الإعلام المعاصر وأبعاده التغريبية


توطئة في أهمية الإعلام:

يمثل الإعلام أحد التحديات الأساسية لهذا العصر، وهو تحد حاسم من حيث تأثيره الحضاري المصيري على العالم، فقد وضعت التكنولوجيا المعاصرة في ثوراتها المتجددة وطفراتها المتوالية، الإنسانية على مشارف عالم جديد في محاولة جديدة لصياغة المجتمع. وتُعد تقنيات الاتصال المعاصرة، من أقوى وسائل هذه الحضارة في الانتشار الذاتي وفي التأثير الجماعي الصاعق على فكر الفرد وعلى إرادته واتجاهاته، فقد “أحكم الإعلام سيطرته على العالم مسليا مربياً معلماً موجهاً شاغلاً مُشغلاً، يظهر كل يوم بوجه جديد وفي كل فترة بأسلوب مبتكر، وفي كل مرحلة بتقنية مدهشة، متجاوزاً حدود الزمان والمكان، مما جعل التربية بوسائلها المحدودة، وتطورها التدريجي الحذِر تفقد سيطرتها على أرضيتها، وأصبح الإعلام يملك النصيب الأكبر في التنشئة الاجتماعية، والتأثير والتوجيه، وتربية الصغار والكبار معاً”(1).

فالصياغة الإعلامية في العالم ليست عملية عبثية لا هدف لها، وليست ممارسة عديمة لا طائل من ورائها، بل هي صناعة مقننة مُمَنهجة، ذات أهداف محددة وواضحة، تستهدف التأثير على المُتلقي بالدرجة الأولى، لأسباب اقتصادية اجتماعية وسياسية…كما يؤكد المفكر سمير راضي: “والهدف من الإعلام بصفة عامة هو محاولة التأثير على الجماهير لتُكوين رأي عام “موحد إن أمكن” حول قضية معينة عن طريق نقل الخبر والنبأ والتعليق والتحليل وغير ذلك، ثم أُضيف إليه أهداف أخرى مثل أهداف دعائية وأهداف عقدية وأهداف تثقيفية ولكن كلها تخدم الهدف الأصلي وهو تغيير سلوك الجماهير لتتوافق مع هدف مُخططي السياسة الإعلامية” (2).

الإعلام الغربي رسالته ومخططاته:

تناول الدكتور عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- رسالة الإعلام الغربي ومُخططي السياسة الإعلامية، في كتابه العلمانية الشاملة والجزئية (3)، وفضح بعض أهدافهم الاقتصادية، حيث وضّح كيف قاموا بإعادة صياغة واقع المجتمع في كل جزئياته، من خلال آليات مستحدثة لعلمنة الفكر والمجتمع والاقتصاد والإعلام.. في إطار مرجعية مادية، مُتمركزة حول الذات الإنسانية، عن طريق تعظيم اللذة، وتحويل الإنسان إلى مجرد آلة هدفه الاستهلاك، في غياب أي مرجعية أخلاقية دينية، إذ يتم “إعادة صياغة المجتمع باعتباره سوقا أو مصنعا وإعادة صياغة الإنسان باعتباره مُنْتجا ومُستهلكا، ومن تم فإن الهدف النهائي للمجتمع تعظيم الإنتاج وتحقيق المنفعة (التراكم الرأسمالي)، وتعظيم اللذة ويتطلب هذا كله وجودا مركزيا قويا يقوم بالهيمنة على الأطراف وبالتحكم في كل موارد المجتمع وتوجيهها وبرمجتها” (4). وهذا ما يوصل إلى العلمانية الكلية، عن طريق توحيد وتنميط الأفراد في القالب الذي يخدم المصالح الاقتصادية الكبرى، لتحقق الهيمنة والسيطرة لهذا الوجود المركزي (مُخطط السياسة الإعلامية)، الذي يُعرفه في فصل آخر بالدولة المطلقة أو “الدولة الرأسمالية”، التي”ستُحوّل العالم إلى سوق كبيرة، لا يسودها إلا قوانين العرض والطلب، وتعظيم المنفعة (المادة) واللذة (الجنس) والتي ستؤدي إلى سيادة حالة المصنع في العالم بأسره، فوجدت من صالحها أن تُفتَح الحدود، وتختفي القيم والمرجعيات تماماً حتى يفقد الجميع أي خصوصية ويصبحوا آلة إنتاجية استهلاكية وقطع غيار في الوقت نفسه”(5)، وقد وضّح المسيري –رحمه الله- كيف يتم بَرمجة الفرد كي يصبح منتجا ومستهلكا وقطع غيار في الوقت ذاته، وذلك من خلال ما يُشهّر إليه هذا الأخير في ملابسه، حيث قال:”تُعد المنتجات الحضارية المألوفة من أهم آليات العلمنة الشاملة البنيوية، ولنضرب مثلا “التّي شيرت T-Shirt” الذي يرتديه أي طفل أو أي رجل وقد كتب عليه -إشهار ما- إن الرداء الذي كان يُوظّف في الماضي لستر عورة الإنسان ولوقايته من الحر والبرد، وربما للتعبير عن الهُوية، قد وُظّف في حالة “التّي شيرت” بحيث أصبح الإنسان مساحة لا خصوصية لها”(6).

هكذا إذن يتم استغلال الفرد وعَلْمنته في جميع جزئيات حياته، باستعمال آليات للعلمنة الشاملة الاقتصاد التعليم الإعلام… حتى يتحقق ما يسميه الانتقال الحتمي من العلمانية الجزئية إلى العلمانية الكلية، ومن “أهم آليات العلمنة البنيوية الكامنة في العالم هي الإعلانات التلفزيونية الظريفة بالغة البراءة ! وهي إعلانات تروج رؤية للعالم عمادها الجنس والاستهلاك باعتبارهما القيمتين العُظميين”(7). “فالإعلام إذن خادم وليس بسيدٍ، وتابع وليس بمتبوعٍ، فهو لا يتحرك من فراغ أو في فراغ، كما أنه لا يؤمن بالمجردات أو الأفكار الساذجة أو المثالية فهو وسيلة، بل وسيلة خطيرة تُوَجَّهُ ومن ثم تُوَجِّه”(8).

ومن الأخطار التي يشكلها على الجانب الديني والهوية الثقافية، قدرته على تغيير العقائد والأفكار، وصناعة الأخلاق والقيم، وتغريب المجتمعات، وتزيف واقعها الفكري والثقافي لمحاولة تحريف واقعها الديني”مما يؤدي إلى بلبلة وإرجاف في المجتمع، وخلل في القناعات لدى الأفراد وازدواجية في الأخلاق والمبادئ، وقد فطن الاستعمار لهذه الحقيقة فسارع إلى استغلال الإعلام لخدمة أغراضه في نشر أفكاره ومبادئه، وهي في مجملها تُخَلْخِلُ ما عليه المجتمع من مبادئ وأفكار”(9) عن طريق تلفيق الأكاذيب وإلقاء التُّهم، وهذا ما نُعاينه ونشاهده على القنوات الفضائية العالمية من حرب مصطلحية على الإسلام والمسلمين، زَيَّفَتِ الحقائقَ وأشاعت الأكاذيب فنَفَّست الخسيسَ ودَنَّسَتِ النفيس وألصقت التطرف والإرهاب بالإسلام، خدمة للاستعمار بجميع أنواعه، والذي “استطاع أن يوجد له مجموعة من العملاء بأجر وبدون أجر وعن قصد أو عن غير قصد يُبشرون بمبادئه ويُعجبون بأفكاره وينادون بسيادته ويجعلونه النموذج الأمثل. ولم يترك أي مجال من مجالات الإعلام إلا وأتبعه، بدأً من أفلام طرزان والكاوبوي “رعاة البقر” التي صنعت من الرجل البيض أسطورة تقاتل في سبيل الحق ضد المتوحشين من الزنوج والهنود الحمر وانتهاءً بأفلام الكرتون التي تستعمر عقلية الطفل منذ تنشئته، من أجل هذا كله كان الهدف هو أخطر عامل مؤثر في توجهات الإعلام”(10).

وهو نفس ما أكده المفكر عبد السلام المسدي: “حيث الأشنع في انتظارنا، فمنذ مطالع تسعينات القرن الذي مضى انخرط كثير من المنخرطين السينمائيين في مجال الأفلام والمسلسلات، ضمت حركة التشهير بأعمال العنف وتيار التطرف، ولم يكن من هموم كثير من السينمائيين أن يدققوا المسألة ليفصلوا بين ما هو إرهاب جنائي يضحي بالأبرياء، وما هو مقاومة شرعية تناضل في سبيل استرجاع الوطن المغتصب فتستهدف المؤسسة الغازية، وما يدور في فلكها من أجهزة قمعية”(11) و”خطورة هذه المشكلة دفع إلى عقد ندوات ومؤتمرات علمية كان من أهم محاورها تحديد أبعاد الفوضى في المعرفة الإسلامية التي تقدمها القنوات الفضائية والمواقع الالكترونية”(12).

