إلى أن نلتــــــقي – من ذكريات العيد


ذكريات العيد –ككل عيد، وخاصة في أيامنا هذه- فيها المُفرح والمُقرح، فيها ما يُسعد وما يؤلم، وقد مر بحمد الله عيد أضحى عامِنا هذا في عمومه بصورة جيدة؛ عمَّت الفرحة قلوب المسلمين المؤمنين في بلدنا هذا حماه الله، وتفاءلوا كما تفاءل باقي إخواننا في العالم ببشرى حلول عيد أضحى في يوم واحد في مشارق الأرض ومغاربها، ربما باستثناءات قليلة لا يؤبه بها. وأقول بُشرى، دون أن يُفهم من كلامي أني أنتقص من قدر ما يعتمده بلدنا في رؤية الهلال، لكنها بُشرى قد تدفع أولي العزم من العلماء والساسة في الاجتهاد في هذا الأمر، حتى يكون يوم صومنا وفطرنا وعيدنا وأضحانا يوما واحدا في كل بقاع الأرض، أينما وُجد موحد من أهل القبلة.

ولعل الاجتهاد في أمر المطالع من أجل توحيدها أيسر بكثير وأهون مما يدعو إليه بعض من لا ثوابت له إلى الاجتهاد في تغيير نصوص الوحي، مما هو وارد بالنص، ويحاول سَنَّ قوانين في ذلك، كالذي يدور حول مجال الإرث، وعن بعض شعائر العبادات، حتى ولو كانت من السنن كشعيرة الأضحية.

ولذلك فإن بعض هذه الدعوات الناشزة تأبى إلا أن تُغيِّر صفو العيد وتكدر أفراحه، أو هكذا يريد لها أصحابها، وإلا فما معنى المجاهرة بالدعوة إلى إلغاء شعيرة العيد، بدعوى أنها خرافة يروج لها سماسرة المال وتجار الدين على حد زعمهم.

العجب كل العجب من ألا يجد هؤلاء سبيلا للاشتغال إلا الانتقاص من شعائر الدين وأركانه، ومما أجمع عليه المغاربة خلفا عن سلف. ونسوا أو تناسوا أن التجارة الحقيقية في الدين، تبدأ من التنكّر للدين، وتنتهي بالطعن فيه، وقديما قيل في المثل: خالف تعرف.

نعم؛ مخالفة المغاربة والسير في الاتجاه المعاكس لهم وهم يمشون بالآلاف إلى المصليات صبيحة العيد.

مخالفة المغاربة وهم يحاولون اقتناص فرحة ولو عابرة يوم العيد في هذا الزمن البئيس، وذلك بهدف تنغيص هذه الفرحة وتكديرها.

مخالفتهم وهم يبحثون عن أضحية يجتمع حولها أفراد العائلة ويلتئم شملهم بعد سنة من الغياب في الكد والبحث عن لقمة العيش.

مخالفتهم وهم يبحثون عن أضحية تجنبهم الوقوع في يد سماسرة المال الحقيقيين، الذين يرتكبون في حق المغاربة ما يرتكبون من جرائم، لعل أبسطها مما تحمله ذكريات العيد: تسمين أكباش العيد بما يعرفه الكثيرون ويشاهدونه بأم أعينهم، مما يجعل من لحوم الأضاحي كتلة هرمونات نَتِنَة…

ويمتد البصر بعيدا خلال أيام العيد لمشاهدة أحوال الأمة، فيرتد حسيرا كليلا من هول ما يعانيه أبناء هذه الأمة هنا وهناك، ولعل آخر جرح ازداد نزفه وتعاظم أمره؛ اشتداد المحنة على إخوتنا المسلمين الروهينجا، في بلادهم الطبيعية « بورما »، التي حصلت رئيستها على جائزة نوبل للسلام! دون أن يحرك العالم ساكنا، ودون أن تقوم لأبناء هذه الأمة قائمة، اللهم إلا استثناءات قليلة بعضٌ منها تحرك على استحياء، مع أن ما ذكرته وسائل الإعلام العالمية وما قدمته من تقارير عن وضعهم، وهم في بلادهم، وهم في طريق هجرتهم، يدل على أن ما يحدث هناك يعبر عن أكبر اضطهاد تتعرض له أقلية مسلمة في العالم، وهو يرقى إلى درجة التطهير العرقي وإلى مستوى جرائم الحرب: فالمسلمون هناك يُطردون ويشردون، ويُنكّل بهم، وتُحرق دورهم ومساجدهم، وتصادر أراضيهم، وتزرع الألغام في طريق هجرتهم وفرارهم، ولا معين ومغيث لهم إلا الله سبحانه وتعالى. وللأسف نجد مِن أبناء جلدتنا من يُسَوِّق لهذا الاضطهاد، بصناعة إعلام مضاد على وسائل التواصل الاجتماعي، مُشيعا بأن الصور التي تُتبادل على أنها من مآسي المسلمين الروهينجا هي صور مرُكَّبة مُفبركة، ودون أي تعليق آخر عن الصور غير المفبركة، وعن التصوير الحي، مما تتناقله وسائل الإعلام في العالم بكل اللغات، وكأنهم بذلك يريدون أن يقولوا إن المسلمين الروهينجا بألف خير وأنهم في جنة على الأرض.

هي واحدة من مآسي المسلمين في بلدانهم، تحدُث في كل وقت وحين، لكن تعميقها أيام العيد يُشعِر بمرارة العيد وليس بحلاوته، ويزيد بالإحساس بعمق المأساة.

لكم الله، إخوانَنا المضطهدين في كل مكان، وندعوه جل وعلا أن يعجِّل بأسباب الفرج، إنه على ما يشاء قدير.

أ.د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *