<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جريدة المحجة &#187; د. محمد بريش</title>
	<atom:link href="http://almahajjafes.net/author/beriche/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://almahajjafes.net</link>
	<description>الموقع الرسمي لجريدة المحجة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 16 Mar 2021 12:29:28 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=3.9.40</generator>
	<item>
		<title>أيسر القواعد لبلوغ أنبل المقاصد &#8211; الطبّ حفظ صحة برءُ مرض، دون إرهابٍٍ للمريض ولا شَتمٍ للمرض (2)</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2015/01/%d8%a3%d9%8a%d8%b3%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d9%84%d8%a8%d9%84%d9%88%d8%ba-%d8%a3%d9%86%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b5%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a8%d9%91/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2015/01/%d8%a3%d9%8a%d8%b3%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d9%84%d8%a8%d9%84%d9%88%d8%ba-%d8%a3%d9%86%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b5%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a8%d9%91/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 02 Jan 2015 11:51:11 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. محمد بريش]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الاخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 431]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[شؤون عامة]]></category>
		<category><![CDATA[مختلفات]]></category>
		<category><![CDATA[أنبل المقاصد]]></category>
		<category><![CDATA[أيسر القواعد]]></category>
		<category><![CDATA[أيسر القواعد لبلوغ أنبل المقاصد]]></category>
		<category><![CDATA[إرهابٍٍ للمريض]]></category>
		<category><![CDATA[السب طب الشيطان]]></category>
		<category><![CDATA[الشتم سلاح الجبان]]></category>
		<category><![CDATA[الطبّ حفظ صحة برءُ مرض]]></category>
		<category><![CDATA[د. محمد بريـش]]></category>
		<category><![CDATA[شَتمٍ للمرض]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=10816</guid>
		<description><![CDATA[• السب طب الشيطان والشتم سلاح الجبان : بسطنا القول في القسم الأول من عرض هذه القاعدة الاستراتيجية في كُنه الطبّ السليم لإصلاح الأفراد والمجتمعات، ونركّز في القسم الثاني على علل انقلاب الطبّ لمرض حين إرهاب المريض أو شتم المرض. فالسبّ والشّتم لأي كان ليسا من شيم النبلاء، والمسلمون من أخيرهم، والأحاديث في النهي عن [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #0000ff;"><em><strong>• السب طب الشيطان والشتم سلاح الجبان :</strong></em></span><br />
بسطنا القول في القسم الأول من عرض هذه القاعدة الاستراتيجية في كُنه الطبّ السليم لإصلاح الأفراد والمجتمعات، ونركّز في القسم الثاني على علل انقلاب الطبّ لمرض حين إرهاب المريض أو شتم المرض.<br />
فالسبّ والشّتم لأي كان ليسا من شيم النبلاء، والمسلمون من أخيرهم، والأحاديث في النهي عن سبّ وشتم الأشخاص كثيرة لا يخلو بعض ما اشتهر منها على الألسن من ضعف، نورد بعض ما نحسبه صحّ منها موجزا للفائدة: فقد أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه (كتاب الحدود، الحديث 6777) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أُتيَ النَّبِيُّ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، قَالَ: «اضْرِبُوه»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ، قَالَ: «لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ».، وفي لفظ له (الحديث 6781): فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ.»<br />
وأخرج الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : «لا تسُبّوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدّموا».<br />
وروى الترمذي وغيره، عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول اللّه : «لا تَسُبُّوا الرّيحَ، فإنْ رأيْتُمْ ما تَكْرَهُونَ فَقُولوا: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرّيحِ وخَيْرِ ما فِيها، وَخَيْرِ ما أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ هَذِهِ الرّيحِ وَشَرّ ما فِيها وَشَرّ ما أُمِرَتْ بِهِ».<br />
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة . قال: قال رسول الله «قال الله عز وجل: يُؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر! فلا يقولنّ أحدكم: يا خيبة الدهر! فإني أنا الدهر أُقلب ليله ونهاره. فإذا شئت قبضتهما».<br />
فلو تابعنا ما نردّده ونلوكه لغواً بألسنتا يوميا لوجدنا أننا نُكثر اللعن والسبّ والشّتم للدنيا ومن يديرها ممن حولنا، واليوم الذي طلعت عليه الشمس، والزمن الذي عرفنا فيه من نكره ونذم، وغير ذلك من المنهيات التي تشغلنا وتصرفنا عن الواجبات، فالحمد لله الذي برحمته عفا عن اللغو في الأيمان: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ (البقرة:225)، ودعانا لضبط الكلام والبر والتقوى وحفظ اللسان: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة:224).<br />
وغاية ما نريد التنبيه عليه والإشارة إليه مما سُقناه من آيات وأحاديث للدلالة على هذه القاعدة هو أننا مسؤولون عن ضياع فرص لبناء الغد بالانشغال بسبّ المنكر بدل النهي عنه وتغييره وإحلال المعروف محلّه؛ فالله عز وجل يلعن من الظالمين من عباده من يشاء، ويلعن رسوله من يلعن ليبين درجة المعصية واستحقاقها اللعنة، ولا معنى أن نفهم نحن من ذلك وجوب أو جواز اللعن للملعون أصلا، فهذا انصراف عن المقاصد للانشغال بما لم نُؤمر به.<br />
<span style="color: #0000ff;"><em><strong>• لو كان في السب إفادة لكان شتم الشيطان عبادة:</strong></em></span><br />
فلو كان حقا علينا أن نسبّ أعداء الله لسنّ لنا الشرع ورداً خاصاً نتقرّب به لله في سبّ إبليس ولعنه، علما منا يقينا وبنصّ القرآن أنه ملعون، وأنه عدونا الأكبر بلا خلاف! فلا يوجد في أورادنا الصحيحة عن النبي الصباحية أو المسائية أو الخاصة لعنُ إبليس ثلاثا أو عشرا أو ثلاثين أو مائة!! لكننا مأمورون أن نكتفي سلاحا في وجه هذا العدو اللذوذ باللجوء للرحمن جلّ وعلا فنستعيذ به وهو السميع من الشيطان الرجيم استجابة لقوله تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه سميع عليم (الأعراف : 200)؛ وقوله سبحانه : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (النحل : 98).<br />
وهذا درسٌ استراتيجيٌ بليغٌ في مواجهة الخصم ومعرفة جوانب ضعفه وأفتك الأسلحة به، فهذا العدو الشيطاني يتميّز عن غيره من الأعداء بمواصفات لو توفرت في غيره من الإنس لطغوا وبغوا بشكل يفوق ما قد يُتخيّل منهم وقوعه، أهمهاُ :<br />
• أنه ثابت العداوة شديدُها لا يلين فيها مثقال ذرة، فلا مطمع معه في تفاوض أو تصالح ولو مؤقتا.<br />
• أنه مُكّن استجابة لطلبه الذي أملاه كبرياؤه من البقاء حيّا إلى يوم البعث، فلا مسوّغ قطعا لقتله أو امتلاك سلاح لإبادته.<br />
• أنه يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، فهم متفوقون في هذا الجانب أيما تفوّق، ونحن مكشوفون أمامهم لا سبيل لإدراك حركتهم، ولا لمعرفة أعدادهم، ولا الإحاطة بتفاصيل مكرهم.<br />
ومع كلّ هذه الامتيازات الاستراتيجية الضّخمة، نملك الأسلحة الفتاكة لهزيمته ورهطه، فالانضمام لأهل الإيمان يقطع عليه الطريق فلا يجعل له ولا لقبيله على المؤمن صدقا سلطانا، والاستعادة بالله تدحره وتهلكه وتوقع بكيده أشنع الهزائم، فهي والبسملة والتسبيح والتهليل والذكر وتلاوة القرآن السّلاح الفاتك بالأعداء أيا كانوا إذا ما صاحبها العمل الصالح إيماناً وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، مقروناً بالخلق الحسن والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.<br />
وهذا منتهى الحكمة في التعامل مع العدو وتحديد مناطق ضعفه وركائز مواجهته، ولك أن تسقري واقعنا المزري فتلحظ كم حاكم يدّعي صولة الثورة والصمود عبر الإكثار والجهر بسبّ الولايات المتحدة، وهي تنحاز للصمت لا تبدي ردّا عليه، ولكن ما يلبث أن ينكُس تحت سلطانها ويخنع لجبروتها، ويظهر عيانا انصياعه لأمرها، ليس لقوة قاهرة فيها يستحيل مقاومتها، ولكن لضعف به ونفاق يعتريه، تجلى في مناصرته السرية لها، والإسهام الصامت في مكرها، رغم كثرة سبّه وتواصل شتمه، إنكاره لا يتجاوز اللسان ومقاومته لا تحرك البنان، وهو يرى بل يساهم &#8211; رغم إظهار السب وإكثار اللعن &#8211; في إضعاف شعبه واستلاب أرضه!<br />
<span style="color: #0000ff;"><em><strong>• وما شتم ظلمة اليهود بمانع جورهم من الوجود :</strong></em></span><br />
وترسيخا لهذه القواعد التي حررناها لا نريد بها معاذ الله إبراز عضلات في الصياغة أو ادعاء مهارة في التقعيد، وإنما لنقرب للناس أدوات عمل نزعم أنه قد يتحقق لمن فعّلها بإتقان لون من الخير النافع بإذن الله في بحر لجي من المشاكل والعقبات والظلمات، نقصد بتقعيدها المسجوع سهولة الحفظ وسرعة الاستحضار، وإظهارا لأهميتها نضرب المثل بما نسمعه مرارا ردّا على التنكيل بإخوتنا في فلسطين السليبة من لعن لليهود وأتباعهم، ودعاء عريض بأن يقطع الله نسلهم ويريح الأرض منهم!<br />
وهذا ليس بالأمر الجديد، فعديد من الدعاة والخطباء والغيارى من الشباب المسلم بشتى بقاع الأرض يردّدون قريبا من ذلك، وقد يجد البعض في تكراره فرجة للنفس، وتخفيفا من المعاناة أمام الجبروت اليهودي والظلم الصهيوني، وأنا لا أسعى لتبرئة ظلمة اليهود، ولا لتجميل صورة الصهاينة، وإنما أتساءل من منطلق الشرع والإيمان بمشروع واضح المعالم في الكتاب والسنة لمن رام عدم الفساد في الأرض: هل صرف الجهد لذلك جزءٌ من مهام المؤمن؟ وهل إذا كنتَ موقنا بأنه ليس في الأرض قطرانٌ أبيض، كان لزاما كلما ذكرت القطران أن تصفه بالأسود؟<br />
وما دمنا لا نتحمّل وجود عدوّ لنا بالأرض، نؤمن يقينا أن الله لم يخلقه عبثا، وأنه عز وجلّ خلق كل شيء بقدر، وتقدير قويم وميزان عادل، بل أنذرنا أنه لعداوته الراسخة لن يزال يقاتلنا حتى يردنا عن ديننا إن استطاع، وأمرنا أن نبرّ من أتباعه من لا يقاتلنا في الدين ولا يخرجنا من الأرض ونُقسط له، واعداً لنا إن أُتقن منا الإعداد وصدق منا الاستعداد أن يُنعم علينا بوفير الإمداد، فما دمنا لا نطيق وجوده ونتمنى زواله، أليس الأولى بنا أن ندعو الله ونبتهل إليه بدعوات عريضة مسترسلة أن يهلك عدونا الأول إبليس؟ وأن يريحنا جلّ وعلا من كل شيطان رجيم؟ فما دمنا نبيح لأنفسنا الخوض فيما لم نؤمر به، ولسنا بمساءلين عن عمل وفجور أهله، ألا يكون مثل هذا الدعاء الفجّ وقتذاك مشروعا؟ أو لا نستزيد منه ادعاء منا عبثا التأسي بسيدنا نوح عليه السلام فندعو الله أن يزيل الباطل كلية من الأرض فلا نلمس له في واقعنا أثرا؟ ويُبيد الظلمة والطغاة والمجرمين فلا نسمعُ لهم في حاضرنا ركزا؟<br />
إن مثل هذه الثقافة ومثل هذا النوع من الفكر ضارٌ بما نريده من الإصلاح، ويجعلنا خارج خطاب القرآن وسنن العزيز الرحمن، لأنه يغيّبُ السنن ويضخّمُ الفتن، ويمنعُ مشاريع الإصلاح من أن تسير وفق شروط السنن ومساقاتها، ويشغلنا عن ما يلزم حقيقة أن نجنّد أنفسنا له عبر التزود بالتقوى، وصقل الإيمان، والعمد لتفعيل العمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والذي يتجلى أساسا في العناية بأصوات الحق المزهقة للباطل وقبيله، والرعاية لراجمات الحق الدامغة لرؤوس المنكر والناسفة لعتاد جموعه.<br />
<span style="color: #0000ff;"><em><strong>• نوحٌ دعا ربه لكفار قومه بالإبادة، لكن بوحي:</strong></em></span><br />
وسيردّ علينا البعض بأن الله عز وجل لعن الظلمة والمفسدين من أهل الكتاب وغيرهم، وأن نوحا عليه السلام قال في دعائه الذي ذكرناه آنفا والوارد في سورة نوح (الآيتان 26 و27) : وقال نوح ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، إنك إن تذرهم يضلّوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ، وأننا قدوة به جاز لنا أن نسأل الله أن لا يذر من اليهود ديارا، فما لك لا يروقك ذلك وهو منصوص عليه في الكتاب؟<br />
وأجيب : إن سيدنا نوحا لم يفعل ذلك ولم يدعُ به إلا لما أطلعه الله على الغيب بأن مستقبل هؤلاء لا خير يرجى منه، وأن دوام الحياة لكفرة قومه لن يتأتى منه نفعٌ يضاف لأهل الإيمان، وأن سنة الله قد قضت أن يجعل بعد العسر يسرا، لا أن تضيع الأوقات فيما قدر الله من عمر الإنسانية في توالي الفساد وتنامي الكفر واشتداد العسر. يقول الله عز وجل: وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ. وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (هود: 36-37)، فالآيتان تتضمنان افتتاحا بخبر واختتاما بخبر، وبينهما أوامر ثلاثة لا يستطيع تنفيدها إلا أولي الحزم والعزم من الرسل، ولهذا كان نوحٌ عليه السلام أولهم، لا بأس أن نتناولها بنوع من التفصيل دون إطناب، ففي محطاتها دروس تطبيب نحن أولى باستيعابها والاستفادة منها:<br />
• فالخبر الافتتاحي: لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدَ آمَنَ ، خبرٌ مهولٌ بالنسبة للرسول الذي لم ييأس من روح الله، ولبث في الدعوة له عزّ وجلّ بشهادة الله له ألف سنة إلا خمسين عاما لا يكلّ ولا يملّ، يردّد القول رغم الآذان المؤصدة والاستهزاء المستمر كما عبّرت عن ذلك بتفصيل سورة سميت باسم الرسول نوح ، ومصيبةٌ بل عذابٌ شديدٌ من الله أن يضيّع القوم فرص نجاتهم ونجاة ذرياتهم فيفوتهم أن يخرج من نسلهم من عسى أن يهتدي فيكون باعثا لهم على التوبة، أو محفزا لهم بحسن سمته وقويم سلوكه وشدّة عطفه للإقبال على الله وتدبر آياته، أو يكون لهم فيه أمل شفاعة لدى الناس، ولسان ذكر في الآخرين، أن تركوا فيهم ذرية من أهل صلاح وإصلاح!<br />
• والخبر الختامي: إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ، وهذا لونٌ من العذاب لم يسبق أن عهدته الأرض، يوحي بأنها ستشهد طهارة شاملة يمحى بها الكفر قاطبة، تُنشّأ بعده الإنسانية على درب جديد وعهد وليد ليس فيه من أهل الباطل أحد، مع ثقل الأمانة في بنائه وترسيخ قواعده، علم الله جلّ وعلا وقعها على نفس نبيه فطمأنه بالسلام والبركة بقوله: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (هود: 48)،<br />
• والأمر الأول: فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُون ، وابتأسَ الشّخص حَزِنَ واكتَأَب واغتمّ، وليتصور أحدنا أنه نبّه للخطر يستشعر قدومه جماعة، أو فردا واحدا، ينذره ويحذّره ويدعوه للتعجيل بالسعي للسلامة، والمنذَر لا يبالي، بل يسخر ويشتم، ألا يعتريه حين حلول ما أنذر به حزنٌ أو اكتئابٌ أو غم؟ فكيف إذا أُمر أن لا يصدر عنه شيء من ذلك؟ قال فخر الدين الرازي في تفسيره «مفاتيح الغيب»: «إن نوحاً لشدة محبته لإيمانهم كان سأل ربه أن يبقيهم، فأعلمه أنه لا يؤمن منهم أحد ليزول عن قلبه ما كان قد حصل فيه من تلك المحبة، ولذلك قال تعالى من بعد: فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُون أي لا تحزن من ذلك، ولا تغتم ولا تظن أن في ذلك مذلة، فإن الدين عزيز، وإن قلّ عدد من يتمسك به، والباطل ذليل وإن كثر عدد من يقول به.»<br />
• والأمر الثاني: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وهذا أمر ضلّ في فهمه جمعُ من المفسرين ومن عانق رؤاهم من التابعين، وداؤه في تهوين جليل نصّ القرآن وتعظيم صنع الإنسان، وأصلٌ لفاسد الطب للمجتمع، وتفاقم لأمراض عجزه عن النهوض بعلمه وصقل عقوله، لأن الله حين قال وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ذهب هؤلاء إلى أن سفينة نوح هي تجميع ألواح بحبال أو مسامير خشبية تمكّنها من أن تطفو على الماء لتسير بأمر الله، متغافلين عن المهارة الفائقة في ابتكار السفينة التي صمّمت أولا بوحي الله، ومن ثم فهي لن تُنال صنعة ولو من أمهر المهندسين في أي زمان ومكان، وتشكلت بعين الله، فلن تضاهيها أي سفينة على مدى الدهر مهما تقدم العلم وتوسّع الاختراع! فهي من ألواح ودُسر، لكن حين خضعت لمهارة الصانع بوحي الخالق نتج عنها شيء لو تشكّل لنا عيانا لرأيناه يفوق الخيال، ولشهدنا أنه من صُنع الإنسان محال.<br />
نقول هذا تنبيها لما تحشره الأفلام الكرتونية ولُعب الأطفال الإلكترونية والقصص والمسلسلات المسلية في أذهان المستهلكين على مختلف أعمارهم من تهوين لأمر السفينة، وأنها على شاكلة ما صنعه الإنسان في حقبة تاريخية متقدمة، مما جزّأه غباوة بعض أدعياء العلم من الزمن، جعلوا الآدمي فيه يرقى تصاعدا وعلى خطوات من الحيوان إلى الإنسان، بيد أنه أول ما خُلق كان في أحسن تقويم، لن يرتفع إلى مثله مدى الدهر إلا بالإيمان والعمل الصالح، وإلا فهو هاو أسفل سافلين، وإن علم ظاهرا من الحياة الدنيا وادّعى جهلا أو غرورا أنه من المتقدمين!<br />
فسفينةٌ جرت بنوح ومن معه في موج كالجبال وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَال (هود: من الآية 42) هل تضاهيها سفينةٌ مما علمنا ورأينا وما لم نر ولم نعلم من السفن؟ نحن رأينا السفن في تسونامي اليابان تجرفها الأمواج إلى البر أو تضعها على سطوح الأبنية، وعلوّ أكبرها وأخطرها عشرون مترا، فهل يدرك الناس ضخامة علوّ الجبال؟ فلفظ الجبال في الآية مطلق، لا يستثني جبل إفرست وغيره من المثال، أي أن علو أمواج بحر الطوفان حين التشكل كان يزيد عن 7000 متر! فهل ينفع لمقاومة تياراته تجميع ألواح؟؟ وقلنا «حين التشكل» لأن تواصل تهاطل الماء من السماء، واستمرار انفجاره من الأرض جعل السفينة غواصة حين التقى الماء! فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (القمر: 11-12)، فهل تُراها كانت سفينة عادية؟<br />
بل هي سفينةٌ من صُنع الله، تمخُر الماء وتُقاوم دخول الماء وتغوصُ في الماء، وما كان الله الذي أتقن كل شيء صنعه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (النمل: من الآية 88) أن ينوّه بالسفينة كآية وهي من النوع البدائي الذي يتخّيله الغافلون ويزدريه المتردّدون! فالله إذا قال في الشيء آية فهو مُعجز لا يُضاهى ولا يُحاكى، بل أنعم الله على الخلق إذ قال: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (يس: 41-42) فجعلهم بخلق وجعل منه يتنافسون في الابتكار، ويتبارون في إتقان الصّنعة يشيدون سفنا مثل ما صَنع نوح تمخر الماء مثلها، لكن يستحيل، وهي من صُنع الناس بإلهام لا بوحي، أن تصل إلى المستوى الراقي والمثالي لما صنع نوح!!<br />
ولقد عاشت الأمة عصورا من الانحطاط ممتدة الزمن بعد اقطاعها التفاعلي مع القرآن تردّد أساطير اخترعها دُهماء بني إسرائيل وغيرهم من أدعياء العلم، تفصّل في عرض وطول وعدد ألواح ومسامير السفينة، وعدد من ركبها من الدواب والأنعام والوحوش، بل تعرض تفاصيل شروط بعض الخلائق للركوب ومتطلبات استجابتها، مع ذكر نباهة أدهاها إبليس حين تمسّكه بذيل الحمار آخرها ركوبا ليسأله نوح بعد الولوج خلسة من أدخله السفينة!! وغير ذلك من المتاهات والحماقات التي تضمنتها بعض التفاسير نقلا عن «قناة أخبار خيالية» تزعم النقل الحي لوقائع زمن نوح، لا تضاهيها في الكذب والسفه إلا ما يُستجدّ لهوا أو سفها من أساطير زماننا السنيمائية والخرافية!!<br />
ونحمد الله الذي جعلنا من ذرية من آمن مع نوح ولم يجعلنا حضورا في قوم نوح! لأننا لو رأيناه يبني السفينة في مكان لا بحر فيه، وبعجيب تصميم لم نعهده لا في الأولين ولا في الآخرين، لأوشكنا أن نكون ممن قال الله فيهم وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (هود: 38)!! فليس سهلا أن يرقى الإنسان مهما ارتفع علمه إلى تنفيذ صنعة الله بوحي الله، ولا أن يصبر على أذى وسخرية من يعجب من ذلك من خلق الله! ولو قدّر لي افتراضا وأنا العبد الضعيف أن أكون مرافقا لأحد ممن آمن مع سيدنا نوح مع خبرتي الطويلة في الهندسة &#8211; والحمد لله أن أنعم عليّ أن أكون حيث اختار لي عزّ وجلّ أن أكون &#8211; لما تجاوزت صبرا ولا قاومت عجزا يوما أو بعض يوم، ولما سلمت &#8211; إلا أن يلطف الله &#8211; أن أكون من المتشككين، فكيف بالسنوات الطوال من الدعوة والمقاومة والصبر والعزم والحلم!!<br />
• والأمر الثالث: وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ، وهذا الأمر الإلهي سدّ الباب في وجه سيدنا نوح في أن يدعو الله لقومه بالتوبة والهداية، أو أن يشفع لهم عنده جلّ وعلا فيمهلهم أزمنة أخرى لعلهم يرجعون. وخوفا من مثل هذا كان رسولنا عليه الصلاة والسلام يقول «شيبتني هودٌ وأخواتها»، وأخواتها السور التي فيها ذكر معاناة الأنبياء وهلاك الأمم (الحديث حسّنه الترمذي، واطلعت على بحث موثق ضعّفه فيه صاحبه لمعارضته لحديث رواه البخاري عن أنس بن مالك أن النبي قبض وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء). فسيدنا نوح مُنع بأمر إلهي من أن يخاطب الله في قومه عفوا أو مغفرة أو هداية منبئا أنهم مغرقون، فلم يبق له إلا أن يسأل الله إزالتهم كلية حتى يتوقف الفساد مادام ليس للصلاح فيهم نفاد! ذلك دعاء نوح وتلك ما نحسبه دوافعه وأسبابه.<br />
وثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لرسول اللّه : «يا رسول اللّه هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحُد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك وكان أشدّ ما لقيت منه يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد ظللتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني، فقال: إن اللّه قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد إن اللّه قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال رسول اللّه : بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه لا يشرك به شيئا.»<br />
هذا يقوله إسوة برسوله كلّ من له مشروع إصلاح مستقبلي يؤمن بإمكانية تجليه، وليس له في علم الغيب ما يمنع من تحققه، ولا سبيل له لوحي مثل ما أوحي لسيدنا نوح يُنبئٌه ببوار كفار قومه! ففرق كبير أن تعُدّ العدّة وتستجمع وسائل النصر ثم تدعو الله أن يُعليَ دينه ويهزم على يدك أو غيرك من يعاديه ويمنع ظهوره، وأن يكون همك وأغلى أمانيك زوال هذا العدو من الأرض إلى الأبد لكي تستريح أنت من كل ما هو مطلوب منك من العدّة والإعداد، أو تكتفي بالسب والشتم واللعن متسارعا إلى الرقاد!<br />
<span style="color: #0000ff;"><em><strong>• من حسن الطب عدم الاعتداء في الدعاء:</strong></em></span><br />
فنحن حين ندعو الله سبحانه، لا بد من التقديس والتقدير والتمجيد للذي ندعوه عزّ وجلّ، فلا نعتدي في الدعاء، ولا نسأله إبطال سننه، لتمشي الأرض على ما يخيل إلينا أنه سليم الحال وقويم المآل، فلم يبطلها جلّ علاه لأحد! أو لا نفرح ونقنع بما سنّه ربنا سبحانه من سنن راسخة دائمة منطوقها النصر للمسلمين والدفاع عن المؤمنين؟ ألم يعد تبارك وتعالى بالفوز والنصر من تولاه وتوكل عليه؟ ألم يقل عزّ من قائل: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (النساء: 141)، وما كيد الكافرين إلا في ضلال (غافر: 23)، ذلكم وأن الله موهّن كيـد الكافرين (الأنفال: 18)، ويحقّ الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون (يونس : 82)، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (الأنفال:8)، إن كيد الشيطان كان ضعيفا (النساء : 76)، وقل جاء الحق وزهق الباطل. إن الباطل كان زهوقا (الإسراء : 81)، إن الله يدافع عن الذين آمنوا (الحج: 38)؟ هل بقي لنا بعد هذا في المواجهة من شيء إلا بذل المستطاع إعدادا، وجميل التوكل استعدادا، وخالص الدعاء أن يثبت الله أقدامنا وينصرنا إمدادا؟!<br />
ألسنا نتعظ بما قال نبينا نوحٌ لقومه لما جاءوه مهدّدين وظلوا منه ساخرين؟ هل قال لعنكم الله وأبادكم ومحا الأرض من أمثالكم، أو سبّ وشتم ولعن؟ ألم يرفع التحدي بالحكمة ورام إلى الحق بالعصمة كما هو في سورة يونس (الآية 71): واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ؟<br />
فهذه الألفاظ البليغة الحاسمة لا يقولها إلا الواثق في الحق القوي بالحق، ولم يدعُ دعاءه بالإبادة إلا بعد أن استيقن وحياً أن لا طائل من الدعوة في مثل قومه، بعد أن استفرغ الجهد بكمال وإتقان كما هو مبين في سورة نوح لتبليغ الدعوة وأداء الأمانة وبيان الرسالة، بل قضى بينهم من العمر ما يسمح له على تواصل الجهد والطمع في النجاح باليأس! فألف سنة إلا خمسين عاما ليست بالزمن الهين حتى بالنسبة للأمم والدول، وعمر احتلال فلسطين لا يزيد على الخمسين التي بقيت لتمام الألف إلا قليلا، ومع ذلك يدب فينا التقاعس للإعداد، وتسري في صفوفنا الغفلة عن الاستعداد، فأنى يكون لله منا الإمداد، إلا بلطف منه ورحمة، وإبعاد عذابٍ وتحصيل مغفرة. أو لا يجدر بنا وقد لاحت أنوار فجر الانتصار، ونهار الفخر يُسلخ سراعا من ليال القهر، والباطل يرجفُ من قرب الزوال، رغم توالي المحن واشتداد الفتن، أن نسارع للحق وتقوية منابر الحق؟؟<br />
<span style="color: #0000ff;"><em><strong>• قويمُ الطب التمسك بالحق والاستثمار في الحقُ:</strong></em></span><br />
فالحق موجودٌ مدوّن محفوظ، لكن أين من يستدعيه ويقذف به الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق؟؟ فمثلنا مع الحق كالمثل الوارد في الذكر الحكيم: كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه (الرعد : من الآية 14). فمن مسلمات الإيمان وثوابت الإسلام أن الباطل زهوق، وكيد الشيطان ضعيف، ولكنّ عللنا الكبرى في ضعف الإيمان بقوة الحق، والإمساك عن الإنفاق في سبيل تقوية منابر الحق وأهل الحق، والانشغال عوض ذلك بالباطل وشتم فعله ولعن مكره، وتصوّر بعضنا أن سب أهله وشتم أفعالهم مهوّن عن النفس شيئا، أو مغيّر طرفا من خططهم، أو معطّل جانبا من مكرهم.<br />
وأصل الدّاء في أوساطنا غياب العناية بالقرآن والرعاية للقرآن؛ فبعدنا عن القرآن وبيان القرآن قد أفقدنا ضوابط الميزان! فلكم رأينا وشاهدنا ألوانا من الفتك والتنكيل بالإنسان، الإنسان المسالم البريء أيا كان، ولم يهتز لدينا الكيان، ولا قاومنا بل ولا أشرنا للمجرم بالبنان، وقد يمسّ الحائط مما نقدسه من البنيان، فننفعل أقوى من صمتنا حين المسّ بالإنسان، بل كثيرا ما نلوم المعتدَى عليه في إثارته للمعتدِي، وقلّ أن نمدّ له يدا بإحسان! حتى أمسى طبيعة أن نتهم المظلوم &#8211; حين مطالبته بالحق &#8211; بإزعاج الظالم، منبهين إلى أن حركته هذه في غير محلها ووقتها، ويفتي من يُدعى &#8211; أو يدّعي &#8211; أنه المفتي أن الحلّ الحكيم هو في الصمت عنها والامتناع عن تناولها إلى أن يتجلى زمنها.<br />
لكن حين يحذرنا من رام هلاكنا، من خصام نشب مكراً بين أبنائنا، ببقعة ما من أرضنا، هو وراء إذكاء ناره وتهييج لهيبه، ننزعج ونولول، ويفتي ذات المفتي بضرورة الاستجابة لنصائح صاحب التحذير، وتلبية ندائه، عبر السماح له بالضرب والحرب، والوقوف جنبه باحتلال الأرض، وتأديب من ادعى أنه المشاغب، والفتك بالمتمرد، دون دراسة للعواقب، أو جدّ في إصلاح وتهذيب من شاغب فعلا وتمرد، أو العمد للإصلاح والصلح، وترسيخ قواعد العدل وإقامة موازين القسط.<br />
ذلك أننا في تطبيبنا لمرضنا اختلطت لدينا المعايير إلا من رحم الله، وتمازجت في الأذهان مواصفات الدواء وصفات الأدواء، وأصبحنا نصغّر كبيرا ونضخّم صغيرا، ولا نميز بين تهويل فرع وتغييب أصل، لولا زمرة عليهم المعوّل وفي جهدهم واجتهادهم الأمل، أما السبّ والشتم للمرض، والانزعاج من جرح بسيط بالبنان، مع عدم انتباه لما يكاد يُسكت القلب أو يُغيّب العقل أو ينفي الوجدان، فهذا منا هو الجهل المركب بالداء والدواء على السواء.<br />
ومجمل القول مُضيُّ من هو على نور من الله في توطيد عرى مجده، وتأكيد عزه، وترسيخ دينه، وحماية أرضه، وصناعة غده، ومواجهة عدوه، لا يخاف في الله لومة لائم، لا يصنّف الناس ولا يُرهبهم، ولا يلعنُ رجالهم ولا يكفّر ضالهم، نهجهُ الإتقان والحكمة، وإعمالُ الحلم والعلم في إخماد سطوة الظلمة؛ ثم انزعاج من لم يُعر لشروط البقاء بالا، ولا بذل في حقول صادق النماء مالا! يرى أن المساس بنهج عليل قد يجرّ على الأمة الهمّ الثقيل، وأن التمسك بوضع غشوم خير من فتنة تدوم، وأن وجود فلان بلية، وبقاء علاّن مزية، وغير ذلك من مبررات تزكية الواقع الهشّ المنخور بالمنكر، عبر التخويف والانزعاج من تحوّل مشاريع إصلاحه إلى شرّ مُستطَر!!<br />
وغير غريب انزعاجُ من لم يَبق عليه من الثياب &#8211; بعدما رمى تقليداً أجملها، ونزع عنه حداثةً أسترها &#8211; إلا جوربٌ في رجله اليسرى، مزهوٌّ بذاته مطمئنٌ لحاله حريصٌ على جوربه قد شغله طول الافتتان بالغير عن ستر عورته الكبرى! فتلك هان أمرها وقلّ لومها، إذ أضحى بتوالي الأيام يألف كشفها الخاص والعام، أما غياب الجورب فخطيرُ المقام وابتلاءٌ بالعري التام! وليس من العجب، باعتقاد رأيه الأصوب، أن يظلّ همّه الجورب !!!</p>
<p>د. محمد بريـش</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2015/01/%d8%a3%d9%8a%d8%b3%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d9%84%d8%a8%d9%84%d9%88%d8%ba-%d8%a3%d9%86%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b5%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a8%d9%91/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>أيسر القواعد لبلوغ أنبل المقاصد</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2014/12/%d8%a3%d9%8a%d8%b3%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d9%84%d8%a8%d9%84%d9%88%d8%ba-%d8%a3%d9%86%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b5%d8%af/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2014/12/%d8%a3%d9%8a%d8%b3%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d9%84%d8%a8%d9%84%d9%88%d8%ba-%d8%a3%d9%86%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b5%d8%af/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 04 Dec 2014 02:39:27 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. محمد بريش]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 430]]></category>
		<category><![CDATA[تربية و تعليم]]></category>
		<category><![CDATA[الإرهاب]]></category>
		<category><![CDATA[الإصلاح]]></category>
		<category><![CDATA[الحكمة]]></category>
		<category><![CDATA[الدعوة]]></category>
		<category><![CDATA[الرفق]]></category>
		<category><![CDATA[الصحة]]></category>
		<category><![CDATA[الطب]]></category>
		<category><![CDATA[المرض]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=8361</guid>
		<description><![CDATA[الطبّ حفظ صحة برءُ مرض، دون إرهابٍٍ للمريض ولا شَتمٍ للمرض (1)  كان العنوان الأصل لهذه القاعدة يوم عرضتها محاضرا في أحد المؤتمرات بألمانيا بمدينة دوسلدورف سنة 1997، ثم ألقيتها خطيبا من منبر الجمعة بالرباط سنة 1998 هو: «الواجب نحو المنكر النّهي والتغيير، دون سبّ ولا تعيير». ونظرا لما تحمله كلمة «تغيير» من معنى يُراد [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<address><span style="color: #0000ff;"><strong>الطبّ حفظ صحة برءُ مرض، دون إرهابٍٍ للمريض ولا شَتمٍ للمرض (1)</strong></span></address>
<p> كان العنوان الأصل لهذه القاعدة يوم عرضتها محاضرا في أحد المؤتمرات بألمانيا بمدينة دوسلدورف سنة 1997، ثم ألقيتها خطيبا من منبر الجمعة بالرباط سنة 1998 هو: «الواجب نحو المنكر النّهي والتغيير، دون سبّ ولا تعيير». ونظرا لما تحمله كلمة «تغيير» من معنى يُراد به أساسا في المفهوم القرآني التغيير السلبي، لأن الأصل في النعمة توفرها على أحسن حال، ثم يفسد المرء بقاءها بتغيير في ضوابط شكرها يهدّد زوالها في المآل، ارتأيت أن أبتعد عن مصطلح التغيير، خاصة وأن النّحلة في القرآن، نحلة النهي عن المنكر، معبّر عنها بلفظ «النهي» في آيات شتى، منها قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النحل: 90)، ومنها قوله عز وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (آل عمران: 110)</p>
<p>ورغم أن حجّتي في العدول عن كلمة تغيير يفنّده استعمال من هو أبلغ الفصحاء وأفقه البلغاء وسيد الأنبياء حبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله &#8211; عليه أشمل الصلاة وأزكى السلام وعلى آله وصحبه الكرام &#8211; كتفعيل عملي للنهي عن المنكر، فإن ما كان يدفعني حقيقة لكلمة التغيير هو السجع والتناغم مع كلمة التعيير، حتى يسهل حفظ القاعدة وتدوم بذكرها الفائدة. فعن أبي سعيد الخدري  قال : سمعت رسول الله  يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (رواه مسلم).</p>
<p>ثم إنني كنت كلما سنحت الفرصة ذكّرت من منبر الجمعة ببعض القواعد التي سبق أن أشرت إليها بأسلوب مغاير وعناوين مختلفة، لكن بنفس المعنى حتى تحصل الفائدة، فكان أن عبرت مرة عن القاعدة «الواجب نحو المنكر النهي والتغيير، دون سبّ ولا تعيير»، بأسلوب آخر فقلت شارحا لها: «الطب حفظ صحة برء مرض، دون ضياع للوقت ولا للجهد في تشديد اللوم على المريض، ولا كيل الشتائم للمرض، ولا استغراق الوقت في تعداد الأسباب أو الاكتفاء بتحميل المسؤوليات للمريض وأهل المريض بدل الإسراع بمباشرة علاج المرض».</p>
<p>وكنت في مقتبل عمري قد اطلعت على أرجوزة لابن سينا في الطب في كتاب أنيق الطبعة، مع ترجمة لنص الأرجوزة بالفرنسية وأخرى عتيقة باللاتينية (طبع الكتاب بباريس سنة 1956 وعمري وقتها ثلاث سنوات، أي عمري زمن طبعه وليس الاطلاع عليه!)، فأعجبت بها وبنظمها مع بعض التحفظ على بعض أبياتها، يبدأ فيها الطبيب الرئيس الكلام عن الطب &#8211; بعد حمد الله والثناء عليه وتحديد المراد من الأرجوة &#8211; بتعريف ماهية الطب بقوله:</p>
<p>الطبُّ حفظُ صحةٍ بُرءُ مرضْ     ***      في بدنٍ من مرضٍ عنه عَرضْ</p>
<p>فاخترت صدر البيت ليكون منطلق القاعدة لتصبح الصياغة الجديدة لها «الطب حفظ صحة برء مرض، دون إرهاب للمريض، ولا شتم للمرض»، وهي صياغة معبرة عن المراد، إذ أتقن الطبيب الرئيس ابن سينا تعريف الطب، ولا أظن طبيبا أو غيره من أولي النهى سليم آلة الدرك يجادله فيه، ففيه الكفاية والغاية لذي حِجر، إذ المقصد الأساس من الطب حفظ الصحة، ومنتهاه برء المرض؛ وغاية الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل سياسة المجتمع وإدارته والعمل على النهوض به، حفظ الناس والمجتمع مما قد يعطّل دنياهم أو يضرّ بأخراهم.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>الطب عنايةٌ بالمريض وعلاجٌ للمرض:</strong></span></p>
<p>«الطب حفظ صحة برء مرض، دون إرهاب للمريض، ولا شتم للمرض»، فمن كان السبّ دأبه والشتم ديدنه فهو مريضٌ يحتاج قبل غيره إلى عاجل علاج، إذ مثله ينفعل أكثر مما يفعل، وتستفزه بشاعة الداء شاغلة لذهنه عن الاهتمام بقويم الدواء، لا يطيق رؤية المريض ولا يستحمل السماع عن المرض، فلا تكاد مهارته وخبرته تنفعُ بشيء إلا حين هدوء نفسه وتركيز عقله.</p>
<p>ذلك أن الطبيب الماهر لا يحتاج إلى شتم للمرض، ولا يُستساغ منه تعنيف للمريض، فإن الداعية والواعظ والعالم والمعلم ورجل السياسة والإدارة ليس أي منهم في حاجة لشتم المنكر وسب الشر والأشرار، ولا هو مقبول من أحدهم تشديد العتاب على من وقع بجهالة في معصية أو ذنب، أو لوحظ عليه الخطأ أو العطب في تحركاته وفعله.</p>
<p>وضوابط طبّ النفس وطبّ الروح وطبّ صلاح المجتمع حدّدها الخالق عز وجل فقال: ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادلهم بالتي هي أحسن، وهي كلّها عبارات تدعو في كل أداة من أدوات الدعوة الثلاث إلى الارتقاء للقمة في الأداء، وحسن التناول وجميل التصرف: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن؛ فلا مجال لتعنيف أو ترهيب بين الحسن والأحسن، ولا مكان للسب والشتم في مجال أَحكَمتْ تطويقه الحكمة.</p>
<p>فالمقصد الأساس حفظ الصحّة، صحة الأبدان والأرواح، وصحة الأجساد والأنفس، والغاية المثلى البرء من الأمراض وزوال الأسقام، وعلاجُ ذلك لا ينفع فيه التعنيف إلى درجة الإرهاب، ولا اللوم إلى مستوى السب والشتم، ولكن تبلغ القصد الرفيع منه الحكمة في المعالجة والتناول، وملازمة الرفق واستصحاب الحلم وحسن التعامل، في مناخ ركائزه نفائس القيم ومكارم الأخلاق.</p>
<p>ونحن إذ نركز على جانب الدعوة -والتعليم برمته جزء منها، إذ المعلم داعية، بل من أهم الدعاة- فإننا لا نغفل عن كون الانتقال في رحاب الحكمة بالوعظ والجدال من الحسن إلى الأحسن لازم في كل المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، خدمة لكل الفئات، الشابة والراشدة والتي مسّها الضّعف والشيبة.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>والدعوة والإصلاح كلاهما حكمةٌ ورفقٌ ونصحٌ وتسديد:</strong></span></p>
<p>والدعوة طبٌّ للنفوس، والإصلاح طبٌّ راق للمجتمع والأفراد، وكل منهما لا يخرج عن قوانين الطب وأخلاق الطب، وكلاهما يحتاج لحكمة ورفق وحلم وحسن تسديد وجميل ترشيد، في كل مجال وبكل ميدان، حتى ولو تعلق الأمر بإنزال العقوبة حين القسط أو التعزير حين العدل.</p>
<p>فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : «إن الله رفيقٌ يحبٌ الرفق في الأمر كله» (متفق عليه)، وعنها رضي الله عنها أن النبي  قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانهُ، ولا ينزعُ من شيءٍ إلا شانهُ» (رواه مسلم)، وعنها كذلك رضي الله عنها «يا عائشة، إن الله رفيقٌ يحب الرفق، وإن الله يعطي على الرفق مالا يعطي على العنف وعلى ما سواه» (متفق عليه). ويؤكد هذه الأحاديث الصحيحة قوله تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم (فصّلت: 34).</p>
<p>بل نجد الميول للرفق وحثّ المؤمنين على الستر والعفو فيما بينهم، وتجنب رفع المظلمة للحاكم ما أمكن، من الأخلاق والشّيم التي نصح بها رسول الله  أمته ولو تعلق الأمر بإحقاق الحق وإقامة العدل، حرصا على اللطف والتراحم حتى مع من أجرم، وهذا من جميل التطبيب للمجتمع والعمل على كمال صحته.</p>
<p>ففي حديث حكم الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة (4/182) بحسنه عن عبد الله بن مسعود قال : إني لَأذكرُ أولَ رجلٍ قطعه رسولُ اللهِ ، أُتِيَ بسارقٍ فأمر بقطعِه، فكأنما أسِفَ وجهُ رسولِ اللهِ ، فقالوا : يا رسولَ اللهِ كأنك كرهتَ قطعَه؟ قال: «وما يمنعُني؟» (بمعنى أنه لم يجد  شرعا ما يمنعه وإلا لامتنع)، «لا تكونوا أعوانًا للشيطان على أخيكم، إنه لا ينبغي للإمامِ إذا انتهى إليه حدٌّ إلا أن يقيمَه، إنَّ اللهَ عفُوٌّ يحبُّ العفْو»، وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (النور: من الآية 22)</p>
<p>وسار على نفس النهج الخلفاء الراشدون في لينهم وتعاملهم مع المنكرات بنوع من التطبيب فريد يعالج المرض ولا يعنّف المريض، ففي أثر لا تخل أسانيده من مقال سَأل عمر بن الخطاب  يوما عن رجل يعرفه، فقالوا له: إنه خارج المدينة يتابع الشراب، فكتب له عمر يقول: «إنني أحمد إليك الله الذي لا إله غيره، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب». فلم يزل الرجل يردّد كتاب عمر وهو يبكي حتى صحّت توبته. ولما بلغ عمر  قال: «هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم زلّ زلة فسددوه ووفقوه وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه».</p>
<p>وكذلك كان الجيل الأول من الصحابة الكرام ، فقد جاء في كنز العمال للمتقي الهندي، وشعب الإيمان للبيهقي، عن أبي قلابة أن أبا الدرداء مرّ على رجل قد أصاب ذنبا فكانوا يسبونه، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب (وهو البئر إذ القليب اسم بئر في بدر) ألم تكونوا مستخرجيه قالوا: بلى قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم، قالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي.» (الحديث فيه مقال لأن أبا قلابة لم يسمع من أبي الدرداء كما قال ابن حجر في الفتح).</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>الطب سليمُ فحص وقويمُ تشخيص:</strong></span></p>
<p>والطب فحصٌ وعلاج، أي تشخيصُ حال واستشرافُ مآل، إن أُخذ بالعلاج فهو مآلٌ لا شك واعدُ الحصاد، وإن أُهمل فقادمٌ منذرٌ للورم بازدياد!</p>
<p>وحتى نوجز العبارات نضرب المثل: واقعنا المتردي مُزمنُ المرض، إذ المرض به قديم! فالاستعمار مرحلة استفحل فيها المرض، وعصور الانحطاط قبله كانت مرحلة مرضية مهّدت لما بعدها من تحلّل واحتلال، ولم تعدم الأمة أطباء فضلاء دعوا بقدر ما استطاعوا لقويم العلاج، فاستجاب البعض وانغمست الكثرة في مزيد اعوجاج. فمثلا في ماض قريب، استنفرت الطاقات لتحرير فلسطين وتقاعس الذين خانوا الله ورسوله، وفي كلّ كرة من عدوان الغاصب ينادي المنادي فلسطين تستغيثكم، ثم يمكر الذين غدروا، ويعتذر الذين للجهاد غادروا!</p>
<p>وجاء اليوم المعذّرون من الأعراب يردّدون أن «داعش»أفسدت وأهلكت، و«القاعدة» من قبل دمّرت وتآمرت، وغدا يدعون أن «براقش» سفكت وهتكت، وهلم جرا مما يُصنع ويتشكل من الكيانات الفُجائية تحت أعيننا، لضعف في مناهج تربيتنا وتعليمنا، وغياب لقويم الدعوة في أوساطنا، ووأد للنصيحة بيننا، وشطط في السلطة ساهم في تفكك في مجتمعاتنا، وتوظيف لبعض أولادنا وفلذات كبدنا في تيارات ضحلة الفكر سقيمة الوعي مقطوعة الأصل، مع صمت مريب من معظم علمائنا وأغلب فقهائنا!</p>
<p>وهو تشخيصٌ منهمُ أعمى، وخللٌ في التحليل أدهى، يرى الضرر حيث حَدَّد الغير أن يُرى! أما القصف المتواصل للمدن والقرى بالدبابات والبراميل، والدماء الجارية بالرصاص والقنابل، وإهانة المسلم وقتل المؤمن في واضحة النهار، والمساس بالمقدسات، وانتهاك الحرمات، والاعتداء على الأطفال والنساء، فذاك شيء زاغت عنه الأبصار، ويُتهم بالتواطؤ والإرهاب من سولت له نفسه نعت أصحابه ودعاته بالظلمة الأشرار!</p>
<p><strong>أصلُ الدّاء الغفلةُ عن لوازم الإعداد وشروط الاستعداد:</strong></p>
<p>وأصل الداء الغفلة عن لوازم الإعداد، علما وفهما وتطويرا وتمكينا، وتفعيل ذلك بما يستدعيه الموقف من الأهبة والاستعداد، بالعلم والتعلم والإتقان والخلق الحسن، والإقدام على الله ذكرا وعبادة، وطاعة لله ورسوله، وإبعادا للشقاق ودواعي الفرقة، والتواصي بالحق والصبر، لينعم الخالق بعد تمام الإعداد وكمال الاستعداد بالإمداد، فذلك طبٌّ خاص، لا مجال فيه لغياب الحكمة أو التفريط في مستلزمات شكر النعمة.</p>
<p>ذلك أن الاستراتيجية فنونٌ ثلاثة : تعبئةٌٌ ومواجهة ومراجعة، عرضتها سورة الأنفال فبدأت بالمراجعة، ثم فصّلت في ضوابط المواجهة، لتنتهي بلوازم التعبئة، ولنقدم تأصيل الفنون الثلاثة في محطات ومراحل ثلاث بترتيب معاكس: مرحلة الإعداد، ومرحلة الاستعداد، ثم مرحلة الإمداد. والمرحلة الخاتمة هي الفصل، إذ فيها يتجلى النصر، وهو من عند الله لا دخل لغيره فيه، فحتى الملائكة الألف المردفين بآلاف غيرهم، إنما ردفوا لمشاركة المؤمنين بشرى النصر، وفقه تلك المراحل يحتاج إلى وقفات نرجو الله أن ييسر عرضها وبسط نفائس درسها.</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>وطبّ المجتمعات استراتيجيٌ بالأساس:</strong></span></p>
<p>وحفظُ الصّحة وبرءُ المرض في منطوقه الاستراتيجي هو على منهج ما أشرنا إليه في القاعدة الاستراتيجية الأولى «الأولوية للحق وأصواته، ولا فزع لا من حجم الباطل، ولا من تعدّد أبواقه» وما تفرع عنها من قواعد خمس:</p>
<p>«إنّ الراشد من أصوات الحق ينبغي أن يُحفظ»، أي أن يحفظ في تمام رشده، وكمال صحته وعافيته. فحفظ الموجود ضروري لمباشرة السعي للمفقود.</p>
<p>«وأنّ القاصر منها ينبغي أن يُرشّد»، وترشيده يحتاج إلى حسن تطبيب، وإتقان فحص، وعميق تشخيص، دون إرهاب أو ترهيب.</p>
<p>«وأن المعوجّ منها ينبغي أن يقوّم ويسدّد»، وهذا عملٌ جليلٌ، لا يتقنه إلا ماهر الأطباء وحكيم الفقهاء.</p>
<p>«وأن المكبّل منها يلزم أن يفكّ قيده ويساعد»، فحسن طبّه في فكاك قيده، لا في تعنيفه وإرهابه.</p>
<p>«وأن الغائب منها ينبغي أن يوجد»، وعلى رأس قائمة الغائبين: المهرة في الطب الراسخين، الذين هم بلسمُ الأمة، في شتى أنواع العلم وفنون علوّ الهمّة.</p>
<p>وترى الماكر المتربص بنا الدوائر يُلهب الأبواق صراخا يدّعي لحالنا حُسن التطبيب والتشخيص، فيهوّل العطب ويتباكى على صغير الجرح، ليقترح مكرا ما يدعيه دواء وهو عين الداء! إن رأى بقدمنا جرحا تداعى للنصح أن عين السلامة وسديد الترياق هو في بتر الساق، ثم لم تكن فتنتنا إلا أن صدقناه بأن علاج العمش بالعين هو في قطع الرأس، لما استدل به من برهان يقيني أن العين بالرأس!!! ولنا فيما تقترحه المؤسسات المالية الدولية من حلول لأزماتنا برفع سقف الدّين الربوي وتقليص الدعم الاجتماعي أفضل المثل وأكبر العظة!</p>
<p>ثم سخرية منا يتهمنا هذا «الطبيب الناصح» باغتيال ذواتنا وبتر أطرافنا، ليختم حكمه بجهلنا، وتفاقم شرنا، وخطرنا على الكون والحياة والإنسان. بيد أن أصل الأدواء هو في انشغالنا باللعن المتواصل للمرض وأسباب المرض، وجهلنا المخيف بقواعد الطب ومستلزمات التطبيب، أو بصريح العبارة في ابتعادنا عن معين الطب الذي فيه شفاء للناس ورحمة وهدى ورضوان، وركوننا لمن يرى بقاءه ونماءه في حربنا أيا كان الزمان والمكان!</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>طبّ التجزئة والتصنيف ليس بطب:</strong></span></p>
<p>ولم نعدم بيننا أدعياء طب رأوا الحلول في التجزئة الزمنية، فشيدوا بماضي الأمة إقامات يفرون إليها لغلبة الظن أن أهلها كانوا من الأطهار والسلف الأخيار، مع تزاحم الأوراش منها بالقرن السابع لدواعي الاختيار، وفتح بعضهم بالحاضر عن حسن ظن بابا لتفريج الكرب وتهذيب النفس عبر نافذة أصلها الحق في ما سماه عمدة الحديث محمد بن اسماعيل البخاري  «باب الرقاق»، تأوّل مع الزمن أطباؤها وصفة أدويتها فقدموا الجنيد وأخروا الجند! وآخرون وجدوا ضالتهم في الأزمنة القادمة، فرمت طائفة منهم الغد بالأماني، واستدعت طائفة منهم أهوال وأشراط الساعة على نحو ما ذكرناه في القاعدة الاستراتيجية السالفة: «الجهل بالسنن لا يعذر بكثرة الفتن»!</p>
<p>ثم وزعنا ذواتنا بناء على التجزئات السابقة بين أصناف شتى من الفرق والجماعات، من متقدم ومتطرف وليبرالي وثوري وإسلامي وإسلاموي وسني وشيعي وصوفي وقاعدي، وهلم جرا،&#8230; وأكثر ما نتّحد فيه السعي الكثيف للدنيا بأدواتها الحديثة وفي مختلف مراعيها المعاصرة، لا نكاد نختلف في الكدّ لها والحرص عليها إلا نتفا! والجهات المسؤولة تعزّز هذا الانفصام وتبرّر انتشاره بادعاء السعي لحفظ الصحة والبحث عن العافية وقطع دابر الألم، رغم ما نلحظه من تفاقم الداء وزيادة الورم، فليس من عافية أن يكبر الجرح ويتفاقم السقم!</p>
<p><span style="color: #ff00ff;"><strong>خطرُ إرهاب المريض وبؤسُ شتم المرض:</strong></span></p>
<p>ذلك موجز تحليل لمشروع حفظ الصحة وبرء المرض، أما معضلة إرهاب المريض وظاهرة شتم المرض فالآيات في موضوعهما مفصّلة فاصلة، والأحاديث النبوية للتصدي لهما هادفة حاسمة، نذكر بعضها دون ذكر للسند أو تفصيل في الرواية، فلعلّ ذلك يتدارك منا بإذن الله وعونه حين جمع القواعد في كراس يبوبها ويرتبها، يخرج أحاديثها ويوثق نصوصها، بعد مراجعة وتصويب، وإضافة وتهذيب.</p>
<p>يقول الله عز وجل :ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ قَدْ جَاءكُم بَصائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُون .(سورة الأنعام : 102-108)</p>
<p>فقبل أن يأمر الله المؤمنين بعدم سبّ من يسبه هو جلّ وعلا نبّه إلى صفاته المثلى فقال عزّ من قائل : ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُفهل إله بهذه الصفات يضره أن يُسَب؟ كيف وهو خالق كل شيء، والحاضر في كل مكان، والمدرك لكل أمر؟ فهو سبحانه يعرف سبّ المشركين له سرا وجهرا، وهو عز وجل لا يضره سبّهم ولا شتمهم له شيئا، إنما يريد منا نحن المؤمنين ويدعونا نحن المسلمين أن لا ننشغل بسبّهم، أو ننغمس في الردّ عليهم، فشتان بين إبطال قبيح فعلهم والانشغال بسبّهم.</p>
<p>وفي ذلك آية وعبرة، بل إعجاز وبلاغة، فلم يقل جلّ وعلا إذا سبّكم الذين كفروا فلا تسبّوهم، بل ضرب المثل بأقبح من ذلك فاحشةً فقال : وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وبسط سبحانه علة المنع في أن السبّ يرد عليه حتما بسبّ، وأنكم يا معشر المؤمنين بسبكم آلهتهم سيسبون إلهكم، أي ضمنيا إذا شتمتم أصلهم سيشتمون أصلكم، وإن سببتم قومهم سيسبّون قومكم، وبمعنى أوضح لما هو في الآية أحكم وأبلغ: السبّ سلاحُ الجبان، فالأولى الابتعاد عنه لمن تحلّى بالإيمان.</p>
<p>فالشيطان يوحي عبر سبّك خصمك أنك قد حققت نصرا، ولكن الحقيقة أنك مكّنته من إقامة بعض الحجة عليك بذمه وسبه، فضلا عن كونك فوَّتّ على نفسك وقتا وطاقة بذلك، كان الأليق أن توفّرها لما أنت مكلّف به، إذ هو الأمر الذي من أجله يعاديك ذاك الذي أنفقت جهدا وضيّعت وقتا في سبّه. فلنفرض أن رجلا يحرث أرضا وآخر لا يكرهه ولا يعاديه إلا لكونه يقوم بذلك الحرث، فجاء عدوه هذا يسبه ويشتمه، وبدأ هو ينشغل عن حرثه بالرد عليه، فهل يكون الحارث بسبه وشتمه مهما تعدّدت نعوت الشتم وغلظت ألفاظ السبّ قد حقق شيئا في النيل منه؟ أم أن عدوّه هو الذي حقّق ما يفرِحه بانصراف صاحب الحرث عن حرثه؟</p>
<p>ولهذا نلمس في الآيات البينات التي تلوناها أمر الله جلّ وعلا نبيه والمؤمنين بالاهتمام بالحق دون اكتراث للباطل فيقول: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّك،َ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُو،َ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُوا،ْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ، ففي ثنايا القول الكريم قمة الطب وأنفسه، طبّ النفوس وعلاج الأمراض النفسية والاجتماعية، ثم أعقبها عز وجل وقد تم البيان بالأمر الهام مع توضيح علته : وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ، ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُون.</p>
<p>جاء في أحكام القرآن لابن العربي المعافري رحمه الله: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: لَا تَسُبُّوا آلِهَةَ الْكُفَّارِ فَيَسُبُّوا إلَهَكُمْ وَكَذَلِكَ هُوَ؛ فَإِنَّ السَّبَّ فِي غَيْرِ الْحُجَّةِ فِعْلُ الْأَدْنِـيَاءِ. وَقَالَ النَّبِيُّ  : «لعن اللَّهُ الرَّجُلَ يَسُبُّ أَبَوَيْهِ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسُبُّ أَبَوَيْهِ؟ قَالَ : يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ.» فَمَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَحَدًا أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا جَائِزًا يُؤَدِّي إلَى مَحْظُورٍ، وَلِأَجْلِ هَذَا تَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَهُوَ «كُلُّ عَقْدٍ جَائِزٍ فِي الظَّاهِرِ يُؤَوَّلُ أَوْ يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى مَحْظُورٍ.»</p>
<p>وورد في صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رُ قَالَ : «لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ  سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا، كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ (أي حين العتاب)مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ.»</p>
<p>وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا»، ويجدر بنا أن نلاحظ في الحديث إلى جانب النهي المطلوب أن النبي  أشار لمرتبة الصدّيق لكونها المرتبة الأولى التي يتنافس عليها المنعم عليهم &#8211; الذين نسأل الله في الصلاة تكرارا أن يهدينا صراطهم &#8211; بعد أن اصطفى الله من شاء من الأنبياء في قوله عز وجل : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (النساء : 69)، فمن رام المنافسة والسباق لتلك المرتبة فلا يستوي أن يكون لعانا، بل كونه كذلك مخرجه كلية من السباق لدرجة الصديقين بوجود الخلل في طاعة الله ورسوله الطاعة المثلى!</p>
<p>وروى الإمام أحمد وأبو داود والهيثمي والطبراني في الكبير عن أَبِي تَمِيمَةَ عن أَبِي المَلِيحِ عن رَجُلٍ قال: كُنْتُ رَدِيفَ النّبيّ  فَعَثَرَتْ دَابّتُهُ فقُلْتُ تَعِسَ الشّيْطَانُ، فقَالَ: «لا تَقُلْ تَعِسَ الشّيْطَانُ، فإِنّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَعَاظَمَ حَتّى يَكُونَ مِثْلَ الْبَيْتِ وَيَقُولَ بِقُوّتِي، وَلكِن قُلْ بِسْمِ الله، فإِنّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَتّى يَكُونَ مِثْلَ الذّبَابِ».</p>
<p>فإذا كان هذا لأكبر عدوّ فكيف بمن دونه؟ أو ليس بسبّنا المتواصل ولعننا المستمر تتعاظم إسرائيل وأمريكا ومن نظنهم من الأعداء من غرب وشرق؟ الدفاعُ عن النفس والدين والأرض والعرض والمال شيء، والسبّ والشتم والتعيير واللعن شيءٌ آخر مخالف، ومن رام التحلّي بالأولى لزمه التخلّي عن الثانية؛ فما يلتقي الأمران كما لا يجتمع في جوف المرء قلبان!                         يتبع</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2014/12/%d8%a3%d9%8a%d8%b3%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d9%84%d8%a8%d9%84%d9%88%d8%ba-%d8%a3%d9%86%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b5%d8%af/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>أيـســر الـقـواعـــد لـبـلـــوغ أنـبــل المـقـاصـــد</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2014/09/%d8%a3%d9%8a%d9%80%d8%b3%d9%80%d9%80%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%82%d9%80%d9%88%d8%a7%d8%b9%d9%80%d9%80%d9%80%d8%af-%d9%84%d9%80%d8%a8%d9%80%d9%84%d9%80%d9%80%d9%80%d9%88%d8%ba-%d8%a3%d9%86%d9%80/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2014/09/%d8%a3%d9%8a%d9%80%d8%b3%d9%80%d9%80%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%82%d9%80%d9%88%d8%a7%d8%b9%d9%80%d9%80%d9%80%d8%af-%d9%84%d9%80%d8%a8%d9%80%d9%84%d9%80%d9%80%d9%80%d9%88%d8%ba-%d8%a3%d9%86%d9%80/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 17 Sep 2014 15:36:32 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. محمد بريش]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[slider]]></category>
		<category><![CDATA[العدد 425]]></category>
		<category><![CDATA[فقه العبادات]]></category>
		<category><![CDATA[الاستراتيجية الرمضانية]]></category>
		<category><![CDATA[الباطل]]></category>
		<category><![CDATA[الحق]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=5383</guid>
		<description><![CDATA[تحدثنا في العدد الماضي عن ما يمليه موسم رمضان من مواصلة إتقان، وبينا ما يعقب آيات الصيام في الخطاب الموجه للمؤمنين من ضوابط وأركان، وتساءلنا في الختام أن قائلا قد يقول إن الكلام عن هذه الأركان هو نوع من الكلام العام، وأن الاستراتيجية على كونها فنونا هي في نفس الوقت برامج عمل، فكيف ننزل تلك [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><a href="http://almahajjafes.net/wp-content/uploads/2014/09/n-425-6.jpg"><img class="alignnone size-full wp-image-5387" src="http://almahajjafes.net/wp-content/uploads/2014/09/n-425-6.jpg" alt="n 425 6" width="823" height="599" /></a></p>
<p>تحدثنا في العدد الماضي عن ما يمليه موسم رمضان من مواصلة إتقان، وبينا ما يعقب آيات الصيام في الخطاب الموجه للمؤمنين من ضوابط وأركان، وتساءلنا في الختام أن قائلا قد يقول إن الكلام عن هذه الأركان هو نوع من الكلام العام، وأن الاستراتيجية على كونها فنونا هي في نفس الوقت برامج عمل، فكيف ننزل تلك الفنون على أرض الواقع؟</p>
<p>ووعدنا بأن نختصر القول في ذلك عبر الحديث عن بعض القواعد الهامة التي نراها لازمة وضرورية لبيان محددات تلك الاستراتيجية الرمضانية وكيفية إنزالها سلوكا ومنهجا على أرض الواقع، نعرضها بتفصيل قاعدة قاعدة، ونبدأ بتوفيق الله في هذا العدد بتفصيل القاعدة الاستراتيجية الأولى.</p>
<p><strong>القاعـدة الأولى : العناية القصوى هي للحق وأصواته ولا تهويل لا من ضخامة حجم الباطل، ولا من تكاثر أبواقه :</strong></p>
<p>يقول الله جل وعلا: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ. وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (الأنبياء : 11 –20).</p>
<p>فلا يزال الباطل يتسع مجاله بغياب الحق عبر فعل أهله حتى انطفاء آخر جذوة للحق أو ضعفها، فإذا حصل ذلك حل العذاب بأهل الباطل وأبدل القوم بقوم آخرين. فيرمي الله بالحق على الباطل «فيدمغه» ويقهره ويهلكه، فإذا هو زاهق فار مول للدبر.</p>
<p>وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ. ذلك أن الباطل لا يزول بالتفاوض معه، ولا بالتطبيع مع أصحابه، ولا بالاكتفاء بالنظر إليه بوجه عبوس. بل مزهق الباطل الحق، فالقوة دائما مع الحق، لا يؤثر فيها حجم الباطل وشكله بشيء، ولهذا لزم الاهتمام بالحق وأصواته ومنابره وأدواته دون غيره.</p>
<p>والمراد بالحق في الآية الوحي المعصوم كتابا وسنة، وما يدعو إليه من أخلاق ومعاملات وعبادات وتقوى والتزام ونهج للصراط المستقيم، وما يقدمه من حجج، وما يجليه عبر وحيه من سنن وبراهين. والباطل الشيطان وما مكـّن منه من لدن الله عز وجل من تزيين ووسوسة وتخويف وتضليل، وما يدلي به هو وقبيله من شبه، وما يقومون به من مكر، وما يأمرون به من منكر، وما يفترونه على الله وعلى أهل الحق من الكذب والبهتان.</p>
<p>والآية تشير بوضوح إلى أننا لسنا ملزمين باللحاق بالباطل حتى نمسك به، ولا أن نستغرق الجهد ملاحقة له، بل نقذفه بالحق بعون الله فيدمغه فإذا هو زاهق. وزهوقه لا يعني القضاء عليه بالمرة، وإنما المتحقق استحالة رجوعه ما دام للحق الدامغ وجود. هذه السنة ـ التي لن نجد لها تبديلا ولا تحويلا ـ تفرض علينا صرف العناية أساسا لتوطيد وتقوية الحق، ونصرة أهل الحق، والاستثمار العلمي والعملي في دوام حضور الحق، ذلك أن ضعفه مؤذن بعودة الباطل. فالثبات على الحق والدفاع عنه واستمرارية وجوده هو الأساس، أما أن نفرط في شروط بقاء الحق سائدا، وننشغل بكيفية احتلال الباطل للمواقع بغياب الحق، فذلك جانب من الباطل غير هين.</p>
<p>فالنهي عن المنكر لا يقتضي صب العناية جهة هذا المنكر استغراقا للجهد في وصفه، ولا تقعيد النفس بالتهويل من فعله. لأن النهي عن المنكر هو في حد ذاته حق ومعروف، وفعلنا يلزم أن يتجلى دائما في دائرة الحق والمعروف، واهتمامنا ينبغي أن ينصب جهة سيادة الحق وتوسيع دائرة المعروف، بالحفاظ على شروط بقاء المنجز من أركان قيام تلك السيادة وسعة تلك الدائرة، والبحث عن الاستجابة لشروط بقائها ونمو أثرها في سلوك الفرد والجماعة ومؤسسات المجتمع.</p>
<p>فلو أن شارعا من شوارع المدينة به مائة مصباح موزعة بين اليمين والشمال، معطل جلها لغياب الصيانة وعدم العناية إلا مصباحان أو ثلاثة، وجاء المكلفون بالإصلاح يهولون من فعل الظلمة، ويكثرون وصف الهول من اشتدادها وانتشارها، والناس يرددون معهم يا هولنا قد قوي الظلام، ويا ويلتنا كم اشتدت العتمة، &#8230; ألا يكون هذا من قبيل سخرية بعضهم من بعض؟ هل الشرعة المثلى والمنهج السليم في إصلاح المصابيح أم سب الظلام ووصف قبحه وتهويل مفعوله؟</p>
<p>فكذلك ما نحن فيه من واقع محزن، إذ الكثير منا يردد أنه قد استفحل المنكر، دون أن يدرك أن الذي استفحل واشتد حتى أضحى مرضا مزمنا هو قلة المعروف وتقاعس أصوات الحق. وكثيرا منا يردد أن واقعنا وعصرنا قد عمت به البلوى، وكثرت فيه أصوات الشيطان، وعم فيه المنكر كافة المعمور، ناسيا أو متناسيا أن الذي ضعف أو غاب هو صوت الحق ورجال الحق. فنحن لا نقبل عذرا ممن يصرخ حين الظلمة أن لا سبيل للنور في وجه الحجم الكبير من الظلام، ولكن نتساءل معه لم انعدمت مشكاة النور ومصابيح الضياء؟ لعلمنا الفطري أن غياب النور هو عين الظلمة.</p>
<p>وأصل الداء أن فئات واسعة من الناس آمنت على جهل وقلة وعي بأن القيام بأعباء الأمر بالمعروف فرض كفاية، وما دامت هنالك أجهزة للشؤون الدينية وأخرى للشؤون الاجتماعية والإدارية والقضائية والأمنية مفروض فيها القيام بتلك الأعباء، فلا مسؤولية عليهم. وهذا قول لا يبرئنا أمام الله عز وجل، لأن بقاء الحق والعناية بأهله وأصواته واجب يتجند له الجميع، كل حسب مسؤولياته. فكون المسؤوليات متعددة لا يعني انتفاءها عن أهلها أو تخلي البعض عن واجباتهم التي يرونها صغرى أو غير ذات جدوى بدعوى عظم وجسامة مسؤوليات آخرين فوقهم في السلطة وتدبير ولاية الأمر.</p>
<p>فالله عز وجل يقول : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (الروم:41)، أي ظهرت المعاصي في بر الأرض وبحرها بما كسبت أيدي الناس واقترافها ما نهى الله عنه، وانتشار المنكر بسكوت أهل الحق وغياب فعلهم. فهذا هو مآل الكون إذا ما ضيع الحق وسكت أهله، أو أسكتوا واكتفوا بلغو يهول الباطل ويتفنن في وصف كيفية فتكه بالعقول والنفوس، ويشرح مع التدوين احتلاله للمواقع، بل أمثلهم طريقة يرى من الأولوية أن يبكي وينتحب لغياب الحق ويشفق على حاله.</p>
<p>يقول الله عز وجل وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ. وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ(الأعراف  : 96).</p>
<p>ويقول سبحانه : ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم، ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم. منهم أمة مقتصدة. وكثير منهم ساء ما يعملون(المائدة : 65 &#8211; 66).</p>
<p>وكلمة ولـــــو أن تشير في الآيتين معا إلى مستقبل ممكن ومحقق بإذن الله ومشيئته لو استجيب لشروطه، لكنه مستقبل مفقود بضياع تلك الاستجابة وفسح المجال تهاونا وضعفا وكسلا للباطل. فالباطل لا يقنع بجزء من الذات، ولا بركن من الكون، فهو بطبعه لا يزهقه إلا الحق، ولا يمكن بأي حال التفاوض مع أهله ـ وعلى رأسهم إبليس ـ بأن لا يتجاوزوا نسبة مئوية معينة، فهو من سنته التي أنشأه الله عليها لا يقف حتى يعم البر والبحر، فلا يدع مكانا إلا احتله، ولا مجالا إلا سكنه، مثله مثل الظلمة، إذا غاب النور اكتسحت كل شيء، بل غياب النور كما قلنا هو عين الظلمة. أما الانشغال بحركة تلك العتمة وعد المساحات التي احتلتها، وتقدير سرعة حركتها، فذلك كله لا يغير من فعلها ونموها في غياب الحق أو ضعف أهله عن الدمغ به للباطل شيئا.</p>
<p>وهذا لا يعني عدم السعي لإبطال شبهات الكفار ودفع أباطيلهم، بل هي من الواجب، فقد أبطل الله في القرآن جميع ما احتج به الكفار من حجج لما هم عليه من الباطل والشرك والضلال، ورد الله على مزاعمهم وضلالهم وشبههم وتأويلاتهم. لكن هذا العمل هو جزء من فعل الحق، مصاحب لعمل آخر هو توطيد أصوات الحق، وتوسيع دائرة فعله، والإكثار من منابره.</p>
<p>فليس من المعقول ولا المقبول، لا منطقا ولا منهجا، أن يترك أهل الحق مواقعهم التي هم مطالبون بالذود عنها، فيستهينوا بالإنفاق اللازم لبقائها، والحرية الضرورية من أجل نفع الناس بها، ويكتفوا بالغضب والضيق والحزن لكثرة الباطل ونفوذ أبواقه. فإنهم إذ يفعلون ذلك، يكونو قد أضحوا في حكم العبيد مملوكين لا يقدرون على شيء، لا استطاعة لهم ولا قدرة إلا الإشارة بنوع من الحسرة والتأسي لما يفعله الباطل وأهله.</p>
<p>ولنتمعن في قوله تعالى : فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم(النحل : 74-76).</p>
<p>فنحن مسؤولون عن ضياع فرص تصاغ فيها المستقبلات بتخلينا عن مباشرة الإعداد لمستقبلات هي بأيدينا، ولومنا الآخرين للسبق في غيابنا بصياغة مستقبلاتهم. ووالله إن الباطل لزهوق، وإن كيد الشيطان لضعيف، ولكنها قلة الإيمان بقوة الحق، وضعف الإنفاق في سبيل تقوية منابر الحق وأهل الحق، وغفلة عن المتاح من القدرة والاستطاعة لتفعيل أركان الإستراتيجية التي سبق الحديث عنها.</p>
<p>وأشير في ختام هذه القاعدة الأساسية إلى الاستراتيجية المستوحاة منها والمتجلية في خمس قواعد كل منها بمثابة البرنامج العملي لتمكين نفوذ الدعوة وسيادة متين الشرعة وقويم المنهاج، وكل منها بمثابة القاعدة التي أفردنا لها بحثا مستقلا سنعمل على نشره بمشيئة الله :</p>
<p>&lt;  <strong>إن الراشد من أصوات الحق ينبغي أن يحفظ :</strong></p>
<p>فهناك مدارس قرآنية ينبغي أن تبقى، وهناك جامعات ومؤسسات ومعاهد ومدارس إسلامية ينبغي أن يدوم أثرها، وهناك مقررات وبرامج ومناهج يراد اقتلاعها ينبغي للأمة أن تحافظ عليها، وهناك مساجد ومراكز أسست لذكر الله ورفع كلمة الله والدعوة لدينه ينبغي أن تبقى وتستمر، لأن كل ذلك وغيره من منابر الحق والخير إذا لم يحافظ عليه أهله عطل أو أزيل أو خضع للتغيير في جوهره ليكون شيئا آخر على غير صلة بالحق.</p>
<p>فالراشد من أصوات الحق ينبغي أن يجتهد في بقائه، وبذل الجهد في المحافظة على استمرار حياته ودوام عطائه وفعله، فهناك مشاريع شتى تفعل فعل الخير في الأمة، ومن أجلها يغضب ذلك الباطل ويتحرك بجنوده وجيوشه، هذه كلها يلزم أن تحصن وتصان وتحفظ، والحفظ مشروع استراتيجي قائم بذاته.</p>
<p>&lt;  <strong>وإن القاصر منها ينبغي أن يرشد :</strong></p>
<p>والقاصر من أصوات الحق ينبغي أن يرشد، فهناك مؤسسات خير ومنابر حق لا تحتاج منا إلا للجهد اليسير لتبلغ مستوى الرشد، وتدخل راشدة سليمة الأركان ساحة الفعل من بابها الواسع باطمئنان. والملاحظ أننا كثيرا ما نبذل الجهود الكثيفة حين انطلاق المشاريع، ثم نتقاعس عن استمرار تدفقها بعد تجاوز العقبات الأولى، وخاصة حين دخول تلك المشاريع في عمليات إنجاز المراحل الأخيرة والدقيقة منها، وهذا عيب لا يتغلب عليه إلا أهل الحنكة الاستراتيجية الذين يدركون معنى قوله تعالى : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (آل عمران:139)،وأن العبرة منها بعموم لفظها لا بخصوص سببها.</p>
<p>&lt; <strong>وأن المعوج منها ينبغي أن يقوم ويسدد:</strong></p>
<p>والمعوج من تلك الأصوات ينبغي أن يقوم ويسدد، لا أن تنسب له العديد من التهم، أو يقصد عمدا إلى التشهير بسوء فعله وشنيع عمله، أو يهمش ويضعف ليتمكن الآخر منه فيزيله أو يغيب أثره؛ فإذا كنا نعرف أن في فكره دخنا، أو أن في منهجه اعوجاجا، عالجنا منه ما يلزم أن يعالج، وتعاملنا معه كجزء منا يلزم تطبيبه وإصلاحه وتقويته ما دامت له صلة بالحق ونصرة الحق؛ ذلك أنه إن ترك لحاله ضل أو هوى، سيشتد ضعفه ويكبر اعوجاجه ليكون سهل الافتراس فيستغل بصورة صوت حق يراد به خدمة الباطل، أو ينقلب على عقبيه ليكون مدخلا من مداخل الفساد.</p>
<p>&lt; <strong>وإن المكبل منها ينبغي أن يفك قيده ويساعد :</strong></p>
<p>فالمكبل من أصوات الحق وأنوار الحق يلزم حتميا أن يفك قيده ويساعد، هناك عديد من الأصوات منعت ظلما أو جهلا من أن تجهر بالحق، وتحتاج لأن تساعد على نصرة الحق، وأخرى كبلت بشتى القيود، المادية والمعنوية، ووضعت في وجهها العديد من العقبات،&#8230; هذه الأصوات من واجب أصوات الحق الراشدة أن تعمل على مساعدتها لتقوم بدورها ورسالتها على صعيد الأمة.</p>
<p>&lt; <strong>وإن الغائب منها ينبغي أن يوجد :</strong></p>
<p>وهناك أصوات غائبة فعلا على مستويات شتى، في العلوم والفنون والثقافة والتربية والإعلام والمعالجات الاجتماعية وغيرها، نحتاج إلى إخراجها للوجود عاجلا لنتمكن من النماء والبقاء.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2014/09/%d8%a3%d9%8a%d9%80%d8%b3%d9%80%d9%80%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%82%d9%80%d9%88%d8%a7%d8%b9%d9%80%d9%80%d9%80%d8%af-%d9%84%d9%80%d8%a8%d9%80%d9%84%d9%80%d9%80%d9%80%d9%88%d8%ba-%d8%a3%d9%86%d9%80/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>رمضـان ومـراجعة واقـع الأمـة فـي ضـوء الـقـرآن الـكـريـم</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2014/07/%d8%b1%d9%85%d8%b6%d9%80%d8%a7%d9%86-%d9%88%d9%85%d9%80%d8%b1%d8%a7%d8%ac%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%82%d9%80%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%80%d8%a9-%d9%81%d9%80%d9%8a/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2014/07/%d8%b1%d9%85%d8%b6%d9%80%d8%a7%d9%86-%d9%88%d9%85%d9%80%d8%b1%d8%a7%d8%ac%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%82%d9%80%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%80%d8%a9-%d9%81%d9%80%d9%8a/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 03 Jul 2014 10:56:12 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. محمد بريش]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 423-424]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن الكريم و علومه]]></category>
		<category><![CDATA[الـكـريـم]]></category>
		<category><![CDATA[الأمـة فـي  ضـوء  الـقـرآن]]></category>
		<category><![CDATA[بريش]]></category>
		<category><![CDATA[رمضـان]]></category>
		<category><![CDATA[مـراجعة]]></category>
		<category><![CDATA[محمد]]></category>
		<category><![CDATA[واقـع]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6461</guid>
		<description><![CDATA[د. محمد بريش -  دكتور في الهندسة المدنية، وتقلَّد عدة مناصب في قطاع الأشغال العامة بالمغرب والشؤون الخارجية -  خبير بإدارة المشاريع ودراسة أبعادها الحضارية وجوانبها الاقتصادية والاجتماعية والتقنية. -  خبير في الدراسات المستقبلية والإستراتيجية والتنمية لدى منظمات إقليمية ودولية. -  مختص في تشخيص القضايا ودراسات بدائل الحلول الأنسب. -  له عضويات كثيرة في مراكز [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>د. محمد بريش</p>
<p>-  دكتور في الهندسة المدنية، وتقلَّد عدة مناصب في قطاع الأشغال العامة بالمغرب والشؤون الخارجية</p>
<p>-  خبير بإدارة المشاريع ودراسة أبعادها الحضارية وجوانبها الاقتصادية والاجتماعية والتقنية.</p>
<p>-  خبير في الدراسات المستقبلية والإستراتيجية والتنمية لدى منظمات إقليمية ودولية.</p>
<p>-  مختص في تشخيص القضايا ودراسات بدائل الحلول الأنسب.</p>
<p>-  له عضويات كثيرة في مراكز وهيئات وجهات استشارية وعلمية وعملية.</p>
<p>-  خبير لدى منظمة (الإسيسكو) ومنسق فريق الخبراء المكلف بصياغة استراتيجية الثقافة الإسلامية.</p>
<p>-  مستشار أكاديمي بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن.</p>
<p>-  عضو لجنة الخبراء المكلفة من جانب المجموعة الأوروبية (برنامج فاست لدراسة مستقبل العالم العربي).</p>
<p>بسم الله الرحمن الرحيم،</p>
<p>والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه الميامين، وبعد،</p>
<p>من فوائد رمضان كونه موسم مراجعة بامتياز، مراجعة لتشخيص واقع الأمة في ضوء القرآن، ومراجعة لتصويب حركة الأمة على منهج القرآن، ومراجعة للنهوض بالأمة إلى مستوى شرعة القرآن.</p>
<p>فإذا لم تحسن الأمة الاستفادة من موسم ثري وقدسي مثل موسم رمضان، الذي شرفه الله بأن أنزل فيه القرآن، لتكون في مستوى ما هو مطلوب منها على هدي القرآن وسنة نبي القرآن، فلن تستطيع أن تستفيد من غيره من المواسم والأيام قطعا.</p>
<p>والمراجعة أمر استراتيجي، له قواعد وضوابط، يتجلى في خطط ومشاريع وبرامج. والاستراتيجية فنون ثلاثة: فن تعبئة وفن مراجعة وفن مواجهة، فلننظر إلى رمضان ومحطاته وفرصه من هذه الزوايا الاستراتيجية:</p>
<p>رمضان موسم تعبئة بامتياز :</p>
<p>تتمحور مواضيع آيات الصيام في سورة البقرة حول أركان ثلاثة: الصيام والدعاء والاعتكاف. وهي  ركائز المراجعة الشمولية للصلة مع الله منزّل القرآن، والتزام شرعة القرآن، واتباع هدي رسول أمة القرآن محمد [.</p>
<p>وهي كذلك عبادات رئيسية تجعل المؤمن يتفرغ بشكل أكبر لتقوية صلته بالله عز وجل، وتدفعه للاستزادة من النهل من هذا المعين الصافي والمورد النقي الذي هو القرآن الكريم، وتشعره بالدفء والأمن الذي يغمره عبر التزام النهج النبوي الممثل للتطبيق الأمثل لهذا القرآن.</p>
<p>رمضان أفضل موسم للمراجعة :</p>
<p>والمراجعة شيء مطلوب من المسلم على الدوام؛ يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (الحشر:18). وكما ورد في الأثر عن عمر بن الخطاب ] أنه قال في خطبة له : «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، فإنه أهون لحسابكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (الحاقة: 17)، (ذكره ابن المبارك في الزهد، وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس).‏</p>
<p>ففي رمضان يشجّع المسلم بشكل خاص على هذه المراجعة، لأن فيه تقيّد الشياطين، والأحاديث حول ذلك كثيرة، كما تضاعف فيه الحسنات عن غيره من الأوقات، ويكثف فيه دعاء الملائكة لأهل الإيمان، بل تتنزل الملائكة والروح بإذن ربهم لتحية المؤمنين في ليلة مباركة من لياليه هي خير من ألف شهر، من أعدّ لها وفاز بأجرها كان ممن أحسنوا التعبئة والمراجعة، وأصبح أقوى وأصلب لكافة أنواع المواجهة. هذه كلها أمور تشجيعية تدفع لحسن المراجعة في هذا الموسم الخاص الذي أنزل فيه القرآن.</p>
<p>رمضان موسم لإتقان المواجهة :</p>
<p>رمضان موسم متميز للتمرن على إتقان المواجهة، ليس فقط بما لدينا من الشواهد عن الانتصارات الكبرى التي تحققت في رمضان، بل لأن الآيات البينات التي جاءت بعد آيات أحكام الصيام دلت دلالة واضحة على أركان فَنِّ حسن المواجهة لا يحسن استيعابها إلا من أحسن الصيام، ووعى أهمية رمضان، وأدرك مقاصد وغايات ما تنزل فيه من الهدى والفرقان.</p>
<p>وهذه جملة من الدلالات القرآنية على العلاقة العضوية بين حسن التعبئة في رمضان، صياما ودعاء واعتكافا، وبيْن إتقان المواجهة للدفاع عن حصاد رمضان وما يسمح به من التمكين والنصر والظفر، وبيان شروطها وضوابطها كما حددتها الآيات التي توّجت بذكر الصيام، تخاطب المؤمنين الذين دعوا للصيام، وأكملوا وأحسنوا الصيام، بأن يتأهبوا لجني حصاد موسم الصيام، والحرص على عدم ضياع زرعهم وجهدهم في رمضان:</p>
<p>الصوم الأبدي عن أكل أموال الناس بالباطل :</p>
<p>يأتي على رأس هذه الدلالات ذلك الركن الصلب المتمثل في الالتزام بالصوم الأبدي عن أكل أموال الناس بالباطل. فمن تمَرَّن على كسر الشهوات عبر الصيام، أتقن هذا النوع الفريد من أوجه الصيام، الواقي من الظلم والبغي وتنافر القلوب.</p>
<p>يقول الله عز وجل: وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَاكُلُوا فَرِيقاً مِن اَمْوَالِ النَّاسِ بِالاثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون (البقرة:187)؛ فلم تأت هذه الآية عبثا في آخر آيات الصيام، لأن المنصوص عليه فيها هو العقد الذي إذا ما انفك اعتبر مدخلا من مداخل النسف للأمة، تلك الأمة المدعوة للتمرن بالصوم عن كل ما يمكن أن يكون مدخلا من مداخل الضعف أو الفساد.</p>
<p>والملاحظ أنه من يوم أصبحت الأمة تأكل أموالها بالباطل، هزلت وانكسرت شوكتها واستعلى عليها الآخر، ولم تعد تنتفع بموسم رمضان لا مراجعة ولا تعبئة، ومن ثم فهي أعجز من أن تقوم بمواجهة.</p>
<p>فالمواجهة تبدأ من كون جموع المؤمنين الذين استفادوا من رمضان يستحيل أن يمدوا أيديهم ليأكلوا الأموال بينهم بالباطل، ولا أن يدلوا بها إلى الحكام على شكل رشوة أو قربان بغية مصلحة أو غير ذلك.</p>
<p>فهناك صوم أبدي مستمر تتعلمه وتتلقاه الأمة أفرادا ومؤسسات من خلال تلك المراجعة القويمة التي تمت وتتم عبر فن التعبئة من عبادة وصلاة وقيام ودعاء واعتكاف طيلة شهر رمضان، تجعل جسد الأمة متماسكا متلاحما متكافلا متراحما قويا منيعا.</p>
<p>الوعي بالمواقيت وزمن المواسم لمزيد من التعبئة والمراجعة :</p>
<p>فحتى لا تصاب الأمة بالضعف والوهن، أو تنحاز إلى التراخي والكسل، تدعوها الآية التالية للالتزام بركن شديد متجسد في الصوم الأبدي عن الغفلة الزمنية، أو الانشغال بأدوات الزمن عن الاستفادة من المتاح من الزمن.</p>
<p>يقول الله عز وجل: يَسْأَلونَكَ عَنِ الاهِلَّةِ، قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (البقرة: 188). فمن المخاطبين بالقرآن زمن الرسالة من يسأل عن الأهلة، لكن الآيات الملقنة لدروس إتقان المواجهة  تنبه على ضرورة الوعي بأهمية الوقت دون الغوص في شكل أدوات قياسه ومعرفة تفاصيل محطاته، مركزة على أهمية ما يشمله من المواسم الأساسية لحركة الأمة زادا وعطاء. ففي الآية إشارات لطيفة للعناية بالمستقبل عبر حسن الاستفادة من محطات الخير فيه، ومواسم التعبئة والمراجعة التي من مهام الأهلة الدلالة عليها والتحديد لأزمنتها.</p>
<p>ولوج البيوت من أبوابها :</p>
<p>ركن آخر حصين لإتقان المواجهة يشير له تمام الآية السالفة، ألا وهو الحرص على إتيان البيوت من أبوابها، وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا، وَلَكِن الْبِر مَنِ اتَّقَى، وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنَ اَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (البقرة : متم الآية 188).</p>
<p>وكل من له سابق مشاركة جادة في إنجاز المشاريع الحضارية والثقافية والفكرية يعرف معنى إتيان البيوت من أبوابها، فكل عمل ذي شأن يراد إنجازه يحتاج من صاحبه أن يأتي أبوابه من طريق أهل اختصاصه، أن يأتيها من خلال الرجوع لأولي النُّهى فيها، أن يأتيها من خلال ما يستلزم من شروطها، أن يكون شرط الفرقان وشرط الميزان متوفرين في كل عملية ومرحلة من مراحل الإنجاز.</p>
<p>والدخول من الأبواب يعني تجنب حيل الالتواء ومكر الاختباء، كما يمنع الدخول خفية وراء الجدران أو خلسة من النوافذ استغفالا للناس واحتيالا عليهم، فتدبير شأن الناس في كل الميادين، وعلاقتهم ببعضهم ينبغي أن يعتريها الوضوح  وأن لا يكتنفها الغموض، إحقاقا للحقوق وبسطا لإقامة الوزن بالقسط والحكم بالعدل، وتجنبا للقفز فوق القوانين أو العمد للغل والمحسوبية.</p>
<p>التأهب المستمر لمواجهة العدو مع اجتناب العدوان :</p>
<p>من أركان فن إتقان المواجهة التي جاءت مرتبطة بآيات الصيام ذلك المتعلق بالعُدة لمواجهة من يريد أن يقف في وجه حركة الأمة، فالأمة مدعوة لكي تحافظ وتذود عن كل ما كسبته وعبأت نفسها من أجله، وراجعت ذاتها لتحقيقه أو الحفاظ عليه، وتستنفر قواها من أن يحال دونها ودون جني ثمار ما عكفت أياما على زرعه وسقيه.</p>
<p>فعليها أن تستعد وتتقن فن قتال من يعتدي عليها ويمس بحرماتها، ملتزمة بحدود المواجهة بأن يراد بها سبيل الله دون تخاذل ولا اعتداء. فالقصد منها كفّ بأس الذين كفروا، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على من استمر في ظلمه وإساءته.</p>
<p>يقول الله عز وجل في نفس السياق: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين (البقرة:189)، فالأمة الصائمة في رمضان، والمستوعبة لدروس القرآن، مطالبة بأن تذود عن هذا الذي اجتهدت في التعبئة له، وقامت بمراجعة نفسها وحركة سيرها لتطويره والحفاظ عليه، لأن هناك من هو متأهب لمنعها من الاستفادة من موسمها الرمضاني الذي لن يزيدها إلا وحدة وقوة ومنعة.</p>
<p>فهي مُنْبَأة بوحيها بعد أن وعت تداول الأيام واختلاف الليل والنهار عبر الإدراك العلمي والإيماني لدور المواقيت والمواسم، أن تعلم أن في وجه طريق حركاتها عقبات يلزم أن تقتحم، وفي سير حياتها سُنَ سُنن دَفْع وتدافع الناس بعضهم ببعض، جعلها الله قائمة دائمة تمنع الفساد، وتفتح آفاق مراجعة كبرى لصلاح العباد.</p>
<p>يقول جل وعلا في نفس السورة لكن في سياق آخر: وَلَوْلا دفاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الارْضُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِيـــنَ (البقرة:249). ذو فضل بأن مكـّـنهم من مواسم المعاودة والمراجعة، ومكنهم من كتاب فيه الهدى وبينات من الهدى والفرقان، تؤهلهم للقيام بكل ما يسمح بالإصلاح وإزالة المعوقات، واقتحام العقبات، بحيث يكون تدافع الناس السنني في جهتهم، وتداول الأيام لصالحهم.</p>
<p>كما أن على الأمة أن تعي أن خوضها للقتال خير من بحثها عن سبل اجتنابه اتقاء للفتنة، فالفتنة أكبر من القتل، وهو ما جاءت الآيات التالية لتدل عليه وتحذر من سوء وشرّ عواقبه: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ، وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ، وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين، فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (البقرة: 190 &#8211; 192)</p>
<p>وإتقان المواجهة يحتاج لكماله أن تتميز الأمة بنظام أولويات في فنون استراتيجيتها، فلا تعكف على جانب التعبئة بحجة حضور موسم ثري للرفع من تعبئة ذاتها غافلة عن لوازم المواجهة أو إرجاء عملياتها تعظيما لمواسم التعبئة والمراجعة المباركة مثل الأشهر الحرم، ولا سبيل لذلك إلا بحسن القصاص والالتزام بالتقوى.</p>
<p>فقد يقتنص العدو الفرص لمباغتة الأمة في مواسمها الدينية التي تتفرغ فيها لمزيد من الطاعة والتقوى، إلا أن حسن التعامل الاستراتيجي يقتضي الرد عليه سريعا ودون تردد، لكن دون تجاوز أو اعتداء، حتى يعطي الرد أكله، لأن المراد منه الإشارة إلى عدم الغفلة عما يحاك من المكر والكيد، ورسالة للعدو بقوة الذات واستعدادها للنزال الأكبر، وهذا ما يفصل خبراء وأساتذة الاستراتيجية الحربية في علومه ومناهجه ضمن ما يسمى «فن التكتيك».</p>
<p>يقول البارئ سبحانه وتعالى مبينا ذلك : الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ (البقرة: من الآية 193)، ففي الآية إشارة لطيفة إلى ضرورة الإسراع بالرد، وفي حدود ما قام به العدو، للحفاظ على جانب الردع في التصور الاستراتيجي، وهو أهم من خوض الحرب، ذلك أنه يسمح بالنصر واستمراره دون كلفة كبيرة أو جهود ضخمة، ولنا في غزوات الرسول  خير الدروس لاستيعاب ذلك الفن.</p>
<p>استصحاب التقوى في كل فعل وحركة :</p>
<p>بقية الآية السابقة تدعو جمهور المسلمين الذين اجتازوا رمضان بإتقان حيث تمرنوا على التقوى أن يستصحبوها في كل فعل وحركة، ولن يتم لهم ذلك إلا بعلم، علم يقصد إلى تقوية اليقين بأن الله مع المتقين، وأن الانضمام لحزب الله يشترط توفر التقوى والبقاء على التقوى، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (البقرة: من الآية 193)</p>
<p>الرعاية الدائمة لمشاريع الأمة بالإنفاق :</p>
<p>من أركان إتقان المواجهة الإنفاق والبذل والعطاء في سبيل الله. يقول سبحانه بعد الدعوة للدفاع عن المكتسب ورد العدوان: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُم إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البقرة:194). بمعنى أن هذه التعبئة وهذه المراجعة ودورهما في المواجهة تقتضيان إنفاقا مستمرا على كافة المشاريع التي تمكن من المحافظة في مستوى ما أوصت به المراجعة.</p>
<p>بعد بيان هذه الأركان التي تحتاج لإتقانها والقيام بها إلى اجتياز تمرين صيام رمضان بفلاح، يفصل الكتاب الكريم في فضائل وأركان موسم آخر سبق أن لمح له حين الكلام عن الأهلة، وأن من أهداف تلك الأهلة ومهامها الدلالة على وقت هذا الموسم العظيم ومواقيته.</p>
<p>موسم له مقاصده واستراتيجياته، لا يحسن الاستفادة منها إلا من أحسن فنون الاستراتيجية الثلاثة التي ذكرنا لموسم رمضان بدقة وإتقان داخل دائرة المستطاع، ألا وهو موسم الحج، وملحقة به مواسم العمرة، والذي يتعامل مع المؤمن داخل نفس الدائرة وبذات الحرص الدائم على التزود بالتقوى.</p>
<p>فالأول موسم عام محدود بمواقيت مضبوطة تشمل الجميع، والثانية مواسم متحركة عبر الزمن مقيدة بمواقيت خاصة بالفرد يحددها متى تهيأت له الظروف، لنجد تلاصقا وترابطا بين موسم رمضان الذي هو موسم المراجعة والمدارسة في ضوء القرآن الكريم، لنكون على مستوى ما يريده هذا الكتاب العزيز ويقصده، وموسم الحج أو العمرة الذي يفصل في بعض الجوانب التي ينبغي أن تكون عليها أمة القرآن عبر السير في الأرض وقصد المسجد الحرام لذكر الله وتحصيل المنافع والرقي إلى مستوى ما يفرضه على الأمة القرآن.</p>
<p>كيف ننزل تلك الفنون الاستراتيجية على أرض الواقع؟</p>
<p>وقد يقول القائل إن كلامكم عن هذه الأركان هو نوع من الكلام العام، وإن الاستراتيجية على كونها فنونا هي في نفس الوقت برامج عمل، فكيف ننزل تلك الفنون على أرض الواقع؟</p>
<p>نختصر القول في ذلك عبر الحديث عن بعض القواعد الهامة التي نراها لازمة وضرورية لبيان محددات تلك الاستراتيجية الرمضانية وكيفية إنزالها سلوكا ومنهجا على أرض الواقع نعرضها بتفصيل قاعدة قاعدة بدءا من العدد القادم مع بداية الموسم المقبل، بإذن الله.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2014/07/%d8%b1%d9%85%d8%b6%d9%80%d8%a7%d9%86-%d9%88%d9%85%d9%80%d8%b1%d8%a7%d8%ac%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%82%d9%80%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%80%d8%a9-%d9%81%d9%80%d9%8a/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>&#8220;الإسلام يزحف أيها الرجل الأبيض: أنصت&#8221;</title>
		<link>http://almahajjafes.net/2010/04/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%8a%d8%b2%d8%ad%d9%81-%d8%a3%d9%8a%d9%87%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d9%8a%d8%b6-%d8%a3%d9%86%d8%b5%d8%aa/</link>
		<comments>http://almahajjafes.net/2010/04/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%8a%d8%b2%d8%ad%d9%81-%d8%a3%d9%8a%d9%87%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d9%8a%d8%b6-%d8%a3%d9%86%d8%b5%d8%aa/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 16 Apr 2010 00:14:25 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[د. محمد بريش]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد 338]]></category>
		<category><![CDATA[شؤون عامة]]></category>
		<category><![CDATA[الاسلام]]></category>
		<category><![CDATA[الصحوة]]></category>
		<category><![CDATA[الغرب]]></category>
		<category><![CDATA[الماركسية]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://almahajjafes.net/?p=6924</guid>
		<description><![CDATA[&#8220;الإسلام يزحف، أيها الرجل الأبيض: أنصت&#8221; &#8220;L&#8217;Islam en marche, Ecoute Homme Blanc &#8221; ذ. روني سيرفواز (Servoise René)(*) ترجمة : ذ. محمد بريش لو أطلق سراح جميع الرهائن، وسارت السفن آمنة فوق مياه الخليج، والتحق آية الله والعقيد بربهما(1)، سيكون الارتياح بواشنطن والقدس،(2) بباريس ولندن،&#8230; إلا أن ذلك لن يغير من الصراع شيئا. إن الغرب [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>&#8220;الإسلام يزحف، أيها الرجل الأبيض: أنصت&#8221;</p>
<p>&#8220;L&#8217;Islam en marche, Ecoute Homme Blanc &#8221;</p>
<p>ذ. روني سيرفواز (Servoise René)(*)</p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">ترجمة : ذ. محمد بريش</span></strong></p>
<p>لو أطلق سراح جميع الرهائن، وسارت السفن آمنة فوق مياه الخليج، والتحق آية الله والعقيد بربهما(1)، سيكون الارتياح بواشنطن والقدس،(2) بباريس ولندن،&#8230; إلا أن ذلك لن يغير من الصراع شيئا.</p>
<p>إن الغرب يرفض الأخذ بالأبعاد الحقيقية للصراع، مستشعرا أنه لو أعطاه ما يستحق من الاهتمام لأرغم نفسه على مراجعة مذهبه التمتعي. فلقد كمن الحل البارحة في إنزال قوات &#8220;المارينز&#8221; في عرض شمال طرابلس، أما اليوم، محمولا بإحدى أمواج القعر الضخمة.. والتي تهزه دوريا ـ فإن الإسلام يشهد صحوة ناشئة من أعماق ذاته، بل أكثر من هذا، إنه مطعم بإحساسات الشعوب الكادحة، وبذلك تمتزج الرغبات الدينية مع عدم الرضى المادي بشكل قوي، موصولة أحيانا بالقلق على  المستقبل.</p>
<p>من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي (من المغرب إلى أندونيسيا)، ومن الشمال إلى الجنوب (من الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفياتي إلى إفريقيا السوداء)، إنها صحوة الإسلام. إسلام هائل عددا (ألف مليون من الأتباع)، وهائل بشكل أكبر نظرا للسهولة المدهشة لعقيدته : &#8220;طاعة أمر الله وإرغام العصاة على طاعته&#8221;. إسلام شاب بتركيبة شعوبه المتزايدة عددا، بيد أن الغرب الذي &#8220;خنق أولاده في سريره</p>
<p>&#8220;(a étouffé ses fils dans son lit) ، يهرم دون تجديد.</p>
<p>إسلام يتلقى مساعدة قطيعة من طرف نسائه، المرعوبات من مجتمع تقوده لا أخلاقية الغرب القاتلة للضعفاء. إسلام، ككل حركة، لن يفلح إلا حين يواجه معارضا يَكْبُرُهُ. ولقد لقي معارضه هذا متمثلا في الغرب، ثم لكونه مدمجا لكفاحه مع طموحات العالم الثالث، فقد غير هذا الكفاح ليجعل منه كفاح القرن.</p>
<p>إن الغرب وحده هو الذي يستطيع أن يمكن الإسلام من أن يجتمع ويتوحد. لماذا؟ لأن الغرب، الذي استهلك قطيعته مع الله يُعد فضيحة عند المؤمنين بالعالم أجمع. إنه يؤكد أكثر فأكثر طبيعته الحقيقية &#8220;إن الغرب ملحد في الأعماق&#8221; (Alain)، بيد أن الشرقي رجل دين، يرفض إبطال القداسة عن الكون معتبرا ذلك تشويها. لذا فإن تصفية الإمبراطوريات الاستعمارية مستمرة أيامنا هذه، وهذه مرحلتها الثانية : استئصال الإرث الأخلاقي الذي خلفه الغرب، المتابع بهيمنته الثقافية واستغلاله الاقتصادي.</p>
<p>هذا هو السبب العام. فما هو يا ترى المفجر الخاص؟</p>
<p>هو آلاف اللاجئين ذكورا وإناثا من الفلسطينيين، المحوشين البارحة في مخيمات اللاجئين، والمنثرين اليوم كاللهيب في العالم الإسلامي الضخم بعد إحداث دولة إسرائيل سنة 1948 (3).</p>
<p>كل طموحات الإنسان، المنكرة بسذاجة والمبعدة تلقائيا من طرف الماركسية الإلحادية، استرجعها الإسلام في صراعه،  وأدمجها ضمن مطالبه. ولذلك، فإن الثورة ليست ثورة بعض الشعوب المعنية بالأصولية الإسلامية فقط، ذلك أن رفض الغرب كان يمكن لإفريقيا السوداء، أو أمريكا اللاتينية، أو الشرق الأقصى تصوره وصياغته. لكن، لن يمكنها بتاتا تعميم خطابه على العالم أجمع.</p>
<p>من أجل ذلك لا بد من فلسفة، لا بد من دين، الذي بكونه متعاليا على الحدود المفروضة من طرف أوربا، اتضح أنه قادر على التوحيد في موج واحد من شعوب مختلفة بألوانها، وعلى أن يجمعها تحت لواء واحد، وأن يوجهها بشعاراته. إننا ـ ولنعترف بذلك ـ أمام حركة رائعة في التاريخ.</p>
<p>بعد عشرات السنين، إن لم تكن قرونا من النوم وأحيانا من الإذعان، ها قد جاء وقت الثأر وأحيانا وقت الحماسة ونشوة النصر حتى أنه ـ في هذا التحالف المختلط ـ تتعارض الطموحات وتتنافس العقائد.</p>
<p>ففي البلدان التي فيها إما الشمس أو الظل، إما المؤمن أو الكافر، تكون الرؤية سهلة : الكل أبيض أو أسود. الشر أو الخير يجسدان في أشخاص، هناك الله أو الشيطان. وفي أحياء الصفيح وفي الجامعات هناك مئات الآلاف من ذوي العقول الجاهلة أو مكونة حسب البرامج الغربية (لكن قلوبها غير مغلقة للنداءات الروحية) تلوك لجامها(5). لقد قدمت لها الماركسية تفسيرا لبؤسها وتخلفها. لكن هاهي ذي مجندة روحيا ومحفزة ماديا ومسلحة ثقافيا. باختصار، إنها تريد المزيد من ذلك، وتريدنا كذلك.</p>
<p>رجال دعاة يظهرون ويغيبون، ثم يتجسدون ثانية.</p>
<p>رموز أمل، فإنهم يتعاقبون كزوابع الرمال في الصحراء، تهيج وتهدأ لتظهر بعد في مكان آخر. إن الروح ينفخ حيث يريد. البعض منهم محترم والبعض الآخر مقيت، كلهم خطيرون بتحمسهم. وكلهم يقدمون للشباب بديلا عن المجتمع الغربي المادي، ومن ذلك تأتي ضخامة عدد مستمعيهم.</p>
<p>في زمن التحقت فيه الماوية بزعيمها إلى لحده، والماركسية يعاد النظر فيها بالاتحاد السوفيتي، والمسيحية تتساءل أكثر مما توحي للغرب، فإن الإسلام يتأكد في العالم كهيجان عارم. إن تناقضاته ليست ضعفا بقدر ما هي عنصر تنافس ومزايدة. وبالنسبة للعالم الثالث، فإنه يجسد ويترجم الطموحات والمطالب.</p>
<p>إن الأصولية الإسلامية زاحفة.</p>
<p>&#8212;&#8212;-</p>
<p>(ü) سفير فرنسي</p>
<p>1-  يعني الكاتب بذلك آية الله الخميني والعقيد معمر القذافي</p>
<p>2- نأتي بالكلمة كما قالها صاحبها، ولا نريد أن ندخل في الجدل حول هل القدس عاصمة لإسرائيل أن لا ينبغي قول ذلك بل نعتبر ذلك مسخا للقضية لأن الأمر ليس أمر عاصمة وإنما هو قضية احتلال أرض بالقوة وتقتيل وتشريد شعب وحرمانه من العيش بأرضه وتتبعه إرهابا وتنكيلا داخل بلاده المغصوبة وخارجها، بل صياغة مناهج تدميرية لاستئصاله وقطع جذوره والقضاء على أغلب أفراده وتذويب الباقي في مجتمعات خارج الأرض المغتصبة (المترجم).</p>
<p>3- هناك من يجد حرجا في النطق بكلمة دولة ويستبدلها بكيان، والحرج موجود لدينا بالفعل لأننا نرفض الهوان، ونرفض المصطنع من الكيان. ولكن الواقع المرير يرفض علينا أن ننتبه إلى أن للعدو دولة بما للكلمة من مفهوم سياسي وعسكري. لا نقول بقبول العبارة تطبيعا للهزائم وتكريسا لفرض الهيمنة الصهيونية، ولكن نقول إن الجرح عميق لا يكفي لعلاجه تصوره خدشا</p>
<p>4- مثل فرنسي يعني أنها كاظمة غيظها (rongent leur frein)</p>
<p>&gt; عن جريدة &#8220;لوموند&#8221; الفرنسية 7 يناير 1988</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://almahajjafes.net/2010/04/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%8a%d8%b2%d8%ad%d9%81-%d8%a3%d9%8a%d9%87%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d9%8a%d8%b6-%d8%a3%d9%86%d8%b5%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