الإعلام العربي بين التبعية والرسالية:

وما ساعد على تأكيد وانتشار هذه الفوضى والسموم، هو الإعلام العربي الذي بات بعضه للأسف يأخذ في عصر العولمة، دور المُتلقي ثم المُخبِر لا المُتحري، فهو لا يقوم في أغلبه على وظيفة إعلامية إخبارية واعية ذات هوية محددة وواضحة، تقوم بتحري الأخبار وتقويمها قبل نشرها، كما يأمرنا تبارك وتعالى في كتابه العزيز:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(13)، بل أصبح يعاني من خلل واضح في عرضه للأحكام والأخبار، لأنه تحول في أغلب الأحيان إلى نافذة لاستلاب وعي الجماهير وترسيخ أفكار ومفاهيم ومصطلحات جديدة يسوقها له الإعلام الغربي، المالك لوسائل الإعلام العملاقة التي حولت وسائل الإعلام إلى أداة افتراس للرأي العام، واستلاب الجماهير بالدعاية السياسية أو الفنية، حيث “أدى تطبيق مبدأ التدفق الحر إلى ظهور ما يسمى بالتدفق في اتجاه واحد من الأعلى إلى الأسفل، أي التدفق الذي يتخذ شكلا رأسيا ويتجه هذا التدفق سواء كان في شكل معلومات أو أخبار أو برامج إعلامية أو منتجات ثقافية في معظمه من الدول المتدفقة التي تمتلك الإمكانيات التكنولوجية إلى الدول الأخرى خاصة عالمنا العربي والإسلامي…وأما العامل الآخر الذي ساعد في انتشار الفوضى الإعلامية، فهو البث المباشر فقد تنبه الإعلاميون إلى بعض أخطاره وتأثيره على أخلاقيات وسلوكيات الجماهير في الدول الإسلامية المستقبلة لها…إضافة إلى تهديد هويتها الدينية والثقافية” (14).

 في الحاجة إلى إعلام رسالي ومستقل

لهذا بات من الضروري تصحيح الصورة النمطية التي غرستها ومازالت تغرسها بعض وسائل الإعلام عن الإسلام، وذلك بتكثيف الجهود لتوجيه الإعلام العربي من مجرد ببغاء يُردّد ما يقوله الغرب عن الإسلام، إلى إعلام إسلامي هادف في جميع مجالاته، وهذه وضيفة كل الإعلاميين في القنوات العربية، لأن” الإعلام الإسلامي مطالب بالدفاع عن قضايا المسلمين والاهتمام بأمورهم في مشارق الأرض ومغاربها، ليرسل مندوبيه لجمع المعلومات الموثقة ويحسن عرضها ويطبعها في أفلام وثائقية تسجيلية ينشرها على الملأ في شتى وسائل الإعلام من صحافة وتلفزيون وإذاعة ولا يألو جهدا في مقاومة الظلم الواقع على الأمة بالكلمة والصورة والصوت”(15) عن طريق تنويع وسائل التأثير كتخصيص برامج وأفلام ومسلسلات تعليمية هادفة ومُسلية للكبار والصغار، تنشر العلم الشرعي والقيم الإسلامية صوتا وصورة وبالطريقة أو اللغة التي يفهمها أهل هذا العصر، ف”الإعلام الإسلامي يجب أن يكون محكوما بالشرع وقواعده في تحديد هدفه واختيار المعلومة وطريقة تقديمها، ويسري ذلك على أي وسيلة من وسائل الإعلام الإسلامي المقروء منه أو المسموع أو المشاهد، ويسري أيضا على أي نوع من أنواعه مثل المقالة أو القصة أو الفيلم السينمائي أو المسلسل التلفزيوني”(16) أو أفلام كرتونية دينية لأن ذلك له تأثير شديد على التنشئة الاجتماعية للصغار، وهذه مسؤولية جميع مثقفي وعلماء الأمة الإسلامية.

وقد حدد الكاتب واجبات ووظائف الإعلام “التي يشترك في القيام بها المسلمون في المجتمع الإسلامي والمتمثلة في: الدعوة إلى الله ، ووظيفة نشر العلم الشرعي وإشاعته بين الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحقيق التآلف والترابط في المجتمع الإسلامي…وغير ذلك من الواجبات الشرعية المشتركة، والتي تدعمها أدلة الشرع ونصوصه المبثوثة في الكتاب والسنة وسِير سلف الأمة، فهذه وأمثالها واجبات يشترك الإعلام في مهمة القيام بها مع بقية مؤسسات وأنظمة المجتمع الأخرى، سواء منها السياسية أو التعليمية أو العسكرية أو الاقتصادية، كل حسب إمكاناته وطبيعة أداء والوظائف المنوط به، فالوسائل الإعلامية بما لها من إمكانيات فنية وقدرات اتصالية، وأساليب في الأداء تقوم بواجبها تجاه تلك الواجبات الشرعية، وحسب الإمكانات والقدرات المتاحة لها”(17).

إضافة إلى ما سبق يتعين على الإعلام في عالمنا العربي والإسلامي بجميع أنواعه أن يُخصص برامج ويُنوّعها، لنشر الدين الإسلامي في الأعمال الفنية والبرامج الفكرية والثقافية والترفيهية، الحامل لرسالة السلام بوسطية قِيمه وعالمية أخلاقه.

كما بات من الضروري توعية القارئ، بخطورة الثقافات المسمومة التي يُروجها الإعلام العربي بتفويضٍ من الإعلام الغربي، عن طريق دسّ السم في العسل، سواء من خلال الأفلام والمسلسلات المدبلجة، أو الأخبار المذاعة، أو الأفلام الكرتونية، أو الإعلانان الإشهارية..التي أصبحت تشكل غزوا ثقافيا واختراقا فكريا يهدد سلامة المجتمع وأمنه.

ذة. سعاد بوترفاس

———————-

1 – التربية الإعلامية كيف نتعامل مع الإعلام، فهد عبد الرحمان الشميمري، مكتبة الملك فهد الوطنية-الرياض الطبعة الأولى:1431ه-2010م، رقم الإيداع:6144/1431، ص 18.

2 – الإعلام الإسلامي رسالة وهدف، سمير بن جميل راضي، دعوة الحق كتاب يصدر عن رابطة العالم الإسلامي، العدد 172 ربيع الآخر 1417ه -السنة الخامسة عشر، ص 32-33.

3 – فصل للقيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن الحياة في جانبيها العام والخاص، العلمانية الشاملة والجزئية، مجلد1، ص6.

4 – العلمانية الجزئية والشاملة، د عبد الوهاب ألمسيري ، دار الشروق القاهرة مصر، ط:1،2002م/ط:2،2005م، ص 18.

5 – العلمانية الجزئية والشاملة، مرجع سابق، ص218.

6 – العلمانية الجزئية والشاملة، مرجع سابق، ص26.

7 – العلمانيةالجزئية والشاملة، مرجع سابق، ص28.

8 – الإعلام الإسلامي رسالة، سمير راضي، مرجع سابق، ص 34.

9 – الإعلام الإسلامي رسالة،سمير راضي، مرجع سابق، ص 34.

10 – الإعلام الإسلامي، سمير راضي، مرجع سابق،ص 34.

11 – العرب والانتحار اللغوي، عبد السلام المسدي، دار الكتاب الجديدة المتحدة -بيروت لبنان- الطبعة الأولى: كانون الثاني/يناير 2011م،موضوع الكتاب: مصير العربية رقم الإيداع المحلي 131/20 ، ص:141.

12 – المرجعية الإعلامية في الإسلام، د طه أحمد الزيدي، دار النفائس للنشر والتوزيع-الأردن، الطبعة الأولى:1430ه-2010م، ص11.

13 – الحجرات :6.

14 – المرجعية الإعلامية في الإسلام، مرجع سابق، ص13.

15 – الإعلام الإسلامي رسالة وهدف، سمير بن جميل راضي، دعوة الحق، كتاب شهري يصدر عن رابطة العالم الإسلامي، ربيع الآخر 182السنة الخامسة عشرة، ص 99.

16 – الإعلام الإسلامي رسالة وهدف، مرجع سابق، ص 61.

17 – ملكية وسائل الإعلام وعلاقتها بالوظائف الإعلامية في ضوء الإسلام، تأليف د محمد عبد الله الخرعان، دار عالم الكتب للطباعة والنشر و التوزيع الرياض، الطبعة الأولى:1317ه-1996م، ص124.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *