افتتاحية – مضامين الهجرة النبوية سنن وهدايات


لم يكن حدث هجرة الرسول  وصحابته الكرام حدثا بسيطا عاديا لا أثر له في التاريخ كحدث أي إنسان عادي، وإنما هو حدث صنع الله به أمة على عينه، وأفنى به أمة أخرى واستخلف من بعدها أمة مؤمنة مسلمة.

ولم يكن حدث الهجرة خاصا بالنبي  ولا محصورا في الزمان والمكان والأعيان، وإنما كان حدثا ممتدا في المكان والزمان، وشاملا للأعيان من العباد جعله الله قانونا من قوانين الاستخلاف وسنة من سنن التمكين والتنفيس.

كما أن حدث الهجرة لم يكن كسائر أحداث الهجرات البشرية عبر التاريخ تحركها الحاجات المادية الصرفة من بحث عن الطعام والغذاء والسلم والأمن أو الغزو والاحتلال، وإنما كانت هجرة إيمانية لنصرة دين الله تعالى وإيثار حب الله تعالى على حب الروابط المادية من الأرض والمال والعصبية…؛ ولذلك كان تحرير النية من أي قصد مادي غير قصد ابتغاء رضوان الله هو ميزان الفصل بين الهجرة الربانية والهجرة الدنيوية كما يدل عليه قول النبي : «إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (رواه البخاري ومسلم).

فكما كانت الهجرة فيصلا وفرقانا فصل بين الكفر والإيمان وفرق بين الباطل والحق، فكذلك حديث «إنما الأعمال بالنيات» صار قاعدة كلية في الدين للتمييز بين الإيمان الصحيح والفاسد، وبين العمل المقبول عند الله وغير المقبول، وصار منهج حياة يصنع الحضارة الإيمانية ويميزها عن أضدادها، ومنهجا تصاغ به الحياة الطيبة وينفى به الخبث.

إن الهجرة التي دعا إليها الإسلام هي هجرة من المنكر إلى المعروف، ومن السيئات إلى الحسنات، وهجرة من الظلم إلى العدل، ومن الجهل والخرافة إلى العلم واليقين، ومن كل ما يقوض بناء الإنسان إلى إقامة كل ما يبني الإنسان، وهجرة أمراض التواكل والاتكال والكسل والهزيمة إلى الجد والعمل وتعاطي الأسباب التي تدخل في مُكْنَةِ الإنسان والأمة اقتداء برسول الله  الذي كانت هجرته كلها تعليما للأمة وتربية لها على مبادئ العمل واتخاذ الأسباب المشروعة وتفويض النتائج لله تعالى.

وإن الهجرة النبوية ترشد الأمة عبر تاريخها إلى ما ينبغي أن يكون لها من المقاصد والأولويات، وإلى ما يلزمها من الوسائل والمعدات في كل مجالات الحياة وقطاعاتها ومستوياتها.

ولقد طال على المسلمين العهد، ورَانَ على القلوب رَانٌ كثيف مما استحدثه الناس عبر الزمان حجب عنهم إبصار نور الهدايات الربانية والسنن الإلهية في وراثة دين الله وإيراثه والتنعم بالحياة الطيبة في ظل ذلك، وصار حدث الهجرة عند بعض ضعاف المسلمين فرصة لإثارة النعرات الموهومة، ورفع رايات التفرق والتشرذم المشؤومة، وعند آخرين مناسبة لإظهار التعلق بالقشور وما عَلِقَ بالتدين من فهوم ضعيفة، وأقبح من كل ذلك فقد شرع كثير من المغرضين يفرغون ذكرى الهجرة النبوية من كل معانيها الإيمانية البانية وينشرون بدلا من ذلك كل ما شاع في الأمم الأخرى من الاعتقادات الفاسدة والعادات الكاسدة.

إن الأمة اليوم لتقف في مفترق طرق تحتاج فيه فعلا إلا تجديد نية الهجرة؛ نية هجرة الأوضاع الفاسدة والأخلاق السيئة والتدبيرات الفاشلة، واستحضار نهج النبي  في بناء الأمة باتخاذ الأسباب والعمل الدؤوب والتخطيط البعيد، والتجرد من كل الشواغل التي تشغل عن بناء المسلم النموذجي تدينا وأخلاقا وعبادة، والأتقى إيمانا وعملا، كما تحتاج الأمة لتجديد البيعة لله تعالى ورسوله على نفس المبادئ التي كانت في بيعة العقبة الأولى والثانية التي مهدت للهجرة وبناء الأمة العابدة لله تعالى الممتثلة لأوامره والمنتهية عن محارمه، والمدركة لسنن الله تعالى في البناء والفناء. وصدق الله العظيم حين قال: هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(آل عمران: 138 – 139).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *