ملف العدد – أهداف الوقف ومقاصده


قال الإمام الدهلوي رحمه الله تعالى:

“ومن التبرعات الوقف، وكان أهل الجاهلية لا يعرفونه، فاستنبطه رسول الله لمصالح لا توجد في سائر الصدقات، فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل الله مالا كثيرا، ثم يفنى فيحتاج الفقراء تارة أخرى ويجيء أقوام آخرون من الفقراء فيبقون محرومين، فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن يكون شيء حبسا للفقراء وأبناء السبيل تصرف عليهم منافعهم …”

والمقصود بالأهداف الأغراض والمرامي التي أنشئ من أجلها، وهي تختلف باختلاف اتجاه نوايا الواقفين وأغراضهم منه، ويمكن تنويعها عموما إلى أهداف دينية واجتماعية وثقافية واقتصادية.

1 ــ الأهداف الدينية:

وتتمثل هذه الأهداف في المساهمة في نشر الدين الإسلامي وتعاليمه ومبادئه السمحة، وتوعية المسلمين وإرشادهم وتوجيههم الوجهة السليمة، وذلك عبر المساجد.

ولذلك درج الواقفون على تخصيص ريع الأعيان التي يحبسونها لإنشاء وتعمير المساجد، ودفع مرتبات العاملين بها، باعتبارها بيوت الله في أرضه، ومنارات الهدى والرشاد.

ولقد كان المسجد في صدر الإسلام دار عبادة ودار علم، ومصدرا للإشعاع الروحي والفكري والأخلاقي والتشريعي، فيه تؤدى الصلوات، وتعقد الندوات، وتلقى المواعظ ويدرس الفقه والتشريع الإسلامي.

2 ــ الأهداف الاجتماعية:

من أهداف الوقف رعاية الفقراء والمساكين والبر بهم والإحسان إليهم، وتوزيع الصدقات في المواسم والأعياد عليهم، وتقديم المساعدات إلى المستشفيات لعلاج المرضى.

فقد اهتم الواقفون من المسلمين برعاية صحة المسلم وتنشئته إنسانا قادرا بدنيا وعقليا على أن يعيش بحرية وكرامة، فوقفوا الوقوف الواسعة على إنشاء المستشفيات، وعضدت أوقافهم مهنة الطب والتمريض، كما وقفوا بسخاء على تطور الطب والصيدلة والعلوم الأخرى المرتبطة بهما.

3 ــ الأهداف الثقافية:

يسهم الوقف أيضا في تثقيف الفرد والجماعة، إذ هناك أوقاف مشروط صرف ريعها على كتاتيب لتعليم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، وهناك أوقاف أخرى يصرف ريعها على إنشاء المدارس والجامعات، بل وهناك واقفون أوقفوا مكتباتهم بما تحتويه من كتب دينية وعلمية لينهل الناس مما فيها من علوم ومعارف دينية ودنيوية، مما يفتح أمامهم آفاق العلم والتعلم، ومثال على ذلك: مكتبة عبد الله كنون بطنجة والمكتبة الصبيحية بسلا ومكتبة القاضي مصطفى بلقات بمدرسة الإمام نافع بطنجة.

4 ــ الأهداف الاقتصادية:

من بين الأنشطة التي تظهر فيها أهداف الوقف النشاط الاقتصادي، ويقصد به مجموعة الأعمال التي يتوخى منها تدعيم الصناعة أو التجارة أو الزراعة .

وهكذا قد تتجلى هذه الأنشطة في حفر الآبار ومد قنوات لسقي الأراضي، وإنشاء صناديق مخصصة للقروض بدون فائدة بهدف مساعدة المحتاجين على أساس رد المبلغ عند الميسرة، وهكذا يقال في المجالين التجاري والصناعي.

ومجمل القول، إن الأهداف قد يقصدها الواقف حين التحبيس، فيوجه هدفه فيجعله دينيا أو ثقافيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا، وقد لا يقصدها بحيث يكون الهدف من وراء التحبيس الرغبة في الأجر العظيم والثواب الكبير، وأيا ما كانت أهداف الوقف، فإنه يقوم بدور مهم في تركيز قاعدة التكافل الاجتماعي، وخصوصا الوقف العمومي منه.

مـقاصـد الشريعة في مجال الـوقـف:

يقول العز بن عبدالسلام: “وللوقف مصالح، منها: دنيوية، ومنها: أخروية، وتختلف رتب أجورها باختلاف رتب مصالح الوقف كالجهاد، وإقامة علوم الشرع، وتقديم الأشرف فالأشرف من المصارف، كتقديم الأضر فالأضر، والأحوج فالأحوج، والأقرب فالأقرب، والأصلح على الصالح، والفقير على الغني” اهـ بتصرف.

وإن العلماء بينوا مقاصد التشريع من الوقف في مناسبات عدة، وتحت خنوان مشروعيته، لبيان أن الحكمة من مشروعيته عظيمة، ولها جوانب متعددة للترغيب فيه، وبيان منافعه وبما يتفق مع ملكية أعيانه، منها:

أولا: فتح باب الخير والثواب الدائم للإنسان، لما روى أبو هريرة  أن رسول الله  قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له والصدقة الجارية تشمل أشياء كثيرة، منها: الوقف لأنه دائم الأجر بعد بعد وفاة صاحبه، وقد قصد فيه القربة إلى الله تعالى، ولذلك قال الشيرازي: الوقف قربة مندوب إليها.

وقال ابن الهمام: وشرط صحة وقفه أن يكون قربة.

ثانيا: تحقيق الإيمان ببذل ما يحبه الإنسان في سبيل الله تعالى وابتغاء مرضاته، قال تعالى: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (آل عمران: 92). ولما سمع الصحابة هذه الآية طبقوها على الوقف، عن أنس قال: لما نزلت لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قال أبو طلحة: يا رسول الله أرى ربنا يسألنا من أموالنا فإنى أشهدك أنى قد جعلت أرضى بأريحا لله . فقال رسول الله : «اجعلها فى قرابتك». فقسمها بين حسان بن ثابت وأبى بن كعب.

قال القرافي: “وهو من أحسن أبواب القرب “.

ثالثا: المساهمة في إيجاد نظام التكافل الاجتماعي في الحياة، والتضامن بين أفراد المجتمع، فيقدم أحدهم ما ينفع الآخرين، وخاصة الفقراء والمساكين والمحتاجين وأبناء السبيل واليتامى والصغار والخدم والضعفاء والمرضى واللقطاء والعجزة مع تأمين الطعام والكساء والدواء والمسكن لعدة فئات في المجتمع، بالإضافة إلى كفالة طلاب العلم وتأمين نفقاتهم .

فالوقف تجسيد حي لقيم التكافل الاجتماعي التي تسري في كيان الأمة الإسلامية، وهو تعبير صادق عن وعي الفرد المسلم بمسؤوليته الاجتماعية، وإدراكه وتفاعله مع هموم إخوانه وقضايا المسلمين في كل مكان.

رابعا: توثيق عرى المجتمع وتقوية لحمته وتضامنه في التصدق، والصلة بين مختلف الطبقات، والوقف أحد الطرق لإقامة هذا المجتمع المتكاتف المتعاون القوي الذي دعا إليه الرسول وصوره بقوله: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائره بالحمى والسهر.

ومن وسائل تحقيق هذا المجتمع: التربية الإيمانية والزكاة، والوقف وسائر الصدقات، ولذلك قامت على الوقف مؤسسات اجتماعية عديدة كالمكتبات والمؤسسات التعليمية وكتاتيب القرآن وغيرها الماريستانات.

خامسا: رعاية المصالح العامة والمرافق الضرورية في الأمة، بوقفها أولا، ثم بالوقف عليها لحفظها واستمرارها ورعايتها ثانيا، ثم بالإنفاق على العمل فيها والمستفيدين منها، كالمساجد التي تنتشر في أصقاع الدنيا وفي المدن والقرى مع تأمين كل ما تحتاج إليه بالإنفاق على الأئمة والخطباء والمؤذنين والمدرسين والطلاب الذين يأوون إليها، ثم على المستشفيات التي ترعى المرضى وتداوي الجرحى وتساهم في حفظ الصحة العامة، والمساكن والمعاهد والمدارس والجامعات التي كانت منارات للعلم أجمع، فيتم الوقف للإنفاق على طلبة العلم ودور العلم، وعلى العلماء وكذلك للإنفاق على نشر العلم وتحصيله ونشر كتبه .

ولذلك يعد الوقف أحد الجوانب الاقتصادية للمجتمع والدولة، وإحدى الركائز الأساسية للنهضة الإسلامية الشاملة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية.

سادسا: تأمين ريع دائم ومستمر للطوارئ التي تصيب أفراد المجتمع ومنها مثلا: الوقف لكسر الأواني على يد الخدم والصغار، والوقف للمساهمة في نوائب الدهر والنكبات والمصائب التي تصيب الأمة والمجتمع، كالكوارث والفيضانات والزلازل والأعاصير والفتن الداخلية والحروب الداخلية.

سابعا: الرفق بالحيوان، لأن الوقف فتح الباب أمام التطبيق الرفق بالحيوان الذي دعا إليه الإسلام، ولذلك وجدت أوقاف لرعاية الضوال من الحيوان، ورعاية الحيوانات المريضة، والمسنة أو الهرمة والضعيفة.

ثامنا: تأمين موارد الجهاد في سبيل الله، كوقف الربط للمجاهدين، والوقف لتزويدهم بالسلاح، والوقف للإنفاق على المجاهدين وأسرهم، وكان الوقف أهم مورد للجهاد، وبعده تأتي الزكاة، ثم الصدقات، ثم الدعم الحكومي من بيت المال، فأسهم الوقف في توفير مستلزمات المجاهدين، وحماية الثغور، والدفاع عن الأمة، ونشر الدعوة، مع إعداد القوة وتهيئة الأمة للوقوف بوجه الأعداء، والدفاع عن الدين والعقيدة والوطن والأنفس.

تاسعا: توفير المال العام للأمة والمجتمع، ليساهم في الاستثمار والبناء والتنمية وتأمين الخدمات والحاجات العامة، وهذا ما يسعى إليه علماء العصر في تطور الوسائل الوقفية، والأخذ ببعض الآراء التي تجيز وقف النقود والأسهم والصكوك، وتوجب استثمار الوقف، مع حفظ أصول الوقف، من أجل استثمار الوقف في ك المجالات، التي تحقق أهداف الوقف، من جهة، وتساهم في اقتصاد الأمة، وحل مشاكلها، وتخفيف المعضلات منها، كالبطالة وأزمة السكن، وتوفير العمالة، والاستفادة من التقنيات الحديثة و….

يقول الكتور محمد الأرناؤوط: إن الوقف قد ارتبط بالإسلام بشكل فريد ….، إلأى حد أن تعبير الوقف أصبح يرادف الإسلام نظرا للدور الكبير الذي يلعبه في المجتمعات المسلمة، وفي الواقع لقد أخذ الوقف بالتدريج مهام الدولة الإسلامية (دولة الرفاه الاجتماعي) بعد أن أصبح دوره يغطي كل مجال يمكن أو لا يمكن التفكير فيه.

عاشرا: تحقيق الصلة بين الأجيال المسلمة، فيقف الناس أموالهم، فينتفع بها أبناء جيلهم، ثم تبقى الأجيال اللاحقة، كما هو مشاهد اليوم في المساجد والعقارات، والأراضي، والحوانيت، والآبار والقناطر، والطرق، والمقابر، الموقوفة منذ مآت السنين، وتدر الخير العميم، وتؤمن العمل للآلاف، وتساهم في إعانة المحتاجين، وسائر فآت المجتمع، وهذا المعنى في الربط هو ما الباعث لسيدنا عمر  فيس منع توزيع سواد العراق على الغانمين، وحبسه للأجيال القادمة، وكانت هذه المعاني أقوى حججه لإقناع بقية الصحابة في ذلك معتمدا على ما جاء في القرآن الكريم: مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ  وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (الحشر: 7).

ذ. محمد العشيري

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *