نظرات علمية هادئة في الشّأن اللّغويّ الرّاهن (3/3)


يواصل الأستاذ في هذه الحلقة عرض مجموعة من الأخطاء اللغوية التي يقع فيها الباحثون، ويوجه إلى الصواب الذي تقتضيه قواعد الاستعمال اللغوي العربي الفصيح.

ج – أمّا لغةُ البحوثِ الجامعيّة فتُعدُّ أهمَّ ركنٍ من أركانِها؛ لأنّ الأمرَ فيها يتعلّقُ بالبيانِ والتّبليغِ واختيارِ أنسبِ صياغةٍ ونظمٍ لتأديةِ المعنى. وكثيرًا ما يُلاحظُ أنّ الباحثينَ يتعثّرون في العباراتِ، ولا يستعملونَ الألفاظَ في مواضعِها، و من الأمثلةِ على ذلك:

على صعيدِ معجمِ الأفعالِ المستعملةِ في صوغِ الجملِ و تركيبِها:

من الباحثين من يستعمِلُ الفعلَ في غيرِ موضعِه، وأسوقُ أمثلةً من بعضِ الأطروحاتِ، من غيرِ ذكرِ عناوينها: «صرفت هذه المؤسّساتُ طلاّبَها للتّعلّمِ». المعروفُ أنّ للفعلِ “صرفَ” معنىً غيرَ الذي أُعْطِيَه هنا؛ فهو يدلُّ في الأصلِ على ردِّ الشّيءِ عن وجهِه: صرَفَه يصرِفُه صَرْفًا فانصرفَ، وصَرَفَ اللهُ قُلوبَهمْ بأنّهُم قومٌ لا يفْقَهون(1)؛ أي أضلّها مُجازاةً على فعلِهم، وسَأَصْرِفُ عَنْ آياتي الذين يتَكَبَّرون في الأرضِ(2) أي أجعلُ جزاءَهم الإضلالَ عن هدايةِ آياتي(3). فالمعنى العامُّ هو الرّدُّ والدّفعُ والتّسريحُ إلى المكانِ الذي جيءَ منه، ويتعدّى هذا الفعلُ بحرفي الجرِّ “عن” و”إلى”، نحو قولِه تعالى: وَإذْ صَرَفْنَا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعونَ القُرْآنَ(4) وقولِه: وَإِلاَ تَصْرِفْ عَنّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الجَاهِلينَ، فَاسْتَجابَ لَه رَبُّه فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُن(5). والأقربُ إلى الصّوابِ أن يُقالَ: بَعَثَتْ هذه المؤسّساتُ تلاميذَها، أو وَجَّهَتهُم.

ومن الأمثلةِ أيضًا فعلُ “أضافَ”، فهو فعلٌ يتعدّى بنفسِه وبحرفَي الجرِّ “على” و”إلى” يُقالُ: أضافَ عليه: أشرَفَ، وأضافَ الشّيءَ إلى الشّيءِ أمالَه وأسنده وضمّه، وأضافَ الكلمةَ إلى الكلمةِ نَسَبَها إليها على وجهٍ مخصوصٍ، وأضافَ من الأمرِ: أشفقَ (6).

ومن ذلك فعل “خَرَجَ”؛ لا نقولُ: «يخرُج للقرّاءِ بما ينطوي عليه »، و لكنه يتعدّى بحروف الجرّ “مِن” أو “الباءِ” أو “على” أو “إلى”، وذلك نحو: خرَجَ من موضِعِه برَزَ،  وخرَجَ به أخرَجَه، وخرَجَ عليه برزَ لقِتالِه أو فاجأه وبَهرَه، وخرَجَ إليه برَزَ لَه. و الصّوابُ أن يَقولُ الباحثُ: «يخرجُ إلى القرّاءِ بما ينطوي عليه … » (7).

ومن ذلك فعل “نأى ينْأى” بمعنى بَعُدَ، ويتعدّى بحرفِ الجرّ “عن”، لقولِه تعالى:وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأَوْنَ عَنْهُ (8)، و قالَ النّابغةُ:

وإنَّكَ كَاللّيلِ الذي هُوَ مُدْرِكي  وإنْ خِلْتُ أنّ المُنْتَأى عَنْكَ واسِعُ (9).

أمّا فعل “تطرَّق” فإنّه يتعدّى بحرف الجرّ “إلى”، نحو: تطرّقَ إلى الأمرِ، أي ابتَغى إليه طريقًا (10)، و ليسَ الفعلُ متعدّيًا باللاّمِ.

أمّا الفعلُ “مرَقَ” فإنّه يتعدّى بحرفِ الجرّ “مِن”، وليس بعَلى، يُقالُ: مَرَقَ السّهمُ من الرّميّةِ يمرُقُ مَرْقًا و مُروقًا، خرجَ من الجانبِ الآخَرِ وخرَقَ، ومرقَ من الدّينِ: خرجَ منه ضلالةٍ أو بدعةٍ، وذُكرَ في الحديثِ الذي رواه أبو سعيدٍ الخدريّ أنّ قومًا يمْرُقونَ من الدّينِ كما يمرُقُ السّهمُ من الرّميّةِ(11)، أي يجوزونَه ويخرقونَه ويتعدّونَه، كما يخرقُ السّهمُ المرميُّ به ويخرُجُ منه(12).

أمّا “أشّرَ يُؤَشِّرُ تأشيرًا”، فهو بالمعنى المُستعمَلِ اليومَ من كلامِ المولَّدينَ الجُدُدِ، وفيه عُجمةٌ وأثرُ ترجمةٍ، لأنّ الهمزةَ فيه زائدةٌ مُقْحَمَةٌ لا مكانَ لها، ولا يُشتقُّ فعلٌ مزيدٌ يجعلُ الزّائدُ فيه أصليًّا. أمّا الصّوابُ في المصدرِ فأن يُقالَ “علامةُ دخولٍ” أو “إشارةُ دخولٍ” أو “إذنٌ بالدّخولِ”. نعم، لقد وردَ الفعلُ “أشَّرَ” مزيدًا، لا بالألفِ و لكن بالتّضعيفِ، والأشَرُ المَرَحُ والبَطَرُ، وتأشيرُ الأسنانِ تَحزيزُها وتحديدُ أطرافِها، وكلُّ مُرَقَّقٍ مُؤَشَّرٌ، والتّأشيرَةُ ما تَعَضُّ به الجَرادةُ، والتّأشيرُ شوكُ ساقيْها أو عُقْدَةٌ في رأسِ ذَنَبِها(13).

ومثله فعل “تأرْجَحَ” الذي هو بناءٌ غيرُ قياسيٍّ؛ لأنّه في الاستعمالِ الرّاهنِ يُعاملُ الهمزةَ المعدِّيَةَ معاملةَ الزّائدةَ في الفعلِ “أَرْجَحَ يُرْجِحُ” كأكرَمَ يُكْرِمُ، مُعاملةَ الحرفِ الأصليِّ،  وأرْجَحْتُ لِفُلانٍ إذا أعطيته راجحًا. أمّا “تأرْجَحَ” فهو استعمالٌ عامّيّ مولَّد، والصّوابُ: تَرَجَّحَ أي اهتزّ وتذبذَبَ ومالَ، وترجّحَ في القولِ تَمَيَّلَ فيه(14).

أمّا الفعلُ “أعطى” فهو يتعدّى بنفسِه، ولا يحتاجُ إلى لامِ الجرِّ كما هو شائعٌ في الاستعمالِ.

ويتعدّى فعلُ “تضلَّعَ” بحرفِ الجرّ “مِنْ” وليس بفي، و معنى تضلّعَ امتلأَ شِبَعًا أو ريًّا، وتضَلَّعَ من الماءِ شرِبَ منه حتّى منه الأضلاعَ، وتضلَّعَ من العلومِ نالَ منها حظًّا وافرًا(15).

ومن ذلك فعلُ “رجع” فهو يُسْتَعْمَلُ مجرّدًا في حالَتَي اللّزومِ والتّعدّي، تقول: رجَعَ يَرْجِعُ رَجْعًا و رُجوعًا ورُجْعى ورُجْعانًا ومَرْجِعًا ومَرْجِعَةً: انْصَرَفَ (16)، ورَجَعْتُهُ أَرْجِعُه (بفتحِ الهمزةِ) رَجْعًا فَرَجَعَ رُجوعًا، يستوي فيه لفظُ اللاّزمِ والواقعِ، وفي حديثِ السّحور عن عبدِ الله بن مسعودٍ أنّ بلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قائِمَكُم و يوقِظَ نائِمَكُمْ(17). ورَجَعَ فعلٌ قاصرٌ  ومتعدٍّ؛ تقولُ: رَجَعَ زيدٌ و رَجَعْتُه أَنا، وفي قولِه تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمونَ مَوْقوفونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ القَوْلَ(18).

ومن الألفاظِ التي يُخْرِجُها كثيرٌ من الباحثينَ عن أصلِها استعمالُ كلمةِ “بعض” مُعَرَّفَةً بالألِفِ واللاّمِ، كقولِ بعضِهم: «مُستقِلاًّ عن بعضِها البعض» و«يعتبرُه البعضُ من الفصحاءِ» و«سأقتصرُ على ذكرِ البعضِ منها» و«يُفضّلُ البعضُ استعمالَه»… والحقيقةُ أنّ كلمةَ “بعض” لا تُعَرَّفُ بالألفِ واللاّمِ؛ تقولُ بعضُ الشّيءِ طائفةٌ منه، والجمعُ أبعاضٌ، ويُذكرُ أنّ الزّجّاجِيَّ استعْمَلَ “بعْضًا” بالألفِ واللاّمِ، فقالَ: وإنّما قلنا “البعض” و”الكلّ” مجازًا وعلى استعمالِ الجماعةِ له مُسامَحَةً، وهو في الحقيقةِ غيرُ جائزٍ، يعني أنّ هذا الاسمَ لا ينفصلُ من الإضافةِ؛ قالَ أبو حاتمٍ: قلتُ للأصمعيّ: رأيتُ في كتابِ ابنِ المقفَّعِ: العلمُ كثيرٌ، ولكنّ أخْذَ “البعضِ” خيرٌ من تركِ “الكلّ”، فأنكره أشدَّ الإنكارِ، وقالَ: الألفُ واللاّمُ لا يدخلانِ في “بعض” و”كلّ”؛ لأنّهما معرفةٌ بغيرِ ألفٍ ولامٍ، وفي القرآنِ الكريمِ: وَكُلٌّ أتوهُ دَاخِرِينَ(19)، ولا تقولُ العربُ: “الكلّ” ولا “البعض”، وقد استعملَه النّاسُ بهذا النّحوِ، فاجتنِبْ ذلك فإنّه ليسَ من كلامِ العربِ(20) ولا يوجدُ في كتابِ الله هذا اللّفظُ مُعرَّفًا بالألفِ واللاّمِ مطلَقًا.

و من الظّواهرِ التي يكثُرُ دَورُها على ألسنةِ الباحثينَ الالْتِواءُ و التّعقيدُ في العبارة:ِ

وذلك بزيادةِ ما لا فائدةَ فيه من الألفاظِ، كقولِ أحدِهم: «ما دام أنّه قد تمّ الإجماعُ على فائدتِه». وأبسطُ من ذلك وأيسرُ أن يقولَ: «مادامَ الإجماعُ على فائدتِه قد حصلَ»، ومفادُ هذا الضّربِ من الأساليبِ الابتعادُ عن الأساليبِ السّهلةِ البسيطةِ، وأداءُ المعنى بأساليبَ معقّدةٍ فيها كثيرٌ من الحشوِ والإطنابِ ولزومِ ما لا يَلزمُ.

ومن ذلك استعمالُ عباراتٍ في غيرِ موضعِها وفي سياقٍ دلاليٍّ غيرِ مناسبٍ؛ لننظرْ مثلاً قولَ بعضِ الباحثين: «يَستعمِل في تعزيزِ رأيِه الرّافضِ خطّةً دفاعيّةً تقومُ على أساسِ التّخويفِ…»، فهذا كلامٌ لا يُستعمَلُ -في العادةِ- إلاّ في سياقِ المواجهةِ والتّخطيطِ للحربِ، وليسَ في سياقِ الدّفْعِ عن الرّأيِ بالحججِ و البراهينِ العقليّةِ. ومثلُه قولُه: «وأنا بدوري أضمُّ صوتي إلى أصواتِ هؤلاءِ …»، وهذا كلامٌ لا يُستعمَلُ إلا في سياقِ الاقتِراعِ والتّصويتِ، وليسَ في سياقِ المُوافقةِ في الرّأيِ، والأوْلى أن يُقالَ: «أُوافِقُهم في الرّأي».

وأمّا ما يُلاحظُ في جانبِ التّركيبِ والنّحوِ، فكثيرٌ جدًّا، منه على سبيلِ المثالِ:

أ – تقديمُ الأعرفِ على الأنكرِ، كقولِ بعضِهم: « اتّخَذَت قاعدةً لها معرَّباتِ اللّسان».

ب – ارْتِكابُ أسلوبِ الإغماضِ والإضمارِ قبلَ الإظهارِ، و هو أسلوبٌ مولَّد فيه أثرُ العُجمةِ والتّرجمةِ؛ كقولِ بعضِهم: «وهو يخصُّ أيضًا مسألةً […] لم يكن لها حظٌّ من البحثِ والتّنقيبِ، يتعلّقُ الأمرُ بظاهرةِ الإلحاقِ»، والأصوبُ أن يُظْهَرَ المرادُ قبلَ أن يُضْمَرَ: «وهو يخصُّ أيضًا مسألةَ الإلحاقِ، وهي مسألةٌ لم تُوَفَّ حقَّها من البحثِ و التّنقيبِ ».

ج – بِناءُ الجملةِ على حذفٍ ثمّ ذِكرُ المحذوفِ فيما بعدُ، كقولِ بعضِهم: «ثمّ استُعمِلَ لفظُ “معرَّب” بعد ذلك مِن التّهانويّ»، ولكنّ لنا في أسلوبِ والتّقديمِ والتّأخيرِ -للعنايةِ  والاهتِمامِ– مندوحةً عن هذا الضّربِ من هذا التّراكيبِ، نحو قولِنا: «ثمّ استعْمَلَ لفظَ “مُعرَّب” بعد ذلك التَّهانَويُّ».

والأمثلةُ على خرقِ القواعدِ التّركيبيّةِ كثيرةٌ جدًّا، و هي أساليبُ جديدةٌ راضَها الاستعمالُ ورَضِيَها حتّى تَوَهَّمَ القارئُ أنّ الذي يقْرَؤُه من هذه الأساليبِ عربيٌّ أصيلٌ لم يَتَخَطَّ إليه دخيلٌ غريبٌ من الجديدِ الوافِدِ.

أ. د. عبد الرحمن بودرع

———————

1 – التّوبة : 128.

2 – الأعراف: 146.

3 – لسان العرب: مادّة/صرف، 9/189.

4 – الأحقاف: 28.

5 – يوسف: 33/34.

6 – لسان العرب: مادّة/ضيف، 9/208.

7 – لسان العرب: مادّة/خرج، 2/249.

8 – الأنعام : 27.

9 – [خزانة الأدب: 1/423] لعبد القادر البغدادي، تح. عصام شعيتو، دار الهلال، بيروت، ط.1 / 1987، [لسان العرب: مادّة/نأي، 15/300].

10 – لسان العرب : مادّة/طرق، 10/221.

11 – صحيح مسلم : 2/741، تح. محمّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التّراث العربي، بيروت.

12 – لسان العرب : مادّة/مرق، 10/341.

13 – لسان العرب : مادّة/أشر، 4/20-21.

14 – لسان العرب : مادّة/رجح، 2/445

15 – لسان العرب : مادّة/ضلع، 8/225.

16 – لسان العرب : مادّة/رجع، 8/115.

17 – صحيح مسلم : 2/768.

18 – سبأ: 31.

19 – النّمل: 89.

20 – لسان العرب: مادّة/بعض، 7/119.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *