اللغة العربية لغة القرآن الكريم: مباني ومعاني 2 – أصالة الحرف في بناء دلالة الكلمة (8)


سنحاول في هذه الحلقة أن نربط بين مفهومي المباني والمعاني، فالمباني أشكال مجردة، والمعاني مضامين تلك الأشكال. فكيف يمكن أن نجمع بين المفهومين في حروف اللغة العربية؟ يقول سيبويه في تعريف حروف اللغة العربية: “هذا باب عدد الحروف العربية ومخارجها، ومهموسها ومجهورها واختلافها…” (ك4/ 431).

يلاحظ بخصوص الكلمات التي استعملها سيبويه لصياغة عنوان هذا الباب أنها تحمل دلالات توحي بمفاهيم هامة يجب الوقوف عندها لتأملها لأنها ترمز إلى السمات التي تتسم بها الحروف باعتبارها أس البيان في اللغة العربية. فكلمة “أصل” تدل على أن ثمة فروعا أو أكثر. وكلمة ” مخارج “بصيغة جمع الكثرة تدل على أن لكل حرف مخرجه الذي يختص به في جهاز النطق عند الإنسان.

وهذا ما ترتبت عنه سمات منها الهمس والجهر التي هي أس الاختلاف في النطق المعبر عنه صراحة بكلمة، وهذا ما يدل على أن مادة الحروف في اللغة العربية مادة خام قابلة للتحليل باعتبارات متنوعة فهي أس الكلام قبل غيرها من أدوات البيان، يقول الخليل: “بدأنا في مؤلفنا هذا بالعين وهو أقصى الحروف، ونضم إليه ما بعده حتى تستوعب كلام العرب الواضح والغريب” (ع1/ 60). ويقول القرطبي في كتابه (الرعاية في تجويد القراءة): “باب معرفة الحروف التي يتألف منها الكلام وعللها: فالحروف التي يتألف منها الكلام تسعة وعشرون حرفا… وإنما سمي كل واحد من هذه التسعة والعشرين حرفا على اختلاف ألفاظها، لأنه طرف للكلم كلها، طرف في أولها، وطرف في آخرها، وطرف كل شيء حرفه من أوله ومن آخره، ولذلك كان أقل أصول عدد حروف الأسماء و الأفعال ثلاثة: طرفان ووسط… وطرفا الشيء حداه من أوله وآخره ، ومنها قوله تعالى: أقم الصلاة طرفي النهار…(هود: 114)، أي أوله وآخره (“الرعاية لتجويد القراءة” ص 192 بتصرف) .

يلاحظ من خلال النصين المستشهد بهما أن الحروف أس البيان في اللغة العربية بدليل قول الخليل: “حتى  تستوعب كلام العرب الواضح والغريب”.

أما بخصوص الفقرات التي اقتبسناها من كتاب الرعاية فإنها تتضمن عبارات تحدد أهمية الحرف في نظام قواعد اللغة العربية فهي أس الكلام كما في قوله: معرفة الحروف التي تألف منها الكلام” والإشارة إلى اختلاف وظائف الحروف في سياق تعليل التسمية التي تعتبر منطلق المصطلحات كما في قوله: “وإنما سمي كل واحد من هذه التسعة والعشرين حرفا على اختلاف ألفاظها لأنه طرف للكلم كلها”، وبين مواقع الحروف في الكلمة بقوله: “طرف في أولها، وطرف في آخرها”.

وهذه إشارة هامة لورود الأحرف في مواقع الكلمة الثلاثة: الأول، والوسط، والأخير، وهذا ما يؤسس للدوائر الثلاث التي تتألف منها بنية الكلمة التي يترتب عنها المعنى الخاص لكل كلمة. ذلك أننا نرى أن كل مجموعة من الكلمات الثلاثية تتحد في معنى عام بنسبة ما، ثم تختص كل واحدة منها بمعناها المنفرد. ذلك أن عددا من الكلمات الثلاثية تتفق في الحرفين الأولين، وتختلف فقط في الحرف الأخير مثل: قطع، وقطف، وقطم، وقطن. ونوع ثان يتفق في الحرفين الأخيرين، ويكون اختلافهما في الحرف الأول فقط مثل: قطن، وفطن، وبطن، ورطن، ووطن. ونوع ثالث من الكلمات يتفق في الحرفين الأول والأخير ولا يميز بينهما إلا الحرف الوسط مثل: وقف، وورف، ووصف، ووظف.

فالملاحظ في كل مجموعة من هذه الكلمات التي تتفق في حرفين أن الحرف المحور الذي يفصل بين دلالاتها هو الحرف الذي تختلف فيه، إنه أي الحرف المحور بنية الكلمة التي توجه دلالتها إلى معنى دون سواه، إلى معنى دون سواه، هذا بالإضافة إلى أن حرف المبنى المجرد يمكن ان يرتب في أحوال خاصة ضمن أنواع الكلم الثلاثة يقول سيبويه: “هذا باب عدة ما يكون عليه الكلم: وأقل ما تكون عليه الكلمة حرف واحد” (ك 4/216).

ومعاجم اللغة غنية بمادة الدوائر الثلاث المشار إليها من ذلك على سبيل المثال لا الحصر: “ب ج ز” و” ب ج س” و”بجش” و”بجص” و”بحض” و”بجم..الخ” (الجمهرة1/209).

وهجأ، وهدأ، وهذأ، وهرأ، وهمأ، وهنأ،..الخ (ل ع 1/179)…

وأبت، وأبث، وأبد، وأبر، وأبز، وأبس، …الخ (مقايس اللغة 1/33).

ودون أن نطيل في عرض أمثلة كل دائرة من بين الدوائر الثلاثة، فالمعاجم غنية بهذه المادة؛ لكن الغريب أنه ليس ثمة -حسب علمنا- انتباه لتوظيف دلالة الحرفين اللذين تتحد فيهما مجموعة من الكلمات لمعنى مّا ولا التركيز على دلالة الحرف المحور الذي تختلف فيه الكلمات المتحدة في الحرفين سواه، في حالة معالجة إشكال ما.

وبعد هذه الأمثلة نعود إلى عنوان كتاب الرعاية لأجل تأمل دلالات كلماته فيما يخص اعتبار أحرف المباني أس البيان في نظام اللغة العربية، وهذا العنوان هو: “الرعاية لتجويد القراءة، وتحقيق لفظ التلاوة بعلم مراتب الحروف ومخارجها وصفاتها وألقابها”.

والملاحظ ان هذه العنوان يتضمن ثلاث كلمات بصيغة واحدة، هي الرعاية، والقراءة، والتلاوة، فهي كلها على وزن فِعَالة، وفي الدلالة العامة لما جاء على هذا الوزن من الكلمات يقول سيبويه: “وأما الوِكالة، والوِصاية، والجِراية ونحوهن فإنما شبهن بالوِلاية لأن معناهن القيام بالشيء، وعليه الخِلافة، والإمارة، والنِّكاية، والعِرافة، وإنما أردت أن تُخْبِرَ بالولاية، ومن ذلك الإيالة، والعياسة، والسياسة…” (ك 4/11).

انطلاقا من دلالات الكلمات الواردة في النص أعلاه يمكن القول بأن الكلمات الثلاث التي يتضمنها عنوان كتاب القرطبي: تشترك في مفهوم عام بصيغتها الوحيدة هو القيام بالشيء كما هو واضح فيما استشهدنا به من الكلمات التي يتضمنها سيبوبه، وهذا الشيء الذي يلزم القرطبي نفسه القيام به أنواع ثلاثة، لأن كل كلمة تختص بدلالة أحرفها الخاصة على شيء معين، فأحرف الرعاية، غير أحرف القراءة، وهما معا غير “التلاوة” فعلى الرغم من اتفاق الكلمات الثلاث في دلالة الوزن “فعالة” الذي له دلالة عامة التي تجمع بين كل الكلمات المصوغة على هذا الوزن فإنّ كل كلمة تدل بأحرفها على معنى خاص بها. وعليه نستنتج من وصفنا لهذه الكلمات بما بينها من اتحاد (في الصيغة) وفروق (في الحروف) أمرين اثنين:

أولهما أن تنوع الكلمات واختلاف دلالاتها يتم بناء على اختلاف أحرفها وهذا ما يثبت تأثير الحرف في بنية الكلمة.

وثانيهما أن الكلام لا يتلفظ به عبثا وجزافا، وإنما له علاقة بإرادة المتكلم وقصده وهذا ما يلزم به “القرطبي” نفسه بقوله في عنوان كتابه هذا وهو قوله: “..تحقيق لفظ التلاوة بعلم مراتب الحروف ومخارجها وصفاتها وألقابها”.

فالهدف هو “تحقيق لفظ التلاوة” والوسيلة هي “بعلم مراتب الحروف ومخارجها وصفاتها”.

يتبع

د. الحسين كنوان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *