لآلئ وأصداف – العابرة


يقول تعالى: إنا نكتب ما قدموا وآثارهم. وقد قضت الأستاذة فوزية حجبي نحبها؛ ووفت بعهدها مع ربها ، بعدما قدمت لأمتها ما يظل شاهدا على جهدها وجهادها.. وتلك آثارها ناطقة. فقد شعرت أن الله تعالى أكرمها بما وهبها من قلم صالح صادق صادع بالحق؛  فآلت على نفسها رحمها الله تعالى على ألا تكتب به إلا ما يرضيه تعالى وما يخدم شعبها وأمتها.  وقد أهلها لهذه الرسالة موسوعيتها التي جعلتها تنهل من ضروب العلم باللسانين؛ العربي والفرنسي؛ ما مكنها من الرتع في رياض دمثات من كتاب الله ؛ وتسخير ذلك فيما وهبها الله من فنون القول؛ من الاجتماع، إلى التاريخ، إلى الأدب، إلى التدبر في الكتاب والسنة؛ وذلك أمر لم يتحقق إلا لقلة من الأفذاذ… فهي القصاصة والروائية والشاعرة والمفكرة والناقدة الأدبية والاجتماعية. ولكل كاتب كبير خيط ناظم يلخص رؤيته للوجود الإنساني والكينونة الحضارية. وقد أعربت الأستاذة فوزية عن ذلك الخيط الناظم بكلمة واحدة ترجمت شخصيتها؛ وقد جعلتها رمزا لبريدها الخاص. وهذه الكلمة الجامعة المانعة هي: (العابرة). لقد خلفت فوزية حجبي من الآثار المكتوبة؛ من الكتب والمقالات؛ ومن الآثار المسموعة؛ من الدروس والمحاضرات؛ ما يجعلها بين أبناء وطنها وأمتها صوتا مقيما غير عابر. ولكن الأستاذة حجبي كانت لا تنظر إلى هذه الدنيا إلا على أنها دار عبور؛ لا دار مقام؛ وأن الآخرة هي دار القرار.  وبهذا اليقين كانت تكتب وتصنف وتحاضر وتؤلف. تتناول هموم الناس اليومية فتحولها إلى قطع أدبية تمس المشاعر وتوقظ القلوب؛ عسى أن تتحرك همة من بيدهم الأمر لإنصاف المستضعفين.  تبلغ دعوتها وهي موقنة أنها عابرة.. تنظر إلى ما عند الله تعالى.. غير ملتفتة إلى شيء من متاع الحياة الدنيا.. وعنايتها بهموم الوطن ومشاغله لا تنسيها أنها جزء من الوطن الأكبرالذي تجسده الأمة الإسلامية في أقطار الأرض.. وهي تنظر إلى ما يوحد لا إلى ما يفرق. .وتتعالى على الخلافات الجزئية العارضة، لتعنى بما هو كلي وباق. في صيف 2016 كانت رفقة أسرتها في زيارة للسعيدية.. وعلى مشارف المدينة؛ وقبل أن تبدو آثار المصطافين.. وقفت على منظر بهرها وأثار أشجانها.. نهر صغير يفصل بين بلدين شقيقين؛ الجزائر شرقا والمغرب غربا.. والناس على الضفتين يلوح  بعضهم لبعض؛ تعبيرا عن المحبة والألفة.. فوق رأسها ترفرف الأعلام المغربية.. وعلى الضفة الأخرى ترفرف أعلام الجزائر.. وقفت الأستاذة  فوزية حجبي متأملة… تختلط في نفسها مشاعر الألم ومشاعر الفرح.. من هؤلاء المجانين الذي فرضوا هذه الوضعية الشاذة التي لا مثيل لها في العالم؟؟.. أكثر من ربع قرن والحدود البرية مغلقة بين البلدين الشقيقين.. العابرة ترى أن كل شيء عابر.. وأن هذا الشقاق والخلاف عابر.. وكأنها تذكرنا بما هو جوهري فينا.. لنظفر بالخلود وجنات النعيم ينبغي أن نستحضر في ذواتنا حقيقة أزلية؛ وهي أننا جميعا؛ عابرو سبيل.. وأن الآخرة خير وأبقى.. إذا ترسخت هذه الحقيقة في قلوبنا؛ واستيقنتها أنفسنا؛ سارعنا إلى حل جميع مشاكلنا بأن نجعل الحب لنا زادا. الكراهية التي تهيمن على الأمة والتي تتجلى في صور القتل والتشريد والخراب.. مما يطالعنا صباح مساء.. كل ذلك لا سبيل إلى علاجه إلا بزرع الحب في جميع مفاصل وجودنا. . ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن نشعر شعورا يقينيا بأن ذواتنا في هذه الحياة الدنيا عابرة.

ذلك بعض مما تعلمته من (العابرة) الأستاذة فوزية حجبي.. في مؤتمر رابطة الأدب الإسلامي العالمية الذي انعقد بفاس… حيث انتخبت الراحلة عضوا بالمكتب الإقليمي للرابطة. أهدتني الأستاذة فوزية بعض كتبها، وأخبرتني أنها تريد أن يكون تقديم مجموعة أعمالها بقلمي. فرحبت بذلك.. ولكن قلم الأقدار كان أسبق من قلمي.. فحجب عنا من لا تحجب عن الأمة أعمالها؛  ولا يخفى على الله جهودها وحسن بلائها.. ونسأله  أن يتقبلها عنده… مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

يلتقطها أ.د. الحسن الأمراني

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *