مع كتاب الله – ” فلينظر الانسان إلى طعامه “(2)


النظر والتفكر في أوقاتها التي يوجدها فيها الخالق سبحانه: فمنها ما يكون في الصيف حيث شدة الحرارة، ومنها ما يكون في الشتاء حيث شدة البرودة، ومنها ما يكون في الربيع و منها ما يكون في الخريف ومنها ما يكون على مدار السنة..

لماذا هذا الاعتبار الزمني؟ إنه مراعاة لما يقتضيه ويتطلبه جسم الإنسان في وقت دون وقت وفصل دون فصل..

ففي الصيف مثلا حيث شدة الحرارة وحيث يستهلك البدن كثيرا من الطاقة والسكريات ويخسر كثيرا من الماء، يحتاج لأجل ذلك إلى طعام يعوضه ما ضاع منه، فخلق الله في هذا الفصل فواكه وخضروات غنية بالماء والسكريات…

وفي فصل الخريف يحدث تقلبات في الطقس بين حرارة وبرودة، وقد يصاب الإنسان بنزلة برد أو زكام، فيحتاج إلى ما يقوي جهاز المناعة، ويمنع أو يخفف تلك الأمراض، فخلق الله تعالى في هذا الفصل فواكه وخضروات غنية بما يقوي مناعة الجسم… فهل نظرنا وتفكرنا في هذا؟

هـ – النظر والتفكر في كيفية تعامل وتفاعل الجسم مع الطعام: من أوجه التفكر في الطعام: التفكر في كيفية استفادة البدن منه؟كيف تعمل أجهزته المتعددة في تحليله وتفكيكه وتمييز عناصره وتوزيعها على أعضاء الجسم كلها بحسب الحاجة، ثم تخزن الباقي إلى وقت تجدد الحاجة، وتجمع الفضلات المتبقية من الطعام بعد الاستفادة منه، وتخرجها خارج الجسم؟

إنه عالم عجيب وصنع بديع.. جنود يعملون بنظام وانتظام: الأضراس تمزق الطعام.. المعدة تهضم وتعصر الطعام.. الكبد يخزن السكريات.. الدم يحمل العناصر المستخلصة ويوزعها على الأعضاء.. القلب يضخ الدم.. الكليتان تقومان بتصفية الدم…الخ.

شيء عجيب يحدث في جسم الإنسان، وهو لا يشعر ولا يبالي.. إنه مصنع عظيم في حيز مكاني صغير، وهذا المصنع يحتوي على آلات عجيبة ودقيقة، تقوم بعمليات معقدة، هذا إضافة إلى أنه مصنع متنقل…

فلو أراد الإنسان أن يبني مصنعا يقوم بنفس ما يقوم به الجهاز الهضمي في الإنسان لاحتاج إلى مساحة واسعة وآلات متطورة ودقيقة وطاقة هائلة لتعمل وتشتغل تلك الآلات، هذا ناهيك عن الحاجة الملحة إلى الصيانة والمراقبة وغيرها مما يقتضي جهود جبارة… لكن هذا كله يحصل كل يوم في جسم صغير متحرك…

ـ كيف يحدث هذا؟ وبأمر من يحدث؟! فهل نظرنا وتفكرنا يوما في هذا الأمر؟

مقاصد النظر والتفكر في الطعام:

إذا كان الله تعالى أمرنا بالنظر والتفكر في الطعام وفي غيره من خلق الله، فلا شك أن لذلك مقاصد وفوائد جليلة.. أذكر منها الآتي:

أ – التعرف على الله أكثر ومعرفة عظمته وطلاقة قدرته و ترسيخ الإيمان بوحدانيته جل وعلا…

ب – التعرف على مظاهر إنعامه وإحسانه وكرمه، ومقابلة ذلك بالشكر، حتى يرضى عنا ربنا ويبارك لنا فيما رزقنا وأعطانا ويزيدنا من نعمه،كما قال جل جلاله: فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون(البقرة: 152)، وقال: لئن شكرتم لأزيدنكم(إبراهيم: 7)، وقال المصطفى : «إن الله ليرضى عن العبد؛ أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» (ص مسلم: 2734). وقال الحسن البصري وأبو العالية والسدي والربيع بن أنس: “إن الله يذكر من ذكره ويزيد من شكره ويعذب من كفره” (تفسير القرآن العظيم: 1/232).

وإن من شكرنا لهذه النعمة أن نحفظها ونصونها من التبذير والإسراف، قال الحق تبارك وتعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين(الأعراف: 31). ولو أن المسلمين ينظرون إلى طعامهم ويتفكرون فيه لما كان الطعام في بلادهم يُرمى في حاويات القمامة، وبينهم البائس الفقير ومن يشكو الجوع والمسغبة…!!

ومن شكرنا أيضا، أن نُنفق من طعامنا في سبيل لله تعالى ونطعم منه الفقراء والمحتاجين والمحرومين.. قال تعالى: فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير(الحج: 28).

– وقال جل وعلا: فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة(البلد: 11-16)؛ أي: “أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير” (تفسير القرآن العظيم: 8/254). ومن تلك الطريق: إطعام الطعام في أوقات المجاعة والأوقات التي يقل فيها الطعام للأيتام والمساكين..

– وهذا الإطعام يجب أن يكون لله، فلا يراد به سمعة ولا رياء. قال تعالى في الثناء على عباده المؤمنين: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شُكورا(الإنسان: 8-9).

وقد ذم الله تعالى أهل الكفر النفاق والإجرام، وذكر من قبيح أوصافهم: عدم إطعام الطعام.

– قال جل جلاله: كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نُطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين(المدثر: 38-47).

– وقال: وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك هني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يومن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم ههنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا ياكله إلا الخاطئون(الحاقة: 25-37).

– وقال: أرايت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين(الماعون: 1-3).

الطعام من النعيم التي سيسأل عنه الإنسان يوم القيامة:

ومما يجب تذكره: أن الطعام جزء من النعيم الذي سيسأل عنه الإنسان يوم القيامة بين يدي الله تعالى.. كما قال سبحانه: ثم لتسألن يومئذ عن النعيم(التكاثر: 8). قال الشيخ السعدي رحمه الله: “الذي تنعمتم به في دار الدنيا، هل قمتم بشكره وأديتم حق الله فيه ولم تستعينوا به على معاصيه، فينعمكم نعيما أعلى منه وأفضل. أم اغتررتم به ولم تقوموا بشكره، بل ربما استعنتم به على معاصي الله فيعاقبكم على ذلك…” (تيسير الكريم: 3/469).

– وفي الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه (2038) عن أبي هريرة  قال: بينما أبو بكر وعمر جالسان إذ جاءهم النبي  فقال: «ما أجلسكما؟». قالا: والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع. قال: «والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره». فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبي : «أين فلان؟»، فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء، فجاء صاحبهم يحمل قربته. فقال: مرحبا ما زار العباد شيءٌ أفضل من نبي زارني اليوم، فعلق قربته بكرب نخلة وانطلق فجاءهم بعذق. فقال له النبي : «ألا كنت اجتنيت» فقال: أحببت أن تكونوا الذي تختارون على أعينكم. ثم أخذ الشفرة. فقال له النبي : »إياك والحلوب»، فذبح لهم يومئذ فأكلوا فقال النبي : «لتسألن عن هذا يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا، فهذا من النعيم».

خلاصة القول:

أنه يجب أن ننظر إلى طعامنا الذي خلقه الله وساقه إلينا ورزقنا إياه، وأن نديم التفكر فيه؛ فإن ذلك يجعلنا نقدر نعمة الله تعالى ونعرف فضله علينا فنكثر من ذكره ونجتهد في شكره، فيرضى علينا ويزيدنا من فضله…

هذا وإن التفكر في نعم الله -ومنها الطعام- مما يفضل به الإنسانُ الحيوان البهيم؛ فإن الإنسان المكرم ينظر إلى طعامه ويتفكر فيه، فيعرف ربه ويؤمن بطلاقة قدرته، فيخافه ويرجوه ويشكره على نعمه… أما الغافل والمطموس البصر والبصيرة فيأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام والبهائم بلا تفكر ولا تذكر ولا شكر للخالق الواهب سبحانه، بل هو أضل من

الأنعام؛ لأن الأنعام تذكر ربها وتسبحه وإن كنا لا نفقه تسبيحها… وفي هذا الصنف من الناس يقول الحق سبحانه: والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم(محمد: 12).

د. عبد القادر دغوتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *