<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; د. مصطفى فوضيل</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/author/fodel/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>في علاقة الرحمة بالتعليم  نظرات في مطلع سورة الرحمن   </title>
		<link>http://almahajjafes.net/2019/01/%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ad%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%85-%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b7%d9%84%d8%b9/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2019/01/%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ad%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%85-%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b7%d9%84%d8%b9/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 05 Jan 2019 10:17:50 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 494]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[التعليم]]></category>
		<category><![CDATA[الرحمة]]></category>
		<category><![CDATA[الرحمن]]></category>
		<category><![CDATA[سورة الرحمن]]></category>
		<category><![CDATA[علاقة الرحمة بالتعليم]]></category>
		<category><![CDATA[نظرات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=26435</guid>
		<description><![CDATA[&#160;1 -&#160; في تسمية السورة: تسمى هذه السورة بسورة الرحمن. ولا شك أن السبب في ذلك ذكر هذا الاسم العظيم في مطلع هذه السورة. وهو اسم عظيم من الأسماء الحسنى، دال على صفة من الصفات العليا لله تبارك وتعالى. وعندما نقارن بين هذه السورة وسور أخرى من هذه الزاوية، أي من زاوية ذكر اسم الرحمن؛ [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<h3><span style="color: #800000;"><strong>&nbsp;1 -&nbsp; في تسمية السورة:</strong></span></h3>
<p>تسمى هذه السورة بسورة الرحمن. ولا شك أن السبب في ذلك ذكر هذا الاسم العظيم في مطلع هذه السورة. وهو اسم عظيم من الأسماء الحسنى، دال على صفة من الصفات العليا لله تبارك وتعالى.</p>
<p>وعندما نقارن بين هذه السورة وسور أخرى من هذه الزاوية، أي من زاوية ذكر اسم الرحمن؛ فإن سؤالا كبيرا يمكن أن يرد هنا، وهو أليست سور أخرى هي الأولى بهذه التسمية؟ وخاصة سورة مريم التي ذكر فيها هذا الاسم الكريم ست عشرة (16)&nbsp; مرة. ومن لطائف ورود هذا الاسم الكريم في سورة مريم اقترانه بذكر العذاب في قوله تعالى على لسان إبراهيم : ياأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (مريم: 45). ويستفاد من هذا الاقتران عظم جرم الشرك، لأن كونه مُعَذِّبا وهو الرحمن يدل على أن الجُرْم المعذَّب عليه كبيرٌ جدا.</p>
<p>إن ورود اسم الرحمن في سورة مريم بهذا الشكل –دون سائر سور القرآن الكريم- ينطوي على أسرار عظيمة، وفوائد جمة، ومع ذلك عُدِل عن تسميتها بسورة الرحمن إلى تسميتها بسورة مريم. وهذا الجانب من هذه السورة الكريمة يحتاج إلى بحث مستقل.</p>
<p>لكنْ ما السر في تسمية سورة الرحمن بهذا الاسم مع أنه لم يذكر فيها إلا مرة واحدة؟.</p>
<p>والجواب والله أعلم هو وروده في مطلع السورة تنبيها على الجامعية التي جعلها الله  في عدة أشياء: وأهمها القرآن والإنسان والميزان والزمان والكون. وهذه الأشياء تشكل محاور أساسية في السورة، وهي كما تدل على صفات القدرة والعلم والإرادة وما تنطوي عليه من معاني الكمال والجلال والجمال مما هو مخصوص به تبارك وتعالى؛ تدل أيضا على عظمة رحمته تعالى وسعتها كما قال  في آية أخرى: ورحمتي وسعت كل شيء (الأعراف: 156) وقد جاء ذكر تلك الأشياء بين وصفين لله تبارك وتعالى أحدهما وهو &#8220;الرحمن&#8221; في فاتحة السورة، والآخر وهو &#8220;ذو الجلال والإكرام&#8221; في خاتمتها. قال القرطبي: &#8220;افتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته&#8221;(1).</p>
<p>غير أن السياق يجعل تعليم القرآن على رأس تلك المحاور، ويورده في جملة خبرية مفادها أن تعليم القرآن في علاقته بالإنسان هو أول مظهر من مظاهر هذا الاسم العظيم، أي أنه تجلٍّ شريف من تجليات صفة الرحمة. ولذلك فقد قدم ذكر التعليم على ذكر الخلق مع أن الخلق سابق عليه.</p>
<p>يقول الإمام الشوكاني: &#8220;ولما كانت هذه السورة لتعداد نعمه التي أنعم بها على عباده قَدَّم النعمة التي هي أجلها قدرا وأكثرها نفعا وأتمها فائدة وأعظمها عائدة وهي نعمة تعليم القرآن فإنها مدار سعادة الدارين وقطب رحى الخيرين وعماد الأمرين، ثم امتن بعد هذه النعمة بنعمة الخلق التي هي مناط كل الأمور ومرجع جميع الأشياء فقال خلق الإنسان ثم امتن ثالثا بتعليمه البيان الذي يكون به التفاهم ويدور عليه التخاطب وتتوقف عليه مصالح المعاش والمعاد لأنه لا يمكن إبراز ما في الضمائر ولا إظهار ما يدور في الخلد إلا به&#8221;(2).</p>
<p>ومن هنا يتبين بعض السر في تسمية هذه السورة بهذا الاسم الكريم.</p>
<h3><span style="color: #800000;"><strong>2 &#8211; في مفهوم الرحمة ووصف الله تعالى بـ&#8221;الرحمن&#8221;:</strong></span></h3>
<p>قال الراغب رحمه الله تعالى: &#8220;الرَّحْمَةُ رِقّةٌ تَقْتَضِي الإحْسَانَ إلى المَرْحُومِ، وقد تُسْتَعْمَلُ تارَةً في الرِّقّةِ المُجَرَّدَةِ وتارَةً في الإِحْسَانِ المُجَرَّدِ عَن الرِّقَةِ نحوُ: رَحِمَ اللَّهُ فُلاناً. وإِذَا وُصِفَ به البارِي فليسَ يُرَادُ به إِلاّ الإِحْسَانُ المُجَرَّدُ دونَ الرِّقَةِ، وَعَلَى هذا رُوِيَ أَنَّ الرّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ إنْعَامٌ وإفْضَالٌ، وَمِنَ الآدَمِيّين رِقّةٌ وَتَعَطُّفٌ. وَعَلى هذا قوْلُ النَّبيِّ ذَاكِراً عَنْ رَبِّهِ: «أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ الرَّحِمَ قَالَ لَهُ أَنَا الرّحْمنُ وَأنْتِ الرَّحِمُ، شَقَقْتُ اسْمَك مِن اسْمِي فَمَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَكِ بَتَتُّهُ» فذَلكَ إشارَةٌ إلى مَا تَقَدَّمَ وهو أنّ الرَّحْمَةُ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: الرِّقّةِ وَالإحْسَانِ فَرَكّزَ تعالى في طَبائِعِ الناسِ الرِّقّةَ وتَفَرَّدَ بِالْإِحْسَانِ فصارَ كما أَنّ لفظَ الرَّحِم مِنَ الرَّحْمَةِ، فَمَعْنَاهُ المَوْجُودُ في الناسِ مِنَ المعنَى المَوْجُودِ للَّهِ تعالى فَتَنَاسَبَ مَعْنَاهُمَا تَناسُبَ لَفْظَيْهِمَا. وَالرّحْمنُ وَالرَّحِيمُ نحوُ نَدْمَانَ وَنَدِيمٍ ولا يُطْلَقُ الرّحْمنُ إلاّ عَلَى الله تعالى مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَعْنَاهُ لا يَصِحُّ إلاّ لَهُ إذْ هُو الذي وَسِعَ كُلّ شيءٍ رَحْمَةً، والرَّحِيمُ يُسْتَعْمَلُ في غَيرِهِ وهو الذي كَثُرَتْ رَحْمَتُهُ. قال تعالى؛ إن الله غفور رحيم (الأنفال: 69) وقال في صِفةِ النبيّ : لقد جاءكم&#8230; رحيم (التوبة: 128) وقيلَ إنّ الله تعالى: هُوَ رَحْمنُ الدُّنْيَا وَرَحِيمُ الآخِرَةِ، وذلك أنَّ إِحْسَانَهُ في الدُّنْيَا يَعُمُّ المؤْمِنِينَ وَالكافِرينَ وفي الآخِرَةِ يَخْتَصُّ بالمؤْمِنينَ وَعَلَى هذا قال: ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون (الأعراف: 156)، تَنبيهاً أنَها في الدُّنْيَا عَامّةٌ للمؤْمِنِينَ وَالكافِرِينَ، وَفي الآخِرَةِ مُخْتَصَّةٌ بالمُؤْمِنِينَ&#8221;(3).</p>
<p>والرحمة صفة وُصف بها الله تعالى، وَوُصف بها كتابه: القرآنُ الكريم، وَوُصف بها نبيُّه: محمد ، وَوُصف بها أتباعُ نبيه رضي الله عنهم. فالله تعالى هو &#8220;الرحمن&#8221; وهو &#8220;الرحيم&#8221; وهو أرحم الراحمين (يوسف 64)، والرسول &nbsp;بالمؤمنين رؤوف رحيم (التوبة 128)، وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين (الإسراء 82) و أتباع محمد &nbsp;والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم (الفتح 29)..</p>
<p>وإنما تحقق هذا الوصف للمخلوقين بسبب ما انتقل إليهم من فضل هذا القرآن الذي هو كلام الخالق.</p>
<p>وكما انتقل إليهم ذلك الوصف عبر هذا القرآن فقد انتقلت إليهم باقي الأوصاف الكريمة، وسائر الأخلاق العالية. ألم تسمع إلى السيدة الفقيهة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي تصف خلقه : &#8220;إنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ &nbsp;كَانَ الْقُرْآنَ&#8221;(4)، والقرآن يقول: وإنك لعلى خلق عظيم؟.</p>
<h3><span style="color: #800000;"><strong>3 &#8211; في كون تعليم القرآن من أعظم تجليات رحمة الرحمن:</strong></span></h3>
<p><span style="color: #008080;"><strong>• تقديم اسم الرحمن وتصدير السورة به:</strong></span></p>
<p>ورد في سبب نزول هذه الآية أن المشركين قالوا في النبي &nbsp;إنما يعلمه بشر أي يعلمه القرآن(5)، قال ابن عاشور: &#8220;فكان الاهتمام بذكر الذي يعلم النبيء &nbsp;القرآن أقوى من الاهتمام بالتعليم&#8221;(6).</p>
<p>وقيل أنزلت حين قالوا: وما الرحمن (الفرقان: 60)؛ قال مقاتل: &#8220;لما نزل قوله: اسجدوا للرحمن قال كفار مكة: وما الرحمن فأنكروه وقالوا لا نعرف الرحمن، فقال تعالى: الرحمن الذي أنكروه هو الذي علم القرآن&#8221;(7).</p>
<p>وأيا كان ذلك فالظاهر من الروايتين أن قوله تعالى: علم القرآن وما بعده هو في تعريف الرحمن. فما قاله ابن عاشور يصدق أيضا على السبب الآخر.</p>
<p>فتقديم اسم الرحمن للتنبيه على مقالات المشركين، وذكر ما بعده من تنزيل القرآن وغيره للفت أنظارهم وإيقاظ عقولهم إلى المظاهر والتجليات العظيمة لذلك الوصف.</p>
<p><span style="color: #008080;"><strong>• مفهوم تعليم القرآن:</strong></span></p>
<p>اختلف في معنى تعليم الله تعالى للقرآن على أقوال منها:</p>
<p>-قول الطبري: &#8220;بصَّركم به ما فيه رضا ربكم وعرَّفكم ما فيه سخطه؛ لتطيعوه باتباعكم ما يرضيه عنكم وعملكم بما أمركم به وبتجنبكم ما يسخطه عليكم فتستوجبوا بذلك جزيل ثوابه وتنجوا من أليم عقابه&#8221;(8).</p>
<p>-وقول الزجاج: &#8220;سهله لأن يذكر ويقرأ؛ كما قال: ولقد يسرنا القرآن للذكر&#8221;(9).</p>
<p>واستعمال لفظ التعليم هنا مفيد في العلاقة بين جهة الرحمة الإلهية التي مكَّنت جهة القدرة البشرية من استيعاب القرآن العظيم. قال الإمام البقاعي: &#8220;ولما كان لا شيء من الرحمة أبلغ ولا أدل على القدرة من إيصال بعض صفات الخالق إلى المخلوق نوع إيصال ليتخلقوا به بحسب ما يمكنهم منه فيحصلوا على الحياة الأبدية والسعادة السرمدية قال: علم القرآن أي المرئي المشهود بالكتابة والمتلو المسموع، الجامع لكل خير، الفارق بين كل لبس، وكان القياس يقتضي أن لا يعلم المسموعَ أحدٌ لأنه صفة من صفاته، وصفاته في العظم كذاته، وذاته غيب محض، لأن الخلق أحقر من أن يحيطوا به علما.. فدل تعليمه القرآن على أنه يقدر أن يعلم ما أراد من أراد، وعلم آدم الأسماء كلها (البقرة: 31)&#8221;(10).</p>
<p>وهذه المسألة قوية العلاقة بالخلق، ولذلك قال تعالى: بعده: خلق الإنسان. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: &#8220;فقوله خلق الإنسان إخبار عن الإيجاد الخارجي العيني.. وقوله علم القرآن إخبار عن إعطاء الوجود العلمي الذهني، فإنما تعلم الإنسان القرآن بتعليمه، كما أنه صار إنسانا بخلقه فهو الذي خلقه وعلمه&#8221;(11).</p>
<p>بل إن ترتيب خلق الإنسان بعد تعليم القرآن ينبه اللبيب على أن وجوده الحقيقي إنما يكون بهذا القرآن؛ فكما أن الله تعالى هيأ له الكون المنظور قبل خلقه لتتم له أسباب المعاش، كذلك وضع له الكتاب المقروء قبل إيجاده لتتم له الهداية إلى أحسن المناهج، كما قال : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم (الإسراء 9).</p>
<p>وفي هذا المقام يقول الراغب رحمه الله تعالى: &#8220;ابتدأ بتعليم القرآن، ثم بخلق الإنسان، ثم بتعليم البيان، ولم يدخل الواو فيما بينها. وكان الوجه على متعارف الناس أن يقول: خلق الإنسان، وعلمه البيان، وعلمه القرآن. فإن إيجاد الإنسان بحسب نظرنا مقدم على تعليمه البيان، وتعليم البيان مقدم على تعليم القرآن، ولكن لما لم يُعَدَّ الإنسانُ إنساناً ما لم يتخصص بالقرآن، ابتدأ بالقرآن، ثم قال: خلق الإنسان تنبيها على أن البيان الحقيقي المختص بالإنسان يحصل بعد معرفة القرآن. فنبه –بهذا الترتيب المخصوص، وترك حرف العطف منه، وجعل كل جملة بدلا مما قبلها لا عطفا- على أن الإنسان ما لم يكن عارفا برسوم العبادة ومتخصصا بها لا يكون إنسانا، وأن كلامه ما لم يكن على مقتضى الشرع لا يكون بيانا(12).</p>
<h3><span style="color: #800000;"><strong>4 &#8211; في ضرورة بناء التعليم على هدى القرآن:</strong></span></h3>
<p>بناء على ما سبق يمكن أن نقول إن هذه الآية أصل عظيم في وجوب تقديم العلم بالقرآن وتعليمه على سائر العلوم، وأن هذا التقديم عنوان على الرحمة في قلوب القائمين على هذا الشأن وأنهم حقا يريدون مصلحة المجتمع، فذلك عنوان إرادة الإصلاح ومقياسه.</p>
<p>والأمر فضلا عن كونه اقتداء بهذا التصنيف الرباني العظيم للعلوم، له دلائل كثيرة دالة على أحقيته وأفضليته.</p>
<p>ومن أعظم الدلائل على ذلك أن هذا القرآن العظيم هو خاتمة الكتب المنزلة أي هو آخر ما أنزل من الوحي على البشرية في تاريخها الطويل. والقرآن الكريم يستعمل لفظ &#8220;الكتاب&#8221; في الدلالة على هذا المصدر العلمي الرباني العظيم. والمقصود به كل ما أنزله الله تعالى إلى الناس على مدى التاريخ البشري بواسطة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. كما قال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.. (البقرة 213).</p>
<p>وقال : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط (الحديد: 25). والشواهد على هذا كثيرة في القرآن الكريم(13).</p>
<p>فالكلام عن الكتاب مُتَوَّجٌ بالكلام عن القرآن باعتباره خاتم الكتب المنزلة قبله ومهيمنا عليها. وباعتباره الكتاب الوحيد الذي بقي متواترا ومحفوظا لفظا ومعنى.</p>
<p>والقرآن العظيم نازل بعلم الله تعالى ومتضمن لعلمه كما قال : فإن لم يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (هود: 14). وقال : وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأعراف: 52). وقال : قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (الفرقان: 6).</p>
<p>فالحاصل من ذلك وغيره أن القرآن عِلْمٌ، بل هو العلم سواء بالنظر إلى ذاته وموضوعه، أم بالنظر إلى مصدره حيث نزله العليم، أم إلى كيفية وملابسات نزوله حيث نزله بعلم، أم إلى كيفية تلقينه حيث علمه شديد القوى، أم إلى ذات المكلَّف بتبليغه إلى الناس جميعا وحالِه –وهو النبي الأمي- حيث صار به مُعَلِّما: ..وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (النساء: 113). فالقرآن العظيم إذن علمٌ عظيم: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (المزمل: 5). وهو فوق طاقة الإنسان لولا أن الله تعالى أقدره على تعلمه؛ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر(14)ٍ (القمر: 17)، وذلك مظهر من مظاهر رحمة الرحمن: الرَّحْمَانُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (الرحمن 4).</p>
<p>وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك بلا شك، فإن تقديم العلم بالقرآن وتقديم تعليم القرآن هو الضمان الوحيد لتحقيق الرحمة لهذا الإنسان.</p>
<p>يقول أستاذنا الشاهد البوشيخي حفظه الله : &#8220;علم الغيب أي الوحي إطار علوم الشهادة، أي علوم الكون والحياة والإنسان، فإذا تحركت هذه داخل الإطار أثمرت ما خلق له الإنسان مما ينفع الناس ويمكث في الأرض، من عبادة الله جل وعلا، وإلا كنت جهلا مركبا قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (الزمر: 64). والعلم بالله جل جلاله هو رأس العلم، من فاته فاته كل شيء، ومن أدركه فقد أدرك كل شيء. ذلك بأن صور الأشياء أسبابا وموانع، وأحجاما ومواقع، وأهدافا ووسائل.. لا تستقيم إلا من بعد العلم بهذا العلم، وهو في التحصيل سابق لكل علم.. وفي الترتيب منطلق لكل علم، وغاية وهدف من كل علم&#8221;(15).</p>
<h4><span style="color: #ff0000;"><em><strong>د. مصطفى فضيل</strong></em></span></h4>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;</p>
<p>1 &#8211; تفسير القرطبي 17/ 159 .</p>
<p>2 &#8211; فتح القدير&nbsp; 5/ 131.</p>
<p>3 &#8211; المفردات/ رحم.</p>
<p>4 &#8211; أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين.</p>
<p>5 &#8211; انظر فتح القدير 5/ 131.</p>
<p>6 &#8211; التحرير 27/ 230.</p>
<p>7 &#8211; زاد المسير 8/ 105. وبنحوه أخرجه ابن أبي حاتم عن حسين الجحفي. انظر الدر المنثور 6/ 268. وهذا السبب هو المذكور أولا عند القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 17/ 152.</p>
<p>8 &#8211; جامع البيان 27/ 114.</p>
<p>9 -&nbsp; الجامع لأحكام القرآن 17/ 152.</p>
<p>10 &#8211; نظم الدرر 19/ 141.</p>
<p>11 &#8211; مفتاح دار السعادة 1/ 279.</p>
<p>12 &#8211; تفصيل النشأتين ص 150- 151.</p>
<p>13 &#8211; انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم مادة (كتب).</p>
<p>14 &#8211; وقد تكرر هذه العبارة أربع مرات في سورة القمر: الآيات: 17، 22، 32، 40.</p>
<p>15 &#8211; ورقات في المسألة العلمية/ مقالة ضمن مجلة الهدى ع 33 ص 31.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2019/01/%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ad%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%85-%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b7%d9%84%d8%b9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>القرآن الكريم وشروط السلامة في السير</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2018/07/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d9%88%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b1/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2018/07/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d9%88%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b1/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 26 Jul 2018 09:26:15 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 492]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[السير إلى الله]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></category>
		<category><![CDATA[شروط السلامة في السير]]></category>
		<category><![CDATA[صلاحية الطريق]]></category>
		<category><![CDATA[وضوح الرؤية]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=22599</guid>
		<description><![CDATA[من المعلوم أن السير في طريق ما، وخاصة على جهة السفر، يستدعي ويستلزم شروطا، وذلك حتى يصل إلى المكان الذي يقصده بسلام وأمان. وقد تبلورت هذه الشروط في زماننا في شكل قانون يضبط حركة السيارات والطائرات والبواخر وغيرها من وسائل النقل. ثم إن هناك شروطا أخرى لها علاقة بنوع الطريق من حيث صلاحيتها أو عدمها، [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>من المعلوم أن السير في طريق ما، وخاصة على جهة السفر، يستدعي ويستلزم شروطا، وذلك حتى يصل إلى المكان الذي يقصده بسلام وأمان.</p>
<p>وقد تبلورت هذه الشروط في زماننا في شكل قانون يضبط حركة السيارات والطائرات والبواخر وغيرها من وسائل النقل. ثم إن هناك شروطا أخرى لها علاقة بنوع الطريق من حيث صلاحيتها أو عدمها، وبطبيعة الأحوال الجوية، وبحالة السائق النفسية والعقلية والبدنية، وبحالة المركوب من حيث قوته وسلامته التقنية، وأن أي خلل يحدث في شرط من هذه الشروط يجعل السائر معرضا للأخطار بمقدار الخلل الواقع وخطره.</p>
<p>والإنسان في جانبه المعنوي الذي به تميز عن سائر المخلوقات مسافر في مجمل حياته وإن لم يركب سيارة ولا طائرة ولا غيرها يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (الانشقاق: 6) فهو في سفر كامل يتضمن ذهابا وإيابا، وله بداية كما أن له نهاية.</p>
<p>عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: &#8220;أخذ رسول الله  بمنكبي فقال «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك&#8221;(1).</p>
<p>قيل: عابر السبيل هو المار على الطريق طالبا وطنه في الدنيا، كعبد أرسله سيده في حاجة إلى غير بلده فشأنه أن يبادر بفعل ما أرسل فيه ثم يعود إلى وطنه، ولا يتعلق بشيء مما هو فيه (2).</p>
<p>وقيل: المراد أن ينزل المؤمن نفسه في الدنيا منزل الغريب فلا يتعلق قلبه بشيء من بلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، ويجعل إقامته في الدنيا ليقضي حاجته وجهازه للرجوع إلى وطنه. وهذا شأن الغريب، أو يكون كالمسافر لا يستقر في مكان بعينه، بل هو دائم السير إلى بلد الإقامة(3).</p>
<p>وهكذا يظهر من حديث الرسول الكريم  التنبيه على حقيقة الدنيا وأنها سير وسفر!! ومما يؤكد بقوة لافتة للانتباه العديدُ من الآيات في القرآن الكريم التي استعملت فيها ألفاظ تدل على معنى السير فمن ذلك لفظ الرجوع:</p>
<p>كما في قوله تعالى: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله (البقرة: 281) و قوله تعالى: الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (الروم 11).</p>
<p>ولفظ القلب: كما في قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير(العنكبوت: 21) قال الإمام الراغب: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْض قيل حث على السياحة في الأرض بالجسم. وقيل حث على إجالة الفكر ومراعاة أحواله، كما روي في الخبر أنه قيل في وصف الأولياء: أبدانهم في الأرض سائرة وقلوبهم في الملكوت جائلة. ومنهم من حمل ذلك على الجد في العبادة للتوصل بها إلى الثواب. وعلى ذلك حُمل قوله : «سافروا تغنموا»(4).</p>
<p>ومن الألفاظ الواردة في هذا السياق أيضا لفظ الصراط المستقيم، كما في قوله تعالى: وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ(الأنعام: 153).</p>
<p>وللسير أو السفر إلى الآخرة خصائص تميزه عن السير المألوف منها:</p>
<p>1 &#8211; أنه سير بغير اختيار، فلا يختار الإنسان هل يسير أو لا يسير، فهو سائر لا محالة، لكنه إما سائر على هدى فهو في سلامة، أو سائر على ضلال فهو مشرف على الهلاك.</p>
<p>2 &#8211; أنه سير ليس له مسافة محددة معلومة عند السائر لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً(الأعراف: 187).</p>
<p>3 &#8211; أنه سير في غاية الأهمية وذلك لأنه سير نحو الخلود.</p>
<p>4 &#8211; أنه سير متواصل لا توقف فيه..!!</p>
<p>ولما كان هذا السفر الخاص أهم بكثير من السفر المألوف الذي يكون بين مدينة ومدينة أو بين دولة ودولة، فهو يستلزم –بالأولى والأحرى– شروطا ضرورية لا يمكن أن تتحقق السلامة الكاملة بدونها.</p>
<p>وسنحاول أن نقف في هذه المناسبة على بعض هذه الشروط المذكورة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه . ويمكن تصنيفها إلى شروط موضوعية وشروط ذاتية: أما الأولى فلها علاقة بما يحيط بالإنسان حال السير، وأما الثانية فهي متعلقة بالإنسان ذاته.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>أولا: الشروط الموضوعية:</strong></span></h2>
<h3><span style="color: #008080;"><strong>وضوح الرؤية:</strong></span></h3>
<p>فمن المعلوم أن مما يدخل في هذا العنصر بالنسبة للسائلين أن يكون الوقت نهارا، وألا يكون فيه ضباب أو مطر أو غيره مما يعيق رؤية الطريق بوضوح بحيث يتبين له اتجاهها ومنعرجاتها وعلاماتها وحواجزها وخطوطها، وما عساه أن يكون فيها من حصى أو صخور أو دواب أو غيرها.</p>
<p>وكذلك الإنسان في سيره إلى الدار الآخرة يحتاج إلى هذا الوضوح الكامل، وهو متحقق بحمد الله تعالى فيما أنزل من الهدى.</p>
<p>فالله تعالى يقول: أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا (الأنعام: 122)، ويقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (الحديد: 28).</p>
<p>فبهذا النور الرباني تتبين حقائق الأشياء والأفكار والأشخاص، وتنكشف طريق الحياة واضحة، وذلك لأن مصدر هذا النور هو الله تعالى، فهو نور يخترق جميع أنواع الحجب مهما كانت كثافتها. وقد روى ابن ماجه عن العرباض بن سارية قال: &#8220;وعظنا رسول الله  موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»&#8230; الحديث&#8221;(5).</p>
<p>فزيادةً على أنها في حد ذاتها بيضاء نيرة، فإن ليلها كنهارها، فهما متساويان في النور، وفي هذا إيماء إلى أن السفر في النهار أسلم بكثير من السفر بالليل مهما كانت قوة الأضواء المستعملة. ومن يمارس السياقة يعلم ذلك علم اليقين!!، وهكذا يصير الليل نفسه بنور القرآن الكريم مضيئا نيرا، وهذا النور الذي يصدر من المحجة ليس أشعة مرسلة تسبب للأبصار الإزعاج أحيانا، وإنما هو نور كاشف وضّاح!! علما أن قانون السياقة ينصح بأخذ الحيطة والحذر عند السياقة في وقت شروق الشمس وغروبها إذا كانت قبالة السائق.</p>
<h3><span style="color: #008080;"><strong>صلاحية الطريق وسهولتها واختصارها:</strong></span></h3>
<p>ومن شروط السلامة أيضا استواء الطريق واستقامتها ما أمكن، فالمنعرجات وخاصة الضيقة منها، تستدعي الحذر الشديد، وقد عبر في الشرع عن استقامة الطريق إلى الآخرة بعدة ألفاظ، منها الاستقامة نفسها، ففي سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم، وفي سورة مريم على لسان إبراهيم يعظ أباه: فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (مريم: 43)، وفي سورة طه فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (طه: 135).</p>
<p>وبالاستقامة والاستواء يتوفر الوقت الكثير لأن أقرب خط بين نقطتين هو الخط المستقيم، وعُبِّر عن صلاحية هذه الطريق وأفضليتها بلفظ السبيل أيضا، والسبيل هو الطريق الذي فيه سهولة، وبلفظ المحجة وهي جادة الطريق.</p>
<h3><span style="color: #008080;"><strong>العلامات:</strong></span></h3>
<p>تعتبر العلامات التي تكون على الطريق من أهم الوسائل التي تعين المسافر على مواصلة سيره في أمان؛ فمنها ما ينبه على المنعرجات، ومنها ما ينبه على أماكن منع التجاوز، ومنها ما يشير إلى وجود قنطرة أو طريق ضيق، ومنها ما يوجب الوقوف المؤقت، ومنها ما يحذر السائق من الحيوانات التي قد تفاجئه وهي تمر في الطريق، إلى غير ذلك من العلامات المهمة.</p>
<p>فكذلك الإنسان في سيره إلى الدار الآخرة يحتاج إلى علامات تعينه على الوصول إلى الحق، وتنبهه على المخاطر والمهالك. وقد عبر عن هذه العلامات في القرآن الكريم بلفظ الآيات. والآية كما قال الإمام الراغب الأصفهاني: &#8220;هي العلامة الظاهرة، وحقيقته: لكل شيء ظاهرٌ هو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره، فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته؛ إذ كان حكمهما سواء، وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات، فمن علم ملازمة العلَم للطريق المَنْهَج ثم وَجَد العَلَم عَلِم أنه وجد الطريق، وكذلك إذا علم شيئا مصنوعا علم أنه لابد له من صانع، واشتقاق الآية إما من أَيٍّ فإنها هي التي تبين أيا من أي، والصحيح أنها مشتقة من التأيي الذي هو التثبت والإقامة على الشيء&#8221;(6).</p>
<p>ومن عظيم فضل الله تعالى ورحمته أن جعل هذه العلامات من الكثرة بحيث لا يبقى مجال للشك والارتياب أو الالتباس، كما أنه جعلها على صنفين: صنف يتلى، وصنف يرى:</p>
<p>أما الصنف الأول فيتمثل في آيات القرآن الكريم، وأما الصنف الثاني فيتمثل في الآيات التي بثها الله تعالى في هذا الكون الفسيح. وقد بلغت هذه الآيات جميعا من الصنفين الغاية في الوضوح والإبانة، فهي آيات بينة فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ (الأنعام: 157)، ومبينات وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ (النور: 34)، ومفصلة قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون (الأنعام: 97)، ومصرفة انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (الأنعام: 65).</p>
<p>ثم إن ما أَنزل الله تعالى من آيات القرآن الكريم يستوعب كل ما يهم الإنسان، وينبهه على المصالح والمفاسد سواء على مستوى التصورات أم على مستوى التصرفات.</p>
<h2><span style="color: #800000;"><strong>ثانيا: الشروط الذاتية: وخلاصتها استقامة السائر:</strong></span></h2>
<p>يلاحظ الجمع بين استقامة الماشي واستقامة الطريق في قوله تعالى: أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (الملك: 22)، إن مثل الأول في عالم السياقة كمثل رجل مسافر مستهين بسائر العلامات معرض عنها غير ملتفت إليها، ولم يقف عند هذا الحد، بل ألصق وجهه بالمقود ولم يعد يرى من الطريق شيئا، إن أي أحد يرى هذا الشخص لن يتردد في اعتباره مسلوب العقل والحواس، ولذلك جاء عقيب هذه الآية قوله تعالى: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُون (الملك: 23).</p>
<p>وهذه الحواس ضرورية جدا في السياقة، فالسمع يتيح الانتباه إلى المنبه الصوتي للسيارات، وإلى صفارة الشرطي وغيرها، وأما البصر فلا غنى عنه ألبتة في السياقة، وأما الفؤاد فإنما قيل له فؤاد لأنه اعتبر فيه معنى التفؤد أي التوقد، فالإنسان وهو مسافر يقود سيارته يكون في حاجة شديدة إلى حضور قوته المفكرة وإلى يقظة متوقدة.</p>
<p>وهكذا الإنسان في سيره إلى الدار الآخرة يحتاج إلى الاستماع بل إلى الإنصات: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون (الأعراف: 204)، ويحتاج أيضا إلى إبصار: قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا (الأنعام: 104) قال الطاهر بن عاشور: &#8220;وبصائر جمع بصيرة، والبصيرة: العقل الّذي تظهر به المعاني والحقائق، كما أنّ البصر إدراك العين الّذي تتجلّى به الأجسام، وأطلقت البصائر على ما هو سبب فيها. وإسناد المجيء إلى البصائر استعارة للحصول في عقولهم، شُبّه بمجيء شيء كان غائباً، تنويهاً بشأن ما حصل عندهم بأنّه كالشّيء الغائب المتوقَّع مجيئه&#8221;(7).</p>
<p>ومن ثمرات هذا الكلام التنبيه على أثر آيات القرآن الكريم في القدرة العقلية للإنسان، وذلك أن اندماجه بنورها ينبه العقل ويحضره ويقوي بصيرته ويزيد في مداها، فتنكشف له حقائق الأشياء، ويستثمر مآلاتها وعواقبها إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (ق: 37)، ولذلك نفى الله تعالى العقل عمن لم ينتفع بالقرآن إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (الأنفال: 22).</p>
<p>إن القرآن الكريم بما احتواه من نظم إيمانية واجتماعية واقتصادية وسياسية وتربوية وغيرها يهدف إلى إقامة حياة الإنسان على هيئة من الاستواء، وبهذا نفهم عمق دلالة العدل الذي أمر الله تعالى به في قوله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ (النحل: 90).</p>
<p>والعدل لفظ يقتضي معنى المساواة، وقد أخرج الإمام البخاري وغيره عن ابن مسعود أن هذه الآية أجمع آية للخير والشر، فقد جمعت أصول الشريعة في الأمر بثلاثة والنهي عن ثلاثة&#8230; وألف الشيخ عز الدين بن عبد السلام كتابا سماه الشجرة بيّن فيه أن هذه الآية اشتملت على جميع الأحكام الشرعية في سائر الأبواب الفقهية.</p>
<p>وهكذا نخلص من تلك النصوص إلى شروط متكاملة تحقق السير السليم الموصل إلى الهدف الأعظم الذي هو رضوان الله تعالى في دار القرار بأمان وسلام.</p>
<p>وقد عرضت على الإنسان بغاية الوضوح ليتحمل مسؤوليته كاملة وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (الأنعام: 152).</p>
<p>والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.</p>
<h4><span style="text-decoration: underline; color: #ff0000;"><em><strong>د. مصطفى فوضيل</strong></em></span></h4>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8211;</p>
<p>1 &#8211; أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب قول النبي  كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل.</p>
<p>2 &#8211; فتح الباري لابن حجر11/ 238.</p>
<p>3 &#8211; نفسه.</p>
<p>4 &#8211; مفردات القرآن للراغب/ قلب.</p>
<p>5 &#8211; أخرجه ابن ماجه في المقدمة باب باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين.</p>
<p>6 &#8211; مفردات القرآن للراغب/ أي.</p>
<p>7 &#8211; (التحرير والتنوير 5/ 67).</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2018/07/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d9%88%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>متابعات &#8211; مشروع المعجم التاريخي للمصطلحات الصحية</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2016/11/%d9%85%d8%aa%d8%a7%d8%a8%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%ac%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae%d9%8a-%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%84/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2016/11/%d9%85%d8%aa%d8%a7%d8%a8%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%ac%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae%d9%8a-%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%84/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 01 Nov 2016 12:28:00 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 466]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[الدكتور مصطفى فوضيل]]></category>
		<category><![CDATA[المصطلحات الصحية]]></category>
		<category><![CDATA[مؤسسة البحوث والدراسات العلمية]]></category>
		<category><![CDATA[مبدع]]></category>
		<category><![CDATA[متابعات]]></category>
		<category><![CDATA[مشروع المعجم التاريخي]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم المعجم التاريخي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=15521</guid>
		<description><![CDATA[شاركت مؤسسة البحوث والدراسة العلمية مبدع في المؤتمر الدولي لتاريخ الطب في التراث الإسلامي في دورته السابعة الذي احتضنته مدينة فاس أيام 25-26-27  أكتوبر 2016، وقد قدم الدكتور مصطفى فضيل (المدير التنفيذي لمؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)) عرضا عن مشروع المؤسسة في مجال خدمة المصطلح الطبي من خلال المعجم التاريخي للمصطلحات الصحية وهذا مضمون العرض. [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>شاركت مؤسسة البحوث والدراسة العلمية مبدع في المؤتمر الدولي لتاريخ الطب في التراث الإسلامي في دورته السابعة الذي احتضنته مدينة فاس أيام 25-26-27  أكتوبر 2016، وقد قدم الدكتور مصطفى فضيل (المدير التنفيذي لمؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)) عرضا عن مشروع المؤسسة في مجال خدمة المصطلح الطبي من خلال المعجم التاريخي للمصطلحات الصحية وهذا مضمون العرض.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>أولا: بيان المراد من &#8220;المشروع&#8221;</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>1 &#8211; مفهوم المعجم التاريخي:</strong></span></p>
<p>يقصد بـ &#8220;المعجم التاريخي&#8221; ذلك المعجم الذي:</p>
<p>- يؤرخ لحياة الألفاظ التي يتضمنها، منذ ولادتها حتى آخر استعمال لها أو موتها؛</p>
<p>- متتبعا التطور الذي طرأ عليها عبر التاريخ، ولاسيما الدلالي (اتساعا وضيقا، واستقرارا واضطرابا) والاستعمالي (كثرة وقلة، ومكانا وزمانا وميدانا).</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>2 &#8211; مفهوم المصطلحات الصحية:</strong></span></p>
<p>ويقصد بـ&#8221;المصطلحات الصحية&#8221; تلك الألفاظ التي تسمي مفاهيم معينة، في مجال العلوم الصحية، وهو مجال يدخل فيه علم الطب وعلم الصيدلة وغيرهما مما له صلة مباشرة بصحة الجسم الحي وكيفية صيانته.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>3 &#8211; مفهوم المعجم التاريخي للمصطلحات الصحية:</strong></span></p>
<p>- ذلك العمل العلمي</p>
<p>- الجامع لكل الألفاظ التي تسمي مفاهيم، في مجال العلوم الصحية،</p>
<p>- مرتبةَ المباني ترتيبا معجميا، لتيسير الوصول إليها،</p>
<p>- معروضةَ المعاني عرضا تاريخيا، لرصد التطور الدلالي والاستعمالي الذي طرأ عليها، منذ ولادتها حتى آخر استعمال لها.</p>
<p>- وبما أن مثل هذا العمل العلمي الشامل هو عادة فوق طاقة الأفراد، ويحتاج في تخطيطه المنهجي، وتنفيذه العلمي، إلى جهود وجهود فقد صار عبارة عن مشروع من المشاريع.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>ثانيا: موجبات &#8220;المشروع&#8221;</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>1 &#8211; الموجب اللغوي:</strong></span></p>
<p>وأساسه الحاجة الماسة إلى معرفة تاريخ الألفاظ في اللغة العربية؛ إذ اللغة بنت الاستعمال. وكل مستعمل لابد أن يضمّن ألفاظه رؤيته.</p>
<p>و&#8221;لكل قوم ألفاظ&#8221;، و&#8221;لكل صناعة ألفاظ&#8221;   (الجاحظ).</p>
<p>- إنجاز المعجم التاريخي للمصطلحات الصحية هو خطوة في الاتجاه الصحيح نحو المعجم التاريخي للغة العربية جملة.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>2 &#8211; الموجب العلمي:</strong></span></p>
<p>وذلك لحاجة العلوم كلها في تراثنا الممتد الضخم إلى تاريخ أمين دقيق.</p>
<p>فبظهور هذا المعجم يظهر المفتاح التاريخي للقراءة الصحيحة لأي مؤلَّف أو مؤلِّف أو مدرسة أو اتجاه.. في أي علم،</p>
<p>فيُتخلص من كثير من الخطأ في الفهم، والاضطراب في الحكم.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>3 &#8211; الموجب الحضاري:</strong></span></p>
<p>إن التحدي الحضاري الحالي لا يتصور الاستجابة له، إلا بإعادة بناء الذات، ولا سبيل إليها بغير الانطلاق من التراث، ولا سبيل إلى التراث بغير مفتاحه الذي هو المصطلحات.</p>
<p>وبما أن التراث ممتد في الزمان والمكان والإنسان، فإن ضرورة فهمه -على سعته- من أجل الاستيعاب، فالتقويم، فالتوظيف، تقتضي إيجاد معجم تاريخي شامل كامل لمفاتيحه التي هي المصطلحات.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>ثالثا: أهداف المشروع</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>1 &#8211; الأهداف القريبة:</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>أ &#8211; إيجاد معجم تاريخي للمصطلحات الصحية المعرّفة:</strong></span></p>
<p>ونقصد بالمصطلحات الصحية المعرّفة: كل الألفاظ العربية الاصطلاحية التي تم شرحها ضربا من الشرح، في التراث الصحي العربي الإسلامي، في أي قرن من القرون.</p>
<p>والغرض من ذلك هو &#8220;جمع جهود العلماء السابقين في مجال بيان المراد من الألفاظ الاصطلاحية في مجال العلوم الصحية، ووضعُها رهن إشارة الباحثين والمهتمين.</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>ب &#8211; إيجاد معجم تاريخي لمصطلحات العلوم الصحية:</strong></span></p>
<p>المعرّف منها وغيرِ المعرّف، مصنفة معجميا، ومدروسة الدراسة المصطلحية التاريخية، بعد الدراسة الوصفية.</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>ج &#8211; التمهيد والإسهام في إيجاد معجم تاريخي شامل لمصطلحات كل العلوم:</strong></span></p>
<p>وهو المعجم التاريخي للمصطلحات العلمية، ويمثل البحر الذي تصب فيه جميع أنهار العلوم ممزوجة في كل مادة من مواده؛ ففي مادة (ع.ل.ل) مثلا: العلة لدى المحدثين، والعلة لدى الأصوليين، والعلة لدى الأطباء… وهكذا في كل مصطلــح.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>2 &#8211; الأهداف البعيدة:</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>أ &#8211; فهم التراث:</strong></span></p>
<p>والذي يعنينا منه هاهنا، هو التراث العلمي -بالمفهوم العام للعلم-، وهو مجموع ما ورثناه من العلم عن الآباء: أصولا وفروعا.</p>
<p>وإن مفتاح التراث هو المصطلحات، وإنما توتى البيوت من أبوابها، وأبواب كل علم مصطلحاته&#8230;</p>
<p>وإن مفتاح المفتاح هو الدراسة المصطلحية للمصطلحات.</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>ب &#8211; تجديد بناء الذات:</strong></span></p>
<p>وأول التجديد قتل القديم فهما كما قيل.</p>
<p>فإن حاجة الأمة ماسة إلى تحديد عناصر القوة في ذاتها لتفعيلها، ومعرفة مقدار ذخيرتها ونوعها، لتوظيفها والاستفادة منها في بابها وإبانها، وتَعرُّف وجوه النقص والقصور فيها لتكميلها.</p>
<p>بهذا المعجم تبدأ المراجعة لمصطلح الماضي، وبنتائجه تبدأ المواجهة لمصطلح الحاضر، وعلى أساسه يتم ما هو أهم من ذلك، وهو بناء مصطلح الغد؛ ذلك المصطلح الذي تتلخص علاقته بمستقبل الذات في ثلاث:</p>
<p>- ضرورة الإبداع المصطلحي لبناء ذات المستقبل أو مستقبل الذات، ولا إبداع مصطلحي بغير الإبداع العلمي، وإنما يسمي من ولد.</p>
<p>- ضرورة الاستقلال المصطلحي لحوار الذات لغير الذات، ولا استقلال للمصطلح بغير استقلال مفهومه.</p>
<p>- ضرورة التفوق المصطلحي كيفا وكما، لشهود الذات على غير الذات، ولا تفوق للمصطلح بغير تفوق أهله.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>رابعا: مراحل المشروع</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>1 &#8211; مرحلة المصطلح المعرّف:</strong></span></p>
<p>وأهم مراحلها الصغرى ثلاث:</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>أ &#8211; مرحلة الجمع والتوثيق:</strong> </span>وفيها يتم التقصي لجميع المصطلحات المعرفة ضربا من التعريف، في جميع المظان، بدءا بالأقدم فالأقدم، والأغزر مادة فالأغزر، والأوثق نصا فالأوثق؛ تجمع، وتوثق في جذاذات خاصة مصممة لهذا الغرض، لتسهيل التصنيف بعد.</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>ب- مرحلة المراجعة والتدقيق:</strong></span> وفيها يتم التأكد من صحة المعلومات وتمامها وصحة تصنيفها&#8230; يدويا وحاسوبيا ما أمكن.</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>ج &#8211; مرحلة التصنيف والتأليف:</strong> </span>وفيها يتم تصنيف جميع ما جمع تصنيفا تاريخيا؛ لإبراز الاهتمام به عبر التاريخ. ثم حسب فروع العلوم الصحية.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>2 &#8211; مرحلة المصطلح غير المعرّف:</strong></span></p>
<p>وأهم مراحلها الصغرى ثلاث:</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>أ &#8211; مرحلة الدراسة الوصفية للمصطلحات، بأركانها وشروطها المفصلة في منهج الدراسة المصطلحية.</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>ب &#8211; مرحلة الدراسة التاريخية للمصطلحات، بشروطها المشار إليها في منهج الدراسة المصطلحية وذلك بهدف رصد التطور في كل مصطلح.</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>ج &#8211; مرحلة تأليف المعجم التاريخي للمصطلحات: وهو الثمرة الطبيعية للدراستين السابقتين: الوصفية والتاريخية.</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>د &#8211; مرحلة تكشيف المعجم كله تكشيفا تاما، يجعل الانتفاع بما فيه في غاية اليسر.</strong></span></p>
<p>وبهذا التكشيف تنتهي المرحلة الأخيرة من مراحل المشروع، ولا يبقى بعد ذلك إلا النشر الجيد له والتوزيع الجيد.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>خامسا: وسائل المشروع</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>1 &#8211; الوسيلة العلمية:</strong></span></p>
<p>والمقصود بها جمهرة الباحثين الذين ينجز بهم المشروع.</p>
<p>ومن شروط الباحث في المرحلة الأولى:</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>أ &#8211; الاختصاص في العلم الذي يسهم في جمع مصطلحاته المعرفة.</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>ب &#8211; الأمانة في الجمع والنقل.</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>ج &#8211; الضبط في التوثيق والمراجعة والتدقيق.</strong></span></p>
<p><span style="color: #000000;">ومن شروط الباحث في المرحلة الثانية:</span></p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>أ &#8211; الكفاءة المنهجية في الدراسة المصطلحية.</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>ب &#8211; الكفاءة في الصناعة المعجمية.</strong></span></p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>2 &#8211; الوسيلة المنهجية:</strong></span></p>
<p>منهج الدراسة المصطلحية بالمفهوم الخاص، وله خمسة أركان:</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>أ &#8211; الإحصاء:</strong> </span>&#8220;بالاستقراء التام لكل النصوص التي ورد بها المصطلح.</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>ب &#8211; الدراسة المعجمية:</strong> </span>بدراسة معنى المصطلح في المعاجم اللغوية والاصطلاحية.</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>ج &#8211; الدراسة النصية:</strong></span> بدراسة المصطلح وما يتصل به، في جميع النصوص التي أحصيت قبل، بهدف تعريفه، واستخلاص كل ما يسهم في تجلية مفهومه.</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>د &#8211; الدراسة المفهومية:</strong></span> بدراسة نتائج الدراسة النصية، وتصنيفها تصنيفا مفهوميا يجلي خلاصة التصور المستفاد لمفهوم المصطلح المدروس في المتن المدروس.</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>هـ &#8211; العرض المصطلحي:</strong> </span>ويقصد به الكيفية التي ينبغي أن تعرض وتحرر عليها خلاصة الدراسة المصطلحية للمصطلح ونتائجها. ويتضمن العناصر الكبرى التالية على الترتيب:</p>
<p>- التعريف/ الصفات/ العلاقات/ الضمائم/ المشتقات/ القضايا.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>3 &#8211; الوسيلة الإدارية:</strong></span></p>
<p>والمقصود بها جهاز التسيير والإشراف على المشروع جملة، ويمكن تصوره بإجمال هكذا:</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>أ &#8211; هيأة الإشراف:</strong></span> وهي الحاملة لهَمِّ المشروع، المستوعبة أكثر من غيرها لتصوره، الموجهة للعاملين فيه، الباحثة عما يلزم لتمويله، المتابعة له من أوله إلى آخره.</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>ب &#8211; لجن التنسيق:</strong> </span>وهي التي تتولى التنسيق بين جهود مجموعات البحث.</p>
<p><span style="color: #ff6600;"><strong>ج &#8211; مجموعات البحث:</strong></span> وهي التي تتولى مباشرةَ البحثِ في المعجم؛ باختيار الباحثين فيه، وتكوينهم، وتدريبهم، ومتابعتهم، بتنسيق مع لجن التنسيق، وإشراف من هيأة الإشراف.</p>
<p>هذا وفي الطريق عوائق.</p>
<p>وإن عظم الجزاء مع عظم البلاء. ومن سار على الدرب وصل.</p>
<p>والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>الدكتور مصطفى فوضيل</strong></em></span></p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>المدير التنفيذي</strong></em></span></p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>لمؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2016/11/%d9%85%d8%aa%d8%a7%d8%a8%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%ac%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae%d9%8a-%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>الـقـرآن ورمـضـان: هـدى وفـرقـان</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2014/07/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d9%80%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%82%d9%80%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%b1%d9%85%d9%80%d8%b6%d9%80%d8%a7%d9%86-%d9%87%d9%80%d8%af%d9%89/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2014/07/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d9%80%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%82%d9%80%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%b1%d9%85%d9%80%d8%b6%d9%80%d8%a7%d9%86-%d9%87%d9%80%d8%af%d9%89/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 03 Jul 2014 10:36:54 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 423-424]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الـقـرآن]]></category>
		<category><![CDATA[رمـضـان]]></category>
		<category><![CDATA[فـرقـان]]></category>
		<category><![CDATA[كتـاب الله]]></category>
		<category><![CDATA[هـدى]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6443</guid>
		<description><![CDATA[شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ اَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(البقرة : 185) وردت الآية في سياق الحديث عن كَتْبِ الصيام، للتنبيه [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #008080;"><strong>شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ اَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ</strong></span>(البقرة : 185)</p>
