مرئيات حول العولمة والنظام العالمي الجديد(2)


في هذا المقال أسعى لأن أقدّم لقطات عن العولمة وذيولها من الاستعمار الجديد، ونظريتي (صراع الحضارات) و (نهاية التاريخ) وهدفها الأساس من تشكيل حضارة المصنع والسوبر ماركت والكباريه… لقطات شبيهة إذا انضاف بعضها إلى بعض، بما يفعله كتاب المونتاج في الأعمال الدرامية والسينمائية، وتشكل في أذهاننا الأبعاد الحقيقية للعولمة في وضعها الراهن… وأقول في وضعها الراهن، إذ قد تتبدل المعادلات الدولية، وتخرج الشعوب المستضعفة من عنق الزجاجة الضيق، فيكون للعولمة شأن آخر… بكل تأكيد …

عولمة من طرف واحد

أهي عولمة متكافئة تقف فيها الدول والأمم والجماعات والمؤسسات والشعوب على قدم سواء، فتتعامل مع المعطيات الجديدة تعامل الندّ للندّ في السياقات كافة: الاستراتيجية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية؟ أم هي الهيمنة المتفردة للقطب الواحد الذي يضع زعماء الدول الكبرى والصغرى، واقتصاديات العالم في جيبه، وتحت مظلته، وحيث يفرض على الدنيا نمطاً من الثقافة ينبض بعشق الأشياء ويتجرد من كل ما يمت بصلة للقيم الدينية والأخلاقية… والإنسانية في نهاية الأمر ؟!

أهي عولمة يدر فيها ضرع الأرض في أفواه الناس كافة، فيطعمهم ويسقيهم ويوزع عليهم خيراته بالعدل والقسطاس؟ أم هو الابتزاز الذي يحتكر الثروات فما يزيد الأغنياء والأقوياء إلا غنى وقوة، وما يزيد الفقراء والضعفاء إلا فقراً وضعفاً ؟

أهي عولمة تكافح بإخلاص لردم الخندق العميق بين دول الشمال ودول الجنوب، وتبذل جهدها لإلغاء الخط الفاصل الممتد بين طنجة وجاكرتا، لكي يلتقي الإنسان بالإنسان، وتلتحم الشعوب بالشعوب، ويعيش الجميع، وقد تحققوا بالضمانات الأساسية للحياة، سعداء، متحابين؟ أم هي الرغبة الجامحة لمراكز القوة والغنى في العالم، والتي تتمحور اليوم في أمريكا، ليس لإلغاء هذا الخط، أو التخفيف على الأقل من عمقه اللوني، وإنما لتأكيده وإقامة الجدران الشاهقة والأسلاك الشائكة بين العالمين فيما يمنح هذه المراكز، طبقاً لقناعات زعمائها، حماية أكثر فاعلية لتفوقها وديمومتها الحضارية، بغض النظر عن مدى ما تتسم به هذه القناعات من اثرة ولا أخلاقية ؟

إن العولمة لو أتيح لها أن تتحقق في عالم تحكمه قطبيات متوازنة، وتجد فيه الأمم الضعيفة فرصتها للصعود، لكان يمكن أن تصبح فرصة مدهشة لسعادة تعم الناس، وتبادل في الخبرات والمعطيات ينشر الخير والاستقرار على العالم أجمع، ويمضي بركاب القطار كافة صوب الأهداف التي يحلمون بها ويسعون من أجلها.

وأما أنها تجيء وقد أمسكت بخناق العالم قوة أو قيادة متفردة، وأن تكون هذه القيادة نموذجاً للرغبة الطاغية في التحكم والسلطان، بزعامة العالم، وفرض إرادتها على دوله وشعوبه كافة.

وأما أنها تجيء، وهذه القيادة المتفردة تمثل الحضارة الغربية في أقصى حالاتها مادية، ورغبة في التكاثر بالأشياء، وتعبداً لصنميات القوة، وبعداً عن منظومة القيم الخلقية والدينية، وتضحلاً روحياً، وغياباً لإنسانية الإنسان، وضياعاً لشروط الحق والعدل… فإنها ستغدو، وقد غدت فعلاً، سلاحاً جباراً مسلطاً على رؤوس الأمم والدول والشعوب، بل حتى الجماعات والمؤسسات، لإرغامها على الخضوع وعلى وضع ثديها لكي يدر في فم السيدة المتفردة بالمصائر والمقدرات.

وأما أنها تجيء، ومؤسساتها ذات القدرات الأسطورية تزداد قوة وهيمنة، على هذه المصائر والمقدرات، بتجمعها الكارتلي المخيف، وإزاحتها للمؤسسات الأقل غنىً وقدرة.

وأما أنها تجيء، ومن وراء هذه المؤسسات العملاقة، المكر والجشع اليهودي، وسدنة العجل الذهبي من عباد المال اليهود.

فان لنا أن نتوقع ما الذي ستشهده الدنيا، عبر الزمن القريب القادم، إذا كانت إحدى بداياته على سبيل المثال لا الحصر، سحق التطلع الاقتصادي والمالي الشرق أقصوي، وتدمير طموحه الاستقلالي والتنموي، بمجرد ترحيلات سريعة في الأرصدة المالية، وضغط على أزرار الأجهزة الالكترونية قد لا يتجاوز الدقائق المعدودات !!

حراس ( العهد الأمريكي ) !

استطاعت الولايات المتحدة أخيراً أن توظف حكام العالم وتجعل منهم مديري أمن ومخابرات يعملون مصلحتها، ويقدمون لها الخدمات التي تمنح المواطن الأمريكي الإحساس بالأمن، وتبعد عنه شبح التوجس والخوف.

وها هم الآن يتسابقون على مدى قارات الدنيا كلها، ليس لإعلان ولائهم للست الكبيرة، والوقوف إلى جانبها ضد الإرهاب، وإنما لتسخير القدرات المخابراتية والأجهزة الأمنية لدولهم، من أجل حماية السيدة ورعاياها كافة من كل ما يسبب لها قلقاً أو خوفاً …

إنه الولاء في أكثر حالاته تجلياً ووضوحاً… وإذا كان هناك ثمة ما يسمى (بالجريمة الكاملة) التي يتقن فيها الفاعل عمله الجرمي بحيث لا يترك أي دليل على الاطلاق يسوقه إلى الإدانة… فان هؤلاء الحكام، وبمفهوم المخالفة، سينفذون جريمتهم الكاملة بحق شعوبهم، دون أن يعطوا لهذه الشعوب أية فرصة على الاطلاق لإدانتهم وتجريمهم، لا لأنهم يتقنون عملهم بأكثر الصيغ دقة وإحكاماً، وإنما لأن الشعوب نفسها فقدت الإحساس بالأشياء، وأصيبت بثقل السمع وعمى الألوان.

إن التكاثر بالأشياء، وغياب القيم الروحية والخلقية، بل الإنسانية، من حياة الناس، وفق النموذج الغربي الأمريكي، قتل لديهم أي تطلع صوب منظومة القيم، أو التزام بها، وجعلهم، بدرجة أو أخرى، أشبه بالسوائم التي تكدح في الليل والنهار، لكي تتحقق فقط بضمانات الحاجات الأساسية في المأكل والملبس والمسكن والجنس.

لقد تنزلت الأديان كافة لمجابهة هذه الحالة … لإعادة وضع الإنسان في مكانه الحق الذي أريد له يوم خلقه الله سبحانه وتعالى وكرّمه، ومنحه السيادة على العالمين … لكن إغراءات التكاثر بالأشياء، والالتصاق بالأرض، والإخلاد إليها، والبحث عن ضمانات الإشباع الحسي الأساسية، كانت في معظم الأحيان، تجر الإنسان بعيداً عن موقعه، وتحوله شيئاً فشيئاً إلى آلة صماء تدور، أو سائمة تأكل وتشرب وتسافر وتنام! وحينذاك تصير المجتمعات البشرية أدوات طيعة بأيدي الذين يقودونها، وتختفي تماماً كلمة (لا) في مواجهة الرعاة والجزارين !

من هذه الثغرة التي كان ليوبولد فايس (محمد أسد) قد تحدث عنها يوماً وهو يسرد سيرته الذاتية في كتابه القيم (الطريق إلى مكة)، وحذر منها، وهو وزوجته (إلزا) يقفان مندهشين أمام سورة (التكاثر) في كتاب الله.

من هذا وذاك سيدخل الطواغيت الكبار والصغار لإحكام (التدجين) وإلغاء كل ما تبقى من خصائص إنسانية لدى المجتمعات والشعوب.

وحينذاك وببركات النموذج المادي الأمريكي، وعشق الضمانات والتكاثر بالأشياء، وإدارة الظهر كلية لمنظومة القيم الدينية والخلقية، سيسهل على حراس (العهد الأمريكي) أداء مهمتهم، وحماية السيدة من كل ما يقلق أبناءها المدللين، أو يستفزهم، من دوافع القلق وهواجس التوجس والخوف.

ولسوف تدخل أمريكة، يتقدمها حراسها المتربعون في مواقع السلطة، دورنا ومخادعنا… وسيمارس الإرهاب الأمني في أبشع صيغه، والقرصنة المرذولة في أكثر حالاتها قسوةً وعنفاً وانتهاكاً، وسيرصد نبض القلوب وخفقان العقول لكيلا تنبض وتخفق إلا بالتسبيح لأمريكة… وسيصير المفكر الذي يرفض الانحناء ويتردد في الاندماج مع القطيع (العالمي) متهماً يلاحق في كل مكان، وقد يصدر القرار بتجريمه واعتقاله، وربما تصفيته، حتى قبل أن تثبت إدانته بالأدلة القاطعة، لأن آليات الرصد الأمني قديرة إذا اقتضى الأمر على أن تقدم الأسباب !!

بقلم: أ.د. عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *