نظرات علمية هادئة في الشّأن اللّغويّ الرّاهن:الحلقة (1/3)


أ- غربةُ العربيّة و مسألة التّعريب:

التّعريبُ قضيّةٌ من القضايا التي تَمَسُّ اللّغةَ العربيّةَ و متكلِّميها في الصّميمِ؛ لأنّها تتعلّقُ بإعادةِ المتكلّمين في المجتمعِ العربيِّ إلى سمتِ العربِ و نَهْجِها في التّعبيرِ. و لن نخوضَ هنا في استعراضِ معاني مصطلحِ التّعريبِ، و لكنّ الذي يعنينا من إشكالِ التّعريبِ هو العودةُ باللّغةِ العربيّةِ إلى وضعِها التّعبيريِّ الشّاملِ، و ذلك بتطويعِها لاستقبالِ الوافدِ الأجنبيِّ، سواء أكانَ هذا الوافدُ الأجنبيُّ لفظيًّا أم كانَ متعلّقًا بالتّقنيّةِ الأجنبيّةِ، و صَبْغُ مرافقِ الحياةِ بصبغةِ اللّغةِ العربيّةِ، أي توضيعُها داخلَ الإدارةِ و التّعليمِ

و التّمكينُ للغةِ العربيّةِ في المجتمعِ العربيِّ في مرافقِه المختلفةِ لا يتأتّى إلاّ باتّخاذِ القرارِ السّياسيّ، الذي يجعلُ من اللّغةِ العربيّةِ اللّغةَ الأساسيّةَ في المحيطِ الإعلاميِّ والتّعليميّ و الاقتصاديّ، لأنه لا بدَّ لكلِّ أمرٍ ذي بالٍ من بَوادِرَ تَحْمي صَفْوَه أنْ يُكَدَّرَ؛ فإنّ هذا التّمكينَ للغةِ سيُفضي بها لا مَحالةَ إلى نموٍّ داخليٍّ و تقويةٍ ذاتيّةٍ، و تطويرٍ لوسائلِ مواكَبةِ العصرِ و استيعابِ المستجدّاتِ .

و لا شكّ أنّ الاعتراضَ على التّعريبِ – اليوم – جريمةٌ في حقِّ هذه اللّغةِ و في حقِّ متكلِّميها، و لا شكّ أيضًا أنّ هذا الاعتراضَ تعودُ أصولُه إلى سياسةِ منعِ التّعريبِ التي نَهَجَها الاستعمارُ في البلادِ العربيّةِ و خاصّةً دول المغربِ العربيّ. و لقد عبّرَ عن ذلك المؤلِّفُ الفرنسيُّ (VictorPiquet) في كتابِه “الشّعب المغربيّ : الكتلة البربريّة”، الذي أرادَ أن يثبِتَ أنّ الشّعبَ المغربيَّ ليس عربيًّا، و أن لا علاقةَ لسكّانِه الأصليّين من البربرِ باللّغةِ و الحضارةِ العربيّتين، و من ثمّ يتعيّنُ عزلُ المغربِ عن محيطِه العربيِّ على جميعِ الأصعدةِ، ومنها الصّعيدُ اللّغويُّ، و ربطُ مصيرِه بفرنسا و الغربِ .

فكلُّ اعتراضٍ على تعريبِ الإدارةِ و التّعليمِ و الاقتصادِ، ينخرطُ بصفةٍ جزئيّةٍ أو كلّيّةٍ في حمْلةِ الاستعمارِ، و يحملُ في طيّاتِه، بصفةٍ غيرِ مباشرةٍ، الدّعوةَ إلى نشرِ اللّغةِ الأجنبيّةِ و الدّفاعِ عنها و التّقاعُس عن بذلِ الجهودِ لإخراجِ البلادِ من التّبعيّةِ للاستعمارِ، بدعوى أنّ الذين يتعيّنُ عليهم أن ينهضوا بمهامّ التّعريبِ في الميادينِ المذكورةِ درسوا باللّغاتِ الأجنبيّةِ، و ليست هذهِ الدّعوى على كلِّ حالٍ مسوِّغًا للاستمرارِ في اتّخاذِ اللّغةِ الأجنبيّةِ لغةَ العلمِ و التّعليمِ و الفكرِ، بدلاً من العربيّةِ .

إنّ التّعريبَ المرجوَّ الذي يحقِّقُ نهضةَ الأمّةِ، لا يقفُ عندَ مجرّدِ إحلالِ العربيّةِ محلَّ الأجنبيّة في الإدارةِ و التّعليمِ و الاقتصادِ، و لكنّه يتعدّى “تعريبَ التّعبيرِ” إلى “تعريبِ التّفكيرِ”. و المقصودُ بتعريبِ التّفكيرِ ممارسةُ التّفكيرِ بطريقةٍ تراعي خصائصَ المجتمعِ العربيِّ برمّتِه، و تقوّي الشّعورَ بالانتماءِ إليه بدلاً من الانحصارِ في دائرةِ القوميّةِ الضّيّقةِ، ذاتِ النّزعةِ الانفصاليّةِ .

و التّعريبُ المرجوُّ – أيضًا – هو الذي يُخلِّصُ الأمّةَ من الاتّباعِ الفكريِّ والثّقافيّ و الاقتصاديّ و السّياسيّ للغربِ، و يضمنُ لها خصوصيّتَها و تفرّدَها و إثباتَ ذاتِها، و يُتيحُ لها حرّيةَ التّصرّفِ و الانفتاحِ على الآخَرِ في إطارِ المُثاقفةِ و التّبادلِ، لاختيارِ ما ينفعُها و يُناسبُها، من دونِ فرضٍ و لا إكراهٍ.

و التّعريبُ المرجوُّ أيضًا، هو الذي يؤلِّفُ بينَ فئاتِ الشّعبِ العربيِّ اجتماعيًّا وفكريًّا، و يوحّدُ وجهاتِ أنظارِهم، أو -على الأقلِّ– يقلّلُ من الفروقِ و الخلافاتِ بينهم و يضمنُ للمعارفِ و العلومِ انتشارًا واسعًا، باللّغةِ الأمّ. أمّا بقاءُ تداولِ المعارفِ والعلومِ باللّغاتِ الأجنبيّةِ، فسيحصرُها في حدودِ فئةٍ ضيّقةٍ، هي فئةُ النّاطقينَ بتلك اللّغاتِ، ويُحْرَمُ منها النّاطقونَ بالعربيّةِ؛ فتكون اللّغةُ الأجنبيّةُ حاجزًا كبيرًا يعوقُ انتشارَ المعارفِ التي حقٌّ مشاعٌ بين النّاسِ .

و التّعريبُ المرجوُّ هو الذي يُرادُ منه للعربيّةِ أن تتبوَّأَ مكانَها الطّبيعيَّ، فتكونَ اللّغةَ الأولى في الحياةِ و المجتمعِ و العلمِ و التّعليمِ. أمّا اللّغةُ الأجنبيّةُ فينبغي أن تُعطى قدرَ ما تستحقُّ، دونَ تغليبِها على اللّغةِ الأمّ. و الأمثلةُ على تداولِ العلمِ و المعرفةِ باللّغةِ الأمّ كثيرةٌ جدًّا؛ فقد استعرضَ الباحثون المهتمّون بقضيّةِ تعريبِ العلومِ في الجامعاتِ، أمثلةً مناسبةً، منها نموذجُ الدّانمارك الذي يدرّس موادّه في التّعليمِ بلغتِه، مع العلمِ أنّه لا صلةَ له باللّغاتِ اللاّتينيّة أو الأنجلوساكسونيّة المعروفة، و نموذج اللّغتين الهنغاريّة والفنلنديّة و نموذج اليابانِ الذي يشهدُ بتفوّقِ اللّغةِ و التّقانةِ اليابانيّتين على الصّعيدِ الاقتصادي و العلميّ العالميّينِ، و كذلك النّموذج الصّينيّ …

أمّا العربيّةُ فإنّها مؤهّلةٌ لأن تتبوّأَ مكانتَها في مضمارِ تعريبِ العلومِ و تداولِها، أكثر من غيرِها، و خاصّةً أنّها كانت في عهدٍ تاريخيٍّ غيرِ بعيدٍ إحدى اللّغاتِ القليلةِ لمن أرادَ أن يتعلّمَ العلومَ، و وسيلةً للانفتاحِ على العالَم.

ب – إحياء منهج “إصلاحِ المنطِق”: تحريرُ الكلامِ في تصحيحِ الكلام

اعْتَرى العربيّةَ اليومَ أساليبُ غريبةٌ عنها، غزتِ الصّحفَ و المجلاّتِ والمُؤَلَّفاتِ والبُحوثَ الأكاديميّةَ، واستُعمِلت في الكِتاباتِ المتخصّصةِ، وقفزتِ إلى ألسنةِ وسائلِ الإعلامِ والتّعليمِ، وخُطَبِ المنابرِ، واللاّفِتاتِ والشّعاراتِ، وباتت العربيّةُ من جرّائها في خطرٍ مُحدقٍ يستولي على جسمِ اللّغةِ مثلَما استولت أخطارٌ عديدةٌ على عقلِ الأمّةِ و عقيدتِها وحضارتِها، فأصبحت العربيّةُ في غُربةٍ كغربةِ الدّينِ، وكلّما مرّ حينٌ من الدّهرِ تسلّلت ألفاظٌ وأساليبُ أو تراكيبُ غيرُ قياسيّةٍ إلى الألسنةِ، فانتهى الأمرُ باللّغةِ إلى أن اتّسعَ فيها حيّزُ المُستَعْمَلِ غيرِ القياسيّ، ومضى هذا الخرقُ يتّسِعُ و الهوّةُ تزدادُ عُمْقًا، فبدأَ اللّسانُ ينتقلُ، وعُروبتُه تضمحلُّ، وعُجمتُه تستفحِلُ، فإذا اجتهدَ المتكلِّمونَ في تَداولِ موضوعاتِهم و قضاياهم اليوميّةِ، أدّوها بلهجاتٍ محلّيّةٍ ممْقوتةٍ، تعلوها الرّكاكةُ و يشوبُها سوءُ البيانُ و لا يفهمُها غيرُهم.

صحيحٌ أنّ ظاهرةَ الانحرافِ اللّغويِّ قديمةٌ في تاريخِ اللّغةِ العربيّةِ، تمتدُّ إلى القرونِ الأولى، حين دخلت في الإسلامِ أممٌ و أجناسٌ مختلفةٌ، انتقلت إلى المجتمعِ الجديدِ بعاداتِها اللّغويّةِ و عُجمتِها و رَطاناتِها، ولكنّ هذه المجموعاتِ اجتهدت للالتِحاقِ بأهلِ العربيّةِ في الفصاحةِ و طلاقةِ اللّسانِ، واجتهدَ لهم علماءُ النّحوِ و اللّغةِ حين وَضعوا لهم مؤلَّفاتٍ تُمكِّنهم من دفعِ العُجمةِ و الرّطانةِ واكتِسابِ البيانِ و الفصاحةِ، فوضعوا قواعدَ النّحوِ لانْتِحاءِ سَمْتِ كَلامِ العربِ…

بينما انتقلت آثارُ العُجمةِ من هؤلاءِ الى أهلِ العربيّةِ، و اتّسعَ الانحرافُ اللّغويُّ، وتطوّرَ مع تاريخِ العربيّةِ حتّى عصرِنا الذي برزَ فيه الانحِرافُ في أجلى مظاهرِه، وزاده بُروزًا عواملُ طارئةٌ من الاستعمار ومنافسةِ اللّهجاتِ المحلّيّةِ التي أثقلت كاهلَ النّاطقين بالعربيّةِ، وضعفِ الهممِ، و تراجعِ القدُراتِ عن التّلقّي والاستيعابِ و المُمارسةِ.

و لوضعِ اليدِ على الدّاءِ بطريقةٍ ملموسةٍ، تُجَسِّمُ ما تُقاسيه العربيّةُ من انحِدارٍ وتَراجعٍ أعرِضُ هنا نماذجَ و أمثلةً من العباراتِ والتّراكيبِ و الاختِياراتِ التي ترِدُ في بعضِ البحوثِ الأكاديميّةِ، وهي عباراتٌ و تراكيبُ واخْتياراتٌ يغلِبُ عليها الخُروجُ عن القياسِ و الرّكونُ إلى الأوجهِ المبتذَلةِ الشّائعةِ التي تُخالِف المسموعَ المطّرِدَ .

و الغايةُ من عرضِ هذه النّماذجِ الإنباهُ على جهاتِ المزالقِ اللّغويّةِ المرتَكَبَةِ التي يُرادُ الاعتِراضُ على أصحابِها من جهتِها، و ذلك قصدَ الإفادةِ منها و تحسينِ مستوى الاستعمالِ اللّغويّ في كتْبِ البُحوثِ ذاتِ المُسْتوى الأكاديميِّ العلميِّ.

و قد اعتمدْتُ في استخراجِ هذه المَلاحظِ على بعضِ البحوثِ الجامعيّةِ، و تحرّيتُ عدمَ ذكرِ عناوينِها و أسماءِ أصحابِها؛ لأنّ الغايةَ هنا هي الاستفادةُ من الأخطاءِ لا عَزْوُها إلى مُرْتَكبيها. و لا يعني هذا الضّربُ من العُروضِ الغضَّ من شأنِ ما يُنجَزُ من البحوثِ العُلْيا؛ فلا يُمكنُ بحالٍ من الأحوالِ عدُّ هذه التّعليقاتِ مُعادلاً نقديًّا صارِمًا للبحوثِ المنجَزةِ؛ و ذلك لأنّ العِنايةَ التي كُتبت بها و الجهدَ الذي بُذلَ في إنجازِها لا يُعادلانِ في النّوعِ و طولِ الزّمنِ و المشقّةِ، العِنايَةَ بتسجيلٍ نقدٍ و تعليقاتٍ عليها.

و يمكنُ تقسيمُ الحديثِ عن هذه القراءةِ اللّغويّةِ إلى أقسامٍ:

أ – قسم للعناوين المُخْتارةِ للبُحوثِ والأطروحاتِ

ب – و قسم للشّواهدِ و الأمثلةِ

ج – وقسم للمعجمِ المستعمَلِ، وللتّركيبِ والنّحو

د – وقسم للعبارةِ والأسلوب.

يتبع

أ. د. عبد الرحمن بودرع

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *