إلى أن نلتقي – وفاة عالم الصين الشيخ دونغ قوان عبدالله


وأهمية التربية الروحية في صناعة الأجيال

 

توفي يوم الاثنين 16 يوليوز 2018 م عالم الصين الشيخ دونغ قوان عبدالله إمام جامع دنقوان في مدينة شيننغ شمال غرب الصين، عن عمر ناهز الثلاث والثمانين عاماً قضاها منقطعا في تعليم أمور الدين لمسلمي منطقته.

وصلى عليه -صلاة الجنازة بعد ظهر الثلاثاء 17 يوليوز، في جامع دونغ قوان ثم شيَّع جنازته- أكثر من 300 ألف مسلم. وقد تداولت وسائل التواصل الاجتماعي شريطا مسجلا لوقائع خروج الجنازة من المسجد، يُظهِر جموع المشيعين بألوفهم المؤلفة في منظر مهيب مؤثر.

ولقد درَّس الشيخُ العديد من كتب التراث الإسلامية، ومن أشهرها إحياء علوم الدين للغزالي رحمه الله، وختمه عشرات المرات، وكذلك العقائد النسفية في عقيدة أهل السُّنة والجماعة، ورد المحتار في الفقه الحنفي، ومكتوبات الإمام الرباني في التصوف الإسلامي للإمام أحمد سرهندي، والطريقة المحمدية للإمام البركوي، وشرح ملا جامي (الفوائد الضيائية) علی متن الکافیة في النحو لابن الحاجب المالكي، ومختصر المعاني للتفتازاني في البلاغة، وغيرها من الكتب العربية الإسلامية.

أفنى الفقيد عمره في نشر العلوم الإسلامية، وخرَّج الآلاف من العلماء والأئمة، وكان يقضي طوال النهار في التدريس والتعليم لا يفرِّق بين الصيف والشتاء، ولا يفارق المسجد، فهو مسكنه ومدرسته، ومن ثَم كان مسجده قبلة للمسلمين والمتعلمين في الصين.

ومن لطيف مجاهدته في هذا المجال أنه كان يعمل صيانة الساعات بالنهار ويدرس العلوم الإسلامية في الليل، وفي عام 1421هـ/ 2001م حج بيت الله الحرام، وبعد رجوعه من الحج ذهب إلى المسجد واستأنف الدروس مباشرة قبل ذهابه إلى بيت أهله..

هذه قصة إمام الصين، لم أسمع به من قبل -ربما ككثير من غيري من الأعزاء القراء-. وبذلك لا أعرف عنه الكثير، إلا ما اطلعت عليه في وسائل الإعلام مؤخرا. وأحسب أنه ليس من المُجدي في شيء التفكير أو السؤال عن مذهبه أو اتجاهه، ولكن المهم كيف يكون له مِثل هذا العدد من الأتباع والمحبين الذين حضروا الصلاة على جثمانه وتشييع جنازته، رغم ظروف الحياة اليومية المعاصرة التي تتميز بضغط الحياة وضيق الوقت، وفي الصين بالذات… بدون شك أنه كان يتميز بصفاء الروح ونقاء السريرة وأنه كان يجعل عمله خالصا لوجه الله.

ولقد ذكَّرني المشهد المهيب للجنازة ببعض ما حدث في تاريخ حضارتنا حينما كان للعلماء المكانة الكبرى في المجتمع، ولدى الجميع بمن في ذلك الحُكَّام والوزراء وحتى الخلفاء. وبما أن المقام يتعلق بالجنائز فيمكن الإشارة إلى جنازة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله

ذكرت كتب الحديث والتراجم عددا من الروايات تقدِّر من حضر جنازته رحمه الله. وحزر من حضرها من الرجال ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألف امرأة، ونظروا فيمن صلى العصر في مسجد الرُّصافة، فكانوا نيفًا وعشرين ألفًا.

وقال موسى بن هرون الحافظ: يقال إن أحمد لما مات مُسحت الأمكنة المبسوطة التي وقف الناس للصلاة عليها، فحُزر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستمائة ألف وأكثر، سوى ما كان في الأطراف والحوالي والسطوح والمواضع المتفرقة، أكثر من ألف ألف.

وفي رواية أخرى أن الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر بعث عشرين رجلاً فحزروا كم صلى على أحمد بن حنبل، فقدَّروا ألف ألف وثمانين ألفاً، سوى من كان في السفن في الماء.

هكذا هم العلماء والدعاة إلى دين ربِّ العباد؛ هم مِلْح البَلَد، لا يَفسُدون ولا يُفسِدون إذا غيْرُهم فَسَدَ، بل يُصلِحون في الأرض، ويصبرون على كل طارئ مُفسد لدين الناس أو لدنياهم، يربون الأجيال؛ شيبهم وشبابهم رجالهم ونساءهم، بإخلاص وتفان، مبتعدين عن كل ما يشوب الذات والسلوك والسيرة والأفعال، من انحراف خلقي، أو طمع في المال والجاه والمنصب ونحو ذلك من ملذات الدنيا. قليلٌ ما هم، وتلك سنة الله، لكن سيرة هؤلاء القليل ينبغي أن تكون زادًا للسالكين، ونورًا مضيئا للمريدين، بعد كتاب الله المبين، وسيرة نبي الله الأمين.

أ.د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>