بنبض القلب – الجراد يزحف على حقول الأمة


“زكريا تامر” كاتب سوري اشتهر بتأليف قصص الأطفال ، غير أن كتاباته وإن كانت موجهة للصغار فهي تحمل ألف رسالة ورسالة لنا نحن الكبار، في إحدى قصصه المعنونة ب” الجراد في المدينة ”  يحكي قصة مدينة كانت تعيش في بحبوحة ورغد تخترقها الأنهار والحقول، ويأتيها رزقها رغدا من كل مكان، لا تعرف الجوع والحزن، إلا أن الله ابتلى أهلها بحب الكلام ، فلا يعملون سوى القليل، بينما يقضون ما تبقى من وقتهم في الجدال الفارغ ، وذات يوم جاء رجل إلى المدينة ، وكان يقطن قمة جبل. فأخبر الأهالي أنه أبصر جرادا لا يحصى عدده يتجه صوب مدينتهم، وأنه كلما مر على مكان إلا وتركه هشيما، وبدل أن يستعدوا لمكافحة هذه الآفة، جلسوا أهل المدينة يدبجون الخطب المطولة في ظاهرة الجراد ، ونظم الشعراء قصائد تذم الجراد وتنذره بالهلاك، وتمجد قوة المدينة ، فتكلم كل متفوه ومتشدق من ساسة ومفكرين وعلماء، بينما الجراد مستمر في زحفه…. وأقبل الجراد وأهل المدينة منهمكون في الجدال، وكل فريق يحاول أن ينتصر لرأيه، فكان الدمار والخراب ، واستمر الجدال العقيم، وحتى هذه الساعة لايزال الجراد يلتهم الأخضر واليابس,, وألا ينطبق مضمون هذه الحدوثة الطفولية على واقع الأمة العربية، التي ما فتئت تعقد مؤتمرات للجدال العقيم والتنديد والوعيد، في حين أن العدو الصهيوني تلتهم جرافاته يوما بعد يوم المئات من الهكتارات التي يملكها الفلسطينيون، وتقوم بتغيير ملامح الوطن الفلسطيني وتهويد مقدساته، وهو نفس الشيء الذي يقع في العديد من الأراضي العربية التي أضحت عرضة للاختراق من كافة الملل والنحل ..  وهكذا يستمر الجدال العقيم وتستمر عدم الثقة بين أقطار الأمة ، ويستمر الاختراق لصفوفها. وما وقع مؤخرا من قطع العلاقات بين مصر والامارات والسعودية والبحرين مع دولة قطر، ما هو إلا نتيجة اجتياح الجراد القادم من بلدان الصقيع لحقولنا ومزارعنا .. فالتكتل العربي الوحيد يعيش الآن مرحلة الاختناق والجدال الفارغ ، وانهيار هذا التجمع الإقليمي رغم علاته يشكل قمة الانتصار الصهيوني في المنطقة ، والذي سعت إليه الولايات المتحدة ،أي شرق أوسط بقوة واحدة تسمى “إسرائل”، حيث جاء “ترامب ليضع اللمسة الأخيرة ، والتي بدأها سلفه جورج بوش الأب وابنه جرج وابنه جورج بوش الابن.

ذ. أحمد الأشهب

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *