p>
<p>ليرعك الله يا سفينة المستضعفين، وأنت تبحرين نحو المرفأ الأمين، تحفك عناية رب العامين، ولا يصرفنك عن همك الدفين، مكايد الكائدين، ولا أراجيف المرجفين، ولا يستخفنك أولو النعمة من المترفين، فكلمة الله هي العليا، والحق أبلج ظاهر ولو بعد حين، وليكن رائدك يا سليلة الصادقين: قول رب العالمين: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين}.</p>
<p>طوفي يا سفينة اليمن في كل العوالم والبقاع، وزعي أطباق التمر والحليب، على الأطفال والأرامل والأيتام، وازرعي بذور الخير في كل الأنام، وانشري الكتب والدفاتر والأقلام، كوني بفضل ذي الملك الذي لا يرام، والعزة التي لا تضام، سفينة الرحمة التي تضمد الجراح، وتكشف الآلام، بفضل الواحد العلام.</p>
<p>احذر يا سفينة الخير من خيانة الأمانة، أمانة الدين، والبلاد والعباد، واعلمي أن الله ادخر المراتب العلا لمن رام حفظ وصيانة الأمانة.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. عبد المجيد بنمسعود</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2012/01/%d8%ae%d8%b1%d9%88%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%81%d9%8a%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%b9-6-%d8%ae%d9%8a%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>خطبة منبرية &#8211; الأمانة :  تجليات ومسؤوليات</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2012/01/%d8%ae%d8%b7%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d8%aa%d8%ac%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d9%85%d8%b3%d8%a4%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a7/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2012/01/%d8%ae%d8%b7%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d8%aa%d8%ac%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d9%85%d8%b3%d8%a4%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a7/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 16 Jan 2012 11:01:08 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 372]]></category>
		<category><![CDATA[خطب الجمعة]]></category>
		<category><![CDATA[الأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[الأمانة أم الفضائل]]></category>
		<category><![CDATA[الإيمان والأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[تجليات ومسؤوليات]]></category>
		<category><![CDATA[خطبة منبرية]]></category>
		<category><![CDATA[د. الوزاني برداعي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=13885</guid>
		<description><![CDATA[ الخطبة الأولى الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى أله وأصحابه ومن دعا بدعــوته إلى يوم الديـن. الله أكبر وأجل من كل شيء في هذا الوجود، الله أعظم وأعز من كل [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #0000ff;"><strong> الخطبة الأولى</strong></span></p>
<p>الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى أله وأصحابه ومن دعا بدعــوته إلى يوم الديـن.</p>
<p>الله أكبر وأجل من كل شيء في هذا الوجود، الله أعظم وأعز من كل ما يخطر بالبال ومن كل ما يَتصوره الخيال، الله أكبر، الذي له الخلق والأمر، الله أكبر منه العطاء ومنه الحرمان، الله أكبر منه النصر ومنه الخذلان، {قل اللهم مالك الملك توتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير}،</p>
<p>الله أكبر من كل شيء يعارض منهجه، الله أكبر من كل شيء يخالف شريعته، الله أكبر من كل مخلوق يعارض به الناس ربوبيته.</p>
<p>الله أكبر، كلمة ترجح كفة الحسنات عند ذكرها، الله أكبر، كلمةتخرجك من كل هم، وتكشف عنك كل غم.</p>
<p>الله أكبر كلمة دوّت وتدوّي على أرضنا، الله أكبر كلمة تدوي بكل معانيها في قلوبنا، الله أكبر تنتج عقيدة صلبة، وتوحيداً خالصاً، وتوجّهاً صادقاً، فلا إسلام بلا عقيدة، ولا عبادة بلا توحيد، فالله أكبر القائل في محكم التنزيل: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}(الإسراء: 111).</p>
<p>الله أكبر&#8230; لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد،</p>
<p>- إن الله عز وجل قد جعلكم خلفاء في الأرض، فأمركم بعمارتها والإصلاح فيها، والعمارة لا تكون إلا بأداء الأمانة، فالأمانة مسؤولية أخذها الإنسان على نفسه، بعد أن أبت حملها كل الكائنات، فإن قام بها وفى بالعهد وكان مُحسنًا مقبولاً، وإن ضيّعها خان العهد، وكان ظلومًا جهولاً، قال تعالى: {إنّا عرضنا الامانة على السّموات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنّه كان ظلومًا جًهولاً}(الأجزاب : 72)،</p>
<p>هل تقتصر الأمانة على الودائع فحسب؟ ألا تدخل العقيدة والعبادات في الأمانات؟ ما هي علاقة الأمانة بالحقوق والواجبات؟ جوارحنا أليست من الأمانات، ثم ما مكانة نعم الله على العباد ضمن الأمانات، لماذا كانت الأمانة يوم القيامة خزياً وندامة، أليست الأسرة أمانة، أليست المناصب والوظائف أمانة؟ أليس الوطن أمانة؟</p>
<p>لقد استهان الكثير من الناس في زماننا بأمر الأمانة حتى أضحوا لا يلقون لها بالاً، ولا يقيمون لها وزناً؟</p>
<p>فـهل أدرك الخائنون ما يترتب عن تضييع الأمانات من العذاب، وعن التفريط فيها من العقاب؟ أليس تضييع الأمانة ناتج عن سوء فهم لمعناها الجليل، وجهلٍ لأمرها العظيم؟ أليس تضييع الأمانة آية من آيات النفاق؟ أليس تضييع الأمانة من علامات الساعة؟</p>
<p>- الأمانة أم الفضائل ومنبع الخيرات، وهي أبرز علامات الإيمان، وقد ربط الرسول صلى الله عليه وسلم بين الإيمان والأمانة حتى صار الإيمان نفسُه أمانة، قال صلى الله عليه وسلم: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له))(رواه أحمد).</p>
<p>الأمانة صدق في القول وإخلاص في العمل، وحسن في المعاشرة ورفق في المعاملة، بالأمانة يسود الأمن، وتعطى الحقوق، وتؤدى الواجبات، لذلك أمر الله سبحانه  المؤمنين بالمحافظة على الأمانة، وأدائها إلى أهلها حيث قال تعالى: {إن الله يامركم أن تودوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}، وقال الرّسول صلى الله عليه وسلم: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك))(أبو داود والترمذي وأحمد).</p>
<p>وعدّ النّبي صلى الله عليه وسلم الخيانة علامة بارزة من علامات النّفاق، فقال صلى الله عليه وسلم: ((آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم))(متفق عليه).</p>
<p>إن مجال الأمانة واسع يشمل كل مناحي الحياة، فالعبادات أمانة، والجوارح والودائع أمانة، وحفظ الأسرار بين الزوجين وغيرهما أمانة، والبيع والشراء والكراء، والتعليم والقضاء والطب أمانة، المنصب والولاية والوظيفة أمانة والمتجر والمصنع أمانة&#8230;</p>
<p>الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،</p>
<p>- إن أول أمانة وأول عهد على العبد أن يفي به، عهده مع ربه جل ثنائه، العهد المتمثل في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، عقد بين المسلم وربه، وميثاق بين العبد ومولاه، مفاده أن يصرف العبد كل عبادته لله عز وجل، وألا يشرك معه غيره، وألا يستعين إلا به، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، أمانة في وثيقة مقدسة يعلنها المسلم في كل ركعة من صلاته فريضة كانت أو نافلة، ليذكِّر نفسه دائما بهذا العهد العظيم، الذي من أجله خلق الله الإنسان، ومن أجله أرسل الرسل وأنزل الفرقان، من أجله قامت سوق الجنة وسوق النار، من أجله مُد الصراط ونصب الميزان، وبُعث الخلق من قبورهم، وحُصِّل ما في صدورهم.</p>
<p>{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، العقد الجامع لأركان التوحيد وأعمال القلب والجوارح، عهد يلخص دعوة الأنبياء الكرام، ويوجز رسالة الرسل عليهم السلام.</p>
<p>الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،</p>
<p>- النفس والجوارح أمانة، إن من دلالات الأمانة منع المسلم جوارحه وحواسه من ارتكاب الحرام؛ لأنّها نعم أنعم الله بها عليه، وودائع استخلفه الله عليها، فاستعمالها في غير ما أمر المنعم خيانة له.</p>
<p>لقد استطاع إنسان القرن الحادي والعشرين أن يتحكم في ما حوله من الموجودات، يضغط على زرٍ فتفتح له أبواب البيوت والإدارات، يضغط على زرٍ فيتحكم  في تشغيل الآلات والسيارات، يضغط على زرٍ فيتنقل على أنواع من القنوات والفضائيات، إنسان هذا الزمان جال في الفضاء وتنقل عبر البحار والمحيطات، تحكم في الإنترنت وفي كل المصنوعات، لكنه ظل مغلوباً أمام الشهوات والنزوات، فاقداً السيطرة على نفسه، كثير الزلات، يتميز بالانهيار أمام الشره على الطعام والسعار على الجنس، والحماقة في الغضب، إنسان هذا الزمان فاشل أمام النفس والهوى، إلا من رحم الله، ونسأل الله أن يرحمنا.</p>
<p>لقد اتفق أهل العلم على أن النفس قاطع وحاجز بين قلب العبد وبين الوصول إلى ربه، وأن العبد لا يستطيع الوصول إلى مرضاة الله عز وجل، إلا بعد تهذيب نفسه والسيطرة عليها، قال تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها&#8230;}(الشمس).</p>
<p>ومن هذا المنطلق نقول: أيها المسلم لسانك أمانة، فانظر إلى لسانك فيم تستعمله، وعينك أمانة، اسألها عن النظرات المحرمة التي تقع فيها في كل لحظة. أذنك أمانة، اسألها عن التنصُّت أو التجسس على خصوصيات الآخرين واسألها عن سماع الكلام الساقط والغناء الماجن وكل كلام غير نافع. يدك أمانة فانظر كم تقترف من معصية وكم ترتكب من زلة. بطنك أمانة، فانظر إلى مصدر غذائك، هل هو من الحلال الطيب أم الحرام الخبيث؟</p>
<p>عقلك أمانة، انظر في أي القضايا يفكر، هل يفكر في العمل والبناء والإصلاح، أم يفكر في الهدم والتخريب والإفساد، والإضرار بحقوق العباد؟ انظر إلى عقلك هل هو مشغول بمعالي الأمور ومحاسنها، أم بتوافه الأمور وسفاسفها؟</p>
<p>لهذا كان حقاً أن يبدأ مشوار الإصلاح والتغيير بالنفس، لذلك قال ربكم جل وعلا: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}(الرعد : 11).</p>
<p>اللهم وفقنا لكي نغير ما بأنفسنا حتى تغير ما نزل بنا، يا أكرم الأكرمين ويا رب العالمين، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.</p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 255);"><strong>الخطبة الثانية</strong></span></p>
<p>ربي لك الحمد كما ينبغي لجلالك وعظيم سلطانك، اللهم صل وسلم وبارك على هذا النبي الأمين الذي أرسلته رحمة للعالمين وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين  وصحابته الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم يا رب العالمين آمين.</p>
<p>-الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً-.</p>
<p>عباد الله: والوطن أمانة: إن هذا الوطن أمانة في أعناقنا جميعاً وله علينا من الحقوق الكثير، منها حق الدفاع لا التخاذل، وحق البناء لا الهدم، له علينا حق الاجتماع لا التفرق، وحق التراحم لا الجفاء.</p>
<p>فعلى السياسي والإعلامي ورجل التربية والتعليم، على الفلاح والتاجر والصانع والجندي، على رجل الدرك ورجل الأمن، على الطبيب والمهندس والموظف والعامل، وعلى العالم قبل هذا وذاك، علينا جميعاً خدمة هذا الوطن بصدق وإخلاص، من أجل أداء الأمانة على وجهها المطلوب،</p>
<p>إن القوانين وحدها لا تصنع الأمة ولا تحافظ على الأمن، ولا تبني الحضارة،</p>
<p>لذلك نحتاج إلى مواطن صالح صادق مخلص، عرف واجباته فأداها وعرف حقوقه فاستفاد منها، نحتاج إلى مواطن صالح يحب الخير لبلده، نحتاج إلى علماء عالمين عاملين مخلصين، ميدانهم الدين والدنيا، ذلك أن الإسلام هو سياسة دنيا الناس بدين الله، نحتاج إلى إعلام صادق خال من التزييف و التمييع، نحتاج إلى من يفتح أبواب الشغل والعيش الكريم في وجه الطاقات الشابة، والقدرات المعطلة.</p>
<p>عباد الله، لا بد من أداء الأمانة في النفس والبيت والإدارة، في المعمل والمصنع والحقل والوزارة.</p>
<p>إن الإصلاح، أي إصلاح لا يعطي مفعوله وثمرته إلا مع إصلاح عقدي وأخلاقي، فهل يريد الشعب إصلاح العقيدة وهل يريد الشعب إصلاح الأخلاق؟!</p>
<p>الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،</p>
<p>- عباد الله: إن من أعظم أنواع الأمانة تلك التي أنيطت بالرئيس والمدير والمسير والوزير في إدارة من الإدارات أو شركة من الشركات، إن من أعظم أنواع الأمانة تلك التي أنيطت بصاحب العمل كان في البناء أو في الفلاحة، في الصناعة أو في التجارة، يتمثل ذلك في حسن المعاملة مع من هم تحت إمرته وسلطته، ومن يعملون تحت ولايته وكفالته، فليتق الله في العدل بينهم دون محاباة لأحد، فلا يجوز له أن يمنح هذا ترقية أو مكافأة، ويمنع أخر دون مسوغ مقبول.</p>
<p>إن من أعظم أنواع الأمانة، أمانة القضاة والحكام، فالخصوم أمانة في أعناق القضاة، وفي أعناق الحكام، فليحذروا من الخيانة، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث عَائِشَةُ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطّ).</p>
<p>إن من أعظم أنواع الأمانة أمانة رجال الصحة من أطباء وممرضين، فيا معشر الأطباء أرواح الآدميين أمانة في رقابكم، وأمل الشفاء بعد الله معلق عليكم، ألا فليتق الله الأطباء،</p>
<p>وإنمن أعظم أنواع الأمانة تلك التي أنيطت برجال التربية والتعليم، فالطلاب أمانة في رقاب المدرسين، فعليهم القيام بها أحسن قيام، ورعايتها أعظم رعاية،</p>
<p>إن من أعظم أنواع الأمانة أمانة المسؤول عن التوظيف والتعيين، على جميع المستويات، فعليه أن يسند الأمر إلى من هو أهل له علماً وعملاً، {إن خير من استاجرت القوي الأمين}. فأمانة المسؤول أمانة عظيمة، لاختيار الأصلح لكل عمل، دون مراعاة ولا محاباة، ودون تقدير لشعور قريب أو صديق، فلن يجادل عن المفرط أحدٌ يوم القيامة، كيف تسير سفينة الحياة إذا وسد الأمر لغير أهله؟ كيف تسير سفينة الحياة، إذا وكلت الأعمال إلى أناس لا يخافون الله ولا يهابونه؟ لا يتورعون عن الظلم والعدوان، ولا يأبهون بأكل الحرام، ويستغلون مناصبهم ونفوذهم لقضاء مصالحهم الشخصية.</p>
<p>فاتقوا الله عباد الله واحفظوا الأمانات ولا تضيعوها فإن تضييعها حسرة، وعدمَ أدائها خيانة.</p>
<p>اللهم اغفر لنا ما مضى من ذنوبنا، واحفظنا فيما بقي من أعمارنا، وكلما عُدنا بالمعصية فعُد علينا بالتوبة منها، وإذا ثقلت علينا الطاعة فهوَّنها علينا، وذكِّرنا إذا نسينا، وبصِّرنا إذا عمينا، وأشركنا في صالح دعاء المؤمنين، وأشركهم في صالح دعائنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.</p>
<p>وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العلمين.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: rgb(0, 0, 255);"><em><strong> د. الوزاني برداعي(üü)</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8211;</p>
<p>(ü) خطبة عيد الفطر لعام 1432هـ بمصلى المركب الرياضي بفاس.</p>
<p>(üü) عضو المجلس العلمي المحلي لفاس، خطيب مسجد الفتح وخطيب مصلى المركب الرياضي- فاس</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2012/01/%d8%ae%d8%b7%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d8%aa%d8%ac%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d9%85%d8%b3%d8%a4%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مع سنة رسول الله &#8211; من معالم المنهـاج  النبوي فـي  اختيار مسـؤولي الأمـة</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2012/01/%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%85%d9%86-%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d9%80%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2012/01/%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%85%d9%86-%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d9%80%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 16 Jan 2012 10:23:49 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. لخضر بوعلي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[الحديث الشريف و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 372]]></category>
		<category><![CDATA[أبي ذر الغفاري]]></category>
		<category><![CDATA[أمــانات الأمـة]]></category>
		<category><![CDATA[اختيار مسـؤولي الأمـة]]></category>
		<category><![CDATA[الأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[القوة]]></category>
		<category><![CDATA[القوة والأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[المنهـاج  النبوي]]></category>
		<category><![CDATA[المنهـاج  النبوي فـي  اختيار مسـؤولي الأمـة]]></category>
		<category><![CDATA[د.لخضر بوعلي]]></category>
		<category><![CDATA[مع سنة رسول الله]]></category>
		<category><![CDATA[من خـلال الحديث]]></category>
		<category><![CDATA[من معالم المنهـاج  النبوي]]></category>
		<category><![CDATA[منـاصـب الأمـة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=13877</guid>
		<description><![CDATA[من خـلال الحديث : عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: ((إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها ))(1). هذا الحديث يعتبر أصلاً عظيماً من أصول الإسلام في التكليف بالمهمات العامة المتعلقة بأمور الإمارة  ومصالح الأمة. جاء [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #ff0000;"><strong>من خـلال الحديث :</strong></span></p>
<p>عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: ((<span style="color: #008000;"><strong>إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها</strong></span> ))(1).</p>
<p>هذا الحديث يعتبر أصلاً عظيماً من أصول الإسلام في التكليف بالمهمات العامة المتعلقة بأمور الإمارة  ومصالح الأمة.</p>
<p>جاء هذا الحوار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي ذر الغفاري رضي الله عنه في وقت انتشر فيه الإسلام وانتصر، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يـعيّـن الولاة على الأقاليم.</p>
<p>كان أبو ذر -جندب بن جنادة- يتمتّـع بمكانة محترمة تبوّأها عن جدارة.</p>
<p>لقد كان في الجاهلية من الذين يتألّـهون أي يتمردون على عبادة الأصنام  ويذهبون إلى الإيمان بإله واحد خالق عظيم.</p>
<p>وأول ما سمع برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه جاء بدعوة تُـسفِّـه الأصنام  وتدعو من يعبدها إلى نبذها وإلى عبادة الله الواحد الأحد، أسرع إليه وسأله عن دعوته فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تيسّـر من القرآن الكريم  فأسلم من فوره فكان من السابقين الأولين إلى الإسلام(2). فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : &#8220;يا رسول الله بم تأمرني&#8221;؟ قال له صلى الله عليه وسلم : ((ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمري))(3). قال : ((والذي بعثك بالحق لا أرجع حتى أصرخ بالإسلام في المسجد))  فدخل المسجد الحرام  فنادى  بأعلى صوته  :&#8221;أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله&#8221; ولعلّـها أول صرخة تحدّت كبرياء قريش.</p>
<p>وتتابعت مواقف أبي ذر الغفاري رضي الله عنه الجاهرة بالحق والثائرة على الباطل. وكان مما أُثِـر عنه قوله : ((عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه))(4).</p>
<p>ربما يقرأ أحدٌ سؤالَ أبي ذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم :((ألا تستعملني؟)) فيدرجه في هذا الإطار أي ثورة وتمرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong> أولا : لـماذا سأل أبــو  ذر  هـذا الـسـؤال؟ :</strong></span></p>
<p>لقد رُفِـعت أصوات فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهرت له بالقول وهي أصوات صرخت بالباطل في وجه الحق وإن ادّعت أنها تدافع عن الحق. وأبو ذر من هذه الأصوات ومن أصحابها بريء.</p>
<p>فما الذي قصده  إذاً من سؤاله؟</p>
<p>&gt;  هل هو احتجاج على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟</p>
<p>&gt;  هل ظن أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آثر عليه غيره وإن كانوا أقلّ كفاءة منه؟</p>
<p>&gt;  هل هناك اعتبارات غير الكفاءة ومصلحة الأمة والحق وجّـهت اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم؟</p>
<p>&gt;  هل رغب عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان أهلاً للمسؤولية فاستغرب ذلك منه؟.</p>
<p>&gt;  هل يريد أبو ذر رضي الله عنه أن يستغل قربه ومكانته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطلب منه الولاية وإن لم يكن لها أهلاً؟.</p>
<p>&gt;  كل هذه الأسئلة وما كان على شاكلتها لا يكون الجواب عنها إلا بالنفي، والجواب بالإثبات لا يصح إلا إذا كان على سؤال يعْـكِـس مدى محبة أبي ذر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومدى توقيره وإجلاله له ومدى التزامه بتعاليم الإسلام، وكل فهم يُـناكِـد هذا ينبغي أن ينأى  المؤمن بنفسه عنه.</p>
<p>&gt; لعله بهذا السؤال يعبِّـر عن وضع نفسه رهن إشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا احتاج إليه في أمر الولاية، مع علمه بما فيها من المشقة واستعداده لتحمُّـلها ابتغاء وجه الله  وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم.</p>
<p>&gt; لا يخفى على أحد من المسلمين مدى محبة أبي ذر للإسلام ورغبته في خدمته في مرحلة الدعوة فلا جرم أن يساهم في خدمته في مرحلة الدولة.</p>
<p>لكن هل كل من يصلح للدعوة يصلح للدولة؟</p>
<p>&gt; لعله كان يرى أن الولاية وما يكتنفها من المتاعب المتعلقة برعاية مصالح الأمة جهاد في سبيل الله تعالى وكانت له النية الصادقة في الإسهام فيه كما أسهم من قبل في الدعوة إلى الله وفي مجاهدة المشركين.. وإذا كان جهاد الدعوة وجهاد ملاقاة الأعداء بابه مفتوحاً لكل من أراد أن يشارك فيه بحيث كان التكليف بهما عاماً لا يستثنى منه إلا أولوا الأعذار، فإن الجهاد من موقع الولاية على أمور المسلمين يختار له رسول الله صلى الله عليه وسلم من يراه صالحاً له.</p>
<p>&gt;  ولعل النفس المطمئنة التي كانت بين جنبي أبي ذر رضي الله عنه والقلب الزكي الذي كان يخفق بالخير وحب الخير للأمة، والقناعة والزهد والقوة في الحق والوقوف في وجه الباطل والمسارعة إلى الخير وغيرها مما عُـرف به أبو ذر رضي الله عنه وعَـرَف به نفسه..كل هذه الخصال جعلته يعتقد أنه مؤهل وصالح لهذه المهمة..</p>
<p>فالسؤال خرج من فرجة بين نظرته لنفسه ورغبته في خدمة الإسلام واعتقاده أنه صالح للولاية ومؤهل لها وبين عدم استعمال النبيّ صلى الله عليه وسلم له.</p>
<p>وأبو ذر رضي الله عنه على يقين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يختار لكل مهمة من يصلح لها وتصلح له، وينفعه الله تعالى بها وينفع الله الخلق بوجوده فيها.</p>
<p>وبالتقسيم العقلي فإن عدم استعمال النبيّ صلى الله عليه وسلم له لا يخرج عن أحد أمرين:</p>
<p>- أن يكون أبو ذر أهلاً ومع ذلك لم يستعمله النبيّ صلى الله عليه وسلم. ويلزم من ذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم استعمل من هو دونه أهلية.</p>
<p>- أنه لم يكن أهلاً للولاية وإن ظنّ في نفسه ذلك، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بأصحابه وبمؤهلاتهم وأنه أولى بهم من أنفسهم حُـكّـاماَ ومحكومين.</p>
<p>بين هذين الاحتمالين لا يحتار أبو ذر فيما يختار. فلا يمكن أن يعتقد الاحتمال الأول، يمنعه من ذلك إيمانه برسول الله صلى الله عليه وسلم وعصمته.</p>
<p>فلا يبقى إلا الاحتمال الثاني وهو أن يعتقد أنه غير صالح للولاية، يدلّـه على ذلك كثرة النصوص التي لا يمكن أن تغيب عنه والتي تنطق بعصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها قوله تعالى : {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}(النجم : 3- 4) وقوله تعالى : {النبيء أولى بالمؤمنين من أنفسهم&#8230;}(الأحزاب : 6).</p>
<p>كما لا تغيب عنه نصوص قرآنية كثيرة تمنع من تزكية النفس بل وتأمر بتوجيه التهمة لها كقوله تعالى : {فلا تُـزكّـوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى}(النجم : 31) وقوله تعالى : {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمّـارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم}(يوسف : 53).</p>
<p>كما لا يغيب عنه التوجيه القرآني بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع أوامره وعدم التقديم بين يديه في قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم}(الحجرات : 1).</p>
<p>إن هذا السؤال وجد في قلب أبي ذر رضي الله عنه دافعاً قوياً ووجد فرجة بين رغبته في خدمة الإسلام من أي موقع وبين عدم تكليف رسول الله صلى الله عليه وسلم له، ووجد في لسانه صدقاً شهد له به رسول الله صلى الله عليه وسلم  في قوله : &#8220;ما أقلّـت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر&#8221;(5).</p>
<p>لقد كان الصدق مدار حياته كلها، صدق في السريرة وصدق في العلن وصدق في العقيدة وصدق في المواقف وصدق في الدعوة وصدق في اللهجة..</p>
<p>الصدق عند أبي ذر.. &#8220;جهر بالحق وتحدٍّ للباطل وتأييد للصواب ودحض للخطأ،</p>
<p>الصدق ولاء رشيد للحق وتعبير جرئ عنه وسير حثيث معه&#8230;&#8221;(6).</p>
<p>صدق عبّـر عنه بقوله : &#8220;ألا تستعملني؟&#8221;</p>
<p>أجابه النبيّ صلى الله عليه وسلم جواباً خاصّـاً ومن خلاله  أجاب الأمة عن هذا السؤال الذي لا يخلو منه زمان، ووضع لها الأسس والضوابط لاختيار من يتولى أمور المسلمين.</p>
<p>- أما الجواب الخاص فإنه المتعلق بعدم استعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبيذر وإخباره أن ذلك راجع لمانع فيه يمنعه من الاضطلاع بأمر الولاية وهو الضعف : &#8220;إنك ضعيف&#8221;.</p>
<p>- إذاً  فعدم استعمال أبي ذر لا يرجع إلى إهمال الكفاءات أو الغفلة عنها أو تقديم القرابات أو غيرها مما يجب على كل مسلم تنزيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها ولا أخال أبا ذر ذهل عن ذلك.</p>
<p>- لقد سمع أبو ذر اليوم خبراً جديداً عن نفسه : &#8220;إنك ضعيف&#8221;، والذي أخبره به هو الصادق المصدوق&#8230; فمن الذي ينزه اليوم نفسه عن الضعف؟ بعد أبي ذر؟.</p>
<p>إن الاجتهاد في الدعوة إلى الله تعالى وفي الجهاد وفي العبادة وفي قول الحق دون الخوف من لومة اللائمين وغيرها من الخصال الحميدة،  لا يمنع عقلاً ولا شرعاً من وجود الضعف المانع من تحمُّـل المسؤوليات.</p>
<p>روى البخاري أن رجلاً(7) قال :&#8221;لقيت أبا ذر في الربذة  وعليه حلّة وعلى غلامه حُلّـة فسألته عن ذلك فقال ساببت  رجلاً (8) فعيّـرتُـه بأمّـه فقال لي النبيّ صلى الله عليه وسلم : ((يا أبا ذر، أعيّـرته بأمّـه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية&#8230;))(9) ومعناه فيك خصلة من خصال الجاهلية.  وحتى لو كان ذلك من أبي ذر قبل أن يعرف تحريمه فهي خصلة كانت باقية فيه رغم طول عهده  بالإسلام ورغم كل ما تمتّـع به من جميل الخصال. ولذلك سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم قائلاً : &#8220;على ساعتي هذه من كِـبَـر السن&#8221;؟ وهو سؤال يعكس تعجُّـبه من خفاء هذا الأمر عليه.</p>
<p>وكما خَـفِـيَـتْ عليه جاهليةٌ  كانت فيه،  خَـفِـيَ عليه ضعف لا يزال فيه،</p>
<p>وكما أخبره الحبيب صلى الله عليه وسلم بأنه امرؤ فيه جاهلية،  أخبره أيضاً بأنه ضعيف.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>ثانيا : القوة والأمانة شـرطا تولي منـاصـب الأمـة :</strong></span></p>
<p>ومن خلال خطاب أبي ذر خاطب صلى الله عليه وسلم  الأمة كلها فبيّــن الأسس والضوابط لاختيار من يتولى أمور المسلمين وهي :</p>
<p>&gt;  القوة  التي بها يستحق الإمارة  فيأخذها بحقها،</p>
<p>&gt;  والأمانة  التي بها يُـعطيها حقها،</p>
<p>فمن كان قويّـاً أخذ الولاية بحقها،</p>
<p>ومن عرف أنها أمانة وكان أميناً أعطاها حقها،</p>
<p>ومن جمع بين القوة التي بها يستحق الولاية وبين الأمانة التي بها يحفظ أمور الولاية كان أولى بها،</p>
<p>ومن كان ضعيفاً ضيّـعها ولو كان أميناً،</p>
<p>ومن لم يكن أميناً ضيّـعها ولو كان قويّـاً،</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>1- القوة :</strong></span></p>
<p>إن القوّة شرط  أساسي فيمن ترشح لولاية شيء من أمور المسلمين،   ولا يمتلكها إلا من استجمع مؤهِّـلات محددة ومعيّـنة تربو على كل الذي تمتع به أبو ذر رضي الله عنه.</p>
<p>إن الولاية على أمور الناس ( السلطة)  تتوقف على اليد المطلقة والكلمة النافذة والأمر المطاع  في حدود الصلاحيات، إنها قوة السلطان -أو قوة القانون- ورعاية مصالح الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تتحقق إلا بهذا.</p>
<p>والوالي -صاحب هذه القوة- يحتاج إلى قوة في ذاته:</p>
<p>- قوة يكبح بها جماح النفس إذا رامت تعدّي  حدود الله تعالى أو الزيادة عليها في استعمال القوة انتصاراً  للنفس أو للقرابات.</p>
<p>- وتقمع النفس إذا قصّـرت في استعمال القوة لنصرة الضعيف أو لتأديب الشريف.</p>
<p>- هي قوة تُـعين على امتثال قوله تعالى : {وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان}(الرحمن : 7).</p>
<p>- هي قوة عبّـر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ((&#8230;وأيمّ  الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف فيهم تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد..))(10).</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong> 2- الأمانة :</strong></span></p>
<p>قوله صلى الله عليه وسلم : ((وإنها لأمانة))</p>
<p>إن المسؤولية ليست مغنماً، وموقع الوالي فيما أؤتمن عليه كموقع الولي من مال اليتيم إن كان غنيّـاً فليستعفف وإن كان فقيراً فليأكل بالمعروف(11).</p>
<p>إنها أمانة، وإخبار النبيّ صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر يقصد به التعليم والتصحيح&#8230; والأمة بحاجة إلى هذا التصور للمسؤوليات، فإذا كانت كذلكفلا يسألنّـها عاقل وإن سألها  فلا يُعطاها : عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكِـلت إليها وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعِـنتَ عليها))(12).</p>
<p>وعن أبي موسى  قال : دخلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من قومي فقال أحد الرجلين أمِّـرْنا  يا رسول الله وقال الآخر مثله فقال صلى الله عليه وسلم : ((إنّـا لا نولّـي هذا من سأله ولا من حرص عليه))(13).</p>
<p>فهذا نهي صريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طلب الإمارة  وتوجيه صريح للأمة لئلا تُـسنِـد الأمور إلى من يسألها وهي أحكام  تنسجم  انسجاماً تامّـاً مع الإخبار بأنها أمانة بل وتتفرع عنه. لأن من عرف أنها أمانة وأدرك خطورتها لا يُـتصوّر منه أنه يسعى إليها بل ولا يتمنّـاها(14). والنهي عن التمني أبلغ في التحذير من النهي عن الطلب.</p>
<p>وأما من حرص عليها فأولى ألاّ يُـعطاها  لقوله صلى الله عليه وسلم : ((إنّـا لا نولّـي هذا من سأله ولا من حرص عليه))(15). لأن حرصه عليها دليل على جهله بخطورتها.</p>
<p>إن جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حاسماً في موضوع الإمارة ولو سألها  رجل في منزلة أبي ذر رضي الله عنه، لأنه لا محاباة ولا تساهل في مصالح الأمة.</p>
<p>فمن لا يصلح لها لا يُـعطاها ويُـقال له أنت دونها كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : ((إنك ضعيف)).</p>
<p>وهذا مجال آخر من مجالات الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.</p>
<p>إن الإمارة يُـختار لها من دلّــت سيرته على قوته وحسن سريرته : {إن خير من استأجرت القوي الأمين}(القصص : 26).</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>ثالثا :  الحكمة من النهي عن استعمال الضعفاء على أمــانات الأمـة :</strong></span></p>
<p>والجمع في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين كون أبي ذر ضعيفاً وكونها أمانة دليل على أن الأمانة تتوقّـف على القوة وأن أكثر ما تضيع به الأمانات هو الضعف:</p>
<p>- ضعف المؤتمن أمام شهواته في جمع المال وكل ما تميل إليه النفس.</p>
<p>-  ضعف في نزوعه إلى الانتقام من أعدائه ومعارضيه  ومخالفيه&#8230;</p>
<p>- ضعف أمام الأحبة  إذا ما اقترفوا ما يوجب حـدّاً أو تعزيراً أو إذا ما حرصوا على ما ليس لهم بحق&#8230;هل يُـغضبهم ولو أدّى ذلك إلى انفضاضهم عنه؟ أم يرضيهم ولو على حساب حقوق الآخرين؟.</p>
<p>- ضعف أمام الأقوياء والشرفاء هل يتملّـقهم ويُـرضيهم استمالة لوجوههم وخوفاً من مواقعهم على موقعه؟ أم يأخذ الحق منهم حتى لو أدّى ذلك إلى انفضاضهم عنه أو انقضاضهم عليه؟.</p>
<p>إن الذين استسلموا لضعفهم واتّـخذوا الإمارة مغنماً واتّبعـوا فيها شهواتهم وأرضوا بمصالح الأمة وبحقوق الناس  أقرباءهم وأصدقاءهم واستمالوا بها وجوه الأقوياء والشرفاء إليهم وذهلوا عن حساب {يوم يجعل الولدان شيباً&#8221;}(المزمل : 16)&#8230; لا جرم يحبونها ويفرحون بها كما يفرح الرضيع إذا أُلْـقِـمَ الثدي ويسألونها ويحرصون عليها ويبذلون كل ما يمكن من أجل الوصول إليها ولا يستطيعون التخلي عنها ويكرهون ذلك كما يكره الرضيع الفطام: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : ((إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة))(16).</p>
<p>إن السلطة والمال عصب الحياة وقِـوامها للأمم والجماعات، فإذا اعتورهما الضعف والضلال تهددت مصالح الرعية وتعرضت للخطر، فكيف إذا اتُّــخِـذت السلطة وسيلة لجمع المال؟ وكيف إذا قُـدِّم المال من أجل الوصول إلى السلطة؟.</p>
<p>((وإنها يوم القيامة خزي وندامة))</p>
<p>السلطة أمانة ومسؤولية قلّ من يقدرها حق قدرها،</p>
<p>وحساب الله تعالى عليها عسير، ترتعد من هوله أفئدة وفرائص الأبرار.</p>
<p>يقفون بقوة الحق مع الضعيف وينصرونه مهما هان حتى يأخذ حقه كاملاً.</p>
<p>ويقفون بذات القوة ضد الشريف مهما عزّ حتى يأخذوا منه حق الغير كاملاً.</p>
<p>قوة في الحق يعدلون بها بين الخلق.</p>
<p>وأمانة يبذلون أقصى الوسع ليؤدوها إلى أهلها طاعة للحق.</p>
<p>خصلتان ضروريتان ليأخذوا  الإمارة بحق ويؤدّوا الذي عليهم فيها.</p>
<p>خصلتان من أخطأهما أو إحداهما كانت عليه خزياً وندامة يوم القيامة.</p>
<p>والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. لخضر بوعلي</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8211;</p>
<p>1- مسلم كتاب الإمارة عن أبي ذر.</p>
<p>2- كان خامس خمسة أو سادس ستة دخلوا في الإسلام. اُنظر &#8220;رجال حول الرسول&#8221; خالد محمد خالد.</p>
<p>3- راجع قصة إسلام أبي ذر في صحيح البخاري كتاب المناقب باب قصة إسلام أبي ذر الغفاري.</p>
<p>4- رجال حول الرسول (أبو ذر)، خالد محمد خالد.</p>
<p>5- رجال حول الرسول، خالد محمد خالد.</p>
<p>6- رجال حول الرسول، خالد محمد خالد ص 47.</p>
<p>7- اسمه المعرور</p>
<p>8- يتعلق الأمر ببلال بن رباح المؤذن مولى أبي بكر.</p>
<p>9- البخاري، كتاب الإيمان باب المعاصي من أمر الجاهلية  وتمام الحديث :&#8221;&#8230;إنك امرؤفيك جاهلية، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم&#8221;</p>
<p>10-</p>
<p>11- هذا كلام ينسب إلى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو مستلهم من قوله تعالى :&#8221; فمن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف&#8221; من سورة النساء.</p>
<p>12- رواه الإمام البخاري في كتاب الأحكام، باب من  لم يسأل الإمارة أعانه الله عليها.</p>
<p>13- صحيح البخاري كتاب الأحكام باب : ما يُـكره من الحرص على الإمارة.</p>
<p>14- حـديث عبد الرحمـن بــن سمـرة ورد بصيغة &#8221; لا يتمنّـيـنّ&#8221; فــي رواية أوردها ابــن حجر فــي الـفـتـح ج 124/13.</p>
<p>15- حديث أبي موسى الأشعري السابق.</p>
<p>16- البخاري كتاب الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2012/01/%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%85%d9%86-%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d9%80%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>في إشراقة آية &#8211; {إن خير من استاجرت القوي الامين}</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2012/01/%d9%81%d9%8a-%d8%a5%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%a2%d9%8a%d8%a9-%d8%a5%d9%86-%d8%ae%d9%8a%d8%b1-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d8%ac%d8%b1%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%8a-%d8%a7/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2012/01/%d9%81%d9%8a-%d8%a5%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%a2%d9%8a%d8%a9-%d8%a5%d9%86-%d8%ae%d9%8a%d8%b1-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d8%ac%d8%b1%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%8a-%d8%a7/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 16 Jan 2012 09:41:12 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 372]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[أ.د.  عبد الكريم  بكار]]></category>
		<category><![CDATA[إن خير من استاجرت القوي الامين]]></category>
		<category><![CDATA[الأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[الأمانة والقوة]]></category>
		<category><![CDATA[المعايير الإسلامية]]></category>
		<category><![CDATA[في إشراقة آية]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=13874</guid>
		<description><![CDATA[قصّ الله -جل وعلا- علينا خبر موسى مع شعيب &#8211; عليهما السلام &#8211; حين جاء مدين، ووجد ابنتين لشعيب قد منعتا عنهما من الورود بانتظار ذهاب الرعاء وفراغ المكان، وما حدث من تطوع موسى بالسقيا لهما، وما كان من أمر شعيب حين بلغه ما قام به موسى حيث أرسل له يطلبه ليجزيه على ذلك وذكر [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>قصّ الله -جل وعلا- علينا خبر موسى مع شعيب &#8211; عليهما السلام &#8211; حين جاء مدين، ووجد ابنتين لشعيب قد منعتا عنهما من الورود بانتظار ذهاب الرعاء وفراغ المكان، وما حدث من تطوع موسى بالسقيا لهما، وما كان من أمر شعيب حين بلغه ما قام به موسى حيث أرسل له يطلبه ليجزيه على ذلك وذكر لنا القرآن الكريم كذلك نصيحة ابنة شعيب لأبيها باستئجاره، وعللت ذلك بقوة موسى وأمانته، ويذكر المفسرون أن شعيباً \ أثارت حفيظته الغيرة من كلامها، فقال: وما علمك بقوته وأمانته؟ فذكرت له أن موسى حمل حجراً من فوق فوهة البئر، لا يحمله في العادة إلا النفر من الناس وتلك قوته، وأنه حين ذهبت تكلمه أطرق رأسه، ولم ينظر إليها، كما أنه أمر المرأة أن تمشي وراءه، حتى لا تصيب الريح ثيابها فتصف ما لا تحل له رؤيته وتلك أمانته.</p>
<p>وقد صدق حدسها فهي ما رأت إلا نبياً من أولي العزم المؤتمنين على الوحي، الأشداء الأقوياء! وقد قيل: إن أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب وصاحب يوسف حين قال {عسى أن ينفعنا}(يوسف: 21)، وأبو بكر حين اختار عمر لإمارة المؤمنين(1).</p>
<p>وقد جمعت ابنة شعيب \ في تعليلها المختصر ذاك بين أمرين عظيمين، ينضوي تحتهما معظم الكمالات الإنسانية، وهما الأمانة والقوة، وهذه وقفات سريعة معهما:</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>1- ليست الأمانة هنا إلا رمزاً</strong> </span>لما يستلزمه الإيمان بالله تعالى من المحامد كالإخلاص والأمانة والصدق والصبر والمروءة، وأداء الفرائض والكف عن المحرمات؛ وقد قال أكثر المفسرين في قوله سبحانه : {إنا عرضنا الامانة}(الأحزاب: 72) الآية: إن المراد بها التكاليف الشرعية عامة(2)، وقد وصفت ابنة شعيب موسى بالأمانة لغضه طرفه، ومشيه أمامها.</p>
<p>أما القوة فهي رمز لمجموع الإمكانات المادية والمعنوية التي يتمتع بها الإنسان.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>2- الأمانة والقوة ليستا شيئين متوازيين دائماً،</strong></span> فقد يتحدان، وقد يتقاطعان فالصبر جزء من الأمانة؛ لأنه قيمة من القيم، وهو في ذات الوقت قوة نفسية إرادية، وإذا كان العلم من جنس القوة، فإنه يولد نوعاً من الأمانة؛ إذ أهله أولى الناس بخشية الله، {إنما يخشى اللهّ من عباده العلماء} (فاطر:28) والإيمان أجل القيم الإسلامية، فهو من جنس الأمانة، ومع ذلك فإنه يولد لدى الفرد طاقة روحية هائلة تجعله يصمد أمام الشدائد صمود الجبال، ومن ثم كانت الظاهرة الإسلامية العالمية: ظاهرة (المسلم لا ينتحر)!.</p>
<p>إن هذا التلاقي بين الأمانة والقوة يمثل بعض الأرضية المشتركة لتلاقي أهل الأمانة وأهل القوة، كما يجعل التحقق من إحداهما المعبر للتحقق من الأخرى.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>3- سوف يظل النمط الذي يجمع بين القوة والأمانة</strong></span> نادراً في بني الإنسان وكلما اقتربا من الكمال في شخص صار وجوده أكثر ندرة، والقوي الذي لا يؤتمن، والموثوق العاجز هم أكثر الناس، والذين فيهم شيء من القوة وشيء من الأمانة كثيرون، وقد روي عن عمر رضي الله عنه : ((أشكو إلى الله جَلَد الفاجر وعجز الثقة))، فكل منهما لا يمثل المسلم المطلوب، ودخل عمر أيضاً على لفيف من الصحابة في مجلس لهم فوجدهم يتمنون ضروباً من الخير، فقال: أما أنا فأتمنى أن يكون لي ملء هذا البيت من أمثال سعيد بن عامر الجمحي، فأستعين بهم على أمور المسلمين!.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>4- العمل المقبول في المعايير الإسلامية</strong> </span>هو ما توفر فيه الإخلاص والصواب، والإخلاص ضرب من الأمانة، والصواب وهو هنا موافقة الشريعة ضرب من القوة، هذا بصورة عامة، لكن في أحيان كثيرة يكون ما يطلب من أحدهما أكثر مما يطلب من الآخر؛ فالثواب يتعلق بالإخلاص أكثر من تعلقه بالصواب، فالمجتهد المؤهل ينال أجراً إذا استفرغ وسعه وإن كان اجتهاده خاطئاً، لكن لا ثواب البتة على عمل لا يراد به وجه الله تعالى، أما النجاح والوصول إلىالأهداف المرسومة في الدنيا فإنه مرتبط بالصواب أكثر من ارتباطه بالإخلاص، فكم من مؤسسة يديرها أكفاء ليس عندهم شيء من الأمانة، ثم حققت أهدافها المادية كاملة وكم من مؤسسة أدارها أخيار غير مؤهلين، فأعلنت إفلاسها! وقد ذكر ابن خلدون أن للناس مذهبين في استخدام الأكفاء غير الثقات وتقديمهم على الثقات غير الأكفاء، واختار هو استخدام غير الثقات إذا كانوا مؤهلين؛ لأن بالإمكان وضع بعض التدابير التي تحد من سرقاتهم أما إذا كان المستخدم لا يحسن شيئاً فماذا نعمل به؟!(3) وقد ولى النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكفاية الحربية مع أن في الصحابة من هم أتقى منهم وأورع؛ لأن القوة (البسالة وحسن التخطيط) تطلب في قيادة الجيش أكثر من الأمانة، مع أنهم كانوا بكل المقاييس من الأمناء الأخيار وطلب بعض الصحابة ممن عرفوا بالزهادة والورع الولاية على بعض أمور المسلمين فحجبها عنهم لضعفهم.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>5- نحن في مراجعة أخطائنا نركز على جانب الأمانة،</strong> </span>ونهمل جانب القوة فإذا ما أخفقنا في عمل ما قلنا نحن بحاجة إلى تقوى وإخلاص، وإن اتباع الأهواء هو السبب في ذلك، ولا ريب أن الإخلاص مفتاح القبول والتوفيق وأن التقوى تستنزل الفرج، لكن ما هي المعايير التي تمكننا من قياس درجة التقوى ومقدار الإخلاص الموجود إذا ما أردنا التحقق منه وكيف نستطيع التفريق بين عمل دفع إليه الهوى وآخر دفع إليه الاجتهاد؟ ! كل ذلك مما يستحيل قياسة، وبالتالي فإنه لا يمكن تحديده وما لا يمكن تحديده لا يصلح لأن يكون هدفاً.</p>
<p>وبإمكان الناس أن يقولوا: إلى ما شاء الله نحن أتباع هوى دون أن تستطيع أن ترد على أحد منهم رداً شافياً قاطعاً! على حين أن قياس القوة ممكن، وإدراك الخلل فيها يكون عادة ظاهراً يمكن وضع الإصبع عليه فحين يأتي خطيب ليتولى إدارة جيش، أو التخطيط لمعركة، وحين يتولى رسم سياسات العمل رجلٌ لا يعرف الواقع، فلا يقرأ جريدة ولا يستمع إلى نشرة أخبار، ولا يحسن قراءة أي شيء يحيط به، فإن الخلل لا يحتاج إذ ذاك إلى شرح حيث تتولى شرحه النتائج!.</p>
<p>وحين يتصدى للاجتهاد في أمور خطيرة أشخاص لا يملكون الحد الأدنى من المعلومات حولها، وتترتب على اجتهاداتهم فواجع أكبر من أي جريمة، ماذا تكون الحال؟! لقد آن الأوان لوضع الأمور في نصابها، بتأهيل الشخص قبل إيجاد العمل الذي سيعمله، بدلاً أن يوجد المنصب ثم يبحث عمن يسد الفراغ ليس أكثر!</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>6- عالمنا الإسلامي النموذج المثالي للقوى الكامنة</strong></span>، فكل ما عندنا (خام) : الإنسان والطبيعة والموارد، ولعل لله في ذلك حكمة بالغة؛ إذ أن تشكيل الإنسان المسلم لو تم قبل بزوغ الصحوة المباركة لكان أكثر ضرراً من بقائه على حاله.</p>
<p>هذه القوى الكامنة ستظل ثغرات في حياتنا أياً كان موقعها في ظل التكالب العالمي على الصعيد الثقافي والاقتصادي، وهذه القوى الكامنة تحتاج إلى تفجير وإلى إخراج في شكل جديد يمنحها وزنها الحقيقي وإخراج القوة مهمة الدولة أولاً؛ فهي المسؤولة عن تفجير الطاقات كافة وتوجيهها، ومهمة صفوة الصفوة من صانعي المبادرات الخيّرة، الذين يمتد بصرهم دائماً إلى مستوى أعلى من المستوى الذي تعيش فيه أمتهم فيوجدون باستمرار الأفكار والأطر والأجواء والآليات التي تُفَعّل القوى الخامدة المجهولة للناس حتى حامليها.</p>
<p>واليهود هم من أساتذة العالم في (إخراج القوة) وتوظيفها واستغلالها وصحيح أن ديننا يحول بيننا وبين وسائل كثيرة استخدموها حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، لكنني أعتقد أنه مازال في هذا العالم مكان فسيح للمسلم المبصر الأريب..</p>
<p>وقد بدأت الأمة في امتلاك القوة، وبدأ المارد الذي نام قروناً يصحو وهو الآن يتفقد أعضاءه وحواسه، ويحاول أن يتعلم المشي في (حارة) الكرة الأرضية، لكن بعضاً منا بدؤوا يخبطون يمنة ويسرة قبل أن يفتحوا عيونهم وقبل أن يعقلوا الأجواء التي يصحون فيها؛ ليغروا العدو بتوجيه الرصاصة القاتلة قبل أن يقفوا على أقدامهم!.</p>
<p>إن فهم الحياة المعاصرة شرط أساسي يجب توفيره عند كل أولئك الذين يريدون توجيهها والتأثير فيها، ولن يكون ذلك ممكناً ما لم نكن نحن من صانعي قراراتها وخياراتها..</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>7- الأمانة قيد على القوة،</strong></span> فهي التي تحدد مجالات استخدامها وكيفياته والقوة الآن في يد الآخرين على ما نعرف، والقيود الأخلاقية عندهم آخذة في الضعف يوماً بعد يوم؛ لأنها لا تعتمد على إطار مرجعي أعلى يمنحها الثبات ومن ثم فإن القوة ليست في طريقها إلى الانطلاق من أي ضابط أو حسيب، لكنها في طريقها إلى صنع قيودها بنفسها الصناعة التي تمكنها من مزيد من الانطلاق، وهي بذلك تجعل الآخرين يتوهمون أنها قيود؛ حتى لا يشعر أحد أن هناك فراغاً أخلاقياً يجب ملؤه! وما النظام العالمي الجديد سوى الأحرف الأولى في أبجديات القيود الجديدة!.</p>
<p>وهذا يوجب علينا المزيد من التفكير والتأمل فيما يجب عمله، ونحن مع ضعفنا قادرون في هذا المضمار على عمل الكثير الكثير إذا فهمنا لغة العصر، وأحسنا إدارة الصراع؛ إننا نملك القيود (الأمانة)، وهم يملكون القوة، فهل نسعى إلى امتلاك القوة المقيدة حتى يصطلي العالم بالنار دون أن يحترق؟</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>أ.د.  عبد الكريم  بكار</strong></em></span></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8211;</p>
<p>(1) الكشاف 163/3.</p>
<p>(2) انظر البحر المحيط : 253/7.</p>
<p>(3) انظر مقدمة ابن خلدون : 279/2.</p>
<p>عن موقع: شبكة النور</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2012/01/%d9%81%d9%8a-%d8%a5%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%a2%d9%8a%d8%a9-%d8%a5%d9%86-%d8%ae%d9%8a%d8%b1-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d8%ac%d8%b1%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%8a-%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>هذا الملف</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2012/01/%d9%87%d8%b0%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d9%81/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2012/01/%d9%87%d8%b0%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d9%81/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 16 Jan 2012 08:25:12 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 372]]></category>
		<category><![CDATA[أخلاق الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[الأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[الأمانة خلق جليل]]></category>
		<category><![CDATA[خيانة الأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[قيمة الأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[هذا الملف]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=13872</guid>
		<description><![CDATA[الأمانة خلق جليل من أخلاق الإسلام، وأساس من أسسه، ورد ذكرها في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف في أكثر من موضع وسياق؛ من ذلك قوله تعالى ذاكرا عظم مسؤولية الأمانة: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنا وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلومًا جهولاً}(الأحزاب: 72). وقال عز وجل مثنيا على عباده [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>الأمانة خلق جليل من أخلاق الإسلام، وأساس من أسسه، ورد ذكرها في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف في أكثر من موضع وسياق؛ من ذلك قوله تعالى ذاكرا عظم مسؤولية الأمانة:</p>
<p>{إنا عرضنا الأمانة على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنا وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلومًا جهولاً}(الأحزاب: 72).</p>
<p>وقال عز وجل مثنيا على عباده المؤمنين بحفظهم للأمانة: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون}(المعارج: 32).</p>
<p>وبيّنَ، جل وعلا، أن خيانة الأمانة يؤدي إلى البعد عن الله، فقال، جل من قائل:  {إن الله لا يحب من كان خوانًا اثيمًا}(النساء : 107).</p>
<p>ومن ثم أمر، سبحانه، عباده المؤمنين بعدم الخيانة، فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون}(الأنفال: 27).</p>
<p>كما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الأمانة دليلا على إيمان المرء وحسن خلقه، فقال صلى الله عليه وسلم : ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له))(رواه الإمام أحمد).</p>
<p>وأمر صلى الله عليه وسلم المسلمين بأداء الأمانة مع جميع الناس، وعدم الخيانة حتى مع الخائن، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ من خانك))(رواه أبو داود والترمذي وأحمد).</p>
<p>وحذر صلى الله عليه وسلم خائن الأمانة من العذاب الأليم يوم القيامة، فقال صلى الله عليه وسلم : ((لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة))(متفق عليه).</p>
<p>كل هذه النصوص، وغيرها كثير، تدل على أن حمل الأمانة أمر جسيم، سواء أكانت هذه الأمانة  متعلقة بالفرد أم الأسرة أم المجتمع أم الدولة، مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ((ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها (زوجها) وولدهوهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته))(متفق عليه).</p>
<p>والرعاية/ الأمانة لا يقوم بها إلا عاقل، ولا يخونها إلا أحمق. وإذا كان الله تعالى قد أكرم الإنسان كرما عظيما، عندما ميزه عن جميع ما خلق من المخلوقات بموهبة العقل الذي نال به الشرف الأعلى والمنزلة العظمى، والذي به أحس الإنسان بفطرته أنه في مكنته واستطاعته وقدرته أن يتحمل مسؤولية الأمانة التي عرضت عليه فقبل القيام بها؛ بمعنى أن يتحمل شرف ما وهبه الله من عقل بأن يكون صالحا للخلافة في الأرض عندما قال سبحانه للملائكة: {إني جاعل في الارض خليفة}(البقرة : 30). فالله سبحانه وتعالى بحكمته وعلمه وفضله زود الإنسان بالعقل ليتمكن من رعاية حق الاستخـلاف، وهذا مفهـوم من قـوله سبحانه: {إنا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان}(الأحزاب : 72) وأغلب المفسرين وإن أشاروا إلى أن الأمانة قد تكون هي الصلاة، أو هي جميع الفرائض، أو هي الدين، أو هي الطاعة، أو هي كلمة التوحيد، أو هي العدالة، أو هي الخلافة، إلا أن عددا منهم مال إلى أن تكون هي العقل؛ (لأن العقل هو الذي بحصوله تتحصل معرفة التوحيد، وتجرى العدالة، بل بحصوله تعلُّمُ كل ما في طوق البشر تعلُّمُه وفعلُ ما في طوقهم من الجميل فعلُه، وبه فُضِّل على كثير ممن خلق)(المفردات : 90).</p>
<p>فالإنسان بشجاعة منه، وثقة بشرف ما وهبه الله، قبِل تحمُّل الأمانة، لذلك كان للعقل منزلة وحرمة عند الله، ظهرت على لسان أنبيائه ورسله فيما أتوا به من شرائع كان الإسلام خاتمها. والإنسان المؤمن المتقي العاقل أولى بتحمل الأمانة، لأنه بدون شك سيقوم بها حق القيام، استحضارا لرقابة الله تعالى قبل غيره في الدنيا، وخوفا من عذابه يوم القيامة.</p>
<p>واعتباراً لقيمة الأمانة وقيمة رعايتها في صلاح الدين والدنيا، وترشيداً للأمة، تفتح جريدة المحجة هذا الملف {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب}</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2012/01/%d9%87%d8%b0%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d9%81/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>خطبة منبرية &#8211; نزول الأمانة ورفعها</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2011/10/%d8%ae%d8%b7%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%86%d8%b2%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d9%88%d8%b1%d9%81%d8%b9%d9%87%d8%a7/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2011/10/%d8%ae%d8%b7%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%86%d8%b2%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d9%88%d8%b1%d9%81%d8%b9%d9%87%d8%a7/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 03 Oct 2011 11:00:14 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[المحجة]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 365]]></category>
		<category><![CDATA[خطب الجمعة]]></category>
		<category><![CDATA[أكاديمي بجامعة أم القرى]]></category>
		<category><![CDATA[أهميَّة الأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[الأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[الشيخ إبراهيم الحُقيل]]></category>
		<category><![CDATA[جامعة أم القرى]]></category>
		<category><![CDATA[خطبة منبرية]]></category>
		<category><![CDATA[نزول الأمانة ورفعها]]></category>
		<category><![CDATA[واقِع المسلِمين]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=14074</guid>
		<description><![CDATA[الخطبة الأولى الحمد لله العليم الخبير؛ هدانا لدينه، وفصَّل لنا شريعته، وعلَّمنا محاسن الأخلاق لنتمثَّلها، وسفاسِفَها لنتجنَّبها، فله الحمد كلُّه، وله الملك كلُّه، وبيده الخير كلُّه، وإليه يرجع الأمر كلُّه، علانيته وسِرُّه، أهلٌ لِأَن يُحمَدَ وهو على كلِّ شيء قدير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ جَهِل الناسُ عظمته ولم يعرفوا [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #0000ff;"><strong>الخطبة الأولى</strong></span></p>
<p>الحمد لله العليم الخبير؛ هدانا لدينه، وفصَّل لنا شريعته، وعلَّمنا محاسن الأخلاق لنتمثَّلها، وسفاسِفَها لنتجنَّبها، فله الحمد كلُّه، وله الملك كلُّه، وبيده الخير كلُّه، وإليه يرجع الأمر كلُّه، علانيته وسِرُّه، أهلٌ لِأَن يُحمَدَ وهو على كلِّ شيء قدير.</p>
<p>وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ جَهِل الناسُ عظمته ولم يعرفوا حقَّه عليهم، فلم يقدروه حقَّ قدره، ولم يعبدوه حقَّ عبادته، ولو أدركوا عظمته وعلموا حقَّه للهَجَتْ ألسِنتهم بذكره وشكرِه، ولنصبت أركانهم في طاعته و عبادته؛ {بَلَ اَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ}(الأنبياء: 24).</p>
<p>وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأمِينُه على دينه، أخبَرَنا عن الله تعالى بما كان من أمر الخليقة، وما يكون من مصيرهم، فمِنَّا طائِعٌ مُعتَبِر مُتَّبِع، ومِنَّا مُعرِض غافِل مُستكبِر، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه إلى يوم الدين.</p>
<p>أمَّا بعدُ:</p>
<p>فاتَّقوا الله تعالى  وأطيعوه؛ {وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُوخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ}(البقرة: 48).</p>
<p>أيُّها الناس:</p>
<p>حين يَعزِف الناس عن الوحي الربَّاني وهُدَاه، ويستبدِلُون به غيره من أقاويل أهل الجهل والهوَى، فإنهم يُحرَمون النورَ الذي أنزَلَه الله تعالى  فتَعمَى بصائرهم عن الحق، وتقع الفُرْقَة والاختلاف بينهم.</p>
<p>وفي حديث عظيم نحتاج إلى استذكاره وتَدارُسه، ومعرفة ما حوَاه من العلم والهُدَى في زمنٍ انتُهِكت فيه الحرمات، واتُّبِعت الأهواء وحُرِّفَتْ أحكام الشريعة ومعاني النصوص، وتَسابَق أهلُ الجهل والهَوَى إلى إرضاء الناس مندون الله عزَّ وجلَّ نعوذ بالله تعالى من الضلال والخذلان.</p>
<p>هذا الحديث الذي نحتاج إلى العلم به في هذا الزمن هو حديث الإخبار عن الأمانة في نزولها واستقرارها، ثم زوالها ورفعها، يرويه حُذَيفة بن اليَمان رضي الله عنه وهو أعلم الصحابة رضِي الله عنهم بأحاديث الفِتَن، وله اختصاصٌ في جمعها وفقهها، يقول رضي الله عنه : ((حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  حديثَين رأيت أحدهما وأنا أنتظِر الآخَر: أن الأمانة نزلَتْ في جَذْرِ قُلوب الرِّجال، ثم عَلِمُوا من القرآن، ثم عَلِمُوا من السنَّة، وحدَّثنا عن رفعها قال: ((ينام الرجل النَّوْمَة فتُقْبَض الأمانة من قلبه، فيظلُّ أثرها مثل أثر الوَكْتِ، ثم ينام النَّوْمَة فتُقْبَض فيَبقى أثرها مثل المَجْل كجَمْرٍ دحرجته على رجلك فنَفِط فتراه مُنْتَبِرًا وليس فيه شيء، فيصبح الناس يَتبايَعُون فلا يكاد أحدهم يُؤدِّي الأمانة فيُقال: إن في بني فلان رجلاً أمينًا، ويُقال للرجل: ما أعقَلَه، وما أظرَفَه، وما أجلَدَه! وما في قلبه مثقال حبَّة خردلٍ من إيمان))، ولقد أتى عليَّ زمانٌ وما أُبالِي أيَّكم بايَعتُ؛ لئن كان مسلمًا ردَّه عليَّ الإسلام، وإن كان نصرانيًّا ردَّه عليَّ ساعِيهِ، فأمَّا اليوم فما كنت أُبايِع إلا فلانًا وفلانًا))(رواه الشيخان).</p>
<p>إنه حديث عظيم يدلُّ على أهميَّة الأمانة في الناس، وحين ننظر إلى واقِع المسلِمين نعلم أن كلَّ مشاكلهم يعود سببها إلى تضييع الأمانة بمفهومها العام.</p>
<p>والحديث الذي رآه حذيفة &#8211; رضي الله عنه &#8211; هو نزول الأمانة؛ لأنه &#8211; رضي الله عنه &#8211; عاشَ في زمن الأُمَناءِ؛ رسولِ الله &#8211; صلى الله عليه وسلم &#8211; وصحبِه &#8211; رضِي الله عنهم &#8211; وأمَّا الحديث الذي كان ينتظره فهو رفع الأمانة من الناس، وقد وقع ذلك في أواخر عهد الصحابة &#8211; رضِي الله عنهم &#8211; وازداد بعدَهم، ولا يزال يزداد إلى يومنا هذا.</p>
<p>وكثيرٌ من الناس يحصرون الأمانة في الوديعةِ، والوديعةُ جزءٌ منها وليست كلها؛ إذ الأمانة بمعناها العام تشمل الدين كلَّه، وهي المذكورة في قول الله تعالى : {إِنَّا عَرَضْنَا الامَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالَارْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الاِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً}(الأحزاب: 72).</p>
<p>فدِين الله تعالى الذي نَدِين به، وشريعته التي أنزَلَها علينا بكافَّة تفصيلاتها، والعبادات التي نقوم بها، والمعاملات التي نُعامِل بها غيرنا، سواء قَرُب مِنَّا أو بَعُد عَنَّا، كلُّ أولئك من الأمانة التي حُمِّلنا إيَّاها، ويجب أن نؤدِّيها، وسنُسأَل عنها يوم القيامة؛ {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمُ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(الحجر: 92- 93)..</p>
<p>ورعيَّة الإنسان أمانةٌ عنده ابتداءً بجسده، فولده وأسرته، وكل مَن تحت ولايته، صَغُرت ولايته أم كَبُرت، وكُلَّما كانت الولاية أكبر كانت الأمانة أثقل، وكان حملها أشقَّ، ومِن ضَعْفِ دين الناس وجَهْلِهم أنهم يبحثون عن الولايات والمناصب ولا يدرون تَبِعَة ما يحملون، ولا عِظَم ما يطلبون!</p>
<p>والأصل أن الله تعالى قد فطر الناس على أداء الأمانات؛ لأنهم مَفطُورون على العبودية له سبحانه ثم تنزَّلت الشرائع الربانيَّة بتأكيد ما فُطِر الناس عليه، وهو ما جاء في الحديث: ((إنَّ الأمانة نزلَتْ في جَذْرِ قلوب الرجال، ثم عَلِمُوا من القرآن، ثم عَلِمُوا من السنَّة&#8230;))، فالفطرة هي خلْق القلوب على أداء الأمانة، ثم أكَّدها وزادَها عِلْمُهم بالقرآن والسنَّة.</p>
<p>وأمَّا رفعها وزوالها من القلوب فبسبب ما يَرِدُ عليها من أدواء الشهَوَات والشُّبُهات، وفي هذا قال صلى الله عليه وسلم : ((يَنام الرجل النَّوْمَة فتُقبَض الأمانة من قلبه فيظلُّ أثرها مثل أثر الوَكْتِ -أي: مثل أثر لذعة النار على الجلد- ثم يَنام النَّوْمَة فتُقبَض فيَبقى أثرها مثل المَجْلِ كجَمْرٍ دحرجته على رجلك فنَفِطَ فتراه مُنْتَبِرًا وليس فيه شيء))؛ أي: مثل فُقَّاعة الماء التي تكون على الجلد بعد لذعة النار؛ والمعنى: إن الأمانة تُقبَض من قومٍ ثم من غيرهم، شيئًا بعد شيء، في وقتٍ بعد وقت على قدر فساد الدِّين واضمحلاله من الناس، فيكون زوال الأمانة من قلوبهم بقَدْرِ تخلِّيهم عن دِينهم، فإذا زال أوَّل جزءٍ من الأمانة زالَ نُورها وخلَّفَتْه ظُلمة كالوَكْتِ، فإذا زال شيءٌ آخَر منها صارَ كالمَجْلِ وهو أثر مُحكَم لا يكاد يَزُول إلا بعد مُدَّة، وهذه الظُّلمة فوق التي قبلها، والأمانة تُرفَع من القلوب عُقوبة لأصحابها على ما اجتَرَحُوا من الذنوب، حتى إذا استيقظوا من مَنامهم وجدوا تغيُّرًا في قلوبهم.</p>
<p>والرجل إذا أضاع أمانة دينه فتساهَل بالواجبات الشرعيَّة وأَلِف الخيانة في حقوق العباد عُوقِب بقَبْضِ الأمانة من قلبه، والله تعالى  مُنَزَّهٌ أن يَقبِض الأمانة من قلبِ أحدٍ دون سبب؛ {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ}(الصف: 5)، فتضييعهم لبعض أمانات الشريعة، وتَمادِيهم في ذلك أدَّى إلى رَفْعِ الأمانة من قلوبهم، وامتلائها بالخيانة.</p>
<p>وإذا عَمَّ تضييعُ الأمانة في المجتمعات بنشر المعاصي فيها، وفتح أبواب المنكَرات على مَصارِعها، واستَهانَ الناس بحرمات الله تعالى فانتَهَكُوها، زالَ عنهم الأمن بزوال الأمانة، وحلَّ الخوف بانتشار الخيانة، فلا يَثِقُ بعضهم ببعض، ولا يأمن بعضهم بعضًا، فيكون حالهم على الوصف الذي جاء في الحديث: ((فيصبح الناس يتبايَعون فلا يكاد أحدُهم يؤدِّي الأمانة فيُقال: إن في بني فلانٍ رجلاً أمينًا))، فعُوقِبوا على مَعاصِيهم برفْع الأمانة من قلوبهم حتى يكون الأمين غريبًا فيهم، فيذكر الجمعُ من الناس قبيلةً كانت أم عشيرة أم فصيلاً من الناس، فيُقال: إنه لا يزال فيهم أمين! وذلك لنُدْرَة الأُمَناء وضَعْفِ الأمانة، وكثرة الخَوَنة، وسِيادَة الخيانة، وينتج عن هذه الحال الرديئة انقلابُ المفاهيم، وانتكاسُ الموازين، وذمُّ ما يُمدَح، ومدحُ ما يُذَمُّ؛ فيَتمدَّح الناس بالأخلاق المرذولة، ويُثنون على أصحابها، وينتَقِدون الأخلاق المحمودة، ويذُمُّون أصحابها؛ ((ويُقال للرجل: ما أعقَلَه، وما أظرَفَه، وما أجلَدَه! وما في قلبه مثقالُ حبَّة خردلٍ من إيمان)).</p>
<p>ومَن أراد معرفة انتكاس المفاهيم وانقلاب الموازين عند ضَياع الأمانة وسيادة الخيانة، فلينظر إلى حال الإعلام العربي وهو يمتدح العُرْيَ والسُّفور والاختلاط وكلَّ أنواع الفساد، ويُثنِي على الزنادقة والمفسِدين، ويذمُّ العفاف والحجاب، ويقدح في الدين وعُلَمائه ودُعاته، وينتقد كلَّ مَن يتمسَّك بالفَضِيلة ويدعو إليها، أو يحذِّر من الرذيلة وينهى عنها!</p>
<p>وكم من شخصٍ أبرَزَه الإعلام الفاسد، وقال فيه: ما أظرَفَه وما أعقَلَه! وقدَّمه للناس نُمُوذجًا يُحتَذَى، ورمزًا يُقلَّد، وهو فاسِد مُفسِد ليس في قلبه حبَّة خردلٍ من إيمان، وهذا يدلُّ على ضَياع الأمانة، وانتشار الخيانة في الأزمنة المتأخِّرة.</p>
<p>يقول حُذَيفة رضي الله عنه : &#8220;ولقد أتى عليَّ زمانٌ وما أُبالِي أيَّكم بايعتُ، لئن كان مسلمًا ردَّه عليَّ الإسلام، وإن كان نصرانيًّا ردَّه عليَّ ساعِيه -أي: واليه أو المسؤول عنه؛ وذلك لانتشار الأمانة في ذلك الوقت واضمحلال الخيانة- فأمَّا اليوم فما كنت أُبايِع إلا فلانًا وفلانًا&#8221;.</p>
<p>والظاهر أن حُذَيفة رضي الله عنه قال ذلك في أواخر حياته حِين فُتِحت الدنيا على الناس فأفسدَتْ قلوبهم، وأثَّرت في أماناتهم، وحُذَيفة رضي الله عنه مات بعد مقتل عثمان رضي الله عنه بأيام؛ فأدرك زمن الفتنة، وظهور رؤوسها.</p>
<p>نعوذ بالله تعالى من الفِتَن ما ظهر منها وما بطن، ومن الخيانة والخَوَنة، ونسأله سبحانه أن يجعَلَنا من الأُمَناء على دينه، وأن يُوفِّقنا لأداء ما حُمِّلنا من أمانات، إنه سميع قريب.</p>
<p>أقول ما تسمعون، وأستغفر الله تعالى  لي ولكم.</p>
<p><span style="color: rgb(0, 0, 255);"><strong> الخطبة الثانية</strong></span></p>
<p>الحمد الله حمدًا طيبًا كثيرًا مُبارَكًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويَرضَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومَن اهتَدَى بِهُداهم إلى يوم الدين.</p>
<p>أمَّا بعدُ:</p>
<p>فاتَّقوا الله تعالى وأطيعوه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}(الأنفال: 27- 28).</p>
<p>أيُّها الناس:</p>
<p>يحتاج المسلم إلى مُدارَسة هذا الحديث وفهمه، وإطالة النظر فيه في زمَنٍ اشتعلَتْ فيه الفِتَن، وانتَشَر فيه القول على الله تعالى بلا علم، وسادَ أصحاب الشُّحِّ المُطاع، والهَوَى المُتَّبَع، والدنيا المُؤثَرة، وأصبح إعجاب كلِّ ذي رأيٍ برأيه ظاهِرةً مُشاهَدةً؛ إذ يُحاكِم كثيرٌ من الناس دينَ الله تعالى المُحْكَم، وشريعتَه المنزَّلة إلى رأيهم الأعوج، وهواهم المائل.</p>
<p>وهذا الحديث من أعلام النبوَّة؛ لأن فيه الإخبار عن فساد أديان الناس، وقِلَّة أمانتهم في آخِر الزمان، ولا سبيلَ إلى معرفة ذلك قبل كوْنه إلا من طريق الوحي، فأخبَر به النبي صلى الله عليه وسلم بما علَّمه الله تعالى من الغيب، وبما أنزل عليه من الوحي.</p>
<p>إن حُذَيفة رضي الله عنه  يُخبِر أنه أدرك زمنَ حفظِ الأمانة وكثرة الأُمَناء، وذلك في صدر الإسلام؛ وسببه أن الصحابة رضِي الله عنهم كانوا يتعلَّمون الإيمان كما يتعلَّمون القرآن، ويتعاهَدون زيادته بالأعمال الصالحة؛ قال جُندَب بن عبد الله رضي الله عنه : &#8220;كُنَّا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم غِلمانًا حَزاوِرَة &#8211; أي: مُراهِقين &#8211; تعلَّمنا الإيمان قبل أن نتعلَّم القرآن، ثم تعلَّمنا القرآن فازددنا به إيمانًا&#8221;.</p>
<p>وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: &#8220;حدثنا مَن كان يُقرِئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يَقتَرِئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آياتٍ فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم والعمل&#8221;.</p>
<p>وبهذه الموازَنَة نما الإيمان والعلم سَوِيًّا، فعلمهم يزيد في إيمانهم، وإيمانهم يهذِّب علمهم ويوجِّهه الوجهة الصحيحة؛ ذلك أن العلم بلا إيمان يؤدِّي إلى الافتيات على الشريعة، والتحايُل لإسقاطها، وإيجاد المخارج الشيطانية لأهواء الناس ورغباتهم، فتكون مهمَّة صاحبه حينئذٍ القضاء على الإيمان، وتبديل أحكام الشريعة، وإسقاط الواجبات بالرُّخَص، وإباحة المحرَّمات بالحِيَل، وهو ما انتَشَر في هذا الزمن من بعض المضِلِّين الذين خانُوا ربَّهم ودينَهم وأمانتهم، وغشوا الناس ولم ينصحوا لهم.</p>
<p>وما أجدَرَنا ونحن نقرأ هذا الحديث أن نخاف أشدَّ الخوف من رفع الأمانة من قلوبنا، وأن نتعاهَد بقاءَها وقُوَّتها فينا بالعلم النافع، والعمل الصالح، واجتناب المحرَّمات، وكثرة الدعاء بالثبات على الحق، ولا سيَّما مع رؤية كثيرٍ من الناكِصِين على أعقابهم، المبدِّلين لدينهم، المتَّبِعين لأهوائهم.</p>
<p>{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}(آل عمران: 8).</p>
<p>وصلُّوا وسلِّموا على نبيِّكم.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: rgb(0, 0, 255);"><em><strong>الشيخ إبراهيم الحُقيل</strong></em></span></p>
<p>أكاديمي بجامعة أم القرى</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2011/10/%d8%ae%d8%b7%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d9%86%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%86%d8%b2%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d9%88%d8%b1%d9%81%d8%b9%d9%87%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نظرات في مفهوم القوة في الإسلام</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2007/07/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2007/07/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 18 Jul 2007 09:17:53 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[أ.د. الشاهد البوشيخي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 281]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[أ.د.الشاهد البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[أتباع محمد]]></category>
		<category><![CDATA[أركان الدين]]></category>
		<category><![CDATA[إبطال الباطل]]></category>
		<category><![CDATA[الأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[البوشيخي]]></category>
		<category><![CDATA[الرسالة]]></category>
		<category><![CDATA[الشاهد]]></category>
		<category><![CDATA[الشدة]]></category>
		<category><![CDATA[القوة]]></category>
		<category><![CDATA[تكوين المومن]]></category>
		<category><![CDATA[قــوة الـمـال]]></category>
		<category><![CDATA[قوة الإعلام]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم القوة]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6396</guid>
		<description><![CDATA[وحدة الدين أعظم قوة كامنة فيه يقول سبحانه وتعالى : {هو الذي أَرْسَل رسُولَهُ بالهُدَى ودين الحق ليظهره على الدّين كله}(الفتح : 28). أرْسَلَ :  أحَبَّ من أحب وكره من كره. حدث هذا على عهد كل نبي وكل رسول وحدث على عهد محمد . وحدث على عهد من اتبعه بإحسان ويحدث كل مرة على يد [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<h2><span style="color: rgb(128, 0, 0);"><strong>وحدة الدين أعظم قوة كامنة فيه</strong></span></h2>
<p>يقول سبحانه وتعالى : {هو الذي أَرْسَل رسُولَهُ بالهُدَى ودين الحق ليظهره على الدّين كله}(الفتح : 28).</p>
<p>أرْسَلَ :  أحَبَّ من أحب وكره من كره.</p>
<p>حدث هذا على عهد كل نبي وكل رسول وحدث على عهد محمد .</p>
<p>وحدث على عهد من اتبعه بإحسان ويحدث كل مرة على يد من يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يومن بالله وكلماته  متى جاء هؤلاء الرجال جاء هدى الله، وجاء وعد الله، وحق وعيد الله على الكفرة الفجرة.</p>
<p>هذه الآية تقرر حقيقة مطلقة، حقيقة مستمرة، متى جاءت شروطها، جاءت هي أيضا، أن الله عزوجل أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره، وليجعله ظاهراً منتصراً غالبا على الدين كله كيفما كان هذا الدين، فكل دين غير دين الإسلام هو باطل {ومن يبْتَغِ غَيْر الإسْلاَم دينا فَلَن يُقبل منه}(آل عمران : 85) و{أفغير دين الله تبْغُون وله أسْلَم من في السماوات والأرض}(آل عمران : 83).</p>
<p>الدين واحد، لا توجد أديان سماوية أو غير سماوية، الدين هو الإسلام، {إن الدين عند الله الإسلام}، هذا وحده الدين الذي عرفته الكرة الأرضية منذ آدم عليه السلام حتى تقوم الساعة، لا يوجد دين لله عرفته الأرض غير الإسلام، الإسلام هو وحده الدين الذي جاء به آدم، وجاء به نوح، وجاء به إبراهيم وموسى، وعيسى، وداوود، وكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام  كلهم جاءوا بالإسلام وأتباعهم جميعا كانوا مسلمين، وكل نبي كان يصدق الذي جاء قبله ويبشر بالذي سيجيء  بعده تطبيقا لعهد الله وميثاقه {وإذْ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتومنن به ولتنصرنه قال آقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين}(آل عمران : 81) هذا وحده الدين ظهر  ويظهر كلما جاءت الشروط التي بها يتم الظهور المشار إليه في آية الافتتاح {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله و كفى بالله شهيدا}(الفتح : 28).</p>
<h2><span style="color: rgb(128, 0, 0);"><strong>القوة والشدة في إبطال الباطل أول صفات أتباع محمد</strong></span></h2>
<p>{محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}(الفتح : 29) أتباع الرسول، هم طراز خاص، لهم صفات خاصة، بها يتأهلون للشهادة على الناس، وبها يتأهَّلون ليظهر الله على أيديهم دينه الحق، وعلى رأس تلك الصفات، صفة القوة، وهذا شيء طبيعي لأن الله قوي، ويحب الأقوياء، قال رسول الله  في الحديث : &gt;المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير..&lt;(رواه مسلم).</p>
<p>نعم وفي كل خير ولكن شتان بين القوي وبين الضعيف، شتان بين المجاهد وبين القاعد، شتان بين الـمُنْفق وبين الممسك، شتان شتان&#8230; هذا الدين ما جاء إلا لإنتاج وتخريج هذه النوعية الرفيعة التي بها يتم ظهور دين الله، نوعية أول صفاتها القوة.</p>
<h2><span style="color: rgb(128, 0, 0);"><strong> أركان الدين كلها تصب في اتجاه تكوين المومن القوي</strong></span></h2>
<p>إذا تأملنا الأركان الخمسة بكاملها، ركن شهادة لا إله إلا الله، ركن الصلاة، وركن الزكاة وركن الصيام، وركن الحج، لو تأملناها وتأملنا سواها من الفرائض والنوافل لوجدناها جميعا تصب في اتجاه واحد هو تكوين القوي.</p>
<p>لا إله إلا الله تحرر العبد مما سوى الله مطلقا فلا يبقى لغير الله عليه سلطان، إذن تحرر العبد لله واتباعه لرسول الله  يجعله كذلك مؤتما بشرع الله لا يلتفت إلا لمن اتبع ذلك الشرع، الأمة جمعاء، تدور حول أمر واحد ووحيد هو حبل الله {واعتصموا بحبل الله جميعا}(آل عمران : 103).</p>
<p>وهو شرعه بين عباده فلا إله إلا الله تجعل العبد أقوى ما يكون في التغلب على جميع الصعوبات التي تعوق الإنسان لينظم حياته، وليأتمر بأمر الله عز وجل، وليستطيع أن يمسك نفسه بقوة لتَذْكُر ربَّهَا في الصلاة على أي حال كان أمرها قبل الصلاة {وأقم الصلاة لذكري}(طه : 14).</p>
<p>إن الذي يستطيع بتكبيرة الإحرام أن ينتقل من عالم كانت نفسه منشغلة فيه بتجارة أو غير ذلك إلى الحضور بين يدي الله جل وعلا باستحضار تام، بمجَرَّد أن كَبَّر صغَّر كُلَّ ما سوى الله، وكَبُر عنده الله جلّ جلاله، واتجه إليه، و أعرض عما سواه.</p>
<p>إن الذي يستطيع هذا الانتقال السريع من ذكر غير الله إلى ذكر الله فقط هو قوي حقاً، إنه قوي جدا في قدرته على الاستحضار، قوي على التمكن من نفسه لتوجيهها الوجهة التي ينبغي أن تتجه إليها.</p>
<p>إن الإسلام يهتم بالمعاني الخارجية ولكن المعاني الداخلية عنده أهمُّ، ولأن المعاني الخارجية مجرد وسائل أو مساعِدَات لتحْصِيل المعاني الداخلية.</p>
<p>فالوضوء وشكل الصلاة إنما يهدف أساسا لذكر الله، أما إذا توضأ العبد وقام ورَكَعَ وسجد وفعل أفعال الصلاة بصفة عامة، ولكنه كان داخلها غائبًا غَيْر حاضِرٍ، فَما صَلَّى.</p>
<p>ومثل ذلك الصيام يحرر العبد من الشهوات حتى الحلال، ولا يبقى له سلطان عليه، حتى الحلال، لأننا في الصيام لا نصوم عن الحرام، هذا نصوم عنه في غير رمضان، لكن في رمضان نتدرب على ترك الحلال، على الصيام عن الحلال، عن الشهوات الحلال لترقية عزم المؤمن وتقوية شخصيته، وتقوية إرادته لأن كثيرا من الخَلْق يعبدون أهواءهم {أفرأيت من اتَّخَذَ إلهه هواه{(الجاثية : 23) ما أكثر مَنْ يعبد هواه، هؤلاء أكثريةُ مَنْ على الأرض، فأكثرهم عبدة الشهوات.</p>
<p>ومثل ذلك يقال في الزكاة فهي أيضا تقوي المؤمن بدَفْعه لأنْ يصبح معطيا لا آخذاً، لأن اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة.</p>
<p>المفروض أن تكون أكياس القمح والطحين تذهب من العالم الإسلامي إلى الكفار لا العكس، لا أن تأتي أكياسهم وألبستهم ومصبَّرَاتُهم ليعينوا بها عجزة العالم الإسلامي وبلاد المسلمين، هذا وضع منكوس معكوس.</p>
<p>الإسلام جاء لينتج الأقوياء في المال أيضا، لينتج الذين لا تتم لهم أركان الاسلام إلا بأن يصيروا مُزكين منفقين بعضًا مما أتاهم الله عز وجل، معطين إلى الذين يحتاجون حتى ولو كانوا كفاراً {ليس عَلَيْك هُدَاهم ولكنَّ الله يهدي من يشاء، وما تنفقوا من خَيْرٍ فلأنفسِكُم وما تنفقون إ لا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وأنتم لا تظلمون}(البقرة : 272).</p>
<p>والحج وجه آخر لتكوين القوي، وجه آ خر تجتمع فيه كل تلك الوجوه السابقة، فيه تحرير العبد لله، حتى في الشكل حين يُحرِم ويلبس خرقة يلف نفسه فيها كأنها كفن، يتحرر من الشهوات ويتحرر لله عز وجل، ويظل يدور حول بيت الله رمزاً لشرع الله، رمزاً لحبل الله، معتصما به سبحانه وتعالى، وينفق في سبيل ذلك كما يفعل في الزكاة، ويضحي ويترك الشهوات كما يفعل في الصيام ويتم الاستحضار الكامل والعبودية الكاملة كما هُوَ أمْرُ الصلاة.</p>
<p>كل ذلك يتجمع وفي صورة جماعية لجمع كلمة المسلمين على أقصى حد وعلى أكبر صورة.</p>
<p>فالإسلام إذن بصفة عامة إنما جاء ليكوّن الأقوياء وليخرج الأقوياء، لماذا؟ لأن الإسلام أمانة ثقيلة.</p>
<p>فكيف تعطى الأمانة لضعيف؟!.</p>
<p>أرأيتم لو أُعْطِيت أو وُجدت في يد ضعيف، هل يستطيع الضعيفُ أن يمحل الأمانة حين تعطى له؟</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>لا يحمل الأمانة ولا يبلغ الرسالة إلا القوي</strong></span></h2>
<p>القوة إذن هدف لهذا الدين من جميع شرائعه، والسبب يرتبط برسالة هذه الأمة التي هي الشهادة على الناس، هي إظهار دين الله في الأرض كلها.</p>
<p>مات رسول الله  والتحق بالرفيق الأعلى ولما يتجاوز الإسلام الجزيرة العربية ولكنه هو رسولٌ إلى الناس كافة، إلى الناس جميعا. فمن الذي يحمل الأمانة من بعده؟ من الذي يبلغ دين الله لمن لم يبلغه؟ من الذي يحمل هذه الأمانة؟ لابد أن يكون الحَمَلَةُ أقوياء، أما العجزة فلا يستطيعون شيئا، ولذلك استطاع الجيل الأول من الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم من التابعين تبليغ هذا الدين إلى العالم؟ بماذا؟ بوجود القوة بالله، صفة القوة بالله كانت عالية فيهم، استطاعوا بها أن يبلغوا دين الله إلى أقاصي المعمور، وما انحسر وما ضعف ذلك المد الإسلامي إلا حين ضعف معنى القوة الشرعية في المسلمين.</p>
<p>حين ضعف معنى القوة بدأنا نرى تراجع الفتوحات الإسلامية وقد كانت تدق أبواب باريس من الجهة الغربية، ودقت أيضا أبواب فيينا من الجهة الشرقية، حين ظهرت هاته المعاني على يد محمد الفاتح وجيشه حيث  ظهرت معاني القوة الشرعية.</p>
<p>هذه القوة  كيف تكتسب؟ سمعنا فيما سمعنا فيما يتلى علينا اليوم أن موسى عليه السلام قال له الله عز وجل حين أعطيت له الألواح : {فخُذْها بقوة}(الأعراف : 145) وقال ليحيى {يا يحيى خذ الكتاب بقوة}(مريم : 12) وقال لأتباع موسى ضاربا لنا المثل بهم إذ هم المؤمنون في وقتهم {خُذُوا ما آتيناكم بقوة}(البقرة : 63).</p>
<p>لا سبيل للمسلمين إلى القوة إلا إذا أخذوا ما آتاهم الله عز وجل بقوة، تمسكوا به بقوة، {والذين يُمسِّكون بالكتاب}(الأعراف : 170)، ليس يُمْسِكون بالكتاب، بل يُمَسِّكُون أي يأخذون الكتاب بقوة، أي أن يتعامل مع كل الأوامر على أنها واجبة التنفيذ، وكل النواهي يتعامل معها على أنها واجبة التنفيذ.</p>
<p>والسر هو موقع الإنسان من الله، موقع المسلم من ربه أنه عبد لله فالعبد يجب أن يطيع سيده دون مناقشة {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}(النساء : 65) {وما كان لمومن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم}(الأحزاب : 36) هذا ربِّي إذا صدر منه الأمر يسبق كل أمر، يسبق أمْر الرئيس، أمْرَ الجيش، أمْر أي واحد لا يمكن أن يتقدم أمْرُه على أمر الله، هذا هو الشرع، وبهذا جاء الدين وبهذا يمكن اكتساب القوة من جديد، إذ الجميع في هذا الدين محفوظٌ موقعُه بشرع الله.</p>
<p>فالإمام طاعته واجبة بشرع الله ما دام مطيعاً لشرع الله، إنما الطاعة في المعروف، الطاعة واجبة لأن الجميع لا يطيع غير الله، الكل يطيع شرع الله. فنحن مع الإمام المسلم فإذا كَبَر إئتمرنا وكَبَّرْنا وأطَعْنا، فإن ركع ركَعْنا وأطعناه، وإن سجد سجدنا وأطعناه، لماذا؟ لأنه هو يأتمر بالشرع ويطيع الله فيما يصنع ونحن نعلم ذلك، وإذا فعل غير ما هو في الشرع، نُسَبِّحُ له، يعني نسبِّح إذ ذاك ولا نتابعه بل نرُدُّه  إلى الصواب.</p>
<p>هذه شعيرة الصلاة توضح طبيعة بنيان المجتمع المسلم وكيف يكون المسلمون في علاقتهم بالشرع، فأخْذُ الكتاب بقوة يقتضي أن يُتعامل معه على أنه أكْبَرُ من أي شيء آخر. يأتي إلى الإنسان يخاطبه، يطلب منه أن يفعل وأن لا يفعل، يجب الإقبال على الكتاب والسنة وعلى العلم بالشرع لمعرفة ما يطلب الله عز وجل منا، فنفعل ذلك ونُرَبِّي عليه أهلنا وأولادَنا وندعو إلى ذلك.</p>
<p>والشرع ضَمِنَ جميع الحقوق من خلال أمره بجميع الواجبات، وهناك علاقة تلازمية بين الواجبات والحقوق يعني هذه ملتصقة بتلك، لا يوجد حق  إلا وهو و اجب في عنق آخر، حق الزوجة هو واجب في عنق الزوج، وحق الزوج على الزوجة واجب في عنق الزوجة، وحق الآباء على البنين واجب في حق البنين وحق البنين، على الآباء واجب في حق الآباء، وحق الرئيس على المرؤوسين، واجب في حق المرؤوسين وحق المرؤوسين على الرئيس واجب في حق الرئيس وهكذا&#8230;</p>
<p>فهذا التلازم يعني أن الإسلام ضمن جميع حقوق الناس كيفما كانت نوعيتهم، ضمِنَها من خلال ضمانة الواجبات لأنه فرض واجبات، والمطلوب أداء الواجب قبل المطالبة بالحق هذا هو الشرع حينما قال رسول الله  &gt;إنه ستكون بعدي أثرة&lt; أي أنه سيأتي زمان يوثر الناس فيه أنفسهم على الآخرين أي يحبون أن يستبدوا بالمسائل كلها ويؤدُّوها لأنفسهم، والأثرة هي ضد الإيثار هذا الأخير يعني أن الانسان يوثر الآخرين على نفسه رغم أنه محتاج والأثرة هي أخذ الشيء للنفس دون الآخرين، قال  : &gt;ستكون بعدي أثَرَةٌ وأمور تنكرونها قالوا يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال : &gt;تؤدُّون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم&lt;(رواه مسلم).</p>
<p>فإذن ها هنا ترتيب الحق والواجب، فالواجب أولا، فكل صاحب حرفة واجبه أن يؤدي الواجب أولا ثم يطلب الحق الذي يترتب على ذلك الواجب.</p>
<p>فأخذ الكتاب بقوة هو السبب في كل خير يأتي بعده لماذا؟ لأنه يأخذ الكتاب بقوة، فعندما يأخذ الإنسان الدِّين بقوة يصير غير عَادِيٍّ، يصير إنسانا نُفِخَتْ فيه روح القرآن، نفخت فيه روح الإيمان، ذلك الكتاب أعطى أثره فيه، وأصبح غير عاديٍّ، إذ ذاك يدفعه الشرع دفعا إلى أن يطلب جميع أنواع القوة الأخرى فما هي أنواع القوة الأخرى وعناصرها؟</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong> أنواع القوة المطلوبة</strong></span></h2>
<p>أمور، أظهرها عندنا : العلمُ والمالُ والإعلام.</p>
<p>ففي زماننا هذا وفي غير زماننا، كانت القوة تتمثل في العلم بالله، والعلم بالشرع، والعلم بالدّعوة، وتتمثل في المال لأن المال أساس دعمها، ثم في قوة الإعلام لأن الإعلام هو  التبليغ للدّعوة بالحكمة، ودفْعُ النفوس لحملها بقوة كل هذه العناصر للقوة يجب طلبها، وهي مضمنة في الأركان الخمسة للإنسان لو يتدبر الإنسان، ومتضمنة في جميع شرع الله، لأنها هي من مظاهر القوة أيضا، ويدفع إليها دفعا أخذ الكتاب بقوة، أي أخذ الدين بقوة وعند ذلك يقوم الإنسان بطلب العلم، فينهض ليتعلم العلم ويعلِّمه غيره، وطلب العلم رأسه العلم الشرعي. فهو العلم الحقيقي {ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير}(البقرة : 120).</p>
<p>ولكن حتى العلم التسخيري الذي به يسخر الكون هو كذلك مطلوب في الشريعة أيضا {ألم تر أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض}(الحج : 65) كيف نسخر الهواء، كيف نسخر الضوء، المعادن، البحار، الجو، كل شيء من حولنا كذلك له نظام موجود في هذا الكون، ماذا يفعل العلماء العصريون؟ يكتشفون.</p>
<p>إنهم لا ينتجون القوانين الفيزيائية ولا ينتجون قوانين الكون، وإنما يكتشفون قوانين موجودة ثم يستخدمونها، فهي كانت موجودة ولكن لم يكشتفها البشر فقط، فالتلفزة والهاتف والموجات الضوئية كانت موجودة وموجات أخرى ربما ستكتشف أسرع حتى من موجات الضوء وغرائب وعجائب سيأتي أوانها، {سنريهم  آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}(فصلت : 53).</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong> قوة العلم وأولوياته</strong></span></h2>
<p>فالعلم أساس القوة من عهد آدم به تمت خلافته وكذلك ترونه في أول شرط جعَلَه الله مُؤهِّلاً لطالوت ليكون ملكا، قالوا {أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يوت سعة من المال}(البقرة : 247) أجابهم الله تعالى قال : {إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم}(البقرة : 247) القوة المادية تأتي بعد القوة المعنوية، بعد قوة العلم، فالعلم يجب أن يطلبه المسلمون أولا وهو واجب عليهم. وأول ما نزل من كتاب ربّنا هو {اقرأ باسم ربك}(العلق : 1) هذه الأمة يجب أن تُصَدِّرَ العلماء لا أن تستوردهم، هذه الأمة يجب أن تكون هي الأولى في تسخير الكون لا أن تكون هي نفسها مسخرة ضمن بقية الكائنات لغيرها من الكفرة الفجرة، لابد أن نطلب العلم بجميع معاني العلم وبجيمع أشكاله على الترتيب، العلم الشرعي أولا والعلم الكوني ثانيا، علم تسخير الكون. كذلك المال، المال كما سبق مرتبط بأمر الزكاة، المال قوام الأعمال كما يقولون : نعم المال الصالح للعبد الصالح. المال به تتم أمور كثيرة.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>قــوة الـمـال</strong></span></h2>
<p>المال به الآن استطاع عبدة العجل في الكرة الأرضية أن يقودوا العالم بخطام من أنفه، العالم لحد الآن في قبضة عبدة العجل يفعلون به ما يشاؤون، طبعا {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله}، بسبب حِكم أخرى لله عز وجل في أمر هذه المشيئة.</p>
<p>ولأفتح قوساً صغيراً سريعا في قول الله جل وعلا عن بني إسرائيل المفسدين في الأرض {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس}(آل عمران : 112) هذا الاستثناء  معناه؟ أن هاته الذلة تزول بحبل من الله وحبل من الناس، وهم  كانوا تحت ذمة المسلمين وفي ذمتهم كانت الجزية مضروبة عليهم حسب الشرع {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}(التوبة : 29) والصغار الذل والهوان وإعطاؤهم الجزية هو نفسه ذل وهوان، فكيف يزول هذا الذل؟ يكون زواله بحبل من الله وحبل من الناس.</p>
<p>يسْهل على الجميع أن يفهم حبل الناس، ها هي أمريكا والغرب والعالم العربي بصفة عامة يساند اليهود في كل نقطة من الأرض، حبل من الناس أمره واضح.</p>
<p>لكن كيف نفهم حبل الله الذي سبق حبل الناس {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله}(التكوير : 29) مشيئة الناس تابعة لمشيئة الله عز وجل، نحن انسلخنا من حقيقة الإسلام، من وضع الأمة الإسلامية التي كانت خير أمة أخرجت للناس.</p>
<p>هذه الآية {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا}(آل عمران : 112) جاءت بعد أن كنتم خير أمة على الإطلاق عرفتها الأرض أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله، أين هذا من واقعنا، مفهوم الأمة نفسه أين هو؟! نحن الآن رقع، نحن الآن مجزَّؤون ممزقون، مفهوم الأمة لا وجود له في الواقع، ليس لنا مفهوم الأمة ولو مثل ما فعلت أوربا بالنسبة للسوق الأوبية المشتركة أو الإتحاد الأوروبي، فلو وجدت السوق الإسلامية المشتركة ولو نتوحد ولو على صعيد المال والبضائع، المهم أن تستهلك مصر ما يصنعه العراق وأن يستهلك العراق ما ينتجه المغرب وهكذا يتداولون من بعضهم البعض فتصبح الدول في العالم الإسلامي تنتج وتستهلك من بعضها البعض، فالأمة لا توجد لا على هذا المستوى ولا على المستوى السياسي ولا على أي مستوى آخر لا توجد الأمة.</p>
<p>لا يوجد حتى مفهوم الولايات ولو صرنا ولايات متحدة إسلامية على الأقل سيتبلور معنى الأمة ولو في صورة أجزاء منفصلة لها كيانها الخاص وليست تلك هي الصورة المثلى للأمة الإسلامية التي كانت أول مرة، ليست تماما، ولكنها قريبة.</p>
<p>أقرب من أن تكون، فقد كانت الولايات وكان الولاة على عهد الخلفاء الراشدين. أقول هذا حبل الله لليهود اليوم، وسَهْلٌ قَطْعُهُ، وسَهْل انقطاعه والله جل وعلا يقطعه عنهم، وبسببه يقطع عنهم حبل الناس، متى؟ إذا رجع المسلمون، إذا تابوا إذا رجعوا إلى الوضع الطبيعي الذي هو القوة التي أمرهم الله عز وجل بها، وهي أخذ الكتاب بقوة، فإذا أخذوا الكتاب بقوة فإن الله عز وجل يقطع حبله عن بني إسرائيل ويقطع بالتبع حَبْل غيرهم من الناس عنهم كذلك.</p>
<p>إنهم لم يرتفعوا ولكننا انخفضنا، ليس هم الذين عَزُّوا ولكن نحن الذين ذللنا وأنه لولا القابلية والاستعداد، ولو لم يكن عندنا الاستعداد للذل لم نكن لنذل.</p>
<p>إسرائيل جاثمة ونازلة بكل قوتها على الفلسطينين تحكم بكل شيء بالعسكر والحديد والنار ومع ذلك يتحركون والسبب بسيط هو أنهم، الآن بدأوا يتحررون من الخوف من المخلوق، وساروا يخافون الله فقط سبحانه وتعالى فما عادت الحياة تمثل لهم إغراءاً، فالدنيا لم تعد لها قيمة عندهم فالدين هو الذي أصبح له قيمة ولذلك يطلبون الموت كما يطلب الآخرون الحياة. فطلاب الموت يسطيعون التحرك  لأنه زال خوف غير الله من قلوبهم، كذلك إذا تحرر المسلمون من غير الله، إذا تحرروا من الخوف لغير الله وامتلأت قلوبهم بأكبرية الله جل وعلا وبقوة الله جل وعلا فإنهم يرتفعون. وتسمعون الآية الصريحة {وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}(آل عمران : 139) على الإطلاق، إسم تفضيل على حقيقته ما دام الإيمان أساساً ومتوفرا.</p>
<p>والإيمان الحقيقي الذي حدد القرآن الكريم مصطلحاته فقال {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا}(الحجرات : 15) (أي عندهم اليقين) وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله جاهدوا بأموالهم وجاهدوا بأنفسهم وليس في سبيل دنيا أو مصلحة أو جاه بل في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله وإظهار دين الله.</p>
<p>هذه بعض معاني قوة المال يعني أن طلب المال هو طلب للقوة لأن المال قوام الأعمال، نريد أن نحارب البطالة بالمال، نريد أن نحارب الكسل بالمال، نريد أن نقوم بتعليم رفيع بالمال، نريد أن نقوم بمواجهة الأعداء بالمال، يجب أن نكون كاسبين للمال على أقصى ما يكون وجوه الكسب، ونسخر ذلك لإعلاء كلمة الله عز وجل لا لغير ذلك، وما علا بنو إسرائيل في الأرض إلا بالمال، بالمال صاروا أعزة، يعني ألف مسلم لا يساوي يهودي واحد من الناحية العملية لأن المسلمين يضربون ويقتلون ولا يحسب لهم حساب ويهودي واحد إذا مات فتلك مصيبة.</p>
<p>لذلك لابد من طلب القوة داخل العالم الاسلامي بكل أسبابها، فالذي أعطاه الله المال يعطي منه، وكذلك من يعطى العلم فهو يعطي منه والكل يعطي.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong> قوة الإعلام بين الواقع والمطلوب</strong></span></h2>
<p>وكذلك أمر الإعلام الذي يسمى بالإمبراطورية التي بها استطاعوا كذلك أن يصنعوا ما صنعوا فمثلا إذا أغلقوا الطريق لمعرفة ما يجري في أفغانستان فلا يمكن معرفة ذلك فوكالات الأخبار هي في ملكهم إن لم يُمكّنوا من بعض الأخبار لا يمكن معرفة أي شيء، وإذا أرادوا قلب صورة وأخذ صورة جديدة وربطها بصورة قديمة تتجاوز مدتها العشرين سنة ثم يُـلصق بعضها بالأخرى لتلفيق الحقيقة فيمكنهم ذلك دون معرفة حقيقة الأمر، الإعلام كذلك قوة من أكبر القوى، لأنها تتجه إلى تكوين عقول الناس وأفكارهم واعتقاداتهم وأذواقهم. بل تتجه إلى غسل أدمغتهم بتعبيرهم هم.</p>
<p>أما إعلام المسلمين في الحقيقة فهو موجَّهٌ، لتوعية الناس لجعلهم يعرفون الحقيقة لنشر دين الله، رسالة الإعلام في الاسلام هي إبلاغ وتبليغ الدين علي حقيقته وتبليغ حقائق الواقع كما هي ليعرف الناس ويتبينوا الصواب من الخطأ والطيب من الخبيث، فهذا كذلك يجب أن يطلب فيه المسلمون القوة، وأن يكونوا أقوياء فيه وأن ينافسوا فيه إلى أقصى حدود المنافسة، وهكذا المال وهكذا العلم وهكذا الإعلام ومثل ذلك يقال عن معنى الأمة المشار إليها سابقا، المسلمون الآن لابد أن يشعروا من جديد بمعنى الأمة الإسلامية، مرّ الوقت الذي نقول فيه هذا سوداني، تركي، تونسي، هذا كلام فارغ صنعه الاستعمار فهو الذي صنع هذا، أما نحن فمسلمون وكفى فأساس العلاقات والارتباطات وأساس كل شيء هو الإسلام ولا شيء غيره، فقط الإسلام، فنحن أبناء الإسلام والله ربُّنا، وأولى عباد الله بالله من شكر، كل معنى رفع إلى جانب الإسلام هو مضاهاة، وهو شيء آخر يخشى منه على المسلمين في إيمانهم، رسول الله  حينما نادى على الأنصار -وكان الأوسيون والخزرجيون على شفا التطاحن والتقاتل- الخزرج، قال لهم رسول الله  &gt;دعوها فإنها منتنة، ليس منا من دعا بدعوى الجاهلية&lt;.</p>
<p>فهذا الكلام صريح وواضح، جاء الحق، الآن حصحص الحق.</p>
<p>اللحظة التاريخية دقيقة جدا ولا بد أن يعرف المسلمون دينهم الحق، لابد أن يعرفوا دين الله، فهذه عناصر كبرى للقوة يطلبها الأفراد، وتطلبها الجماعات، وتطلبها الأمة جمعاء.</p>
<p>حين نقول الأمة نقول ذلك على معنى حديث رسول الله  الذي قال فيه &gt;مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى&lt;(رواه مسلم) كيف يتداعى سائر الجسد بالسهر والحمى إذا لم يكن له إحساس مشترك يحس بعضهم ببعض؟! وكيف يدعو بعضه بعضا؟! لا يمكن، يعني عندما قُطّعنا ومزِّقنا بهذه الطريقة.</p>
<p>فنحن ماذا نعرف عن التاريخ الإسلامي سوى الشام، ففي بداية القرن جاءت فرنسا وبدأت بالمقص تقص هي وإنجلترا فأخرجوا لنا من الشام : الأردن وسوريا وفلسطين ولبنان قطعة واحدة، فُصِّلت إلى أربع قطع على سبيل المثال والجزيرة العربية من الناحية الجغرافية قطعة واحدة لكنها فصلت إلى قطع كثيرة : السعودية والإمارات وقطر وعمان&#8230;</p>
<p>هذا الواقع ما أنزل الله به من سلطان بالمعنى الإسلامي، الأصل هو أن أمة المسلمين ذات واحدة وأمة واحدة وجسد واحد إذا أصيب جزء منها فالكل عليه الدفاع، هذا هو الأصل وهذه هي الحقيقة وهذا هو الدين، فالقوة هذا سببها ليؤخذ الكتابُ بقوة {خذوا ما آتيناكم بقوة}(البقرة : 63) وهذه عناصرها الكبرى، يجب أن تطلب ويدفع فيها إلى أقصى الحدود، وذلك لأن الله عز وجل في الأمر النهائي الأخير أعطى توجيها عاما بأمره {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}(الأنفال : 60) فالقوة هنا نكرة تفيد العموم وجاء قبلها حرف من التي تعني جزء، معناه : القوة أنواع كثيرة جدا غير محصورة، غير محدودة، ولكن كل ما يصلح أن يكون فيه قوة مما أحل الله يجب أن يعد {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}(الأنفال : 60) على الإطلاق بجميع أنواع القوة يجب إعداده {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم}(الأنفال : 60) نسأل الله سبحانه وتعالى وهو القوي الذي منه صفة القوة، القوة كلها لله {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا}(البقرة : 165) القوة كلها لله {لولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله}(الكهف : 39) حين نقول لا حول ولا قوة إلا بالله فنقصد أن القوة مصدرها القوي فمن أراد أن يكون قويا فليكثر صلته بالقوي وهو الله جل وعلا منه تستمد القوة ومن كتابه، وأخذ كتابه بقوة يكسب القوة فلنأت البيوت من أبوابها ولنقبل على الله بصدق وعلى شرع الله بصدق، ولنتب توبة نصوحا ولنعزم عزمة صادقة على الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى نطلب منه القوة، لأنه ضامن القوة.</p>
<p>ولأختم بالكلام الذي يجعل القوة الشرعية شيئا آخر يذكره القرآن، اسمه &#8220;الأمانة&#8221; {إن خير من استاجرت القوي الأمين}(القصص : 26)  وكلنا في وظائفنا وأعمالنا مستأجرون فكل واحد منا في عمله عليه أن يكون قويا وأن يكون أمينا أيضا وبهذا يفرق عن الكفار الذين من الممكن أن يكونوا أقوياء ولكن ليس بالضرورة أن يكونوا أمناء، لأن الأمانة ليس من السهل أن تكتسب لأن مردها خوف الله عز وجل، تقوى الله عز وجل فالذي لا يعرف الله حق المعرفة قد يظهر لك أمينا في بعض المجالات ولكن في مجالات أخرى يفتقد إليها، بينما المؤمن متصل دائما بالحي القيوم، الصفة موجودة مادام الإيمان موجودا و&gt;لا إيمان لمن لا أمانة له&lt;.</p>
<h4><span style="text-decoration: underline; color: #ff0000;"><em><strong>أ.د. الشاهد البوشيخي</strong></em></span></h4>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8211;</p>
<p>(ü) محاضرة أعدها للنشر هيأة التحرير</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2007/07/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>أمانة الخلافة بين الصيانة والتضييع</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2007/07/%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b6%d9%8a%d9%8a%d8%b9/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2007/07/%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b6%d9%8a%d9%8a%d8%b9/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 01 Jul 2007 11:06:29 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[ذ. عبد الحميد الرازي]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 280]]></category>
		<category><![CDATA[أمانة الخلافة]]></category>
		<category><![CDATA[الأمانة]]></category>
		<category><![CDATA[التضييع]]></category>
		<category><![CDATA[الخلافة]]></category>
		<category><![CDATA[الصيانة]]></category>
		<category><![CDATA[تـحـمـل الأمــانــة]]></category>
		<category><![CDATA[عبد الحميد الرازي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=19667</guid>
		<description><![CDATA[إن موضوع أمانة الخلافة موضوع جلل لأنه يلخص إجمالا حقيقة الوجود، وحكمة الخلق، التي لا ندري منها إلا القليل الذي تفضل، الخالق ـ جل وعلا ـ فأنبأنا به، من خلال رسله ورسالاته، فما معنى الخلافة؟ دلالة مفهوم الخلافة : الخلافة لغة هي ما يجئ من بعد ، كأن يقال: هو خلف صِدْقٍ من أبيه . [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>إن موضوع أمانة الخلافة موضوع جلل لأنه يلخص إجمالا حقيقة الوجود، وحكمة الخلق، التي لا ندري منها إلا القليل الذي تفضل، الخالق ـ جل وعلا ـ فأنبأنا به، من خلال رسله ورسالاته، فما معنى الخلافة؟</p>
<p>دلالة مفهوم الخلافة : الخلافة لغة هي ما يجئ من بعد ، كأن يقال: هو خلف صِدْقٍ من أبيه . وتأتي بمعنى النيابة عـن الغير كما فــي :  {اخلفني في قومي}.</p>
<p>وأما الخلافة اصطلاحا  فلها مفهوم في غاية السمو والرفعة وهو اصطفاء الله سبحانه وتعالى من ينوب عنه فيتحمل مسؤولية إعمار الأرض وتسخير مقدراتها وخيراتها، وإعطائه حق التصرف في الأشياء مع أقداره على ذلك. في إطار حدود رسمها له في العلم الذي علمه إياه.يقول الحسن البصري رحمه الله : &gt;مَنْ أمَرَ بالمَعْروف ونَهَى عن المُنْكَر فهو خليفةُ الله في الأرضِ وخليفةُ كتابِهِ وخَليفَةُ رَسُولِهِ&lt;.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong> استخلاف الإنسان في الأرض</strong></span></h2>
<p>يقول الله عز وجل: {<span style="color: #008080;"><strong>وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ  قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ</strong></span>}.</p>
<p>لقد أراد الله تعالى أن يسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود زمام هذه الأرض، ويطلق فيها يده، ويكل إليه إبراز مشيئته في الإبداع والتكوين، والتحليل والتركيب، والتحوير والتبديل؛ وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات، وتسخير هذا كله &#8211; بإذن الله &#8211; في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه.</p>
<p>ولهذا  وهبه من الطاقات الكامنة، والاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات؛ ووهبه من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية. وهبه مؤهلات هذه الخلافة التي تتجلى في ما يلي :</p>
<p>1- طبيعة الإنسان الطينية : لقد خلق الإنسان من طين، ومن علق، ومن طين لازب، ومن صلصال كالفخار، ومن حمإ مسنون، وفي هذه الطبيعة الطينية مزايا أولية تتمثل في التماسك والتكافل والتنوع. فقد روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله  يقول : &gt;إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن الخبيث والطيب&lt;. كما أن خلقه من تراب وماء يجلي في طبيعة فطرته الطاهرة، التي قد يعلوها دَخَن، كما تتجلى فيه عناصر الضعف والقوة، فهو مزيج من أنواع شتى مختلفة تجسد معاني الاختلاف والتناقض تارة، ومعاني التماسك والانسجام تارة.</p>
<p>2- الطبيعة الروحية للإنسان : إلا أن طبيعة الطين لم تكن كافية لتبوئ المكانة العليا عند رب العزة، رغم أنه خلقها بيديه، سبحانه وتعالى. قال تبارك وتعالى: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}  فنفخة الروح هي التي تسموا به إلى القدر الذي أوجده الله من أجله. وفي هذا إشارة ربانية لطيفة، هي أن هذا المخلوق وجد من مادتين، الطين والروح، وخلافته في الأرض تقتضي، الارتفاع بالطين إلى مقام الروح، وهذا محور المهمة الربانية التي كلف بها الإنسان.</p>
<p>3- المساعدات علىالقيام بأعباء الخلافة : لقد علم الملائكة ببعض الجوانب السلبية للإنسان: التي هي الإفساد في الأرض وسفك الدماء، وهم يسبحون ويقدسون ولكن الله سبحانه، وهو العليم الحكيم، نبههم إلى أن هذا الخليفة سيكون مزودا بما يساعده على الارتقاء نحو السماء ولذلك علم الأسماء. ومما يبين أن هذا العلم يصلح للقيام بالخلافة، أن الملائكة لم يعلموا الأسماء، لأنهم ليسوا في حاجة إليها.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>تـحـمـل الأمــانــة</strong></span></h2>
<p>قال تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا . ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما}.</p>
<p>روى الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله  : &gt;قال الله تعالى لآدم : يا آدم إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض فلم تطقها فهل أنت حاملها بما فيها فقال وما فيها يارب؟ قال إن حملتها أجرت وإن ضيعتها عذبت، فاحتملها بما فيها فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين صلاة الأولى إلى العصر حتى أخرجه الشيطان منها&lt;.</p>
<p>ثم بعد ذلك جاء وقت تحمل الأمانة وتوضيحها، وتوضيح جللها وثقلها على السماوات والأرض، يقول سيد قطب: إن السماوات والأرض والجبال، هذه الخلائق الضخمة الهائلة، التي يعيش الإنسان فيها أو حيالها فيبدو شيئا صغيرا ضئيلا. هذه الخلائق تعرف بارئها بلا محاولة، وتهتدي إلى ناموسه الذي يحكمها بخلقتها وتكوينها ونظامها؛ وتطيع ناموس الخالق طاعة مباشرة بلا تدبر ولا واسطة. وتجري وفق هذا الناموس دائبة لا تني ولا تتخلف دورتها جزءا من ثانية؛ وتؤدي وظيفتها بحكم خلقتها وطبيعتها غير شاعرة ولا مختارة.</p>
<p>هذه الشمس تدور في فلكها دورتها المنتظمة التي لا تختل أبدا. وترسل بأشعتها فتؤدي وظيفتها التي قدرها الله لها؛ وتجذب توابعها بلا إرادة منها؛ فتؤدي دورها الكوني أداء كاملا..</p>
<p>وهذه الأرض تدور دورتها، وتخرج زرعها، وتقوت أبناءها، وتواري موتاها، وتتفجر ينابيعها. وفق سنة الله بلا إرادة منها.</p>
<p>وهذا القمر. وهذه النجوم والكواكب، وهذه الرياح والسحب. وهذا الهواء وهذا الماء.. وهذه الجبال. وهذه الوهاد.. كلها.. كلها.. تمضي لشأنها، بإذن ربها، وتعرف بارئها، وتخضع لمشيئته بلا جهد منها ولا كد ولا محاولة.. لقد أشفقت من أمانة التبعة. أمانة الإرادة. أمانة المعرفة الذاتية. أمانة المحاولة الخاصة.</p>
<h2>  <span style="color: #800000;"><strong>&gt; وحملها الإنسان..</strong></span></h2>
<p>الإنسان الذي يعرف الله بإدراكه وشعوره. ويهتدي إلى ناموسه بتدبره وبصره. ويعمل وفق هذا الناموس بمحاولته وجهده. ويطيع الله بإرادته وحمله لنفسه، ومقاومة انحرافاته ونزغاته، ومجاهدة ميوله وشهواته.. وهو في كل خطوة من هذه الخطوات مريد. مدرك. يختار طريقه وهو عارف إلى أين يؤدي به هذا الطريق!</p>
<p>إنها أمانة ضخمة حملها هذا المخلوق الصغير الحجم، القليل القوة، الضعيف الحول، المحدود العمر؛ الذي تناوشه الشهوات والنزعات والميول والأطماع..</p>
<p>وإنها لمخاطرة أن يأخذ على عاتقه هذه التبعة الثقيلة. ومن ثم  كان ظلوما  لنفسه  جهولا  بطاقته. هذا بالقياس إلى ضخامة ما زج بنفسه لحمله. فأما حين ينهض بالتبعة. حين يصل إلى المعرفة الواصلة إلى بارئه، والاهتداء المباشر لناموسه، والطاعة الكاملة لإرادة ربه. المعرفة والاهتداء والطاعة التي تصل في طبيعتها وفي آثارها إلى مثل ما وصلت إليه من سهولة ويسر وكمال في السماوات والأرض والجبال.. الخلائق التي تعرف مباشرة، وتهتدي مباشرة، وتطيع مباشرة، ولا تحول بينها وبين بارئها وناموسه وإرادته الحوائل. ولا تقعد بها المثبطات عن الانقياد والطاعة والأداء.. حين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة وهو واع مدرك مريد. فإنه يصل حقا إلى مقام كريم، ومكان بين خلق الله فريد.</p>
<p>إنها الإرادة والإدراك والمحاولة وحمل التبعة.. هي ميزة هذا الإنسان على كثير ممن خلق الله. وهي هي مناط التكريم الذي أعلنه الله في الملأ الأعلى، وهو يسجد الملائكة لآدم. وأعلنه في قرآنه الباقي وهو يقول:  ولقد كرمنا بني آدم.. فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند الله. ولينهض بالأمانة التي اختارها؛ والتي عرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها&#8230;!</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>تسخير الكون للإنسان ليقوم بالأمانة</strong></span></h2>
<p>قال تعالى: {الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون. وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}..</p>
<p>إن الإنسان.. يحظى من رعاية الله &#8211; سبحانه &#8211; بالقسط الوافر، الذي يتيح له أن يسخر الخلائق الكونية الهائلة، وينتفع بها على شتى الوجوه. وذلك بالاهتداء إلى طرف من سر الناموس الإلهي الذي يحكمها، والذي تسير وفقه ولا تعصاه ! فجعله الله مركز الكون كله، ليسير به أو بما وهبه الله مفاتحه نحو الوجهة التي أمره الله بها، أما ما لم يملك مفاتحه فسخره الله له بحيث لا يعترض سيره ما دام يسير في الإتجاه الصحيح.</p>
<p>سخر الله للإنسان البحر والفلك، ليبتغي من فضل الله؛ وليتجه إليه بالشكر على التفضل والإنعام، وعلى التسخير والاهتداء:  ولعلكم تشكرون.. وهو يوجه قلبه بهذا القرآن إلى الوفاء بهذا الحق، وإلى الارتباط بذلك الأفق، وإلى إدراك ما بينه وبين الكون من وحدة في المصدر ووحدة في الاتجاه..إلى الله..</p>
<p>ومن تخصيص البحر بالذكر إلى التعميم والشمول. فلقد سخر الله لهذا الإنسان ما في السماوات وما في الأرض، من قوى وطاقات ونعم وخيرات. يقول سبحانه: {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض؛ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة؟ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. وإذا قيل لهم:اتبعوا ما أنزل الله قالوا:بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير}.</p>
<p>وإضافة إلى تسخير الكون فقد سخر الله تعالى للإنسان  ما هو من الإنسان نفسه؛ &#8220;قل هو الذي جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلا ما تشكرون&#8221;، فخلق له الوسائل التي يمكنه بها التعامل مع هذا الكون المسخر له، ويتفاعل معه.</p>
<p>وفوق هذا فتح الله للإنسان أبواب الخير ليصحح مساره كلما أخل، فأرسل الرسل والأنبياء تترى ثم كان العلماء في هذه الأمة ورثة الأنبياء، ليترك باب التوجيه مفتوحا وحبل الوصل موصولا، وترك باب التوبة مفتوحا، وضاعف الحسنات، وجمد السيئات، وسمى نفسه الغفور والرحيم والعفو والتواب والرحيم. سبحانه وتعالى له الفضل كله وله الحمد كله ولا إله إلا هو وحده لا شريك له.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>مضمون الأمانة</strong></span></h2>
<p>يقول تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}.</p>
<p>إن أمانة الاستخلاف هذه تتجلى في  أن يعرف الإنسان ربه  سبحانه ويعرف الآخرين به، على النحو الذي قضاه تبارك وتعالى، وبينه في كتابه : {ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأرسلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}، {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيئين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق  ليحكم بين الناس في ما اختلفوا فيه}؛ ولهذا كان من مقتضيات الأمانة معرفة الرسول والكتاب والتعريف بهما. ثم إن الأمر كان يستلزم التنفيذ وكان من مقتضيات الأمانة  تحويل أوامر الله وأوامر رسوله إلى حياة معيشة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرءانا يمشي.  إن الإنسان بقدر أدائه لأمانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون منجزاً وظيفته الملقاة عليه.</p>
<p>إذن فالأمانة تتجلى في:</p>
<p>&lt; العلم : بالله وبما أمر به تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله، ولهذا وجب مدارسة الوحي  وفقهه والتمسك به.</p>
<p>&lt; الصلاح الذاتي: بامتثال أوامر الله تعالى في خاصة نفسه، فعلا وتركا، وجوبا وحرمة.</p>
<p>&lt; التبليغ : وهو دعوة الناس إلى هدى الله وتعليمهم ما يسمو بطينهم نحو القدر الذي خلقهم الله من أجله.</p>
<p>وهذا كله إن أُحْسِنَ يؤدي إلى إعمار الأرض بشكل يجعلها تتناغم مع الكون في تسبيحه لله، وتتلاحم الأرض مع السماء كل له عابدون مسبحون مقدسون.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>عــواقــب حمل  الأمـــانــة</strong></span></h2>
<p>إن الإحسان في حمل الأمانة يستوجب الثواب، والإساءة فيها تستوجب العقاب. والعواقب دنيوية وأخروية، فأما الأخروية، فتتجلى في ختام آية الأمانة: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات}، أما الدنيوية فكانت في الأمم السابقة كثيرة وأقواها أن الله يستأصل خونة الأمانة، ثم يستخلف من هم أهل للخلافة، أما أمة محمد  ، فقد رفع عنها هذا الاستئصال، وبقي غيره  كتسليط بعض الأعداء وانشقاق ذات البين&#8230; قال تعالى في سورة الأنعام: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} قال رسول الله (: &#8220;أعوذ بوجهك.. وقال سبحانه: &#8220;أو من تحت أرجلكم&#8221; قال    : &gt;أعوذ بوجهك..&lt;، قال سبحانه : {أو يلبسكم شيعا فيذيق بعضكم بأس بعض} قال   : &gt;هذا أهون هذا أيسر&lt;.</p>
<h4><span style="text-decoration: underline; color: #ff0000;"><em><strong>عبد الحميد الرازي</strong></em></span></h4>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2007/07/%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b6%d9%8a%d9%8a%d8%b9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
