محوريـة الإنسان في الإصـــلاح


يتأسس الإصلاح على ركائز أساسية متعلقة بمحورية الفرد واستراتيجية المؤسسات ومركزية الأمة، ومن ثم كانت العناية بالأفراد والأسرة مطلبا رئيسا حتى يتم تجديد نسيج الأمة الاجتماعي بفضل اتساع دائرة الإيجابيين القادرين على تجديد أنفسهم وتأسيس أسر بانية. ذلك أن الذين آمنوا بقدراتهم وصدقوا بوجودهم الذي يميزهم وأيقنوا أن هناك مجالات عديدة أمامهم للعطاء، ثم بحثوا من خلال تواصلهم مع معلميهم ومربيهم ومزكيهم عن لون جديد يفردهم، هم الذين كسبوا رهان حضورهم الإيجابي وفازوا بتوظيف ما آتاهم ربهم من نعم الإبصار والإبداع.

إن تلاقي مثل هذه النماذج يعبد الطريق لاستفراغ الجهود في إطار الوسع الفردي والحضاري للأمة في مختلف مراحلها الاجتهادية.

ومؤدى هذا الكلام أن يتمكن الإنسان والأسرة من تحديد نسبة وحجم مشاركتهما في إصلاح ما فسد، فإن الله تعالى يحب من عباده المصلحين.

الإنسـان ذلك المحور الأسـاس لأي إصــلاح:

لعل من أهمية تجليات الإفلاس القيمي الذي أفرزه بناء المجتمعات الحديثة ما تعلق بالإنسان فيها، من حيث التخلي عن كثير من الصفات الإيجابية التي سددت حركته في الحياة ووجهت إنجازاته نحو نفع الآخرين في إطار الارتباط الإنساني.

ومن الملاحظ أن الاهتمامات بحركات المجتمع تطورت وتنوعت بقدر ما أفرزته النظريات الاجتماعية من رؤى وتصورات ومفاهيم ارتدت على المجتمعات بِشَر لا يستهان به، الأمر الذي استدعى منظومة القيم الفطرية في الإنسان والمبادئ الدينية التي يؤمل فيها الكثيرون إيجاد مداخل للرد الحضاري.

وإذا كان الإنسان هو المصدر الأساس والعنصر الأبرز في الاختلالات الاجتماعية الكبرى، فإنه كذلك المنطلق الرئيس والفاعل المؤثر في أية عملية إصلاحية حقيقية.

إن تحقيق هذا الهدف الكبير يدفع المهتمين به إلى استفراغ وسعهم لصياغة الرؤى وتكوين المفاهيم وسن برامج ووضع مخططات تستنفر كل طاقات الإنسان الظاهرة والباطنة حتى يتحقق نوع الإنسان الذي يصنع الحياة اللائقة به.

الإنسان الإيجابـي ركن الحضـارة:

تقوم الحضارة على قواعد عديدة تستند إليها وعلى ركائز أساسية تقويها وتضمن لها البقاء، وحيوية مقوماتها وخصائصها، الشيء الذي يستدعي تسخير الطاقات والإمكانات لتفعيلها وتجديدها.

ولذلك وجب التأكيد على الوعي بوظيفة الإنسان وتبين مهمات وجوده حتى يسلك سبيله على بصيرة، وقد حدد علاقاته مع خالقه ومع الكون والناس والحياة. إنه لأمر ضروري لتجنب ثقافة العبث والهدم وهدر الأعمار وخراب العمران

ولقد ضل كثيرون وهم يتحركون في حياتهم دون أجوبة صريحة قوية على أسئلة وجودهم ومصيرهم وهويتهم الحقيقية، ظنوا أنهم يحسنون صنعا وهم أضل سبيلا، وأخطأ آخرون عندما لم يعتبروا في الإنسان قابليته المزدوجة للسمو والتسفل حسب اختياره عوامل الصعود والتزكية أو استسلامه لأسباب النزول والتدسية.

الإنسان الجـــدي:

كتب على الإنسان أن يتحمل مسؤولية ضخمة عرضت على السماوات والأرض والجبال وأشفقت منه وهابت جسامتها فاعتذرت. ولقد اختار الإنسان عن طواعية هذه الأمانة، والواجب أن يتذكرها ولا ينساها وأن يحيا من أجلها ولا يضحي بها، وأن يرتفع إلى مستوى مقتضياتها باستثمار الجهد والوقت للقيام بمتطلباتها.

ولأجل تحقيق مقامات إنسان التوحيد الذي حدد غايته في إرضاء الله سبحانه، كتب الله على عباده أن يجاهدوا أنفسهم ليهديهم سبله، ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإكثار من الاستغفار حتى لا يصيب إيمانهم لوثات خفايا الشرك.

 إنسان الفكر والحركة رأسمال الإصلاحـات الكبــرى:

إن الإنسان خلق كريما، إذا قويت فكرته استقامت سريرته وصفت روحه وارتفع بذلك في توقير الحق وخدمة الخلق، وازداد منسوب شعوره بالمسؤولية إزاء مجتمع ، وتمكن الفكر من نقل الإرادة إلى العمل.

وعندما يسكن هَم الفكر والحركة روح الإنسان ويهيمن عليه، يحييه ويجعله يمشي في الناس بنور برنامج منظم وفق تخطيط يعصم الطاقات من التبدد والجهود من التخبط ويعجل من تحقيق الأهداف بذكاء وإتقان.

ثم إن الحركية والفكر يمنعان من الاستلاب والفناء الحضاري ذلك بأن التأمل في حركات المجتمعات التي حافظت على وجودها وماهيتها يكشف أنه ما من قوم أصروا على صياغة مشاريعهم وفق منظومتهم القيمية وصابروا وهم يفكرون لبناء حركيتهم الاجتماعية، ثم أصروا على خطهم في الحياة، وثبتوا في مجراهم الحضاري، إلا كونوا لأنفسهم ذاتا مستقلة وموقعا وازنا بين الناس، مقاومين أساليب التنميط والتحنيط.

إن لغة الفكر تمتلك قوة ذاتية وجاذبية للعقول الحية النابضة بالحيوية، وعندما تقترن بلغة الحركة المترجمة الصادقة، تصبح قادرة على إحداث نقلة نوعية في الأفراد والمجتمعات، والذين تركوا بصمات قوية في العالمين خلفوا وراءهم آثارا عملية ما زالت البشرية تستلهم منها مقومات انبعاثها ونهضتها.

الشيء الذي مكن من صناعة الإمامة وصياغة القيادة بفضل التفاعل الإيجابي بين إرادة الفكر وإدارة الحركة الكفيل بإغراء ذوي الفطر الصافية والأرواح النقية لاحتضان مشروع الإصلاح وإلحاق الخير بالخلق.

كل ينفق مما عنده؛ فمنهم ذوو البصائر والعرفان ومنهم أصحاب بسطة في المال والحكمة، ومنهم من يجمع هذا وذاك.

إن الحاجة لهذا الإنسان عظيمة عظم مسؤولية خدمة الرسالة وإنقاذ الإيمان وإحياء الآخرين به، فهو الوحيد الذي تتترس به الأمة لأنه رائد أهله لا يكذبهم، وطليعة المسير يتعرض للحرائق وهو يواجهها حماية لغيره.

التوازن بين العقل والقلب والــروح:

من أعظم ما ابتلي به الإنسان في هذا العصر تشيؤه بتغليب ماديته على روحه، بل بإنكار الجانب الروحي في مساحات واسعة في بناء الأفراد والمجتمعات الحديثة، وباءت بسبب ذلك البشرية بهزائم منكرة في كينونتها الإنسانية، ولم يغن عنها ما كسبته في دنيا العقل والمادة ـ من نقلة نوعية وثورات علميةـ شيئا، وحاق بها قدر من الشقاء والتعاسة الخطيرة.

ميلاد جديـد يأذن به تزاوج العقل والقلب   

تمر البشرية بمخاض تنتظر معه مولودا جديدا، يجسد لقاء حقيقيا بين العقل والقلب، يترتب عنه عالم جديد أبرز تجلياته “الإنسان الجديد” الذي يضع عنه إصر تراكمات المادة التي حاصرت القلب وحشرته في زاوية في انتظار الإجهاز عليه أو تقييده بالأغلال على الأقل لتنطفئ فاعليته ويغيب نوره.

إن التوازن هو الذي يمكن الإنسان من التمسك بما يذكره للناس من خصال الخير، وأهلا للثبات على مواقف الحق والإيمان، من خلال الحياة بالإسلام ومن أجله، أما من يستخدم دينه لهواه أو أهواء غيره فإنه مرشح للقيام بالأدوار المتناقضة.

من الناس من تقرأ كلامه فيعجبك مضمونه، أو تسمع حديثه فيجذبك لسانه ومنطقه حتى إذا ظهرت لك مواقفه وبرزت لك حياته صدمتك بانحرافها وهبوطها وإسفافها، أولئك فقدوا التوازن في حياتهم وأولئك أفسدوا وما كانوا من المصلحين

التوازن بين لوثـة الرياء ومصيبـة الانزواء:   

ما دخل الرياء في عمل -مهما صغر أو كبر- إلا أفسده، ولقد علمنا كتاب ربنا أن حبوط العمل مصير من أشرك. قال الله تعالى:﴿وَلَقَد أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبلِكَ لَئِن أَشرَكتَ لَيَحبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلخَٰسِرِينَ بَلِ ٱللَّهَ فَٱعبُد وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِين(الزمر 62 – 63).

وعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». (أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الزهد والرقائق).

وما ينتجه الرياء، مهما بدا قائما جميلا، سرعان ما يخبو وينتهي ولا يؤتي ثمارا طيبة. كما أن من ينزوي عن الناس ويتجنبهم ويتخلى عن واجباته، يصير آثما ويحرم نفسه ومن حوله من خيره وصالحات أعماله وحسن مواقفه.

التوازن بين تأليـه الأسباب وتعطيلهــا:      

يضل الفكر ضلالا مبينا عندما يبالغ في النظر إلى الأسباب فيسند إليها كل شيء وكأنها تملك كل شؤون الخلق وليس هناك قوة توقف فاعليتها وتحول مجراها وتقدر مسراها، حيث تصبح آلهة بيدها التدبير والقرار.

كما أن الإنسان يخطئ خطأ بينا حينما يهمل سنن الحياة والاجتماع الإنساني والتدافع الحضاري، ويعطل أدوات صناعة الأحداث وصياغة التحولات الفردية والجماعية. مع العلم أن الخطاب القرآني ينبه إلى سنة الله التي شاء لها أن تؤدي إلى نتائجها الطبيعية.

وحتى نتجنب مثل هذه المآلات المحزنة وجب على الإنسان إدراك حدود واجباته وتوقير مقامات الألوهية والتسلم بعظمة الربوبية، وذلك بتحديد طبيعة العلاقة بين الخلق وخالقهم وإرادة الله تعالى المطلقة ومشيئته النافذة التي جعلت للإنسان إرادة مسؤولة تترتب عنها واجبات الاستخلاف والمحاسبة.

إن من مقتضيات ذلك أن مسبب الأسباب لا تقيده هذه الأسباب، وأن اعتمادها من قبل الإنسان تجسيد لمعنى الإيمان بالله الذي أمر بذلك، وأن ربط النتائج المأمولة بخوارق العادات ليس مفروضا بمنطق الوحي الذي رتب الجزاء على الكسب الإنساني.

ذ. حميد الداودي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>