<p>وردت الآية في سياق الحديث عن كَتْبِ الصيام، للتنبيه على شرف زمن هذه العبادة المتفردة ومدتها وما ارتبط بشهرها من ذلك الحَدَث العظيم: حدث إنزال القرآن الكريم.</p>
<p>يقول الشيخ رشيد رضا رحمه الله تعالى: «هذه الآية مستأنفة لبيان تلك الأيام المعدودات التي كُتبت علينا وأنها أيام شهر رمضان، وأن الحكمة في تخصيص هذا الشهر بهذه العبادة هي أنه الشهر الذي أُنزل فيه القرآن، وأفيضت على البشر فيه هداية الرحمن، ببعثة محمد خاتم النبيين ، بالرسالة العامة للأنام، الدائمة إلى آخر الزمان.</p>
<p>والحكمة في ذكر الأيام وتعيينها بعد ذلك أن ذلك الإبهام الذي يُشْعِر بالقلة يُخَفِّفُ وقْع التكليف بالصيام الشاق على النفوس وهو الأصل&#8230; ثم إن هذا التعيين والبيان جاء بعد ذكر حكمة الصيام وفائدته وذكرِ الرُّخَص لمن يشُقُّ عليه، وذِكْرِ خيرية الصيام في نفسه واستحبابِ التطوع فيه، وكل ذلك مما يعد النفس لأن تتلقى بالقبول والرضى جَعْلَ تلك الأيام شهرا كاملا»اهـ.</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>من دلالات ومعاني الآية</strong></span></p>
<p>والآية الكريمة مكتنزة بالمعاني والمفاهيم والفوائد نقف عند بعضها كما يلي:</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>أولا-</strong></span>  التنبيه على شرف شهر رمضان؛ وأن ذلك هو بسبب إنزال القرآن فيه، وفي بعض الروايات ما يدل على أن هذا الشهر خُصَّ بنزول الوحي عموما؛ ففي الحديث الشريف: «أُنزِلَت صحُفُ إبراهيمَ أولَ ليلةٍ من رمضانَ، وأُنزلَت التوراةُ لسِتٍّ مَضَين من رمضانَ، وأُنزِلَ الإنجيلُ لثلاث عشرةَ ليلةً خلَتْ من رمضانَ، وأُنزلَ الزَّبورُ لثمان عشرةَ خلَتْ من رمضانَ، وأُنزِلَ القرآنُ لأربعٍ وعشرين خلَتْ من رمضانَ». والله أعلم بما وراء ذلك من الحكمة وهو سبحانه يفعل ما يشاء ويختار، وله الحكمة البالغة.</p>
<p>غير أن القرآن الكريم خُصّ بإنزاله في الليلة المباركة: ليلة القدر، التي من بركتها أنها خير من ألف شهر. إنا أنزلناه في ليلة مباركة، إنا كنا منذرين، فيها يفرق كل أمر حكيم (الدخان 3-4) وَهَذَا كِتَابٌ اَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون (الأنعام 155) فهي البركات المتنامية المتسامية  فلله الحمد رب السموات والأرض وتبارك الله رب العالمين.</p>
<p>يقول الشيخ رشيد رضا رحمه الله تعالى: «وأما معنى إنزال القرآن في رمضان مع أن المعروف باليقين أن القرآن نزل منجما متفرقا في مدة البعثة كلها فهو أن ابتداء نزوله كان في رمضان، وذلك في ليلة منه سميت ليلة القدر أي الشرف، و»الليلة المباركة» كما في آيات أخرى، وهذا المعنى ظاهر لا إشكال فيه، على أن لفظ القرآن يطلق على هذا الكتاب كله، ويطلق على بعضه»اهـ.</p>
<p>- التنبيه على شرف القرآن الكريم: وأن بهذا القرآن يَشْرُف الزمان، ويَشْرُف المكان ويَشْرُف الإنسان. وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون (الزخرف 43)، وكيف لا يكون كذلك وهو المنعوت بنعوت الجمال والكمال والجلال: فهو كريم، وحكيم، وعظيم، ومجيد، وعزيز، ومبارك، ونور&#8230;، تأمّل في هذه النعوت وتخيَّلْها متمثلة في حياة الناس كيف تكون ثمارها في النفس والمجتمع والحياة.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>ثانيا-</strong></span> التنبيه على خاصية من أعظم خصائص منهج لسان الإسلام وهي «البيان» والوضوح، «ومتى كان الشيءُ جَلِيّاً واضحاً ، حصل به الفرقُ» كما قال ابن عادل رحمه الله تعالى.</p>
<p>ويقول الزمخشري رحمه الله تعالى: قوله تعالى هُدًى لّلنَّاسِ وبينات نصب على الحال، أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق، وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحقّ والباطل» اهـ.</p>
<p>قال الله جل جلاله: وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون (القصص 51) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْاِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا&#8230; (الكهف 18) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.. (النحل 16).</p>
<p>تخَيّلْ مطارا كبيرا يخلو لدقائق معدودة من أية علامة أو أي مرشد، كيف سيكون حال المسافرين؟؟، وتخَيّلْ طريقا سيّارا طويلا على جنباته سبل كثيرة، كيف يكون حال السائرين فيه؟؟.</p>
<p>فما أعظم رحمة الرحمن الذي جعل آياته لصيقة بالناس في الأنفس وممتدة في الآفاق ومبثوثة في الأرض وفي السماء، ولا تزال الآيات الدقيقة تتكشف يوما بعد يوم: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (فصلت 41)</p>
<p>وقد أعجبني قول بعضهم في شرح لفظ «الآية» بأنها مشتقة من «أَيٍّ» بمعنى أنها هي التي تُبَيِّنُ أَيّاً مِنْ أَيٍّ.</p>
<p>ومن رحمة الله تعالى بالإنسان أن جعل له الأشياء متمايزة في ذاتها باختلاف أحجامها وأشكالها وأنواعها وأجناسها وألوانها وآثارها، فهذا التمايز والاختلاف هو الذي يتيح التجلي في كل واحد منها. ولذلك سماها الله تعالى «آيات» كما في قوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْاَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (الروم 22). وقوله عز وجل: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْاَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْاَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (البقرة 164).</p>
<p>ولعل في استعمال لفظ «الشهود» في رؤية الهلال، تنبيها على ما تحيل إليه آيات القرآن الكريم من الجمع بين شهود الأفئدة وشهود الحواس، ومن الربط بين العبادات ومظاهر الكون: فرؤية الهلال ورؤية الفجر والتدقيق في مشهد الغروب وغيرها كل ذلك دَمْجٌ للإنسان في قلب الآيات.</p>
<p>كما أن في لفظ الشهود ما يدل على اهتمام الإسلام بالعلم وأن هذا الدين علم، يقول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: «يريد –والله أعلم- من علم منكم بدخول الشهر، والعلم في ذلك ينقسم قسمين: أحدهما ضروري، والآخر غلبة الظن، فالضروري: أن يرى الإنسان الهلال بعينه – في جماعة كان أو وحده، أو يستفيض الخبر عنده حتى يبلغ إلى حد يوجب العلم، أو يتم شعبان ثلاثين يوما، فهذا كله يقين يعلم ضرورة، ولا يمكن للمرء أن يشكك في ذلك نفسه. وأما غلبة الظن: فأن يشهد بذلك شاهدان عدلان» اهـ.( التمهيد : 14/340 ) .</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>ثالثا-</strong></span> التنبيه على سنة من سنن الله تعالى في خلقه، وهي وجود الحق ووجود الباطل ووجود التدافع بينهما، والحاجة إلى الفرقان للتمييز بينهما. فإن الآية واضحة في أن الله تعالى جعل القرآن الكريم: هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان، وهذا يعني أن كثيرا من الناس كانوا في ضلال، فجاءهم الله تعالى بالهدى، كما يعني أن الناس في حاجة دائمة إلى هذا الهدى، وذلك بسبب طبيعة الابتلاء في هذه الحياة.</p>
<p>وقد تكرر لفظ الهدى في هذه الآية ثلاث مرات تنبيها على أنه من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان.</p>
<p>وقد جعل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم، بسبب ما فيه من البيان، هدىً يهتدي به الناس في الظلمات، ويميزون به بين الصواب والخطأ، وبين سبل السلام وسبل الهلاك، كما جعله فرقانا يفرقون به بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام وبين العدل والظلم. أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (الأنعام 122) يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (الأنفال 29) ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يوتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (الحديد 28).</p>
<p><span style="color: #0000ff;"><strong>مـسـتـفـادات</strong></span></p>
<p>ومما يمكن أن يستفاد من الآية التي هي موضوع المقال أيضا:</p>
<p>- أن الإقبال على تلاوة القرآن الكريم في شهر رمضان ينبغي أن يصحبه قصد استخلاص الهدى واكتساب الفرقان.</p>
<p>- أن الله تعالى جعل من مقاصد الصيام تحقيق التقوىياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. ثم إنه سبحانه وتعالى جعل القرآن الكريم هدى للمتقين.</p>
<p>وثمرة الكلام أنه بمقدار ما يتحقق من التقوى بالصيام، فإن المؤمن يزداد ارتقاء في درجات الهدى بالقرآن الكريم؛ فكأن الصيام مدرسة لإعداد قلب المؤمن حتى يتلقى هدايات القرآن الكريم.</p>
<p>ينقل الإمام البقاعي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية عن الحرالي رحمه الله تعالى قوله: «أَشْعَرَ –أي في الآية- أن في الصوم حسن تَلَقٍّ لمعناه –أي للقرآن- ويسراً لتلاوته، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار وتهجد الليل»اهـ.</p>
<p>ويقول الإمام الرازي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: «اعلم أنه تعالى لما خص هذا الشهر بهذه العبادة بَيَّن العلة لهذا التخصيص، وذلك هو أن الله سبحانه خصه بأعظم آيات الربوبية، وهو أنه أنزل فيه القرآن، فلا يبعد أيضا تخصيصه بنوع عظيم من آيات العبودية وهو الصوم، مما يحقق ذلك أن الأنوار الصمدية متجلية أبدا، يمتنع عليها الإخفاء والاحتجاب؛ إلا أن العلائق البشرية مانعة من ظهورها في الأرواح البشرية، والصوم أقوى الأسباب في إزالة العلائق البشرية»اهـ.</p>
<p>- جلب القلوب إلى محبة الله جل جلاله، فإنه سبحانه أطلعهم على مراده بهم. يقول الإمام القشيري رحمه الله تعالى : «أراد بك اليسر (وأنت تظن) أنه أراد بك العسر. ومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه (أقامه) بطلب اليسر؛ ولو لم يُرِدْ به اليسر لَمَا جعله راغباً في اليسر، قال قائلهم:</p>
<p>لو لم تُرِدْ نَيْلَ ما أرجو وأطلبهُ</p>
<p>من فيضِ جودِك ما علمتني الطلبا</p>
<p>حقَّق الرجاء وأكَّد الطمع وأوجب التحقيق حيث قال: وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْر لينفيَ عن حقيقة التخصيص مجوزاتِ الظنون» اهـ.</p>
<p>والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2014/07/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d9%80%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%82%d9%80%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%b1%d9%85%d9%80%d8%b6%d9%80%d8%a7%d9%86-%d9%87%d9%80%d8%af%d9%89/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مفهوم &#8220;التنمية&#8221;: توضيح وتنقيح 1 في ضوء القرآن الكريم والحديث الشريف</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2014/02/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%88%d8%b6%d9%8a%d8%ad-%d9%88%d8%aa%d9%86%d9%82%d9%8a%d8%ad-1-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%82/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2014/02/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%88%d8%b6%d9%8a%d8%ad-%d9%88%d8%aa%d9%86%d9%82%d9%8a%d8%ad-1-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%82/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 17 Feb 2014 13:27:46 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 414]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[développement]]></category>
		<category><![CDATA[التنمية]]></category>
		<category><![CDATA[الحديث الشريف]]></category>
		<category><![CDATA[توضيح وتنقيح]]></category>
		<category><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></category>
		<category><![CDATA[ضوء القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[مصطلح التنمية]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم "التنمية"]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=12134</guid>
		<description><![CDATA[مصطلح التنمية مصطلح حديث. وهو من المصطلحات الوافدة على الأمة، وأصله المترجم عنه هو: &#8221; développement&#8221;. ولا شك أن الأمة مدعوة للتساؤل عن أي وافد، من أجل التحقق من هويته. ولا يعني ذلك أبدا موقف الرفض من البداية. لأن المقصود هو التحقق من السلامة والنفع، فلا بأس حينئذ من الاستعمال، أو التحقق من الضرر فلابد [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>مصطلح التنمية مصطلح حديث. وهو من المصطلحات الوافدة على الأمة، وأصله المترجم عنه هو: &#8221; développement&#8221;. ولا شك أن الأمة مدعوة للتساؤل عن أي وافد، من أجل التحقق من هويته. ولا يعني ذلك أبدا موقف الرفض من البداية. لأن المقصود هو التحقق من السلامة والنفع، فلا بأس حينئذ من الاستعمال، أو التحقق من الضرر فلابد من المعالجة.<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>أولا- مفهوم التنمية في أصل نشأته :</strong></span> ولعل الأنسب أن نعرض لمفهوم المصطلح كما هو في أصل نشأته. ثم ننظر إليه في ضوء منظموتنا المفهومية التي ترتكز أساسا على الوحي. ذهب الدكتور عبد الله جاد إلى أن &#8220;مفهوم التنمية ظهر استجابة لظروف معينة بعد الحرب العالمية الثانية لاجتذاب الدول النامية كما أطلق عليها وقتها وللفت انتباهها عن الإغراء الشيوعي على حين قدمت المنظومة الاشتراكية مفهوم التقدم كمناظر لمفهوم التنمية&#8221; اهـ. ويعتبر د. محمد نصر عارف أن مفهوم التنمية برز بداية في علم الاقتصاد حيث استُخدم للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغييرات الجذرية في مجتمع معين؛ بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده..؛ عن طريق الترشيد المستمر لاستغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وحسن توزيع عائد ذلك الاستغلال. ثم انتقل مفهوم التنمية إلى حقل السياسة منذ ستينيات القرن العشرين؛ حيث ظهر كحقل منفرد يهتم بتطوير البلدان غير الأوربية تجاه الديمقراطية. وتُعَرَّف التـنمية السياسية: &#8220;بأنها عملية تغيير اجتماعي متعدد الجوانب، غايته الوصول إلى مستوى الدول الصناعية&#8221;، ويقصد بمستوى الدولة الصناعية إيجاد نظم تعددية على شاكلة النظم الأوربية تحقق النمو الاقتصادي والمشاركة الانتخابية والمنافسة السياسية، وترسخ مفاهيم الوطنية والسيادة والولاء للدولة القومية. ثم تطور مفهوم التنمية ليرتبط بالعديد من الحقول المعرفية. فأصبح هناك التنمية الثقافية التي تسعى لرفع مستوى الثقافة في المجتمع وترقية الإنسان، وكذلك التنمية الاجتماعية التي تهدف إلى تطوير التفاعلات المجتمعية بين أطراف المجتمع: الفرد، الجماعة، المؤسسات الاجتماعية المختلفة، المنظمات الأهلية. بالإضافة لذلك استحدث مفهوم التنمية البشرية الذي يهتم بدعم قدرات الفرد وقياس مستوى معيشته وتحسين أوضاعه في المجتمع&#8221;.اهـ فهذا هو المفهوم المتداول بصفة عامة لمصطلح التنمية. وسنحاول تناوله بما يبرز قيمته المفهومية وما ينبغي تقويمه به حتى ينسجم مع خصوصيتنا الحضارية:<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>ثانيا- ملاحظات :</strong></span><br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>1- فأول ما يلاحظ أن هذا المفهوم جاء في سياق تاريخي خاص</strong></span> شهد صعود الغرب وتمكنه من ثروات العالم، وهيمنته على شعوب ودول بأسرها، من خلال استعمار مباشر استمر سنوات طويلة. وقد بلغ تأثيره في تلك الدول بحيث أعاد ترتيب كل شيء فيها بما يضمن استمرار هيمنته في جميع المجالات كالتعليم والاقتصاد والسياسة والقضاء وغيرها. وعلى ذلك الأساس وضعت معايير لتقويم الدول ومدى تقدمها أو تخلفها، وعلى ذلك الأساس أيضا بدأت مقترحات مشاريع التـنمية، وظهرت معها مصطلحات منسجمة مع هذا السياق، كمصطلح الدول النامية، أو الدول في طريق النمو وغيرها. وقد سبق في التعريف قولهم: إن التنمية السياسية: &#8220;هي عملية تغيير اجتماعي متعدد الجوانب، غايته الوصول إلى مستوى الدول الصناعية&#8221;. أي أن الدول الصناعية الكبرى وضعت نفسها أنموذجا ينبغي احتذاؤه على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها. وبناء عليه فإن هذا التصور يتجاوز الرصيد التاريخي لدى الأمة المسلمة وهو غني بالتجارب والنصوص والأفكار المبدعة.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>2- أن انطلاق مفهوم التنمية من مجال الاقتصاد وامتداده</strong> </span>بعد ذلك إلى مجالات أخرى كالسياسة والثقافة والاجتماع وظهور مصطلحات أخرى بعده كالتنمية البشرية، والتـنمية الإنسانية، والتـنمية الاجتماعية والتـنمية الثقافية وغيرها، كل ذلك دال على قصور في المفهوم وأنه احتاج إلى زمن وجهود سعيا إلى مفهوم التـنمية الشاملة. ومن العجيب أن المؤرخين لمصطلح التـنمية البشرية يَنُصُّون على أنه تزامن مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948م.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>3- أن هذا المفهوم للتنمية يتمحور حول ما هو مادي في حياة الإنسان،</strong> </span>حتى وهو يمتد إلى مجالات الثقافة والاجتماع فإنه يطبعها بطابعه المادي. وهذا ليس مستغربا من فكر الغرب الذي عرف تحولات جذرية في فلسفته ونظرته إلى الوجود. وقد انتهى الغرب على اختلاف تياراته الفلسفية في العصر الحديث إلى نظرة مادية للوجود. يقول الدكتور محمد نصر عارف: &#8220;يركز مفهوم Development على البعد الدنيوي من خلال قياس النمو في المجتمعات بمؤشرات اقتصادية مادية في مجملها، حيث تقوم المجتمعات بالإنتاج الكمي، بصرف النظر عن أية غاية إنسانية، وتهتم بالنجاح التقني ولو كان مدمرًا للبيئة ولنسيج المجتمع، وتؤكد على التنظيم الاجتماعي ولو أدى إلى الاضطهاد للآخر/ الغريب&#8221;. اهـ. وهو أمر لا يمكن بحال أن ينسجم مع الرؤية الإسلامية التي ترتكز حول مفهوم الغيب والإيمان والأخلاق وغيرها من المبادئ كما سنرى.<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>4- أن الهدف المعلن في تعريفهم للتنمية:</strong> </span>وهو &#8220;إكساب المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده&#8221;. هو هدف صالح واضح الصلاح. ولكن الغموض كامن في الوسيلة التي هي: &#8220;عملية إحداث مجموعة من التغييرات الجذرية في مجتمع معين&#8221;. فما مضمون هذه التغييرات وبناء على أية رؤية يتم التغيير، ومن الذي سيمارس هذا التغيير، وهل هو تغيير يتم باستقلال من الذات أم أنه خاضع لعدد من تأثيرات الآخر. فهذا أهم ما أمكنني تسجيله على مفهوم التنمية كما هو في قاموسهم. وغرضي بعد هذا أن ننظر في هذا المفهوم مستلهما من النصوص الشرعية ما يقوم اعوجاجه أو ينبه على بعض محاسنه.<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>ثالثا- مقارنات :</strong> </span>فلا شك أن تحديد الهدف في &#8220;إكساب المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده&#8221;. هو هدف لا يمكن رفضه؛ وذلك لأنه يحقق مصلحتين كبيرتين:<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>1- الوصول بالمجتمع إلى مستوى القدرة على التطور الذاتي المستمر.</strong></span><br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>2- العناية بتحسين نوعية الحياة لكل أفراد المجتمع</strong></span>. وإن نظرة مقارنة إلى البعثة النبوية مع ما قبلها وخصوصا بعد الهجرة إلى المدينة المنورة تكشف عن إرادة واضحة في الارتقاء بالمجتمع، فإن من أهم ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته أن آخى بين المهاجرين والأنصار، ورتب على تلك المؤاخاة حقوقا. استوعبها المهاجرون بتلقائية. روى البخاري أن عبد الرحمَنِ بن عَوفٍ قدِمَ المدينَةَ، فآخَى النبي صلى الله عليه وسلم بينَهُ وبينَ سعدِ بنِ الرَّبيعِ الأنْصاريِّ فعرَضَ عليهِ أنْ يُناصِفَهُ أهلَهُ ومالَهُ، فقال: عبدُ الرحمَنِ بارَكَ اللَّهُ لك في أهلِكَ ومالكَ دُلَّني علَى السُّوقِ، فرَبِحَ شَي<br />
ئًا من أَقِطٍ وسَمْنٍ، فرآهُ النبي صلى الله عليه وسلم بعدَ أيامٍ وعليهِ وضَرٌ من صُفْرَةٍ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : (مَهيَم يا عبدَ الرحمَنِ). قال: يا رسولَ اللهِ، تزوجتُ امرأةً من الأنصارِ، قال: (فما سُقْتَ فيها). فقال: وزنَ نَواةٍ من ذهبٍ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : (أولِم ولو بشاةٍ)&#8221;. فهذا مظهر من مظاهر هذا المجتمع الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفجر فيه طاقاته الأخلاقية والإبداعية، وغرس فيه روح المبادرة والجرأة في اقتحام الحياة.<br />
ونقف هاهنا أمام هذا الحدث لنستخلص منه ما يلي:<br />
<span style="color: #ff00ff;"><strong>1- أن ذلك المجتمع تحقق فيه قدر كبير من التوازن الخلقي والنفسي؛</strong> </span>وبذلك تتهيأ البيئة الصالحة لحياة الأخلاق واستمرارها. فأنت تلاحظ أن خلق الجود المتحقق في سعد بن الربيع رضي الله عنه، قابله خلق العفة في عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. وقد أدى به هذا الخلق الذي تسنده همة عالية إلى البحث عن حل مستقل كان هو السوق. وهكذا تعيش الأخلاق في المجتمع ويظهر تأثيرها في الحياة.<br />
<strong><span style="color: #ff00ff;">2- أن الخلق يكون سببا ليس فقط في معالجة الفقر والأزمة،</span> </strong>بل يكون سببا في إيجاد قوة منتجة فاعلة في المجتمع. وبعد هذه الملحوظة العامة عن مفهوم التنمية في جانبه الإيجابي وما للإسلام فيه من اهتمام مباشر وحضور قوي واضح. ننتقل إلى رصد أهم العناصر الداخلة في مفهوم التنمية انطلاقا من الرؤية الإسلامية، وهذا ما سنتطرق إليه في العدد القادم بحول الله تعالى.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د. مصطفى فوضيل</strong></em></span><br />
-يتبع-</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2014/02/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%88%d8%b6%d9%8a%d8%ad-%d9%88%d8%aa%d9%86%d9%82%d9%8a%d8%ad-1-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مع كتاب الله عز وجل &#8211; العلم بالله أولاً:الثمرة الأولى للغيث الأول</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2013/12/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d8%b2-%d9%88%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%a3%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%8b%d8%a7/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2013/12/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d8%b2-%d9%88%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%a3%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%8b%d8%a7/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 04 Dec 2013 09:04:09 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 409]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[الثمرة الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[العلم بالله أولاً]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم]]></category>
		<category><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></category>
		<category><![CDATA[رسالة نبينا محمد]]></category>
		<category><![CDATA[عهد العلم]]></category>
		<category><![CDATA[للغيث الأول]]></category>
		<category><![CDATA[مع كتاب الله عز وجل]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=12363</guid>
		<description><![CDATA[تعيش الأمة المسلمة اليوم مرحلة تاريخية حرجة جدا، وربما تكون أحرج مرحلة في تاريخها على الإطلاق؛ فلقد بلغ بها الضعف مبلغه، وانهارت عزائهما، وتناثرت آراؤها، فتداولتها المخاطرُ من كل صوب، وتداعى عليها الأكلة من كل جانب، فأحاطوا بها وأقبلوا عليها بالنهب والنهش؛ فغَدَت جراحها غائرة متمادية، وتوالى النزيف دفاقا منذرا بالفناء، وفي خضم هذا الهول [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>تعيش الأمة المسلمة اليوم مرحلة تاريخية حرجة جدا، وربما تكون أحرج مرحلة في تاريخها على الإطلاق؛ فلقد بلغ بها الضعف مبلغه، وانهارت عزائهما، وتناثرت آراؤها، فتداولتها المخاطرُ من كل صوب، وتداعى عليها الأكلة من كل جانب، فأحاطوا بها وأقبلوا عليها بالنهب والنهش؛ فغَدَت جراحها غائرة متمادية، وتوالى النزيف دفاقا منذرا بالفناء، وفي خضم هذا الهول المروع قام الدعاة والمصلحون يُحذِّرون ويُنذِرُون، وينادون الناس إلى سفينة النجاة، فبُحَّت حناجرهم من شدة النداء والصراخ، وتقطعت أكبادهم حزَنا على شدة الغفلة في أبناء الأمة وعمقها وسعة انتشارها فيهم شبابا وشيبا، رجالا ونساء، رؤوسا وأتباعا. فجزى الله تعالى أولئك الأبرار الذي شَرُفوا بوراثة خير الوظائف من خيار الخلق وهم الأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام. لقد بدأ صنع ذلك النبي الأمي الكريم بالوحي، في غار حراء على يد جبريل عليه السلام، بعد أن غطه حتى بلغ منه الجَهْد، وفعل به ذلك ثلاثا حتى يُخْلِيَه من أي شيء يشغله عن التلقي الخالص التامّ، وحتى يَشُدَّ انتباهَه إلى ما يُلقَى إليه. حتى إذا فَرَغ الملَكُ الكريم من الإلقاء رسخت الآيات الطيبات في قلبه، ((فرجع بهن يرجف فؤاده)) كما تقول بنت الصديق أم المؤمنين رضي الله عنها في حديث بدء الوحي(1). وكان ذلك حدا فاصلا بين مرحلتين كبيرتين في حياته صلى الله عليه وسلم : {وكذلك أوحينا إليك روحا من امرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}(الشورى : 52). وكان أيضا للبشرية جمعاء حدا فارقا بين عهد الجاهلية والضلال وعهد العلم والإسلام.</p>
<p>وقد ذكر الله تعالى في عدة مواضع من القرآن أن هذا الكتاب جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وكفى بهذه نعمة ومنفعة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. إن الأمة اليوم -في ظل هيمنة الكفر، وطغيان الهوى، وغلبة الفساد، وانتشار الجهل، وغربة العلم والإيمان- تحتاج أشد ما تحتاج إلى من يمد إليها حبل النجاة، ويمدها بمفتاح الخروج من الظلمات إلى النور، ومن الغمة إلى السرور. ولا يتصور ذلك إلا بهذا الكتاب المشتمل على العلم الحق، والهداية الشاملة، والحل الكافي، والدواء الشافي، والخير الكثير، والنفع العميم. قال الله عز وجل: {الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد}(إبراهيم : 1). وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِه))(2). وبذلك استقر عند الأمة أن أمرها مؤسس على العلم؛ يقول محمد بن سيرين: ((إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ))(3). إن القرآن الكريم هو العلم ومصدر العلم وخزان العلوم؛ ذلك بأنه كلام الله، النازل بعلم الله، {فَإِن لمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ انتُمْ مُسْلِمُونَ}(هود : 224). ولا شك أن أشرف العلم هو العلم بالله عز وجل، ولذلك بدأ الله تعالى به في أول ما أنزل من القرآن. فقال عز من قائل: {اقرأ بسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم}(العلق : 1- 5).</p>
<p>ويمكن تقسيم الكلام في تأمل هذه الحقيقة العظيمة من خلال تلك الآيات الكريمة كما يلي:<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>1- أن الأمر في هذه المرحلة من الوحي لم يتجه إلى جهة التكليف</strong></span> بأي صورة من صوره العملية التطبيقية كالصلاة مثلا في مجال العبادات، وكالإشهاد في مجال المعاملات، وكجلد الزاني في مجال الحدود. وإنما اتجه الأمر إلى جهة التعرُّف والتعريف، وجاءت الآيات منبهة على أن السبيل المباشر إلى التعرُّف هو القراءة، ثم أكدت ذلك بأن قدمت أول نص مقروء متمحض للتعريف بالله عز وجل.<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>2- أن الأعمال والتكاليف إنما تكون حقيقتها في الواقع</strong></span> بحسب ما يحمله الإنسان القائم بها في كيانه الداخلي. وخلاصة هذا المحمول هو ما عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((&#8230;ألا وإن في الجسدِ مُضغَةً، إذا صلَحَتْ صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ &#8230;))(4).<br />
فالقلب هو موطن العلم وموطن النية وموطن الإرادة وموطن العزيمة، وموطن القدرة، أي هو مخزن الطاقة الدافعة للجسد كله تبعا للمجالات التي يتحرك ضمنها في الخارج. وهذا يعني أن أي إشكال في ما يُرَى من الأعمال إنما مرجعه إلى ما لا يُرَى من الأحوال. ولمَّا كان العلمُ هو من أشرف ما يختص به القلب، وكان أشرف العلم ما تعلق بالله عز وجل، فلا شك أنه كان هو الأولى بأن يكون به البدء والافتتاح.<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>3- أن تخصيص هذا المخلوق الذي هو الإنسان بالعلم والتعليم،</strong></span> بعد ذكر مجمل الخلق: {..الذي خلق، خلق الإنسان&#8230; علَّم الإنسان..}، يدل على أن العلم هو من أهم ما يميز هذا المخلوق عن غيره من المخلوقات. غير أن العلم الذي يرقى بهذا المخلوق إلى أعلى المراتب إنما هو العلم الأعلى النازل من رفيع الدرجات ذي العرش جل جلاله، وذلك في حال كونه نصا، أو هو الموصول بذلك العلم في حال كونه استنباطا وفهما وفكرا. ومن هنا يمكننا أن ندرك بعض السر في تقديم تعليم القرآن على خلق الإنسان في سورة الرحمن، مع أن خلق الإنسان سابق، وذلك لتنبيه اللبيب على أن وجوده الحقيقي إنما يكون بهذا القرآن؛ فكما أن الله تعالى هيأ له الكون المنظور قبل خلقه لتتم له أسباب المعاش، كذلك وضع له الكتاب المقروء قبل إيجاده لتتم له الهداية إلى أحسن المناهج، كما قال عز وجل: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}(الإسراء : 9). وفي هذا المقام يقول الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى: &#8220;ابْتَدَأَ بتعليم القرآن، ثم بخلق الإنسان، ثم بتعليم البيان، ولم يُدخِل الواوَ فيما بينها. وكان الوجه على متعارف الناس أن يقول: خلق الإنسان، وعلمه البيان، وعلمه القرآن. فإن إيجاد الإنسان بحسب نظرنا مقدم على تعليمه البيان، وتعليم البيان مقدم على تعليم القرآن، ولكن لما لم يُعَدَّ الإنسانُ إنساناً ما لم يتخصص بالقرآن، ابتدأ بالقرآن، ثم قال: {خلق الإنسان} تنبيها على أن البيان الحقيقي المختص بالإنسان يحصل بعد معرفة القرآن. فنبه -بهذا الترتيب المخصوص، وترك حرف العطف منه، وجعل كل جملة بدلا مما قبلها لا عطفا- على أن الإنسان ما لم يكن عارفا برسوم العبادة ومتخصصا بها لا يكون إنسانا، وأن كلامه ما لم يكن على مقتضى الشرع لا يكون بيانا&#8221;(5).<br />
<span style="color: #0000ff;"><strong>4- أنه لما كانت طبيعة رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم</strong> </span>عالمية في توجهها، مستوعبة -بِشِرْعَتِها ومنهاجها- للزمان والمكان والإنسان إلى قيام الساعة، فلا شك أن البدء بالتعريف بالرّبِّ عز وجل يعني أن تلك الرسالة جاءت لترد جميع العباد إلى خالقهم بعد أن اجتالتهم الشياطين عن دينهم وفطرتهم وحنيفيتهم. فقوله تعالى: {ربك الذي خلق} يفيد أن أي مخلوق فالله تعالى هو ربُّه لأنه هو الذي خلقه، فهو ربُّ محمدٍّ صلى الله عليه وسلم وربُّ كل مخلوق. ثم نُصَّ على خلق الإنسان تنبيها على قيمته بين سائر المخلوقات وأنه كيفما كان شكله أو جنسه أو مكانه أو زمانه أو لونه أو لسانه مطالب بملاحظة ذلك الموقع المتميز في ساحة المخلوقات، ومعنى ذلك أنه هو الأولى بالشعور بعلاقة الربوبية التي تربطه بالله عز وجل. فهو مربوب له بما أنعم عليه من نعمة الخلق أولاً، ثم بما أفاض عليه من النعم التي لا تحصى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق؟، أفلا تذكرون؟ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الله غفور رحيم}(النحل : 17- 18).</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>د.مصطفى فوضيل</strong></em></span><br />
&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;<br />
1 &#8211; رواه البخاري وغيره<br />
2 &#8211; أخرجه البخاري في كتاب العلم.<br />
3- رواه عنه مسلم في المقدمة، باب بيان أن الإسناد من الدين..؛ والدارمي في المقدمة، باب في الحديث عن الثقات. والعلم هنا كما ترى يقصد به علم الحديث، ولكن قول ابن سيرين يصح في كل علوم الشرع.<br />
4 &#8211; رواه البخاري.<br />
5 &#8211; تفصيل النشأتين ص 150- 151.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2013/12/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d8%b2-%d9%88%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%a3%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%8b%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مفهوم الأسرة في ضوء القرآن الكريم والحديث الشريف</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2013/11/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2013/11/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 02 Nov 2013 11:39:17 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 407]]></category>
		<category><![CDATA[لغة و آداب]]></category>
		<category><![CDATA[مصطفى فوضيل]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم الأسرة]]></category>
		<category><![CDATA[مفهوم الأسرة في ضوء القرآن الكريم والحديث الشريف]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=8801</guid>
		<description><![CDATA[&#160; د. مصطفى فوضيل &#160; مفهوم الأسرة في اللغة: تدور مادة أسر وما يشتق منها على التحصن والربط والاشتراك والقوة. وعلى هذا قالوا: - الأسرة: الدرع الحصينة. (المعجم الوسيط/ أسر) - وقال أبو عبيد: أُسْرَة الرجل: عشيرته الأدنون. (تهذيب اللغة/ أسر). - وعلل الزبيدي: الرَّهْطُ الأدْنَوْنَ وعَشِيرَتُه لأنَّه يتقوَّى بهم كما قاله الجوهريُّ. أسرة الرجل: [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #ff0000;">د. مصطفى فوضيل</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>مفهوم الأسرة في اللغة</strong><strong>:</strong></p>
<p>تدور مادة أسر وما يشتق منها على التحصن والربط والاشتراك والقوة. وعلى هذا قالوا:</p>
<p>- الأسرة: الدرع الحصينة. (المعجم الوسيط/ أسر)</p>
<p>- وقال أبو عبيد: أُسْرَة الرجل: عشيرته الأدنون. (تهذيب اللغة/ أسر).</p>
<p>- وعلل الزبيدي: الرَّهْطُ الأدْنَوْنَ وعَشِيرَتُه لأنَّه يتقوَّى بهم كما قاله الجوهريُّ. أسرة الرجل: قومه الذي يتقوى بهم، من الأسر: القوة. (تاج العروس/ أسر: وجامع الأصول في أحاديث الرسول 3 / 547).</p>
<p>- والأسرة: الجماعة يربطها أمر مشترك. (المعجم الوسيط/ أسر).</p>
<p>- والإِسارُ الْقَيْدُ ويكون حَبْلَ الكِتافِ، ومنه سمي الأَسير، لأَن آخذه يستوثق منه بالإِسار وهو القِدُّ لئلا يُفلِتَ. ثم سُمي كُلُّ أَخِيذٍ أَسِيراً وإن لم يشدّ به. (لسان العرب/ أسر)</p>
<p>- وجاءَ القوم بأَسْرِهم قال أَبو بكر معناه جاؤُوا بجميعهم وخَلْقِهم. (لسان العرب/ أسر)</p>
<p>هذه خلاصة الدلالة المعجمية اللغوية لهذه المادة. ومن أهم ما يلاحظ بعد النظر في دلالة لفظ الأسرة في المعاجم ما يلي:</p>
<p>1- إضافتها إلى الرجل. حتى قال أبو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ: الأُسْرَةُ بالضّمّ: أقاربُ الرِّجلِ من قِبَلِ أبيه.</p>
<p>2- أن عددا من المعاجم تعرف الأسرة في سياق من تعاطف الألفاظ وخصوصا &#8220;الأهل&#8221; و&#8221;الرهط&#8221; والعشيرة&#8221;، فيقولون: &#8220;الأسرة: أهل الرجل وعشيرته&#8221;. ويقولون: &#8220;أسرة الرجل: عشيرتُه ورهطُه الأدنون؛ لأنّه يتقوّى بهم&#8221; (لسان العرب/ أسر) والأُسْرَةُ: عشيرة الرجل وأَهل بيته&#8221;.(لسان العرب/ أسر)</p>
<p>3- تعليل هذه الإضافة بالتقوّي. وقد فسر الغزي الأسرة بأنها الجماعة القوية. (حاشية الصبان على شرح الأشمونى لألفية ابن مالك).</p>
<p>ومما يؤيد هذا المعنى أن الأَسْر شِدَّة الخَلْقِ، ورجل مأْسور ومأْطور: شديدُ عَقْد المفاصِل والأَوصال. وفي التنزيل {نحن خلقناهم وشددنا أَسْرَهم} أَي شددنا خَلْقهم. (لسان العرب/ أسر)</p>
<p>4- الاشتراك القائم على الارتباط.</p>
<p>والعرب تطلق لفظ الأسرة للدلالة على قدر من التجمع البشري، إذ المستويات متعددة من عدة وجوه.</p>
<p>ينقل ابن حجر رحمه الله تعالى عن الزبير بن بكار في كتاب النسب التقسيمات الآتية: &#8220;قبيلة، ثم عِمارة بكسر العين، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة.</p>
<p>قال: &#8220;وزاد غيره قبل الشعب الجذم وبعد الفصيلة العشيرة.</p>
<p>ومنهم من زاد بعد العشيرة الأسرة ثم العترة.</p>
<p>فمثال الجذم عدنان ومثال الشعب مضر ومثال القبيلة كنانة ومثال العمارة قريش وأمثلة ما دون ذلك لا تخفى.</p>
<p>ثم قال: ويقع في عباراتهم أشياء مرادفة لما تقدم كقولهم: حي وبيت وعقيلة وأرومة وجرثومة ورهط وغير ذلك. ورتبها محمد بن أسعد النسابة المعروف بالحراني جميعها وأردفها فقال: جذم ثم جمهور ثم شعب ثم قبيلة ثم عمارة ثم بطن ثم فخذ ثم عشيرة ثم فصيلة ثم رهط ثم أسرة ثم عترة ثم ذرية. وزاد غيره في أثنائها ثلاثةً وهي: بيت وحي وجماعة&#8221;. (فتح الباري 6 / 528).</p>
<p>فعلى هذا الترتيب الذي ينساب من الأعلى إلى الأدنى ومن الأكثر إلى الأقل في مستوى التجمع، ويضع الأسرة في الأواخر، يمكن الاقتراب من مفهوم هذه الوحدة البشرية السائدة في الأذهان عن الأسرة اليوم.</p>
<p>ومما يدل على هذا المعنى ما قاله صاحب البصائر والذخائر: &#8220;وفلان ذو أسرة كريمة أي أهل بيت، كأن أسرة الرجل ما هو مأسور به، أي مشدود به، لأن الرحم والقرابة يضمان على الإنسان ويشدانه، والأسر: الشد، ومن أجله قيل للأسير أسير لأنه مأسور، أي مشدود بالإسار، أي بالقد، واستأسر فلان: أي انقاد حتى شد، واستأسر فلان فلاناً أي أخذه أسيراً&#8221;. (البصائر والذخائر 1 / 80).</p>
<p>دلالة المفهوم في ضوء القرآن الكريم والحديث الشريف:</p>
<p>الواقع أن مصطلح الأسرة بالمفهوم المتداول حاليا، مصطلح معاصر، فالدلالة المعجمية لم تنص عليه بشكل صريح محدد، بل مر بنا إنها تمتد إلى العشيرة الذين يتقوى بهم. ولعل السبب في ذلك هو أن طبيعة العلاقات البشرية في أصلها الكوني الخِلقي الفطري، تستعصي على التقليص في رجل وامرأة وأبنائهما.</p>
<p>فإذا تجاوزنا اللغة إلى النص الشرعي، فإن لفظ الأسرة لم يرد في القرآن الكريم، ولا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقصى ما ورد منه هو إشارة في حديث عن مَعْمَرٍ يحكي فيه قصة رَجُل وَامْرَأَة مِنْ الْيَهُودِ زَنَيا.. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد كلام: &#8220;.. فَمَا أَوَّلُ مَا ارْتَخَصْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ قَالَ زَنَى ذُو قَرَابَةٍ مِنْ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِنَا فَأَخَّرَ عَنْهُ الرَّجْمَ ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ فِي أُسْرَةٍ مِنْ النَّاسِ فَأَرَادَ رَجْمَهُ &#8230; الحديث.</p>
<p>ولفظ الأسرة في هذا الحديث كما ترى ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من لفظ اليهودي الراوي للقصة.</p>
<p>وقد صنف صاحب معجم المكنز مصطلح الأسرة ضمن المصطلحات المعاصرة ثم قال: الأسرة جماعة يربطها أمر مشترك، أسرة عمل، رب الأسرة: عائلها.</p>
<p>وبالغ آخرون من المهتمين بالتصحيح اللغوي فاعتبروه خطأ، وقالوا: &#8220;الصحيح: البيت، وأهل البيت .وفي &#8220;اللّسان&#8221;: أسرة الرجل: عشيرته ورهطه الأدنون؛ لأنّه يتقوّى بهم&#8221;.(جمع بأسماء كتب التصحيح اللغوي).</p>
<p>يقول الدكتور سيد محمد ضفار: &#8220;لا نجد في القرآن أو الحديث مصطلحا يعادل تماما كلمة &#8220;الأسرة&#8221; ولكن نستطيع استعمال كلمة &#8220;الأهل&#8221; المستعمل فيهما على أنه الأسرة، وتعني كلمة &#8220;أهل&#8221; حرفيا سكان بيت أو مسكن أو قرية، أو قطر كما تعني كلمة أسرة الرجل، الساكنين مع الرجل في مسكن أو مكان واحد&#8221;. (انظر فقه الأسرة المسلمة في المهاجر/ د. محمد الكدي العمراني 1/ 170).</p>
<p>وهذا اللفظ القرآني يمكن اعتباره جسرا نمر من خلاله إلى لفظ الأسرة لتحديد مفهومه في الإسلام.</p>
<p>مصطلحات دالة على مفهوم الأسرة في القرآن الكريم والحديث الشريف:</p>
<p>وقبل المرور إلى تناول لفظ الأهل وصلته بلفظ الأسرة، نشير إلى لفظ مهم جدا وهو لفظ البيت، فقد ورد في عدة نصوص، مجردا ومضافا، ومن أهم النصوص الواردة في هذا المقام، قوله صلى الله عليه وسلم: &#8220;كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا&#8230; حتى قال: &#8220;وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ&#8221;. فعمم المسؤولية بداية وانتهاء حتى تشمل سائر التجمعات البشرية.</p>
<p>وفي تعريف الأهل يقول الراغب رحمه الله تعالى: &#8220;أهل الرجل: من يجمعه وإياهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد، وأهل الرجل في الأصل: من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تُجُوِّز به فقيل: أهل الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب، وتعورف في أسرة النبي عليه الصلاة والسلام مطلقا إذا قيل: أهل البيت لقوله عز وجل: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت}(الأحزاب :33رضي الله عنه، وعبر بأهل الرجل عن امرأته. وأهل الإسلام: من يجمعهم.</p>
<p>وقول الراغب :أهل الرجل في الأصل: من يجمعه وإياهم مسكن واحد: يؤيده ما نقله ابن فارس عن الخليل: أهْل الرّجُل أخصُّ النّاسِ به.</p>
<p>وقال ابن عاشور: &#8220;والأهل: الفريق الذين لهم مزيد اختصاص بما يضاف إليه اللفظ، فمنه أهل الرجل عشيرته، وأهل البلد المستوطنون به، وأهل الكرم المتصفون به&#8221;. وقال في موضع آخر: &#8220;ويكنى عن الزوجة بالأهل. وفي الحديث &#8220;والله ما علمت على أهلي إلا خيرا&#8221; . والأهل: العشيرة من زوجة وأبناء وقرابة.</p>
<p>ولم أجد في ما اطلعت عليه من المعاجم من وقف عند الأصل الحسي، للفظ الأهل، غير ابن فارس حيث قال: وكلُّ شيءٍ من الدوابّ وغيرها إذا ألف مكاناً فهو آهِلٌ وأهْلِيٌّ. وفي الحديث: &#8220;نهى عن لُحوم الحُمُر(8) الأهليّة&#8221;. وقريب منه قول ابن العربي: &#8220;َأَصْلُ الْأَهْلِ الِاجْتِمَاعُ ، يُقَالُ مَكَانٌ آهِلٌ إذَا كَانَ فِيهِ جَمَاعَةٌ&#8221;. (أحكام القرآن لابن العربي).</p>
<p>ومن المصادر التي اهتمت بتعريف لفظ الأسرة مع مراعاة الدلالة الشرعية، الموسوعة الفقهية الكويتية، فقد ورد فيها قولهم: &#8220;لَفْظُ الأُْسْرَةِ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، كَذَلِكَ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ الْفُقَهَاءُ فِي عِبَارَاتِهِمْ فِيمَا نَعْلَمُ . وَالْمُتَعَارَفُ عَلَيْهِ الآنَ إِطْلاَقُ لَفْظِ (الأُْسْرَةِ) عَلَى الرَّجُل وَمَنْ يَعُولُهُمْ مِنْ زَوْجِهِ وَأُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ . وَهَذَا الْمَعْنَى يُعَبِّرُ عَنْهُ الْفُقَهَاءُ قَدِيمًا بِأَلْفَاظٍ مِنْهَا : الآل، وَالأهْل، وَالْعِيَال. (4 / 223)</p>
<p>وتجاوز الشيخ عبد الحميد السائح مسألة الورود أو عدم الورود في النصوص الشرعية، منطلقا من الدلالة اللغوية والبدهية للفظ الأسرة فقال: &#8220;الأسرة هي النظام الاجتماعي الذي ينشأ عنه أول خلية اجتماعية تبدأ بالزوجين وتمتد حتى تشمل الأبناء والبنات والآباء والأمهات والإخوة والأخوات، والأقارب جميعا&#8221;. (الإسلام وتنظيم الأسرة نقلا عن المرجع السابق 1/ 171).</p>
<p>وبالنظر في دلالة لفظ الأسرة والأهل وما أشبه في اللغة وفي نصوص القرآن الكريم التي لها علاقة بالمفهوم، وتعريفات الفقهاء، فإنه يمكن الخلوص إلى التعريف الآتي:</p>
<p>الأسرة: &#8221; الرجل وأهله الذين يعولهم ويجمعه وإياهم مسكن واحد، وهم في الأصل زوجه وأولاده، ثم من يرتبط به أو يمتد إليه بالنسب من الأصول أوالفروع&#8221;.</p>
<p>وقد روعي في هذا التعريف ما يلي:</p>
<p>1- أن استعمال لفظ الأهل في التعريف يؤكد مفهوم السكن الوارد في قوله تعالى {هوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (الأعراف 189) ، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم21). وبه نفهم أيضا الضميمة المصطلحة: &#8220;أهل البيت&#8221;. حيث يجتمع السكن المادي والمعنوي.</p>
<p>وهاهنا ملحظان مهمان:</p>
<p>- ملحظ الخصوصية التي تتميز بها الأسرة. وقد يكون هذا هو السبب في مصطلح &#8220;الأحوال الشخصية&#8221;.</p>
<p>- ملحظ الود والألفة والعاطفة والحب الذي يجمع بين أفراد الأسرة.</p>
<p>وهذان الملحظان يدلان على القيمة الدلالية للفظ الأهل.</p>
<p>ولك أن تقارن بين هذا المعنى والتعريف الماركسي مثلا للأسرة بأنه &#8220;مجموعة من الأشخاص يكونون وحدة اقتصادية ويجمعهم مسكن واحد&#8221;. (محمد سند العكايلة، اضطرابات الوسط الأسري وعلاقتها بجنوح الأحداث، الطبعة الأولى،دار الثقافة، عمان، 2006 ص71).</p>
<p>أو تقارنه بتعريف ميردوك الذي يقول: الأســـرة هي (جماعة اجتماعية تتميز بمكان إقامة مشترك وتعاون اقتصادي ووظيفة تكاثرية ويوجد بين اثنين من أعضائها على الأقل علاقة جنسية يعترف بها المجتمع، وتتكون الأسرة على الأقل من ذكر بالغ وأنثى بالغة وطفل سواء أكان من نسلها أم عن طريق التبني) (عاطف وصفي، الأنثروبولوجيا الثقافية، الطبعة الأولى، بيروت، دار النهضة العربية ص165)</p>
<p>2- أن الأصل في تكوين أي أسرة، هو العلاقة بين رجل وامرأة، وهذا قطعي في الشريعة، وبه يخرج كل شكل من أشكال الأسرة مما يمثل شذوذا عن الفطرة، ومصادمة للشريعة. وسيأتي الكلام عن بعض تلك الأشكال في الفكر الغربي، وفي بعض الحضارات. قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ}(الروم : 22). وتأمل كيف تكلم عن الأسرة الخاصة والأسرة الكونية، وكيف توسط ذكر خلق السماوات والأرض، للتنبيه على موقع الإنسان فردا وجماعة في النسق الكوني.</p>
<p>3- أن هذا الأصل مبني على قاعدة كونية، وهي قاعدة الزوجية التي تتجلى في كل شيء، قال الله تعالى {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (الذاريات : 49). فالخروج عن هذه القاعدة خروج عن النسق الكوني.</p>
<p>{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} (الأنبياء : 72). {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}(النساء : 1). وهذه الآيات وغيرها كثير ترسم لنا مشهدا عظيما لأسرة كبيرة ممتدة في الزمان وفي المكان.</p>
<p>4- أن لفظ الزواج يقيد العلاقة بين الرجل والمرأة بقيد الشرع، وحينئذ لا ينظر فيه فقط إلى أصل الحل والحرمة في العلاقة، ولكن ينظر فيه أيضا إلى ما يترتب على الخضوع للشريعة من حقوق وواجبات، تتعلق بكل فرد من أفراد الأسرة أبا وأما وابنا وأختا بل حتى من العبيد على فرض وجود عبيد الآن. وأذكر في هذا المقام وقفة لطيفة من الطاهر بن عاشور عند قوله تعالى {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} والأهل هنا بمعنى السادة المالكين، وهو إطلاق شائع على سادة العبيد في كلام الإسلام، وأحسب أنه من مصطلحات القرآن تلطفا بالعبيد، كما وقع النهي أن يقول العبد لسيده: سيدي، بل يقول : مولاي.</p>
<p>يقول الراغب: &#8220;ولما كانت الشريعة حكمت برفع حكم النسب في كثير من الأحكام بين المسلم والكافر قال تعالى: {إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح}(هود : 46)، وقال تعالى: {وأهلك إلا من سبق عليه القول}(هود: 40).</p>
<p>5- أن الأسرة بهذا المفهوم المستند في التعالق بين الأصول والفروع إلى الشريعة، وبناء على الدلالة المعجمية اللغوية التي سبق بيانها، تستعصي على التطور المذموم في اتجاه التقلص، كما حدث في الغرب، حيث تقلصت العلاقات الاجتماعية في في أعنف وجوهها إلى ما يعرف بالأسرة النووية.</p>
<p>6- أن الارتباط والامتداد من النواة التي هي الزوج والزوجة، إلى ذوي الأرحام والأقارب، تفرضه الدلالة العميقة للفظ الأهل المستعمل في القرآن الكريم والسنة المشرفة، وقد مر بنا أن مادة أهل، تدل على الإعمار والألفة، وهو أمر يتجاوز مفهوم الارتباط والشد والقوة الذي يدل عليه لفظ الأسرة. وواضح من نصوص القرآن الكريم أن مفهوم الأهل يمتد ليشمل البلد كله. ومن هنا تظهر القيمة الاجتماعية للأسرة في الإسلام. ويكفي أن نستحضر مفهوم الأخوة الذي تجاوز به الاصطلاح الشرعي الرابط الدموي إلى الرابط الديني كما قال تعالى {إنما المومنون إخوة}، {والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}.</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2013/11/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مع كتاب الله عز وجل</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2013/10/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d8%b2-%d9%88%d8%ac%d9%84-2/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2013/10/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d8%b2-%d9%88%d8%ac%d9%84-2/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 15 Oct 2013 18:48:39 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 406]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الإصلاح]]></category>
		<category><![CDATA[الصلاح]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=8737</guid>
		<description><![CDATA[&#160; إطلالة على مفهوم الإصلاح في القرآن الكريم(2) &#160; الـمعـنى الثـالـث: قولهم في اللغة: &#8220;أصلح&#8221; الشيءَ أزال فساده. ونصّ عليه الراغب الأصفهاني، وهو أصح وأدق من قول من قال: جعل الفساد صالحا كما جنح إلى ذلك ابن عاشور. والتحقيق أنه ينبغي هاهنا التفريق بين إسناد هذا الفعل إلى الله تعالى وإسناده إلى الإنسان. وبالنظر إلى [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p><strong>إ<span style="color: #ff0000;">طلالة على مفهوم الإصلاح في القرآن الكريم(2)</span></strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>الـمعـنى الثـالـث</strong><strong>:</strong></p>
<p>قولهم في اللغة: &#8220;أصلح&#8221; الشيءَ أزال فساده. ونصّ عليه الراغب الأصفهاني، وهو أصح وأدق من قول من قال: جعل الفساد صالحا كما جنح إلى ذلك ابن عاشور.</p>
<p>والتحقيق أنه ينبغي هاهنا التفريق بين إسناد هذا الفعل إلى الله تعالى وإسناده إلى الإنسان. وبالنظر إلى هذا الفرق يتضح بجلاء أن الذي يقدر على جعل الفساد صلاحا أو الفاسد صالحا هو الله تعالى وحده. أما الإنسان فحده أن يقوم بالعمل الصالح الذي يزاحم العمل الفاسد.</p>
<p>وقد تنبه الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى إلى تلك الخصوصية في حق الله تعالى فقال: &#8220;وإصلاح الله تعالى الإنسان يكون تارة بخلقه إياه صالحا وتارة بإزالة ما فيه من فساد بعد وجوده، وتارة يكون بالحكم له بالصلاح قال } وأصلح بالهم } &#8211; يصلح لكم أعمالكم &#8211; } وأصلح لي في ذريتي}</p>
<p>فقد اطرد أن الفعل &#8220;أصلح&#8221; إذا أسند إلى الله تعالى فإنه يذكر معه مفعوله:</p>
<p>{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ &#8230;.. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} (محمد: 1- 2).</p>
<p>{وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} (الأنبياء 90-91).</p>
<p>{قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}(يونس 81).</p>
<p>{يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (الأحزاب 71-70).</p>
<p>{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا&#8230;.. وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف54- 56).</p>
<p>وتأمل في الذكر الحكيم، فإنه قال: }ولا تفسدوا في الأرض} ولم يقل ولا تفسدوا الأرض، فإن الإنسان مهما بلغ إفساده فإنه لا يستطيع أن يغير القوانين الثابتة للأرض وغير الأرض. ولكنه يمكن أن يوقع فيها الفساد. وهذا مطرد في القرآن الكريم: &#8220;الإفساد في الأرض&#8221;.</p>
<p>وقد وضع الله تعالى السنن والقواعد الضابطة الحامية للأرض من الإفساد العام فقال: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة 252).</p>
<p>{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} (المومنون 71)</p>
<p>{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}(الأنبياء 22)</p>
<p>بينما ترى إصلاح الأرض بالكلية مسندا إلى الله تعالى لأن له الخلق والأمر.</p>
<p>بينما حين أسند إلى الإنسان فإنه ذكر مجردا عن المفعول أي عن المحل الذي يقع فيه الصلاح.</p>
<p>{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} في آيات متعددة..</p>
<p>{وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} (النساء 16)</p>
<p>}&#8230; إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا&#8230;&#8230;.} (البقرة 160)</p>
<p>{وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} (الأعراف 142)</p>
<p>{وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} (الشعراء 152)</p>
<p>والأمثلة متعددة.</p>
<p>وهاهنا فائدة نختم بها الكلام في هذا المعنى الثالث: هي أن الإصلاح لا يتصور بمجرد زوال الفساد، وذلك لأن زوال الفساد لا يتصور في الواقع إلا بصلاح يزاحمه في المحل. فالمسألة صراع بين الحق والباطل وبين الصلاح والفساد أيهما يحل وأيهما يخرج. وهاهنا لابد من تقويم مقولة شائعة وهي: &#8220;التخلية قبل التحلية&#8221;، فالصواب أن التخلية تكون بالتحلية. }وقل جاء الحق وزهق الباطل}. وليس عبثا أن يطرد في القرآن الكريم كله تقديم الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر. فافهم.</p>
<p>ولعل من أهم ما يسند هذا المعنى أن الإصلاح عطف على التوبة في كثير من المواطن، تنبيها على أن منطقة الفراغ لا توجد في الواقع والنفس. وقد ذكر ابن القيم في المدارج عن الشافعي رضي الله عنه قال: صحبت الصوفية فما انتفعت منهم إلا بكلمتين سمعتهم يقولون : &#8220;الوقت سيف فإن قطعته وإلا قطعك&#8221; و&#8221;نفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل&#8221;.</p>
<p><strong>الـمعـنى الـرابـع</strong><strong>:</strong></p>
<p>قالوا: &#8220;أصلح بينهما أو ذات بينهما أو ما بينهما : أزال ما بينهما من عداوة وشقاق.</p>
<p>وهذا المعنى وارد في مواضع من القرآن الكريم، وهو الذي يتجلى فيه امتداد الصلاح والإصلاح من ذات الإنسان إلى غيره. ويأخذ هذا الامتداد قيمته الخاصة في العناية أساسا بالجسم المسلم والسعي -متى قامت الحاجة- إلى المبادرة برأب الصدع ولمِّ الشمل سواء على مستوى النواة المجتمعية الأولى وهي الأسرة، أو على مستوى المجتمع كله.</p>
<p>- يتضح من تتبع الترتيب الزمني للنزول أن لفظ الإصلاح ضُمِّن معنى خاصا في الفترة المدنية، وهو ما يتعلق بإصلاح ذات البين ابتداء بالنواة الأولى وهي الأسرة، وانتهاء بجسم الجماعة المسلمة.</p>
<p>فنلاحظ أن لفظ الإصلاح جملة تأخر ذكره في ترتيب النزول حتى نزول سورة الأعراف وهي التاسعة والثلاثون في ترتيب النزول، وابتداء من هذه السورة إلى السورة الثالثة والسبعين، تركز الحديث باستعمال لفظ الإصلاح في القيام بالعمل الصالح في الذات وفي المحيط.</p>
<p>وأما بعد ذلك في الفترة المدنية وابتداء من السورة السابعة والثمانين في ترتيب النزول وهي سورة البقرة، فقد بدأ استعمال لفظ الإصلاح في امتداده إلى العلاقات. فجاءت هذه الآيات:</p>
<p>- في السورة: 87- }&#8230; فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (البقرة 182)</p>
<p>- وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ..} (البقرة 220)</p>
<p>- {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاس..} (البقرة 224)</p>
<p>- وفي السورة: 88- }.. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ..} (الأنفال 1)</p>
<p>- وفي السورة: 92- {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ..} (النساء 35)</p>
<p>- {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ &#8230;} (النساء 114)</p>
<p>- {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ&#8230;.. فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}(النساء 128)</p>
<p>- وفي السورة: 106- }وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ..}(الحجرات : 9).</p>
<p>- وفي الحديث الصحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم &#8220;ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة قالوا بلى قال : إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة&#8221;.</p>
<p>من علاقات الإصلاح في القرآن الكريم:</p>
<p>- التقابل بين التجبر والإصلاح:</p>
<p>{فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} (القصص : 19).</p>
<p>- التقابل بين الإصلاح والاستكبار:</p>
<p>{يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (الأعراف 35)</p>
<p>من قضايا الإصلاح في القرآن الكريم:</p>
<p>- من موجبات نجاح الإصلاح في النفس وفي الغير:</p>
<p>- التوكل على الله تعالى وحده واستشعار التوفيق منه. }إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (هود : 88).</p>
<p>{قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (الأحقاف : 15).</p>
<p>- مرجعية إصلاح البلاد والعباد ينبغي أن تكون من الثقات المصلحين لا من المفسدين:</p>
<p>{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} (الشعراء 152) ، }وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} (البقرة 12)</p>
<p>- من ثمرات الإصـلاح:</p>
<p>- تحقيق الأمن في الدنيا والأخرى }فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ&#8230;} (الأنعام 49) }وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (هود : 117).</p>
<p>- وتحقيق التوبة والمغفرة والرحمة: }فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(المائدة : 39) }كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(الأنعام : 54).</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2013/10/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d8%b2-%d9%88%d8%ac%d9%84-2/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>آية كَتْب الصيام: معاني وفوائد</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2013/07/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d8%b2-%d9%88%d8%ac%d9%84/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2013/07/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d8%b2-%d9%88%d8%ac%d9%84/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 09 Jul 2013 12:09:30 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 403]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[آيات كتب الصوم]]></category>
		<category><![CDATA[رمضان]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/2013/10/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d8%b2-%d9%88%d8%ac%d9%84/</guid>
		<description><![CDATA[قال الله جلت حكمته : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة 183). مناسبة الآية في سورة البقرة: هذه الآية الكريمة وردت في أواسط سورة البقرة. وهي مطلع لمقطع يتضمن الصيام وزمانه وشرفه وعددا من أحكامه بأسلوب بديع يبين عظمة هذه العبادة وموقعها في بنية الدين. فقد [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl" style="text-align: right;">قال الله جلت حكمته : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة 183).</p>
<p style="text-align: right;"><span style="line-height: 1.3em;">مناسبة الآية في سورة البقرة:</span></p>
<p style="text-align: right;">هذه الآية الكريمة وردت في أواسط سورة البقرة. وهي مطلع لمقطع يتضمن الصيام وزمانه وشرفه وعددا من أحكامه بأسلوب بديع يبين عظمة هذه العبادة وموقعها في بنية الدين.</p>
<p style="text-align: right;">فقد جاء الكلام عن الصيام في سياق عدد من الأحكام والتوجيهات التي خاطب بها القرآن الكريم الأمة المسلمة وهو يؤسس شخصيتها المميزة في ذاتها وفي علاقاتها بغيرها. ويبين وجوه <span id="more-4059"></span> التلاقي والافتراق مع ذلك الغير في كل ذلك.</p>
<p style="text-align: right;">وقد رجع الإمام البقاعي وهو يتلمس سياق هذه الآية إلى الآية 171: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ&#8230;}. وأن الله تعالى تدرج بالإنسان في علاقته بالمال في سُلَّم من المجاهدة والترقي إلى أن يبلغ الذروة المتحققة بالصيام.</p>
<p style="text-align: right;">فكان التوجيه الأول هو تحري الطيبات، ثم تلاه توجيه في الإباحة حال الاضطرار وهو عدم العدوان، ثم تلاه توجيه في الإنفاق تطوعا وفرضا، ثم تلاه توجيه بخصوص الوصية بالمال.</p>
<p style="text-align: right;">قال الإمام البقاعي: &#8220;فَتَدَرَّبَت النفس في الزهد بما هو معقول المعنى بادئ بدء من التخلي عنه لمن ينتفع به، أتبعه الأمر بالتخلي عنه لا لمحتاج إليه بل لله الذي أوجده لمجرد تزكية النفس وتطهيرها&#8230;&#8221;(1).</p>
<p style="text-align: right;">ومعناه أن التخلي -بالصيام- عن الشهوة في مظاهرها القوية، هو تحرر كامل من سلطة المال؛ لأن الإنسان وهو ينفق المال قد لا يستطيع التخلص من الإحساس باللذة وهو ينفع الآخرين. بخلافه عند الصوم فإنه ليس له لذة سوى رضى الله تعالى.</p>
<p style="text-align: right;">فهذا وجه من وجوه المناسبة.</p>
<p style="text-align: right;">ووجه آخر لاحظه سيد قطب وهو يربط آية الصيام بما جاء بعدها عن الحج والقتال، وكلاهما جهاد، يقول: &#8220;ولقد كان من الطبيعي أن يفرض الصوم على الأمة التي يفرض عليها الجهاد في سبيل الله، لتقرير منهجه في الأرض، وللقوامة به على البشرية&#8230; فالصوم هو مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة، ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد؛ كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها، واحتمال ضغطها وثقلها، إيثارا لما عند الله من الرضى والمتاع. وهذه كلها عناصر لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق..!&#8221;(2).</p>
<p style="text-align: right;">مطلع المطلع: (يا أيها الذين آمنوا&#8230;.)</p>
<p style="text-align: right;">أول ما يطالعنا، هو هذا النداء الكريم منه جل جلاله لعباده المؤمنين. روي عن جعفر الصّادق رضي الله عنه : لذة &#8220;يا&#8221; في النداء أزال تعب العبادة والعناء&#8221;(3). وقال سيد قطب : &#8220;إن الله -سبحانه- يعلم أن التكليف أمر تحتاج النفس البشرية فيه إلى عون ودفع واستجاشة لتنهض به وتستجيب له؛ ومن ثم يبدأ التكليف بذلك النداء الحبيب إلى المؤمنين، المذكر لهم بحقيقتهم الأصيلة&#8221;(4).</p>
<p style="text-align: right;">ومفاد هذا الكلام أن من أوائل ما ينبغي العناية به تحصيل الإيمان وتحقيقه وذوق حلاوته؛ لأنه أساس العبادة والدافع القوي إليها.</p>
<p style="text-align: right;">ما هو الصيام:</p>
<p style="text-align: right;">الصيام والصوم في الأصل الإمساك عن الفعل مطعما كان أو كلاما أو مشيا(5).</p>
<p style="text-align: right;">وهو عند أبي السعود &#8220;الإمساك عما تُنازِعُ إليه النفسُ&#8221;. فنبه بذلك على أن في الصوم معنى منازعة الشهوة ومغالبتها.</p>
<p style="text-align: right;">وأما في الشرع فقد قال الجصاص هو اسمٌ للكَفِّ عن الأكل والشرب وما في معناه، وعن الجماع في نهار الصوم مع نية القربة أو الفرض&#8221;(6).</p>
<p style="text-align: right;">وقد ورد الصيام في الآية مُعَرَّفاً، قال ابن عاشور : فالتعريف في &#8220;الصيام&#8221; في الآية تعريف العهد الذهني، أي كتب عليكم جنس الصيام المعروف. وقد كان العرب يعرفون الصوم، فقد جاء في &#8220;الصحيحين&#8221; عن عائشة قالت: ((كان يومُ عاشُوراءَ يوماً تصومه قريش في الجاهلية)) وفي بعض الروايات قولها: ((وكان رسول الله يصومه))&#8230; فالمأمور به صوم معروف زيدت في كيفيته المعتبرة شرعاً قيودُ تحديد أحواله وأوقاته&#8230; وبهذا يتبين أن في قوله: {كتب عليكم الصيام} إجمالاً وقع تفصيله في الآيات بعده.</p>
<p style="text-align: right;">فحصل في صيام الإسلام ما يخالف صيام اليهود والنصارى في قيود ماهية الصيام وكيفيتها،  ولم يكن صيامنا مماثلاً لصيامهم تمام المماثلة&#8221;(7).</p>
<p style="text-align: right;">كََتْبُ الصيام:</p>
<p style="text-align: right;">ذهب سائر المفسرين إلى تفسير الكتب بالفرض أو الإيجاب. واعتبروا الآية بذلك نصا في فرض الصيام ووجوبه. وفي هذا الموضع فوائد منها:</p>
<p style="text-align: right;">1- في استعمال لفظ &#8220;الكتب&#8221; بدل الفرض أو الوجوب، مزيد تأكيد على وجوب هذا الركن من أركان الإسلام. يقول المصطفوي: &#8220;في الكتابة دلالة أكيدة على التثبيت أقوى من الحكم و القضاء والتقدير والفرض والإيجاب. وعلى هذا يعبّر بالمادّة في موارد يكون النظر فيها إلى التثبيت اللازم، فيقال: هذا مكتوب، وهذا كتاب، وقد كتب هذا&#8221;(8).</p>
<p style="text-align: right;">2- قال أبو حيان: وبناء {كُتب} للمفعول في هذه المكتوبات الثلاثة(9)، وحَذْفُ الفاعل للعلم به، إذ هو: الله تعالى؛ لأنها مشاق صعبة على المكلف، فناسب أن لا تنسب إلى الله تعالى، وإن كان الله تعالى هو الذي كتبها، وحين يكون المكتوب للمكلف فيه راحة واستبشار يُبْنى الفعل للفاعل، كما قال تعالى: {كَتَب ربكم على نفسه الرحمة} {كَتَب الله لأغلبن أنا ورسلي}&#8230; وهذا من لطيف علم البيان&#8221;(10).</p>
<p style="text-align: right;">كتب الصيام علينا وعلى من قبلنا:</p>
<p style="text-align: right;">اختلف المفسرون في التشبيه الوارد في الآية على أقوال، ووجدت لابن عاشور كلاما شاملا وافيا بالمقصود، يقول: &#8220;قوله: {كما كتب على الذين من قبلكم} تشبيه في أصل فرض ماهية الصوم لا في الكيفيات، والتشبيهُ يُكتفَى فيه ببعض وجوه المشابهة وهو وجه الشبه المراد في القصد، وليس المقصود من هذا التشبيه الحوالةَ في صفة الصوم على ما كان عليه عند الأمم السابقة،  ولكن فيهم أغراضاً ثلاثة تضمنها التشبيه:</p>
<p style="text-align: right;">أحدها الاهتمام بهذه العبادة، والتنويه بها&#8230; وإنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة كي لا يتميز بها من كان قبلهم.</p>
<p style="text-align: right;">والغرض الثاني أن في التشبيه بالسابقين تهويناً على المكلفين بهذه العبادة أن يستثقلوا هذا الصوم..</p>
<p style="text-align: right;">والغرض الثالث إثارة العزائم للقيام بهذه الفريضة حتى لا يكونوا مقصرين في قبول هذا الفرض بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم السابقة&#8221;.</p>
<p style="text-align: right;">واختلفوا في المقصودين بقوله: {الذين من قبلكم}، فعند الطبري أنهم أهل الكتاب&#8230;؛ لأن مَنْ بَعْدَ إبراهيم كان مأمورا باتباع إبراهيم، وذلك أن الله جل ثناؤه كان جعله للناس إماما، وقد أخبرنا الله عزّ وجل أن دينه كان الحنيفية المسلمة، فأمر نبينا بمثل الذي أمر به مَنْ قبْلَه من الأنبياء&#8221;(11).</p>
<p style="text-align: right;">وذهب ابن العربي إلى أن &#8220;ظَاهِرَ الْقَوْلِ رَاجِعٌ إلَى النَّصَارَى لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ الادْنَوْنَ إلَيْنَا. الثَّانِي أَنَّ الصَّوْمَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ كَانَ إذَا نَامَ الرَّجُلُ لَمْ يُفْطِرْ، وَهُوَ الاشْبَهُ بِصَوْمِهِمْ&#8221;(12).</p>
<p style="text-align: right;">وذهب آخرون منهم الزمخشري إلى أن المقصود: &#8220;الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم. وحكاه عن عليّ رضي الله عنه. ثم قال: &#8220;يعني أنّ الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمّة من افتراضها عليهم، لم يفرضها عليكم وحدكم&#8221;(13).</p>
<p style="text-align: right;">وبقريب من هذا القول يقول رشيد رضا مستنتجا: &#8220;وفي إعلام الله تعالى لنا بأنه فرضه علينا كما فرضه على الذين من قبلنا إشعار بوحدة الدين في أصوله ومقصده، وتأكيد لأمر هذه الفريضة وترغيب فيها&#8221;(14).</p>
<p style="text-align: right;">ثمرة الصيام:</p>
<p style="text-align: right;">لا شك أن من أهم ثمرات الصيام ما ختمت به هذه الآية من التقوى. في قوله تعالى (لعلكم تتقون).</p>
<p style="text-align: right;">يقول ابن عاشور &#8220;وقوله: {لعلكم تتقون} بيان لحكمة الصيام وما لأجله شُرع،&#8230; والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي، وإنما كان الصيام موجباً لاتقاء المعاصي، لأن المعاصي قسمان:</p>
<p style="text-align: right;">- قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغصْب فتركُه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله والموعظة بأحوال الغير.</p>
<p style="text-align: right;">- قسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها&#8230; وفي الحديث الصحيح ((الصَّوْمُ جُنَّة)) أي وقاية ولَمَّا تُرك ذكر متعلَّق جُنَّة تعيَّن حمله على ما يصلح له من أصناف الوقاية المرغوبة، ففي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة، ووقاية من العِلل والأدْواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات&#8221;.</p>
<p style="text-align: right;">والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات</p>
<p style="text-align: right;">&#8212;&#8211;</p>
<p style="text-align: right;">1 &#8211; نظم الدرر 3/ 39-40</p>
<p style="text-align: right;">2 &#8211; في ظلال القرآن، تفسير الآية (البقرة 183)</p>
<p style="text-align: right;">3 &#8211; تفسير الثعلبي. تفسير الآية (البقرة 183)</p>
<p style="text-align: right;">4 &#8211; في ظلال القرآن، تفسير الآية (البقرة 183)</p>
<p style="text-align: right;">5 &#8211; مفردات القرآن للأصفهاني/ صوم</p>
<p style="text-align: right;">6 -  أحكام القرآن للجصاص تفسير الآية (البقرة 183)</p>
<p style="text-align: right;">7 &#8211; التحرير والتنوير تفسير الآية (البقرة 183)</p>
<p style="text-align: right;">8 &#8211; التحقيق في كلمات القرآن للمصطفوي/ كتب.</p>
<p style="text-align: right;">9 &#8211; يقصد في آية القصاص 177 وآية الوصية 179 وآية الصيام 181.</p>
<p style="text-align: right;">10 &#8211; البحر المحيط تفسير الآية (البقرة 183)</p>
<p style="text-align: right;">11 &#8211; جامع البيان تفسير الآية (البقرة 183)</p>
<p style="text-align: right;">12 &#8211; أحكام القرآن تفسير الآية (البقرة 183)</p>
<p style="text-align: right;">13 &#8211; الكشاف تفسير الآية (البقرة 183)</p>
<p style="text-align: right;">14 &#8211; المنار، تفسير الآية (البقرة 183).</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2013/07/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d8%b2-%d9%88%d8%ac%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>كلمة الدكتور مصطفى فوضيل  (باسم اللجنة المنظمة)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2011/05/%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%81%d9%89-%d9%81%d9%88%d8%b6%d9%8a%d9%84-%d8%a8%d8%a7%d8%b3%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%a9-%d8%a7/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2011/05/%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%81%d9%89-%d9%81%d9%88%d8%b6%d9%8a%d9%84-%d8%a8%d8%a7%d8%b3%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%a9-%d8%a7/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 09 May 2011 11:07:48 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. مصطفى فوضيل]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 358]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[أولوليات البحث العلمي]]></category>
		<category><![CDATA[النهوض بالمسألة العلمية في جميع التخصصات]]></category>
		<category><![CDATA[باسم اللجنة المنظمة]]></category>
		<category><![CDATA[توصيات المؤتمر]]></category>
		<category><![CDATA[كلمة الدكتور مصطفى فوضيل]]></category>
		<category><![CDATA[مشاريع ترسم المعالم الحقيقية للبحث العلمي الجاد]]></category>
		<category><![CDATA[وحل اشكالاتها على رأس الشروط لبناء الغد]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=14592</guid>
		<description><![CDATA[كلمة الدكتور مصطفى فوضيل  (باسم اللجنة المنظمة)  اعتبرت: - النهوض بالمسألة العلمية في جميع التخصصات وحل اشكالاتها على رأس الشروط لبناء الغد - من أولوليات البحث العلمي الآن: تلخيص جهود الأمة وتحصيل الثمرات وحسن توظيفها والبناء عليها - توصيات المؤتمر  ومقترحاته ستشكل مشاريع ترسم المعالم الحقيقية للبحث العلمي الجاد والبناء بسم الله الرحمن الرحيم اللهم [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>كلمة الدكتور مصطفى فوضيل  (باسم اللجنة المنظمة)  اعتبرت:</p>
<p><span style="color: #ff0000;"><em><strong>- النهوض بالمسألة العلمية في جميع التخصصات وحل اشكالاتها على رأس الشروط لبناء الغد</strong></em></span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><em><strong>- من أولوليات البحث العلمي الآن: تلخيص جهود الأمة وتحصيل الثمرات وحسن توظيفها والبناء عليها</strong></em></span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><em><strong>- توصيات المؤتمر  ومقترحاته ستشكل مشاريع ترسم المعالم الحقيقية للبحث العلمي الجاد والبناء</strong></em></span></p>
<p>بسم الله الرحمن الرحيم</p>
<p>اللهم لك الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من بعد. وصل اللهم وسلم وبارك على سيد الورى محمد وآله وصحبه أجمعين.</p>
<p>أصحاب الفضيلة العلماء والباحثين الأكارم</p>
<p>ضيوفنا الأحبة الذين نعتز بحضورهم</p>
<p>أصحاب السعادة رؤساء المؤسسات العلمية والأكاديمية والتربوية الفضلاء</p>
<p>السادة ممثلي الإدارات والسلطات المحلية المحترمين</p>
<p>طلبتنا الأعزاء</p>
<p>أيها الحضور الكريم</p>
<p>في بداية هذه الكلمة نود التنويه بمعالي السيد مستشار صاحب الجلالة الأستاذ الدكتور عباس الجراري الذي كان حريصا على حضور هذا المؤتمر لولا أن طارئا منعه من الحضور.</p>
<p>كما ننوه بفضيلة السيد الكاتب العام للمجلس الأعلى الأستاذ الدكتور محمد يسف الذي اعتذر عن الحضور لظروف طارئة.</p>
<p>ونتمنى الشفاء العاجل لفضيلة السيد رئيس المجلس العلمي المحلي بوجدة الأستاذ  الدكتور مصطفى بنحمزة الذي منعته وعكة صحية من الحضور.</p>
<p>أيها الحضور الكريم:</p>
<p>مرحبا، مرحبا، مرحبا بكم في هذا البلد، وفي هذه المدينة، في هذا الحفل العلمي البهيج، الذي تزين بجمال القرآن الكريم وبهائه وكماله وجلاله. مرحبا بكم في مأدبة الله تعالى في الأرض. مرحبا بكم في هذا المؤتمر العالمي الأول الذي تنظمه جهات مشهود لها بالحضور الفعال في قضايا العلم وهموم الأمة، وهي مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع) والرابطة المحمدية للعلماء ومعهد الدراسات المصطلحية والهيئة العالمية للإعجاز في القرآن والسنة وجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس.</p>
<p>أيها الحضور الكريم:</p>
<p>ما من شك في أن هذه الأمة تأسست على هذا الكتاب، به كان الإخراج من الظلمات إلى النور، وبه كانت الحياة، وبه تحقق العز والشرف والذكر، وبه كانت القيادة والسيادة، وبه كان الإبداع والتفنن في العلوم، وبه النموذج المجتمعي الأرقى في تاريخ البشرية، {كنتم خير أمة أخرجت للناس}.</p>
<p>هكذا كانت الأمة وهكذا تكون حين تعود إلى ربها، وتؤوب إلى رشدها. ولا سبيل إلى العودة إلى الرشد، إلا بشروطه، من العزم الصادق، والمنهج الراشد الذي تتحقق فيه العلمية والمنهجية والتكاملية بعبارة أستاذنا الجليل أستاذ الجيل.</p>
<p>إن من أهم نعم الله تعالى علينا، أنه ألقى في روع المجتمع المسلم &#8220;مفهوم الأمة&#8221; بكل ما يختزنه من العمق والامتداد في الزمان وفي المكان، وقد علمنا القرآن الكريم أن ننظر إلى ذاتنا من خلال هذا المفهوم، لتعلو الهمة بالانتساب إلى الأمة،فلا ينشغل الفرد فيها بصغار الأمور عن كبارها.</p>
<p>لقد جاء هذا المؤتمر مستندا إلى إيمان عميق وصادق بأن البناء للغد يستلزم شروطا، وعلى رأسها النهوض بالمسألة العلمية في جميع التخصصات، وحل إشكالاتها وملْء فراغاتها. ولا شك أن لكل ذلك مراحل وأولويات، ومن أول ما ينبغي أن تتجه إليه الجهود تلخيص الخلاصة وتحصيل الثمرات من النتائج الصحيحة والفهوم السليمة من أجل توظيفها والبناء عليها.</p>
<p>وبما أن العلوم الشرعية في رؤيتنا الحضارية تأتي على رأس العلوم، والقرآن الكريم هو محورها ومرجعها على الإطلاق، فقد كان البدء به سيرا في الاتجاه الصحيح.</p>
<p>وكان البدء به من خلال مؤتمر افتتاحي جامع مستوعب لعلومه: حفظا وتيسيرا وتفسيرا وإعجازا واستنباطا.</p>
<p>وكانت الأهداف المرسومة له هي:</p>
<p>1- تبيّن خلاصة جهود الأمة في مختلف ميادين خدمة القرآن الكريم وعلومه.</p>
<p>2- تأسيس أرضية للانطلاق إلى مختلف آفاق الخدمة في المستقبل.</p>
<p>3- إتاحة الفرصة للباحثين في المجال، كي يتعارفوا، ويتفاهموا، ويتكاملوا.</p>
<p>ومن أجل تحقيق هذه الأهداف اهتمت اللجنة المنظمة بما يلي:</p>
<p>1- استيعاب جميع العلوم والمواضيع التي لها صلة مباشرة بالقرآن الكريم، ونسقها في خمسة محاور: الحفظ وما يندرج فيه، والتيسير وما يتحقق به، والتفسير وما يلزم له، والإعجاز بمختلف أنواعه، والهدى بمختلف مظاهره.</p>
<p>2- الإعلان في وقت مبكر يزيد على العام والنصف، من أجل الإعداد والاستعداد.</p>
<p>3- وضع شروط للكتابة، وكان من أهمها ثلاثة أساسية:</p>
<p>أ- رصد أهم المحطات التاريخية للموضوع.</p>
<p>ب- وصف الصورة التي انتهى إليها البحث في الموضوع.</p>
<p>ج- تعليق تقويمي عام.</p>
<p>4- اعتماد نظام التعقيب على الأوراق سعيا إلى التكامل والتعاون.</p>
<p>5- نشر البحوث في صورتها الكاملة عند انعقاد المؤتمر، وعرضها باختصار في الجلسات سعيا إلى تمكين المشاركين والحضور من الاستيعاب المركز السريع لأهم الأفكار والمعاني.</p>
<p>لقد كان مطلوبا في هذا المؤتمر حصر أهم الجهود التي تتجلى فيها الخدمة الحقيقية مما يعتبر إضافة متميزة في كل علم من علوم القرآن الكريم. ثم استخلاص ما حقه البقاء وعليه يكون البناء من كل ذلك.</p>
<p>وقد وردت على اللجنة المنظمة منذ الإعلان عن المؤتمر، طلبات كثيرة جدا من عدة دول وأفراد ومؤسسات من مختلف أنحاء العالم، اضطرت معها اللجنة إلى اختيار أهم ما يحقق أهداف المؤتمر. إضافة إلى استكتاب عدد من الشخصيات المعروفة بتخصصها في علم بعينه.</p>
<p>فكانت الحصيلة ما ترونه بين أيديكم أيها الفضلاء في برنامج المؤتمر، وبحوثه المطبوعة الممثلة لعدة دول وهي: مصر والعراق والسعودية والأردن وقطر والإمارات وماليزيا وتركيا وسوريا والجزائر وموريطانيا والمغرب بطبيعة الحال.</p>
<p>وقد استوعبت البحوث سائر المحاور والمواضيع باستثناء موضوع واحد هو المتعلق بطباعة المصحف الشريف. وقد انتهت اللجنة إلى أن تلك البحوث قد حققت أهداف المؤتمر بنسبة مهمة جدا، وأن اجتماع أصحابها اليوم لتداولها ومناقشتها سيسهم إن شاء الله تعالى في مزيد من التقارب والاقتراب ، ونأمل أن نخلص إلى توصيات ومقترحات ومشاريع ترسم المعالم الحقيقية للبحث العلمي الجاد والبناء.</p>
<p>وقبل أن أختم كلمتي هذه أشير إلى أن اللجنة المنظمة قد اهتدت بتوفيق الله تعالى إلى إقامة معرض على هامش المؤتمر، خاص بكتب في الدراسات القرآنية، وخصص جزء منه إلى جهود المشاركين في خدمة القرآن الكريم وعلومه.</p>
<p>وفي الختام أتقدم إلى سائر الإخوة والأخوات المشاركين وإلى الحضور الكريم بشكري الخاص وشكر سائر أعضاء اللجنة المنظمة. كما نتقدم بشكر خاص إلى أستاذنا الدكتور الشاهد البوشيخي الأب والمربي الساهر على هذا المؤتمر منذ ولادته إلى أن صار كما ترون. نسأل الله تعالى الكريم رب العرش العظيم أن يمتعنا بشفائه العاجل وأن يبارك له في عمره وأعماله.</p>
<p>ونتقدم بالشكر الجزيل إلى الأستاذ الدكتور أحمد عبادي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، الذي كان هو الداعم لهذا المؤتمر من مختلف جوانبه ولوازمه المادية والعلمية والمعنوية جزاه الله تعالى بأفضل الجزاء.</p>
<p>كما نتوجه بالشكر الجزيل إلى الهيئة العالمية للإعجاز في القرآن والسنة وجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس.</p>
<p>ولا أنسى أخي العزيز الأستاذ الدكتور عبد الرحيم الرحموني مدير معهد الدراسات المصطلحية في سهره واجتهاده الدؤوب وسعيه الحثيث في إنجاح هذا المؤتمر. وأما إخوتي الأعزاء جنود الخفاء باقي أعضاء اللجنة المنظمة فالله تعالى هو المسؤول بأن يجزيهم على ما بذلوه من جهود، وسهروا من ليالي، إنه نعم المولى ونعم النصير.</p>
<p>ولابد في الختام من شكر خاص للسلطات المحلية ورجال الإدارة بهذه المدينة وخصوصا السيد رئيس المجلس البلدي الذي وفر لنا هذا الفضاء لإقامة هذا المؤتمر، كما هو معروف عنه في دعم الأنشطة العلمية والثقافية والتربية. والحمد لله رب العالمين.</p>
<p><span style="text-decoration: underline; color: #0000ff;"><em><strong>الدكتور مصطفى فوضيل</strong></em></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2011/05/%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%81%d9%89-%d9%81%d9%88%d8%b6%d9%8a%d9%84-%d8%a8%d8%a7%d8%b3%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%a9-%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
