لآلئ وأصداف – الدنيوية(2)


ذات يوم قال لي الشيخ أبو الحسن الندوي، وكان رئيس وزراء الهند آنذاك هو راجيف غاندي: “قال رئيس الوزراء في أكثر من مناسبة إن أي شأن يهم مسلمي الهند لا بد أن نستشير فيه علماء المسلمين”، قال: “وكان يعنينا”. كانت بالهند آنذاك ضجة مردها إلى أن هناك من كان يرغب في توحيد القوانين، وتطبيقها على أهل الهند جميعا، على اختلاف دياناتهم وطوائفهم، بما في ذلك الأحوال الشخصية. وقد هبّ علماء المسلمين في الهند يردون هذا الكيد، ويدافعون عن ضرورة احتكامهم إلى الشريعة عندما يتعلق الأمر بما يوجبه عليهم دينهم من الحلال والحرام، من ميراث وزواج وطلاق ووقف الخ.. وقد انتهت المعركة بأن أقرت الحكومة العلمانية  في الهند بما للمسلمين من حقوق. ولذلك كان مسلمو الهند يدافعون عن دستور البلاد الذي يقر بعلمانية الدولة، إذ لم تكن العلمانية -هناك-  تعني الكفر والإلحاد، كما هو الشأن في بعض البلاد، بقدر ما كانت تعني إقرار كل طائفة من طوائف الهند التي يعجز عنها العدّ على ما هي عليه من معتقدات، وكفالة حريتها في المعتقد والعبادات، مثلما ذهب إلى ذلك جون لوك، الفيلسوف الإنجليزي، الذي كان يرى أنه “من أجل الوصول إلى دين صحيح، ينبغي على الدولة أن تتسامح مع جميع أشكال الاعتقاد دينيًا أو فكريًا أو اجتماعيًا، ويجب أن تنشغل في الإدارة العملية وحكم المجتمع فقط، لا أن تُنهك نفسها في فرض هذا الاعتقاد ومنع ذلك التصرف”، على عكس ما ذهب إليه الفيلسوف سبينوزا إذ قال “إن الدين يحوّل قوانين الدولة إلى مجرد قوانين تأديبية”. كان فصل الدين عن الدولة في الهند يعني حرية الطوائف وأهل الملل في معتقداتها وعباداتها. فالدولة مهتمة بشؤون الناس الدنيوية، ويخضع أهل البلاد جميعا لقوانين موحدة، إلا عندما يتعلق الأمر بالشؤون الدينية، فإن لكل طائفة الحق في ممارسة شعائرها الخاصة. إن العلمانية بهذا المفهوم هي التي أوصلت إلى رئاسة الجمهورية رجالا مسلمين في الهند، مثل ذاكر حسين، وأبي بكر زين العابدين عبد الكلام، ونساء مسلمات في دول، مثلما هو شأن أمينة غريب المسلمة التي صارت رئيسة جمهورية موريسوش،  كما أوصلت علمانية أستراليا السيدة حليمة يعقوب لتكون رئيسة للجمهورية.

فأيهما أمثل؟ أن ينصّ في الدستور على علمانية الدولة، ويبقى لجمهرة المسلمين الحق في الاحتكام إلى الشريعة فيما يتعلق بشؤونهم التي فيها نص شرعي صريح؟ أم أن ينص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، ثم تكون الدولة هي أول من يعتدي على حقوق الدين، وحقوق المواطنين؟ ألا نرى كيف أن دولة من محيطنا ينص دستورها، منذ مطلع الاستقلال حتى الآن، على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، ثم هي تفصم عرى الإسلام فيها كل يوم عروة عروة؟ ها هي قد خرقت شرع الله فيما يتعلق بالإرث، وسوت بين الذكر والأنثى فيه، مع ما يترتب على ذلك من هضم لحقوق كثير من النساء. وها هي تشرع قانونا تبيح بموجبه تزوج المرأة المسلمة من الكافر. فما قيمة الشعار الذي يزين أول بند من بنود دستورها؟

عاشت الأمة الإسلامية منذ عهد الرسول  والمسلمين والخلفاء الراشدين الإسلام واقعا في حياتها، دون أن يكون هناك نص في دستورها على إسلامية الدولة، إذ كان كل مسلم يرى نفسه مؤتمنا على الإسلام. كانت الأمة تقوم بشؤونها الدينية خير قيام، ولاسيما مع مؤسسة الوقف التي كانت توفر للمسلمين ما يحتاجونه في مجال التعليم والصحة والإنفاق على الضعفاء من اليتامى والأيامى والفقراء والمساكين وغير ذلك، دون أن يكون للدولة سلطان على الأوقاف التي كان يقوم عليها المجتمع. وأكبر كارثة في واقعنا المعاصر كانت يوم وضعت الدولة، دولة الاستبداد، يدها على الأوقاف وأنشأت لها وزارة خاصة، وضمت أملاك الوقف التي قامت عليها الأمة عبر قرون إلى ممتلكاتها الخاصة. فصار علماء المعاهد والمدارس، من الأزهر إلى الزيتونة والقرويين، موظفين عند الدولة، تقطع عنهم أرزاقهم إن هم خالفوا سياستها. ولا يخفى أن الذي مهد لهذا السلوك هو الاستعمار الغربي، ثم رسخه ما يسمى الدولة الوطنية التي نشأت بعد استقلال الأوطان المستعمرة. فيما قبل كان السلطان ينزل على رأي العالم، فلا يقضي في شأن من أمور الدين إلا بما يشير به العالم. ويوم صعد، في خمسينيات القرن الماضي، حاكم عسكري منبر الأزهر، فقد الأزهر هيبته وسلطانه، وصار العالم الذي كان صاحب الأمر مجرد تابع لحاكم تقلد الأمر قهرا، على غير مشورة المسلمين. ومن فضل الله تعالى أن البيعة الشرعية في بلادنا المحروسة ما تزال لا تنعقد للسلطان إلا ببيعة العلماء. وهكذا فإن القضية ليست بالرسوم والأسماء، بل هي بالجوهر واللباب. إنني لا أدعو بهذا الذي سبق إلى محو الفصل الذي ينص في الدساتير العربية على إسلامية الدولة، بل أدعو إلى تفعيله وتنزيله، ولو تدريجيا، ليصير واقعا في حياة الناس، لأنه إن عطّل، كما هو الشأن في بعض البلاد، فخير منه إعلان علمانية الدولة، شرط أن تكون هذه العلمانية بالمفهوم المتقدم الذي ينص على حرية الناس، لا أن تتخذ ذريعة إلى زرع بذور الكفر والانحلال باسم الحرية، كما فهم ذلك بعض الجهال، ممن يحسبون أنفسهم علمانيين، ذلك بأن لكل أمة مقوماتها التي لا تقوم إلا بها، والتي تدافع عنها بالمهج والأموال. ونحن أمة عشنا بالإسلام وللإسلام، هذا الإسلام الذي لم يضمن الحرية لأبنائه فحسب، بل ضمن الحرية لكل الملل والنحل والطوائف التي عاشت فوق أرضه، ولولا ذلك لانقرضت كما انقرضت من بلاد أخرى. وذلك هو ما رسخه عمليا رسول الله  الذي لحق بربه تعالى ودرعه رهينة عند يهودي. فتحت ظل الإسلام ضمن أهل الكتاب وسواهم حقوقهم الدينية والمدنية.

يلتقطها أ.د. الحسن الأمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *