مناهج الدعوة من خلال كتابات السيرة المعاصرة (4):المنهج الدعوي الشمولي


المقصود بالمنهج الشمولي في الدعوة، هو شمولية المفاهيم والقيم الإصلاحية التي تشمل كل جوانب الحياة، وكذلك الوسائل والطرق التي لا تقف عند القديم التقليدي، إنما تتسع مع اتساع الزمان والمكان وانتشار الإنسان.

فالداعية المعاصر يجد عند قراءته للسيرة النبوية كثيرا من الأحداث التي تدل على أن الدعوة الإسلامية لا يمكن إلا أن تكون شمولية، ولكن مع غياب التطبيق الكامل لهذا المعنى في واقع الحياة المعاصرة، ولتلاحق المحاولات المتعمدة لتحجيم دور الإسلام في الواقع الملموس، أصبحت -لعقود طويلة- قضية الشمولية في الدعوة أمرا عابرا، لا يُبالى له ببال مكافئ لأهميتها في الإسلام.

ومن هنا جاء دور الكتابات المعاصرة للسيرة في محيط الدعوة الحديثة، فقد أحيت كثير منها معنى الشمول، وجعلته حجر زاوية في الدعوة، وأعانت على انتشاره، ودلّت في كثير من الأحيان على طرق تنفيذه؛ مما جعل الشمولية في الدعوة المعاصرة منهجية تعرف بها الدعوة، ويمارسها كثير من الدعاة واقعا ملموسا. يقول فتحي كولن، مؤلف كتاب (النور الخالد  مفخرة الإنسانية): (من الخطأ أن نظن أن تربية الرسول  اقتصرت على تزكية النفوس، إذ أنه أتى بنظام شامل للتربية، يخاطب العقل والروح والقلب، والحقائق القرآنية تفعل الشيء نفسه)[21]. هذا من ناحية المفهوم العام لدور الداعية الشامل مع مدعويه. أما من ناحية التطبيق للشمول في واقع الدعوة، فقد عرض له سعيد حوى بتعليق نافع عند حديثه عن أبرز ملامح المرحلة المدنية. يقول: (إنها مرحلة حركة مستمرة، دعويا، وتربويا، واجتماعيا، واقتصاديا، وقانونيا، ودستوريا، وسياسيا، وعسكريا، فتلاحم فيها العمل الدعوي والتربوي مع العمل السياسي العسكري…)[22] ولقد تحدث أيضا محمد أبو فارس عن بناء المسجد في المدينة، ودوره في تحقيق معنى الشمول واقعا، وضرورة العودة به إلى هذا الدور في الواقع المعاصر. يقول: “كان المسجد منبر إعلام وإشعاع فكري بالنسبة للمسلمين، يجتمعون فيه للبحث في قضاياهم العامة، يتعارفون فيه، يتكاتفون، ويتكافلون، ويتزاورون، ويتحابون، ويحدثهم الرسول  عن قضاياهم، ويقدم لهم الحلول لها، ويضعهم في آخر الأخبار عن أحوال الغزوات، وكان المسجد مقرا للقضاء، يقضي الرسول  فيه بين المتخاصمين، وكان المسجد مقرا للشورى يستشير الرسول  المسلمين فيه، فهو بمثابة مجلس الأمة، تعرض فيه قضاياها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويفكر المسلمون وأهل الحل والعقد خاصة بإيجاد الحلول المناسبة لتلك القضايا، في جو من الحرية في التفكير وإبداء الرأي، بعيدا عن القمع والإرهاب الفكري)[23] وهكذا يبرز مفهوم الشمول في الدعوة الحديثة، ويتحقق خطوة خطوة من خلال هذه التحليلات لكتاب السيرة المعاصرة.

وبهذه الجهود في بيان الشمول مفهوما وتطبيقا، بدأت الدعوة الإسلامية تخرج من نطاق  الموضوعات المحددة في العقائد والعبادات إلى الأخلاق والمعاملات، ومن المساجد في أدائها التقليدي، إلى ساحة الحياة العملية الرحبة، ومن التزام وسائل البلاغ العتيقة إلى التفنن في والوسائل الدعوية الحديثة. وانتقلت الدعوة في أكثر من موقع إلى الأداء المؤسسي الجامع، القائم على اللجان المتخصصة، التي تهتم بالرجال والنساء والأطفال، وتطرح المساعدات المادية والاجتماعية والعائلية للعامة.

ولا شك أن انتشار هذه المفاهيم مع هذه التطبيقات العملية في العصر الحاضر، أفاد الدعوة في عدة أشياء. منها:

– جعل الدعوة واقعية فعالة جذابة، يجد المدعو فيها حلول اليوم والليلة، ويبني على أسسها مستقبلا منشودا.

– أصبحت الدعوة حركة تنافسية ابتكارية منتجة، يشعر الداعي من خلالها بالإثارة والتجديد وضرورة التفاعل.

– فتح مجالات وطرق دعوية للتعرف على شرائح من المدعوين، ربما لا يتسنى الوصول إليهم عن طريق وسائل الدعوة التقليدية.

– ساعدت هذه المنهجية في إبطال، أو إضعاف شبهات المتطاولين على الدعوة واتهامها بالرجعية والتخلف.

د. بسيوني نحيلة

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *