لآلئ وأصداف – المثقفون والسلطة: عود على بدء  


رسخ الإسلام ــ تنظيرا وتطبيقا ــ حرية المعتقد، وحرية الرأي، وحرية النصح للحاكم، ولنا في مواقف عمر  شواهد كثيرة بينة وناطقة, وعامة الناس يعرفون قولة عمر للمرأة  التي اعترضت عليه في قضية تحديد الصداق، عندما قالت له: ليس لك هذا يا عمر، فإن الله تعالى يقول: وآتيتم إحداهنّ  قنطاراَ، فقال عمر: صدقت المرأة وأخطأ عمر.. أكلُّ الناس أفقهُ من عمر؟ والذين يريدون أن يجعلوا من حبس عمر الحطيئة على الشعر شاهدا على قمع الآراء وتكميم الأفواه، لا يفقهون حقيقة الخبر. فعمر لم يحبس الحطيئة لقوله شعرا حراما، بل لاعتدائه على أعراض المسلمين، وذلك باعتباره ولي أمر المسلمين، يدافع عن حقوقهم ويصونها من العابثين. وقد عرف الحطيئة ذلك فاعتذر لعمر بما يوحي أنه يقر بذنبه، ويطلب العفو، في أبيات رائية مشهورة. فلم يقبل منه عمر الاعتذار إلا بشرط واحد، وهو ألا يتعرض لأعراض المسلمين. فقال الحطيئة: إذن يموت عيالي جوعا. فاشترى منه عمر أعراض المسلمين بما كفاه عن التعرض لهم. والدليل على حرية الشعراء أن منهم من كان يتجاوز حدود الشرع، كأن يتغنى بالخمر، أو يتشبب بالحرائر دون تورية، فلم يكن يتعرض لهم أحد. وعندما كان يقام الحد على أبي محجن الثقفي، الفارس الشاعر، فلشربه الخمر لا للتغني بها. وبعد بلائه الحسن في القادسية قال له سعد بن أبي وقاص: اذهب فلن أقيم عليك حد الخمر بعد اليوم. فقال أبو محجن: وأنا والله لن أقرب الخمر بعد اليوم. وعندما تغنت امرأة قائلة:

هل من سيبل إلى خمر فاشربها

أم من سبيل إلى نصر بن حجاج

وكان نصر هذا جميل الجمة، لم يعاقبها عمر على قولها، ولكنه قص جمة نصر التي كان يفتن بها النساء، صونا للحرائر.

وعندما تغنى سحيم عبد بني الحسحاس بنساء سادته، وكان عبدا حبشيا، حذره عمر من بطش رجال القبيلة، قائلا: إنك لمقتول. وفعلا ثأر الرجال للنساء وقتلوا الشاعر لاعتدائه على الحرمات، وليس عمر، باعتباره خليفة، هو الذي قتله.

وعلى هذا سار الخلفاء من بعد عمر، حتى إنّ بشارا كان يفسد الشباب بشعره، وكان مالك بن دينار يقول: أما لهذا الفاسق من يقتله؟ ولم يتعرض له أحد. وعندما قُتل بشار لم يُقتل لشعر قاله، بل لموقف سياسي مزجوه بالزندقة.

وأشعار أبي نواس أشهر من أن يستشهد بها، ويكفي أن كل تلك الأشعار وصلتنا كما هي ولم تتعرض للحرق ولا للإتلاف.

ومخطئ من يظن اليوم أن الدول الموصوفة بالمتحضرة تتمتع بحرية الرأي بغير رقيب. صحيح أن حرية الرأي عندهم لا تقاس بحرية الرأي عندنا، أو لنقل بعدم حرية الرأي عندنا، ولكن لها حدودا وقيما ومقدسات لا يجوز أن يتجاوزها أحد. وربما كان العالم العربي والإسلامي هو الذي يعبث فيه بحرية الرأي بما يرضي ولاة الأمر. فعندما يتعلق الأمر بالمواقف السياسية، فليس لأحد أن ينطق بما لا يرضون. وأما عندما يتعلق الأمر بقيم الأمة ومقوماته ووجودها ودينها، فهناك يخوض الخائضون، ويعبث العابثون، ولا من رقيب أو حسيب. ودونكم المنشورات، من كتب وصحف، فاقرؤوا فيها ما شئتم مما يهدم الأخلاق ويخرم الدين، وكل ذلك باسم حرية التعبير والمعتقد. وهيهات أن تجد شيئا من ذلك في الغرب، أعنى أخلاقهم التي تراضوا عليها، واتفقوا. ولا شك أن الرأي العام عندهم ــ عموما ــ صار يسلم بكل ما نراه في تصوراتنا انحرافا وشذوذا، وصار المقلدون عندنا ينادون به جهرة. وحسبنا ما شهدته القاهرة مؤخرا من مهرجان علني للمثليين، باسم الفن والموسيقى، حتى إنه صار لهم علم خاص رفعوه في مدينة الأزهر الشريف.

في الاتحاد السوفييتي المنهار جعلوا رقيبا على الأدباء والمفكرين والفنانين، كان اسمه جدانوف، فكان لا يسمح بنشر شيء يمثل “تهديدا” لمبادئ الشيوعية، بل كان النظام لا يكتفي بذلك، وإنما يطارد أهل الفكر والأدب والفن، إما بالتشريد والنفي وإما بالسجن، وإما بالقتل. والقتل نوعان: إما أن يضيق على المنبوذ حتى يلجأ إلى الانتحار، مثلما حدث مع مايكوفسكي، وإما أن يطارد في بقاع الأرض ثم يقتل. ولعل مصير تروتسكي وروزا لوكسمبورغ خير مثل على ذلك. فأما المنفيون أو المحكوم عليهم بالصمت، فمن أشهرهم باسترناك وألكسندر سولجنسين.

وإذا كانت فضائح الاتحاد السوفياتي قد اشتهرت بسبب الإعلام الغربي بخاصة، فإن الغرب، ولاسيما أمريكا، لم تكن وسائل كبح المعارضين عندها أقل من روسيا، وربما تفوقت عليها في الأساليب الجهنمية. وكما كان لروسيا جدانوف، كان لأمريكا جلادها الفكري، واسمه جوزيف مكارثي، السيناتور الأمريكي الذي قام في عام 1950، إبان الحرب الباردة، في الكونغرس، ملوحاً بأوراق في يده تحوي أسماء 250 شخصية أمريكية من سياسيين وعسكريين و مثقفين،  و صرخ بأعلى صوته متهماً إياهم بأنهم شيوعيون موالون للاتحاد السوفيتي و أعداء لأمريكا، و لم يكن لديه دليل واحد على صدق تهامه. كان هذا هو المنهج الذي اتبعه مكارثي، إنه الاغتيال المعنوي للخصوم، وذلك بتشويه صورتهم، ورميهم بكل التهم التي تجعلهم مدانين، وينبغي التخلص منهم. ولم يقتصر منهج مكارثي على داخل أمريكا، بل تجاوزها إلى الخارج. وقد كان من ضحاياه شاعر الشيلي الشهير بابلو نيرودا. ولعل بعض أنظمة الجور والاستبداد في عالمنا آثرت الجمع بين المنهجين، فهي تبدأ بتشويه الخصوم، ولا سيما المتدينين منهم، برميهم بتهمة التطرف والإرهاب. فإن أخفق هذا المنهج في لجم الخصوم كان الإعدام، بمحاكمة وبغير محاكمة.

فأين نحن من حرية الرأي والتعبير التي ضمنها ديننا الحنيف؟

يلتقطها أ.د. الحسن الأمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *