لآلئ وأصداف – محمد إقبال.. وفلسطين..والحب (1)


قضية القدس قضية مقدسة، ولذلك كان من الطبيعي حضورها في الآداب والفنون الإسلامية. وهي حاضرة أولا في الأدب الفلسطيني، شعرا ورواية وقصة ونقدا. وهي حاضرة أيضا عند أدباء الإسلام، مشرقا ومغربا.

ومن الذين عُنوا بقضية فلسطين، وهي ما تزال جنينية، شاعر الإسلام محمد إقبال. ورغم أن شاعر الهند الكبير، مؤسس دولة باكستان، لم يشهد زرع السرطان الصهيوني في جسد الأمة، لأنه توفي عام 1938، أي قبل عشر سنوات من قرار الأمم المتحدة المشؤوم بتقسيم القدس، ولكن عنايته بفلسطين كانت كبيرة جدا، وكأن رؤياه الشعرية، وحكمته الأدبية، كانت تفتح له بابا من الغيب يطلع به على مستقبل فلسطين، وما ينتظر العالم الإسلامي من نكبات.

وهكذا وجدنا عنده عددا من القصائد والمقطعات تعالج قضية فلسطين بصفة خاصة، والشرق الإسلامي بصفة عامة.

لقد لاحظ إقبال أن الاستعمار الغربي قد احتال على الدول الإسلامية، وبسط سلطانه عليها بأسماء براقة، مثل (الانتداب)، و(الحماية)، وهي ثياب زور، فهو يفضحها قائلا:

مَلَكُ الحضارة أين يُحْتَمُ سيْـــرُه؟

في عصرنا هذا السؤال يسيــــــــــــــرُ:

في حيثُ لا خمْــرٌ، ولا قَمْــــرٌ، ولا

ضيقُ الثياب على النساء يجــــــــــــورُ

والرّوحُ في بدنٍ قويٌّ خـــــــــافقٌ

لكنْ على سَنَـنِ الجُــــدود يسيــــــــــرُ

حيث المـدارسُ غائـــض ينبوعهــا

وابن البداوة في الذكــاء جَســــــــــــورُ

يُــفْــتي جَهـابذة الفرنجـة أنّمــــا

هذي البقـــاع من التمـدّنِ بــــــــــــــورُ

فهو هنا يفضح الاستعمار الغربي الذي دخل بلاد الإسلام بدعوى إخراج أهلها من البداوة والتوحش، ونقلهم إلى التمدن والحضارة، طبقا للعبارة التي أثرت عن المستشرق الفرنسي، (كارا دو فو) الذي قال عند استعمار الجزائر: “لا بد من تمدين الشعوب الــــرّحّل”.

ويفضح محمد إقبال دعوى الغرب الذي حرض البلدان العربية على الثورة ضد الأتراك العثمانيين، فقام حسين، شريف مكة، قائدا لما سمي “الثورة العربية الكبرى”، وهي الثورة التي دقت المسمار الأخير في نعش الدولة العثمانية من جهة، وفتحت للاستعمار الغربي الباب على مصراعيه لاحتلال ما لم يكن قد احتلّ بعد من بلاد العرب. فقال متحدثا عن أوربا:

أمـــانتهـــا علتْ عن كل ريــــــبٍ

وإقبـــــــــالٌ مُـــقِـرٌّ دون نُـكْــــــــرِ

فأوروبــــّا نصيرة كـــــــلّ شعْبٍ

تشَـكـي الدهْــــــر من ظلم وضـــــُرّ

كــرامـــاتُ القسـاوسِ أن أضـاءوا

ســـراجَ الكهــربـــــاء بكلّ فكــــــرِ

ولكنْ من فلسطيــــــنٍ بقلبــــــي

وللشّــــام الكسيرة حــــــرُّ جمـــــرِ

وتلــــكـــمْ عقــدةٌ ليستْ لحــــلّ

تــــــــلاقي كل تدبـــــيـــرٍ بِعُــــرّ

من التّرك الجفاةِ نجَوا فــــلاقـــــــوا

بأشـــْراك التمدّن شــرّ أسْــــــــــــرِ

   ويغوص إلى أعماق الكيد الغربي، عندما ينصح (لورد) بريطاني نجله بالطريقة الهينة اللينة التي بها يمكن استعباد الشرق، وسوقهم إلى الطريق الذي يراد لهم، فيقول له إن السيف لا يكفي لترويضهم، ولكن لا بد من السياسة واللين، ويذكره أن من الظلم أن تتعلم الخراف شريعة الآســـاد، أي لا يستقيم أن تتعلم الأمم الذليلة، وهي أمم الشرق، سبل القوة والحرية. وأيسر سبيل إلى تطويع الشعوب هو القبض على”التعليم”، فمن خلاله يمكن نسج الجيل الذي يراد، وصياغة النفوس صياغة جديدة كما يصاغ الطين تحت يد الخزاف أو النحات، فيقول:

قــــــــال لُرْدٌ من الفرنج لنجـــــــــلٍ

ابغ مــــرأى يـدوم فيه المـــــــــرادْ

أظلــــمُ الظلْــــــم للمساكيــن إعلامُ

خِـــــرافٍ شريعة الآســـــــــــــادْ

إنّ للملْــــــــك سرّهُ فـــاكتمَـنــــْـه:

لا تـرُمْ بالسيــــــوف قهر العبــــــادْ

وبحمض التعليــــــم فاغمس نفوســــــــــا

ثم صُغْ طينها وفـــــــاق المــُـــــــرادْ

وتوقع إقبال انهيار عصبة الأمم التي لم تستطع دفع ظلم، ولا رد حق لأصحابه، فقال:

مسكيـــنةٌ منذ زمـــــــــان تحتضرْ

لا فــــــاه مقْــــــــــولي بسيّء الخبــــرْ

وموتُهـــــا مُــــحتّــــــــمٌ لكنمـا

يدعو القُسُـــــوسُ أن يزول ذا الخطـــــرْ

عجـــوزُ أوروبّا يجـــــوز عيشهـــا

على رُقى إبليــــــــــــسَ أيّاما أخـــــرْ

   ويفضح إقبال مكر الإنجليز بفلسطين، وبالعالم العربي، كما يفند دعوى اليهود امتلاكهم حقا في فلسطين، وإلا فمن حق العرب استرجاع إسبانيا – الأندلس المفقودة. وهذا يعني أن إقبالا كان، منذ وقت مبكر، يحذر المسلمين بعامة، والفلسطينيين بخاصة، من المكر الذي يراد بهم، ومن تفويت الإنجليز الأرض المقدسة إلى اليهود، بدعوى أنهم مروا بها ذات يوم. ومعلوم أن الشاعر الفيلسوف يسوق أفكاره تلك في ثوب قشيب، وفي معان مجازية مناسبة لطبيعة الشعر والفلسفة. ولننظر إلى هذه الأبيات، ولنتأمل ما انطوت عليه من بديع المعنى، ورائق اللفظ:

مرحى لحــــــانات الفــــرنج فقَـــــــــد

مــــــلأتْ بهــــــنّ زجــــــاجَــــهـا حَلَبُ

إنْ في فلسطيـــــن اليهــــــــودُ رجــــتْ

فليأخذنْ إسبـــــــانيـــــــــــــــا العــربُ

للإنكليـز مقـــــــــــــاصـدٌ خفِـــيَــتْ

ما إن يُـــــــرادُ الشّـــهْـــــدُ والــــرُّطَــبُ

وأي شيء يبقى من خصائص الأمة، ومن دينها، ومن شرفها وكرامتها، وقد ملأت حلب كؤوسها من حانات الفرنج. وقد يؤخذ المعنى الظاهر، وهو أن حلب غاصت في اللهو والخمر، ونسيت دينها، ولكن معنى المعنى أبعد من ذلك، فحانات الفرنج ليست مقصورة على الخمر، بل يرمي الشاعر إلى انسلاخ الأمة عن قيمها وحضارتها، واتخاذها مظاهر المدنية الغربية شعارا يلتصق بجلدها، ويمحو هويتها.

وفي مقطعة عنوانها: (إلى عرب فلسطين)، يقول:

لا يزالُ الــــزمانُ يصلى بنــــــــــــارٍ

لم تزلْ في حشــــاك دون خُمـــــــــــــــــودِ

لا دواءٌ بلــــــندنٍ أو جنيــــــــــــــــوا

بوريـــــد الفـــرنج كــــفّ اليهـــــــــــــودِ

ومن الـــــــرّقِّ للشعــــــــوب نجـــــاةٌ

قُــــوّةُ الـــــــــذّاتِ وازدهـــــــــار الوجــودِ

يُــــجرّدُ إقبـــــــــال شخصــــاً يوجّـــــه إليه الخطاب، وليس هذا الشخص غير الإنسان المسلم الذي استودعه الله تعالى الأمانة، وحمّــــــله الرسالة من أجل تبليغهــا إلى الناس، وكل تقصير منه، أو غفلةٍ عن رسالتـــه تكون عليه وبالا. فالمسلم يحمل دائما بين جنبيه نــارا تتقد، وهي لا تعرف الخمود، وهذه النار المقدسة، مثل النار التي آنسها موسى في الطور، تهديه سبيل الرشاد، فعليه أن يصبر على لظاها، ويتعهدها لكي لا تخبو ولا تفتر، إنها نار الحق التي تمكنه من ردّ كيد الخصوم. ومن البلية أن يبحث المسلم عن العلاج عند من كانوا سببا في الداء. فالإفرنج، الذين رمز إليهم الشاعر بلندن وجنيوا، ليسوا على الحقيقة قادرين حتى على ملك أنفسهم، ما دامت كف اليهود قابضة على وريدهم. فظاهر الأمر أن الفرنجة حاكمون، وباطنه أنهم محكومون، فكيف نرجو عندهم الدواء والخلاص؟ إن نجاة المسلم وخلاصه ليس في غير “قوة الذات”، هذه الذات التي بنى عليها محمد إقبال ديوانين من أهم دواوينه، وهما: “أسرار خودي = أسرار الذات”، و”رموز بي خودي = رموز نفي الذات”، فالمومن لا ينفي ذاته إلا أمام خالقه، فأما فيما سوى ذلك، فينبغي أن يثبت ذاته، وأن تكون هذه الذات شديدة الحضور، إذ هو مصباح العالم، ومنقذ البشرية. فليعلم ذلك ولْـيَــعِــهِ.وذات المسلم تتميز عن غيره بأن لبوسها الذي يخالط لحمها وعظمها ولا ينفصل عنها هو الحب.ويم يتخلى المسلم عن هذا الإكسير الرباني يفقد ذاته، وينزل إلى الحضيض، ولا سبيل له إلى الخلاص إلا باسترجاع تلك الطاقة الربانية، طاقة الحب. وذلك هو موضوع حلقتنا القادمة إن شاء الله .

يلتقطها أ.د. الحسن الأمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *